← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 800

مراقي العزة ومقومات السعادة

سليمان اللاحم

Полный текст (723 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وعن أبي موسى الأشعري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا صليتم فأقيموا صفوفَكم» (١). وقال ﷺ : «والله لتُقيمُنَّ صُفوفَكم أو ليُخالِفَنَّ الله بين قلوبكم» (٢). وعن عبد الله بن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «ولا تختلفوا فتختلِفَ قلوبُكم» (٣). ومن الملاحظ أن بعض المصلين وهو واقف أو جالس في الصف يبدو وكأنه خارج الصلاة؛ لعدم استشعاره ما ينبغي من تسوية الصفوف، والتراص فيها. ويلاحَظ تساهلُ النساء أكثر في تسوية صفوفهن إذا حضرنَ المسجد. ولهذا ينبغي للإمام تنبيه المصلين إلى تسوية الصفوف قبل التكبير، والدخول في الصلاة، بقوله: «تراصُّوا، سوُّوا صفوفكَم، سُدُّوا الخَلَلَ، حاذوا بين المناكب والأقدام، لا تختلفوا فتختلفَ قلوبُكم»، ونحوَ ذلك من العبارات المأثورة، ويلتفت يمينًا وشمالًا، ويُجِيل نظره في الصفوف، ويحرص على تسويتها. ١٤ التفاهم التام بين الإمام والمأمومين، والتناصح بينهم، وهذا من أهم آداب صلاة الجماعة: فعلى الإمام مراعاة الوقت المناسب لإقامة الصلاة من غير تبكيرٍ ولا تأخير، وليعلم أن الوقت لله، وليس له، وعليه إعطاء الصلاة حقها من الطمأنينة من غير استعجال مُخِل، ولا تثقيل مُمِل، وعليه أن يكون للجماعة كالطبيب، في مراعاة أحوالهم وظروفهم كلها، يرفُق بهم، ويسعى لتعليم وإرشاد جاهلهم، ومساعدة محتاجهم، وزيارة مريضهم، ويحمد الله على أن بوأه هذه المكانةَ العظيمة، والمنزلة الرفيعة. وعلى المأمومين في المقابل مراعاة حق الإمام واحترامه، والانتظار حتى يأتيَ،

стр. 107

وحتى يقيمَ الصلاة، وعدم التدخل في ذلك، باستعجاله بالكلام، أو بالإشارة، أو بكثرة الالتفات يَمنةً ويَسرةً وإلى الخلف، والقيام قبل إقامته الصلاة، ونحو ذلك. وعليهم تشجيعه والتعاون معه والنصح له، والحذر من تتبع زلاته، وسبه والكلام فيه، فالكمال عزيز ونادر، وكما قيل: ومن ذا الذي تُرضى سَجاياهُ كلُّها … كَفَى المرءَ نُبلًا أن تُعَدَّ معايبُهْ (١) ١٥ التعاون بين الإمام، والمؤذن، وجماعة المسجد، وأهل الحي على البر والتقوى. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وقال ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشُد بعضُه بعضًا» (٢)، وقال ﷺ : «مثل المؤمنين في توادِّهِم وتراحُمِهم وتعاطُفِهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسدِ بالسهرِ والحُمَّى» (٣). ومن أهم ذلك وألزمه أن يحرص أهل الحي كلهم على الصلاة في مسجدهم جميعًا، ويحذروا كل الحذر من التفرق والتشتت؛ بسبب علل واهية. ولن يتأتى هذا إلا إذا قام الإمام بدوره كما ينبغي، وكان هو أولَ من يحرص على جمع شمل الجماعة، بالتزامه بالوقت، وإعطاء الصلاة حقها، والرفق بهم، وكونه لهم كالطبيب- كما سبق-. والحذر كل الحذر أن يكون هو السببَ في تفرق جماعة المسجد وتشتتهم بتثاقله، وكثرة غيابه وتخلفه، أو عدم إعطائه الصلاةَ حقَّها من العناية والاهتمام، أو بسبب سوء خلقه، وعدم احترامه وتقديره لجماعة مسجده، وعدم مراعاته لهم، وبخاصة كبار السن، ممن يجب إجلالهم، وإكرامهم، وإنزالهم منازلهم، فإن تفرق بعض جماعات المساجد سببه غالبًا يرجع إلى الإمام.

стр. 108

فإذا بذل الإمام جهده بالقيام بدوره ومسؤوليته، من الالتزام بالوقت، وعدم التخلف أو التأخر أو التقدم، والعناية بإقامة الصلاة، ونظافة المسجد، وحسن الخلق في التعامل مع الجماعة، فلا عليه ممن يشذ منهم، فإن رضا الناس غاية لا تُدرك، فمن الناس من لا يعجبه العجب، فتراه لعلل واهية يترك مسجد الحي الذي هو فيه وجماعته، ويركب سيارته يبحث عن مسجد آخر، في جميع الصلوات، فيشق على نفسه، ويستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ لفرط حساسية في نفسه، أو عجلة، أو علل واهية. ولا شك أن هذا ليس من المروءة، ولا من حسن الخلق والأدب في حق جيرانه وإمام مسجدهم ومؤذنه وجماعته، وأهل حيِّه، بل من التقصير في حقهم؛ لأن هذا يؤلمهم ويفت في عضدهم؛ لما فيه من السلبية التي تُخِل بما ينبغي أن يكون بينهم من التعارف والتآلف، والتناصح والتآزر، والتعاون على البر والتقوى، ويد الله على الجماعة، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصيةَ. قال الشيخ صالح السدلان ﵀ (١) في كلامه عن حكمة مشروعية صلاة الجماعة: «والخلاصة أن أداء الصلاة في جماعة ينشئ الاتحاد والمحبة والإخاء بين المسلمين، ويجعل منهم كتلة متراصة، وينشئ فيهم المواساة والتراحم، وائتلاف القلوب، وكذلك يربيهم على النظام والانضباط، والمحافظة على الأوقات». الوقفة الثالثة: الأئمة، والمؤذنون، والعاملون في بيوت الله؛ بين التكليف والتشريف يسر الله لي سنة ١٤٢٥ هـ كتابة رسالة بهذا العنوان المذكور، وطباعتها سنة ١٤٢٦ هـ، وقد قدم لها معالي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد،

стр. 109

الشيخ: صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ، ومعالي عضو هيئة كبار العلماء، فضيلة الشيخ: صالح بن فوزان الفوزان، جزاهما الله خيرًا. وقد رأيت من تمام الحفظ لهذه الرسالة، والإفادة منها أن أختم هذه الوقفات في صلاة الجماعة بخلاصة ما جاء فيها، وهي كما يلي: الإمامة فضلها، ومسؤولياتها، وواجبات الإمام: أولًا: فضل الإمامة: اعلم أخي الإمام- بارك الله فيك- أن إمامة المسلمين بالصلاة في المساجد من أفضل الأعمال لمن وفقه الله وقام بها خير قيام، ويكفي الإمامة شرفًا وفضلًا أنها وظيفة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ويكفي الأئمة شرفًا وفضلًا أنهم مع توفيق الله في عداد أئمة المتقين، ووظيفتهم مطلب عباد الرحمن في دعائهم ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]. ولهذا استدل الصحابة ﵃ على أحقية أبي بكر الصديق ﵁ للخلافة بتولية الرسول ﷺ له إمامة الناس في الصلاة في حياته ﷺ ، وقالوا لمن طعن في توليته الخلافة: «رضِينا لدنيانا مَن رضِيه الله ورسوله لديننا» (١). ثانيًا: الإمامة مسؤولية كبيرة وأمانة عظيمة: قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. والأمانة والأمانات عامة في كل ما تحمَّله الإنسان من الأمانات فيما بينه وبين الله،

