ومقبوضٍ بعقدٍ فاسدٍ، ونفع إجارةٍ في الذمة، لا على دية على عاقلةٍ قبل الحول، وبعده لا يصح، ولا على دين كتابةٍ وجعل في جعالةٍ قبل العمل، وبعده يصح، ولا على عهدة مبيعٍ، وعوضٍ غير ثابتٍ في الذمة، كثمنٍ معينٍ، وأجرةٍ معينةٍ في إجارةٍ، وإجارة منافع معينة، كدارٍ ونحوها، أو دابةٍ؛ لحمل شيءٍ معينٍ، إلى مكانٍ معلومٍ.
ويصح رهن ما يسرع إليه الفساد قبل حلول الدَّين، ويبيعه حاكم ويجعل ثمنه رهنًا مكانه (١).
ويصح رهن المشاع، ثم إن رضي الشريك، والمرتهن بكونه في يد أحدهما، أو غيرهما جاز، وإلا جعله حاكمٌ في يد أمينٍ أمانة، أو بأجرة، وله أن يؤجره لهما.
ويحرم رهن مال يتيمٍ لفاسقٍ، ويصح رهن مبيعٍ غير مكيلٍ، وموزونٍ، ومعدودٍ، ومذروعٍ قبل قبضه، ولو على ثمنه، وتقدم حكم المكيل ونحوه (٢).
وما لا يصح بيعه لا يصح رهنه، إلا الثمرة قبل بدو صلاحها، من غير شرط القطع، والزرع الأخضر، وأمة دون ولدها وعكسه، ويباعان، ويوفى الدَّين من المرهون منهما، والباقي للراهن (٣).
ويصح رهن عبدٍ مسلمٍ لكافرٍ، إذا شرط كونه في يد مسلمٍ عدلٍ،
стр. 842
ولا يلزم الرهن في حق الراهن، إلا بالقبض من المرتهن، أو من اتفقا عليه، وصفة قبضه (١) كمبيعٍ.
فلو تصرف فيه راهنٌ قبله، نفذ تصرفه، وبطل الرهن، ولو أذن في قبضه، ثم تصرف نفذ أيضًا.
وإن امتنع من إقباضه لم يجبر، لكن إن شرطه في عقد بيعٍ، وامتنع من إقباضه فللبائع/ [١٦٢/ ب] فسخ البيع إن أحب، ولو رهنه ما في يده، ولو غصبًا صح، كهبته إياه، وزاد ضمانه.
واستدامة قبضه شرطٌ في لزومه، فإن أخرجه المرتهن باختياره إلى الراهن، زال لزومه، فإن رده إليه عاد لزومه.
ولو رهنه عصيرًا فتخمر زال لزومه، فإن تخلل عاد لزومه بحكم العقد السابق.
وإن أجره، أو أعاره من المرتهن، أو غيره بإذنه فلزومه باقٍ.
وعنه (٢) يزول، فعليها ويعود بمضي إجارة، أو إعارة مرتهنٍ، فإن اختلفا في ذلك تعطل الرهن.
وتصرف راهن في رهنٍ لازمٍ، بغير إذن مرتهنٍ لا يصح، إلا العتق مع تحريمه، فإنه ينفذ، ويؤخذ من مؤسر قيمته يوم عتقه رهنًا مكانه، ومتى أيسر معسرٌ بقيمته قبل حلول الدَّين
أخذت منه، وجعلت رهنًا، وله إخراج
стр. 843
زكاةٍ منه بلا إذن مرتهنٍ إن عدم، ومتى أيسر جعل بدله رهنًا.
وله غرس أرضٍ إذا كان الدَّين مؤجلاً، ووطءٌ بشرطٍ ذكره في عيون المسائل، والشيرازي في المنتخب، واقتصر عليه في الفروع (١) أو إذن مرتهنٍ، والرهن بحاله، ويحرم بدونه، ولا يمنع من سقي شجر، وتلقيح، وإنزاء فحلٍ على إناثٍ مرهونةٍ، ومداواةٍ، وفصد ونحوه.
وإن وطئ الجارية فأولدها خرجت من الرهن، وأخذت منه قيمتها فجعلت رهنًا.
وإن أذن مرتهنٌ لراهنٍ في بيع رهنٍ، أو هبته ونحو ذلك ففعل صح، وبطل الرهن، إلا أن يأذن له في بيعه بشرط أن يجعل ثمنه رهنًا مكانه، أو يبيعه بإذنه بعد حل الدَّين فلا يبطل، ويأخذ الدَّين الحال من الثمن، وما سواه يبقى رهنًا إلى أجله.
وإن أذن له في بيعه، بشرط أن يجعل دينه من ثمنه صحّ البيع ولغا الشرط، ويكون الثمن رهنًا.
وللمرتهن الرجوع في كل تصرفٍ أذن فيه قبل وقوعه، فإن ادعى أنه رجع قبل البيع قُبل.
ونماء الرهن متصلاً كان، أو منفصلاً، وكسبه، وأرش الجناية عليه الموجبة للمال من الرهن (٢).
стр. 844
وتأتي الجناية الموجبة للقصاص (١)، ومؤنته/ [١٦٣/ أ] على الراهن، وكفنه إن مات، وأجرة مخزنه إن كان مخزونًا، ورده من إباقه على مالكه نصًّا (٢).
فإن تعذر أخذ ذلك من الراهن بيع منه بقدر الحاجة، فإن خيف استغراقه بيع كله، وهو أمانةٌ في يد مرتهنٍ، ولو قبل العقد كبعد الوفاء إن تلف بغير تعدٍ، أو تفريط فلا شيء عليه كما لو تلف تحت يد العدل (٣)، وإن تعدى فيه، أو فرط فكوديعةٍ، يصير مضمونًا والرهن بحاله.
ولا يسقط بهلاكه شيءٌ من دينه نصًّا (٤)، كدفع عبده ببيعه، ويأخذ حقه من ثمنه، وكحبس عينٍ مؤجرةٍ بعد الفسخ على الأجرة ويتلفان.
وإذا تلف الرهن، لم يلزم الراهن أن يرهن مكانه رهنًا، وإن قضى بعض دينه، أو أبرئ منه وبعضه رهنٌ، أو كفيلٌ وقع عما نواه الدافع، أو المبرئ فإن أطلق صرفه إلى أيهما شاء، وإن تلف بعضه، فباقيه دينٌ بجميع الدَّين، ولو عينين تلفت إحداهما (٥).
ولا ينفك شيءٌ من الرهن، حتى يقضي جميع الدَّين، ويقبل قوله في
стр. 845
التلف دون الرد، وإن ادعاه؛ لحادثةٍ ظاهرةٍ، قُبل قوله فيه ببينةٍ، ثم قوله في تلفه به بدونها.
