← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 800

مراقي العزة ومقومات السعادة

سليمان اللاحم

Полный текст (723 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والبلبلة والتذبذب، والعصمة من ذلك كله، إلا بالاعتصام بالكتاب والسنة، ولزوم منهج سلف الأمة، وتقوى الله وصدق اللجوء إليه ، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧]. وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩ - ١٠]. وقال في الحديث القدسي: «ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطِش بها، ورِجله التي يمشي عليها، وإن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأُعيذنَّه» (١). وقال ﷺ : «احفظِ الله يَحفظْك» (٢). وقال ﷺ : «كل الناس يغدو، فبائعٌ نفسَه فمُعْتِقها أو مُوبِقها» (٣).

стр. 142

وقفتان في: نعمة اللباس، وأخذ الزينة للصلاة: قال الله : ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] الوقفة الأولى في: نعمة اللباس، وأن الله جميل يحب الجمال أ- اللباس نعمة عظيمة من الله -: امتنَّ الله على بني آدم بنعمة اللباس؛ فقال : ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦]؛ أي: قد خلقنا وأوجدنا لكم لباسًا يستر عوراتكم وريشًا؛ أي: وزينة وجمالًا لكم يستر أبدانكم ويقيكم الحر والبرد. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١]. فاللباس من أعظم نعم الله تعالى على العباد، ولا يعرف قدر اللباس إلا من فقده، فكانت عورته عرضة لأنظار الآخرين، وجسمه عرضة للسع الحر والبرد. ولك أخي أن تتصور حال الإنسان عُريانًا، رجلًا كان أو امرأةً، لتحمد الله تعالى وتشكره، فكم من إنسان لا يجد ما يستر به عورته! فضلًا عما يستر به بدنه ويتقي به الحر والبرد. وتأمل حال الأبوين لما وسوس لهما الشيطان وخدعهما فأكلا من الشجرة، وبدت لهما سوآتهما، فأخذا يخصِفان عليهما من ورق الجنة لستر سوآتهما.

стр. 143

ب- إن الله جميل يحب الجمال: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخُل الجنةَ من كان في قلبِه مِثقال ذرةٍ من كِبر»، قال رجل: يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنًا. قال: «إن الله جميل يحب الجمال، الكِبر: بَطَرُ الحق، وغَمْطُ الناس» (١)؛ أي: رد الحق وإنكاره، واحتقار الناس والتعالي عليهم. فالتجمل وأخذ الزينة والنظافة في الملبس والهيئة والمظهر محبوب إلى الله . وزينة اللباس تكون في كل ما يُلبس ويستر البدن؛ من قميص، ورداء، وإزار، وسراويل، وعمامة، ونعل، وغير ذلك. ومن ذلك تغطية الرأس بعمامة، أو غير ذلك. قال ابن القيم ﵀ (٢): «كانت له- أي للنبي ﷺ عمامة تسمى السحاب كساها عليًّا ﵁، وكان يلبسها ويلبس تحتها قَلَنْسُوة (٣)، وكان يلبس القلنسوة بغير عمامة، ويلبس العمامة بغير قلنسوة، وكان إذا اعتم سدَل عمامته بين كتفيه» (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٥): «كشف الرؤوس، وتفتيل الشعر ليس هذا من شعار أحد من الصالحين، لا من الصحابة، ولا من التابعين، ولا شيوخ الإسلام». وقال الألباني ﵀ (٦): «وليس من الهيئة الحسنة في عرف السلف اعتياد حسر الرأس، والسير كذلك في الطرقات، والدخول كذلك في أماكن العبادات، بل هذه عادة أجنبية

стр. 144

تسربت إلى البلاد الإسلامية حين دخلها الكفار». وليس من الزينة المشروعة إسبال الثياب، بل هو محرَّم لا يجوز، وقد قال ﷺ : «من جرَّ ثوبه خُيَلاء لم ينظرِ الله إليه يوم القيامة» (١)، وقال ﷺ : «ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار» (٢)، وقال ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم» فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات. قال أبو ذر: خابوا وخسِروا، من هم يا رسول الله؟ قال ﷺ : «المُسبِل، والمنَّان، والمنفِّق سلعتَه بالحلِف الكاذب» (٣)، وفي رواية: «المُسبِل إزاره» (٤)، والإسبال في الصلاة أشد تحريمًا وهي صحيحة مع الإثم. الوقفة الثانية في: أخذ الزينة للصلاة باللباس وغيره قال الله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]؛ أي: تزينوا عند جميع المساجد وجميع الصلوات فرضِها ونفْلِها. والأمر في الأصل للوجوب، وهو محمول على الوجوب في حدود ستر العورة بالإجماع، وهو للاستحباب فيما زاد على ذلك من الزينة باللباس، والطِّيب، والسواك، ويتأكد هذا في صلاة الجمعة، والعيدين، كما دلت على ذلك السنة. وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]؛ أي: أن تُعظَّمَ بالعبادة فيها، وأخذ الزينة عندها، كما في الآية السابقة، وذلك بنظافة البدن، وارتداء الملابس الجميلة والنظيفة، والطيب، والسواك، وغير ذلك، واستشعار المسلم أنه سيقف في الصلاة أمام الله ملك الملوك. ومن الزينة للصلاة: تغطية الرأس، وكان النبي ﷺ يداوم على ذلك، ولم يُنقل عنه ﷺ أنه

стр. 145

صلى حاسرًا رأسه ولا مرة واحدة، مع توافر الدواعي على نقله، اللهم إلا في حال الإحرام (١). عن نافع قال: «رآني ابن عمر أصلي في ثوبٍ واحدٍ فقال: ألم أكسُك ثوبين؟ فقلت: بلى. قال: أرأيتَ لو أرسلتُك إلى فلان أكنت ذاهبًا في هذا الثوب؟ فقلت: لا. فقال: الله أحقُّ مَن تَزيَّنُ له، أو مَن تزينتَ له» (٢). وقد رُوي أن تميمًا الداري ﵁ اشترى رداءً بألف، فكان يصلي فيه (٣). فاحرص- أخي وفَّقك الله- أن تقف أمام ربك في الصلاة بأجمل لباس، وأحسن هيئة، وأزكى رائحة؛ تعظيمًا لله ، واهتمامًا بالصلاة وعناية بها، ولا تغترَّ بمن لا يبالون بذلك. فشتان بين من يستحضر هذه المعانيَ العظيمة في تعظيم الخالق ، وتعظيم الصلاة، فتأتي صلاته تامة تامة تامة، بتوفيق الله ، وبين من لا يستحضرها، فيأتي إلى الصلاة بقميص النوم، أو بأي لباس كان، وعلى أية حالٍ كان. ولو أنه أراد مقابلة أي شخص، أو الذهاب لأي مناسبة، ونحو ذلك لاهتم بلباسه ومظهره كل الاهتمام، فأي مناسبة تفوق الوقوف أمام الله في الصلاة ومناجاته؟!

