← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 800

مراقي العزة ومقومات السعادة

سليمان اللاحم

Полный текст (723 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الجنة» (١). وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: قلت: يا رسولَ الله، أخبِرني بفواضل الأعمال، قال: «يا عقبةُ، صِلْ مَن قطعك، وأعطِ مَن حرَمك، وأعرِضْ عمن ظَلَمك» (٢). وفي الأثر: «من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه» (٣). قال الشاعر: لما عفوتُ ولم أحقِدْ على أحدٍ … أرحتُ نفسيَ من همِّ العَداواتِ (٤) فيا سعادة من وفقه الله تعالى للعفو والصفح والتسامح، فقضى حياته سليم القلب، منشرح الصدر، حسن المعشر، مرتاح البال. ويا بشارته في الآخرة بما تكفل الله به من الفوز العظيم، والثواب الجزيل، والأجر الكريم لمن عفا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]. فليجعل كلٌّ منا العفو والصفح والتسامح ديدنه وشعاره، وليحذر كل الحذر من نزغات الشيطان، ومن النفس الأمَّارة بالسوء، ومن الحرج، وضيق الخلق، ومن فظاظة القلب وقساوته؛ فإن أبعد الناس من الله القلب القاسي. وليسأل كلٌّ منا ربه على الدوام أن يجازيَه عما له من حقوق على إخوانه المسلمين من

стр. 72

قريب أو بعيد، وأن يعفو عنهم، كما يسأل ربه أن يجازيَ مِن فضلِه مَن لهم عليه حقوقٌ، وأن يعفو عنه ويتجاوز، ففضله واسع، وعفوه عظيم. وشتان شتان بين من يَرِد غدًا على أكرم الأكرمين، وأجود الأجودين، ذي الفضل العظيم، فيوفيه أجره بغير حساب، وبين من يرد على الناس الضعفاء الفقراء المساكين من أقاربه وجيرانه وإخوانه المسلمين؛ ليقتص منهم، وربما اقتص من أقرب الأقربين إليه؛ من أمه وأبيه، وزوجه وولده وغيرهم، بسبب حرجه وشح نفسه. فارفع رأسك أخي الكريم وأختي الكريمة، بطلب معالي الأمور، واجعل العفو والصفح والتسامح ديدنك؛ ابتغاء ما عند الله تعالى، تُوفَّق في دينك وتسعد في دنياك، وتجني بذلك عند لقاء الله عظيم الأجور. على قدْرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ … وتأتي على قدْرِ الكرامِ المكارمُ وتكبُر في عينِ الصغيرِ صِغارُها … وتصغُر في عين العظيم العظائمُ (١) الوقفة الثانية في: فضل الحلم، وكظم الغيظ الحِلم (٢)؛ بكسر الحاء: ترك المعاجلة في العقوبة، والرفق والتثبت والأناة. والغيظ: الغضب الشديد، وكظمه: حبسه، وهو من أعظم آثار الحلم. والحلم من أفضل الصفات وأعظمها وأجلها وأكملها، وقد سمى الله نفسه بـ (الحليم) ووصف نفسه بالحلم في آيات كثيرة من كتابه الكريم. قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾

стр. 73

[البقرة: ٢٦٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤، وفاطر: ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧]. فالحلم من أجل صفات الله وأعظمها، و (الحليم) من أعظم أسمائه ؛ أي: الذي لا يعاجل من عصاه بالعقوبة. قال ابن القيم (١): وهو الحليمُ فلا يُعاجِلُ عَبدَهُ … بعقوبةٍ؛ ليتوبَ مِن عِصيانِ وقد وصَف بالحلم خليلَه إبراهيم ﵊ فقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]. وكان نبينا محمد ﷺ من أشد الناس حلمًا، كما تقدم في الكلام على صفة العفو. فلقد لقِي من قومه من التكذيب والأذى ما لم يَلقَه نبي قبله من الأنبياء، وكان مع ذلك صلوات الله وسلامه عليه يقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». وأبى على مَلَك الجبال أن يُطبِق على أهل مكة الأخشَبَين، وقال: «بل أرجو أن يُخرِجَ الله من أصلابهم مَن يعبد الله وحدَه، ولا يشرك به شيئًا»، ولما دخل مكة فاتحًا عفا عن أهلها. فالحلم وكظم الغيظ من أنبل وأجلِّ وأفضل الصفات، قال تعالى في مدح المتقين: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]؛ أي: الذين يحبسون الغيظ، وهو الغضب، كما قال تعالى في وصف المؤمنين المتوكلين: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧]. وقال ﷺ لأَشَجِّ عبدِ القيسِ: «إن فيك خَصلتينِ يحبهما الله: الحِلم والأناة» (٢)؛ والأناة:

стр. 74

التأني في الأمور، والتثبت والرفق والتؤدة. قال الشاعر: الرفق يُمنٌ والأناةُ سعادةٌ (١) وقال رجل: يا رسول الله، أوصني، قال: «لا تغضَبْ»، قال: أوصني، قال: «لا تغضب»، قال: أوصني، قال: «لا تغضب» (٢). وقال ﷺ : «الغضب جمرةٌ من جمْر جَهنمَ يُوقِدُها الشيطانُ في قلبِ ابنِ آدمَ» (٣). وقال ﷺ : «إن الله رفيقٌ يحب الرفق في الأمر كله، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يُعطي على ما سواه» (٤). وقال ﷺ : «إن الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا يُنزَع من شيءٍ إلا شانه» (٥). وقد قيل: «في التأني السلامَة، وفي العجلة الندامة» (٦). والحلم إنما يُمدح ويُستحق في مكانه المناسب؛ كما قال ﷺ : «ليس الشديد بالصُّرَعَة، إنما الشديد الذي يملِك نفسه عند الغضب» (٧).

стр. 75

ورأى ﷺ رجلًا قد انتفخت أوداجه من شدة الغضب، فقال ﷺ : «إني أعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» (١). قال النابغة الجَعْدِيُّ (٢): ولا خيرَ في حلمٍ إذا لم تكنْ له … بوادرُ تَحمي صفوَه أنْ يُكَدَّرَا ولا خيرَ في جهلٍ إذا لم يكن له … حَليمٌ إذا ما أوردَ الأمرَ أَصْدَرَا وقال الآخر: حليمٌ إذا ما الحلمُ زيَّنَ أهلَه … معَ الحلمِ في عينِ العدوِّ مَهيبُ (٣) فلنأخذ بالحلم والعفو فعاقبتهما الحسنى، والأجر العظيم والنجاة، ولنحذرْ كل الحذر من الغيظ والغضب، فعاقبتهما الندامة، والإثم الكبير، والهلاك.

стр. 76

وقفة في: حل عقدة المؤامرة قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] في هذه الآية حل لعقدة المؤامرة التي يبرر بها كثير من المسلمين في العالم الإسلامي كله سببَ ضعفهم وتخاذلهم وتخلفهم عن ركب الحضارة، ويلقون فيها التبِعة في ذلك على غيرهم من أعداء الإسلام. وفيه بيان أن ما أصاب المسلمين وما يصيبهم إنما هو بسبب أنفسهم؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [القصص: ٤٧]. فأعداء الإسلام منذ بزغت شمس الإسلام لا يألون جهدًا في الكيد له، ومحاولة النيل منه، ومن أهله، ولا يُتوقع منهم غير هذا، وأسوأ منه؛ إذ لا يُجنى من الشوك العنبُ. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: أين المسلمون الذين يتجاوز عددهم مليارًا ونصفًا؟ إن مصيبة الأمة على ضوء الآية الكريمة تتمثل في تخلي كثير من المسلمين عن مواقعهم، وعن مسؤولياتهم التي سيُسألون عنها أمام الله ؛ في ولاياتهم الكبيرة والصغيرة، وفي بيوتهم ومساجدهم وأعمالهم وأسواقهم وغير ذلك، وعدم قيامهم بها كما ينبغي، وبهذا صار كثير من المسلمين على اختلاف مواقعهم هم السببَ الأولَ في ضعف الأمة، وتخلفها بين الأمم! إن الأعداء مهما تكالبوا على الأمة، وأجلبوا عليها بخيلهم ورجلهم، لا يستطيعون