وإن رهنه عند رجلين، فوفى أحدهما، أو رهنه رجلان شيئًا، فوفاه أحدهما انفك في نصيبه، كتعدد العقد.
وإذا حل الدَّين، وامتنع من وفائه فإن كان الراهن أذن للمرتهن، أو للعدل في بيعه باعه نصًّا (١)، ووفى الدَّين، وإن لم يكن أذن، أو أذن، ثم رجع رفع الأمر إلى حاكمٍ فيجبره على وفاء الدَّين، أو بيع الرهن، فإن لم يفعل حبسه، أو عزره، فإن أبى باعه عليه نصًّا (٢) وقضى الدَّين، وحكم الغائب حكم الممتنع من الوفاء.
فصل
وإذا شرط في الرهن، جَعْلَه على يد عدلٍ، غير الراهن، صح، وقام قبضه مقام قبض المرتهن في اللزوم به، وإن شرط جَعْلَه في يد اثنين، لم يكن لأحدهما الانفراد بحفظه (٣).
وليس للراهن، ولا للمرتهن إذا لم/ [١٦٣/ ب] يتفقا، ولا للحاكم نقله عن يد العدل، إلا أن يتغير حاله، وله رده عليهما، ولا يملك رده إلى
стр. 846
أحدهما، فإن فعل فعليه رده إلى يده، فإن لم يفعل ضمن حق الآخر.
وإن أذن الراهن، والمرتهن للعدل في البيع، أو أذن الراهن للمرتهن فيه وعين نقدًا تعين، وإلا لم يبع، إلا بنقد البلد، فإن كان فيه نقودٌ باع بأغلب نقوده.
فإن تساوت باع بجنس الدَّين، فإن لم يكن، باع بما يرى أنه أصلح.
فإن تساوت عيّن حاكم نقدًا يبيعه به.
وإن قبض الثمن، فتلف في يده، فهو من ضمان الراهن، وإن استحق المبيع، رجع المشتري على الراهن، إن أعلمه العدل أنه وكيلٌ، وإلا فعلى العدل.
وإن ادعى دفع الثمن إلى المرتهن فأنكر ولم يكن قضاه ببينة، ولا حضور راهنٍ ضمن (١)، كما لو أمره بالإشهاد فلم يفعل، ولا يقبل قوله عليهما في تسليمه لمرتهنٍ، فيحلف مرتهن، ويرجع على أيهما شاء.
فإن رجع على العدل، لم يرجع العدل على أحد، وإن رجع على راهنٍ، رجع على العدل، ويأتي حكم الوكيل.
وإن شرط أن يبيعه المرتهن، أو العدل صح، ولم يؤثر فيه.
وكذا كل شرطٍ وافق مقتضى العقد، فإن عزلهما صحّ عزله علما، أولم يعلما.
وإن شرط شرطًا لا يقتضيه العقد، أو منافيه، نحو كون منافعه له، أو
стр. 847
ألا يقتضيه، أو لا يبيعه عند الحلول، أو إن جاءه بحقه في محله، وإلا فالرهن له لم يصح الشرط، والرهن صحيح.
فصل
إذا اختلفا في قدر الدَّين الذي به الرهن، أو قدر الرهن، أو قال: رهنتك ببعض الدَّين، فقال المرتهن: بل بكله، أو قال: أقبضتك عصيرًا في عقد شرط فيه رهنه، قال: بل خمرًا، أو اختلفا في عين الرهن، فالقول قول الراهن (١).
وإن أقر الراهن أنه أعتق العبد قبل رهنه، وكذبه المرتهن عتق،/ [١٦٤/ أ] وأخذت منه قيمته، فجعلت رهنًا كما لو باشر عتقه، وإن أقر أنه كان جنى، أو أنه باعه، أو غصبه قُبل على نفسه، ولم يُقْبل على المرتهن، إلا أن يصدقه (٢).
فصل
وإذا كان الرهن مركوبًا، أو محلوبًا فللمرتهن أن يركب، ويحلب حيوانًا، ولو أمة مرضعة، كما نقله الزركشي، وغيره (٣)، بغير إذن راهنٍ بقدر نفقته نصًّا (٤)، متحريًا للعدل في ذلك، ولو بحضور راهنٍ، وعدم
стр. 848
امتناعه من ذلك، ولا ينهك نصًّا (١)، فإن فضل من الدَّين شيءٌ باعه المأذون له، وإلا الحاكم.
وإن فضل من النفقة شيءٌ، رجع به على راهنه، ولمرتهنٍ أن ينتفع بالرهن بإذن راهنٍ مجانًا ولو بمحاباة مالم يكن الدَّين قرضًا نصّ عليهما (٢).
وإن أنفق على الرهن بغير إذن راهنٍ مع إمكانه فهو متبرعٌ، ولو نوى الرجوع.
وإن عجز عن استئذانه، رجع بالأقل بما أنفق، ونفقة مثله إذا نوى الرجوع ولو قدر على استئذان حاكمٍ ولم يستأذنه.
وعنه (٣) لا يرجع مع القدرة على استئذانه، فإن تعذر رجع مع النية ولولم يشهد، وكذا حكم وديعةٍ، وجَمَّالٍ إذا هرب الجمَّال (٤) وتركها في يد مكترٍ، وتأتي في الإجارة (٥).
стр. 849
وإن انهدمت الدار، فعمرها المرتهن بغير إذن الراهن، لم يرجع به روايةً واحدةً، لكن له أخذ أعيان آلته.
فصل
وإن جنى الرهن جنايةً موجبةً للمال يستغرقه تعلق أرشها برقبته، وخُيّر سيده بين فدائه بالأقل من قيمته، أو أرش جنايته، ويبقى الرهن بحاله، أو يبيعه في الجناية، أو يسلمه إلى ولي الجناية فيملكه، ويبطل الرهن فيهما (١).
قال المنُقِّح (٢): «قاله الأصحاب هنا، وفي مقادير الديات ما يخالفه، والأظهر أن الحكم فيهما واحد، وأن التخيير بين الثلاثة هو المذهب (٣) في الموضعين انتهى».
فإن لم يستغرق الأرش قيمته، بيع منه بقدره، وباقيه رهنٌ، فإن تعذر بيع بعضه بيع كله، وإن/ [١٦٤/ ب] اختار مرتهنٌ فداءه ففداه بإذن راهنه رجع به، وإن فداه بغير إذنه لم يرجع، وإن نوى الرجوع ويأتي حكم جنايته عمدًا (٤).