стр. 110

وفيما بينه وبين الخلق. ومن ذلك، بل من أهم ذلك القيام بما وُكل إليه من مسؤوليات الأمة كالإمامة والأذان، والقضاء، والتدريس، والعمل الوظيفي، وغير ذلك أتم قيام. وقال ﷺ في الحديث: «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمَن، اللهم أرشد الأئمة، واغفِر للمؤذنين» (١). والمعنى: أن الإمام ضامن، يتحمل عن المأمومين ما يحصل من نقصٍ في الصلاة، فعليه أن يقيم بهم الصلاة على الوجه الأتم الأكمل؛ ولهذا لو أن أحد المأمومين نسي واجبًا من واجبات الصلاة تحمله عنه الإمام. والمؤذن مؤتمن على الوقت، يجب عليه أن يؤذن بعد دخول وقت الصلاة من غير تقديمٍ أو تأخير. ودعا ﷺ للأئمة بالرشد، وهو الاهتداء لطرق الخير عامة في أمور الدين والدنيا، وهو مِلاك الخير كله دنيا وأخرى. نسأل الله التوفيق. ودعا ﷺ بالمغفرة للمؤذنين؛ لما قد يحصل منهم من سهو في التقديم أو التأخير للأذان عن الوقت. والمغفرة هي: ستر الذنب عن الخلق والتجاوز عن عقوبته؛ كما في حديث ابن عمر ﵄ في المناجاة أن رسول الله ﷺ قال: «يُدنَى المؤمن يوم القيامة من ربه ، حتى يضع عليه كَنَفَه (٢)، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي ربِّ أعرِف. قال: فإني قد سترتُها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم» (٣).

стр. 111

ثالثًا: أهم الواجبات على الإمام: من أهم وأعظم واجبات الإمام ما يلي: أ. العناية التامة بإقامة الصلاة؛ بشروطها، وأركانها، وواجباتها، وسننها: قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وغيرها من الآيات. وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]. وعن جَرير بن عبد الله ﵁ قال: «بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم» (١). وقد جاء في هذه النصوص وغيرها من نصوص الكتاب والسنة الأمر بإقامة الصلاة، دون الأمر بالصلاة؛ لأن الأمر بإقامة الصلاة معناه أن تؤدى كاملة، تامة الشروط، والأركان، والواجبات، والسنن، فتكون قائمة معتدلة على التمام. ولهذا يجب على الإمام استكمال شروط الصلاة، وأركانها، وواجباتها، ومن ذلك: ١ الطهارة: فيحرص كل الحرص على إتمام طهارته غسلًا ووضوءًا، بدنًا وثوبًا، وهذا أمرٌ بيْنه وبين الله ، فليتقِ الله في ذلك. ٢ دخول الوقت: فلا يصليها قبل دخول وقتها، ولا يؤخرها عن وقتها، ويحسن أن يصلِّيَها في أول الوقت؛ لأن الملاحظ أن الناس يرغبون في الصلاة مع الإمام الذي يبادر إلى الصلاة في أول وقتها؛ شريطة أن يكون بين الأذان والإقامة وقتٌ كافٍ للوضوء والحضور إلى المسجد، وذلك في حدود ربع أو ثلث ساعة، أما التراخي والتأخير أكثر من ذلك فقد يكون سببًا لتأخر الناس وتفرقهم، وعدم انضباطهم في الحضور إلى الصلاة. ويُستثنى من هذا صلاة المغرب فتكون الإقامة بعد عشر دقائق بعد الأذان؛ لأن السنة وردت بتعجيلها، ويحسُن أيضًا أن يزيد في الانتظار في صلاة الفجر، بحيث يكون

стр. 112

بين الأذان والإقامة ٢٥ دقيقة؛ مراعاة لقيام الناس من النوم، وينبغي أن يعلم الإمام أن تحديد ما بين الأذان والإقامة قِصرًا وطولًا ليس من حقه هو ولا من حق المؤذن، ولا الجماعة، بل هو حق لله تعالى، يجب التوسط فيه، بحيث يتهيأ الناس ويتمكنون من الوضوء، والحضور إلى المسجد، فلا يجوز له أن يبادر بإقامة الصلاة، فيشُق على الناس، ويفوت عليهم الصلاة، كما لا يجوز له أن يتأخر، فيشق على الناس، ويربطهم عن مصالحهم، وينفرهم، وهو مسؤول أمام الله في الحالين، وحيث إن إدارة المسجد هي الجهة المسؤولة عن المساجد، فيجب على الأئمة والمؤذنين الالتزام بما تحدده بهذا الخصوص؛ جمعًا للكلمة، ودرءًا للاختلاف والتفرق. ٣ الطمأنينة: يجب على الإمام عندما يدخل في الصلاة أن يحرص على الطمأنينة، وإعطاء الأركان والواجبات حقها، وأدائها على الوجه الشرعي، من غير إخلال بها بنقص أو زيادة، ويُستحب أن يحرص على استكمال سنن الصلاة؛ لأن ذلك من تمامها. والمطلوب الاعتدال في ذلك كله، فلا ينقرها نقر الغراب، ولا يطيل فيها إطالة تخرج عن الحد المطلوب شرعًا، وخير الأمور الوسط، وديننا الإسلامي في كل أحكامه وسط بين الغالي والجافي. وكان من هدي المصطفى ﷺ مراعاة حال المأمومين، وكان يقول ﷺ : «إذا صلى أحدكم للناس فليخفِّفْ؛ فإن في الناس الضعيفَ والسقيم وذا الحاجة» (١). والأولى أن يقرأ الإمام في الفجر من طِوال المفصَّل، وفي المغرب من قِصاره، وفي الظهر والعصر والعشاء من أوساطه. وفي التراويح والقيام في شهر رمضان المبارك ينبغي أن تحرص أخي الإمام- واعلم

стр. 113

أن النبي ﷺ كان يداوم على قيام الليل، وكان لا يزيد في رمضان ولا في غيره عن إحدى عشرة ركعة (١). وكان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا ليله، وأيقظ أهله، وجدَّ، وشدَّ المِئزَرَ (٢). وكان يقول: «أحب الصلاة إلى الله صلاةُ داودَ ﵇؛ كان ينام نصفَ الليلِ، ويقوم ثُلُثَه، وينام سُدُسَه» (٣). وعن السائب بن يزيد ﵁ قال: «أمر عمر بن الخطاب أُبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة. قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمِئِينَ، حتى كنا نعتمد على العِصِي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر (٤)» (٥). وفي رواية: «أن تميم بن أوس الداري وأُبي بن كعب صلَّيَا بالناس إحدى وعشرين ركعة» (٦). وكان سلف هذه الأمة إلى عهدٍ قريبٍ يصلون عشرين ركعة، ويوترون بثلاث ركعات، فإذا دخلت العشر الأواخر قسموا القيام إلى عشر أول الليل صلاة التراويح،

стр. 114

وعشر في آخره صلاة القيام، يطيلون فيها القراءة والصلاة. ويؤخذ من هذا كله: فضل الصلاة بإحدى عشرة ركعة، وجواز الزيادة إلى ثلاث وعشرين ركعة، أو أكثر، كما يؤخذ من ذلك: أنه ينبغي زيادة الاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان؛ كما قالت عائشة: «كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره» (١). كما يؤخذ من ذلك: أن الأَولى لمن اقتصر على صلاة إحدى عشرة ركعة أن يحسنها ويطيلها؛ كما قالت عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حُسنهنَّ وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا» (٢). كما ينبغي أن تحرص أخي الإمام- وفقك الله- في دعاء القنوت وختم القرآن على الأخذ بالأدعية الواردة في الكتاب والسنة، والمأثورة عن سلف الأمة، وأن تحذر من الاعتداء في الدعاء، والإطالة فيه، وتعمُّد السجع فيه، ورفع الصوت به، وتحذر الجماعة مع رفع الصوت بالتأمين على الدعاء، فإن ذلك كله خلاف السنة، وما عند الله لا يُنال بمخالفة السنة. وقد قال الله لنبيه ﷺ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]. وقال ﷺ لأصحابه لما رفعوا أصواتهم بالدعاء: «اربَعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عُنق راحلته» (٣). واعلم أخي الإمام- وفقك الله- أن تطبيق السنة مطلوب في الفرض والنفل، وشرط