стр. 77

النيل منها حين تصدُق مع الله ، وتعتصم بحبله، ويؤدي كل فرد فيها مسؤوليته؛ حاكمًا كان أو مسؤولًا، أو والدًا، أو قاضيًا، أو معلمًا، أو إمامًا، أو مؤذنًا، أو موظفًا، أو تاجرًا، أو غير ذلك. قال تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. فإذا صلحت الأمة وصدَقت مع الله ما ضرها نباح الكلاب، فالكلاب تنبح والقافلة تسير بتوفيق الله وعونه. لكن إذا ضعُف سير القافلة أو توقفت، نهشتها الكلاب ونالت منها. وهذا يحتِّم ويُوجِب على كل فرد من أفراد الأمة أيًّا كان موقعه أن يستشعر عِظم مسؤوليته أمام الله ، وأن يقوم بها خير قيام، وأن يعلم؛ كما قال الأوزاعي ﵀: «لِيَعْلَمْ كلٌّ منكم أنه على ثغرٍ من ثغور الإسلام، فاللهَ، اللهَ، أن يُؤتَى الإسلامُ من قِبَلِه» (١)! علينا أن نصدُق مع الله ، ونوجه جهودنا وعملنا لإصلاح المجتمع، وإصلاح بيوتنا ومساجدنا وأسواقنا وأعمالنا ومؤسساتنا، وغير ذلك. فهذا هو الذي به نجاتنا، وصلاح مجتمعاتنا، والذي سيحاسبنا الله تعالى عليه يوم القيامة. علينا ألا ننشغل بتضخيم المؤامرة والترويج لكيد الأعداء، فنفت في عضُد الأمة بإظهار باطلهم، فكيدهم ضعيف لو صدَقنا مع الله ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]. وقد قصدتُ في هذه الوقفة القصيرة التنبيه على أمرين، كل منهما في غاية الأهمية، وكل منهما أهم من الآخر: الأمر الأول: أن كل فرد من أفراد الأمة عليه مسؤولية، أيًّا كان موقعه، فيجب عليه

стр. 78

تحمل مسؤوليته أمام الله . الأمر الثاني: أنه لا أحد يستطيع أن يبرر لنفسه السلامة من التبِعة، وعدم المسؤولية عما أصاب الأمة من الضعف والتخلف عن ركب الحضارة. راجيًا من الله العلي القدير أن يوفق كل فرد من المسلمين لأخذ دوره في الأمة، والقيام بمسؤوليته؛ ليعود للأمة عزها وكرامتها وتأخذ مكانتها بين الأمم، وما ذلك على الله بعزيز!

стр. 79

وقفة في: أعظم الأمانات: النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] عن تَميمٍ الداريِّ ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الدين النصيحة»، قلنا: لمن يا رسولَ الله؟ قال: «لله، ولكتابِه، ولرسوله، ولأئمةِ المسلمين، وعامتِهم» (١). قال النووي ﵀ في «شرح صحيح مسلم»: «هذا الحديث عظيم، عليه مَدار الإسلام» (٢). ومعنى: «الدين النصيحة»: أن عماد الدين وقِوامه النصيحة. والنصيحة: إرادة الخير للمنصوح له. والنصيحة: هي الدين كله؛ لأن الدين يشمل الإسلام والإيمان والإحسان، ولهذا قال ﷺ في آخر حديث جبريل ﵇ الذي بيَّن فيه الإيمان والإسلام والإحسان، قال: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم» (٣). فالنصيحة لله تعالى: شهادة أنه لا إله إلا الله، والإيمان به؛ أي: بوجوده، وبربوبيته وألوهيته، وأسمائه وصفاته، وشرعه، وعبادته وحدَه لا شريكَ له، وتنزيهه من جميع النقائص، وصرف جميع أنواع العبادة له تعالى وحده؛ من المحبة والتعظيم والخوف

стр. 80

والرجاء، والتوكل والاستعانة، وغير ذلك، وتقواه بفعل أوامره وطاعته، واجتناب نواهيه، والحذر من معصيته، والاعتراف بنعمه وشكره عليها، والدعوة إليه ، وإلى دينه، وشرعه، وصراطه المستقيم. قال الخطابي في «معالم السنن»: «وحقيقة هذه الإضافة راجعة إلى العبد في نصحه لنفسه، فالله تعالى غني عن نصح الناصحين». وأما النصيحة لكتاب الله تعالى: فهي الإيمان بأنه كلام الله تعالى، منزل من عند الله تعالى، غير مخلوق، معجز بأقصر سورة منه، ليس بمقدور الخلق الإتيان بمثله ولا بعشر سور من مثله، ولا بسورة من مثله، وتعظيمه وتلاوته، وتعلمه وتعليمه، والتصديق بأخباره، والعمل بأحكامه، والاهتداء بما فيه من الهدى والنور، والاعتبار بمواعظه، والدعوة إليه، والذب والدفاع عنه من تأويل الجاهلين، وتحريف المبطلين، وشبهات الطاعنين والمكذبين. وأما النصيحة لرسوله ﷺ : فهي شهادة أنه رسول الله حقًّا، وتعظيمه وتوقيره ومحبته، واتباع سنته، والإيمان بكل ما جاء به، وطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأنْ لا يُعبد الله إلا بما شَرَع، والذبُّ والدفاع عنه ﷺ ، وتعلم سنته وتعليمها ونشرها، والدعوة إليها، والدفاع عنها؛ قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩١]. وأما النصيحة لأئمة المسلمين: فطاعتهم بالمعروف، ومعونتهم على الحق، ودعوتهم إليه بالتي هي أحسن وحثهم عليه، وتذكيرهم به، وتنبيههم بما خفِي عليهم من أحوال الرعية، وتأليف قلوب الناس على طاعتهم، والتحذير من الخروج عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق والهداية والصلاح، وإكرامهم وتوقيرهم واحترامهم. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يَرضَى لكم ثلاثًا: أن تَعبُدوه، ولا تشركوا به شيئًا، وأن تَعتصِموا بحبلِ اللهِ جميعًا، وأن تَناصَحُوا مَن

стр. 81

ولَّاه اللهُ أمرَكم» (١). وقال ﷺ : «ثلاث لا يُغَلُّ عليهنَّ قلبُ مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة وُلاة الأمر، ولُزُوم جماعة المسلمين» (٢). سئل ابن عباسٍ ﵄ عن أمر السلطان بالمعروف، ونهيه عن المنكر، فقال: «إن كنتَ فاعلًا ولا بد، ففيما بينك وبينه» (٣). وأما النصيحة لعامة المسلمين، وهم مَن عدا وُلاة الأمر: فأداء حقوقهم، ومحبتهم، والشفقة عليهم، وحب الخير لهم كما يحبه المرء لنفسه، وكراهته لهم ما يكرهه لنفسه، وإرشادهم إلى مصالح دينهم ودنياهم وأخراهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وترغيبهم في الخير، وسد خَلَّاتهم، وستر عوراتهم، ورفع الظلم عنهم، والحذر من أذيتهم وحسدهم وسوء الظن بهم، أو غِشِّهم، ونحو ذلك، وقد قال ﷺ : «مَن غشنا فليس منَّا» (٤). سئل ابن المبارك ﵀: أيُّ العمل أفضل؟ قال: «النصح لله» (٥). وقال الفُضَيل بن عِيَاض ﵀: «لم يدركْ عندنا مَن أدرك بكثرة صيامٍ ولا صلاة، وإنما أدرك عندنا بسخاء النفس، وسلامة الصدر، والنصح للأمة» (٦). والنصيحة هي منهج الرسل عليهم الصلاة والسلام مع أممهم، من لَدُن نوح ﵊