وإن جنى عليه بجنايةٍ موجبةٍ للقصاص، أو غيره فالخصم سيده، فإن أخر المطالبة؛ لغيبة، أو عذرٍ، أو غيره فللمرتهن المطالبة، ولسيده القصاص
стр. 850
بإذن مرتهن، أو غيره إن أعطاه ما يكون رهنًا، فإن اقتص في نفسٍ، أو دونه أو عفا على مالٍ فعليه نصًّا (١) قيمة، أقلها قيمة يجعل رهنًا مكانه إن قلنا الواجب في قتل العمد أحد شيئين، وإلا لم يضمن في القصاص، قاله الأكثر، والمنصوص (٢) يلزمه إن اقتص قيمة الرهن مطلقًا، أو أرشه.
وكذلك إن جنى على سيده فاقتص منه هو، أو ورثته يعني أن حكم ما لو كانت الجناية على العبد المرهون من أجنبيٍ فاقتص السيد عن المال صحّ في حقه، ولم يصح في حق المرتهن، فيؤخذ من الجاني الأرش فيدفع إلى المرتهن.
فإذا انفك الرهن بأداء راهنٍ، أو إبراءٍ، رد إلى الجاني ما أخذ منه.
وإن استوفاه من الأرش رجع جانٍ على راهنٍ.
وإن وطئ المرتهن الجارية المرهونة، من غير شبهةٍ فعليه الحد (٣)، والمهر، وولدها رقيقٌ للراهن، رهنًا مع أمه، وإن وطئها بإذن راهنٍ عالمًا تحريمه، فلا مهر، وإن ادعى الجهالة، وكان مثله يجهل ذلك، فلا حد، ولا مهر، وولده حرٌ، لا تلزمه قيمته.
وكل أمينٍ طلب منه الرد قبل قوله فيه، فليس له تأخيره؛ ليشهد به، ولو قلنا إنه يحلف، ولا يلزمه دفع الوثيقة بل الإشهاد بأخذه.
قال في الترغيب (٤): ولا يجوز لحاكمٍ إلزامه،/ [١٦٥/ أ] وكذا تسليم
стр. 851
بائعٍ كتابًا (١) ابتاعه إلى مشترٍ، وله بيع رهنٍ جهل ربه إن أيس من معرفته، والصدقة بثمنه، بشرط ضمانه نصًّا (٢).
стр. 852
باب الضمان (١) والكفالة
الضمان: إلزام من يصح تبرعه، أو مفلسٍ (٢) برضاهما ما وجب على غيره مع بقائه، أو ما يجب غير جزيةٍ فيهما بلفظ ضمينٍ، وكفيلٍ، وقبيلٍ، وحميلٍ، وصبيرٍ، وزعيم، وضمنت دينك، أو تحملته ونحوه (٣).
стр. 853
ويصح من أخرسٍ بإشارةٍ مفهومةٍ، ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما، ومطالبتهما معًا في الحياة، والموت، ولو كان المضمون عنه باذلاً لكن لو أحال رب الحق، أو أحيل (١)، أو زال العقد برئ ضامنٌ، وكفيلٌ، وبطل الرهن إن كان، فإن برئ المضمون عنه، برئ الضامن.
وإن برئ الضامن، أو أقر ببراءته، كقوله برئت من الدَّين، أو أبرأتك، لم يكن مقرًا بالقبض، ولم يبرأ مضمون عنه، وبرئت إلىَّ من الدَّين: مقر بقبضه.
ووهبتك الحق تمليك له، فيرجع على مديونٍ.
ولو ضمن ذميٌ لذميٍ عن ذميٍ خمرًا، فأسلم المضمون له، والمضمون عنه، برئ هو، والضامن معًا.
ولو اقترض، أو غصب ذميٌ من ذميٍ خمرًا، فنصه لا شيء له (٢) بإسلام أحدهما، فإن أسلم ضامنٌ، برئ وحده.
ولا يصح إلا من جائز التصرف، إلا المحجور عليه؛ لفلسٍ، وقاله المصنف في الحجر (٣).
ولا يصح من مجنونٍ، ولا صبيٍ، ولو مميزًا فلو ضمن وقال: كان قبل بلوغي.
стр. 854
وقال خصمه: بل بعده، فقال القاضي: قياس قول أحمد ﵀ أن القول قول المضمون له (١).
ولا يصح من سفيهٍ، ولا من عبدٍ بغير إذن سيده، ويصح بإذنه، ويتعلق بذمة السيد، وأن من قال: ما أعطيته فهو علي، ولا قرينة فهو لما وجب، وما بناه المشتري/ [١٦٥/ ب] فقبضه المستحق، رجع بقيمة التالف على البائع، ويدخل في ضمان العهدة (٢)، ولا يصح إلا برضا الضامن، ولا يعتبر رضا المضمون عنه، ولا معرفة الضامن لهما، ولا كون الحق معلومًا، ولا واجبًا إذا كان مآله إلى العلم، أو الوجوب، فلو قال: ضمنت لك ما على فلانٍ، وما تداينه به صح، وله إبطال الضمان قبل وجوبه (٣).
ويصح ضمان دين ضامن، وميتٍ مفلسٍ، وغير مفلس ولا تبرأ ذمته قبل القضاء، وضمان كل دينٍ صحّ أخذ الرهن به، فإن أدى ضامنُ الضامنِ
стр. 855
الدَّين، رجع على ضامنٍ وهو على الأصيل.
ويصح ضمان عهدة بائعٍ لمشترٍ، بأن يضمن عنه الثمن متى خرج المبيع مستحقًا، أو رد بعيبٍ، أو أرش العيب، وعن مشترٍ لبائعٍ، بأن يضمن الثمن الواجب قبل تسليمه، وإن ظهر به عيبٌ، أو استحق فضمان العهدة في الموضعين ضمان الثمن، أو بعضه عن أحدهما للآخر، ولا يصح ضمان دين الكتابة، ولا ضمان الأمانات، كالوديعة ونحوها، إلا أن يضمن التعدي فيها.
ويصح ضمان الأعيان المضمونة، كالغصوب، والقوارب، والمقبوض على وجه السوم من بيعٍ، وإجارةٍ (١)، فلو ضمن مقبوضًا على وجه سوم، بأن يساوم إنسانًا على عينٍ، ويقطع ثمنها، ثم يأخذها؛ ليريها أهله، فإن رضوها، وإلا ردها، أو يساومه، ويأخذه؛ ليريه أهله إن رضوه، وإلا رده من غير قطع ثمنه ضمنه إذا تلف، وصح ضمانه فيهما، إلا إن أخذه بإذن ربه؛ ليريه أهله، فإن رضوه أخذه، وإلا رده من غير مساومةٍ، ولا قطع ثمنٍ فلا يضمنه إذا تلف بغير تفريطٍ، ولا يصح ضمانه.