стр. 115

في صحتهما وقبولهما، والسنة هي الوسط- ولله الحمد- فإن أخذت بها، ووفيت للمأمومين حقهم، أحبك الله وأحبك الناس، وكان لك- إن شاء الله- بقدر أجور من يصلون خلفك. ولا يضعف عزيمتك، ويفت في عضدك قلة المصلين خلفك، فأجرك تام بإذن الله تعالى كثُروا أم قلوا، بل قد يكون الأجر أكثر إذا قلوا؛ لأن ذلك أعظم في الاحتساب والإخلاص، ومجاهدة النفس. ولا تغترَّ بهم إن كثُروا، واحرص على الإخلاص؛ فقد قال ﷺ : «إن أكثر منافقي أمتي قُرَّاؤها» (١). واحذر من مراعاة رغباتهم ولو كان ذلك على خلاف السنة؛ كالتخفيف في الصلاة والقراءة، والاعتداء في الدعاء، ونحو ذلك. وتذكر قوله ﷺ : «الإمام ضامن» (٢). واعلم أن من يصلون خلفك- إذا لم تعطِ الصلاة حقها- هم غرماؤك يوم القيامة، لهم الغُنم وعليك الغُرم؛ فاحرص- هداك الله ووفقك- على الأخذ بالسنة في الصلاة، والقراءة والدعاء، واسأل عما خفِي عليك منها، فذلك أحرى بالقبول، وأبشر بالخير إن شاء الله تعالى. ب. يجب على الإمام الالتزام بالإمامة، وعدم التخلف إلا في حالات الضرورة، وما لا بد منه. وليعلم الإمام أن الإمامة- كما سبق- مسؤولية عظيمة سيحاسَب عنها غدًا أمام الله ، وليعلم أن منهجه وطريقته في الالتزام بالإمامة أو عدمه ينعكس على جماعة المسجد

стр. 116

سلبًا وإيجابًا، فإنِ التزم وداوم وحرص على إقامة الصلاة في وقتها، وكما شرع الله أحبه الجماعة وانضبطوا في حضورهم، وأصبح المسجد حيًّا بسبب حياة الإمام القلبية، وهو مأجور مُثاب على هذا المنهج، وله- إن شاء الله- مثل أجور من تبِعه ومن يؤمهم من المصلين، فبشراه بالخير، وهو من أئمة المتقين بإذن الله . وأما إن كان الإمام يَكثُر تخلفه، فيتخلف الأيام، وربما الأسابيع، وربما لا يمر يوم إلا ويتخلف فيه عن صلاة وقت أو وقتين أو أكثر، فإن ذلك سيعود سلبًا على جماعته، في حضورهم إلى الصلاة، فتجدهم غير منضبطين، بل مضطربين ومختلفين بسبب ذلك؛ منهم من تفوته الصلاة كلية، ومنهم من لا يدرك منها إلا بعضها، ومنهم من يبحث عن مسجد آخر، وذلك بسبب عدم انضباط الإمام، وهو بهذا سيبوء بإثمه وإثمهم؛ لأنه هو السبب في ذلك، وتجد مسجده ميتًا بسبب ذلك. وقد يتعلل بعض الأئمة بأنه ذاهب للعمرة، أو لصلاة جنازة، أو لاجتماع يقصد منه خيرًا ونحو ذلك. وليت هؤلاء وأمثالهم تأملوا قول ابن القيم ﵀: «إن الشيطان يأمر بسبعين بابًا من أبواب الخير، إما ليتوصل بها إلى باب واحد من الشر، وإما ليفوت بها خيرًا أعظم من تلك السبعين بابًا وأجلَّ وأفضل» (١). فتأمل هذا يا أخي الكريم، وقل لي بربك: أيهما أحرى بعظيم الأجر، إمام ترك جماعته لأجل الأعمال المذكورة سواء أناب غيره أم لا، أو إمام احتسب وقال: صلاتي بالجماعة أهم وأولى وربط نفسه لأجل ذلك؟ لا شك أن الأخير أولى وأحرى بالأجر العظيم؛ لأجل مرابطته في عمله الواجب، والذي يتقاضى عليه رزقًا من بيت المال، وقد تحمل مسؤوليته، فأدى أمانته، ووفَّي لجماعته بحقهم عليه، وأحسن فيهم وأعانهم على أنفسهم، وكان عضوًا نافعًا في الأمة، وهو حري- بإذن الله ، بسبب مرابطته في إمامته، واهتمامه بمسؤوليته وخوفه أن يؤتى

стр. 117

الإسلام من قِبله- حري بأن يضاعف الله له الأجور، ويعطيه أجور تلك الأعمال التي لم يتمكن منها بسبب ما هو أوجب، وأهم من مصالح الأمة. فإذا احتسب الإمام وقال: أنا أعرف أن العمرة فضلها عظيم- وبخاصة في رمضان- لكنني أُشفق على جماعة مسجدي أن يتفرقوا، ويؤثر فيهم غيابي عنهم، فإن الله قد يعطيه ثوابَ أكثر من عمرة؛ فإن من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، ومن لم يتمكن من القيام ببعض السنن لعذر، إما لانشغاله بما هو واجب، أو بما هو أهم، أو لعدم القدرة البدنية أو المالية على ذلك، فإن له أجر ذلك العمل بفضل الله تعالى. فيا من تريد عظيم الأجر والثواب من الله، وتريد أن يعطيك الله أجر العمرة وغيرها من أعمال البر مما لا يمكنك القيام به؛ لانشغالك بإمامة المسلمين في أعظم فريضة فرضها الله عليهم، وهي الصلاة، أحسِن النية والقصد، واجتهد في مسؤوليتك، يعطك الله أجر ما لم تتمكن منه بسبب هذه المسؤولية. واعلم أخي أنه كما يقال: «الأحدب يعرف كيف ينام»، فمن الممكن أن تنتهز فرصةً قصيرةً أيامًا قليلةً تنيب فيها شخصًا تكون فيه الكفاية، يؤم الناس، تؤدي فيها مناسك العمرة، فأجرك على هذا في عمرتك وبقائك في مسجدك يفوق أضعاف أضعاف أجور من حكَّموا أهواءهم، وأكثروا من التخلف عن الإمامة بهذه التعليلات والحجج الواهية. وعلى الإمام الناصح لنفسه ولجماعته، الحريص على أداء دوره في الأمة أن يجعل في حساباته أن أوجب الواجبات عليه ما تحمله من أمر المسلمين، وأن يجتهد للقيام بذلك على الوجه المطلوب؛ إبراءً للذمة، ونصحًا للأمة، وطلبًا للمثوبة والأجر من الله، وليبشر بالخير- إن شاء الله- وليحذر أن يحكِّم هواه ورغباته، ويفتي نفسه بأنه ما دام تخلفه عن الإمامة لعمل خيري فلا بأس بذلك. وهل ضاعت كثير من مصالح الأمة إلا بسبب مثل هذه التبريرات والتعليلات الواهية، وذلك على مستوى جميع العاملين وأرباب المسؤوليات في الأمة. والله المستعان.

