← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 800

مراقي العزة ومقومات السعادة

سليمان اللاحم

Полный текст (723 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قال ابن القيم (١): «الفتنة نوعان: فتنة الشبهات، وهي أعظم الفتن. وفتنة الشهوات، وقد يجتمعان للعبد، وقد ينفرد بإحداهما. فتنة الشبهات؛ من ضعف البصيرة، وقلة العلم، لا سيما إذا اقترن بذلك فساد القصد، وحصول الهوى، فهنالك الفتنة العظمى، والمصيبة الكبرى، فقل ما شئت في ضلال سيئ القصد، الحاكم عليه الهوى لا الهدى، مع ضعف بصيرته وقلة علمه بما بعث الله به رسوله، فهو من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم: ٢٣]. وهذه الفتنة مآلها إلى الكفر والنفاق، وهي فتنة المنافقين، وفتنة أهل البدع … ولا ينجي من هذه الفتنة إلا تجريد اتباع الرسول وتحكيمه في دِقِّ الدين وجُله، ظاهره وباطنه، عقائده وأعماله، حقائقه وشرائعه». ب- أقسام الفتن: الفتن قسمان: القسم الأول: فتن خاصة بالإنسان، بنفسه، أو ولده، أو أهله، أو ماله، أو أقاربه، أو جيرانه، ومنها كون الفتنة خاصة بأناس معينين؛ من عائلة، أو قبيلة، أو مجموعة من الناس، أو محلة، أو بلدة، ونحو ذلك. القسم الثاني: الفتن العامة في الأمة والمجتمع كله، وهي المقصودة في كثير من نصوص الكتاب والسنة، وهي الأمر العظيم، والشأن الخطير، والخطب الجَلَل. عن حذيفة ﵁، قال: بينا نحن جلوس عند عمر إذ قال: أيكم يحفظ قول النبي ﷺ في الفتنة؟ قال: فتنة الرجل في أهله، وماله، وولده، وجاره، تكفرها الصلاة، والصدقة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. قال: ليس عن هذا أسألك، ولكن التي تموج كموج البحر. فقال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابًا مغلقًا، فقال عمر: أيُكسر الباب أم يفتح؟ قال: لا بل يكسر. قال عمر: إذن لا يغلق أبدًا. قلت: أجل.

стр. 212

قلنا لحذيفة: أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم، كما يعلم أن دون غد ليلة، وذلك أني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط، فهِبنا أن نسأله: مَن الباب؟ فأمَرْنا مسروقًا فسأله، فقال: مَن الباب؟ قال: عمر (١). ج- أقسام القلوب أمام الفتن: تنقسم القلوب عندما تُعرض عليها الفتن إلى قلبين: قلب ثابت على الدين، قوي الإيمان واليقين، ينكرها، أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض. وقلب مضطرب ضعيف الإيمان واليقين، أو خِلو من ذلك، يشربها فينقلب وينتكس. قال ﷺ : «تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشرِبها نُكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير القلوب على قلبين: على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبَادًّا كالكُوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أُشرب من هواه» (٢). د- أقسام الناس أمام الفتن: بِناءً على انقسام القلوب أمام الفتن إلى قلبين، ينقسم الناس أمامها إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: مؤمن قوي الإيمان واليقين، ذو علم بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، ومنهج السلف الصالح وأهل السنة والجماعة، حذِرٌ من الفتن ويستعيذ بالله منها، ويعرف كيفية التعامل معها، وأسباب النجاة منها، وهذا بإذن الله ينجيه الله تعالى منها. القسم الثاني: من يخوض ويسعى في الفتن بلا علم ولا دراية، وإنما يردد وينشر ما يقوله الناس في المجالس وفي المنتديات والمواقع، وعبر وسائل الاتصال: «سمعت الناس

стр. 213

يقولون شيئًا فقلته»، وعلى هذا أكثر الناس، وهذا على خطرٍ إن لم يتداركه الله ويوفقه، فيخرج منها ويبتعد عنها، ويلزم طريق السلامة، ويأخذ بأسباب النجاة منها. القسم الثالث: من أُشربها وتلقفها، ووافقت هواه، وخاض فيها، وسعى فيها بسوء قصد، وتزعمها، فهذا كما قال ﷺ : «من الدعاة على أبواب جهنم». الوقفة الخامسة في: أسباب العصمة من الفتن والنجاة منها أسباب العصمة من الفتن والنجاة منها قبل وقوعها وبعد وقوعها كثيرة جدًّا، بتوفيق الله تعالى وعونه، ومن أهمها ما يلي: ١ تحقيق التوحيد لله : توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، بتحقيق معنى قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. فما ضل من ضل عن الإسلام، وما انحرف من انحرف عن الدين الصحيح، ووقع في الفتن إلا بسبب خلل في التوحيد والعقيدة. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، أي: لم يلبسوا إيمانهم وتوحيدهم بشرك، أولئك لهم الأمن المطلق؛ الأمن النفسي، والأمن الاجتماعي، الأمن في الدنيا من الفتن، والشرور، والضلال، وفي الآخرة من العذاب والأهوال. ٢ الاعتصام بالكتاب والسنة: قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ

