التراجع، يرجعان بما أخرجاه.
وما يشتريه كل واحدٍ منهما بعد عقد الشركة فهو بينهما.
وإن تلف أحد المالين ولو قبل الخلط، فهو من ضمانهما، والوضيعة على قدر المال (١).
فصل
ولكل واحدٍ منهما أن يبيع، ويشتري، وَيَقْبِضَ وَيُقْبِضَ، ويطالب بالدَّين ويخاصم فيه، ويحيل، ويحتال، ويرد بالعيب للخلط، ولو رضي شريكه، ويقر، وَيُقَايِل (٢)، ويفعل كل ما هو من مصلحة تجارتهما (٣).
وليس له أن يكاتب الرقيق، ولا يزوجه، ولا يعتقه بمالٍ، ولا يهب، ولا يقرض، ولا يحابي، ولا يضارب بالمال، ولا يشارك فيه، ولا يأخذ به سفتجة (٤) كأن يدفع إلى إنسانٍ شيئًا من مال الشركة، ويأخذ منه كتابًا إلى
стр. 912
وكيله ببلدٍ أخرى، يستوفي منه ذلك المال، ولا يعطيها بأن يأخذ من إنسانٍ عَرْضًا، ويعطيه بثمنه كتابًا إلى وكيله ببلدٍ أخرى يستوفي منه ذلك، إلا بإذن شريكه.
قال المنُقِّح (١): والأظهر فيهما الصحة مطلقًا؛ لمصلحةٍ، ويملك الإيداع؛ للحاجة، والإيجار، والاستئجار، والبيع نساءً، والرهن، والارتهان عند الحاجة، وليس له أن يبضع، أو يوكل فيما يتولى مثله بنفسه، وهو كمضاربٍ فيما له وعليه، ويمنع منه، وله السفر مع الأمن، فلو سافر والغالب العطب ضمن، ذكره أبو الفرج.
قال في الفروع (٢): وظاهر كلام غيره، وفيما ليس الغالب السلامة فيه، ومثله ولي يتيمٍ، وإن لم يعلما بخوفه، لم يضمنا.
وإن علم عقوبة سلطانٍ (٣) ببلدٍ بأخذ مال، فسافر إليه فأخذه ضمنه؛ لتعريضه للأخذ، وليس له أن يستدين على مال الشركة، بأن يشتري بأكثر من رأس المال، أو بثمنٍ ليس معه
من/ [١٨١/ أ] جنسه إلا في النقدين، فإن فعل فهو عليه، وربحه له، إلا أن يأذن شريكه، وهذا المنع المتقدم مع الإطلاق، أما لو أذن فيه، أو قال: اعمل برأيك، جاز الكل حتى دفعه مضاربة نصًّا (٤).
стр. 913
وإن أخذ حقه من الدَّين جاز، لكن لو قبض شريكه شيئًا ممالم يؤخذ كان له مشاركته فيه، وتقدم في آخر السلم بأتم من هذا (١)، وله حبس غريمٍ مع منع الآخر منه.
وإن تقاسما الدَّين في الذمة، أو الذمم لم يصح نصًّا (٢).
وإن أبرأ من الدِّين لزم في حقه دون صاحبه، وكذلك إن أقر بمالٍ على الشركة عينًا كان، أو دينًا قبل الفرقة بينهما لزم في حقه، ولم يقبل على شريكه.
وقال القاضي: يقبل إقراره على مال الشركة (٣).
قال المنُقِّح (٤): وهو أظهر، كالمتعلق بها.
وعلى كل واحدٍ أن يتولى ما جرت العادة أن يتولاه، من نشر الثوب، وطيه، وختم الكيس، وإحرازه، فإن فعله بأجرةٍ غرمها.
وما جرت العادة أن يستنيب فيه، كالاستئجار، والنداء على المتاع ونحوه، فله أن يستأجر من يفعله، وليس له فعله؛ ليأخذ أجرته بلا شرطٍ.
وإذا استأجر أحدهما الآخر، فيما لا يستحق أجرته، إلا بعملٍ فيه جاز، كداره، وبذل خفارة، وعشرٍ على المال. قال أحمد ﵁: ما أنفق على المال فعلى المال.
стр. 914
ويحرم على شريكٍ في زرعٍ، فرك شيءٍ من سنبله يأكله بلا إذن.
وفي الفروع (١) يتوجه عكسه.
فصل
والشروط في الشركة ضربان:
صحيحٌ، مثل أن يشترط ألا يتجر إلا في نوع من المتاع، أو بلدٍ بعينه، أو لا يبيع إلا بنقدٍ معلومٍ، أو لا يسافر بالمال، ولا يبيع إلا من فلان.
وفاسدٌ مثل أن يشترط ما يعود بجهالة/ [١٨١/ ب] الربح كأن يشترط جزءًا من الربح مجهولاً، أو ربح أحد الكيسين، أو أحد الألفين، أو العبدين، أو أحد السفرتين، أو ما ربح في هذا الشهر ونحوه نصًّا (٢)، أو ما يشترط عليه ضمان المال (٣)، أو أن عليه من الوضيعة أكثر من قدر ماله، وأن يوليه ما يختار من السلع، أو يرتفق بها، أو لا يفسخ الشركة مدةً بعينها فما يعود بجهالة الربح يفسد به العقد، وما لا يعود بجهالته، كوضيعة ماله، أو بعضه على صاحبه، أو لزوم العقد، أو خدمة، أو قرضٍ، أو مضاربةٍ أخرى، أو شرطه لأجنبيٍ، أو أيما أعجبه أخذه بثمنه، أو الارتفاق بالسلع ونحوه، لا يفسد العقد نصًّا (٤).
стр. 915
وإذا فسد العقد، قسم ربح شركة عنان، ووجوه، على قدر المالين كالوضيعة، وقسمة أجرة ما تقبلاه (١) في الأبدان بالسوية، ويرجع أحدهما فيها، وفي شركة وجوه، وأبدان بأجرة نصف عمله.
وإن تعدى شريكٌ ضمن، والربح لرب المال نصًّا (٢)، وعقدٌ فاسدٌ في كل أمانةٍ، وتبرع كمضاربةٍ، وشركة، ووكالة، ووديعة، ورهنٍ، وهبة، وصدقة ونحوها كصحيحٍ في ضمانٍ وعدمه.
وكل عقدٍ لازمٍ يجب الضمان في صحيحه، يجب في فساده كبيعٍ، وإجارةٍ، ونكاحٍ ونحوها.