стр. 118

ج. أمور يجب على الإمام مراعاتها: الإمام هو الحاكم الإداري في المسجد، فعليه مراعاة ما يلي: ١ التعاون والتفاهم مع المؤذن، والتناصح فيما بينهما، وأن يكونا أخوين متحابين، وعلى كل منهما نصح الآخر إذا قصَّر، وإرشاده بطريقة مهذبة، وبالتي هي أحسن، مع تحاشي الاختلاف والعداوة بينهما؛ فإن ذلك من الشيطان والنفس الأمارة بالسوء، ومن ثَم ذلك يعود ذلك بالضرر عليهما وعلى المسجد وعلى الجماعة، وهو فساد ذات البَيْن التي تحلِق الدين، وعلى الإمام في هذا مسؤولية أكبر؛ لأنه هو الراعي الأول في المسجد، فلا يجوز له أن يترك المؤذن يتقدم في الأذان أو يتأخر عن الوقت أو يتخلف عن الأذان، بل يرشده ويناصحه ويتابعه. ٢ متابعة الفرَّاش والخادم في المسجد، وشكره، وتقديره، والدعاء له إذا قام بعمله على الوجه المطلوب من نظافة المسجد وفرشه ودورات المياه، وجميع ملحَقات المسجد، ومحاسبته إذا قصر ونصحه وإرشاده، وأن يبين له أنه يجب عليه القيام بعمله أتم قيام، ولا يجوز له أن يتساهل في ذلك كما هو حال الكثيرين. ٣ الحرص على جمع شمل الجماعة بما أشرت إليه سابقًا من الصلاة في أول الوقت، والعناية بإقامة الصلاة على الوجه المشروع، والتوسط في ذلك دون التقصير المخل، أو التطويل الممل، وأن يحرص على مناصحة المتخلفين عن الصلاة والمتأخرين في المجيء إليها، وإرشادهم، وتوجيههم بالتي هي أحسن، وليحذر من التسرع معهم، والغلظة عليهم بما ينفرهم عنه، فقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقال لموسى وهارون ﵉ لما أرسلهما إلى فرعون الذي ادعى الربوبية والألوهية قال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]. فعليه زيارة المتخلفين عن الصلاة والجلوس معهم، ودعوتهم لمنزله والتقرب إلى قلوبهم ومساعدة محتاجهم، ومن ثم نصحهم وإرشادهم بلين ورفق، ولا ييأس من

стр. 119

روح الله وهدايتهم. ٤ العناية بمظهر المسجد، وتهويته وتبريده وتدفئته، وإعداده الإعداد اللائق؛ ليحصل للمصلين الاطمئنان في الصلاة. ٥ العناية بدورات المياه ونظافتها ومتابعة الفرَّاش في هذا. وإن مما يُؤسَف له أن تقع عين الداخل كثيرًا من دورات المساجد على ما تشمئز منه النفس من الأوساخ والقاذورات، مما يُوجِب توعية الناس في هذا، وتعاون العاملين في المسجد وجماعته للقضاء على هذه الظاهرة وآثارها، فالعناية بها من العناية ببيوت الله تعالى المساجد. ٦ كما ينبغي للإمام تذكير الجماعة، ووعظهم، وتعليمهم ما يحتاجون إليه في العقيدة، والعبادات، والمعاملات، والأخلاق، والتفسير، والحديث، وغير ذلك، وتشجيع طلبة العلم لإلقاء الدروس والمحاضرات في مسجده، والترتيب معهم في ذلك، والتعاون مع الجماعة على البر والتقوى، وتجنيب المسجد الخلافات، ورفع الأصوات، ولعب الصبيان، والتشويش على المصلين، وغير ذلك. وعودًا على بدء أقول: أيها الإمام- بارك الله فيك- احمد الله أن بوَّأك هذه المنزلة العظيمة، واقدُر لها قدرها، واعلم أنك على ثغرٍ عظيم من ثغور الإسلام، فاللهَ اللهَ أن يؤتى الإسلام من قِبلك؛ فأنت أشبه بالحاكم الإداري، تحت مسؤوليتك المسجد وتهيئته، والمؤذن والجماعة والفرَّاش، ومياه الشرب، ودورات المياه. فأحط هذه المسؤوليات برعايتك وعنايتك، وأحسن التعامل مع جميع العاملين في المسجد، ومع الجماعة، وعوِّدهم ونفسك على القول والعمل، وكن كالطبيب الحاذق يتعرف بدقة على موضع الداء، ويصف له الدواء، ولا تتعجل جني ثمرة قبل أوانها، وليكن صدرك رحبًا في التعامل مع جميع هذه الأطراف، وخذهم بالحكمة والتوجيه والإرشاد بالتي هي أحسن، وحاول أن تسدد ما حصل منهم من نقص بقولك وفعلك وأخلاقك ومالك، واجعل تعاملك مع الله في كل ذلك، تفز برضا الله ثم برضا

стр. 120

الناس، وتكون لك العقبى في الأمور كلها، فالعاقبة للمتقين. ولخطباء الجمعة خاصةً أقول: احرص- أخي الخطيب وفقك الله- على ما يلي: أولًا: من حيث الإطار العام للخطبة ينبغي مراعاة الأمور التالية: ١ الإخلاص وحسن النية، والنصح لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم، كما قال ﷺ : «الدين النصيحة»، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (١)، وقال ﷺ : «ثلاث لا يُغَل عليهن قلب مؤمن: إخلاص العمل لله، والنصيحة لولاة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط مِن ورائِهم» (٢). وعن جَرير بن عبد الله ﵁ قال: «بايعتُ رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم» (٣). ٢ قِصَرُ الخطبة، وطول الصلاة؛ اتباعًا لهدي النبي ﷺ ، فقد قال ﷺ : «إن طول صلاة الرجل وقِصر خطبته مَئِنَّة من فِقهه» (٤). ٣ أخذ مادة الخطبة من المصادر الأصلية؛ الكتاب والسنة، وكتب التفسير، وشروح السنة، وكتب المحققين من علماء الأمة. ٤ وفاء الخطبة بالمقصود منها، وهو: تعليم الناس أمور دينهم، وإرشادهم، وتوجيههم للعلم النافع، والعمل الصالح، والبر والخير، والتعاون على ذلك بأسلوب

стр. 121

يدخل إلى سُويداء القلوب؛ فإن كثيرًا من الناس يخرج من الخطبة وكأن المراد بها غيرُه! ٥ تحري الاعتدال في المنهج، والسداد في القول، والحرص على ما فيه تأليف قلوب المسلمين، وجمع كلمتهم على الحق، وتحذيرهم من أسباب الفرقة والاختلاف وفساد ذات البَين، فهي الحالقة؛ قال ﷺ : «لا أقول: تحلِق الشعر، ولكن تحلق الدِّين» (١). وكان ﷺ إذا رأي من أُناسٍ ما لا ينبغي وهو يعرفهم ويعرف ما حصل منهم يقول: «ما بال أقوامٍ يقولون كذا أو يفعلون كذا» (٢). ٦ التركيز في جميع الخطب على الجانب التربوي، وتربية الناس على القول والعمل معًا، فعلًا للواجبات، وبعدًا عن المنهيات؛ أداءً لحقوق الله، وحقوق الخلق، والتأكيد على ذلك على الدوام، فإن أعظم مصيبة أصيب بها كثير من المسلمين اليوم عدم تحقيق القول بالعمل، بل كثرة القول بلا عمل، وقد قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣]. فالتلاوم والتباكي على واقع الأمة، وكثرة القيل والقال، ونقد الآخرين مع تفريط كثيرٍ منا في حقوق الله، وحقوق الخلق، وفيما توليناه من مسؤوليات، كل ذلك لا يجدي عن أهله شيئًا! ثانيًا: من حيث موضوعات الخطب ينبغي مراعاة ما يلي:

стр. 122

١ ترسيخ العقيدة الإسلامية الصحيحة في نفوس الناس؛ ببيان معنى الشهادتين والتوحيد، ووجوب إخلاص العبادة لله ، والتحذير من الشرك والبدع والخرافات. ٢ بيان وشرح أركان الإيمان الستة، ووجوب الإيمان بها وبكل ما أخبر الله به ورسوله من المغيبات. ٣ بيان وشرح أركان الإسلام الخمسة، مع العناية- بعد الشهادتين- بالصلاة، وأحكامها، وفضلها، وصفتها؛ كما جاءت في الأحاديث الصحيحة، وكما في كتب المحققين؛ كصفة الصلاة لابن باز، وابن عثيمين، والألباني ﵏، وبيان أحكام صلاة الجمعة، وفضلها، وفضل الاغتسال، والتبكير لها، والسواك، والطيب، والدنو من الإمام، والتحذير من تخطي رقاب الناس، وغير ذلك. ٤ بيان كل ما يجب على المسلم من حقوق الله وحقوق الخلق، كحق الرسول ﷺ ، وحق ولاة الأمر في الولاية الكبرى والولايات الصغرى، وحق الوالدين، والأولاد، والأزواج، وسائر الأقارب، والجيران، وحقوق المسلمين. ٥ التأكيد على تعاهد القلوب، ومعالجة أمراضها، والحرص على سلامتها من النفاق، والغل، والحسد، والحقد، والعداوة، والبغضاء، وسوء الظن، وغير ذلك من أمراض القلوب. ٦ بيان كل ما يحرم على المسلم؛ كالقتل العمد، والربا، وأكل مال اليتيم، والظلم، وشهادة الزور، والفواحش، وشرب الخمور، والغيبة، والنميمة، والرشوة، والغش في المعاملات، والنظر المحرم، والسماع المحرم، وغير ذلك. والتحذير من ذلك، وبيان آثاره السيئة. ٧ العناية ببيان الأحكام التي يجهلها كثيرٌ من الناس؛ كبعض أحكام الطهارة، والمسح على الخفَّين، وبعض أحكام الصلاة، وأحكام البيع والشراء وسائر المعاملات، وأحكام الأوقاف والوصايا، وغير ذلك. ٨ تفسير بعض قِصار السور، وبعض الآيات المشتملة على الأحكام والمواعظ،

