← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 800

مراقي العزة ومقومات السعادة

سليمان اللاحم

Полный текст (723 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أستغيث» (١). إلى غير ذلك من جوامع أدعية السنة التي تجلُّ عن الحصر من الأدعية العامة، والأدعية المقيَّدة في الأوقات والأماكن والأحوال. وقد اشتملت هذه الأدعية على توحيد الله تعالى وتعظيمه والثناء عليه وسؤاله الثبات على الدين والهدى والتقى والعفاف والسداد والغنى، والعفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، والحفظ في الأهل والمال، والتعوذ بالله وبرضاه من سخطه وبعفوه من عقوبته، وسؤال مغفرة الذنب والخطأ والجهل والعمد والإسراف والجد والهزل، وما قدم وما أخر، وما أسر وما أعلن، وصلاح أمر الدين والدنيا والآخرة، وجعل الحياة زيادةً في كل خير، والموت راحة من كل شر، والتنقية من الذنوب والخطايا، والمباعدة بينه وبين الذنوب والخطايا كما بين المشرق والمغرب، وسؤال النور والهداية لما اختلف فيه من الحق والرحمة والرزق، والاستعاذة من الشرك، ومن عذاب النار وعذاب القبر وفتنتها، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، والاستعاذة بكلمات الله التامَّة، من كل شيطان وهامَّة، ومن كل عين لامَّة، ومن الهم، والحزن، والكسل، والجبن، والبخل، وضَلَع الدين، وغلبة الرجال، والمغرم، والمأثم، والعجز، والهَرَم، وسؤال الله إيتاء النفس تقواها، وتزكيتها، والاستعاذة من علم لا ينفع، وقلبٍ لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعوة لا يستجاب لها، ومن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ومن الضلال، ومن شر فتنة الغنى والفقر، ومن سوء القضاء، ودَرَك الشقاء، وشماتة الأعداء، وجهد البلاء، ومن شر كل ما عمل، ومن شر كل ما لم يعمل، ومن زوال نعمة الله ، وتحول عافيته، وفُجاءة نقمته، وجميع سخطه، وسؤال قضاء الدين، والغنى من الفقر، وتفريج الكرب، والاستغاثة برحمة الله ، وغير ذلك.

стр. 177

١١ ملازمة الدعاء في الشدة والرخاء: فإن من الناس من لا يعرف الدعاء إلا وقت الشدة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الزمر: ٨]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٣]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]. ١٢ طِيب المطعم: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعثَ أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمُه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك» (١). ١٣ عدم الاعتداء في الدعاء، وهو أنواع، منها: أ- التكلف بالتفصيل بالدعاء: فعن عبد الله بن مغفَّل ﵁ أنه سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتُها، فقال: أي بنيَّ، سلِ اللهَ الجنة، وتعوَّذ به من النار؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء» (٢).

стр. 178

وعن ابن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعني أبي وأنا أقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها، وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، وكذا وكذا. فقال: يا بني، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيكون قوم يعتدون في الدعاء، فإياك أن تكون منهم، إنك إن أُعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أُعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر» (١). ب- التكلف في السجع في الدعاء: فإن حال الداعي ينبغي أن تكون حال ذل وخضوع، والتكلف في السجع ينافي ذلك. قال ابن عباس ﵄ لأحد أصحابه من نصيحةٍ له: «فانظر السجع من الدعاء فاجتنبْه؛ فإني عهِدتُ رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك»؛ يعني: لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب (٢). ج- الدعاء على النفس والأهل والولد والمال، أو على من لا يستحق ذلك: عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تدْعُوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم» (٣). د- الدعاء بإثم أو قطيعة رحم: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل» (٤). هـ- تحجير رحمة الله تعالى ومغفرته:

стр. 179

عن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ في صلاة وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فلما سلم النبي ﷺ قال للأعرابي: «لقد حجَّرتَ واسعًا». يريد رحمة الله (١). الوقفة الثالثة في: الأوقات والأحوال والأماكن التي يُشرع فيها الدعاء أ- الأوقات والأحوال التي يشرع فيها الدعاء: الأوقات كلها محل للدعاء وللإجابة، وكذا الأحوال إلا ما استثني منها (٢)، لكن من الأوقات والأحوال ما شُرع الدعاء فيها على وجه الخصوص بدلالة الكتاب والسنة، فعلى المسلم الاجتهاد في الدعاء في كل وقت وفي كل حال، وعليه أن يتحرى الأوقات والأحوال التي شُرع فيها الدعاء أكثر. ومن الأوقات والأحوال التي شرع فيها الدعاء: ١ الوقت ما بين الأذان والإقامة: عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الدعاء لا يُرَد بين الأذان والإقامة» (٣). ٢ حال السجود: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء» (٤).

стр. 180

وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أما الركوع فعظِّموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم» (١). ٣ دُبُر الصلوات المكتوبات (قبل السلام): عن أبي أُمامة ﵁ قال: قيل: يا رسول الله، أي الدعاء أسمع؟ قال: «جوف الليل الآخِر، ودُبُرَ الصلوات المكتوبات» (٢). وعن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ أخذ بيده وقال: «والله إني لأُحبك، والله إني لأحبك» فقال: «أوصيك يا معاذ لا تدعن دُبُرَ كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذِكرِك وشكرك وحسن عبادتك» (٣). وفي حديث ابن مسعود ﵁ أنه ﷺ لما علم أصحابه التشهد قال: «ثم يَتَخَير من الدعاء أَعجَبَه إليه فيدعو» (٤). ٤ جوف الليل وثلث الليل الآخِر: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيبَ له، ومن يسألني فأعطيَه، ومن يستغفرني فأغفرَ له» (٥).