стр. 214

آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٣ - ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٥]. وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣، ١٢٤]. قال ابن عباس ﵄: «تضمَّن الله لمن قرأ القرآن واتبع ما فيه: ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة» ثم تلا: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ (١). وقال ﷺ : «تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسُنة نبيه» (٢). فالاعتصام بالكتاب والسنة ضمانة وأمان من الفتن والاختلاف والتنازع والتفرق. قال الإمام مالك ﵀: «لن يصلح آخِرَ هذه الأمة إلا ما أصلح أولها». قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: «والذي أصلح أولها هو تمسكهم بكتاب الله وسنة رسوله ﵊، وسيرهم على ذلك، والتواصي بذلك، والتعاون في ذلك، هذا هو الذي ساروا عليه، وهو الذي أصلحهم الله به، ولن يصلح آخِرُهم إلا بذلك» (٣). ٣ الثبات عند الفتن وقوة الإيمان والتوكل على الله : والاستعانة به والإكثار من قول: «يا مقلِّبَ القلوب ثبِّت قلبي على دينك» (٤). فقد كان ﷺ وهو أخشى الناس لله وأتقاهم له (٥) - يكثر من هذا الدعاء.

стр. 215

وقول: «حسبنا الله ونعم الوكيل»؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٣، ١٧٤]. قال ابن عباس ﵄: «حسبنا الله ونعم الوكيل» قالها إبراهيم حين أُلقي في النار، وقالها محمد حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾» (١). وقد وعد الله بتثبيت المؤمنين، وأمرهم بالثبات، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥]. ٤ الاستعانة بالصبر والصلاة: قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [أل عمران: ٢٠٠]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]. وكان ﷺ إذا حزبه أمر فزِع إلى الصلاة (٢). وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر» (٣).

стр. 216

وقال ﷺ وذكر آخر الزمان: «المتمسك يومئذٍ بدينه كالقابض على الجمر، وأجرُه أجر خمسين». قالوا: يا رسول الله، منَّا أو منهم؟ قال: «بل منكم» (١). وذلك لقلة المعين، وكثرة المخَذِّلين، ولهذا وصفهم ﷺ بالغرباء، فقال: «طوبى للغرباء، الذين يصلحون إذا فسد الناس». وفي رواية: «يُصلحون ما أفسد الناس» (٢). ٥ التقوى، وملازمة العبادة، والعمل الصالح: من صلاة وصدقة، وبر للوالدين، وصلة للأرحام، وصيام وذكر وقراءة القرآن وغير ذلك، وأعظم ذلك المحافظة على أداء الواجبات واجتناب المنهيات. عن مَعقِلِ بن يَسَارٍ ﵁، عن النبي ﷺ قال: «العبادة في الهَرْجِ كهجرة إليَّ» (٣). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بادِروا بالأعمال فتنًا كقِطَعِ الليل المظلِم» (٤). ٦ الدعاء والتضرع إلى الله ، والاستعاذة به من الفتن: قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا

стр. 217

كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨]، وقال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢]. وقال ﷺ : «دعوة ذي النون وهو في بطن الحوت: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، إنه لم يدعُ بها مسلم في شيءٍ قطُّ إلا استجاب الله له بها» (١). وعن زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تعوَّذوا بالله من الفِتَن ما ظهر منها وما بطن» (٢). وفي حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ كان يأمر في التشهد بالتعوذ من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال (٣). وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الكسل، والهَرَم، والمأثم، والمَغرَم، ومن فتنة القبر، وعذاب القبر، ومن فتنة النار، وعذاب النار، ومن شر فتنة الغنى، وأعوذ بك من شر فتنة الفقر، وأعوذ بك من فتنة المَسيح الدجال» (٤). وعن أنس ﵁: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهَرَم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» (٥). وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا هذه الكلمات كما تُعلَّم الكتابة: «اللهم أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من أن أُرد إلى أرذل العُمُر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر» (٦).