стр. 146

وقفات أربع في: الدعاء قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] الوقفة الأولى في: معنى الدعاء، وأنواعه، وفضله أ- معنى الدعاء وحدُّه: الدعاء في اللغة: النداء، يقال: دعاه (١)، إذا ناداه؛ قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥]؛ أي: نادوا شركاءكم، وقال تعالى: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ [الحج: ١٣]؛ أي: ينادي. قال عنترة (٢): يَدعون عنترَ والرماحُ كأنها أشطانُ بئرٍ في لَبَانِ الأدهَمِ أي: ينادون عنتر ويقولون: يا عنتر. والدعاء في الشرع يُطلَق على العبادة، وعلى المسألة والطلب. ب- أنواع الدعاء: الدعاء نوعان: النوع الأول: دعاء عبادة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣]؛ أي: الذين تعبدون من دون الله، وقوله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ

стр. 147

مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤]. وقال تعالى مخاطبًا نبيه ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٠]، أي: قل إنما أعبد ربي وحده، ولا أشرك به أحدًا. النوع الثاني: دعاء مسألة وطلب؛ أي: سؤال العبد وطلبه من ربه حاجته من خير الدنيا والآخرة، من جلب نفع، أو دفع ضُرٍّ، كما في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥، ٥٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]؛ أي: نادوه، واسألوه بها، وتعبدوا له بها. ودعاء العبادة ودعاء المسألة متلازمان، فدعاء العبادة: مستلزِم لدعاء المسألة، ودعاء المسألة: متضمِّن لدعاء العبادة؛ لأن السائل إنما سأل الله وحدَه تعظيمًا له ، وإقرارًا واعترافًا بأن له الخلق والأمر والتفرد بالربوبية والألوهية. ج- فضل الدعاء وثماره، وفوائده وآثاره: للدعاء فضائل عظيمة، وثمار كثيرة، وفوائد جليلة، وآثار كبيرة، اجتمعت فيه أنواع الصبر كلها؛ الصبر على طاعة الله تعالى بالدعاء، وعظيم الرجاء، والصبر عن معصية الله تعالى بعدم التسخط والقنوط واليأس من رحمة الله تعالى، وترك الدعاء، والصبر على أقدار الله المؤلمة إن طال البلاء، وتأخرت إجابة الدعاء. ومن أهم فضائل الدعاء وثماره وفوائده وآثاره ما يلي: ١ أن الدعاء طاعة وعبادة لله ، أمر به وحث عليه، وبه يخلص العبد من الكبر، وينجو من الوعيد الشديد، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤]؛ أي: فاعبدوا الله مخلصين له العبادة. وعن النعمان بن بَشير ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ

стр. 148

دَاخِرِينَ﴾ (١) [غافر: ٦٠]. ٢ أنه أكرم شيء على الله تعالى؛ فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء» (٢). ٣ أنه سبب لمحبة الله تعالى، واندفاع غضبه ؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يسأل الله يغضب عليه» (٣). وكان سفيان الثوري ﵀ يقول: «يا من أحبُّ عباده إليه من سأله فأكثرَ سؤالَه، ويا من أبغضُ عباده إليه من لم يسأله، وليس كذلك غيرك يا رب» (٤). قال الشاعر: لا تسألنَّ بُنَيَّ آدمَ حاجةً … وسَلِ الذي أبوابُه لا تُحجَبُ فاللهُ يغضبُ إن تركتَ سؤالَهُ … وبُنَيُّ آدمَ حِينَ يُسألُ يَغضَبُ (٥) قال ابن القيم (٦): «والرب تعالى كلما سألتَه كرُمت عليه، ورضي عنك وأحبك، والمخلوق كلما سألته هُنتَ عليه، وأبغضك، ومَقَتَكَ وقَلاك، وقبيحٌ بالعبد أن يتعرض لسؤال العبيد، وهو يجد عند مولاه كل ما يريد».

стр. 149

٤ أنه دليل على قوة الإيمان بالله ، والتوكل عليه، وتمام الثقة به سبحانه، واستمداد العزة والقوة منه وحده، والتعلق به وحده، ورجائه وخوفه وحده، وقطع الطمع فيما سواه، من جميع الخلق، كما قال تعالى عن زكريا وابنه يحيى وزوجه ﵈: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١): «كلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته لقضاء حاجته ودفع ضرورته قوِيت عبوديته لله، وحريته مما سواه». ٥ أن في الدعاء لذة المناجاة، وانشراح الصدر، وزوال الهموم والغموم، وتيسير الأمور، كما قال ابن تيمية ﵀: «وليكثر من الدعاء؛ فإنه مِفتاح كل خير» (٢). فبملازمة الدعاء ينتقل العبد من الحزن واليأس والقنوط والجزع والضيق، إلى السعادة والتفاؤل والسعة والرضا والطمأنينة، وحسن الظن بالله . قال ابن وهيب الحِميري: وإني لأدعو الله حتى كأنني … أرى بجميلِ الظنِّ ما اللهُ صانِعُ (٣) وقال الآخر: وإني لأدعو الله والأمرُ ضيِّقٌ … عليَّ فما يَنفَكُّ أنْ يَتفرَّجا ورُبَّ فتًى ضاقتْ عليه وجوهُه … أصاب له في دعوةِ اللهِ مَخرَجا (٤) ٦ أن الدعاء ملاذ المضطرين؛ قال الله : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢]. فبالدعاء أنجى الله نوحًا ﵇ ومن معه في الفُلك، وأغرق المكذبين من قومه. وبالدعاء وهب الله لإبراهيم ﵇ على الكِبَرِ إسماعيل وإسحاق، وكانت امرأته