стр. 181

وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن من الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيرًا إلا أعطاه الله إياه» (١). ٥ يوم الجمعة: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: «فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه إياه» (٢). وعن جابر بن عبد الله ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: «يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة لا يوجد فيها عبد يسأل الله شيئًا إلا آتاه إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر» (٣). وأرجى ساعات الإجابة يوم الجمعة عندما يجلس الإمام على المنبر إلى أن تُقضى الصلاة، وبعد العصر إلى غروب الشمس. ٦ يوم عرفة: عن طلحة بن عبيد الله بن كَريز مرسَلًا؛ أن رسول الله ﷺ قال: «أفضلُ الدعاءِ دعاء يوم عرفة، وأفضلُ ما قلتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له» (٤). ٧ إذا تعارَّ من الليل: عن عُبادة بن الصامت ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من تعارَّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا

стр. 182

استُجيب له، فإن توضأ وصلى قُبلت صلاته» (١). وعن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم يبيت على ذكرٍ طاهرًا، فيتعار من الليل فيسأل الله خيرًا من الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إياه» (٢). ٨ حال الصيام وعند الإفطار: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا تُرَد دعوتهم: الصائم حتى يُفطِر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم» (٣). ٩ حال السفر: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده» (٤). ١٠ عند الأذان: عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثنتان لا تُردان، أو قلما تُردان: الدعاء عند النداء، وعند البأسِ حين يُلحِم بعضهم بعضًا»، وفي روايةٍ قال: «ووقت المطر» (٥). وفي رواية: «ساعتان تُفتح فيهما أبواب السماء: عند حضور الصلاة، وعند الصف في سبيل الله» (٦).

стр. 183

١١ عند نزول الغيث: لِما جاء في بعض روايات حديث سهل بن سعد ﵁: «وقت المطر» (١). ١٢ عند التقاء الجيوش: لما جاء في حديث سهل بن سعد ﵁: «وعند البأس حين يُلحِم بعضُهم بعضًا، وعند الصف في سبيل الله». ب- الأماكن التي يُشرع فيها الدعاء: الدعاء مشروع في جميع الأماكن، وتُرجى إجابته، ما عدا الأماكن التي لا يجوز الدعاء فيها: كدورات المياه ونحوها، وكذا المقابر؛ لأن الدعاء عبادة، والعبادة لا تجوز في المقابر؛ لأنها وسيلة إلى الشرك، ويُستثنى من ذلك الدعاء للميت في الصلاة عليه أو على قبره وعند زيارة القبور. وهناك أماكن شُرع فيها الدعاء على الخصوص، منها ما يأتي: ١ عرفة للحاج يوم عرفة: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن النبي ﷺ قال: «خير الدعاء دعاء عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» (٢). ٢ عند المشعر الحرام ليلة جمع للحاج: لِما جاء في حديث جابر ﵁ الطويل، وفيه: «ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا،

стр. 184

فرفع قبل أن تطلُع الشمس» (١). ٣ الدعاء في الطواف بين الركن اليماني والحجر الأسود: لما جاء أنه يقول بين الركنين: «ربَّنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنة، وقِنا عذاب النار» (٢). ٤ الدعاء على الصفا والمروة للمعتمِر والحاج: عن جابر بن عبد الله ﵄ في حديثه الطويل في صفة حجة النبي ﷺ قال: ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، «أبدأ بما بدأ الله به»، فبدأ بالصفا فرقِيَ عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجزَ وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده»، ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات. الحديث، وفيه: ففعل على المروة ما فعل على الصفا (٣). ٥ الدعاء عند رمي الجمرة الأولى والثانية أيام التشريق: عن عبد الله بن عمر ﵄: «كان رسول الله ﷺ إذا رمى الجمرة التي تلي مسجد منًى يرميها بسبع حصيات، يكبر كلما رمى بحصاة، ثم تقدم أمامها فوقف مستقبل القبلة رافعًا يديه، وكان يطيل الوقوف، ثم يأتي الجمرة الثانية فيرميها بسبع حصيات، يكبر كلما رمى بحصاة، ثم ينحدر ذات اليسار مما يلي الوادي فيقف مستقبل القبلة، رافعًا يديه ثم يأتي الجمرة التي عند العقبة فيرميها بسبع حصيات، يكبر عند كل حصاة، ثم ينصرف ولا يقف عندها» (٤).

стр. 185

٦ الدعاء داخل الكعبة: عن أسامة بن زيد ﵄: أن النبي ﷺ لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها (١). ٧ الدعاء في الملتزَم، وهو ما بين الحجر الأسود والباب: دعاء الملتزم لم يثبت فيه شيء عن النبي ﷺ ، لكنَّ كثيرًا من الصحابة ﵃ كانوا يفعلونه، منهم ابن عباس ﵄ وغيره (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وإنْ أحب أن يأتي الملتزم- وهو ما بين الحجر الأسود والباب- فيضع عليه صدره ووجهه وذراعيه وكفيه ويدعو ويسأل الله تعالى حاجته، فعل ذلك، وله أن يفعل ذلك قبل طواف الوداع، فإن هذا الالتزام لا فرق بين أن يكون حال الوداع أو غيره، والصحابة كانوا يفعلون ذلك حين يدخلون مكة … ولو وقف عند الباب ودعا هناك من غير التزام للبيت كان حسنًا» (٣). وقال ابن باز ﵀: «دعاء الملتزم لا بأس به، فعله كثير من الصحابة، ورُوي عن النبي ﷺ أنه فعله، ولكن في سنده نظر، ولكن فعله بعض الصحابة، وهو ما بين الركن والباب، إن كان يقف فيه ويدعو ربه لا بأس بهذا، تُرجى فيه الإجابة» (٤). وقال ابن عثيمين: «الالتزام لم ترد فيه سُنة، لكن الصحابة ﵃ كانوا يفعلونه عند القدوم. والفقهاء قالوا: يفعله عند المغادرة. وعلى هذا فالالتزام لا بأس به ما لم يكن فيه أذية وضيق» (٥). ٨ الدعاء في المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ والمسجد الأقصى: لأن الصلاة والعبادة فيها تضاعَف، وغير ذلك. وقد يكون للدعاء في سائر المساجد فضل؛ لأنها بيوت الله، وأفضل بقاع الأرض.