стр. 218

وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يتعوذ في صلاته من فتنة المحيا والممات (١). ٧ لزوم جماعة المسلمين وإمامهم: قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]. وعن عُبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال فيما أخَذ علينا: «أنْ بايَعَنا على السمع والطاعة، في مَنْشَطِنا ومَكْرَهِنا، وعُسْرِنا ويُسْرِنا، وأَثَرَةً علينا، وأنْ لا نُنَازِعَ الأْمرَ أهلَه، إلا أنْ ترَوْا كفرًا بَوَاحًا، عندكم من الله فيه بُرهانٌ» (٢). وعنه ﵁ قال: «بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وألا ننازِعَ الأمرَ أهلَه، وأن نقومَ أو نقولَ بالحق حيثما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم» (٣). وفي حديث العِرباض بن سارية ﵁ قال ﷺ : «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة» (٤) يعني: لولاة أمور المسلمين؛ لما في ذلك من اجتماع كلمة المسلمين وقوتهم وهيبتهم أمام أعدائهم (٥). وكان ﷺ يقول في خطبته: «وخير الحديث كتاب الله، وخير الهَدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (٦). قال فضيلة الشيخ صالح الفوزان حفظه الله تعالى (٧): «كذلك من أعظم الفتن فتنة

стр. 219

التفرق والاختلاف، وظهور الفِرَق والجماعات، هذا من أعظم الفتن، وهذا شيء أخبر عنه الرسول ﷺ »، ثم ذكر حديث العرباض بن سارية ﵁. وقال أيضًا حفظه الله تعالى: «من أسباب النجاة: لزوم جماعة المسلمين، والبعد عن الانتماء للفِرق، والجماعات المخالفة لما كان عليه سلف هذه الأمة؛ لأن الرسول ﷺ يقول في الفرقة الناجية: «هم من كان على مِثل ما أنا عليه وأصحابي». قال ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله» (١). نعم، سيكون هناك من يهون من شأنهم، من يجهلهم، من يستغفلهم، من يقول: هؤلاء ناس صالحون، ولكن ما يعرفون الواقع، ولا يعرفون كذا، كل هذا يجب على المسلم ألا يلتفت إليه، «وهم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» لا نجاة إلا بهذا: لزوم جماعة المسلمين «وعليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة». والنبي ﷺ في أكثر من حديث حثنا على أن نكون مع الجماعة المتمسكة بطريقة النبي ﷺ ، وطريقة أصحابه، وطريقة سلف الأمة؛ لأن سلف هذه الأمة أدرى وأقرب للحق ممن جاء بعدهم» (٢). وسأل عمرو بن ميمون التابعي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ عن الجماعة؟ فقال له عبد الله: «الجماعة ما وافق الحق، وإن كنت وحدك» (٣). ٨ التفقه في الدين: التفقه في الدين أن يعقل المؤمن ويفهم ويعرف أحكام دينه، وما يجب عليه وما يحرُم، وما ينبغي وما لا ينبغي، حتى يتعبد لله تعالى على بصيرة من أمره، ويعرف الحكم فيما

стр. 220

يعرِض له من مشكلات، وما يُعرض عليه من الفتن؛ لأن من أعظم أسباب الوقوع في الفتن الجهل في الدين. وقد حث الله ورغب في الفقه في الدين، فقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]. وأثنى الله على أهل الفقه في الدين الذين عرفوا الحق واتبعوه قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]، أي: أنعمت عليهم بمعرفة الحق واتباعه. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩]، أي: أنعم الله عليهم بمعرفة الحق والأخذ به. ووصف الله المنافقين بأنهم لا يفقهون؛ أي: لا يفهمون أحكام الله . فعلى كل مسلم أن يتفقه في دينه، ليعرف الحق فيأخذ به ويكون مع أهله، ويحذر الباطل وأهله، فينجو بإذن الله تعالى من الفتن. قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: «فكل مؤمن وكل مؤمنة في هذه الدنيا في أشد الحاجة إلى التفقه في الدين، والتبصر، حتى يعلم حكم الله في جميع أعمال المكلَّفين، وحتى يسير على بصيرة، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتفقه في الدين بالعناية بكتاب الله وسنة رسوله ﵊، كما تفقه من قبلنا من الصحابة ومن بعدهم» (١). وهذا يوجب العناية والاهتمام بتربية الأولاد والأهل على الفقه في الدين، وتبصيرهم في أمر دينهم، والثبات عليه حتى لا تعصف بهم الفتن التي تعرض لهم. كما يوجب هذا العملَ على تبصير الناس كلهم في أمور دينهم للنجاة من الفتن؛ لأن من أعظم أسباب الوقوع في الفتن الخلل في منهج التلقي وعدم تربية الأجيال على العقيدة الصحيحة، والدين القويم. ٩. التوبة والإنابة إلى الله تعالى، وكثرة الاستغفار والذكر: قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر:

стр. 221

٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]. فبالتوبة والإنابة إلى الله ، وكثرة الاستغفار والذكر، يحفظ الله العبد، ويعصمه من الفتن ما ظهر منها وما بطن. ١٠ حفظ اللسان، والقلم، والبنان من الخوض في الفتنة إذا وقعت، إلا في خير؛ من التحذير منها، والتثبيت على الحق: قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣]. وقال ﷺ : «ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخِر فليقل خيرًا أو ليصمت» (١). فاللسان عدو الإنسان، ولربما كلمة كانت سببًا في الزيغ والهلاك، قال ﷺ : «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله، لا يُلقي لها بالًا، يَهوي بها في جهنم» (٢). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «تكون فتنة تستنظف العرب، قتلاها في النار، اللسان فيها أشد من وقع السيف» (٣). قال الشاعر: وإن النار بالعُودَين تُذكَى … وإن الحربَ أولُها كَلامُ (٤)