стр. 82

إلى نبينا محمد ﷺ . قال نوح ﵊ لقومه: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٦٢]. وقال هود ﵊ لقومه: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف: ٦٨]. وقال صالح ﵊: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٩]. وكان نبينا صلوات الله وسلامه عليه أعظم الأنبياء نصحًا لأمته، وأشفقهم وأشدهم حرصًا على هدايتهم، كما وصفه الله بقوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]؛ أي: أنصح لهم وأشفق عليهم من أنفسهم؛ ولهذا كادت نفسه أن تذهب على مَن لم يؤمن منهم حَسَرات، حتى نهاه الله تعالى بقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]. وإذا كان الدين هو النصيحةَ لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، والنصيحة في ذلك كله هي الدين، وهي أفضل الأعمال، ومنهج الرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم- كانت النصيحة من أوجب الواجبات وأهمها، وأعظم أسباب التوفيق والسعادة والنجاة في الدنيا والآخرة. فتأمَّلْ أخي الكريم، وأختي الكريمة: أين نحن من النصيحة لله تعالى؟ وأين نحن من النصيحة لكتابه العزيز؟ وأين نحن من النصيحة لرسوله ﷺ ؟ وأين نحن من النصيحة لأئمة المسلمين؟ وأين نحن من النصيحة لعامة المسلمين؟ وأين نحن من حمل همِّ الأمة والنهوض بها، وإصلاح المجتمع؟ إن كثيرًا من المسلمين اليوم لا يعنيه أمر النصح لله ولا لكتابه ولا لرسوله، ولا

стр. 83

لأئمة المسلمين وعامتهم، وإنما همه نفسه فقط، والركض وراء الدنيا وحظوظ النفس الفانية وشهواتها. عن جَرير بن عبد الله ﵁ قال: «بايعتُ رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم» (١). الله أكبر .. «النصح لكل مسلم»! وقال ﷺ في حديث مَعقِلِ بنِ يَسَارٍ ﵁: «ما من والٍ يلي رعيةً من المسلمين، فيموت وهو غاشٌّ لهم، إلا حرَّم الله عليه الجنة» (٢). وفي رواية: «ما من عبدٍ يَسترعيه الله رعيةً، يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيتِه، إلا حرَّم الله عليه الجنةَ» (٣). وعن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيتِه؛ فالأمير الذي على الناسِ راعٍ، وهو مسؤولٌ عن رعيتِه، والرجل راعٍ على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم، والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ بَعْلِها ووَلَده، وهي مسؤولةٌ عنهم، والعبد راعٍ على مال سيدِه، وهو مسؤول عنه، ألا فكلُّكم راعٍ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيتِه» (٤). وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «حق المسلمِ على المسلمِ سِتٌّ»، وذكر منها: «وإذا استنصحَكَ فانصَحْ له» (٥)؛ أي: إذا طلب منك النصيحةَ والمشورةَ فانصحه؛ أي: فابذُل له محضَ النصيحة وخالصها. قال عمر بن الخطاب: «لا خير في قوم ليسوا بناصحين، ولا خير في قوم لا يحبون النصح» (٦).

стр. 84

فانظر أخي المسلم وأختي المسلمة في هذا، وتأملْ فيه غايةَ التأمل، واعلمْ أنك لن تنجوَ من كربِ الدنيا وشدائد الآخرة إلا بالنصحِ لله تعالى، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم. قال الأوزاعي ﵀: «لِيعلَمْ كلٌّ منكم أنه على ثغرٍ من ثغور الإسلام، فاللهَ، اللهَ، أن يُؤتَى الإسلامُ من قِبَله» (١). ولما حضرت أبا عُبيدةَ عامرَ بنَ الجرَّاحِ ﵁ الوفاةُ، في الطاعون الذي وقع في الشام، ومات منه خلقٌ كثيرٌ، وكان واليًا لعمر بن الخطاب ﵁ على الشام، أوصى جنده فقال: «إني موصيكم بوصيةٍ إن قبِلتموها لن تزالوا بخيرٍ: أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا شهر رمضان، وتصدقوا، وحُجوا، واعتمروا، وتواصَوا بالحق، وانصحوا لأمرائكم، ولا تغُشوهم، ولا تُلهِكُمُ الدنيا؛ فإن المرءَ لو عُمِّرَ ألفَ حولٍ ما كان له بُدٌّ من أن يصيرَ إلى مَصرعي هذا الذي ترون … إن الله كتب الموت على بني آدم، فهم ميِّتون، وأكيسُهم أطوعُهم لربه، وأعملُهم ليوم مَعادِه … والسلام عليكم ورحمة الله» (٢). فكن أخي مباركًا أينما كنتَ، وقدِّم النصحَ والخير والإحسان لإخوانك المسلمين بالقول والفعل والبذل؛ بنصيحةٍ، أو هديةٍ، أو مساعدة، أو كلمة طيبة، أينما كنتَ، ومع مَن لقِيتَ. يدُ المعروفِ خيرٌ حيثُ كانتْ … تَلَقَّفَها كَفُورٌ أم شَكُورُ ففي شكرِ الشكورِ لها جزاءٌ … وعند اللهِ ما كَفَرَ الكَفورُ (٣) وكن كالنخلة في بركتها وكثرة ثمرها وخيرها وعطائها ونفعها.

стр. 85

تقرب إلى الله بمحبة إخوانك المسلمين، ومحبة الخير لهم، قال ﷺ : «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تَحَابُّوا، ألا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟! أفشوا السلام بينكم» (١). وقال ﷺ : «لا يؤمن أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحب لنفسِه» (٢). اغسل قلبك من الحسد، والعداوة والبغضاء، والغِلِّ والحقد على أحدٍ من إخوانك المسلمين. قال الشاعر: لا يَحمِلُ الحقدَ مَن تَعلُو به الرُّتَبُ … ولا ينال الرضا مَن طَبعُهُ الغَضَبُ (٣) كن مبتسمًا بشوشًا مع إخوانك المسلمين، وأحسن الظن بهم، وتعامل معهم بأخلاق أهل الجنة، تكنْ من أهلها بإذن الله تعالى.

стр. 86

ثلاث وقفات في: صلاة الجماعة قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] الوقفة الأولى في: بيان وجوب صلاة الجماعة صلاة الجماعة في المساجد مع المسلمين بالنسبة للرجال واجبة، بل إنها من أوجب واجبات الصلاة، وآكدها، بل ذهب بعض العلماء إلى أن الجماعة شرط لصحة الصلاة (١)، فإن تركها من غير عذرٍ لم تُقبَلْ صلاتُه. وقد دل الكتاب والسنة القولية، والفعلية الثابتة عن النبي ﷺ ، والإجماع على وجوبها (٢). ومن الأدلة على ذلك: ١ قوله تعالى مخاطبًا نبيه ﷺ : ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]. فأمر نبيه ﷺ في حال الحرب والخوف أن يصلي بأصحابه جماعة، ولو كانت صلاة الجماعة غير واجبة لكان لهم مندوحة أن يصلوا فُرادَى في هذه الحال.