стр. 150

عقيمًا، وجعل كلًّا منهما نبيًّا. وبالدعاء غفر الله لموسى ﵇، وأهلك فرعون وقومه. وبالدعاء عصم الله يوسف ﵇ من الفاحشة. وبالدعاء كشف الله الضر عن أيوب ﵇. وهو مفزع المظلومين، ولهذا قال ﷺ لمعاذ رضى الله عنه: «واتقِ دعوةَ المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» (١). قال الشاعر: لا تظلِمنَّ إذا ما كنتَ مُقتدِرًا … فالظُّلمُ يَرجع عُقباه إلى النَّدَمِ تنام عينُك والمظلومُ مُنتبِهٌ … يدعو عليك وعينُ اللهِ لم تَنَمِ! (٢) وقال الشافعي (٣): أتهزَأُ بالدعاءِ وتَزدَرِيهِ … وما تدري بما صنَع الدعاءُ؟! سِهامُ الليلِ لا تُخطي ولكن … لها أمدٌ وللأمدِ انقضاءُ والدعاء ملاذ المضطرين، حتى من المشركين، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [لإسراء: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٣، ٦٤]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا

стр. 151

مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [يونس: ٢٢، ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢]. ٧ أنه سبب لدفع البلاء، ومنعه قبل نزوله، ورفعه بعد نزوله، ورد القدر بإذن الله وتقديره. عن ثَوبانَ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يَرُدُّ القَدَرَ إلا الدعاء، وإن الرجل ليُحرَمُ الرزقَ بالذنبِ يصيبه» (١). قال ابن القيم (٢): «والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدفعه ويعالجه، يمنع نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن». ٨ أنه سبب لتأكيد الأخوة الإيمانية بين المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من عبدٍ مسلمٍ يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملَك: ولك بمثل» (٣). ٩ أنه يسير لا يحتاج إلى كُلفة وتعب، وفي الحديث: «أعجز الناس من عجز عن الدعاء، وأبخل الناس من بخِل بالسلام» (٤).

стр. 152

الوقفة الثانية في: آداب الدعاء، وأسباب الإجابة آداب الدعاء وأسباب الإجابة كثيرة، من أهمها ما يلي: ١ الحمد لله، والثناء على الله : كما علَّم الله المؤمنين في قوله في سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤] فهذه الآيات حمد وثناء وتمجيد لله تعالى، وهو إخبار وأمر للمؤمنين بأن يقدموا بين يدي دعائهم الحمد والثناء والتمجيد له ؛ ليجيبهم، ولهذا قال في الحديث القدسي عن قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]: «هذه بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل». وقال عن قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخر السورة، [٦ - ٧]، «وهذه لعبدي ولعبدي ما سأل» (١). وكما جاء في دعاء ذي النون ﵇، قال تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وعن شداد بن أوس الداري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سيِّد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت»، قال: «من قالها من النهار مُوقِنًا بها فمات من يومه قبل أن يُمسيَ فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة» (٢).

стр. 153

وعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به في صلاتي. قال: «قلِ: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، إنك أنت الغفور الرحيم» (١). وعن عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله، أرأيت إن وافقت ليلة القدر، ما أدعو، أو ما أقول؟ قال: «تقولين: اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعف عني» (٢). وعن أنس ﵁ قال: جاءت أم سليم ﵂ إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، علمني كلماتٍ أدعو بهن. قال: «تسبحين الله عشرًا، وتحمدينه عشرًا، وتكبرينه عشرًا، ثم سلي حاجتكِ، فإنه يقول: قد فعلتُ» (٣). ٢ الصلاة على النبي ﷺ : فعن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، إني أُكثِر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: «ما شئت»، قال: قلت: الربع، قال: «ما شئتَ، فإن زدتَ فهو خير لك»، قلت: النصف؟ قال: «ما شئت، فإن زدت فهو خير لك»، قال: قلت: فالثلثين، قال: «ما شئت، فإن زدت فهو خير لك»، قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: «إذن تُكفى همَّك، ويُغفَر لك ذنبُك» (٤). والمراد بقوله: كم أجعل لك من صلاتي؟ أي: من دعائي.

стр. 154

٣ الطهارة: عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من رجلٍ يذنب ذنبًا، ثم يقوم ويتطهر، ثم يصلي، ثم يستغفر، إلا غفر الله له» ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]» (١). وعن أبي موسى ﵁ قال: لما فرغ النبي ﷺ من حُنَين، وذكر الحديث، وفيه: فدعا بماء فتوضأ، ثم رفع يديه فقال: «اللهم اغفر لعبيد أبي عامر». ورأيت بياض إِبْطَيْهِ» (٢). ومن الطهارة: السواك قبل الدعاء تطهيرًا للفم. ٤ استقبال القبلة: عن عبد الله بن زيد ﵁ قال: خرج النبي ﷺ إلى هذا المصلَّى يستسقي، فدعا واستسقى، واستقبل القبلة، وقلب رداءه (٣). وفي يوم بدر لما رأى كثرة جيش المشركين استقبل القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتِ ما وعدتني، اللهم إن تهلِك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض»، فما زال يهتف بربه، مادًّا يديه مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه (٤). واستقبل ﷺ القبلة لما دعا عند المشعر الحرام، كما جاء في حديث جابر ﵁، كما استقبلها لما دعا عند الجمرات في منًى؛ كما جاء في حديث ابن عمر ﵄ (٥).