فصل
الثاني المضاربة (٣): وهي دفع مالٍ وما في معناه، معينٍ، معلومٍ قدره، ولا صبرة نقدٍ، ولا أحد كيسين، سواءً إلى من يتجر فيه بجزءٍ معلومٍ من ربحه له، أو لعبده، أو لأجنبيٍ مع عملٍ منه، ويسمى أيضًا قراضًا، ومعاملةً،
стр. 916
وهي أمانة، ووكالة.
فإن ربح فشركة،/ [١٨٢/ أ] وإن فسد فإجارة، وإن تعدى فغصب (١).
وقال في الهدي (٢): المضارب أمين، وأجير، ووكيل، وشريك، فأمينٌ إذا قبض المال، ووكيلٌ إذا تصرف فيه، وأجير فيما يباشره من العمل بنفسه، وشريك إذا ظهر فيه، ويكفي مباشرته فلا يعتبر نطقٌ.
فإن قال: خذه فاتجر به، والربح كله لي فهو إبضاعٌ، لا حق للعامل فيه.
وإن قال: الربح كله لك، فقرضٌ، لاحق لرب المال فيه، وليس بشركةٍ.
وإن قال: الربح بيننا، فبينهما نصفان، وإن قال: خذه مضاربةً، والربح كله لك، أو قال: لي، لم يصح.
وإن قال: لك ثلث الربح، ولم يذكر نصيب العامل صح، والباقي للعامل.
وإن اختلفا لمن الجزء المشروط فللعامل، وكذا حكم المساقاة، والمزارعة فيما تقدم (٣).
وحكم المضاربة حكم الشركة، فيما للعامل أن يفعله، أو لا يفعله، وما يلزمه فعله وفي الشروط.
стр. 917
وإن فسدت فالربح لرب المال، وللعامل أجرة مثله خسر المال، أو ربح نصًّا (١)، ولولم يعمل العامل شيئًا، إلا أنه صرف الذهب بالورق، فارتفع الصرف، استحق العامل حصته، ولا ضمان عليه فيها، ويصح تعليقها، والمنصوص (٢) وبع هذا، وما حصل ثمنه فقد ضاربتك به، ويصح تأقيتها، فلو قال: فإذا مضى فهو قرضٌ، فمضى وهو ناضٌّ (٣) صار قرضًا، وكذا لو كان متاعًا، فإذا باعه كان قرضًا نصًّا (٤)، ويصح قوله: إذا انقضت السنة فلا تشتر.
وإن قال: بع هذا العرض، وطالب بثمنه، أو اقبض وديعتي، أو ديني وضارب به، أو بعين مالي الذي غصبته مني صح، وزال/ [١٨٢/ ب] ضمان الغصب.
ويصح قوله: إذا قدم الحاج فضارب بوديعتي، أو بغيرها.
وإن قال: ضارب بالدَّين الذي عليك، أو بديني على زيد فاقبضه لم يصح.
وإن أخرج مالاً؛ ليعمل فيه هو وآخر، والربح بينهما صحّ نصًّا (٥)،
стр. 918
وكان مضاربةً، وكذا مساقاة، ومزارعة، وإن شرط فيهن عمل المالك، أو غلامه معه صح، كبهيمته، ولا يضر عمل المالك بلا شرط نصًّا (١).
فصل
وليس للعامل شراء من يعتق عليه رب المال، فإن فعل صح، وعتق، وضمن ثمنه علم، أولم يعلم (٢).
وإن اشترى امرأة رب المال، أو كان ربه امرأة فاشترى زوجها، صح، وانفسخ النكاح فيهما، وإن اشترى من يعتق على نفسه ولم يظهر ربح، لم يعتق، وإن ظهر ربح عتق.
وليس له الشراء من مال المضاربة إن ظهر ربحٌ، وإلا صحّ نصًّا (٣).
ولا أن يضارب لآخر، إذا كان فيه ضررٌ على الأَوَّل، فإن فعل حرم، ورد نصيبه من الربح في شركة الأَوَّل نصًّا (٤)، ولا خلط مال المضاربة بمال نفسه، ولا غيره، وإن دفع إليه ألفين في وقتين لم يخلطهما نصًّا (٥)، فإن أذن
стр. 919
له، قبل تصرفه في الأَوَّل، أو بعده وقد نض جاز، وصار مضاربةً واحدة.
وليس لرب المال أن يشتري من مال المضاربة شيئًا لنفسه، وكملك شراء السيد من عبده المأذون.
وإن اشترى أحد الشريكين نصيب شريكه صح.
وإن اشترى الجميع بطل في نصيبه، وصح في نصيب شريكه.
وليس لمضاربٍ نفقة ولو مع السفر، إلا بشرط نصًّا (١)، كوكيلٍ، فإن شرطها له وأطلق فاختلفا، فله نفقة مثله عرفًا من طعامٍ، وإن كان يتجر في مالين فعلى قدرهما، إلا أن يشترط
أحدهما النفقة من ماله مع علمه بذلك، وإن لقيه رب المال/ [١٨٣/ أ] ببلدٍ أذن له في سفره إليه، وقد نض فأخذه فله نفقة رجوعه في وجه، قاله في الفروع (٢).
وقدم في المغني (٣)، وتابعه الشارح (٤)، وجزم به في الرعاية (٥) لا نفقة، وله التسري بإذن، فإذا اشترى جاريةً ملكها، وصار ثمنها قرضًا نصًّا (٦).
وليس للمضارب ربحٌ حتى يستوفي رأس المال، فإن اشترى سلعتين
стр. 920
بالمال، فربح في أحداهما، أو في إحدى السفرتين، وخسر في أخرى، جبرت الوضيعة من الربح كما يأتي من ربح باقيه قبل قسمته ناضًّا، أو تنضيضه مع محاسبته نص عليهما (١).
وإن تلف بعض رأس المال قبل تصرفه فيه انفسخت فيه المضاربة، وكان رأس المال الباقي خاصة، والمضاربة بحالها، أو بعضه.
وإن تلف، أو تعيب، أو خسر بسبب مرضٍ، أو تغير صفة، أو ترك السعر بعد تصرفه فيه، جبرت الوضيعة.
وإن تلف المال، ثم اشترى سلعةً في ذمته للمضاربة فهي له، وثمنها عليه، إلا أن يجيزه رب المال، وإن تلف بعد الشراء قبل فقد ثمنها، بأن اشترى في الذمة، أو تلف هو، والسلعة فالمضاربة بحالها، والثمن على رب المال، ولصاحب السلعة مطالبة كل منهما بالثمن، ويرجع به العامل، فلو كان المال مئة، فخسر عشرة نقص بها، وقسطها بما خسر درهم وتسع، ولو اشترى عبدين بمئة، فتلف أحدهما، وباع الآخر بخمسين فأخذ منها رب المال خمسة وعشرين بقي رأس المال خمسين؛ لأن رب المال أخذ نصف المال الموجود، فسقط نصف الخسران، ولو لم يتلف العبد، وباعهما بمئة/ [١٨٣/ ب] وعشرين، فأخذ رب المال ستين، ثم خسر العامل فيما
معه عشرين، فله من الربح خمسة؛ لأن سدس ما أخذه رب المال ربحٌ، للعامل نصفه، وقد انفسخت المضاربة فيه، فلا يجبر له خسران الباقي.