стр. 87

قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ (١): «فأوجب سبحانه أداء الصلاة في الجماعة في حال الحرب، فكيف بحال السِّلم؟! ولو كان أحد يُسامَحُ في ترك الصلاة في جماعة، لكان المُصافُّون للعدو، والمهدَّدون بهجومه عليهم، أولى بأن يُسمَحَ لهم في ترك الجماعة، فلما لم يقع ذلك عُلم أن أداء الصلاة في جماعةٍ من أهم الواجبات، وأنه لا يجوز لأحدٍ التخلف عن ذلك». ٢ قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، والأمر للوجوب. قال ابن باز ﵀ (٢): «وهذه الآية الكريمة نصٌّ في وجوب صلاة الجماعة، والمشاركة للمصلين في صلاتهم، ولو كان المقصود إقامتها فقط لم تظهر مناسبة واضحة في ختم الآية بقوله سبحانه: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾؛ لكونه قد أمر بإقامتها في أول الآية». ٣ قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، والأمر هنا كذلك للوجوب. ٤ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤١، ٤٢]. قال ابن القيم (٣): «ووجه الاستدلال بها أنه سبحانه عاقَبَهم يوم القيامة بأن حالَ بينهم وبين السجود، لمَّا دعاهم إلى السجود في الدنيا فأبَوا أن يجيبوا الداعيَ، إذا ثبت هذا فإجابة الداعي هي إتيان المسجد بحضور الجماعة، لا فِعلُها في بيته وحده، فهكذا فسر النبي ﷺ الإجابة. وقد قال غير واحد من السلف في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾، قال: هو قول المؤذن: «حيَّ على الصلاة، حي على الفلاح». ٥ وعن أبي هريرة ﵁، أن رجلًا أعمى أتي النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يلائمني إلى المسجد، فهل لي رخصةٌ أن أصليَ في بيتي؟ فقال له النبي

стр. 88

- ﷺ : «هل تسمَع النداء بالصلاة؟» قال: نعم. قال: «فأجب» (١). وفي رواية: «لا أجد لك رخصةً» (٢). ٦ وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيدِه لقد هَمَمْتُ أن آمُرَ بحَطَبٍ فيُحطب، ثم آمُر بالصلاة فيؤذَّن لها، ثم آمُر رجلًا فيؤم الناس، ثم أُخالف إلى رجالٍ فأحرِّق عليهم بيوتَهم، والذي نفسي بيدِه لو يعلم أحدُهم أنه يجد عَرْقًا سمينًا، أو مِرماتَينِ (٣) حسنتين، لشهِد العشاء» (٤). وفي رواية: « .... ثم أنطلق برجالٍ معهم حُزَمٌ من حطبٍ إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة، فأحرِّق عليهم بيوتهم» (٥). ٧ أن ترك صلاة الجماعة، والتساهل فيها من صفات المنافقين، كما قال تعالى في وصفهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]. وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أثقلَ صلاةٍ على المنافقين صلاةُ العشاء، وصلاةُ الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتَوْهُما ولو حَبْوًا، ولقد هممتُ أن آمُر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجالٍ معهم حُزَمٌ من حَطَبٍ إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرِّق عليهم بيوتَهم بالنار» (٦).

стр. 89

وعلامات المنافقين لا تكون إلا بترك واجب، أو ارتكاب محرَّم. وعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: «لقد رأيُتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافقٌ عُلم نفاقُه، أو مريض، وإن كان المريض ليمشيَ بين الرجلينِ حتى يأتيَ الصلاة» (١). ٨ وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «مَن سرَّه أن يَلقَى الله غدًا مسلمًا، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادَى بهن، فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سُنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلِّف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجلٍ يتطهر فيُحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجدٍ من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوةٍ يخطوها حسنةً، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئةً، ولقد رأيتُنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلومُ النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يُقامَ في الصف» (٢). وعنه ﵁ قال: «إن رسول الله ﷺ علمنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاةَ في المسجد الذي يؤذَّن فيه» (٣). ٩ وعن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كانوا ثلاثةً فليؤمَّهم أحدُهم» (٤). ١٠ وعن أبي الدرداء ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من ثلاثة نَفَرٍ في قرية، ولا بدو، لا يُؤذَّن، ولا تقام فيهم الصلاة، إلا قد استحوذ عليهم الشيطانُ، فعليك بالجماعة،

стр. 90

فإنما يأكل الذئبُ من الغنمِ القاصيةَ» (١). ١١ وعن مالكِ بنِ الحُويرث ﵁، أن رسول الله ﷺ قال لهم: «ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعلموهم، ومروهم، فإذا حَضَرتِ الصلاةُ فليؤذنْ لكم أحدكم، ثم لْيؤمَّكم أكبرُكم» (٢). ١٢ وعن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «من سمع النداء فلم يأتِهِ فلا صلاة له إلا مِن عُذر» (٣). قال الترمذي (٤): «وقد رُوي عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ أنهم قالوا: من سمع النداء، فلم يجب، فلا صلاة له. وقال بعض أهل العلم: هذا على التغليظ والتشديد، ولا رخصةَ لأحدٍ في ترك الجماعة إلا من عذرٍ». ١٣ وعن أُبي بن كعب ﵁، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ يومًا الصبح، فقال: «أشاهدٌ فلان؟» قالوا: لا. قال: «أشاهدٌ فلان؟» قالوا: لا. قال: «إن هاتين الصلاتين أثقلُ الصلوات على المنافقين، ولو تَعلَمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حَبْوًا على الرُّكب … » (٥).

стр. 91

وهذا يدل على وجوب الصلاة جماعةً من وجهين؛ الأول: تفقده ﷺ للمصلين، والثاني: وصفه المتخلفين عن الصلاة جماعةً بالمنافقين. ١٤ وعن مجاهد، قال: سئل ابن عباس ﵄ عن رجلٍ يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يشهد جمعةً ولا جماعة، فقال: «هو في النار» (١). ١٥ أن النبي ﷺ طول حياته داوم على صلاة الجماعة، وحافظ عليها، ولم يتركها لا حَضَرًا ولا سَفَرًا، وكان ﷺ يكون في حاجة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة (٢). وهكذا كان الصحابة ﵃ من بعده، والتابعون، وتابعوهم، وهم القرون المفضَّلة، كما قال ﷺ : «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (٣). ١٦ أن الله قد أذِن وأمر برفع المساجد، ببنائها وتشييدها حسيًّا، ورفعها بعمارتها معنويًّا بالصلاة، وذِكر الله تعالى فيها، فقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾ [النور ٣٦، ٣٧]. فلو كانت صلاة الجماعة غير واجبة، لما أمر ببناء المساجد، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨]. فامتدح عُمَّار المساجد بحصر الإيمان بالله، واليوم الآخر، وإقام الصلاة، وإيتاء

стр. 92

الزكاة، وخشية الله تعالى فيهم، وهذا يدل على عِظم أمر صلاة الجماعة، ووجوبها؛ ولهذا قال ﷺ : «من بنى لله مسجدًا يبتغي به وجه الله، بنى الله له مثله في الجنة» (١). ١٧ إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على وجوب صلاة الجماعة (٢). قال ابن هُبَيرة (٣): «وأجمعوا على أن صلاة الجماعة مشروعة، وأنه يجب إظهارها في الناس، فإن امتنع من ذلك أهل بلد قُوتلوا عليها». إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة الدالة على وجوب صلاة الجماعة، وأنها فرض عين. وإنك لتعجب أن يذهب بعض أهل العلم ﵏ إلى خلاف ذلك مع كثرة أدلة وجوبها، ووضوحها، لكن العبرة بالدليل، واتباع الحق، لا بقول أحد غير النبي ﷺ من الخلق. والحقيقة أنه ليس لدى القائلين بعدم وجوب صلاة الجماعة أي دليل؛ لا من الكتاب، ولا من السنة، ولا غير ذلك؛ لأن غاية ما استدلوا به على عدم وجوبها الأحاديث الواردة في المفاضلة بين صلاة الجماعة وصلاة الفَذِّ (٤)، كما في حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة الجماعة تَفضُلُ على صلاة الفذ بسبعٍ وعشرين درجة» (٥). وعن أبي سعيد الخدري ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ ، يقول: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة» (٦).