стр. 155

وعن ابن مسعود ﵁ قال: استقبل رسول الله ﷺ الكعبة فدعا على نفر من قريش (١). قال النووي في «شرح مسلم» (٢) في شرح حديث عبد الله بن زيد ﵁: «فيه استحباب استقبال القبلة»، يعني: في الدعاء. ٥ الإخلاص في الدعاء: قال الله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] ٦ إظهار الرغبة والرهبة والضراعة والخشوع، والشكوى إلى الله تعالى، والافتقار إليه : قال تعالى في الثناء على زكريا وزوجه وابنه يحيى ﵈: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقال موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]. وقال أيوب ﵇: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]. وقال زكريا ﵇: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩]. وكما في دعاء نبينا محمد ﷺ يوم بدر (٣). ٧ أن يعزم المسألة: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : قال: «لا يقولنَّ أحدُكم: اللهم اغفر لي إن شئتَ، اللهم ارحَمْني إن شئت، لِيعزِمِ المسألة؛ فإن الله لا مُكرِهَ له» (٤).

стр. 156

وفي رواية: «فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه» (١). ٨ أن يكرر الدعاء ثلاثًا، ويُلِحَّ على الله تعالى في الدعاء: عن عبد الله بن مسعود ﵁، من حديث طويل عن النبي ﷺ وفيه: فلما قضى صلاته رفع صوته، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاثًا، ثم قال: «اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش» (٢). وفي قصة سحر النبي ﷺ قالت عائشة ﵂: «فدعا ثم دعا ثم دعا» (٣). وقال ﷺ : «إذا جاء الرجل يعود مريضًا فليقلِ: اللهم اشفِ عبدك ثلاثًا» (٤). قال ابن عبد البر (٥): «مَن أدمنَ قَرْعَ الباب يوشك أن يُفتح له، ولا يمل الله من العطاء حتى يمل العبد من الدعاء، ومن عجِل وتبرم فنفسَه ظَلَمَ». ٩ رفع اليدين في الدعاء: عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: دعا النبي ﷺ ثم رفع يديه، ورأيتُ بياض إِبْطَيه» (٦). وعن ابن عمر ﵄ قال: رفع النبي ﷺ يديه وقال: «اللهم أبرَأ إليك مما فعل خالد» (٧). وعن سلمان الفارسي ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إن ربكم ﵎ حَيِيٌّ يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صِفرًا خائبتينِ» (٨). ورفع اليدين إنما يكون فيما ثبت رفع اليدين فيه عن النبي ﷺ ؛ كالاستسقاء، ولو كان في خطبة الجمعة، ويوم عرفة، وليلة مُزدلِفة، وعند الجمرتين الأولى والثانية أيام التشريق،

стр. 157

وعلى الصفا والمروة، وغير ذلك. ويكون أيضًا في الدعاء العام، دون الأدعية الموظَّفة بأوقات وأماكن وأحوال، ولم يرد رفع اليدين فيها؛ ولهذا لا يُشرع بعد الفريضة، ولم يُنقل رفعهما بعد النافلة، فالأولى عدم المداومة عليه، أو تركه. أما مسح الوجه باليدين بعد الدعاء فالأحاديث فيه ضعيفة، وقال بعض أهل العلم: «لا يُنكَر على من فعله». ١٠ تحري أوقات الإجابة وأحوالها وأماكنها: كدبر الصلوات، وثلث الليل الآخِر، ويوم الجمعة، وكحال السجود، والصوم، والسفر، وحال حضور القلب وصفائه وإقباله على الله تعالى، وفي أماكن الإجابة كعرفة، وعند المشعر الحرام، وعند الجَمَرات، وعلى الصفا والمروة. ١١ الاستعانة بالله تعالى: عن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ أخذ بيده وقال: «يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك» فقال: «أوصيك يا معاذ لا تَدَعَنَّ في دُبُر كل صلاة تقول: اللهم أعِنِّي على ذِكرك وشكرك وحُسن عبادتك» (١). ومن عونه على ذكره وشكره وحسن عبادته التوفيق للدعاء؛ إذ لا شيء يتم للعبد الا بعون الله تعالى وتوفيقه، قال علي بن أبي طالب ﵁ (٢): إذا لم يكن عونٌ من الله للفَتَى … فأولُ ما يَجني عليه اجتهادُهُ ١٢ الإقرار والاعتراف بالذنب والظلم للنفس، وسؤال الله تعالى المغفرة والرحمة: قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي

стр. 158

الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧، ٨٨]، وقال موسى ﵊: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦]. وقال نبينا محمد ﷺ : «أنت ربي وأنا عبدُك، ظلمتُ نفسي، واعترفتُ بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» (١). وقالت ملكة سَبَأ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]. وعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: يا رسول الله، علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: «قلِ: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» (٢). وعن شدَّاد بن أوسٍ ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خَلَقْتَني وأنا عبدُك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعتُ، أعوذ بك من شر ما صنعتُ، أبوءُ لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. فمن قالها في النهار مُوقِنًا بها فمات من يومه قبل أن يُمسيَ فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة» (٣). ١٣ أن يبدأ بالدعاء لنفسه، ولوالديه، ويُثَنِّي بالدعاء لإخوانه المؤمنين: قال نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨]، وقال إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١]. وقال لنبينا محمد ﷺ : ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]. وامتدح المؤمنين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].

стр. 159

وعن أُبيِّ بنِ كعبٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه (١). ولمشروعية دعاء الإنسان لغيره من إخوانه شُرع التأمين على الدعاء، كما في التأمين بعد الفاتحة، وكما جاء أن هارون ﵇ كان يؤمِّن على دعاء أخيه موسى ﵇: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، ولهذا قال الله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٨، ٨٩]، بضمير التثنية. ١٤ اليقين بالإجابة وحضور القلب: لقوله تعالى في الحديث القدسي: «ولعبدي ما سأل» (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء قلب غافل لاهٍ» (٣). وعن أبي سعيد الخُدْري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «ما من مسلمٍ يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها؛ إما أن يعجل له دعوته في الدنيا، وإما أن يَدَّخِرَها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مِثلَها». قالوا: إذن نُكْثِر. قال: «الله أكثرُ» (٤). قال ابن القيم (٥): «قال يحيى بن معاذ: من جمع الله له قلبه في الدعاء لم يردَّه».