وإن اقتسما العشرين الربح خاصة، ثم خسر عشرين، فعلى العامل رد
стр. 921
ما أخذه، وبقي رأس المال تسعين؛ لأن العشرة الباقية مع رب المال تحسب من رأس المال، ومهما بقي العقد على رأس المال، وجب جبر خسرانه من ربحه، وإن قسما الربح.
قال أحمد (١) ﵁: إلا أن يقبض رأس المال صاحبه، ثم يرده إليه، أو يحتسبا حسابًا كالقرض، وهو أن يظهر المال ويجيء به فيحتسبان عليه، فإن شاء صاحبه قبضه، ولا يكون ذلك إلا في الناض دون المتاع؛ لأن المتاع قد يتغير سعره، وأما قبل ذلك، فالوضيعة تحسب من الربح، ولذلك لو طلب أحدهما قسمة الربح، دون رأس المال لم يجب إجابته؛ لأنه لا يأمن الخسران في الثاني.
وإن اقتسما على قسمةٍ، أو قسم بعضه، أو على أن يأخذ كل واحدٍ منهما كل يومٍ قدرًا معلومًا جاز، وإتلاف المالك للمال كقسمة، فيغرم نصيبه، وكذا الأجنبي، ومن الربح مهر، وثمرة، وأجرة، وأرش عيبٍ، ونتاج، وإذا ظهر الربح لم يكن له أخذ شيءٍ منه، إلا بإذن رب المال نصًّا (٢).
ويملك العامل حصته من الربح بالظهور قبل القسمة كرب المال، وإن طلب العامل البيع مع بقاء قراضه وفسخه، فأبى رب المال أجبر، إن كان فيه ربحٌ نصا (٣)، وإلا فلا.
стр. 922
وإن انفسخ القراض، والمال عرض، فرضي رب المال أن يأخذ بماله من العرض فله ذلك نصًّا (١)، فيقوم عليه، ويدفع حصة العامل، ثم إن ارتفع السعر، لم يطالبه العامل بشيءٍ، وإن لم يرض بأخذه من ذلك وطلب البيع، أو طلبه ابتداء/ [١٨٤/ أ] فله ذلك، ويلزم المضارب بيعه.
وإن كان رأس المال دراهم فصار دنانيرَ، أو عكسه فكعرضٍ، وإن انفسخ، والمال دينٌ لزم العامل تقاضيه سواءً كان فيه ربحٌ، أولم يكن، وإن قارض في المرض، فالربح من رأس المال، وإن زاد على أجرة المثل، ويقدم به على سائر الغرماء.
وإن مات المضارب نصًّا (٢) فجأة، أو لا، ولم يعرف حال المضاربة؛ لعدم تعيين العامل له، وجهل بقائه فهو دينٌ في تركته، لصاحبه أسوة الغرماء، وكذلك الوديعة، ومثله لو مات وصيٌ، وجهل بقاء ماله موليه، قاله في الفروع (٣).
قال أبو العباس (٤): هو في تركته.
وإن أراد المالك تقرير وارثه فمضاربة مبتدأة؛ لانفساخها بالموت، ولا يبيع عرضًا بلا إذنه فيبيعه حاكم، ويقسم الربح، ووارث المالك كهو،
стр. 923
فيقرر ما لمضاربٍ، ويقدم على غريمٍ، ولا يشتري وهو في بيعٍ، واقتضاء دينٍ كفسخها، والمالك حي.
فصل
والعامل أمينٌ، لا ضمان عليه فيما تلف بغير تعدٍ، ولا تفريط، والقول قوله في قدر رأس المال، والربح، وأنه ربح، أو لا، وفيما يدعيه من هلاكٍ، وخسرانٍ، وما يذكر أنه اشتراه لنفسه، أو للقراض، وما يدعى عليه من خيانة، أو جنايةٍ، أو مخالفته شيئًا مما شرط عليه، والقول قول رب المال في رده إليه، وفي الجزاء المشروط للعامل بعد الربح نصًّا فيهما (١) كقبوله في صفة خروجه عن يده.
فلو دفع إليه مالاً يتجر فيه، ثم اختلفا فقال رب المال: كان قِراضًا فربحه بيننا، وقال العامل: كان قَرضًا فربحه كله لي، فالقول قول رب المال، فيحلف، ويقسم الربح بينهما.
وإن أقام كل واحدٍ منهما بدعواه تعارضتا، وقسم بينهما نصفين/ [١٨٤/ ب].
وإن قال: رب المال كان بضاعة، وقال العامل: كان قِراضًا، حلف كل واحدٍ منهما على إنكار ما ادعاه خصمه، وكان للعامل أجرة عمله، لا غير.
وإن خسر المال، أو تلف، فقول رب المال (٢)، وكذا القول في الإذن
стр. 924
في البيع نساءً، وفي الشراء بكذا، أو السفر به نصًّا (١).
وإن قال العامل: ربحت ألفًا، ثم خسرتها، أو هَلَكَت، قُبِل قوله، وإن قال: غلطت، أو نسيت، أو كذبت، لم يقبل.
ولو دفع عبده، أو دابته إلى من يعمل بهما بجزءٍ من الأجرة، أو ثوبًا يخيطه، أو غزلاً ينسجه بجزءٍ من ربحه، واستيفاء مالٍ مشاعٍ منه ونحوه، وغزوه بدابةٍ بجزءٍ من السهم، وهي مسألة قفيز الطحان (٢).
ولو دفع دابته، أو نحله لمن يقوم به بجزءٍ من نمائه كدرٍ، ونسلٍ، وصوفٍ، وعسلٍ ونحوه، لم يصح نصًّا (٣)، وبجزءٍ منه يجوز مدة معلومة، ونماؤه ملكٌ لهما.
فصل
الثالث شركة وجوهٍ (٤): وهي أن يشتركا في ربح ما اشترياه في
стр. 925
ذممهما، بجاههما عينا جنسه، أو قدره، أو وقته، أو لا.
فلو قال كلٌ منهما للآخر: ما اشتريت من شيءٍ فبيننا صح، فما ربحا فهو بينهما، وكل منهما وكيل صاحبه، كفيل عنه بالثمن، والملك بينهما على ما شرطاه، والوضيعة على قدر ملكيهما، والربح ما شرطاه، وهما في التصرفات كشريكي العنان (١).