стр. 186

الوقفة الرابعة في: إجابة الدعاء، وموانع الإجابة، والتحذير من الدعاء على النفس والولد والأهل والمال، ومن ترك الأدعية الواردة في الكتاب والسنة، والأدعية المأثورة، والاعتداء بالدعاء أ- إجابة الدعاء: أمر الله العباد كلهم أن يدعوه، ووعدهم بالاستجابة لهم، فقال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وقال في الحديث القدسي: «من يدعوني فأستجيبَ له، من يسألني فأعطيَه» (١). وقال تعالى مخاطبًا المشركين: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٢، ٦٣]. وقد وردت بعض الأدلة بالتخصيص بإجابة الدعاء، وممن ورد تخصيصهم بذلك، وبأن دعوتهم لا تُرَدُّ من يأتي: ١ من اتصف بما ذُكر في هذين الحديثين: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كم من أشعثَ أغبرَ ذي طِمرَينِ لا يُؤبَهُ له، لو أقسم على اللهِ لأبرَّه! منهم البرَاء بن مالك» (٢). وعن أنس ﵁: أن أخت الرُّبَيِّع أم حارثة جَرحت إنسانًا، فاختصموا إلى النبي ﷺ

стр. 187

فقال رسول الله ﷺ : «القِصاص، القصاص». فقالت أم الربيع: يا رسول الله، أيُقتص من فلانة؟! والله لا يُقتص منها. فقال النبي ﷺ : «سبحان الله يا أم الربيع، القِصاصُ كتابُ الله». قالت: والله لا يُقتص منها أبدًا. قال: فما زالت حتى قبِلوا الديَةَ. فقال رسول الله ﷺ : «إن من عبادِ اللهِ مَن لو أقسَمَ على اللهِ لَأَبَرَّه» (١). فهذه شهادة من رسول الله ﷺ للبراء بن مالك وأم الربيِّع ﵄ بإجابة دعوتهما، كما أن في الحديثين دلالة على أن من نال هذه المكانة عند الله فهو مجاب الدعوة. ٢ المضطر: قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢]. ٣ المظلوم: عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن، فقال: «واتقِ دعوةَ المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث دعوات يُستجاب لهن لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده» (٣). وفي رواية: «ثلاثة لا تُرد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يُفطِر، ودعوة المظلوم، يرفعها الله فوق الغَمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنَّكِ ولو بعد حين» (٤).

стр. 188

٤ المسافر. ٥ الصائم حتى يفطر. ٦ الإمام العادل. ٧ دعوة الوالد على ولده: لِما جاء في حديث أبي هريرة ﵁. ٨ دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب: عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكَّل، كلما دعا لأخيه بخيرٍ قال له الملك الموكل به: آمين ولك بمِثل» (١). ٩ دعوة من أطاب مطعمه: لِما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ في «الرجل يطيل السفر، أشعَث أغبر، يمُد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومَطعَمُه حرام، ومَشرَبه حرام، ومَلبَسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يُستجاب لذلك؟!» (٢). فمفهوم هذا أن من أطاب مطعمه فهو حريٌّ بإجابة دعوته. ب- موانع الإجابة: من موانع الإجابة ما يأتي: ١ أكل الحرام: لما جاء في حديث أبي هريرة ﵁: «ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعثَ أغبرَ يمُد يديه إلى السماء، يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يُستجاب لذلك؟!» (٣). ٢ الدعاء بإثم أو قطيعة رحم: عن أبي هريرة ﵁، قال ﷺ : «لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يَدْعُ بإثم أو

стр. 189

قطيعة رحم» (١). ٣ الغفلة واللهو حال الدعاء: لقوله ﷺ : «ادعوا الله وأنتم موقِنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب الدعاء من قلبٍ غافلٍ لاهٍ» (٢). ٤ التقصير في الواجبات، وارتكاب المنهيَّات، والظلم، وكثرة الذنوب والمعاصي: فإن ذلك يحُول بين العبد وبين إجابة الدعاء. ٥ استعجال الإجابة: لقوله ﷺ : «يستجاب لأحدكم ما لم يَعجَلْ، يقول: دعوتُ ودعوتُ فلم يُستجب لي» (٣). قال ابن رجب (٤): «جعل ذلك من موانع الإجابة حتى لا يقطع العبد رجاءه من إجابة دعائه، ولو طالت المدة، فإنه سبحانه يحب الملحِّين في الدعاء». ج- التحذير من الدعاء على النفس والولد والأهل والمال: عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ عاد رجلًا من المسلمين قد ضعف فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله ﷺ : «هل كنت تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟» قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجِّلْه لي في الدنيا. فقال رسول الله ﷺ : «سبحان الله! لا تُطيقه- أو لا تستطيعه- أفلا قلتَ: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار» (٥). وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاءً فيستجيب لكم» (٦). وعن أم سلمة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شخص بصرُه،

стр. 190

فأغمضه ثم قال: «إن الروح إذا قُبض تبِعه البصرُ». فضج ناس من أهله، فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون» (١). د- التحذير من ترك الأدعية الواردة في الكتاب والسنة، والأدعية المأثورة، والاعتداء بالدعاء: مما يجب التنبيه عليه، وهو من الأهمية بمكان، أنه ينبغي للمسلم أن يحرص كل الحرص على الأدعية الواردة في القرآن الكريم، وفي سنة المصطفى ﷺ الذي أُعطي جوامع الكلم والأدعية المأثورة، فإن هذه الأدعية جامعة مانعة، ومن دعا بها فهو حريٌّ بالإجابة بإذن الله مع انتفاء الموانع. وينبغي عدم الاغترار بما أحدثه الناس من تخصيص بعض الأدعية المسجوعة المتكلفة التي لا يخلو الكثير منها من الاعتداء بالدعاء الذي نهى الله عنه ورسوله، كما يفعل الكثير من أئمة المساجد في القنوت، وعند ختم القرآن، إضافة إلى المبالغة في رفع أصواتهم في الدعاء- مما يؤدي إلى مبالغة المأمومين برفع أصواتهم في التأمين- وكذا الإطالة في ذلك مما لا نسبة بينه وبين الصلاة، وكل هذا مما يخالف السنة، قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] أي: المعتدين في الدعاء. ولما رفع الصحابة أصواتهم بالدعاء قال ﷺ : «أيها الناس، ارْبَعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إن الذي تَدْعُونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عُنُق راحلته» وفي رواية: «إنه معكم، إنه سميع قريب، تبارك اسمه وتعالى جدُّه» (٢). ولهذا ينبغي لأئمة المساجد- وفَّقهم الله وهداهم- أن يتقوا الله في أنفسهم وفيمن