وإن قضى الضامن الدَّين/ [١٦٦/ أ] متبرعًا لم يرجع بشيءٍ، وكذا إن أحال به وناويًا للرجوع يرجع مطلقًا، وكذا حكم من أدى عن غيره دينًا واجبًا لا زكاة ونحوها (٢) فيرجع بأقل الأمرين مما قضى، حتى قيمة عرضٍ
стр. 856
عوضه به، أو قدر الدَّين، وللضامن مطالبة المضمون عنه بتخليصه قبل الأداء إذا طولب به، إن كان ضمن بإذنه، وإلا فلا، لكن إن أدى الدَّين فله المطالبة بما أدى.
وإن ضمن الضامن، وإن أنكر مضمون له القضاء، وحلف لم يرجع ضامنٌ على مضمونٍ عنه، ولو صدَّقه، إلا أن يكون بحضرته، أو إشهاد، ولو ماتوا، أو غابوا إن صدقه
المضمون عنه، أو ثبت، وإن اعترف بالقضاء، وأنكر المضمون عنه لم يسمع إنكاره، وإن قضى المؤجل قبل أجله لم يرجع حتى يحل.
وإن مات المضمون عنه، أو الضامن لم يحل الدَّين.
وعنه (١) يحل، فعليها أيهما حل عليه بموته، لم يحل على الآخر.
ويصح ضمان الحال مؤجلاً، وإن ضمن المؤجل حالاً لم يلزمه قبل أجله.
فصل في الكفالة
وهي التزام رشيدٍ برضاه، إحضار مكفولٍ به لزمه حقٌ حاضرًا كان، أو غائبًا إلى مكفولٍ له، وتنعقد بألفاظ الضمان، وإن ضمن معرفته أخذ به نصًّا (٢)، ومعناه: أَنِّي أُعَرِّفُكَ مَنْ هُوَ وَأَيْنَ هُوَ (٣)، فإن لم يعرفه ضمن،
стр. 857
ويصح بدون من عليه دينٌ لازمٌ مطلقًا يصح ضمانه من كل ما يلزمه الحضور إلى مجلس الحكم به، ويصح بالأعيان المضمونة، لا بزوجةٍ، وشاهدٍ، ولا إلى أجلٍ مجهولٍ ولو في ضمانٍ؛ لأنه ليس له وقت يستحق مطالبته فيه.
ولا ببدن من عليه حد، أو قصاص (١) ولا بغير معينٍ، كأحد هذين.
وإن كفل بجزءٍ شائعٍ/ [١٦٦/ ب] من إنسانٍ، كثلثٍ، وربعٍ ونحوهما، أو عضوٍ منه وجهًا كان، أو غيره، أو كفل إنسانًا (٢) على أنه إن جاء به، وإلا فهو كفيلٌ بآخر، أو ضامنٌ ما عليه، أو إذا قدم الحاج فأنا كفيلٌ بفلانٍ شهرًا صح.
ولا يصح إلا برضا كفيلٍ كما مر، ولا يعتبر رضا مكفولٍ به، ومتى أحضر المكفول به مكان العقد؛ لتعيينه فيه إن لم يشترط غيره بعد حل الدِّين، أو قبله، ولا ضرر في قبضه وسلمه، برئ مطلقًا، مالم تكن هناك يدٌ حائلةٌ، ظالمة، قاله في المغني (٣)، والمستوعب (٤)، والشرح (٥) وغيرهم، ولا يبرأ بموت كفيلٍ، ولا مكفولٍ له.
وإن مات مكفول به، سواء توانى الكفيل في تسليمه حتى مات، أو لا
стр. 858
نصًّا (١)، أو تلفت العين المكفول بها بفعل الله تعالى قبل المطالبة بها، أو سلم نفسه في محله، برئ الكفيل.
وقيل (٢): لا يبرأ بتلف العين، إلا بشرط البراءة، ألا مال عليه، فإن شرط برئ قولاً واحدًا.
وإذا طالب المكفول به بالحضور معه لزمه ذلك، إن كانت الكفالة بإذنه، أو طالبه صاحب الحق بإحضاره، وإلا فلا.
ويؤخذ الكفيل بالإتيان، فإن كان غائبًا أمهل بقدر ما يمضي، ويحضره، فإن مضى ولم يحضره إما؛ لتوانٍ، أو لهربه، واختفائه، أو لامتناعه، أو لغير ذلك بحيث تعذر إحضاره مع بقائه لزمه ما عليه من الدَّين، إلا إذا شرط البراءة منه، وكذا عوض العين (٣).
وإن كفل اثنان واحدًا فسلمه أحدهما، لم يبرأ الآخر، وكذا إن كفل واحدٌ لاثنين فأبرأه أحدهما، لم يبرأ من الآخر.
وإن كفل الكفيل كفيل آخر صح، فإن برئ الأول، برئ الثاني، ولا عكس.
وإن كفل الثاني ثالثٌ برئ كلٌ منهم ببراءة من قبله، ولا عكس كضمان.
стр. 859
ولو كفل اثنان واحدًا، وكفل/ [١٦٧/ أ] كل واحدٍ منهما كفيل آخر فأحضره أحدهما برئ هو، ومن تكفل به فقط، ولو ضمنه اثنان فقال كل واحدٍ: أنا ضامنٌ لك الدَّين فهو ضمان اشتراكٍ في انفراد، فله مطالبة كل واحدٍ بالدَّين كله (١).
وإن قالا: ضمنا لك الدَّين فهو بينهما بالحصص.
стр. 860
باب الحوالة (١)
وهي انتقال الحق من ذمة، إلى ذمة، واشتقاقها من التحول، فينتقل الحق من ذمة المحيل، إلى ذمة المحال عليه، فلا يملك المحتال (٢) الرجوع عليه بحال، أي سواء أمكن استيفاء الحق، أو تعذر لمطلٍ، أو فلسٍ، أو موتٍ، أو جحودٍ صرح به في الفروع (٣) وغيره، ولعل المراد إذا كان المحتال يعلم الدَّين، أو صدق المحيل عليه، أو ثبت ببينةٍ، وماتت ونحوه، أما إن ضمنه عليه فجحده ولم يمكن إثباته فله الرجوع عليه.
وهي عقد إرفاق تصح بلفظها، أو معناها الخاص، ولا يصح إلا بشروطٍ ثلاثةٍ:
أحدها: أن يحيل على دينٍ مستقرٍ نصًّا (٤)، ولو في ذمة ميتٍ، فإن أحال على مال الكتابة، أو السلم، أو رأس ماله بعد فسخه وتقدم (٥)، أو
стр. 861
بجزيةٍ، أو الصداق قبل الدخول، أو الأجرة بالعقد قبل استيفاء المنافع، لم يصح.
ولا يشترط استقرار المحال به (١) فإن أحال المكاتب سيده، أو الزوج امرأته، صح.