стр. 160

ثم قال ابن القيم: «قلتُ: إذا اجتمع عليه قلبُه، وصدقتْ ضرورتُه وفاقَتُه، وقوِي رجاؤُه، فلا يكاد يُرَدُّ دعاؤه». قال ابن حَجَر (١): «كل داعٍ يستجاب له، لكن تتنوَّع الإجابة، فتارَةً تقع بعين ما دعا به، وتارَةً بعِوَضه». ١٥ عدم استعجال الإجابة: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يُستجاب لأحدكم ما لم يُعَجِّلْ، يقول: دعوتُ، ودعوتُ فلم يُستجَبْ لي» (٢). وفي رواية: «لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثمٍ أو قطيعةِ رحِمٍ ما لم يَستعجِل». قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: «يقول: قد دعوتُ، وقد دعوتُ فلم أرَ يستجيب لي. فيستحسِر عند ذلك ويدَعُ الدعاء» (٣). قال داود بن أبي هند: «الإجابة عند حلاوة الدعاء» (٤). أي: عندما يستشعر العبد لذة مناجاة الله تعالى، ويجد الأنس والسعادة بالدعاء، يكرمه الله بالإجابة والعطاء. ومقام الدعاء مقام عظيم، فمن فتح الله عليه بالدعاء، فقد جمع له مفاتح الخير كلها؛ من قوة الإيمان واليقين، وحُسن الظن بربه، وأجر الدعاء وثوابه، والسلامة من القنوط واليأس والإحباط، والاستغناء عن الخلق. ومن تأمل سير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ظهر له ذلك، فهذا إبراهيم خليل الرحمن ﵊ صبر على الابتلاء ولازم الدعاء، ففاز بالإجابة وأعظم على ربه الثناء: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩].

стр. 161

وُلد له إسماعيل وعمره (٩٠) عامًا، وولد له إسحاق وعمره (١١٢) عامًا، وكانت امرأته عقيمًا، ومع ذلك لم يستعجل ﵇ الإجابة، ولم ييأس من رحمة الله تعالى ويترك الدعاء. ١٦ خفض الصوت بالدعاء. قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]. وقال تعالى عن زكريا ﵇: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]. وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غَزاة، فجعلنا لا نصعد شَرَفًا، ولا نعلو شرفًا، ولا نهبط واديًا إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير، قال: فدنا منا فقال: «يا أيها الناس، ارْبَعُوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدْعون أصمَّ ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا بصيرًا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عُنق راحلته، يا عبدَ الله بن قيس، ألا أُعلمك كلمةً من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله» (١). قال الحسن البصري ﵀: «بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفًا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يُسمع لهم صوت، إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، وإن الله ذكر عبدًا صالحًا، ورضي بفعله فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾» (٢). قال ابن تيمية ﵀: «وفي إخفاء الدعاء فوائد عديدة: أنه أعظم إيمانًا؛ لأن صاحبه يعلم أن الله يسمع الدعاء الخفي، وأنه أعظم في الأدب والتعظيم، وأنه أبلغ في التضرع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولُبه ومقصوده، وأنه أبلغ في الإخلاص، وأنه أبلغ في جمعية القلب على الذلة في الدعاء، فإن رفع الصوت يفرِّقه، وأنه دال على قرب صاحبه من الله، وأنه لاقترانه منه وشدة حضوره يسأله مسألة مناجاة القريب للقريب، لا مسألة نداء البعيد للبعيد، وأنه أدعى بدوام الطلب والسؤال، فإن اللسان لا يمل والجوارح لا

стр. 162

تتعب، بخلاف ما إذا رفع صوته، وأنه أبعد له من القواطع والمشوِّشات، فإن الداعي إذا أخفى دعاءه لم يدر به أحد، فسلِم من الممانع والمعارض والحاسد، وقد قال يعقوب ليوسف ﵉: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥]» (١). ١٧ أن يقدم بين يدي دعائه عملًا صالحًا يتقرب به إلى الله ، ويتوسل به: من صدقة وصلاة وقراءة القرآن، فهذا أحرى للإجابة؛ كما جاء في حديث الثلاثة الذين أَوَوْا إلى غار، فانطبقت عليهم الصخرة، فتوسل كل منهم بأفضل أعماله، فاستجاب الله تعالى لهم، فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون (٢). ١٨ أن يتوسل إلى الله تعالى بأمرٍ يرتَّب على إجابة دعائه: كما في قوله ﷺ لما كان يدعو قبيل معركة بدر: «اللهم أنجز لي ما وعدتَني، اللهم آتِ ما وعدتني، اللهم إن تهلِك هذه العصابةُ من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض» (٣). ومن ذلك قول موسى ﵇: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ [طه: ٢٧ - ٣٥]. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا جاء الرجل يعود مريضًا فليقلِ: اللهم اشفِ عبدَكَ ثلاثًا، يَنكَأُ لك عدوًّا، أو يمشي لك إلى الصلاة» (٤). ١٩ البكاء: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ تلا قوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا

стр. 163

مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وقال عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، فرفع يديه وقال: «اللهمَّ أمتي، أمتي». وبكى، فقال الله : «يا جبريل، اذهب إلى محمد- وربك أعلم- فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل ﵇ فسأله فأخبره رسول الله ﷺ بما قال، وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك» (١). ٢٠ ألا يستحييَ الداعي أن يسأل الله كل ما يجوز سؤاله: كبيرًا كان أو صغيرًا، فإن الله يغفر الكبير كما يغفر الصغير، ويعطي الكثير كما يعطي القليل، ولا يتعاظمه شيء أعطاه. قال سليمان ﵇: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]، فأعطاه الله ذلك بتسخير الريح له والشياطين. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه» (٢). وعن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله ﵎ يا ابن آدم، إنك ما دعوتَني ورجوتني غفرتُ لك على ما كان فيك ولا أُبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبُك عَنان السماء ثم استغفرتني، غفرتُ لك ولا أبالي، يا ابن آدم لو أتيتني بقُرابِ الأرض خطايا، ثم لقِيتَني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مَغفرةً» (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: «سلوا الله كل شيءٍ حتى الشِّسْع (٤)؛ فإن الله إن لم ييسِّرْه لم يتيسرْ» (٥).