стр. 222

وقال الآخر: احذَرْ لِسانَك أيها الإنسانُ … لا يَلدغنك إنه ثعبانُ كم في المقابر من قتيلِ لسانه! … كانت تهاب لقاءه الفرسانُ (١) وقال الآخر: ولئن ندِمت على سكوتك مرةً … فلَتندمن على الكلام مِرارَا (٢) وقد قيل: «لو كان الكلام من فضة، لكان السكوت من ذهب». ومما ينبغي التنبيه عليه: أن الكتابة اليوم بالبنان في وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت أشد أثرًا وأعظم ضررًا من اللسان بأضعاف مضاعفة؛ إذ أصبحت مجالًا واسعًا ولغ فيها كل الذين يريدون إشعال الفتن بين المسلمين؛ مما يوجب على المسلم الحذر من ذلك ومحاسبة نفسه محاسبة دقيقة في كل ما يكتب على شاشات هذه الوسائل، فالأمر خطير، والناقد بصير، وقد أحسن القائل: وما من كاتبٍ إلا سيَفنى … ويَبقَى الدهرَ ما كَتبتْ يداهُ فلا تكتبْ بكفِّك غيرَ شيءٍ … يسُرُّك في القيامةِ أن تراهُ ١١ الرجوع إلى أهل العلم من العلماء الربانيين، وأهل الذكر، وسؤالهم: قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، والأنبياء: ٧]. قال ابن القيم ﵀ (٣): «كنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض، أتيناه- يعني شيخه ابن تيمية ﵀ فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة، ويقينًا وطمأنينة».

стр. 223

١٢ الفرار من الفتن: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمًا يتبع بها شَعَفَ الجبال، ومواقع القَطْر، يفر بدينه من الفتن» (١). وقد بوَّب البخاري ﵀ باب «من الدين الفرار من الفتن». وفي حديث حذيفة ﵁ في الفتن لما قال له النبي ﷺ : «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». قال حذيفة: يا رسولَ الله، فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال ﷺ : «فاعتزِلْ تلك الفرق كلها ولو أن تعَضَّ بأصل شجرة حتى يدركَك الموت وأنت على ذلك» (٢). هذه هي أهم الأسباب التي بها- بإذن الله تعالى وتوفيقه- النجاة من الفتن والعصمة منها. الوقفة السادسة في: المنهجية والطريقة في مواجهة الفتن سبق ذكر الأسباب في النجاة من الفتن والعصمة منها، قبل وقوعها وبعد وقوعها، وفي هذه الوقفة بيان المنهجية والطريقة في مواجهتها، وكيفية التعامل معها حتى تخمد أو تمر بسلام. يجب على المسلم عند وقوع الفتنة الحرص على السلامة منها، والخلاص من شرها، ومن أهم الأسباب لذلك ما يلي: أولًا: التثبت في الأمور كلها، وفي تلقي الأخبار: والتمحيص والتدقيق فيها، والحذر كل الحذر من نقل الإشاعات، وتلقف الأخبار الكاذبة المضلِّلة، والحرص على عدم نشر أخبار الفتن، ولو صحت، كما قال بعض أهل العلم: «أميتوا الباطلَ بالسكوت عنه».

стр. 224

قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤]. وبالتثبت يعرف المسلم حقيقة الأمر، فيَسلَم من الوقوع في الخطأ والإثم، وأذية الآخرين، ومن جر الشرور وجذبها إلى الأمة، وفيها من الجراح والمصائب ما يكفيها. ثانيًا: الثبات على الحق، والاستعاذة بالله من الفتن، وسؤاله الثبات على الإسلام حتى الممات: قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. فيثبت المؤمن على دينه، ويقف أمام ما يقع من الفتن بقلب مطمئن، قوي الإيمان، راسخ العقيدة، ثابت كثبوت الجبال الراسيات أمام الأعاصير، حتى تذهب الفتنة وتنجلي. وكثبوت النخلة من بين كثير من الأشجار أمام الرياح الشديدة والعواصف، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤]. ولهذا شبه ﷺ المؤمن بالنخلة في الثبات وكثرة الخير (١). وعن شداد بن أوس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كَنَزَ الناس الدرهم والدينار فاكنِزوا هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألُك الثباتَ في الأمر، والعزيمة على الرشد» (٢). فالفتن كالأعاصير والعواصف سرعان ما تنقشع وتنجلي، فيبقى المؤمن المطمئن على