الثاني: اتفاق الدَّينين في الجنس، والصفة، والحلول، والتأجيل كما يشترط في المقاصة، ويشترط علم المال المحال به، وأن يكون مما يصح السلم فيه من المثليات وغيرها، كمعدودٍ، ومذروعٍ.
وقال أبو العباس (٢): الحوالة على ما له في الديوان إذن في الاستيفاء فقط، وللمحتال الرجوع، ومطالبة محيله، وإحالة من لا دين عليه، على من دينه عليه وكالة في استيفاء، ومن لا دين عليه، على/ [١٦٧/ ب] مثله وكالة في اقتراضٍ، وكذا مدين عليه برئ فلا يصارفه نصًّا (٣).
الثالث: أن يحيل برضاه، ولا يعتبر رضا المحال عليه، ولا رضا المحتال إن كان المحال عليه مليئًا، فيجب أن يحتال، فإن امتنع أجبر على قبولها، ويبرأ المحيل بمجرد الحوالة قبل الإجبار (٤)، وتعتبر الملاءة في المال، والقول، والبدن كما فسره أحمد ﵁ (٥).
стр. 862
زاد في الرعاية (١) وفعله، وتمكنه من الأداء، ففي المال، القدرة على الوفاء، وفي القول ألا يكون مماطلاً، وفي البدن إمكان حضوره مجلس الحكم، قاله الزركشي (٢) تفقها.
قال المنُقِّح (٣): «فلا يصح، ولعل الصواب: فلا يلزم أن يحتال على والده» (٤).
وفسر في شرح المحرر (٥) الملاءة في المال: بالقدرة على الوفاء، وفي القول بإقراره بالدَّين، وفي البدن بالحياة، ومتى صحت فرضيا بخيرٍ منه، أو بدونه، أو تعجيله، أو تأجيله، أو عوضه جاز.
وإن رضي ولم يشترط اليسار، وجهله، أو ظنه مليئًا فبان مفلسًا، لم يرجع نصًّا (٦).
فإن ظن ملاءته، فبان معسرًا رجع على المحيل، كما لو بان مفلسًا بلا رضا.
وإذا أحال المشتري البائع بالثمن، أو أحال البائع عليه به، فبان البيع باطلاً ببينة، أو باتفاقهما فالحوالة باطلة.
стр. 863
وإن فسخ بيعٌ بعيبٍ إذا قاله، أو خيار ونحوه بعد قبض المحتال، أو قبله، لم تبطل الحوالة قولاً واحدًا في الأُولى (١)، وعلى المذهب في الثانية (٢)، كأخذ البائع بحقه عرضًا، فعليه للمشتري
الرجوع على البائع في مسألة حوالته، والحوالة عليه لأهلٍ كان عليه الدَّين في المسألة الأولى، ولا على من أحيل عليه في الثانية.
وإن كان قبل القبض فللبائع أن يحيل المشتري على من أحاله المشتري عليه في الصورة الأُولى، وللمشتري أن يحيل المحال عليه على البائع في الثانية.
وإذا قال: أحلتك، قال:/ [١٦٨/ أ] بل وكلتني، أو قال: وكلتك، قال: بل أحلتني فالقول قول مدعي الوكالة.
وكذا إن اتفقا على أنه قال: أحلتك، أو قال: أحلتك بديني، وادعى أحدهما أنه أريد بها الوكالة، وأنكر الآخر.
وإن قال: أحلتك بدينك فالقول قول مدعي الحوالة وجهًا واحدًا (٣).
стр. 864
باب الصلح (١) وحكم الجوار
الصلح: هو التوفيق، والسلم، ويكون بين مسلمين، وأهل حربٍ، وبين أهل بَغْيٍ، وعدلٍ، وبين زوجين إذا خيف الشقاق بينهما، أو خافت امرأة إعراض زوجها عنها، وبين متخاصمين في غير مالٍ، وفي مال عبارة عن معاقدة يتوصل بها إلى موافقة بين مختلفين وهو المراد بهذا الباب.
الصلح في الأموال قسمان:
أحدهما: صلحٌ على الإقرار، وهو نوعان:
أحدهما: الصلح على جنس الحق (٢)، مثل أن يقر له بدينٍ، فيضع عنه بعضه، أو بعينٍ فيهب له بعضها، ويأخذ الباقي، فيصح بغير لفظ الصلح، إن لم يكن بشرطٍ، مثل أن يقول: على أن تعطيني الباقي، أو يمنعه حقه بدونه، ولا يصح ذلك ممن لا يملك التبرع كالمكاتب، والمأذون له، وولي اليتيم، إلا في حال الإنكار، وعدم البينة، ويصح عما ادعى على موليه وبه بينة.
стр. 865
وإن صالح عن مؤجلٍ ببعضه حالاً، لم يصح، إلا في كتابةٍ (١) وعكسه، يصح.
وإن وضع بعض الحال، وأجل باقيه صحّ الإسقاط، دون التأجيل.
وإن صالح عن الحق بأكثر منه من جنسه مثل أن يصالح عن دية الخطأ، أو عن قيمة متلفٍ بأكثر منها من جنسها لم يصح.
وإن صالحه بعوضٍ، وقيمته أكثر منها صحّ فيهما، ويصح عن المثلي بأكثر من قيمته ويضم في دم العمد بدون الدية وأكثر منها إن تعين القود، أو بطلب الولي، إن قيل: الواجب أحد شيئين.
وإن صالحه عن بيتٍ أقر له به ببعضه، أو على أن يسكنه سنة، أو يبني له غرفة لم يصح، وإن/ [١٦٨/ ب] قال: أقر لي بديني، وأعطيك منه مئة ففعل صحّ الصلح.
وإن صالح إنسانًا؛ ليقر له بالعبودية، أو امرأةً؛ لتقر له بالزوجية لم يصح.
وإن دفع المدعى عليه العبودية، أو الزوجية إلى المدعي مالاً صلحًا عن دعواه صح، وكذا لو دفعت إليه مالاً؛ ليقر لها بما وقع من طلاقها (٢)، ويحرم عليه الأخذ، وقيل (٣): لا يصح، قال المنُقِّح (٤): وهو أظهر.
стр. 866
النوع الثاني: أن يصالح عن الحق بغير جنسه فهو معاوضة (١)، فإن كان بأثمان فهو صرف له حكمه، وإن كان بغير الأثمان كعرض عن نقد، أو عنه بنقد، أو عرض فهو بيع، وعن دين يصح بغير جنسه مطلقًا، ويحرم بجنسه بأكثر، أو أقل على سبيل المعاوضة.
وإن كان بمنفعةٍ كسكنى دارٍ فهو إجارة تبطل بتلف الدار كسائر الإجارات.
وإن صالحت المرأة بتزويج نفسها صح.