стр. 191

يصلون خلفهم، فيحرصوا على أدعية الكتاب والسُّنة، والمأثور عن سلف الأمة، ويلزموا طريق القصد؛ فإن ذلك أحرى بالقبول والإجابة. كما ينبغي أن يُعلم أن الشرع كله مبني على الاتباع لا على الابتداع، ولهذا لما علَّم النبي ﷺ البراء بن عازب ﵁ الدعاء الذي يُقال عند النوم: «اللهم أسلمت نفسي إليك» … إلى قوله: «آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت» قال البراء: ورسولك الذي أرسلت، فقال النبي ﷺ : «لا، ونبيك الذي أرسلت» (١). ومن هنا يُعلم أهمية الاتباع في الأذكار والأدعية وغيرها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والمشروع للإنسان أن يدعو بالأدعية المأثورة؛ فإن الدعاء من أفضل العبادات، وقد نهانا الله عن الاعتداء فيه، فينبغي لنا أن نتبع فيه ما شُرع وسُن، كما أنه ينبغي لنا ذلك في غيره من العبادات، والذي يعدل عن الدعاء المشروع إلى غيره- وإن كان من أحزاب بعض المشايخ- الأحسن له ألا يفوته الأكمل الأفضل، وهي الأدعية النبوية، فإنها أفضل وأكمل باتفاق المسلمين من الأدعية التي ليست كذلك، وإن قالها بعض الشيوخ، فكيف وقد يكون في عَيْنِ الأدعية ما هو خطأ أو إثم، أو غير ذلك. ومن أشد الناس عيبًا من يتخذ حزبًا ليس بمأثور عن النبي ﷺ ، وإن كان حزبًا لبعض المشايخ، ويدع الأحزاب النبوية التي كان يقولها سيد بني آدم، وإمام الخلق، وحجة الله على عباده، والله أعلم» (٢).

стр. 192

وقفات أربع في: إصلاح ذات البين قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] الوقفة الأولى في: معنى إصلاح ذات البين، وحكمه، وفضله أ- معنى: إصلاح ذات البين: الإصلاح: نقيض الإفساد، وأصلح الشيء بعد فساده: أقامه (١)، و «ذات» بمعنى: صاحبة، فمعنى «ذات البين»؛ أي: صاحبة البين. «البين»: البين في كلام العرب جاء على وجهين: يكون البين بمعنى: الفُرقة، ويكون بمعنى: الوصل، وهو من الأضداد؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٥]؛ أي: لقد تقطع وصلكم، أو ما بينكم (٢). ومن إطلاق البين على الفرقة قول الشاعر: شاب الفؤادُ وسال الدمعُ من عيني … لمَّا تَغنَّى غُرابُ البَينِ بالبينِ فمعنى: إصلاح البين: إصلاح الأحوال والعلاقات بين الناس؛ أي: إصلاح ما فسد منها، والعمل على وصلها، وعدم قطعها. ب- حكم إصلاح ذات البين: إصلاح ذات البين من أوجب الواجبات على المسلمين فيما بينهم، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]. فأمَر الله بتقواه، وإصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله، والأمر في هذا واجب،

стр. 193

واكتنف الأمرَ بإصلاح ذات البين الأمرُ بتقوى الله وطاعته ورسوله؛ للدلالة على أن الإصلاح من تقوى الله وطاعته ورسوله، وبيَّن أن ذلك كله من شرط الإيمان بقوله: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩، ١٠]. وهو واجب على الكفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين. ج- فضل إصلاح ذات البين: إصلاح ذات البين من خير الأعمال وأفضلها، وأعظمها أجرًا، تكفل الله للساعين به بالأجر العظيم، والرحمة، ووعدهم بالنجاة، والسلامة من الهلاك. قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]. وهو أفضل من نوافل العبادات؛ من الصلاة والصيام والصدقة، ونحو ذلك. عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أُخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟!» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة» (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمِله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقةٌ، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوةٍ تخطُوها إلى الصلاة صدقة» (٢). وكان ﷺ بنفسه يسعى للإصلاح، فعن سهل بن سعد ﵁: أن أهل قُباء اقتتلوا حتى

стр. 194

ترامَوا بالحجارة، فأُخبر رسول الله ﷺ بذلك، فقال: «اذهبوا بنا نُصلح بينهم» (١). وقد أثنى ﷺ على الحسن بن علي ﵄ بقوله ﷺ : «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين طائفتينِ عظيمتينِ من المسلمين» (٢). ولهذا جعل الإسلام نصيبًا من الزكاة للغارمين، وهم كل من يتحمل غرامة لإصلاح ذات البين بين المسلمين، أو إصلاح نفسه. كما أحل المسألة لمن تحمل حَمالةً لأجل الإصلاح بين الناس، قال ﷺ : «إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تَحَمَّل حمالةً، فحلَّتْ له المسألةُ حتى يُصيبَها ثم يُمسِك … » الحديث (٣). كما أباح الإسلام الكذب لأجل الصلح، قال ﷺ : «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيَنمي خيرًا، أو يقول خيرًا» (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وتعلمون أن من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين: تأليف القلوب، واجتماع الكلمة، وصلاح ذات البَين، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]» (٥). قال الشاعر: إن الفضائلَ كلَّها لو جُمعت … رَجَعَتْ بجُملتِها إلى شيئينِ تعظيمِ ذاتِ اللهِ ﷻ … والسعيِ في إصلاحِ ذاتِ البَينِ (٦)