стр. 225

إيمانه، كما تبقى الجبال راسية في أماكنها، والنخلة ثابتة على أصلها. ثالثًا: الرفق، والحلم، والتأني، وعدم الاستعجال: فإذا ظهرت الفتنة وبرزت واستشرفت للناس، فعلى المسلم بالرفق والحلم والتأني، وعدم الاستعجال، في الأقوال والأفعال والأفكار والمواقف، والحكم على الأشياء، وفي اتخاذ القرار، قال ﷺ : «إن الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانَه، ولا يُنزَع من شيءٍ إلا شانَه» (١). وقال ﷺ : «إن الله رَفيق يحب الرفق في الأمر كله، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه» (٢). وقال ﷺ لأشَجِّ عبدِ القيس: «إن فيك لَخَصلتينِ يحبهما الله: الحلم والأَنَاة» (٣). وقد جاء في القرآن الكريم التعريض بذم العَجلة والتحذير منها، فقال تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١]. فمن خلال الرفق والحلم والتأني وعدم الاستعجال، يمكن للمسلم- بتوفيق الله تعالى- النظر في عواقب الأمور ومآلاتها، ورؤية الأشياء على حقيقتها، وكما هي. ويمكنه- بتوفيق الله تعالى- الحكم عليها؛ لأن «الحكم في الشيء فرع عن تصوره»، فيسلم بإذن الله تعالى من الوقوع في الخطأ والإثم، وفيما لا تحقيق فيه، مما لا يغني ولا ينفع، بل قد يضر؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].

стр. 226

وقال ﷺ : «دع ما يَريبك إلى ما لا يريبك» (١). وقال ﵊: «من حسن إسلام المرء تركُه ما لا يَعنيه» (٢). وقال الشاعر: وأحزمُ الناسِ من لو مات من ظَمَأٍ … لا يقرَبُ الوِردَ حتى يَعرِفَ الصَّدَرَا (٣) رابعًا: العدل والإنصاف والتجرد من الهوى في الأمر كله، في الأقوال، والأفعال، والأحكام، والآراء. قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]. وذلك لأن عدم العدل والإنصاف، واتباع الهوى لا يعالج الفتنة إذا وقعت، بل يزيد من اتساعها، واشتعالها، وانتشارها. خامسًا: الاعتصام بالكتاب والسنة، ولزوم الجماعة: وهم أهل السنة والجماعة، طاعة لولاتهم بالمعروف، واقتداء بأئمتهم وعلمائهم ذوي العلم الراسخ، والعقيدة السليمة، والحذر كل الحذر من الاختلاف والتفرق في الدين فإنه سبب لكل فتنة.

стр. 227

قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]. وفي حديث حذيفة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «تَلزَم جماعة المسلمين وإمامهم» (١). وقال ﷺ : «عليكم بالجماعة وإياكم والفُرقة» (٢). وقال ﷺ : «الجماعة رحمة، والفرقة عذاب» (٣)؛ أي: الجماعة رحمة للعباد في الدنيا والآخرة، والفرقة عذاب في الدنيا والآخرة لمن تفرقوا وخالفوا أمر الله تعالى. ولهذا قال عبد الله بن مسعود ﵁ لما أتم الصلاة خلف عثمان ﵁، وكان عبد الله لا يرى الإتمام في السفر، ولما سئل عن ذلك قال: «يا هذا، الخلاف شر، الخلاف شر، الخلاف شر»، كررها ثلاث مرات ﵁ (٤). وصدق ﵁؛ فالاختلاف والفرقة بين الأمة أكبر شر وأعظم بلية، وأكبر وأعظم عون لأعداء الأمة لتمزيق وحدتها، والتغلب عليها، وإضعافها وسلب خيراتها. قال ابن تيمية: «وبلاد الشرق من أسباب تسليط الله عليهم الترك: كثرة التفرق بينهم في المذاهب، وكل ذلك من الاختلاف الذي ذمه الله، فإن الاعتصام بالجماعة والائتلاف من أصول الدين» (٥).

стр. 228

سادسًا: حفظ اللسان والقلم والبنان، وضبط الأقوال والأفعال؛ فليس كل ما يُعلم يقال، ولا كل ما يقال يقال في كل الأحوال، وليس كل فعل بدا حُسنه يُفعل في كل حال. قال عبد الله بن مسعود ﵁: «ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لهم فتنة» (١). وقال علي بن أبي طالب ﵁: «حدثوا الناس بما يعرفون؛ أتحبون أن يكذَّب الله ورسوله؟!» (٢). ولهذا قال ﷺ لعائشة ﵂: «ألم تَرَيْ أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم». قالت: فقلت: يا رسول الله، أفلا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال رسول الله ﷺ : «لولا حِدْثان قومك بالكفر لفعلتُ» (٣). سابعًا: وَزْنُ كل ما يرفع من رايات يزعم أربابها أنها إسلامية، ولنصرة الإسلام والمسلمين بميزان الشرع، من حيث التوحيد وسلامة العقيدة، ومن حيث عدم استباحة ترك شيء من الواجبات، أو استحلال شيء من المحرمات، سواء كانت هذه الرايات رايات دول، كما زعم الخميني الهالك في ثورته المشؤومة، أو رايات أحزاب وجماعات، كما يقع بين حينٍ وآخر في كثير من البلاد الإسلامية. ثامنًا: يجب على العلماء الراسخين في العلم، وطلاب العلم الذين يدركون عواقب الفتن، وأضرارها العظيمة، ونتائجها الوخيمة على الدين، وعلى العباد والبلاد: أن يسعوا جهدهم في تجنيب عامة الناس مزالق الفتن، وأوضارها، وخاصة الشباب، ومن لديهم الحماس للخير، وهم لا يدركون عواقب الفتن، وذلك باحتوائهم وتوجيههم إلى الطريق الصحيح في مواجهة الفتن، وفق الضوابط الشرعيَّة، والقواعد المرعيَّة، ومنهج السلف الصالح والقرون المفضلة؛ من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وأهل السنة والجماعة؛ حتى لا تجتالهم هذه الفتن،