стр. 93

وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : «تفضُل صلاةٌ في الجميع على صلاة الرجل وحده خمسًا وعشرين درجةً» (١). وأحاديث المفاضلة لا حجة فيها على عدم وجوب صلاة الجماعة؛ لأن المفاضلة بين صلاة الجماعة وصلاة الفذ لا تدل على عدم وجوب صلاة الجماعة، كيف وقد فاضل الله بين الإيمان أوجب الواجبات، وبين الكفر، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١٠، ١١]، أفيقول قائل: إن الإيمان ليس بواجب؛ لأن الله فاضل بينه وبين الكفر؟ لا أحد يقول هذا. كما أن المفاضلة قد ترِد بين أمرين ليس في أحدهما شيء من الفضل، كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، ففاضل بين مستقر أهل الجنة ومَقِيلهم، وبين مستقر أهل النار ومقيلهم، مع أنه لا شيء من الفضل البتة في مستقر أهل النار ومقيلهم. وهكذا نص كثير من السلف، والعلماء المحققين على أن صلاة الجماعة فرض واجب على الأعيان. قال عطاء بن أبي رباح ﵀: «فحق واجب لا بد منه، ولا يحل غيره إذا سمع الأذان أن يأتي ويشهد الصلاة» (٢). وقال ابن قُدامة ﵀: «وهي- أي: صلاة الجماعة- واجبة للصلوات الخمس على الرجال» (٣). وقال ابن القيم ﵀ (٤): «ومن تأمَّل السنة حق التأمل تبين له أن فعلها في المساجد فرض على الأعيان إلا لعارض يجوز معه ترك الجمعة والجماعة، فترك حضور المسجد

стр. 94

لغير عذر كترك أصل الجماعة لغير عذر، وبهذا تتفق جميع الأحاديث والآثار، فالذي ندين الله به أنه لا يجوز لأحد التخلف عن الجماعة إلا من عذر». وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (١): «والأحاديث الدالة على وجوب الصلاة في الجماعة، وعلى وجوب إقامتها في بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه كثيرة جدًّا، فالواجب على كل مسلم العناية بهذا الأمر، والمبادرة إليه، والتواصي به مع أبنائه وأهل بيته وجيرانه وسائر إخوانه المسلمين؛ امتثالًا لأمر الله ورسوله، وحذرًا مما نهى الله عنه ورسوله، وابتعادًا عن مشابهة أهل النفاق الذين وصفهم الله بصفات ذميمة، من أخبثها تكاسلهم عن الصلاة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢، ١٤٣]، ولأن التخلف عن أدائها في الجماعة من أعظم أسباب تركها بالكلية. ومعلوم أن ترك الصلاة كفر وضلال وخروج عن دائرة الإسلام». وقال أيضًا: «ولا يخفى ما في صلاة الجماعة من الفوائد الكثيرة، والمصالح الجمّة، ومن أوضح ذلك التعارف، والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر عليه، وتشجيع المتخلف، وتعليم الجاهل، وإغاظة أهل النفاق، والبعد عن سبيلهم، وإظهار شعائر الله بين عباده، والدعوة إليه سبحانه بالقول والعمل، إلى غير ذلك من الفوائد». وقال فضيلة الشيخ صالح السدلان ﵀ (٢) بعد أن ذكر عددًا من الأدلة من القرآن الكريم، والسنة النبوية الدالة على وجوب صلاة الجماعة: «قال ابن القيم في كتابه: «الصلاة»: فدلت هذه النصوص السالفة الذكر من القرآن الكريم والسنة النبوية على وجوب صلاة الجماعة، وأنه لا يجوز التخلف عنها، إلا لعذر كالمرض أو الخوف،

стр. 95

وبهذا قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد، وبه قال الشافعي، وقد أُثر عنه أنه قال: «وأما الجماعة فلا أُرَخِّص في تركها إلا من عذر» نقل ذلك عنه المُزَنِيُّ ﵀». قال الشيخ صالح بعد هذا: «ويتبين مما تقدم أن الأئمة الأربعة ﵏ اتفقوا على وجوب صلاة الجماعة، وأن تاركها بدون عذر آثم، وإن اختلفت عباراتهم. ويشهد لذلك كلام الله ، وسنة رسوله ﷺ ، ولا كلام لأحدٍ مع كلام الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ الثابتة عنه ﵊». وقال الشيخ صالح أيضًا (١) - بعد أن ذكر القول بأن صلاة الجماعة فرض، ومن قال به وأدلتهم، وعباراتهم-: «وعلى هذا لو تركها المسلم بدون عذر يأثم، وصلاته صحيحة؛ استدلالًا بالنصوص الواردة من القرآن والسنة». وقال أيضًا (٢) - بعد أن ذكر الأقوال في حكم صلاة الجماعة، وذكر من قال بذلك من المتقدمين والمتأخرين، وفصَّل أقوالهم وأدلتهم-: «يتضح والله أعلم أن أقرب الأقوال إلى الصواب القول الرابع، وهو: أن صلاة الجماعة فرض عين؛ أي: واجبة على الأعيان؛ وذلك لقوة أدلة هذا القول وصراحتها، وإعمال النصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية». الوقفة الثانية في: ذكر آداب صلاة الجماعة، والأسباب المعينة على المحافظة عليها لصلاة الجماعة آداب كثيرة، وأسباب تعين على إقامتها، كما شرع الله . ومن أهمها ما يلي:

стр. 96

١ التفرغ التام للصلاة إذا حضر وقتها بالقلب، والبدن، والحزم كل الحزم في ذلك، والحذر كل الحذر من المشاغل والقواطع. ولنعلم أن الظبي أسرع من الكلب، لكنه إذا التفت إلى الكلب لحِق به وأدركه فأمسكه، وهكذا الإنسان إذا التفت بعد دخول وقت الصلاة إلى المشاغل والقواطع؛ من عمل، أو إكمال جلسة، أو قهوة، أو أي شاغل، قطعه ذلك عن الصلاة، ففاتته كلها أو بعضها، فما بعد الأذان إلا المبادرة إلى الصلاة. فينبغي التهيؤ للصلاة، وتحريها قبل دخول وقتها، والتفرغ التام لها بعد دخول وقتها؛ بدءًا من متابعة المؤذن، والذكر، والدعاء، مع الأذان وبعده، والوضوء … إلخ. والحاجات لا تنتهي، ولا تنقضي، وقد أحسن القائل: تموت مع المرءِ حاجاتُهُ وتبقَى له حاجةٌ ما بَقِيْ نروحُ ونغدو لحاجاتنا وحاجاتُ من عاش لا تنقضِي ٢ الحرص على التبكير إلى المساجد، والمنافسة في ذلك. قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١]، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة ١٠ - ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]. وقال ﷺ : «ألا أُخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفَع به الدرجاتِ؟ إسباغُ الوضوء على المَكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرِّباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» (١).

стр. 97

وفي حديث السبعة الذين يُظِلهم الله في ظله، قال ﷺ : «ورجل قلبه معلَّق بالمساجد» (١). وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من تطهر في بيته، ثم مشى إلى بيتٍ من بيوت الله، ليقضيَ فريضةً من فرائض الله، كانت خُطواته إحداهما تَحُطُّ خطيئةً، والأخرى ترفع درجة» (٢). وعن بُريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بشِّر المشائين في الظُّلَمِ إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» (٣). قال سعيد بن المسيَّب ﵀: «منذ أربعين سنةً ما سمِعت الأذان إلا وأنا في المسجد، وما رأيتُ ظهر مصلٍّ» يعني: أنه دائمًا في الصف الأول، قال: «وما خرجت من بيتي فقابلني الناس خارجين من الصلاة» (٤). قال فضيلة الشيخ صالح السدلان، ﵀ (٥): «وحبُّ الصلاة، والمسارعة إليها، على أكمل الوجوه، وإتمامها ظاهرًا وباطنًا، هي الآية على قدْر ما في القلب من حب الله، والشوق إلى لقائه. والإعراض عنها، والتكاسل والتباطؤ عن تلبية داعيها، والتثاقل في القيام إليها، أو أداؤها على انفراد في غير المسجد مع جماعة المسلمين، من غير عذر، آية فراغ القلب من محبة الله، والزهد فيما عنده، قال الحسن البصري ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، قال: «عطلوا