стр. 164

فاسأل أخي المسلم ربك ما بدا لك، وكن عاليَ الهمة طموحًا حريصًا على سؤال معالي الأمور، وأعلى المطالب الدينية والدنيوية والأخروية، وأعلى ذلك وأعظمه الفوز بالزحزحة عن النار، ودخول الجنة مع الأبرار، ورؤية العزيز الغفار. قال الشاعر: إذا غامرتَ في شَرَفٍ مَرُومٍ … فلا تَقنَعْ بما دونَ النجومِ (١) وقال الآخر: على قَدْرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ … وتأتِي على قدرِ الكِرامِ المَكارمُ وتعظُمُ في عينِ الصغيرِ صِغارُها … وتصغُر في عين العظيمِ العظائمُ (٢) ٢١ ملازمة الأدعية المقيَّدة في أوقاتها وأحوالها وأماكنها: كالأدعية دُبُرَ الصلوات، وأدعية الصباح والمساء، وعند النوم، وغير ذلك، والأدعية عند دخول المسجد والخروج منه، وعند دخول المنزل والخروج منه، ودخول الخلاء والخروج منه، وبدعاء السفر، ودعاء هبوب الريح، ودعاء الكَرب، وغير ذلك، وفي عَرَفةَ وفي مُزدلِفة، وعند الجمرتينِ الأولى والثانية أيام التشريق، وفي المطاف، وعلى الصفا والمروة، وعند نزول منزل، وغير ذلك. ٢٢ اختيار الأسماء والصفات المناسبة لكل دعاء، كأن يقول: يا غفور اغفر لنا، يا رحمن ارحمنا، يا كريم أكرِمنا، يا رزاق ارزقنا، يا تواب تُبْ علينا، يا حفيظ احفظنا، يا لطيف الطف بنا، وهكذا. كما في قول موسى ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥١]، وقوله ﵇: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، وقول سليمان ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥].

стр. 165

وقول الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]. وقوله : ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩]، وقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨]. ٢٣ أن يختار من الأدعية أفضلها، وأحراها بالإجابة، ومن ذلك: أ- الدعاء باسم الله الأعظم: عن بُريدة ﵁ قال: سمع النبي ﷺ رجلًا يدعو ويقول: اللهم أسألك بأني أشهد أنك الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلدْ ولم يولد ولم يكن له كُفُوًا أحد، فقال: «والذي نفسي بيده لقد سأل اللهَ باسمِه الأعظمِ الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أَعطَى». وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يدعو: اللهم إني أسالك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنَّان، بديع السماوات والأرض، ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال: «لقد سأل الله باسمِه الأعظم» (١). جوامع الدعاء: عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء ويدع ما سوى ذلك (٢). أولًا: جوامع الدعاء من القرآن الكريم: من جوامع الدعاء من القرآن الكريم ما يأتي: ١ دعاء الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا

стр. 166

الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ولهذا كان أنفع الدعاء وأعظمه وأحكمه دعاء الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]، فإنه إذا هداه الصراط المستقيم أعانه على طاعته، وترك معصيته، فلم يصبه شر؛ لا في الدنيا ولا في الآخرة» (١). ٢ الدعاء والاستعاذة بالمعوِّذتين: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾: فقد «كان النبي ﷺ يتعوذ بالله من الجانِّ وعين الإنسان، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سواهما» (٢). ٣ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]. عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أكثر دعاء النبي ﷺ : «اللهمَّ ربَّنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقِنا عذاب النار» (٣). ٤ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «دعوة ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، إنه لم يدعُ بها رجل مسلم في شيءٍ قطُّ إلا استجاب الله له» (٤). ٥ الدعاء باسم الربِّ -جل وعلا-، وصفة الربوبية: فقد كان أكثر دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمؤمنين بذلك كما جاء في القرآن

стр. 167

الكريم؛ لأن معنى الرب: الخالق المالك المدبر، الذي بيده أفعال الربوبية كلها من الخلق والرزق والإحياء والإماتة والنفع والضر، وغير ذلك. قال الأبوان عليهما الصلاة والسلام: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. وقال نوح ﵊: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨]، وقال: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنين: ٢٩]. وقال إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]. وقال إبراهيم ﵊: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٤١] فتوسل بربوبية الله في هذه الآيات تسع مرات. وقال ﵇ في سورة الأنعام: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الآية: ٧٧]، وقال ﵇: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠]. وقال موسى ﵊: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]، وقال ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]. وقال عيسى ﵊: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٤]. وقال تعالى حكاية عن أيوب ﵊: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]. وقال زكريا ﵊: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩]. وقال سليمان ﵊: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]. وقالت آسية بنت مُزاحِم امرأة فِرعون ﵍: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ

стр. 168

فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١]. وقالت ملكة سبأ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النحل: ٤٤]. وقال أصحاب الكهف: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠]. وقال حَمَلة العرش من الملائكة ﵈: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ [غافر: ٧، ٨]. وقال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٥، ٢٨٦]. وقالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٨، ٩]. وقالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٣، ١٩٤]. وقالوا: ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥، ٦٦]. وقالوا: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]. وقالوا: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. وقال آمِرًا نبيه محمدًا ﷺ وأمته: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٧، ٩٨]. وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨]. وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ

стр. 169

وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٢٦، ٢٧]. وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦]. وذكر دعاء الإنسان بعد بلوغ أشده وبلوغ أربعين بقوله: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥]. وقد اشتملت هذه الأدعية على حسنة الدنيا والآخرة، وعلى كل ما فيه صلاح العبد في دينه ودنياه وأخراه، من سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم والرشد والدخول في الإسلام والإيمان، والثبات على ذلك والوفاة عليه، والسلامة من الشرك، ومن طريق المغضوب عليهم والضالين، وسؤاله دخول الجنة والوقاية من النار، ومن الخزي يوم القيامة، وسؤاله قبول الأعمال، ومغفرة الذنوب وتكفير السيئات، والتوكل على الله والافتقار إليه، وسؤاله الحفظ والكفاية والرحمة وعدم المؤاخذة على النسيان والخطأ، وعدم تحميلهم إصرًا وما لا يطيقونه، وسؤاله التوفيق إلى إقام الصلاة والعمل الصالح وشكر النعم، والذرية الطيبة الصالحة، وقرة العين من الأزواج والذريات، وسؤاله بركة المنزل، وكشف الضر، والإعاذة من همزات الشياطين وحضورهم، ومن جميع شرور الخلق، ومن السحر والحسد والوسواس وغير ذلك. ثانيًا: جوامع الدعاء من السنة النبوية المطهرة: من جوامع الدعاء من السنة النبوية المطهرة ما يأتي: ١ دعاء عرفة: عن طلحة بن عبيد الله بن كَريز ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «أفضلُ الدعاء دعاء عرفة، وأفضل ما قلتُ أنا والنبيون من بعدي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له» (١).

стр. 170

٢ سؤال الله تعالى ثبات القلب على الدين: عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: «يا مقلِّبَ القلوب ثبِّتْ قلبي على دينك»، فقلت: يا رسول الله، آمنَّا بك وبما جئت به، لأنت تخاف علينا؟ قال: «نعم، إن القلوب بين أصبعينِ من أصابع الله يقلبها كيف يشاء» (١). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرفه كيف يشاء»، ثم قال رسول الله ﷺ : «يا مصرِّفَ القلوب صرِّفْ قلوبنا على طاعتك» (٢). ٣ سؤال الله تعالى الهدى والتقى والعفاف والسَّداد والغنى: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يفتتح صلاته إذا قام من الليل بقوله: «اللهم ربَّ جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطرَ السماواتِ والأرض، عالمَ الغيبِ والشهادة، أنت تحكُم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (٣). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول: «اللهم إني أسألُكَ الهدى والتقى والعفاف والغنى» (٤).

стр. 171

وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : قل: «اللهم اهْدِني وسدِّدني» (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عِصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخِرتي التي إليها مَعادي، واجعل الحياة زيادةً لي في كل خير، والموتَ راحةً لي من كل شر» (٢). ٤ سؤال الله تعالى العفوَ والعافية في الدين والدنيا والآخرة، والحفظ في الأهل والمال: عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: «اللهم إني أسألك العافيةَ في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفوَ والعافيةَ في ديني ودنياي، وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن رَوعاتي، اللهم احفظني من بين يديَّ، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أُغتالَ من تحتي» (٣). ٥ سؤال الله تعالى المغفرة: عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ أنه كان يدعو بهذا الدعاء: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلمُ به مني، اللهم اغفر لي جِدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكلُّ ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمتُ وما أخرت، وما أسررتُ وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير» (٤). ٦ دعاء السجود: عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده: «اللهم إني أعوذ برضاك من

стр. 172

سَخَطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك» (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول في سجوده: «اللهم اغفرْ لي ذنبي كله، دِقَّه وجِلَّه، وأوله وآخره، وعلانيَته وسره» (٢). وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده: «اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، وعن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، واجعل لي نورًا» (٣). ٧ دعاء قيام الليل: عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ إذا تهجد من الليل قال: «اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض، ولك الحمد أنت قيِّم السماوات والأرض، ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهنَّ، أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك الحق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي لا إله إلا أنت» (٤). وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يقول: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطرَ السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم

стр. 173

بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (١). ٧ دعاء الجلوس بين السجدتين: عن أبي مالك الأشجعي، عن أبيه ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ وأتاه رجل فقال: يا رسول الله، كيف أدعو حين أسأل ربي؟ قال: «قلِ: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني- ويجمع أصابعه إلا الإبهام- فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك» (٢). ٨ الاستعاذة بالله تعالى من الشرك وغيره: عن مَعقِل بن يَسَار ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر ﵁: «قلِ: اللهم إني أعوذ بك أن أُشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» (٤). وعن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يعوِّذ الحسن والحسين، ويقول: «إن أباكما كان يعوِّذ بهما إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامَّة، من كلِّ شيطانٍ وهامَّة، ومن كل عينٍ لامَّة» (٥). وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا هذه الكلمات كما

стр. 174

تعلم الكتابة: «اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من أن أُرَدَّ إلى أرذل العُمُر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وعذاب القبر» (١). وعن أنس ﵁، قال: كان النبي ﷺ يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الهم، والحزن، والكسل، والجُبن، والبخل، وضَلَع الدَّين، وغلبة الرجال» (٢). وعن زيد بن أرقم ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من العجز، والكسل، والجبن، والبخل، والهَرَم، وعذاب القبر، اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن نفسٍ لا تشبع، ومن دعوةٍ لا يُستجاب لها» (٣). وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهَرَم، والمغرم والمأثم، اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار، وفتنة النار، وفتنة القبر، وعذاب القبر، وشر فتنة الغنى، وشر فتنة الفقر، ومن شر فتنة المسيح الدجال، اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرَد، ونقِّ قلبي من الخطايا كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنَس، وباعِدْ بيني وبين خطاياي كما باعدتَ بين المشرق والمغرب» (٤). وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تعوذوا بالله من الفِتن، ما ظهر منها وما بطن» (٥). وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهم لك أسلمتَ، وبك آمنتَ، وعليك توكلتُ، وإليك أنبتُ، وبك خاصمتُ، اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن

стр. 175

تُضِلَّني، أنت الحي الذي لا يموت، والإنس والجن يموتون» (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يتعوذ من سوء القضاء، ومن دَرَك الشقاء، ومن شماتة الأعداء، ومن جهد البلاء (٢). وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من شر ما عمِلتُ، ومن شر ما لم أعمَلْ» (٣). وعن ابن عمر ﵄ قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ : «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفُجاءة نِقمتك، وجميع سخطك» (٤). وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من البَرَص، والجنون، والجُذام، ومن سيئ الأسقام» (٥). ٩ دعاء قضاء الدين والغنى من الفقر: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لفاطمة ﵂: «قولي: اللهم ربَّ السماوات السبع، وربَّ العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، مُنزِلَ التوراة والإنجيل والقرآن العظيم، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقضِ عنا الدين وأغننا من الفقر» (٦). ١٠ دعاء الكرب: عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض وربَّ العرش العظيم» (٧). وعن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا كربه أمر قال: «يا حيَّ يا قيوم برحمتك