стр. 229

ويكونوا وقودًا لها، ويعود ذلك بالضرر على الأمة في ثباتها على دينها ووحدتها. والشواهد على هذا المنهج من حياة السلف من الصحابة ﵃ ومن بعدهم كثيرة معلومة: فعن سهل بن حنيف ﵁ قال: يا أيها الناس، اتهموا أنفسكم؛ فإنا كنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبيَة، ولو نرى قتالًا لقاتلنا، فجاء عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، ألسنا على الحق، وهم على الباطل؟ قال: «بلى». قال: أليس قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار؟ قال: «بلى». قال: فعلام نعطي الدَّنيَّةَ في ديننا؟ أنرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: «يا ابنَ الخطابِ، إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدًا». فانطلق عمر إلى أبي بكر، فقال له مثل ما قال للنبي ﷺ ، فقال: إنه رسول الله، ولن يضيعه الله أبدًا. فنزلت سورة الفتح، فقرأها رسول الله ﷺ على عمر إلى آخرها، فقال: وفتحٌ هو؟ قال: «نعم» (١). وفي حديث المِسْوَر بن مَخْرَمة ومَرْوان بن الحكم: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت النبي ﷺ ، فقلت: ألست نبي الله حقًّا، قال: «بلى»، قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟ قال: «بلى»، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: «إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري»، قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: «بلى، فأخبرتُك أنَّا نأتيه العام؟» قال: قلت: لا. قال: «فإنك آتيه ومطوِّف به»، قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقًّا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: أيها الرجل إنه لرسول الله ﷺ ، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغَرْزِه، فوالله إنه على الحق، قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال الزهري: قال عمر: فعمِلت لذلك أعمالًا (٢). وفي رواية أحمد: «ثم قال عمر: ما زلت أصوم، وأتصدق، وأصلي، وأُعتِق من الذي صنعتُ؛ مخافةَ كلامي الذي تكلمتُ به يومئذ، حتى رجوت أن يكون خيرًا».

стр. 230

ولهذا قال عمر ﵁ لقبيصة بن جابر: «إن في الإنسان- أو في الشاب- عشرة أخلاق، تسعة حسنة، أو صالحة، وواحد سيئ، ويفسدها ذلك السيئ، فإياك وعثرة الشباب، أو عثرات الشباب، أو فاتقِ طيرات الشباب، أو غرات الشباب» (١). وكأنه ﵁ يشير إلى ما يوجد عند الكثيرين من العجلة والتسرع، وعدم تقدير العواقب، بسبب عدم اكتمال العقل والحكمة، كما يحصل من تصرفات بعض الأولاد مع والديهم، وبعض الطلاب مع معلميهم، وبعض الصغار مع الكبار. لهذا ذكر ﷺ من ضمن السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: «شابًّا نشأ في طاعة الله» (٢). وعن نافع أن ابن عمر ﵄ أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير، فقالا: إن الناس صنعوا، وأنت ابن عمر، وصاحب النبي ﷺ ، فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أن الله حرم دم أخي، فقالا: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله (٣). وقد حصل الأذى لكثير من علماء الإسلام على مر العصور، وثُرِّب عليهم في مواقفهم الثابتة أمام الفتن، وعدم انجرارهم إليها، أو تحذيرهم الشديد من الوقوع في فخاخها ومستنقعاتها، وثباتهم أمامها. تاسعًا: لا يجوز إيقاع وتطبيق أحاديث الفتن على واقع معين، سواء ما نعيشه اليوم، أو ما بعده، أو ما قبل ذلك.