стр. 98

المساجد، واشتغلوا بالبضائع، والأسباب، وأخلدوا إلى اللَّذَّات والمعاصي، نعوذ بالله من ذلك» (١). ٣ أن يتوضأ، ويحسن الوضوء، ويخرج إلى الصلاة على أحسن حال، وأجمل هيئة، وأطيب رائحة، نظيفًا، متجملًا، متطيبًا، متسوكًا، متزينًا بأحسن لباس. قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. ولما قال رجل للنبي ﷺ : «إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنًا؛ قال ﷺ : «إن الله جميل يحب الجمال» (٢). وكثير من الناس لا يبالي بأي لباس جاء به إلى الصلاة، وبأي مظهر كان عليه، وهو يقف بين يدي ربه فيناجيه، ولو ذهب لأدنى مناسبة أو لمقابلة الآخرين، أو خرج إلى السوق، لبِس أجمل ثيابه، واهتم بمظهره؛ خوفًا أن ينتقده الناس، فأين التعظيم لله ؟! وشتان بين صلاة يتهيأ لها صاحبها، ويأتي إليها على أجمل وأحسن هيئة، وبين صلاة يأتي إليها بقميص النوم، ونحو ذلك! ٤ أن يجتنب الروائح الكريهة، والخبيثة؛ من الثُّوم، والبصل، والكراث، والدخَان، ورائحة عرق الجسم؛ بسبب قلة الاغتسال، ونحو ذلك. عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من أكل ثُومًا أو بصلًا فلْيعتزِلْنا، وليعتزِلْ مَسجدَنا، ولْيقعد في بيته» (٣). ٥ أن يتجنب الأمور التي تتنافى مع آداب الصلاة؛ من تشبيك الأصابع، والهرولة، وسرعة المشي، وكثرة الالتفات يمينًا وشمالًا، ورفع الصوت، ونحو ذلك.

стр. 99

عن كَعْب بن عُجرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا توضأ أحدكم، فأحسنَ وُضوءَه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد، فلا يُشبكن بين أصابعه؛ فإنه في صلاة» (١). وعن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إذا أُقيمتِ الصلاة فلا تأتوها تَسعَون، وأْتوها تمشُون وعليكمُ السكينةُ، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتِموا» (٢). ٦ أن يحافظ على الأدب والدعاء عند الخروج من البيت، فيقدم رجله اليمنى في الخروج ويدعو بما ورد. عن أنس ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إذا خرج الرجل من بيته، فقال: باسم الله، توكلتُ على الله، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، يقال حينئذ: هُديتَ، وكُفيتَ، ووُقيت. فتتنحى عنه الشياطين، فيقول له شيطان آخرُ: كيف لك برجلٍ قد هُدي، وكُفي، ووُقي» (٣). وعن أم سَلَمة ﵂، أن النبي كان إذا خرج من بيتها، قال: «باسمِ الله، توكلتُ على الله، اللهم إني أعوذُ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ، أو أَظلِمَ أو أُظلَمَ، أو أَجهَلَ أو يُجهَلَ عليَّ» (٤). ٧ أن يستشعر وهو مُقبِل إلى المسجد أنه مقبل على الله، وقاصد بيتًا من بيوت الله ، وإذا دخل المسجد أنه في بيت من بيوت الله، وذلك بلزوم السكينة، والوقار،

стр. 100

والخضوع والخشوع. قال الإمام أحمد ﵀ (١): «ويُستحب للرجل إذا أقبل إلى المسجد أن يُقبِلَ بخوف ووَجَل، وخشوع وخضوع، وأن يكون عليه السكينةُ والوقار، فما أدرك صلى، وما فاته قضى». وقال أيضًا: «فاعلَمُوا رحِمَكم الله أن العبد إذا خرج من منزله يريد المسجد إنما يأتي لله الجبار، الواحد القهار، العزيز الغفار، وأنه إنما يأتي بيتًا من بيوت الله، يريد الله، ويتوجه إلى الله تعالى في هذه البيوت التي: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور ٣٦، ٣٧]. فإذا خرج من منزله فليحدِثْ لنفسه تفكرًا، وأدبًا غير ما كان عليه، وغير ما كان فيه قبل ذلك من حالات الدنيا وأشغالها، وليخرج بسكينةٍ ووقار؛ فإن النبي ﷺ بذلك أمر، ولْيخرج برهبةٍ ورغبة، وتخوُّفٍ ووَجَل، وخشوع وخضوع، وذل وتواضع لله ؛ فإنه كلما تواضع لله وخشع وخضع وذَلَّ لله تعالى كان أزكى لصلاته، وأحرى لقبولها، وأشرف للعبد، وأقرب له من الله ، وإذا تكبر قَصَمَه الله، ورد عمله، وليس يقبل من المتكبرين عملًا». ٨ أن يحافظ على الأدب والدعاء عند دخول المسجد وبعد دخوله، فإذا وصل إلى المسجد وضع نعليه يسار الباب أو يمينه، بحيث لا يؤذي الناس، ولا يضعهما في مدخل الباب، أو على عتباته، ثم قدم رجله اليمنى، وقال الدعاء الوارد عند دخول المسجد، «اللهم افتحْ لي أبوابَ رحمتِك» (٢). فإذا وصل قرب الصف سلم بصوتٍ يسمَعُه القريب منه، ولا يجلس حتى يصليَ تحية المسجد ركعتين؛ لقوله ﷺ : «إذا دخل أحدُكُمُ المسجدَ فلْيَركَعْ ركعتينِ قبل أن يجلِسَ» (٣).

стр. 101

ويشتغل بذكر الله تعالى، والدعاء، وقراءة القرآن، ويتوجه بقلبه وقالبه إلى الله تعالى، ويبتعد عن الكلام في أمور الدنيا مع الآخرين، أو بالجوال، ونحو ذلك. ٩ أن يحرص على الدنو من الإمام، والمنافسة على الصف الأول، وميامن الصفوف، بدون مزاحمة، ولا تخطٍّ لرقاب الناس، ولا منازعة أحد في مكانه، أو تضييق على أحد. قال ﷺ : «لو تعلم أُمتي ما في النداء، والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يَستهِموا عليه، لاسْتَهَموا» (١). وقال ﷺ : «إن الله وملائكته يصلون على مَيامن الصفوف» (٢)؛ أي: يستغفرون لمن على يمين الإمام من الصفوف. وينبغي الحذر كل الحذر من الجفاء، وترك المكان الأفضل، واستبداله بالمكان المفضول، لأي اعتبارٍ كان، فإن من الناس من يدركه الشيطان فيخدعه في اللحظات الأخيرة، بعد أن جاهد نفسه وتوضأ وأقبل إلى المسجد، فيُزهده من القرب من الإمام، وفي الصفِّ الأول، وفي مقدِّمات ومَيامن الصفوف، فيترك المكان الأفضل، كأنه مستوحش، فيفوته بسبب ذلك أجر عظيم، لا يقدر قدْره إلا الله ، وربما برر بعضهم لفعله ذلك بأن مقدمة الصف أو الصف الأول لكبار السن ونحوهم، أو لأن يمين الصف فيه فلان، أو فلان، ونحو ذلك من الذرائع الواهية، والخدع الشيطانية، التي تدل على ضعف الرغبة في المسابقة والمنافسة في الخير، وعلى الزهد في القرب من الله، ولا شك أن هذا من مكائد الشيطان؛ ليحرم الإنسان من الخير، والفضل، وهو من اختيار الذي

стр. 102

هو أدنى وتقديمه على الذي هو خير، كما قال موسى ﵇ لبني إسرائيل: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١]. وينبغي أن يعلم المسلم أنه إذا دخل بيتًا من بيوت الله فهو ضيفٌ على أكرم الأكرمين، وأجود الأجودِين، فالحزمَ كلَّ الحزم أن يُؤثِر القرب منه بالقرب من الإمام، والتقدم ما أمكنه في الصف الأول، وفي ميامن الصفوف، حيث سيقف أمام ربه، وبين يديه، ويناجيه، وهذا المعنى لا يدركه إلا من وفَّقه الله ، وعظَّم القيام بين يدي ربه . ولله المثل الأعلى، لو أن شخصًا استضاف جماعة من الناس، فلما جاءوا جلسوا عند الباب، أو في أدنى المجلس، وأبَوُا القرب من مقدمته، لعُد ذلك جفاءً في عُرف الناس، وأي جفاء فوق جفاء من دخل المسجد، ووجد مكانًا في الصف الأول خلف الإمام، عن يمينه، أو عن يساره، فاختار مكانًا أبعد ولم ينافس في القرب من الله، واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. ١٠ أن يستحضر إذا دخل في الصلاة عظمة الله تعالى، ويستشعر أنه إذا كبَّر للصلاة أنه بذلك كشف الحجاب بينه وبين ربه، وأنه يقف بين يدي الله ، ملك الملوك، ذي الجبروت والملكوت، والكبرياء والعظمة. ويستحضر قوله ﷺ في حديث جبريل ﵇: «الإحسان: أن تعبدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (١). قال الإمام أحمد ﵀ (٢): «فإنِ استطاع أحدكم رحمكم الله إذا قام في صلاته كأنه ينظر إلى الله ، فإنه إن لم يكن يراه، فإن الله يراه.