فصل
الرابع شركة الأبدان (٢): وهي أن يشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما في المباح، أو في أجر ما تقبلاه في ذممهما من العمل فهي شركة صحيحة، ولو مع اختلاف الصنائع (٣)، وما يتقبله أحدهما من العمل يصير في ضمانهما، يطالبان به، ويلزمهما عمله، ويلزم غير العارف منهما أن يقيم مقامه، وتصح في تملك/ [١٨٥/ أ] المباحات من الاحتشاش، والاصطياد، والتلصص (٤) على دار الحرب، وسائر المباحات، والاستئجار عليها.
وإن مرض أحدهما، أو ترك، ولو بلا عذرٍ، فالكسب بينهما، فإن طالبه الصحيح أن يقوم مقامه لزمه ذلك.
وإن اشتركا؛ ليحملا على دابتيهما ما يتقبلان حمله في الذمة، والأجرة
стр. 926
بينهما صح، وإن اشتركا في أجرة عين الدابتين، أو أنفسهما إجارة خاصة لم يصح، ولكلٍ منهما أجرة دابته، ونفسه ولو اشتركا لأحدهما آلة قصارة، ولآخر بيت يعملان بها فيه صح.
ولو اشترك ثلاثة، لواحدٍ دابة، ولآخر رحى، وللثالث دكان، ورابع يعمل، ففاسدتان (١) وللعامل الأجرة، وعليه لرفقته أجرة آلتهم، وقياس نصه صحتها، واختاره الْمُوَفَّق (٢) وغيره.
قال المنُقِّح (٣): وهو أظهر.
ومن استأجر من الأربعة ما ذكر للطحن صح، والأجرة بقدر القيمة.
وإن تقبل الأربعة الطحن في ذممهم صح، والأجرة أرباعًا، ويرجع كل واحدٍ على رفقته؛ لتفاوت قدر العمل بثلاثة أرباع أجر المثل.
وإن قال: أجر عبدي والأجرة بيننا فله أجرة مثله.
وتصح شركة شهودٍ، قاله أبو العباس (٤).
وللشاهد أن يقيم مقامه، إن كان على عملٍ في الذمة، وكذا إن كان الجعل على شهادته بعينه، وموجب العقد المطلق التساوي في العمل،
стр. 927
والأجر، ولو عمل واحد أكثر، ولم يتبرع طالبٌ بالزيادة.
ولا تصح شركة دلالين (١)، وإن جمعا بين شركة عنان، وأبدان، ووجوه، ومضاربة صح.
فصل
الخامس شركة المفاوضة: وهي قسمان:
أحدهما: ما قاله في المقنع (٢): أن يدخلا في الشركة الأكساب النادرة، كوجدان لقطة، أو ركاز، أو ما يحصل لهما من ميراثٍ، أو ما يلزم أحدهما من ضمان غصبٍ، أو أرش جنايةٍ ونحو ذلك، فهي شركة فاسدة نصًّا (٣) / [١٨٥/ ب] ولكلٍ منهما ربح ماله، وأجرة عمله، وما يستفيده له، ويختص بضمان ما غصبه، أو جناه، أو ضمنه عن الغير.
والثاني: تفويض كلٍ منهما إلى صاحبه شراء، وبيعًا، ومضاربة، وتوكيلاً، وابتياعًا في الذمة، ومسافرة بالمال، وارتهانًا، وضمان ما يرى من الأعمال فشركة صحيحة، وكذا لو اشتركا فيما يثبت لهما، أو عليهما، إن لم يدخلا فيها كسبًا نادرًا، أو غرامة (٤).
стр. 928
باب المساقاة والمناصبة والمزارعة
المساقاة: مفاعلة من السقي (١)، وهي دفع أرضٍ، وشجرٍ له ثمرٌ مأكولٌ لمن يغرسه، أو مغروسٍ معلومٍ، لمن يعمل عليه، ويقوم بمصلحته، بجزءٍ مشاعٍ من ثمرته (٢).
والمزارعة دفع أرضٍ، وحب لمن يزرعه، ويقوم عليه، أو مزروع لمن يعمل عليه بجزءٍ مشاعٍ معلومٍ من المتحصل (٣)، ويعتبر كون عاقديهما جائزي التصرف.
فيجوز المساقاة في كل شجرٍ له ثمرٌ مأكولٌ، وقال الشيخ: مقصود، لا كصنوبرٍ، وقال: أو يقصد ورقه، أو زهره بجزءٍ مشاعٍ معلومٍ، من ثمرةٍ تجعل للعامل (٤).
وتصح بلفظ مساقاة، ومعاملة، ومفالحة، واعمل بستاني هذا، وتقدم صفة القبول.
стр. 929
وتصح هي، ومزارعة، بلفظ إجارةٍ، وتصح إجارة أرضٍ بنقدٍ، وعروض، وبجزءٍ مشاعٍ معلومٍ مما يخرج منها نصًّا (١)، فإن لم يزرع في إجارة، أو مزارعة نظر إلى معدل المقل، فيجب القسط المسمى فيه.
وتصح إجارتها بطعامٍ معلومٍ من جنس الخارج منها، ومن غير جنسه، وتصح المساقاة على ثمرةٍ موجودةٍ لم تكمل، وعلى زرعٍ نابتٍ ينمى بالعمل.
وإن ساقاه على شجرٍ يغرسه، ويعمل عليه حتى يثمر بجزءٍ معلومٍ من الثمرة، أو من الشجر، أو منهما وهي المغارسة، والمناصبة صح، إن كان الغرس من رب الأرض.
وقيل (٢): يصح كونه من مساقٍ، ومناصبٍ/ [١٨٦/ أ].
قال المنُقِّح (٣): وعليه العمل.
وهما عقدان جائزان (٤)، فيبطلان بما يبطل بالوكالة (٥)، ولا يفتقران إلى القبول ضرب مدة يحصل الكمال فيها، ولكلٍ منهما فسخها، فمتى
стр. 930
انفسخت من أيهما كان بعد ظهور الثمرة فهي بينهما على ما شرطاه، يملك العامل لها بالظهور روايةٍ واحدةً، قاله في القواعد (١)، ويلزم العامل تمام العمل (٢).
قال المنُقِّح (٣): فيؤخذ منه تمام العمل على العامل في المناصبة، ولو فسخت إلى أن تبيد، والواقع كذلك انتهى.
وصرح به أبو العباس في فتيا له (٤).
وإن فسخ العامل قبل ظهورها فلا شيء له، وإن فسخ رب المال، فعليه للعامل أجرة عمله، ويصح توقيتها.
وقيل (٥): لازمان فلا تبطل بما تبطل به الوكالة، وتفتقر إلى القبول لفظًا.