فإن كان الصلح به عن عيبٍ في مبيعها، فبان أنه ليس بعيبٍ رده، وكذا إن زال، قدمه في الرعايتين (٢)، وقطع به في المذهب، والحاويين، والنظم (٣)، وقيده بزواله سريعًا.
قال المنُقِّح (٤): ولا بد منه، وهو ظاهر الكافي (٥)، والوجيز (٦)، والفروع (٧)، وقيل: لا (٨).
وهو ظاهر الخلاصة، والمحرر (٩)،
стр. 867
والشرح (١)، وغيرهم (٢)، واختاره ابن منجا.
وقيل (٣): إن زال والعقد جائز رده، وإلا فلا.
ويصح الصلح عن مجهولٍ بمعلومٍ، إذا كان مما لا يمكن معرفته؛ للحاجة نصًّا (٤) بنقدٍ، ونسيئةٍ، فإن أمكن معرفته، ولم يتعذر فكبراءة من مجهولٍ.
قال في التلخيص: فيصح على الشهود؛ لقطع النزاع.
فصل
القسم الثاني: أن يدعي عليه عينًا/ [١٦٩/ أ] في يده، أو دينًا في ذمته فينكرهما، أو يسكت، وهو يجهله، ثم يصالحه على مالٍ فيصح، ويكون المال المصالح به بيعًا في حق المدعي، فإن وجد بما أخذه عيبًا، فله رده وفسخ الصلح.
وإن كان شقصًا مشفوعًا ثبتت فيه الشفعة، إلا إذا صالح ببعض العين المدعى بها، فهو كمنكرٍ، ويكون إبراء في حق الآخر، فلا يرد ما صالح عنه بعيبٍ، ولا يؤخذ بشفعةٍ، ومتى كان أحدهما عالمًا بكذب نفسه فالصلح باطلٌ في حقه، وما أخذه حرامٌ عليه، ولا يشهد له إن علم ظلمه.
وإن صالح عن منكرٍ أجنبي بإذنه، أو بغيره صح، سواءٌ كان المدعى
стр. 868
به دينًا، أو عينًا ولو لم يذكر أن المنكر وكله، ويرجع مع الإذن فقط (١).
وإن صالح الأجنبي لنفسه؛ لتكون المطالبة له، غير معترفٍ بصحة الدعوى، أو معترفًا بها والمدعى به دينٌ، أو عين عالما بعجزه عن استنقاذها لم يصح فيهن؛ لكونه شراء مالم يثبت لبائعٍ، أو دينٍ لغير من هو في ذمته، أو مغصوبٍ لا يقدر على تخليصه، وتقدم حكمهن (٢).
وإن علم، أو ظن القدرة عليه، أو عدمها، ثم تبين القدرة، صحّ في العين فقط، ثم إن عجز عن ذلك، فهو مخيرٌ بين فسخ الصلح، وبين إمضائه (٣).
فصل
ويصح الصلح عن القصاص بدياتٍ، وبكل ما يثبت مهرًا حالاً، ومؤجلاً، ولو صالح سارقًا، أو شاربًا؛ ليطلقه، أو شاهدًا؛ ليكتم شهادته، أو لئلا يشهد عليه، أو ليشهد بالزور، أو شفيعًا عن شفعته، أو مقذوفًا عن حده، أو صالح بعوضٍ عن خيارٍ، لم يصح الصلح، وتسقط الشفعة، وحد القذف (٤).
وإن صالحه على أن يجري على أرضه، أو سطحه ماءً معلومًا صح، فإن كان بعوضٍ مع بقاء ملكه فإجارةٌ (٥)، يشترط فيها تقدير المدة، ولا يعتبر
стр. 869
بيان عمقه، ويعلم قدر الماء بتقدير الساقية، وماء مطرٍ بما يزول عنه الماء، أو مساحته.
ويعتبر في ماء المطر إذا صالحه على إجراء الماء على سطحه من سطحه، أو في أرضه عن سطحه، أو في أرضه عن أرضه تقدير ما يجري فيه/ [١٦٩/ ب] الماء، لا قدر المدة؛ لدعوى الحاجة، فيجوز العقد على المنفعة في موضع الحاجة غير مقدرٍ كنكاحٍ.
قال المنُقِّح (١): لكن قال في القواعد: ليس بإجارةٍ محضةٍ؛ لعدم تقدير المدة، بل هو شبيهٌ بالبيع انتهى.
ولا يملك صاحب الماء مجراه؛ لأنه لا يستوفي به منافع المجرى دائمًا، ولا في أكثر المدة بخلاف الساقية فكانت بيعًا تارةً، وإجارة أخرى، ويشترط فيهما ذكر المدة، وسائر شروط الإجارة كما ذكر (٢).
ويشترط أيضًا في ماء المطر المصالح عنه من سطحٍ إلى سطح، ومعرفة الموضع الذي يخرج منه الماء إلى السطح، ويحرم إجراء ماءٍ معلومٍ في ملك إنسانٍ بلا إذنه (٣)، كتضرره، أو أرضه،
ولمستأجرٍ، ولمستعيرٍ، الصلح على إجراء ماءٍ في ساقيةٍ محفورةٍ في مدة إجارته، لا على ماء مطرٍ على سطح.
стр. 870
ولو صالحه على أن يسقي أرضه من نهره، أو عينه يومًا، ونحوه لم يصح؛ لعدم ملك الماء (١).
وإن صالحه على سهمٍ منها كثلثٍ، ونحوه جاز، وكان بيعًا للقرار، والماء تابعٌ له.
ويصح أن يشتري ممرًا في دارٍ، وموضعًا في حائطٍ يفتحه بابًا، وبقعة يحفرها بئرًا، وعلو بيتٍ يبني عليه بنيانًا موصوفًا، وكذا لو كان البيت غير مبنيٍ إذا وصف العلو، والسفل، ومتى زال فله إعادته مطلقًا، ويرجع بأجرة مدة زواله عنه، وله الصلح على زواله، وعدم عوده.
ويصح فعل ذلك صلحًا أبدًا، وإجارة مدة معلومة.
وإن حصل في هوائه أغصان شجرة غيره، أو عروقها في أرضه فطالبه بإزالتها لزمه، فإن أبى لم يجبر؛ لأنه ليس من فعله، ولم يضمن ما تلف به، ولمن حصل في هوائه إزالته بلا حكم حاكمٍ.
وفي الوجيز (٢)، وغيره إن أمكن ليه، وإلا قطعه، ويضمن ما تلف بها بعد المطالبة، وإن صالحه عن ذلك بعوضٍ لم يجز.
وفي المغني (٣) اللائق بمذهبنا صحته، واختاره/ [١٧٠/ أ] ابن حامد، وابن عقيل، وجزم به جماعة (٤).