стр. 195

الوقفة الثانية في: عِظم مسؤولية الأمة عن إصلاح ذات البين من أعظم المسؤوليات وأوجبها على الأمة الإسلامية، على مستوى الدول والشعوب، جماعاتٍ وأفرادًا: السعي لإصلاح ذات البَين بين المسلمين، والقضاء على أسباب النزاعات والخلافات والخصومات، وأسباب الشحناء والبغضاء والعداوات بين المسلمين؛ امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠]. فهذا يُوجِب على جميع الدول الإسلامية التعاون فيما بينهم في الإصلاح والسعي بكل ما تملك من مقومات سياسية، واقتصادية، وغير ذلك؛ لإصلاح ما يحصل بين بعض الدول الإسلامية من نزاعات وحروب حسب استطاعتها. فلا يجوز للدول الإسلامية أن تقف حيال ما يجري بين بعض الدول الإسلامية من نزاعات وحروب موقف المشاهد فقط، كما هو حال كثير من الدول اليوم، بل ربما سعى البعض إلى تأجيج الصراع والنزاع، بدلًا من السعي بالإصلاح، وقد قال الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]. وقال ﷺ : «انصرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا». قال: أنصره إذا كان مظلومًا، فكيف نصره إذا كان ظالمًا؟ قال: «تمنَعه من الظلم» (١).

стр. 196

ولا شك أن أعداء الإسلام تمكنوا من تشتيت كلمة المسلمين، وتمزيق وحدتهم، ونشر العداوة بينهم، وما كان هذا ليحصل لو اعتصم المسلمون بحبل الله جميعًا، لكن هذا لا يعفي المسلمين أمام الله من وجوب التعاون بينهم، وإصلاح ذات بينهم، ولقد كان لولاة الأمر في هذه البلاد جزاهم الله خيرًا منذ عهد المؤسس الملك عبد العزيز ﵀ إلى يومنا هذا جهود مباركة في هذا المجال، تُذكر فتُشكر، سطرها التاريخ بمِداد من ذهب خلال أكثر من مئة وعشرين سنة. كما يجب على المسلمين- جماعاتٍ وأفرادًا- التعاون بينهم في الإصلاح، والسعي في إصلاح ذات بينهم. ولا يجوز لمسلم أن يتنصل من هذا الواجب العظيم، ويقف موقفًا سلبيًّا، وهو يرى فساد ذات البين يستشري بين إخوانه المسلمين؛ بين الأزواج، والإخوة، والأقارب، والجيران، والشركاء، والخصوم، وغيرهم. فإن من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن لم يصبح ويُمسِ ناصحًا للمسلمين فليس منهم (١). وقد قال ﷺ : «الدين النصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» (٢). وقال جَرير بن عبد الله ﵁: «بايعتُ رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم» (٣).

стр. 197

الوقفة الثالثة في: الفوائد الجليلة، والمنافع العظيمة، والآثار الحميدة لإصلاح ذات البين لإصلاح ذات البين فوائد جليلة، ومنافع عظيمة، وآثار حميدة، لا تُعد ولا تُحصى، من أهمها: أولًا: أنه صِمام الأمان لجمع شمل المسلمين، وتوحيد كلمتهم، وقوتهم ووحدتهم، والقضاء على أسباب التنازع والاختلاف والفُرقة بينهم، الذي به قوام أمر دينهم، وسعادتهم في دنياهم وأخراهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]. قال الشاعر (١): تأبى القِداحُ إذا اجتمعنَ تكسُّرًا وإذا افترقنَ تكسَّرتْ أفرادَا ثانيًا: أنه سبب لتثبيت الأخوَّة والمودة، والألفة والمحبة بين المسلمين، والقضاء على أسباب الشحناء والعداوات والبغضاء، والهجر والتقاطع بينهم. ثالثًا: أنه سبب لغرس بذور العفو والصفح والتسامح، والإيثار بين المسلمين، والتحلي بأزكى الأخلاق، وأفضل الصفات. رابعًا: أن السعي بالإصلاح بين الناس يُعد من تقوى الله تعالى وطاعته وطاعة رسوله ﷺ ومن الإيمان وخير الأعمال؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١].

стр. 198

وقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]. خامسًا: أنه سبب للحيلولة دون استشراء فساد ذات البين، وفساد العلاقات بين المسلمين، وقساوة القلوب، واندثار كثير من الأخلاق والمُثُل الإسلامية العالية، والقيم الإنسانية الرفيعة. سادسًا: الأجر العظيم من الله والرحمة، قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠]. سابعًا: الإعذار من الله تعالى، والنجاة من الهلاك، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]. ثامنًا: انتشال من وقع بينهم فساد ذات البين مما رُتب على ذلك من الوعيد الشديد، كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٢، ٢٣]. وقال ﷺ : «من هجر أخاه سنةً فهو كسَفْك دمِه» (١).

стр. 199

الوقفة الرابعة في: مجالات إصلاح ذات البين مجالات إصلاح ذات البين كثيرة لا تُحصى، وتزداد كثرةً، والله المستعان، كلما بَعُدَ المسلمون عن دينهم، وطغت الأنانية، وحب المال والأثرة، وقلَّ المصلحون، وكثر الانتهازيون والمتشمتون، وعندما أصبح النصح والسعي في الإصلاح عند البعض تدخلًا في الشؤون الخاصة للآخرين، وفيما لا يعني، وكثر التنازع والشحناء، وأُحضرت الأنفس الشح، وفشا التهاجر والتقاطع، مصداق قوله ﷺ : «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم» (١). و مجالات إصلاح ذات البين على قسمين: القسم الأول: الإصلاح بين الدول الإسلامية فيما يقع بين بعضها من حروب، ومشكلات سياسية أو اقتصادية، أو غير ذلك. وهذا مَنوط بالحكومات الإسلامية فيما بينها، فيجب عليها جميعًا التعاون؛ لنصرة المظلوم من المسلمين، والسعي في الإصلاح بين المتحاربين والمتنازعين منهم؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ الآية [الحجرات: ٩]. القسم الثاني: الإصلاح لما يقع بين المسلمين داخل المجتمع أفرادًا أو جماعاتٍ . وهذا مَنوط بالمسلمين فيما بينهم، ومجالاته أكثر من أن تُحصى، ومن أهمها ما يلي: ١ الإصلاح لما يقع من تنازع بين ولاة الأمر وأصحاب المسؤوليات في الأمة، وبين عامة الناس، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩].