ويشترط ضرب مدةٍ يحصل الكمال فيها، فإن جعلا مدةً لا يحصل فيها لم تصح، وللعامل أجرة مثله.
وإن جعلا مدةً قد تكمل فيها، وقد لا تكمل، أو إلى الجداد، أو إدراكها صح.
وقيل: لا (٦)، وله أجرة مثله.
стр. 931
وإن مات العامل وهو على عينه، أو جن، أو حجر عليه؛ لفلسٍ (١)، انفسخت على المذهب كرب المال (٢)، وهي كما لو فسخ أحدهما.
وإن قلنا: لازمة، والعمل في ذمته تمم الوارث، فإن أبى استؤجر على العمل من تركته، فإن تعذر العمل، فلرب المال الفسخ، فإن فسخ بعد ظهور الثمرة فهي بينهما، وإن فسخ قبله، فللعامل أجرة مثله.
وإن هرب العامل قبل ظهورها فلا أجرة له.
وإن عمل فيها رب المال بإذن حاكمٍ، أو أشهد أولاً، ونوى الرجوع رجع به، وإلا فلا.
وإن ظهر الشجر مستحقًا فعلى الغاصب للعامل أجرة مثله، ولا شيء على ربه (٣).
فصل
ويلزم/ [١٨٦/ ب] العامل ما فيه صلاح الثمرة، والزرع، وزيادتهما من السقي، والحرث، وآلته، وبقره، والزُّبَار (٤)، والتلقيح، والتشميس، وإصلاح طرق الماء، وموضع التشميس، وقطع حشيشٍ مضرٍ، وتفريق
стр. 932
زبلٍ، ونقل ثمرٍ ونحوه إلى جرين، وتجفيفه، وحفظه إلى قسمة (١).
وعلى رب المال ما فيه حفظ الأصل، من سد الحيطان، ومثله السباخ (٢) قاله أبو العباس (٣)، وإجراء الأنهار، وحفر البئر، والدولاب، وما يديره من آلة، ودابة، وشراء الماء، وما يلقح به، وتحصيل الزبل، ولو شرط على أحدهما ما يلزم الآخر، أو بعضه فسد الشرط، إلا في الجذاذ، كما يأتي (٤).
وحكم العامل حكم المضارب فيما يقبل قوله فيه، وما يرد.
وإن ثبتت خيانته، ضم إليه من يشارفه، فإن لم يمكن حفظه، استؤجر من ماله من يعمل العمل، ويتبع في الكلف السلطانية العرف مالم يكن شرط.
وما طلب من قريةٍ من وظائف سلطانية ونحوها فعلى قدر الأموال، فإن وضع على الأرض فعلى ربه، أو على العقار فعلى ربه، مالم يشرط على مستأجرٍ، وإن وضع مطلقًا فالعادة، ويعتبر معرفة جنس البذر، ولو تعذر قدره.
وفي المغني (٥) أو تقدير المكان، وتعيينه.
стр. 933
وإن شرط أن يسقي سيحًا، أو زرعها شعيرًا فالربع، وبكلفة، أو حنطة النصف، أو لك نصف هذا النوع، وربع الآخر، ويجهل العامل قدرهما، أو لك الخمسان إن لزمتك خسارة، وإلا الربع نصًّا (١) فيهما، لم يصح.
وإن قال: ما زرعت من شعيرٍ فلي ربعه، وما زرعت من حنطةٍ فلي نصفه، أو ساقيتك هذا البستان بالنصف، على أن أساقيك الآخر بالربع، لم يصح وجهًا واحدًا (٢).
وإن قال: ما زرعت من شيءٍ فلي نصفه صح، قولاً واحدًا (٣).
فصل في المزارعة
تجوز/ [١٨٧/ أ] المزارعة بجزءٍ مشاعٍ معلومٍ، يجعل للعامل من الزرع كما تقدم (٤).
فإن كان في الأرض شجرٌ فزارعه الأرض، وساقاه على الشجر صحّ نصًّا (٥).
стр. 934
وإن أجره إياها، وساقاه صحّ نصًّا (١) كجمعٍ بين إجارةٍ، وبيع.
وإن كان حيلةً، فإن كانت المساقاة في عقدٍ ثانٍ فسدت، وإن جمعهما في عقدٍ، فكتفريق صفقةٍ، وللمستأجر فسخ الإجارة.
وقال المنُقِّح (٢): قياس المذهب، بطلان عقد الحيلة مطلقًا، ولا يجوز إجارة أرضٍ، وشجرٍ.
قال أحمد ﵀: أخاف أنه استأجر شجرًا لم يثمر (٣).
ويشترط كون البذر من رب الأرض ولو أنه العامل، وبقر العمل من الآخر، ولا تصح إن كان البذر من العامل، أو منهما، أو من أحدهما، والأرض لهما، أو الأرض، والعمل من الآخر، أو البذر من ثالثٍ، والبقر من رابعٍ (٤).
وقيل: (٥) لا يشترط، فيصح فيهن، واختاره الشيخان (٦).
قال المنُقِّح (٧): وعليه العمل.
стр. 935
وإن شرط أن يأخذ رب الأرض مثل بذره، ويقتسما الباقي فهو فاسدٌ نصًّا (١).
وإن شرطا لأحدهما قفزانًا معلومة، أو دراهم معلومة، أو زرع ناحيةٍ معينةٍ، فسدت المزارعة، والمساقاة، ومتى فسد العقد، فالزرع، والثمر لصاحبه، وعليه الأجرة، وحكم المزارعة، حكم المساقاة فيما ذكرنا.
والحصاد، والدياس، والتصفية نصًّا فيها (٢).
واللقاط على العامل، والجذاذ عليهما بقدر حصتيهما، إلا أن يشترطه على العامل نصًّا (٣)، وأخذ منه صحة شرط كل واحدٍ ما عليه، أو بعضه على الآخر، والمذهب فساد الشرط كما تقدم (٤).
ويكره حصادٌ، وجذاذٌ ليلاً نصًّا (٥)، ولا يصح قوله: أنا أزرع الأرض ببذري، وعواملي، وتسقيها بمائك، والزرع بيننا.
стр. 936
وما سقط من حبٍ وقت حصادٍ فنبت في عامٍ آخر فلرب الأرض نصًّا (١).
وفي الرعاية (٢) ولو مالكًا، أو مستأجرًا، أو مستعيرًا، وكذا نص فيمن باع قَصِيلاً (٣) فحصد، وبقي يسير فصار سنبلاً فلرب الأرض، وإن خرج الأكَّار (٤)، وترك/ [١٨٧/ ب] العمل باختياره
قبل الزرع، أو بعده قبل ظهوره، وأراد أن يبيع عمل يديه، وما عمل في الأرض، لم يجز نصًّا (٥) ولا شيء له.