стр. 123

وشرح بعض الأحاديث الجامعة، وبيان ما فيها من الحكم والأحكام، والتوجيهات والآداب، وربط الناس بالقرآن والسنة. ٩ إبراز الصور المشرقة في سيرة المصطفي ﷺ ، وسير خلفائه وأصحابه ﵃، وسلف علماء الأمة وأبطالها ﵏، وغيرهم ممن سار على نهجهم. ١٠ شحذ الهمم، وتحريك الضمائر والقلوب إلى المسارعة والمسابقة إلى الصلاة في الصفوف الأولى وميامن الصفوف، إلى بر الوالدين، إلى صلة الأرحام، إلى الإنفاق في سبيل الله، إلى الدعوة إلى الله، إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى التخلق بالأخلاق الفاضلة، إلى إفشاء السلام، إلى العفو والتسامح ولين الجانب، إلى الإحسان إلى الآخرين، إلى محبة الخير للمسلمين، إلى احترام العالم والكبير، إلى العطف على الصغير، إلى رحمة المساكين، إلى أعمال البر والخير كلها، إلى ما فيه السعادة في الدنيا والآخرة، والعزة والرفعة؛ مع استجلاء معاني كلام الله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الآية: ١٣٣ من آل عمران وما بعدها]، ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١]، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠، ١١]، ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]. إلى غير ذلك من الجوانب والأساليب التي لا تخفى على الخطيب اللبيب، والتي قد يكون بعضها أهم من بعض ما ذُكر؛ إذ المقصود فيما ذكر التمثيل لا الحصر. وأنت أخي المؤذن: احمد الله تعالى على أن بوأك هذه المنزلة، ومنحك إياها، واعلم أن مسؤوليتك عظيمة فأعطها حقها؛ لتسلم من تبعتها، وتنال الأجر الموعود عليها بإذن الله ؛ فقد قال ﷺ ، كما تقدم في الحديث: «المؤذن مؤتمَن» (١)، وقال ﷺ : «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا» (٢)، وقال ﷺ : «المؤذنون

стр. 124

أطول الناس أعناقًا يوم القيامة» (١). وقال ﷺ : «لا يسمع مدى صوت المؤذن جنٌّ ولا إنسٌ ولا شيءٌ إلا شهِد له يوم القيامة» (٢). وقد رُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «لو كنت أُطِيق الأذان مع الخلافة لأذَّنتُ» (٣). وقد ذهب طائفة من أهل العلم والمحققين إلى أن الأذان أفضل من الإمامة، واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٤). فاحمَدِ الله أخي المؤذن، وارفع صوتك بالأذان، وارفع رأسك بطاعة الله ، وكنْ أمينًا على الأذان في وقته، وأحسِن النية والقصد، وأبشر بالخير إن شاء الله تعالى. وأنت أخي الفرَّاش والمستخدم في المسجد: اعلم أن عملك من أشرف الأعمال وأفضلها، كيف لا؟ وهو خدمة بيوت الله وتنظيفها، فقم بهذا العمل على الوجه المطلوب، وأبشر بالخير إن شاء الله، فعن أبي هريرة ﵁ أن رجلًا أسودَ أوِ امرأةً سوداءَ كان يَقُمُّ المسجد فمات، فسأل النبي ﷺ عنه، فقالوا: مات. قال: «أفلا كنتم آذنتُموني به، دُلوني على قبره- أو على قبرها» فأتى قبرها فصلى عليه (٥).

стр. 125

وهذا بلا شك يدل على فضل تنظيف المساجد والقائمين على ذلك. واحذر أخي الكريم من التساهل في هذه المسؤولية، وإن كنت لستَ قادرًا على القيام بها، ومضطرًّا أن تكلف بها غيرك ممن قد يقوم بها وقد لا يقوم، فاتركها لغيرك، اللهم إلا أن تكون الجهة التي كلفتك أذنت بذلك، واعلم أنك مسؤول عنها أمام الله يوم القيامة، ولا يغرك ما عليه كثير من الناس، فإن الناقد بصير، والحساب عسير إلا على مَن يسره الله تعالي عليه.

стр. 126

وقفتان في: تقوى الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١] الوقفة الأولى في: مكانة تقوى الله تعالى، وفضلها تقوى الله هي أعظم وصية أوصى الله بها الأولين والآخرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]. وبها أرسل جميع رسله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام ليأمروا بها أقوامهم، وأمرهم بها، فقال لأفضلهم وخاتمهم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١]. ولهذا قال ﷺ : «والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له» (١). ذكرها الله في القرآن في نحو مئتين وخمسين موضعًا، أمرًا بها، وحضًّا عليها، وإنكارًا على من تركها، وامتداحًا لأهلها بأفضل وأعظم الصفات، ووعدًا وبشارة لهم، وبيانًا وتفضيلًا لما لهم عند الله من الكرامة، وغير ذلك. ورتب الله عليها التوفيق والعزة والسعادة، وصلاح أمر الدين والدنيا والآخرة، والفوز والفلاح، والنجاة والسلامة من الفتن ومن جميع الشرور في الدنيا والآخرة، وجعلها خير الزاد، وخير لباس، وسببًا لكرامة المرء عند الله تعالى، وجعلها في آن واحد سببًا للإيمان والأعمال الصالحة، وثمرة للإيمان والأعمال الصالحة. جعلها الله سببًا للسمع والطاعة، والتوكل على الله، والأخذ بما أتى به

стр. 127

الرسول ﷺ ، والانتهاء عما نهى عنه، والتقرب إلى الله تعالى، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام، والقول السديد، والوفاء بالعهود، والتأمل في آيات الله، والتفريق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والحلال والحرام، والخير والشر، وغير ذلك، ومن ثم الموت على الإسلام. ورتب عليها ولايته للمتقين، ومحبته إياهم، ومعيته الخاصة لهم، ومغفرته لهم، ورضوانه عنهم، وتكفير سيئاتهم، وقبول أعمالهم. وجعلها من أخص صفات عباده المؤمنين، المهتدين بالقرآن، المتعظين المتذكرين به، السامعين المطيعين الأبرار، المنفقين في السراء والضراء، والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، المحسنين، المستغفرين، الصابرين، المصابرين، المرابطين، الصادقين، المصدَّقين، المتصدقين، الذاكرين، الشاكرين، المفلحين، الفائزين، الذين جمعوا بين عبادة الله تعالى والإخلاص له، والتوكل عليه، وخشيته وخوفه ورجائه، والاستعداد للقائه، إلى غير ذلك من جليل الصفات، وجميل الخصال. وجعلها سببًا للفلاح والعقبى الحسنة، والفوز في الدار الآخرة بالجنة، وما فيها من الأجر الكبير، والثواب العظيم، ومقعد الصدق، والمقام الأمين، والنعيم المقيم، والغرف العالية، والظلال الوارفة، والأنهار والعيون الجارية، والمفاوز والحدائق والأعناب، والمشتهيات من الفواكه والمآكل والمشارب، والكواعب الأتراب، والكأس الدهاق، وغير ذلك من أنواع النعيم. وجعلها سببًا للوقاية والنجاة من عقاب الله الشديد، ومن القيامة وأهوالها العظيمة، ومن النار، وما فيها من الأغلال والأنكال، والجحيم، والعذاب المقيم، وغير ذلك.