стр. 200

٢ الإصلاح بين الزوجين؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٢٨]. ويتولى هذا من يختاره ولي الأمر، أو أقارب الزوجين، أو من علم حالهما من المسلمين، شريطة أن يريد الحكمان الإصلاح، وأن يكونا من أهل الدين والخُلق، والحكمة والعقل والمعرفة، والعدل والنصح والستر، وغير ذلك من الصفات التي ينبغي أن تتوفر في الحَكم والمصلِح. ٣ الإصلاح بين الأقارب؛ بين الآباء والأبناء، بين الإخوة، وغيرهم من أفراد الأسرة والأقارب. ٤ بين الجيران. ٥ بين الموصي والورثة والموصَى إليهم، قال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٢]. ٦ بين غيرهم من المسلمين، كالشركاء في العمل، أو في المال، أو غيرهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٤]. وكما تقدم، فإن مجالات الإصلاح لا يمكن حصرها، لكن المهم أن يتعاون المسلمون في ذلك، ويرشَّح لكل قضية بحسَبها من لديه القدرة على الإصلاح من ذوي الدين والعقل والحكمة، والعدل والنصح والستر، ونحو ذلك.

стр. 201

وقفات ست في: الفتن وخطرها على الدين، وعلى العباد، والبلاد قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] الوقفة الأولى: معنى الفتنة، وإطلاقاتها في القرآن الكريم أ- معنى الفتنة: الفتنة في اللغة: هي الابتلاء، والامتحان، والاختبار، وجمعها: الفتن. وأصلها مأخوذ من قولك: فتنتُ الفِضةَ والذهبَ، إذا أذبتَهما بالنار؛ لتمييز الرديء من الجيد (١). قال ابن حجر (٢): «أصل الفتنة: إدخال الذهب بالنار لتظهر جودته من رداءته، ثم استُعملت في كل أمرٍ يكشفه الامتحان». والفتنة في الشرع: ما يعرِض للإنسان من الشر والخير، من مصيبةٍ أو نعمة، أو فقر أو غنًى، أو مرض أو صحة، أو شدة أو رخاء، ونحو ذلك. قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. فبالابتلاء بالشر يتميز من يصبر ومن يجزع، ومن يثبُت على الحق ممن يتزلزل عنه. وبالابتلاء بالخير يتميز من يشكر نعمة الله تعالى ويثبت على الحق، ممن يكفرها ويخرج عن الحق. بالابتلاء يظهر الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، كما قال تعالى: ﴿الم (١)

стр. 202

أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت: ١٠، ١١]. ب- إطلاقات الفتنة في القرآن الكريم: أُطلقت الفتنة في القرآن الكريم على معانٍ كثيرة، منها ما يأتي: ١ الشرك والكفر: قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]. فالمراد بالفتنة في هذه الآيات: الشرك والكفر. ٢ الابتلاء، والامتحان، والاختبار: قال تعالى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠]، أي: ابتليناك ابتلاء، وامتحناك، واختبرناك. وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، أي: ابتلاء وامتحانًا لكم. وقال تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١، ٢]، أي: وهم لا يُبتلون ولا يُمتحنون ويُختبرون. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] أي: ابتلينا وامتحنا الذين من قبلهم. ٣ العذاب والأذى: قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ [النحل: ١١٠]، أي: من بعد ما عُذبوا وأوذوا. وقال تعالى: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠]، أي: جعل عذاب الناس.

стр. 203

٤ الإثم: قال تعالى: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ١٤٩]، أي: في الإثم. ٥ التعذيب والإحراق في النار: قال تعالى: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤]، أي: احتراقكم في النار. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠]، أي: عذبوهم بالإحراق بالنار. ٦ القتال والقتل: قال تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، أي: أن يقاتلوكم، أو يقتلوكم. ٧ الصد عن الصراط المستقيم: قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٧٣]، أي: ليصدونك. وقال تعالى: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩]، أي: أن يصدوك. ٨ الإضلال: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]، أي: ومن يرد الله إضلاله. ٩ العذر والعلة: قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، أي: لم تكن معذرتهم. إلى غير ذلك من المعاني، مع وجود الاختلاف بين المفسرين في المراد بالفتنة في بعض هذه الآيات.

стр. 204

الوقفة الثانية في: قضاء الله تعالى التام، وحكمته البالغة بوقوع الفتن أ- فضل نعمة الإسلام: نعمة الإسلام أعظم نعمة امتن الله تعالى بها على العباد، وأكمل دين وأرضاه، وهو الدين الحق الذي لا يُقبل دين سواه. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٢ - ٤]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٥]. وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]. وقال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨].

стр. 205

وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. وهذه النصوص كلها توجب حمد الله تعالى وشكره على نعمة الإسلام والإيمان، والاعتصام بحبل الله تعالى، وسؤاله الثبات، والاستعاذة به سبحانه من مضِلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن. ب- قضاء الله تعالى التام، وحكمته البالغة بوقوع الفتن: قضى الله قضاءً قدريًّا تامًّا مبرَمًا بالابتلاء بالفتن، دل على ذلك القرآن الكريم، والسنة والنبوية المطهرة. قال الله : ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٦]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ستكون فِتَنٌ القاعدُ فيها خير من القائم، والقائمُ فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن يَستشرِف لها تَستشرِفه، ومن وجد ملجأً أو مَعاذًا فلْيَعُذْ به» (١). وعن عبد الله بن عمرٍو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إنه لم يكن نبيٌّ قبلي إلا كان عليه حقًّا أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم بشر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخِرَها بلاءٌ وأمورٌ تنكرونها، وتجيء فتنة فيرقِّق بعضها بعضًا، وتجيء

стр. 206

الفتنة فيقول المؤمن: هذه مُهلِكتي. ثم تنكشِف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه» (١). والحكمة في ذلك الابتلاء والامتحان؛ ليظهر الصادق من الكاذب، ويتميز المؤمن من المنافق، والصابر من غيره، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت: ١١]، وقال تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١]، وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]، وقال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٧]. الوقفة الثالثة في: الإخبار بوقوع الفتن وخطرها على الدين وشدتها، وكثرتها في آخر الزمان، ووجوب اتقائها، والحذر منها، والتعوذ بالله منها قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٢٥]. وعن الزُّبير بن العوام ﵁ قال: إنَّا قرأنا على رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ لم نكن نحسب أنَّا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت (٢).