وإن أخرجه مالك ذلك، فله أجرة عمله، وما أنفق في الأرض، ومعناه في القواعد (٦).
стр. 937
باب الإجارة (١)
وهي عقدٌ على منفعةٍ معلومةٍ، تؤخذ شيئًا فشيئًا مدةً معلومةً، من عينٍ معلومةٍ، أو معينةٍ في الذمة، أو عملٍ معلومٍ بعوضٍ معلومٍ (٢).
قال المنُقِّح (٣): وقولنا مدة معلومة يستثنى منه ما إذا صالحه على أن يجري على أرضه، أو سطحه ماءً معلومًا مع بقاء ملكه فقالوا هذه إجارة.
ولا يشترط معرفة مدتها؛ للحاجة كنكاحٍ.
وتقدم (٤) ما فتح عَنْوَة ولم يقسم فيما فعله عمر ﵁، وهي المساقاة، والمزارعة، والعرايا، والشفعة، والكتابة ونحوها من الرخص المباحة، على خلاف القياس، فالأصح على وفقه (٥).
تنعقد بلفظ إجارة، وكراء، وما في معناهما إضافة إلى العين، أو
стр. 938
النفع، وبلفظ بيع إضافة إلى النفع، أو أطلق، ولا يصح إلا بشروطٍ ثلاثةٍ (١):
أحدها: معرفة المنفعة بعُرف، كسكنى الدار شهرًا، وخدمة العبد سنة، فيخدمه في الزمن الذي يقتضيه العرف، لا ليلاً ونهارًا، فإذا كان لهما عرفٌ أغنى عن تعيين النفع، وصفته، وينصرف الإطلاق إليه، فإذا كان عرف الدار السكنى، أولم يكن، واكتراها فليس له أن يعمل فيها جذاذه، ولا قصاره، ولا مخزنًا للطعام، أو بوصف، كحمل زبرة حديد، وزنها كذا، إلى موضعٍ معين، فلو كان المحمول كتابًا فوجد المحمول إليه غائبًا، فله الأجرة؛ لذهابه، ورده، ونقل
(حرب) (٢) إن استأجر دابة، أو وكيلاً؛ ليحمل له شيئًا من/ [١٨٨/ أ] الكوفة، فلما وصلها لم يبعث له وكيله بما أراد له الأجرة من هنا، إلى ثم.
قال أبو العباس (٣): قلت: وإنمالم يستحق أجرة الرجوع أيضًا؛ لأن الإجارة كانت تحمل شيئا فقال: كما لو مات الرضيع، مع أنه يتوجه الإيجاب؛ للتعطيل بخلاف الرضيع.
стр. 939
وقال أبو بكر (١): ما قاله أحمد ﵀، جوابٌ على أحد القولين، والآخر له الأجرة ذهابًا، وإيابًا، وبناء حائطٍ يذكر طوله، وعرضه، وسمكه، وآلته، فلو استأجر؛ لحفر بئرٍ عشرة أذرعٍ طولاً، وعرضًا، وعمقًا، يحفر خمسة طولاً، وعرضًا، وعمقًا، فاضرب عشرة في عشرة، فما بلغ فاضربه في عشرة يبلغ ألفًا، واضرب خمسة في خمسة، فما بلغ فاضربه في خمسة، يبلغ مئة، وخمسة وعشرين، وذلك ثمن الألف، فله ثمن الأجرة، إن وجب له شيءٌ، قاله في الرعاية (٢).
وإن استأجره؛ ليبني له بناءً معلومًا، أو في زمن معلومٍ فبناه، ثم سقط البناء، فقد وفى ما عليه واستحق الأجرة، وإن استأجره؛ لبناء أذرعٍ معلومةٍ فبنى بعضها، ثم سقط فعليه تمام ما وقعت عليه الإجارة من الذرع.
وإجارة أرضٍ معينةٍ؛ لزرع كذا، أو غرس، أو بناء معلومٍ، أو لزرعٍ، أو غرس ما شاء، أو لزرعٍ، أو لغرسٍ وسكت، وأجرة الأرض وأطلق، وهي تصلح للزرع وغيره.
وإن استأجر؛ للركوب ذكر المركوب فرسًا، أو بعيرًا ونحوه كمبيعٍ، وما يركب به من سرجٍ وغيره، وكيفية سيره من هملاج (٣) وغيره، ولا يشترط ذكر ذكوريته، وأنوثيته، ونوعه، ولا بد من معرفة راكبٍ برؤية، أو صفة كمبيعٍ.
стр. 940
ويذكر توابعه العرفية كزادٍ، وأثاثٍ ونحوهما،/ [١٨٨/ ب] وإن كان للحمل لم يحتج إلى ذكره، إن لم يتضرر المحمول بكثرة الحركة، وإلا اشترط، كحامل خزفٍ، وزجاجٍ ونحوهما، ومعرفة محمولٍ برؤية، أو صفة، وذكر جنسه، وقدره، فلا يكفي ذكر وزنه، ومعرفة أرضٍ؛ لحرث (١).
فصل
والثاني: معرفة الأجرة فما في الذمة كثمن، والمعيّنة كمبيعٍ، ويصح استئجار أجيرٍ، وظئر بطعامهما، وكسوتهما، وهما عند التنازع، كزوجةٍ نصًّا (٢).
ويستحب إعطاء ظئرٍ عند الفطام عبدًا، أو أمةً إن كان المسترضع موسرًا، وإن كانت الظئر أمةً، سن إعتاقها، ولا يصح استئجار دابةٍ بعلفها.
وإن دفع ثوبه إلى قصارٍ، أو خياطٍ ونحوهما؛ ليعملاه، ولم يعقدا عقد إجارةٍ، واستعمل حمالاً، أو شاهدًا ونحوه صح، وله أجرة مثله كتعريضه بهما نحو: خذه، وأنا أعلم أنك تتعيش، أو أنا أرضيك ونحوه، وكذا دخول حمامٍ، وركوب سفينة ملاحٍ (٣).
قال في التلخيص (٤): ما يأخذه الْحَمَّامِيُّ أجرة المكان، والسطل ـ أي
стр. 941
الطاسة ـ والمئزر، ويدخل الماء تبعًا.
ويجوز إجارة دارٍ، بسكنى دارٍ، وخدمة عبدٍ، وتزويج امرأةٍ، وتصح إجارة حُلِيّ من جنسه نصًّا (١)، كغير جنسه.
وإن قال: إن خِطْت هذا الثوب اليوم، أو روميًا فلك درهم، وغدًا، أو فارسيًا فنصفه، أو إن وزعتها برًا فبخمسه، وذره فبعشرة ونحوه، لم يصح.