стр. 103

وقد جاء الحديث عن النبي ﷺ : أنه أوصى رجلًا بوصية، فقال له في وصيته: «اتقِ اللهَ كأنك تراه، فإنْ لم تكن تراهُ فهو يراك» (١)، فهذه وصية النبي ﷺ للعبد في جميع حالاته، فكيف بالعبد في صلاته إذا قام بين يدي الله ، في موضعٍ خاص، ومقامٍ خاص، يريد الله ويستقبله بوجهه، ليس موضعه ومقامه وحاله في صلاته كغير ذلك من حالاته. جاء الحديث: «إن العبد إذا افتتح الصلاة استقبله الله بوجهِه، فلا يصرِفه عنه حتى يكون هو الذي ينصرف أو يلتف يمينًا وشمالًا» (٢). فرحم الله من أقبل على صلاته خاشعًا، خاضعًا، ذليلًا لله ، خائفًا، داعيًا، راغبًا، وجِلًا، مشفِقًا، راجيًا، وجعل أكبر همته في صلاته لربه تعالى، ومناجاته إياه، وانتصابه بين يديه قائمًا وقاعدًا وراكعًا وساجدًا، وفرغ لذلك قلبه، وثمرة فؤاده، واجتهد في أداء فرائضه؛ فإنه لا يدري هل يصلي صلاة بعد التي هو فيها أو يعاجَل قبل ذلك، فقام بين يدي ربه محزونًا، مشفِقًا، يرجو قبولها، ويخاف ردها، فإن قبِلها سعِد، وإن ردها شقِي، فما أعظمَ خَطَرَكَ أخي في هذه الصلاة، وفي غيرها من عملك. عن سعيد بن معاذ ﵁، قال: «ما صليت صلاة قط، فحدثت نفسي فيها بشيء من أمر الدنيا، حتى انصرفت» (٣). ١١ أن يستشعر عظمة الصلاة، ومكانتها في الدين، وما رتب الله عليها من السعادة والفلاح والنجاح، وصلاح أمر الدين والدنيا والآخرة، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، فيحفظها ويقيمها، ويشهَدها بقلبه وقالبه ما استطاع. ١٢ أن يحرص على متابعة الإمام؛ في التكبير، والقيام، والركوع، والسجود، والخفض، والرفع، قال ﷺ : «إنما جُعل الإمام ليُؤتَمَّ به، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا ..... » (٤).

стр. 104

فيبادر للائتمام بالإمام، والاقتداء به، والدخول معه بعد تكبيرة الإحرام مباشرة، ومتابعته من بداية الصلاة حتى انتهائها، ولا ينشغل عن ذلك بصلاة سُنة، أو غير ذلك؛ قال ﷺ : «إذا أُقيمت الصلاةُ فلا صلاةَ إلا المكتوبة» (١). وإن جاء بعد إقامة الصلاة دخل مع الإمام على أية حالٍ كان. وينبغي الحذر من مسابقة الإمام؛ فإنها تُبطل الصلاة، كما تُكره موافقته، وتحرُم مخالفته إذا طالت، وقد تبطل الصلاة. وقد جاء الوعيد لمن يسابق الإمام، فيرفع رأسه قبله في الركوع، أو السجود، كما في حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أما يَخشَى الذي يرفع رأسَه قبل الإمام أن يحوِّلَ الله رأسَه رأسَ حِمار» (٢). قال الإمام أحمد ﵀ (٣): «وليس لمن سبق الإمامَ صلاة، بذلك جاءت الأحاديث عن النبي ﷺ وعن أصحابِه رضوان الله عليهم أجمعين» وذكر عددًا من الأحاديث، منها حديث: «أما يخافُ الذي يرفع رأسَه قبل إمامه» الحديث. قال: «وذلك لإساءته صلاته؛ لأنه لا صلاة له، ولو كانت له صلاة لرُجِيَ له الثواب، ولم يخفْ عليه العقاب أن يحول الله رأسه رأس حمار». وقال أيضًا ﵀ (٤): «قول النبي ﷺ : «إذا كبَّر فكبِّروا» معناه: أن تنتظروا الإمام حتى يكبِّر، ويفرُغ من تكبيره، وينقطع صوته، ثم تكبرون بعده، والناس يغلطون في هذه الأحاديث، ويجهلونها، مع ما عليه عامتهم من الاستخفاف بالصلاة، والاستهانة بها،

стр. 105

فساعةَ يأخذُ الإمامُ في التكبير يأخذون معه في التكبير، وهذا خطأ لا ينبغي لهم أن يأخذوا في التكبير حتى يكبِّر الإمام، ويفرغ من تكبيره، وينقطع صوته، ومن كبر قبل الإمام فليست له صلاة؛ لأنه دخل في الصلاة قبل الإمام، وكبر قبل الإمام، فلا صلاة له». ولما تكلم ﵀ عن معاني جمل الحديث قال: «وهذا تمام الصلاة فاعقلوه، وأبصِروه، وأحكِموه، واعلموا أن أكثر الناس اليوم ما يكون لهم صلاة؛ لسبقهم الإمام بالركوع والسجود والرفع والخفض، وقد جاء الحديث: «يأتي على الناسِ زمانٌ يصلُّون ولا يصلُّون» وقد تخوفتُ أن يكون هذا الزمان» (١). وقال أيضًا ﵀: «ولْيعلمِ المتهاونُ بصلاته، المستخِفُّ بها، المسابق الإمام فيها، أنه لا صلاة له، وأنه إذا ذهبت صلاتُه ذهب دينُه، فعظِّموا الصلاة رحِمكم الله وتمسَّكوا بها، واتقوا الله فيها خاصة، وفي أموركم عامة» (٢). ١٣ الحرص على تسوية الصفوف؛ لأن ذلك من كمال الصلاة، وذلك بإكمال الصف الأول فالأول، وتسويتها، والتراص فيها. عن جابر بن سَمُرة ﵁، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «ألا تَصُفُّون كما تَصُف الملائكة عند ربها؟» فقلنا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمون الصفوفَ الأولى، ويتراصون في الصف» (٣). وعن عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «من وصل صفًّا وصله الله، ومن قطع صفًّا قطعه الله» (٤).

стр. 106

وعن أبي موسى الأشعري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا صليتم فأقيموا صفوفَكم» (١). وقال ﷺ : «والله لتُقيمُنَّ صُفوفَكم أو ليُخالِفَنَّ الله بين قلوبكم» (٢). وعن عبد الله بن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «ولا تختلفوا فتختلِفَ قلوبُكم» (٣). ومن الملاحظ أن بعض المصلين وهو واقف أو جالس في الصف يبدو وكأنه خارج الصلاة؛ لعدم استشعاره ما ينبغي من تسوية الصفوف، والتراص فيها. ويلاحَظ تساهلُ النساء أكثر في تسوية صفوفهن إذا حضرنَ المسجد. ولهذا ينبغي للإمام تنبيه المصلين إلى تسوية الصفوف قبل التكبير، والدخول في الصلاة، بقوله: «تراصُّوا، سوُّوا صفوفكَم، سُدُّوا الخَلَلَ، حاذوا بين المناكب والأقدام، لا تختلفوا فتختلفَ قلوبُكم»، ونحوَ ذلك من العبارات المأثورة، ويلتفت يمينًا وشمالًا، ويُجِيل نظره في الصفوف، ويحرص على تسويتها. ١٤ التفاهم التام بين الإمام والمأمومين، والتناصح بينهم، وهذا من أهم آداب صلاة الجماعة: فعلى الإمام مراعاة الوقت المناسب لإقامة الصلاة من غير تبكيرٍ ولا تأخير، وليعلم أن الوقت لله، وليس له، وعليه إعطاء الصلاة حقها من الطمأنينة من غير استعجال مُخِل، ولا تثقيل مُمِل، وعليه أن يكون للجماعة كالطبيب، في مراعاة أحوالهم وظروفهم كلها، يرفُق بهم، ويسعى لتعليم وإرشاد جاهلهم، ومساعدة محتاجهم، وزيارة مريضهم، ويحمد الله على أن بوأه هذه المكانةَ العظيمة، والمنزلة الرفيعة. وعلى المأمومين في المقابل مراعاة حق الإمام واحترامه، والانتظار حتى يأتيَ،