стр. 128

الوقفة الثانية في: حقيقة تقوى الله تعالى ومعناها، ومضمونها ومقتضاها أ- حقيقة تقوى الله تعالى ومعناها: عرف السلف ﵃ من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم تقوى الله تعالى بتعاريف فيها بيان حقيقتها، ومعناها، وتدل على سعة مضمونها ومقتضاها. فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «حق تقاته: أن يُطاعَ فلا يُعصَى، وأن يُشكَرَ فلا يُكفَر، وأن يُذكَر فلا ينسى» (١). وعن علي ﵁ أنه قال: «التقوى: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل» (٢). وعن طَلْقِ بن حَبيب ﵀ قال: «تقوى الله: أن تعمل بطاعة الله، على نورٍ من الله، ترجو ثوابَ الله، وأن تترك معصيةَ الله، على نورٍ من الله، تخاف عقاب الله» (٣). وعرَّفها بعض أهل العلم بعدهم بقوله: «أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقايةً؛ بفعل ما أَمَرَ الله به، وترك ما نَهَى الله عنه».

стр. 129

ب- مضمون تقوى الله تعالى ومقتضاها: في التعاريف السابقة خلاصة ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة من حقيقة تقوى الله ومعناها، وسَعة مضمونها ومقتضاها، وأنها تشمل الدين كله، فتشمل أركان الإيمان، وأركان الإسلام، والإحسان. كما جاء في حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، فجلس إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد، أخبرني عن الإيمان. فقال: «الإيمان: أن تؤمنَ بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» فقال: أخبرني عن الإسلام. فقال: «الإسلام: أن تشهد أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إنِ استطعت إليه سبيلًا» قال عمر: فعجِبنا له يسأله ويصدِّقه. قال: أخبرني عن الإحسان. قال: «أن تعبدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» الحديث (١). فأركان الإيمان ستة، وهي: الإيمان بالله تعالى؛ أي: الإيمان بوجوده وربوبيته وأُلوهيته وأسمائه وصفاته. والإيمان بالملائكة؛ أي: الإيمان بوجودهم، وأنهم خلقٌ من خلق الله تعالى، خلقهم الله من نور، كما قال ﷺ : «خُلقت الملائكة من نورٍ» (٢). والإيمان بما ذُكر من أسمائهم، وعبادتهم لله تعالى، وأحوالهم، وأعمالهم التي وكلهم الله تعالى بها على جهة الإجمال والتفصيل، كما جاء في القرآن والسنة. والإيمان بالكتب؛ أي: الإيمان بجميع الكتب التي أنزلها الله تعالى على رسله، ما سمى الله تعالى لنا منها في القرآن الكريم، وما لم يسمِّه.

стр. 130

والإيمان بالرسل؛ أي: الإيمان بجميع الأنبياء والرسل الذين أرسلهم الله تعالى، مَن قص الله تعالى علينا منهم في القرآن، ومن لم يقصصهم علينا. والإيمان باليوم الآخر؛ أي: الإيمان بيوم القيامة وما فيه من بعث الناس من قبورهم، ومن الأهوال، والحساب، والجزاء على الأعمال، والإيمان به من أهم أركان الإيمان؛ ولهذا يقرن الله الإيمان باليوم الآخر في القرآن الكريم بالإيمان به ؛ وذلك لأن الإيمان باليوم الآخر من أعظم ما يحفز على العمل؛ لأن فيه الحساب والجزاء على الأعمال، وربط الدنيا بالآخرة، مما يحمل على الاجتهاد في العمل والمنافسة والمسارعة والمسابقة، إضافة إلى تهوين مصائب الدنيا؛ قال الشاعر: الأمر جِدٌّ وَهْوَ غيرُ مِزاحِ … فاعمَلْ لنفسِكَ صالحًا يا صَاحِ (١) وقال الآخر: قد رشَّحوك لأمرٍ لو فطِنتَ له … فاربَأْ بنفسِكَ أن تَرعَى مع الهَمَلِ (٢) والإيمان بالقدر خيره وشره؛ أي: الإيمان بأن الله قدر في الأزل مقادير كل شيء، قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما جاء في الحديث (٣). والإيمان بأن ما أصاب العبد لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا، كما جاء في حديث ابن عباس ﵄ (٤).

стр. 131

وأركان الإسلام خمسة، وهي: الأول: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله؛ أي: شهادة أن لا معبود بحق إلا الله، وهي نفي وإثبات، نفي الإلهية عن غير الله تعالى، وإثباتها لله تعالى وحده. ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله؛ أي: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يُعبد الله إلا بما شَرع. الثاني: إقام الصلاة؛ أي: أداؤها والمحافظة عليها، وإقامتها كما شرع الله تعالى، بشروطها، وأركانها، وواجباتها، وسننها. والصلاة في اللغة: الدعاء. وفي الشرع: التعبد لله تعالى بأفعال وأقوال مخصوصة، مبتدأَة بالتكبير، مختتَمة بالتسليم. الثالث: إيتاء الزكاة؛ أي: إعطاؤها لمستحقيها من الأصناف الثمانية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]. والزكاة في اللغة: النماء والزيادة. وفي الشرع: حق مالي مخصوص، في مال مخصوص، لطائفة مخصوصة، في زمن مخصوص. الرابع: صوم رمضان. والصوم في اللغة: الإمساك. وفي الشرع: التعبد لله تعالى بالإمساك عن المفطِرات الحسية والمعنوية، من

стр. 132

طلوع الفجر إلى غروب الشمس، طيلة شهر رمضان المبارك. والخامس: حج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلًا. والحج في اللغة: القصد. وفي الشرع: قصد البيت الحرام، وأداء مناسك الحج لمن استطاع إلى ذلك سبيلًا. والإحسان: ركن واحد: وهو: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». كما تشمل تقوى الله تعالى: امتثال كل ما أمر الله تعالى به من الأقوال والأفعال. هذا كله في جانب المأمورات والأفعال. كما تشمل تقوى الله: ترك ما نهى الله تعالى عنه، والبراءة منه، ومن ذلك: ١ البراءة من الشرك بنوعيه: أ- الشرك الأكبر: من عبادة القبور والأشجار والأحجار، ودعاء الأموات، والاستعانة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله، ونحو ذلك، وصاحبه مخلَّد في النار، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦]. ب- الشرك الأصغر: كالرياء، والحلف بغير الله، ونحو ذلك. قال ﷺ : «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» فسئل عنه، فقال: «الرياء» (١). وقال ﷺ : «مَن حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» (٢). ٢ البراءة من النفاق بنوعيه: أ- النفاق الاعتقادي: وهو أن يظهِر الإنسان الإيمان، ويبطِن الكفر، وهذا

стр. 133

أشد من الكفر الصريح، وصاحبه في الدرك الأسفل من النار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥]. ب- النفاق العملي: من الكذب، والغدر، وخلف الوعد، وخيانة العهد، والفجور في الخصومة، ونحو ذلك. وهذا من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر لمخالفته صفات المؤمنين، ومشابهته صفات الكافرين. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتُمن خان» (١). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أربعٌ مَن كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلةٌ منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يَدَعَها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذَب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» (٢). ٣ ترك كل ما نهى الله تعالى عنه من الأقوال والأفعال: كما قال : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر: ٧]. وبهذا يتبين أن مضمون تقوى الله تعالى ومدلولها يشمل الدين كله؛ فعلًا لما أمر الله تعالى به، وتركًا لما نهى الله عنه. فهي دين الله الذي بعث به رسله، وأنزل به كتبه، وهي الهدى ودين الحق الذي أرسل به رسوله محمدًا ﷺ ، وهي توحيد الله، واتباع شريعته، وتعظيم أمره، وطاعته وطاعة رسوله ﷺ . هي عبادة الله تعالى التي خلق الله الثقلين لأجلها، هي الإيمان والإسلام والإحسان والبر، والاستقامة، ونحو ذلك.