стр. 871
وإن اتفقا على أن الثمرة لهما، أو بينهما جاز، ولم يلزم، وصلح من مال حائطه، أو لزلق خشبته إلى ملك غيره، كغصنٍ، ولا يجوز أن يشرع إلى طريقٍ نافذٍ جناحًا (١)، ولا سباطًا، ولا
دكةً (٢)، ولا ميزابًا (٣)، إلا بإذن إمامٍ، أو نائبه إن لم يكن فيه ضرر، ولا دكانًا ولو بإذن إمامٍ، ولا أن يفعل ذلك في ملك إنسانٍ، ولا درب غير نافذٍ، إلا بإذن أهله، ويضمن ما تلف به، فإن صالح عن معلوم ذلك بعوضٍ صح.
وإذا كان ظهر داره في درب غير نافذٍ ففتح بابًا لغير الاستطراق جاز، ولا يجوز للاستطراق، إلا بإذنهم نصًّا فيهما (٤)، وإن صالحهم جاز، ويجوز في دربٍ نافذٍ، ولو أن بابه في آخر الدرب، ملك نقله إلى أوله إن لم يحصل ضررٌ، كفتحه مقابل باب غيره ونحوه.
стр. 872
ولم يملك نقله إلى داخلٍ منه نصًّا (١) إن لم يأذن من فوقه، ويكون إعارة.
ولو كان له داران، ظهر كل واحدةٍ منهما إلى ظهر الأخرى، وباب كل واحدة منهما في دربٍ غير نافذٍ، فرفع الحاجز بينهما، وجعلهما دارًا واحدةً جاز.
وإن فتح من كل واحدةٍ منهما بابًا إلى الأخرى؛ ليتمكن من التطرق من كل واحدٍ منهما إلى الدارين، فقال القاضي (٢): لا يجوز.
وقال الشيخ (٣): الأشبه الجواز، وليس له أن يفتح في حائط جاره، ولا الحائط المشترك رَوْزَنَة (٤)، ولا طَاقًا (٥)، ولا غيرهما من التصرفات حتى بضرب وتد، ولا أن يعليه، ولا يحدث عليه
سترة، ولا حائطًا، ولا خُصًّا (٦) يفصل به بين السطحين إلا بإذن صاحبه، وله الاستناد إليه وإسناد شيءٍ لا يضره، ولا يمكن التحرز منه، والجلوس في ظله، ونظره في ضوء سراجه بلا إذن.
стр. 873
وأعجب أحمد ﵁ استئذانه، فإن منعه حاكمه ولو كان له حق ماءٍ يجري على سطح جاره لم يجز له تعلية سطحه؛ ليمنع الماء، ولو كثر ضرره.
وليس له وضع/ [١٧٠/ ب] خشبة عليه، إلا عند الضرورة فيجوز، إن لم يتضرر الحائط نصًّا (١).
وليس له منعه منه إذًا، فإن أبى أجبره حاكمٌ، وكذا حكم جدار مسجدٍ.
ومن ملك وضع خشبةٍ على حائطٍ، فزال بسقوطه، أو قلعه، أو سقوط الحائط فله إعادته بشرطه، ومتى وجده، أو بناه، أو مسيل مائه ونحوه في حق غيره، ولم يعلم سببه فالظاهر وضعه بحقٍ، فإن زال فله إعادته.
ويلزم أعلى الجارين بناء سترةٍ تمنع مشارفة الأسفل، فإن استويا اشتركا، وأيهما أبى أجبر.
وإن كان بينهما حائطٌ، أو سقفٌ فانهدم فطالب أحدهما صاحبه ببنائه معه أجبر، كنقضه عند خوف سقوطه.
وعنه (٢) لا يجبر، كبناء حاجزٍ بين ملكيهما فعليها ليس له منع شريكه من بنائه، وله بناؤه بغير حكم حاكمٍ، فإن بناه بآلته فبينهما وليس له منعٌ من الانتفاع به ويعطيه نصف قيمة تالفيه لما ليس له نقضه فيمكنه من الانتفاع،
стр. 874
ويطالبه بها. وقيل: له منعه.
قال المنُقِّح (١): وهو أظهر.
وإن بناه بآلةٍ من عنده فهو له، وله منع الشريك من غير رسم (٢) طرح خشبٍ حتى يدفع نصف قيمة حقه، فيملك منع ما كان له فيه من الحق قبل الهدم مما كان له عليه من بناءٍ، أو خشبٍ ونحوهما.
ويمنع في صورة السقف صاحب السفل من سكناه في ظاهر قوله، قاله صاحب المحرر (٣) وغيره، فإن بدلها لزمه قبولها، ويمتنع إذًا نقضه على الأُولى، وعلى الثانية له نقضه، وأخذ آلته لا لغير بانيه قاله في الفروع (٤).
وقال الشيخ وغيره (٥): «فإن قال الشريك: أنا أدفع إليك نصف قيمة البناء، ولا تنقضه لم يجبر على ذلك».
وإن أراد غير الباني نقضه، أو إجبار بانيه على نقضه، لم يكن له ذلك على الروايتين انتهى.
وحيث قلنا: يجبر فامتنع أخذ الحاكم، وأنفق، وإن كان له متاعٌ باعه، وأنفق منه، فإن لم يكن اقترض عليه وأنفق.
стр. 875
وإن/ [١٧١/ أ] أنفق الشريك بإذنه، أو إذن حاكمٍ، أو نية رجوعٍ رجع بما أنفق على حصة الشريك.
ولو انهدم سفل علوه لغيره، انفرد صاحبه ببنائه، وأجبر عليه، وإن كان بينهما نهر، أو بئر ودُولاب (١)، أو ناعورة (٢)، أو قناة، واحتاج إلى عمارة فعلى ما تقدم من الحائط، والسقف منه، ليس لأحدهما منع صاحبه من عمارته، فإذا عمره فالماء بينهما على الشركة، ويجبر الشريك على العمارة مع شريكه في الأملاك المشتركة.
ولو انهدم جدار أحدهما، وخيف ضرره نقضاه، فإن أبى أحدهما، أجبره الحاكم، فإن تعذر، ضمن ما تلف به إذا أشهد على شريكه، وإلا فلا.
وإن كان نهر، أوساقية مشتركًا بين جماعةٍ فاحتاج إلى كريه، أو سد شقه فيه، أو إصلاح حائطه، أو شيءٍ منه كان ذلك بينهم على حسب ملكهم فيه، فإن كان بعضهم أدنى إلى أوله من بعض، اشترك الملك في كريه، وإصلاحه حتى يصلوا إلى الأول، ثم لا شيء على الأَوَّل، ويشترك الباقون حتى يصلوا إلى الثاني، ثم لا شيء عليه، ويشترك من بعده كلما انتهى العمل إلى موضع واحدٍ منهم لم يكن عليه فيها بعده شيءٌ قاله الْمُوَفَّق (٣).