стр. 231

وقفات ست في: تربية الأولاد قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨] الوقفة الأولى: الأولاد فتنة؛ بين المنحة والمحنة الأولاد من أعظم المنح وأكبر النعم التي امتنَّ الله بها على العباد، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦]، وقال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]. وقال نوح ﵊ مرغِّبًا قومه باستغفار الله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]. وقال هود ﵊ مذكرًا قومه بنعم الله عليهم: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٢ - ١٣٣]. فالأولاد من أجلِّ المِنح والنعم الدنيوية وأعظمها، وهم زينة الحياة الدنيا، كما ذكر الله . قال الشاعر (١): نِعَمُ الإلهِ على العبادِ كثيرةٌ … وأجلُّهنَّ نجابةُ الأولادِ لكن الأولاد قد يكونون فتنة ومحنة، وابتلاءً ونقمة، إذا أُهملوا، ولم يُعتنَ بتعليمهم وتربيتهم على الإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾

стр. 232

[الأنفال: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤] فاحرص أيها الوالد الكريم على تعليم أولادك وتربيتهم التربية الصالحة؛ ليكونوا لك بتوفيق الله تعالى منحة ونعمة، واحذر من إهمالهم والانشغال عنهم؛ لئلا يكونوا محنة لك ونقمة، فالجزاء من جنس العمل. الوقفة الثانية: الأولاد أمانة عظيمة في أعناق والديهم من أعظم الأمانات، وأكبر المسؤوليات الملقاة على عاتقي الوالدين، وأهمها، وأوجبها: مسؤوليتهما عن أولادهما؛ لهذا أوصى الله الوالدين بأولادهما، فقال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]. وقد قال بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]: إن المراد بالأمانات في قوله: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾: أمانات الأولاد. ولا شك أن الأولاد من أول من يدخل تحت الأمانات في الآية، وهي أعم من ذلك. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]، وقال تعالى مخاطبًا نبينا ﷺ : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]. وامتدح إسماعيل ﵊ بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥]؛ والأولاد من أخص الأهل.

стр. 233

وقال ﷺ : «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرِّقوا بينهم في المضاجع» (١). وقال ﷺ : «الرجل راعٍ في أهل بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها» (٢). فاحمل أيها الوالد الكريم هذه الأمانة بقوة، وأدِّها بأمانه وإحسان، تجنِ ثمرة ذلك في دينك ودنياك وأخراك، فما جزاء الإحسان إلا الإحسان. الوقفة الثالثة: من أهم حقوق الأولاد على والديهم حقوق الأولاد على والديهم كثيرة، من أهمها ما يلي: ١ اختيار أمهم من ذوات الدين والخُلق، كما قال ﷺ : «فاظفَر بذات الدين ترِبت يداك» (٣). ٢ الدعاء لهم بالصلاح قبل وجودهم، وبعد وجودهم: كما قال إبراهيم ﵊: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠]، وقال ﵊: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وقال ﵊: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٤٠].

стр. 234

وقال هو وابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨]. وقال عباد الرحمن: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو أن أحدَكم إذا أراد أن يأتيَ أهلَه قال: اللهم جنِّبْنا الشيطان، وجنِّبِ الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدَّر بينهما ولدٌ في ذلك، لم يضرَّه الشيطان أبدًا» (١). ٣ تسميتهم بأحسن الأسماء، مما هو مستحسَن شرعًا، أو عُرفًا، ولا محذورَ فيه. ٤ الإنفاق عليهم، والعناية بتغذيتهم، ونمو أجسامهم، وصحتهم؛ فالعقل السليم في الجسم السليم، و «المؤمن القوي خير وأحب الله من المؤمن الضعيف»؛ كما جاء في الحديث (٢). ٥ تربيتهم التربية الصالحة منذ الصغر، وتعليمهم العقيدة الإسلامية الصحيحة؛ بتعليمهم التوحيد بأقسامه الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وأنهم خُلقوا لعبادة الله تعالى وحده، وتحذيرهم من الشرك والكفر والنفاق، وسيئ الأخلاق. وتعليمهم أركان الإيمان الستة، وكل ما يجب على المسلم الإيمان به، وأركان الإسلام الخمسة، وكل ما يجب على المسلم العمل به، وتعليمهم كل ما يجب عليهم من حقوق لله تعالى، وحقوق للخلق، وتعليمهم الأخلاق والآداب، وغير ذلك؛ فإن العلم في الصغر كالنقش في الحجر، والطفل على ما نُشِّئَ عليه، والعود كما قيل على ما حُنِيَ عليه.