стр. 134

هي ضد الشرك والكفر، والنفاق والفسوق والعصيان، أمر الله بها الناس عامة والمؤمنين خاصة. همسة: أخي الكريم المبارك، وأختي الكريمة المباركة وفقكما الله تعالى، تدبرَا وتأملَا جيدًا قول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]. وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩]، وقوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢]. وتدبرَا وتأملَا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥١ - ٥٧]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [القلم: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ١٧ - ٢٠]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٥، ١٦]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر:

стр. 135

٤٥ - ٤٨]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [المرسلات: ٤١ - ٤٤]. وتدبرَا وتأملَا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]، وقوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق: ٣١]. وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤، والتوبة: ٣٦، ١٢٣]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤، ٧]. وقوله تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥]. وتدبرَا وتأملَا قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]. ولا أزِيد على هذا، وأسأل الله لي ولكما ولجميع المسلمين التوفيق.

стр. 136

وقفة في: خطر الغُلُوِّ في الدين قال الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] أ- معنى: الغلو في الدين: «الغلو» هو الزيادة في الشيء، والإفراط فيه والتشدد، ومجاوزة الحد المشروع (١). والغلو في الدين: هو التشدد فيه، وزيادة ما لم يَشرَعْه الله تعالى ولا رسوله ﷺ ، وضده الجفاء والتفريط، والنقص في الدين. ب- نشأة الغلو في الدين: نشأ الغلو في الدين من عهد قوم نوح ﵇ حيث غلوا بصالحيهم حتى عبدوهم، وأشركوهم مع الله ، وانتقل بعد ذلك إلى أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]. وكثر الغلو في النصارى خاصة، قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧]. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٧]. ثم انتقل بعد ذلك إلى هذه الأمة؛ مصداقًا لقوله ﷺ : «لتتبعنَّ سَنَنَ مَن كان قبلكم» (٢).

стр. 137

ج- الحكمة من نهي أهل الكتاب في القرآن الكريم عن الغلو في الدين: نهى الله أهل الكتاب في القرآن الكريم عن الغلو في الدين؛ تحذيرًا لهم، وتحذيرًا أيضًا لهذه الأمة من الغلو في الدين، وسلوك مسلك أهل الكتاب، ولذا نحن نقول في الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]؛ أي: ندعو الله بالسلامة من طريق اليهود الذين عرفوا الحق وتركوه، ومن طريق النصارى الذين عبدوا الله على جهل وضلال. وقال ﷺ : «لا تُطْرُوني كما أطْرَتِ النصارى ابنَ مَريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» (١). د- أقسام الغلو في الدين: ينقسم الغلو في الدين إلى قسمين: ١ القسم الأول: الغلو في العقيدة: كقول اليهود: عُزَيرٌ ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله. تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا. وكقول بعضهم للنبي ﷺ : «أنت سيدنا وابن سيدنا»، ولهذا قال ﷺ : «أيها الناس، قولوا بقولكم أو ببعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان، إنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبد الله ورسوله» (٢). ومن هذا قول البوصيري في «البردة» (٣): يا أكرمَ الخلقِ ما لي من أَلُوذُ به … سواك عند حلولِ الحادث العَمِمِ

стр. 138

إن لم تكنْ في معادي آخِذًا بيدي … فضلًا وإلا فقُلْ يا زلةَ القدمِ فإنَّ من جُودك الدنيا وضَرَّتها … ومن علومك علم اللوحِ والقَلَمِ ومن ذلك الغلو بآل البيت كما يفعل الرافضة- أخزاهم الله تعالى- والغلو بالصالحين، والطواف حول قبورهم، كما يفعل غلاة المتصوفة وغيرهم في كثير من البلاد الإسلامية. ٢ القسم الثاني: الغلو في العمل: كرهبانية النصارى، قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٧]. ومن هذا ما أراده عثمان بن مظعون ومن معه ﵃ من التبتل بالصيام والقيام، وترك الزواج؛ ولذا قال لهم النبي ﷺ : «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له، وإني أصوم وأُفطِر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمَن رغِب عن سنتي فليس مني» (١). ولهذا نهى ﷺ عن صوم الدهر، وقيام الليل كله، وبيَّن أن أفضل الصيام والقيام: صيام داود ﵇ وقيامه: «كان ينام نصفَ الليل ويقوم ثُلُثَه، وينام سُدُسَه، ويصوم يومًا ويُفطِر يومًا» (٢). وقال ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ في ختم القرآن: «اقرأْه في ثلاث ولا تزد على ذلك» (٣). ومن هذا ما جاء في قصة أبي الدرداء وسلمان الفارسي ﵄، لما زار سلمان أبا الدرداء وجد أم الدرداء متبذِّلة، وسألها، فقالت له: «أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في

стр. 139

الدنيا». فأنكر عليه سلمان، وقال له: «إن لربِّك عليك حقَّا، ولزوجك عليك حقَّا، ولزَوْرِك عليك حقَّا، فأعطِ كل ذي حق حقَّه» (١). هـ- الخطر العظيم الذي يترتب على الغلو في الدين: يترتب على الغلو في الدين بقسميه العقدي والعملي: الخروج عن الدين، والكفر، فهو أشد من الجفاء والتفريط والنقص؛ لأن الغلو في الدين، والزيادة فيه أشد من النقص منه؛ لأن الزيادة في الدين تشريع من دون الله، ومفادها أن الدين لم يكمل. فمن غلا في الأنبياء والصالحين وغيرهم من دون الله، أو صرف لهم شيئًا من أنواع العبادة التي لا يجوز صرفها إلا لله، فهو مشرك كافر، خارج عن الدين. ومن غلا في الدين بأن أوجب ما لم يوجبه الله تعالى ورسوله ﷺ ، أو حرم ما لم يحرمه الله ورسوله ﷺ ، أو استحل ما حرمه الله تعالى ورسوله ﷺ ، ومن ذلك الخروج على المسلمين وأئمتهم فهو كافر خارج عن الدين. كما جاء في قصة ذي الخُويصرة التميمي حين اعترض على النبي ﷺ في قسمة غنائم حنين، وقال: «اتق اللهَ يا محمد» فقال النبي ﷺ : «إن من ضِئْضِئ هذا قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجِرَهم، يقتلون أهل الإسلام، ويدَعون أهل الأوثان، يمرُقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتُهم لأقتلنهم قتل عاد» (٢). وبسبب الغلو في الدين انتشر الشرك في كثيرٍ من بلاد المسلمين، وتعددت طوائف الغلاة، ومن أشد الغلاة كفرًا وشركًا وشرًّا: الرافضة- أخزاهم الله تعالى- الذين غلوا بعلي ﵁ وآل البيت، فعبدوهم من دون الله، وأشركوهم مع الله في الربوبية والألوهية، وكفَّروا من عداهم من المسلمين، وجمعوا بين كل أنواع الكفر والشرك، فأشركوا آل البيت وأئمتهم ومعمَّميهم