стр. 176

أستغيث» (١). إلى غير ذلك من جوامع أدعية السنة التي تجلُّ عن الحصر من الأدعية العامة، والأدعية المقيَّدة في الأوقات والأماكن والأحوال. وقد اشتملت هذه الأدعية على توحيد الله تعالى وتعظيمه والثناء عليه وسؤاله الثبات على الدين والهدى والتقى والعفاف والسداد والغنى، والعفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، والحفظ في الأهل والمال، والتعوذ بالله وبرضاه من سخطه وبعفوه من عقوبته، وسؤال مغفرة الذنب والخطأ والجهل والعمد والإسراف والجد والهزل، وما قدم وما أخر، وما أسر وما أعلن، وصلاح أمر الدين والدنيا والآخرة، وجعل الحياة زيادةً في كل خير، والموت راحة من كل شر، والتنقية من الذنوب والخطايا، والمباعدة بينه وبين الذنوب والخطايا كما بين المشرق والمغرب، وسؤال النور والهداية لما اختلف فيه من الحق والرحمة والرزق، والاستعاذة من الشرك، ومن عذاب النار وعذاب القبر وفتنتها، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، والاستعاذة بكلمات الله التامَّة، من كل شيطان وهامَّة، ومن كل عين لامَّة، ومن الهم، والحزن، والكسل، والجبن، والبخل، وضَلَع الدين، وغلبة الرجال، والمغرم، والمأثم، والعجز، والهَرَم، وسؤال الله إيتاء النفس تقواها، وتزكيتها، والاستعاذة من علم لا ينفع، وقلبٍ لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعوة لا يستجاب لها، ومن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ومن الضلال، ومن شر فتنة الغنى والفقر، ومن سوء القضاء، ودَرَك الشقاء، وشماتة الأعداء، وجهد البلاء، ومن شر كل ما عمل، ومن شر كل ما لم يعمل، ومن زوال نعمة الله ، وتحول عافيته، وفُجاءة نقمته، وجميع سخطه، وسؤال قضاء الدين، والغنى من الفقر، وتفريج الكرب، والاستغاثة برحمة الله ، وغير ذلك.

стр. 177

١١ ملازمة الدعاء في الشدة والرخاء: فإن من الناس من لا يعرف الدعاء إلا وقت الشدة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الزمر: ٨]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٣]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]. ١٢ طِيب المطعم: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعثَ أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمُه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك» (١). ١٣ عدم الاعتداء في الدعاء، وهو أنواع، منها: أ- التكلف بالتفصيل بالدعاء: فعن عبد الله بن مغفَّل ﵁ أنه سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتُها، فقال: أي بنيَّ، سلِ اللهَ الجنة، وتعوَّذ به من النار؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء» (٢).

стр. 178

وعن ابن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعني أبي وأنا أقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها، وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، وكذا وكذا. فقال: يا بني، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيكون قوم يعتدون في الدعاء، فإياك أن تكون منهم، إنك إن أُعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أُعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر» (١). ب- التكلف في السجع في الدعاء: فإن حال الداعي ينبغي أن تكون حال ذل وخضوع، والتكلف في السجع ينافي ذلك. قال ابن عباس ﵄ لأحد أصحابه من نصيحةٍ له: «فانظر السجع من الدعاء فاجتنبْه؛ فإني عهِدتُ رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك»؛ يعني: لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب (٢). ج- الدعاء على النفس والأهل والولد والمال، أو على من لا يستحق ذلك: عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تدْعُوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم» (٣). د- الدعاء بإثم أو قطيعة رحم: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل» (٤). هـ- تحجير رحمة الله تعالى ومغفرته:

стр. 179

عن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ في صلاة وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فلما سلم النبي ﷺ قال للأعرابي: «لقد حجَّرتَ واسعًا». يريد رحمة الله (١). الوقفة الثالثة في: الأوقات والأحوال والأماكن التي يُشرع فيها الدعاء أ- الأوقات والأحوال التي يشرع فيها الدعاء: الأوقات كلها محل للدعاء وللإجابة، وكذا الأحوال إلا ما استثني منها (٢)، لكن من الأوقات والأحوال ما شُرع الدعاء فيها على وجه الخصوص بدلالة الكتاب والسنة، فعلى المسلم الاجتهاد في الدعاء في كل وقت وفي كل حال، وعليه أن يتحرى الأوقات والأحوال التي شُرع فيها الدعاء أكثر. ومن الأوقات والأحوال التي شرع فيها الدعاء: ١ الوقت ما بين الأذان والإقامة: عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الدعاء لا يُرَد بين الأذان والإقامة» (٣). ٢ حال السجود: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء» (٤).

стр. 180

وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أما الركوع فعظِّموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم» (١). ٣ دُبُر الصلوات المكتوبات (قبل السلام): عن أبي أُمامة ﵁ قال: قيل: يا رسول الله، أي الدعاء أسمع؟ قال: «جوف الليل الآخِر، ودُبُرَ الصلوات المكتوبات» (٢). وعن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ أخذ بيده وقال: «والله إني لأُحبك، والله إني لأحبك» فقال: «أوصيك يا معاذ لا تدعن دُبُرَ كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذِكرِك وشكرك وحسن عبادتك» (٣). وفي حديث ابن مسعود ﵁ أنه ﷺ لما علم أصحابه التشهد قال: «ثم يَتَخَير من الدعاء أَعجَبَه إليه فيدعو» (٤). ٤ جوف الليل وثلث الليل الآخِر: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيبَ له، ومن يسألني فأعطيَه، ومن يستغفرني فأغفرَ له» (٥).
следующие страницы →