стр. 207

وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافةَ أن يدركَني، فقلت: يا رسول الله، كنا في جاهليةٍ وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: «نعم». قلتُ: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: «نعم، وفيه دخَن». قلت: وما دخنُه؟ قال: «قوم يَستنُّون بغير سُنتي، ويَهدون بغير هَدْيِي، تعرف منهم وتنكر». فقلت: وهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها». قلت: يا رسول الله، صفهم لنا. قال: «هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا». قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفِرَق كلها، ولو أن تعَضَّ بأصل شجرةٍ حتى يدركَك الموتُ وأنت على ذلك» (١). وعن العِرباض بن سارية ﵁ قال: وعَظَنا رسول الله ﷺ موعظةً وجِلت منها القلوب، وذَرَفتْ منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودِّعٍ فأوصنا. قال: «أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة، وإن تأمَّر عليكم عبد، فإنه مَن يعِش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدَثاتِ الأمور؛ فإن كلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة» (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يُقبض العلم، وتكثُر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهَرْجُ- وهو القتل القتل- حتى يكثر فيكم المال فيفيض» (٣).

стр. 208

وعن أسامة بن زيد ﵄ قال: أشرف النبي ﷺ على أُطُمٍ من آطام المدينة، فقال: «هل تَرَون ما أرى؟»، قالوا: لا. قال: «فإني لأرى مواقع الفتن خِلالَ بيوتكم كمواقع القَطْر» (١). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمًا يتبع بها شَعَفَ الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» (٢). وعن حذيفة ﵁ قال: والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، وما بي إلا أن يكون رسول الله أسرَّ إليَّ في ذلك شيئًا لم يحدثه غيري، ولكن رسول الله ﷺ قال وهو يحدث مجلسًا أنا فيه عن الفتن، فقال رسول الله ﷺ وهو يَعُد الفتن: «منهن ثلاث لا يكدن يذرنَ شيئًا، ومنهن فتن كرياح الصيف، منها صغار، ومنها كبار» قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري (٣). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال فِتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا، ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا، ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرَضٍ من الدنيا قليل» (٤). وعن كُرْز الخزاعي ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله، هل للإسلام من منتهى؟ قال: «نعم، أيما أهل بيت من العرب أو العجم أراد الله بهم خيرًا أدخل عليهم الإسلام». قال: ثم مَهْ؟ قال: «ثم تقع الفتن كأنها الظُّلَل». قال: كلا والله إن شاء الله. قال: «بلى والذي نفسي بيده، ثم تعودون فيها أساود صُبًّا، يضرب بعضكم رقاب بعض، وأفضل الناس يومئذ مؤمن معتزل في شِعب من الشِّعاب يتقي ربه ﵎، ويدع الناس من شره». قال

стр. 209

سفيان: أساود صبًّا: الحية السوداء تنصب؛ أي: ترتفع (١). وعن عوف بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لَتفترِقَنَّ أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار»، قيل: يا رسول الله، من هم؟ قال: «الجماعة» (٢). وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَتتبعُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم شبرًا شبرًا، وذِراعًا بذراعٍ، حتى لو دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ تبِعتموهم»، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمَن؟!» (٣). إلى غير ذلك من الأحاديث والأخبار في الفتن التي يشيب من هولها الوليد، فتن كالظُّلَل، وكقِطَع الليل المظلم، تموج كموج البحر، ويرقق بعضها بعضًا، يكثُر فيها التفرق والاختلاف، ويلتبس فيها الحق بالباطل، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعَرَض من الدنيا قليل، فتن تذهب بعقول الرجال، وتدع الحليم حيرانَ، فتن لا تذر شيئًا، تُحرِق الدين والعقل والبدن، وكل خير، وتُهلِك الحرث والنسل، والرطب واليابس، وتذر الديار بلاقِعَ، وتعم الصالح والطالح، كما في حديث

стр. 210

زينب بنت جحش ﵂ قالت: يا رسول الله، أنهلِك وفينا الصالحون؟! قال: «نعم، إذا كثُر الخَبَث» (١). ولهذا أمر الله باتقائها، وحذر منها النبي ﷺ وتعوذ منها، وأمر بالحذر، والتعوذ منها قبل وقوعها، وبعد وقوعها، وهذا يوجب على المسلم الحذر كل الحذر منها، والتعوذ بالله منها، والأخذ بأسباب النجاة والعصمة منها. الوقفة الرابعة في: أنواع الفتن وأقسامها، وأقسام القلوب، وأقسام الناس أمامها أ- أنواع الفتن: الفتن نوعان: النوع الأول: فتن الشهوات؛ من النساء، والأولاد، والأموال، والأزواج، والمناصب، والرياسات، والجاه، ونحو ذلك. قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥]. النوع الثاني: فتن الشبُهات، من الشرك، والشك، والبدع، والاختلاف، والتفرق، واختلاط الأمر على الإنسان، فلا يميز الحق من الباطل، والحلال من الحرام، والوقوع في الظلم، والجور، والكبائر، وهذه أشد وأعظم، وهي المقصودة أولًا في الفتن التي حذر منها الكتاب والسنة.