стр. 140

مع الله تعالى، وزعموا أن جبريل ﵇ خان في الرسالة، فقد كانت لعلي، فأعطاها لمحمد، وزعموا أن القرآن محرف، وأن الصحابة ارتدوا عن الإسلام، ورموا عائشة أم المؤمنين ﵂ بالفاحشة، وليس على وجه البسيطة أقذر ولا أنجس ولا أشر منهم، لا من اليهود ولا النصارى، ولا من الملحدين، ولا من غيرهم، كما قال القحطاني (١) ﵀: إن الروافض شرُّ من وَطِئَ الحَصَى من كل إنسٍ ناطقٍ أو جانِ وصدق- واللهِ ﵀. ومن طوائف الغلاة في الدين: الخوارج الذين خرجوا على علي ﵁ وعلى المسلمين في عهده، ومنهم الذين يخرجون على ولاة أمور المسلمين بين حينٍ وآخر، تحت مسميات مختلفة، ويفرقون صف المسلمين، ويستحلون دماءهم، بدعوى الانتصار للدين، ونحو ذلك من الذرائع الباطلة التي لا تجيز لهم الخروج على المسلمين، وهؤلاء مارقون وخارجون من الدين، وكفار، كما في قصة ذي الخُويصرة. ومن طوائف الغلاة في الدين: غلاة الصوفية الذين يعظمون قبور الأنبياء والصالحين، ويطوفون حولها، ويطلبون المدد من أصحابها، وهؤلاء أيضًا كفار ومشركون شركًا أكبر. و- سبب الغلو في الدين في هذه الأمة: سبب الغلو في الدين في الأمة الإسلامية: هو البعد عن كتاب الله تعالى، وعن سنة رسوله ﷺ وعن منهج سلف الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وعن العلماء الربانيين المحققين، مع فشو الجهل، واتباع الهوى، وكثرة الفتن. ز- السبيل للسلامة من الغلو في الدين: لا سبيل للسلامة من الغلو في الدين، ومن الجفاء والإفراط والتفريط، ومن الحيرة

стр. 141

والبلبلة والتذبذب، والعصمة من ذلك كله، إلا بالاعتصام بالكتاب والسنة، ولزوم منهج سلف الأمة، وتقوى الله وصدق اللجوء إليه ، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧]. وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩ - ١٠]. وقال في الحديث القدسي: «ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطِش بها، ورِجله التي يمشي عليها، وإن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأُعيذنَّه» (١). وقال ﷺ : «احفظِ الله يَحفظْك» (٢). وقال ﷺ : «كل الناس يغدو، فبائعٌ نفسَه فمُعْتِقها أو مُوبِقها» (٣).

стр. 142

وقفتان في: نعمة اللباس، وأخذ الزينة للصلاة: قال الله : ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] الوقفة الأولى في: نعمة اللباس، وأن الله جميل يحب الجمال أ- اللباس نعمة عظيمة من الله -: امتنَّ الله على بني آدم بنعمة اللباس؛ فقال : ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦]؛ أي: قد خلقنا وأوجدنا لكم لباسًا يستر عوراتكم وريشًا؛ أي: وزينة وجمالًا لكم يستر أبدانكم ويقيكم الحر والبرد. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١]. فاللباس من أعظم نعم الله تعالى على العباد، ولا يعرف قدر اللباس إلا من فقده، فكانت عورته عرضة لأنظار الآخرين، وجسمه عرضة للسع الحر والبرد. ولك أخي أن تتصور حال الإنسان عُريانًا، رجلًا كان أو امرأةً، لتحمد الله تعالى وتشكره، فكم من إنسان لا يجد ما يستر به عورته! فضلًا عما يستر به بدنه ويتقي به الحر والبرد. وتأمل حال الأبوين لما وسوس لهما الشيطان وخدعهما فأكلا من الشجرة، وبدت لهما سوآتهما، فأخذا يخصِفان عليهما من ورق الجنة لستر سوآتهما.

стр. 143

ب- إن الله جميل يحب الجمال: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخُل الجنةَ من كان في قلبِه مِثقال ذرةٍ من كِبر»، قال رجل: يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنًا. قال: «إن الله جميل يحب الجمال، الكِبر: بَطَرُ الحق، وغَمْطُ الناس» (١)؛ أي: رد الحق وإنكاره، واحتقار الناس والتعالي عليهم. فالتجمل وأخذ الزينة والنظافة في الملبس والهيئة والمظهر محبوب إلى الله . وزينة اللباس تكون في كل ما يُلبس ويستر البدن؛ من قميص، ورداء، وإزار، وسراويل، وعمامة، ونعل، وغير ذلك. ومن ذلك تغطية الرأس بعمامة، أو غير ذلك. قال ابن القيم ﵀ (٢): «كانت له- أي للنبي ﷺ عمامة تسمى السحاب كساها عليًّا ﵁، وكان يلبسها ويلبس تحتها قَلَنْسُوة (٣)، وكان يلبس القلنسوة بغير عمامة، ويلبس العمامة بغير قلنسوة، وكان إذا اعتم سدَل عمامته بين كتفيه» (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٥): «كشف الرؤوس، وتفتيل الشعر ليس هذا من شعار أحد من الصالحين، لا من الصحابة، ولا من التابعين، ولا شيوخ الإسلام». وقال الألباني ﵀ (٦): «وليس من الهيئة الحسنة في عرف السلف اعتياد حسر الرأس، والسير كذلك في الطرقات، والدخول كذلك في أماكن العبادات، بل هذه عادة أجنبية

стр. 144

تسربت إلى البلاد الإسلامية حين دخلها الكفار». وليس من الزينة المشروعة إسبال الثياب، بل هو محرَّم لا يجوز، وقد قال ﷺ : «من جرَّ ثوبه خُيَلاء لم ينظرِ الله إليه يوم القيامة» (١)، وقال ﷺ : «ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار» (٢)، وقال ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم» فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات. قال أبو ذر: خابوا وخسِروا، من هم يا رسول الله؟ قال ﷺ : «المُسبِل، والمنَّان، والمنفِّق سلعتَه بالحلِف الكاذب» (٣)، وفي رواية: «المُسبِل إزاره» (٤)، والإسبال في الصلاة أشد تحريمًا وهي صحيحة مع الإثم. الوقفة الثانية في: أخذ الزينة للصلاة باللباس وغيره قال الله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]؛ أي: تزينوا عند جميع المساجد وجميع الصلوات فرضِها ونفْلِها. والأمر في الأصل للوجوب، وهو محمول على الوجوب في حدود ستر العورة بالإجماع، وهو للاستحباب فيما زاد على ذلك من الزينة باللباس، والطِّيب، والسواك، ويتأكد هذا في صلاة الجمعة، والعيدين، كما دلت على ذلك السنة. وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]؛ أي: أن تُعظَّمَ بالعبادة فيها، وأخذ الزينة عندها، كما في الآية السابقة، وذلك بنظافة البدن، وارتداء الملابس الجميلة والنظيفة، والطيب، والسواك، وغير ذلك، واستشعار المسلم أنه سيقف في الصلاة أمام الله ملك الملوك. ومن الزينة للصلاة: تغطية الرأس، وكان النبي ﷺ يداوم على ذلك، ولم يُنقل عنه ﷺ أنه

стр. 145

صلى حاسرًا رأسه ولا مرة واحدة، مع توافر الدواعي على نقله، اللهم إلا في حال الإحرام (١). عن نافع قال: «رآني ابن عمر أصلي في ثوبٍ واحدٍ فقال: ألم أكسُك ثوبين؟ فقلت: بلى. قال: أرأيتَ لو أرسلتُك إلى فلان أكنت ذاهبًا في هذا الثوب؟ فقلت: لا. فقال: الله أحقُّ مَن تَزيَّنُ له، أو مَن تزينتَ له» (٢). وقد رُوي أن تميمًا الداري ﵁ اشترى رداءً بألف، فكان يصلي فيه (٣). فاحرص- أخي وفَّقك الله- أن تقف أمام ربك في الصلاة بأجمل لباس، وأحسن هيئة، وأزكى رائحة؛ تعظيمًا لله ، واهتمامًا بالصلاة وعناية بها، ولا تغترَّ بمن لا يبالون بذلك. فشتان بين من يستحضر هذه المعانيَ العظيمة في تعظيم الخالق ، وتعظيم الصلاة، فتأتي صلاته تامة تامة تامة، بتوفيق الله ، وبين من لا يستحضرها، فيأتي إلى الصلاة بقميص النوم، أو بأي لباس كان، وعلى أية حالٍ كان. ولو أنه أراد مقابلة أي شخص، أو الذهاب لأي مناسبة، ونحو ذلك لاهتم بلباسه ومظهره كل الاهتمام، فأي مناسبة تفوق الوقوف أمام الله في الصلاة ومناجاته؟!
следующие страницы →