стр. 107

وحتى يقيمَ الصلاة، وعدم التدخل في ذلك، باستعجاله بالكلام، أو بالإشارة، أو بكثرة الالتفات يَمنةً ويَسرةً وإلى الخلف، والقيام قبل إقامته الصلاة، ونحو ذلك. وعليهم تشجيعه والتعاون معه والنصح له، والحذر من تتبع زلاته، وسبه والكلام فيه، فالكمال عزيز ونادر، وكما قيل: ومن ذا الذي تُرضى سَجاياهُ كلُّها … كَفَى المرءَ نُبلًا أن تُعَدَّ معايبُهْ (١) ١٥ التعاون بين الإمام، والمؤذن، وجماعة المسجد، وأهل الحي على البر والتقوى. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وقال ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشُد بعضُه بعضًا» (٢)، وقال ﷺ : «مثل المؤمنين في توادِّهِم وتراحُمِهم وتعاطُفِهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسدِ بالسهرِ والحُمَّى» (٣). ومن أهم ذلك وألزمه أن يحرص أهل الحي كلهم على الصلاة في مسجدهم جميعًا، ويحذروا كل الحذر من التفرق والتشتت؛ بسبب علل واهية. ولن يتأتى هذا إلا إذا قام الإمام بدوره كما ينبغي، وكان هو أولَ من يحرص على جمع شمل الجماعة، بالتزامه بالوقت، وإعطاء الصلاة حقها، والرفق بهم، وكونه لهم كالطبيب- كما سبق-. والحذر كل الحذر أن يكون هو السببَ في تفرق جماعة المسجد وتشتتهم بتثاقله، وكثرة غيابه وتخلفه، أو عدم إعطائه الصلاةَ حقَّها من العناية والاهتمام، أو بسبب سوء خلقه، وعدم احترامه وتقديره لجماعة مسجده، وعدم مراعاته لهم، وبخاصة كبار السن، ممن يجب إجلالهم، وإكرامهم، وإنزالهم منازلهم، فإن تفرق بعض جماعات المساجد سببه غالبًا يرجع إلى الإمام.

стр. 108

فإذا بذل الإمام جهده بالقيام بدوره ومسؤوليته، من الالتزام بالوقت، وعدم التخلف أو التأخر أو التقدم، والعناية بإقامة الصلاة، ونظافة المسجد، وحسن الخلق في التعامل مع الجماعة، فلا عليه ممن يشذ منهم، فإن رضا الناس غاية لا تُدرك، فمن الناس من لا يعجبه العجب، فتراه لعلل واهية يترك مسجد الحي الذي هو فيه وجماعته، ويركب سيارته يبحث عن مسجد آخر، في جميع الصلوات، فيشق على نفسه، ويستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ لفرط حساسية في نفسه، أو عجلة، أو علل واهية. ولا شك أن هذا ليس من المروءة، ولا من حسن الخلق والأدب في حق جيرانه وإمام مسجدهم ومؤذنه وجماعته، وأهل حيِّه، بل من التقصير في حقهم؛ لأن هذا يؤلمهم ويفت في عضدهم؛ لما فيه من السلبية التي تُخِل بما ينبغي أن يكون بينهم من التعارف والتآلف، والتناصح والتآزر، والتعاون على البر والتقوى، ويد الله على الجماعة، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصيةَ. قال الشيخ صالح السدلان ﵀ (١) في كلامه عن حكمة مشروعية صلاة الجماعة: «والخلاصة أن أداء الصلاة في جماعة ينشئ الاتحاد والمحبة والإخاء بين المسلمين، ويجعل منهم كتلة متراصة، وينشئ فيهم المواساة والتراحم، وائتلاف القلوب، وكذلك يربيهم على النظام والانضباط، والمحافظة على الأوقات». الوقفة الثالثة: الأئمة، والمؤذنون، والعاملون في بيوت الله؛ بين التكليف والتشريف يسر الله لي سنة ١٤٢٥ هـ كتابة رسالة بهذا العنوان المذكور، وطباعتها سنة ١٤٢٦ هـ، وقد قدم لها معالي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد،

стр. 109

الشيخ: صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ، ومعالي عضو هيئة كبار العلماء، فضيلة الشيخ: صالح بن فوزان الفوزان، جزاهما الله خيرًا. وقد رأيت من تمام الحفظ لهذه الرسالة، والإفادة منها أن أختم هذه الوقفات في صلاة الجماعة بخلاصة ما جاء فيها، وهي كما يلي: الإمامة فضلها، ومسؤولياتها، وواجبات الإمام: أولًا: فضل الإمامة: اعلم أخي الإمام- بارك الله فيك- أن إمامة المسلمين بالصلاة في المساجد من أفضل الأعمال لمن وفقه الله وقام بها خير قيام، ويكفي الإمامة شرفًا وفضلًا أنها وظيفة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ويكفي الأئمة شرفًا وفضلًا أنهم مع توفيق الله في عداد أئمة المتقين، ووظيفتهم مطلب عباد الرحمن في دعائهم ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]. ولهذا استدل الصحابة ﵃ على أحقية أبي بكر الصديق ﵁ للخلافة بتولية الرسول ﷺ له إمامة الناس في الصلاة في حياته ﷺ ، وقالوا لمن طعن في توليته الخلافة: «رضِينا لدنيانا مَن رضِيه الله ورسوله لديننا» (١). ثانيًا: الإمامة مسؤولية كبيرة وأمانة عظيمة: قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. والأمانة والأمانات عامة في كل ما تحمَّله الإنسان من الأمانات فيما بينه وبين الله،

стр. 110

وفيما بينه وبين الخلق. ومن ذلك، بل من أهم ذلك القيام بما وُكل إليه من مسؤوليات الأمة كالإمامة والأذان، والقضاء، والتدريس، والعمل الوظيفي، وغير ذلك أتم قيام. وقال ﷺ في الحديث: «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمَن، اللهم أرشد الأئمة، واغفِر للمؤذنين» (١). والمعنى: أن الإمام ضامن، يتحمل عن المأمومين ما يحصل من نقصٍ في الصلاة، فعليه أن يقيم بهم الصلاة على الوجه الأتم الأكمل؛ ولهذا لو أن أحد المأمومين نسي واجبًا من واجبات الصلاة تحمله عنه الإمام. والمؤذن مؤتمن على الوقت، يجب عليه أن يؤذن بعد دخول وقت الصلاة من غير تقديمٍ أو تأخير. ودعا ﷺ للأئمة بالرشد، وهو الاهتداء لطرق الخير عامة في أمور الدين والدنيا، وهو مِلاك الخير كله دنيا وأخرى. نسأل الله التوفيق. ودعا ﷺ بالمغفرة للمؤذنين؛ لما قد يحصل منهم من سهو في التقديم أو التأخير للأذان عن الوقت. والمغفرة هي: ستر الذنب عن الخلق والتجاوز عن عقوبته؛ كما في حديث ابن عمر ﵄ في المناجاة أن رسول الله ﷺ قال: «يُدنَى المؤمن يوم القيامة من ربه ، حتى يضع عليه كَنَفَه (٢)، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي ربِّ أعرِف. قال: فإني قد سترتُها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم» (٣).
следующие страницы →