وإن أكراه دابةً وقال: إن رددتها اليوم فبخمسة، وغدًا فبعشرة، أو أكراه عشرة أيامٍ، وما زاد فلكل يومٍ كذا، صح.
ونصه (٢) لا يصح أن يكتري مدة مجهولة، كمدة غزاته، أو غيرها.
وإن سمى لكل يومٍ شيئًا معلومًا فجائز.
وإن أكراه كل شهرٍ بدرهمٍ، أو كل دلو بتمرة صحّ نصًّا (٣)، ولكل منهما الفسخ بعد تقضي كل شهرٍ على الفور، واختاره/ [١٨٩/ أ] الْمُوَفَّق وجماعة (٤)، منهم أبو العباس (٥)، قبله أخر الأَوَّل، وجزم به في الوجيز (٦)، فعليه كلما دخل شهر لزمهما حكم الإجارة، إن لم يفسخا.
стр. 942
فصل
الثالث: أن تكون المنفعة مباحة، لغير ضرورةٍ مقصودةٍ.
فلا تصح الإجارة على الزنا، والزمر، والغناء، والنياحة، ولا إجارة الدار؛ لتجعل كنيسة، أو بيت نارٍ، أو لبيع الخمر شرط في العقد، أو لا، ولا إجارة ما يحمل به دكانه من نقدٍ، وشمعٍ ونحوهما، وثوبٍ؛ لتغطية نعشٍ.
ولا يصح الاستئجار على حمل ميتةٍ ونحوها؛ لأكل لغير مضطرٍ، وخمرٍ؛ لشربها، ولا أجرة له، ذكره في التلخيص، ويصح إلقاء، وإراقة (١).
فصل
والإجارة على ضربين:
أحدهما: إجارة عينٍ، فما حرم بيعه فإجارته مثله، إلا الحر، والحرة، ويصرف بصره في النظر نصًّا (٢)، والوقف، وأم الولد.
وتصح إجارة كل عينٍ يمكن استيفاء المنفعة المباحة منها مع بقائها.
فلا يصح إجارة ما لا يمكن استيفاؤها منها، كأرضٍ سبخةٍ (٣) لا تنبت للزرع، أو لا ماء لها، أو لها ماءٌ لا يدوم لمدة الزرع، أو ديك؛ ليوقظه
стр. 943
لوقت الصلاة نصًّا (١).
ولا إجارة ما لا ينتفع به مع بقاء عينه، كالمطعوم، والمشروب ونحوه ويأتي (٢).
ويصح استئجار دارٍ يجلعها مسجدا، وحائط؛ ليضع عليه أطراف خشبه، وحيوانٍ؛ ليصيد به إلا الكلب إن كان يصيد، ولو لحراسةٍ، وكذا الخنزير.
واستئجار كتابٍ للقراءة، والنظر فيه، إلا المُصحف فلا يصح بخلاف نسخه بأجرةٍ نصًّا (٣) وتقدم (٤).
ويصح استئجار نقدٍ؛ للتحلي، والوزن.
فإن أطلق الإجارة لم تصح مطلقًا، وكذا لو أجره مكيلاً، أو موزونًا، أو فلوسًا، وعند القاضي (٥) تكون كنايةً عن القرض في الكل.
وله استئجار فرعه، وأصله، ويكره، وامرأته؛ لرضاع ولده، وحضانته، سواءٌ كانت/ [١٨٩/ ب] في حاله، أو بائنًا منه، وسواءٌ كان الولد منها، أو من غيرها (٦).
стр. 944
ولا تصح إجارة العين، إلا بشروطٍ خمسةٍ:
أحدها: أن ينعقد على نفع العين دون أجزائها، فلا تصح إجارة الطعام؛ للأكل كما تقدم (١)، ولا الشمع يشعله، ولا حيوان؛ ليأخذ لبنه، إلا في ظئرٍ، ونفع بئرٍ يدخل تبعًا، وكذا حبر ناسخٍ، وخيوط خياطٍ، وكحل كحالٍ، ومرهم طبيبٍ، وصبغ صباغٍ ونحوه.
ومنع في المغني (٢) مرهم طبيبٍ ونحوه.
والمعقود عليه في الظئر الحضانة، واللبن تبع، والأصح اللبن، والعقد على الحضانة، لا يشمل الرضاع، وكذا عكسه.
قال المنُقِّح: (٣) والأظهر الرجوع إلى العرف، ويشترط رؤية مرضعٍ، ولا تكفي الصفة، ويعتبر ذكر محل الرضاع.
ورخص أحمد ﵀ (٤) في مسلمةٍ ترضع طفلاً لنصرانيٍ بأجرة، لا لمجوسٍ.
وسئل أحمد ﵀ (٥) عن إجارة بيت الرحى الذي تديره الماء، فقال: الإجارة على البيت، والأحجار، والحديد، والخشب، فأما الماء فإنه يزيد، وينقص، وينضب، ويذهب، فلا يقع عليه إجارة.
الثاني: معرفة العين برؤيةٍ، أو صفةٍ يحصل بها معرفته كمبيعٍ، فإن لم
стр. 945
يحصل بها، أو كانت لا يتأتي فيها كالدار، والعقار فلا بد من مشاهدتها، وتحديدها.
الثالث: القدرة على التسليم، فلا تصح إجارة الآبق، ولا الشارد، ولا المغصوب، ممن لا يقدر على أخذه.
ولا تصح إجارة مشاعٍ مفردٍ لغير شريكه، إلا بإذنه، قاله في الفائق (١) وهو مقتضى تعليلهم، ولا عين لاثنين وهي لواحدٍ.
وعنه (٢) بلى، اختاره أبو حفصٍ، وأبو الخطاب، والحلواني، وصاحب الفائق، وابن عبد الهادي (٣)، قال المنُقِّح (٤): وهو أظهر، وعليه العمل.
الرابع: استعمالها على المنفعة،/ [١٩٠/ أ] فلا تصح إجارة بهيمةٍ زمنةٍ؛ للحمل، ولا أرض لا تنبت للزرع.
الخامس: كون المنفعة مملوكة للمؤجر، أو مأذونًا له فيها، فتصح إجارة مستأجرٍ؛ لمن يقوم مقامه، ولولم يقبضها مالم يكن المأجور حرًا كبيرًا، فلا تصح، وتصح لغير مؤجرها، ولمؤجرها، قال المنُقِّح (٥): ما لم يكن حيلة.
стр. 946
قال أبو العباس (١): وحيث صح، فليس للمؤجر مطالبة المستأجر الثاني بالأجرة، ولا يأباه كلام غيره.