стр. 211

قال ابن القيم (١): «الفتنة نوعان: فتنة الشبهات، وهي أعظم الفتن. وفتنة الشهوات، وقد يجتمعان للعبد، وقد ينفرد بإحداهما. فتنة الشبهات؛ من ضعف البصيرة، وقلة العلم، لا سيما إذا اقترن بذلك فساد القصد، وحصول الهوى، فهنالك الفتنة العظمى، والمصيبة الكبرى، فقل ما شئت في ضلال سيئ القصد، الحاكم عليه الهوى لا الهدى، مع ضعف بصيرته وقلة علمه بما بعث الله به رسوله، فهو من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم: ٢٣]. وهذه الفتنة مآلها إلى الكفر والنفاق، وهي فتنة المنافقين، وفتنة أهل البدع … ولا ينجي من هذه الفتنة إلا تجريد اتباع الرسول وتحكيمه في دِقِّ الدين وجُله، ظاهره وباطنه، عقائده وأعماله، حقائقه وشرائعه». ب- أقسام الفتن: الفتن قسمان: القسم الأول: فتن خاصة بالإنسان، بنفسه، أو ولده، أو أهله، أو ماله، أو أقاربه، أو جيرانه، ومنها كون الفتنة خاصة بأناس معينين؛ من عائلة، أو قبيلة، أو مجموعة من الناس، أو محلة، أو بلدة، ونحو ذلك. القسم الثاني: الفتن العامة في الأمة والمجتمع كله، وهي المقصودة في كثير من نصوص الكتاب والسنة، وهي الأمر العظيم، والشأن الخطير، والخطب الجَلَل. عن حذيفة ﵁، قال: بينا نحن جلوس عند عمر إذ قال: أيكم يحفظ قول النبي ﷺ في الفتنة؟ قال: فتنة الرجل في أهله، وماله، وولده، وجاره، تكفرها الصلاة، والصدقة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. قال: ليس عن هذا أسألك، ولكن التي تموج كموج البحر. فقال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابًا مغلقًا، فقال عمر: أيُكسر الباب أم يفتح؟ قال: لا بل يكسر. قال عمر: إذن لا يغلق أبدًا. قلت: أجل.

стр. 212

قلنا لحذيفة: أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم، كما يعلم أن دون غد ليلة، وذلك أني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط، فهِبنا أن نسأله: مَن الباب؟ فأمَرْنا مسروقًا فسأله، فقال: مَن الباب؟ قال: عمر (١). ج- أقسام القلوب أمام الفتن: تنقسم القلوب عندما تُعرض عليها الفتن إلى قلبين: قلب ثابت على الدين، قوي الإيمان واليقين، ينكرها، أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض. وقلب مضطرب ضعيف الإيمان واليقين، أو خِلو من ذلك، يشربها فينقلب وينتكس. قال ﷺ : «تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشرِبها نُكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير القلوب على قلبين: على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبَادًّا كالكُوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أُشرب من هواه» (٢). د- أقسام الناس أمام الفتن: بِناءً على انقسام القلوب أمام الفتن إلى قلبين، ينقسم الناس أمامها إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: مؤمن قوي الإيمان واليقين، ذو علم بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، ومنهج السلف الصالح وأهل السنة والجماعة، حذِرٌ من الفتن ويستعيذ بالله منها، ويعرف كيفية التعامل معها، وأسباب النجاة منها، وهذا بإذن الله ينجيه الله تعالى منها. القسم الثاني: من يخوض ويسعى في الفتن بلا علم ولا دراية، وإنما يردد وينشر ما يقوله الناس في المجالس وفي المنتديات والمواقع، وعبر وسائل الاتصال: «سمعت الناس

стр. 213

يقولون شيئًا فقلته»، وعلى هذا أكثر الناس، وهذا على خطرٍ إن لم يتداركه الله ويوفقه، فيخرج منها ويبتعد عنها، ويلزم طريق السلامة، ويأخذ بأسباب النجاة منها. القسم الثالث: من أُشربها وتلقفها، ووافقت هواه، وخاض فيها، وسعى فيها بسوء قصد، وتزعمها، فهذا كما قال ﷺ : «من الدعاة على أبواب جهنم». الوقفة الخامسة في: أسباب العصمة من الفتن والنجاة منها أسباب العصمة من الفتن والنجاة منها قبل وقوعها وبعد وقوعها كثيرة جدًّا، بتوفيق الله تعالى وعونه، ومن أهمها ما يلي: ١ تحقيق التوحيد لله : توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، بتحقيق معنى قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. فما ضل من ضل عن الإسلام، وما انحرف من انحرف عن الدين الصحيح، ووقع في الفتن إلا بسبب خلل في التوحيد والعقيدة. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، أي: لم يلبسوا إيمانهم وتوحيدهم بشرك، أولئك لهم الأمن المطلق؛ الأمن النفسي، والأمن الاجتماعي، الأمن في الدنيا من الفتن، والشرور، والضلال، وفي الآخرة من العذاب والأهوال. ٢ الاعتصام بالكتاب والسنة: قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ

стр. 214

آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٣ - ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٥]. وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣، ١٢٤]. قال ابن عباس ﵄: «تضمَّن الله لمن قرأ القرآن واتبع ما فيه: ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة» ثم تلا: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ (١). وقال ﷺ : «تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسُنة نبيه» (٢). فالاعتصام بالكتاب والسنة ضمانة وأمان من الفتن والاختلاف والتنازع والتفرق. قال الإمام مالك ﵀: «لن يصلح آخِرَ هذه الأمة إلا ما أصلح أولها». قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: «والذي أصلح أولها هو تمسكهم بكتاب الله وسنة رسوله ﵊، وسيرهم على ذلك، والتواصي بذلك، والتعاون في ذلك، هذا هو الذي ساروا عليه، وهو الذي أصلحهم الله به، ولن يصلح آخِرُهم إلا بذلك» (٣). ٣ الثبات عند الفتن وقوة الإيمان والتوكل على الله : والاستعانة به والإكثار من قول: «يا مقلِّبَ القلوب ثبِّت قلبي على دينك» (٤). فقد كان ﷺ وهو أخشى الناس لله وأتقاهم له (٥) - يكثر من هذا الدعاء.

стр. 215

وقول: «حسبنا الله ونعم الوكيل»؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٣، ١٧٤]. قال ابن عباس ﵄: «حسبنا الله ونعم الوكيل» قالها إبراهيم حين أُلقي في النار، وقالها محمد حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾» (١). وقد وعد الله بتثبيت المؤمنين، وأمرهم بالثبات، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥]. ٤ الاستعانة بالصبر والصلاة: قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [أل عمران: ٢٠٠]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]. وكان ﷺ إذا حزبه أمر فزِع إلى الصلاة (٢). وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر» (٣).
следующие страницы →