стр. 876
ومتى هدم مشتركًا من حائطٍ، أو سقفٍ فإن خيف سقوطه ووجب هدمه فلا شيء عليه، وحكمه حكم ما لو انهدم بنفسه، وإن كان لغير ذلك؛ لحاجةٍ، أو غيرها التزم إعادته أولاً، فعليه إعادته (١)، ويحرم إحداثه في ملكه ما يضر بجاره، كحمّامٍ، وكنيفٍ (٢)، وَرَحى، وتنُّور (٣)، وحفر بئرٍ ينقطع بها ماء بئر جاره ونحوه، وكَدَق، وسقي، يتعدى إليه بخلاف، طبخه، وخبزه فيه.
ولو ادعى أن بئره فسدت من خلاء جاره، أو بالوعته وكان/ [١٧١/ ب] البئر أقدم منهما طرح في الخلاء، أو البالوعة فقط، فإن لم يظهر طعمه، ولا رائحته في البئر، علم أن فسادها بغيره، وإن ظهر ذلك فيها كلف صاحب الخلاء، والبالوعة نقل ذلك، إن لم يمكن إصلاحه.
стр. 877
كتاب الحجر (١)
وهو منع الإنسان من التصرف في ماله، وهو على ضربين:
حجر لحق الغير، كحجرٍ على مفلسٍ، ومريضٍ فيما زاد على الثلث، وعبد، ومكاتب، ومشترٍ ماله في البلد، أو قريب منه بعد تسليمه المبيع، وراهن، ومشتر، بعد طلب شفيعٍ، ومرتدٍ، وغير ذلك على ما يأتي (٢).
نذكر منه هاهنا الحجر على المفلس، وهو من لا مال له، ولا ما يدفع به حاجته. وشرعًا: من لزمه أكثر من ماله (٣).
فحجر المفلس: منع حاكم من عليه دين حال، يعجز عنه ماله الموجود مدة الحجر من التصرف فيه.
ومن لزمه دين مؤجلٌ، حرم مطالبته به قبل أجله، ولم يحجر عليه من أجله (٤).
وإن أراد سفرًا طويلاً فحل الدَّين قبل فراغه، أو بعده مخوفًا كان، أو
стр. 878
غيره فلغريمه منعه في غير جهاد متعين، إلا أن يوثقه برهنٍ يحرزه، أو كفيلٍ مليءٍ، ولا يملك تحليل محرم.
وإن كان دينه حالاً، وهو عاجزٌ عن وفاء شيءٍ منه، حرم مطالبته من الحجر عليه، وملازمته، وإن كان له مالٌ يفي بدينه، لم يحجر عليه، ويجب على الحاكم أن يأمره بوفائه، إن طلبها الغرماء منه.
ويجب على قادرٍ وفاؤه على الفور بطلب ربه، أو عند أجله إن كان مؤجلاً، وإلا فلا. ولو مطل حتى شكا عليه فما غرمه بسببه فعلى المماطل.
وفي الرعاية (١) لو أحضر مدّعَى به، ولم يثبت للمدعي، لزمه مؤنة إحضاره ورده، وإلا لزما المنكِر.
وقال أبو العباس (٢): لو تعيب مضمون عنه فعدم الضامن بسببه، أو غرم بسبب/ [١٧٢/ أ] كذب عليه عند ولي الأمر، رجع على المتسبب، فإن أبى الوفاء حبسه، وليس له إخراجه حتى يتبين له أمره، ببراءٍ من غريمه بوفاء، أو إبراء ببراءة غريمه، أو يوفيه.
وإن ادعى الإعسار، وكان دينه عن عوضٍ، كالبيع، والقرض، أو عرف له مال سابق، والغالب بقاؤه من غير عوض (٣)، وأقر أنه مَليء حُبِسَ، إلا أن يدعي تلفًا ونحوه وسأل سؤاله ويصدقه فلا، وإن أنكره وأقام بينة
стр. 879
بقدرته، أو حلف بحسب جوابه حبس، فإن لم يحلف، حلف المدين، وخُلي، إلا أن يقيم بينة تشهد له؛ فإن شهدت بنفاد ماله، أو تلفه، حلف معها أنه لا مال له في الباطن.
وإن شهدت بإعساره يعتبر فيها أن يكون ممن يخبر باطن حاله، ولا يحلف معها؛ لئلا يكون مكذبًا لبينته.
ويكفي في الحالين أن تشهد بالتلف، والإعسار، وتسمع قبل حبسه وبعده.
وإن كان له مال لا يفي بدينه فسأل غرماؤه، أو بعضهم الحاكم الحجر عليه لزمه إجابتهم، ويستحب إظهار الحجر عليه، والإشهاد عليه (١).
فصل
كل ما فعله المفلس في ماله قبل الحجر عليه، فهو نافذٌ نصًّا (٢)، ولو استغرق جميع ماله، مع أنه يحرم إن أضر بغريمه، وبعده يتعلق به أربعة أحكامٍ:
أحدها: تعلق حق الغرماء، بماله فلا يقبل إقراره عليه، ولا يصح تصرفه فيه حتى ما يتجدد له من مالٍ من أرش جناية، وإرثٍ، ونحوهما، ولو عتقا إلا بتدبيرٍ.
стр. 880
وفي المستوعب (١) وصدقة بمالٍ يسيرٍ، وله رد ما اشتراه قبل الحجر بعيبٍ، أو خيارٍ، ويكفِّر هو، وسفيه بصومٍ (٢)، فإن فك حجره قبل تكفيره، وقدر كفَّر بغيره (٣).
وإن تصرف في ذمته بشراءٍ، أو/ [١٧٢/ ب] ضمانٍ، أو إقرارٍ، صح، وَيُتْبَعُ به بعد فك الحجر عنه، ولا يشاركون غرماءه قبل الحجر، سواءٌ نسب بما أقر به إلى ما قبل الحجر، أو بعده.
وإن جنى شارك المجني عليه الغرماء، وإن جنى عبده قدم المجني عليه بعلمه على الغرماء (٤).
فصل
الحكم الثاني: أن من وجد عنده عينًا باعها إياه ولو بعد الحجر عليه غير عالمٍ به، أو عين قرضه، أو رأس مال سلم، أو غير ذلك حتى عينا مؤجرة لم يمض من المدة شيءٌ، أو مكريًا نفسه فهو أحق به، إن شاء ولو بعد خروجها عن ملكه، وعودها إليه بفسخٍ، أو شراءٍ، ونحوه، أو بذل له كل ثمنها نصًّا (٥).
وفي الوجيز (٦): لا من المفلس، ولعله مرادهم، بشرط أن يكون المفلس حيًا إلى حين أخذه، ولم ينقد من ثمن المبيع شيئًا، ولا أبرئ من