ولمعيرٍ إجارتها إن أذن له معيرٌ فيها مدة بعينها، والأجرة لربها، ولا يضمن مستأجرٌ ويأتي (٢)، ويصح إجارة وقفٍ، فإن مات المؤجر انفسخت، إن كان المؤجر الموقوف عليه بأصل الاستحقاق.
وقيل (٣): لا ينفسخ، فيرجع مستأجرٌ على مؤجر قابض في تركته، فإن لم يكن له تركة، فأفتى بعض أصحابنا بأنه إذا كان الموقوف عليه هو الناظر فمات، فللبطن الثاني فسخ الإجارة، والرجوع بالأجرة على من هو في يده، حكاه أبو الخطاب، وأقره، ولولم يتعقبه.
وإن لم يقبض الأجرة أخذها من مستأجرٍ.
وقيل (٤): لا ينفسخ، قدمه في الفروع (٥) وغيره، وجزم به في الوجيز (٦) وغيره، كملكه المطلق.
قال المنُقِّح (٧): «وهو أشهر، وعليه العمل».
وللبطن الثاني حصته لعزل الولي، وناظر الوقف، فإنه إذا كان الناظر
стр. 947
العام، أو من شرطه له الواقف النظر، وكان أجنبيًا، لا تنفسخ قولاً واحدًا، لا بموته، ولا بعزله، قاله الْمُوَفَّق (١)، وجمع، منهم أبو العباس (٢).
وإن كان المشروط له النظر من أهل الوقف، فهل يلحق بالناظر العام، فلا تنفسخ، أو لا، يكون على الخلاف.
قال أبو العباس (٣): وهو الأشبه، فيه وجهان، ومثله مقطع ماءٍ جرى إقطاعه، ثم انتقل عنه إلى غيره بإقطاع آخر، وكذا إذا أجر الولي اليتيم، أو ماله، أو السيد العبد/ [١٩٠/ ب] ثم بلغ الصبي، وعتق العبد، أو مات المؤجر، أو عزل، فإن كان يعلم ببلوغ الصبي فيها، أو عتق العبد بأن كان معلقًا انفسخت، وإلا لم تنفسخ.
فصل
وإجارة العين تنقسم إلى قسمين:
أحدهما: أن تكون على مدةٍ، كإجارة الدار شهرًا، والأرض عامًا، والعبد؛ للخدمة، أو للرعي مدة معلومة، وسمي الأجير فيها الأجير الخاص (٤) وهو من قدر نفعه بالزمن.
стр. 948
ويشترط أن تكون المدة معلومة يغلب على الظن بقاء العين فيها، وإن طالت.
ولا يشترط أن يلي العقد، فلو أجره سنة خمس، في سنة أربع صح، سواءٌ كانت العين مشغولةً وقت العقد بإجارةٍ، أو رهنٍ، أو غيرهما، أولم تكن مشغولةً (١).
قال أبو العباس (٢): وليس لوكيلٍ مطلق الإيجار مدةً طويلةً، بل العرف، كسنتين ونحوهما.
وإذا أجره في أثناء شهرٍ مدةً لا تلي العقد، فلا بد من ذكر ابتدائها كانتهائها، وإذا كانت تليه لم يحتج إلى ذكره، ويكون من حين العقد، وكذا إن أطلق فقال: أجرتك شهرًا، أو سنة ونحوهما، وإذا أجره في أثناء شهرٍ سنةً، استوفى شهرًا بالعدد ثلاثين من أَوَّل المدة، وآخرها نص عليه في النذور (٣)، وباقيها بالأهلة، وكذا حكم كل ما يعتبر فيه الأشهر، كعدة الوفاة، وشهري صيام الكفارة.
القسم الثاني: إجارتها؛ لعملٍ معلومٍ، كإجارة الدابة؛ للركوب إلى موضعٍ معينٍ، وله ركوبها إلى مثل ذلك الموضع في جادة تماثلها، أو بقر؛ لحرث مكانٍ، أو دياس زرعٍ، واستئجار عبدٍ؛ ليدله على طريقٍ، أو رحى؛ لطحن قفزان معلومةٍ، فيشترط معرفة العمل، وضبطه بما لا يختلف.
стр. 949
فصل
الضرب الثاني: عقدٌ على منفعةٍ في الذمة/ [١٩١/ أ] في شيءٍ معينٍ، أو موصوفٍ مضبوطةٍ بصفاتٍ كالسلم، فيشترط تقديرها بعملٍ، أو مدةٍ كخياطة ثوبٍ، وبناء دارٍ، وعملٍ إلى موضعٍ معين، ويلزم الشروع فيه عقب العقد، فلو ترك ما يلزمه.
قال أبو العباس: (١) بلا عذرٍ، فتلف ضمن.
ولا يجوز الأجير فيها، إلا آدميًا جائز التصرف، ويسمى الأجير المشترك (٢)، وهو من قدر نفعه بالعمل.
ولا يصح الجمع بين تقدير المدة، والعمل كقوله: استأجرتك؛ لتخيط لي هذا الثوب في يومٍ، ويصح جعالةً، ويحرم.
ولا تصح الإجارة على عملٍ يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، وهم المسلمون، ولا يقع إلا قربةً؛ لفاعليه كالحج، والأذان ونحوهما، كإقامة، وإمامة صلاة، وتعليم قرآنٍ، وفقه، وحديثٍ، وكذا القضاء، قاله ابن حمدان (٣).
стр. 950
ويصح أخذ جعالةٍ على ذلك كأخذه بلا شرطٍ، وعلى رقية نص عليهما (١).
وله أخذ رزقٍ على ما يتعدى نفعه، لا على ما لا يتعدى نفعه، كصومٍ، وصلاة خلفه ونحوه.
وإن استأجره؛ ليحجمه صح، كفصدٍ، ويكره للحر أكل أجرته، كأخذ ما أعطاه بلا شرطٍ، ويطعمه الرقيق، والبهائم.
فصل
ويعتبر كون المنفعة للمستأجر فلو اكترى دابةً؛ لركوب المؤجر، لم يصح.
وللمستأجر استيفاء المنفعة بنفسه، وبمثله، ولو شَرَط عليه استيفاءها بنفسه فسد الشرط، ولم يلزم الوفاء به، ويعتبر كون راكبٍ مثله في طولٍ، وقصرٍ وغيرهما، لا معرفةً بالركوب، ومثله شرط زرع برٍ فقط،/ [١٩١/ ب] ولا يضمنها مستعيرٌ منه إن تلفت (٢)، ويأتي (٣).
ولا يجوز استيفاء ما هو أكثر ضررًا، ولا بما يخالف ضَررُه (٤) ضَرَرَه (٥)، وله أن يستوفي المنفعة، ومثلها وما دونها في الضرر من جنسها.