стр. 235

قال الشاعر: وينشَأُ ناشئُ الفتيانِ منَّا … على ما كان عوَّده أبوهُ وما دان الفتى بحجًا ولكنْ … يعوِّده الديانةَ أقربوهُ (١) وقال الآخر: قد ينفعُ الأدبُ الأولادَ في صِغَرٍ … وليس يَنفَعُهم من بعدِه أدبُ إنَّ الغُصون إذا عدَّلتها اعتدلتْ … ولا يَلينُ- ولو ليَّنتَه- الخشبُ (٢) وقال الآخر: ليس اليتيمُ الذي قد مات والدُه … إن اليتيمَ يتيمُ العلم والأدبِ (٣) وقال أحمد شوقي (٤): ليس اليتيمُ مَنِ انتهى أبواه من … همِّ الحياةِ وخلَّفاه ذليلَا إن اليتيمَ هو الذي تَلقَى له … أمًّا تخلَّت أو أبًا مَشغولَا ٦ تربيتهم ذكورِهم وإناثهم على تمام الثقة بالله تعالى، وعلى قوة الشخصية، وعلى الحزم والعزم، والتفاؤل، والأخذ بمعالي الأمور؛ جمعًا بين عبادة الله تعالى، والتوكل عليه ، بين الاستعانة بالله ، وفعل الأسباب، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. وقال ﷺ لابن عباسٍ ﵄: «احفَظِ اللهَ يحفظْك» (٥). لينشأ الأولاد كلهم- ذكورُهم وإناثهم- كل منهم قوي الثقة بربه، وبتوفيقه له وحفظه لا يخاف إلا الله، ولا يرجو إلا الله، ولا يعتمد إلا على الله، ولا يؤمن إلا بالله، ثابتًا على ذلك ثبات الجبالِ الراسيات، لسانُ حاله ومقاله كما قال الشاعر:

стр. 236

سأعيش رغمَ الداءِ والأعداءِ … النورُ في جنبي وبين جَوانحي كالنَّسرِ فوق القمةِ الشَّمَّاءِ … فعلامَ أخشى السيرَ في الظلماءِ؟! (١) والحَذَرَ كلَّ الحذرِ من تربيتهم التربية العقيمة السقيمة، المتداعية المتهالكة، التي تهدم ولا تبني، وهي تربية الأولاد على التشاؤم والمخاوف، فينشأ الواحد منهم- ذكرًا كان أو أنثى- مذبذب الشخصية، ضعيف الإرادة، خائر العزيمة، يخاف من كل شيء، يخاف كما يقال: حتى من ظله؛ يخاف من الفقر، ومن المرض، ومن العين والسحر والجن، ومن الموت، وغير ذلك أكثر من خوفه من الله تعالى. ٧ العدل بينهم في تقريبهم ومحبتهم، وفي إعطاء كل منهم ما يحتاجه ذكورهم وإناثهم، كما جاء في حديث النعمان بن بَشيرٍ ﵁ لما نحَلَ أحد أولاده نِحلةً، وجاء ليُشهد النبي ﷺ على ذلك، قال له: «أكُلَّ أولادك نحلتَ هذا؟» قال: لا. قال: «اتقوا اللهَ واعدِلوا بين أولادكم». وفي روايةٍ قال: «أشهِد على هذا غيري». وفي روايةٍ قال: «لا أَشهَد على جَور» (٢). ٨ التواصل المستمر من الوالدين مع أولادهم وأحفادهم، والتواصي معهم بالحق، والإرشاد والنصح لهم ما داموا على قيد الحياة. الوقفة الرابعة: العناية بالبنات البنات من أعظم النعم المُسداة؛ لأنهن الآنسات المؤنسات، زينة البيوت وجمالها، البارات، العطوفات الحنونات، الرحيمات المشفِقات؛ ولهذا قيل: من لم يولد له بنات

стр. 237

فهو عقيم! وقدِ اعتنى الإسلام بهنَّ؛ نظرًا لضعفهن، فقال ﷺ : «إني أُحرِّج حق الضعيفين: المرأة واليتيم» (١). وبيَّن ﷺ عِظَم أجر وثواب مَن عالهن، وقام عليهن، فقال ﷺ : «مَن عال جاريتين حتى تبلُغا، جاء يوم القيامة أنا وهو» وضم أصابعه (٢). وقال ﷺ : «من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن، وأطعمهن، وسقاهن، وكساهن من جِدَتِه كنَّ له حجابًا من النار يوم القيامة» (٣). وقال ﷺ : «ما من مسلمٍ تدركه ابنتان فيحسن صحبتهما إلا أدخلتاه الجنة» (٤)، وقال ﷺ : «من كان له ثلاث بنات: يؤويهن ويكفيهن ويرحمهن، وجبت له الجنة البتة». فقال رجل من بعض القوم: واثنتين يا رسول الله؟ قال: «واثنتين» (٥). وقال ﷺ : «مَن ابتُلي من البنات بشيءٍ، فصبر عليهن، وأدَّبهن، وأحسنَ تأديبهن، وربَّاهن، فأحسنَ تربيتهنَّ، كنَّ له سترًا من النار» (٦).

стр. 238

ومن العناية بهن: رعايتُهن رعايةً تامةً، وكفالتُهن، وتربيتهن التربية الصالحة، وإعطاؤهن حقَّهنَّ من العطف، والحنان القلبي والنفسي، بالجلوس معهن، والانبساط إليهن، والتبسم لهن، والحديث معهن، والإنصات لحديثهن، والتحبب إليهن، والثناء على خُلقهن وجمالهن، ونحو ذلك. ومن ذلك أيضًا: توريثهن وتزويجهن، وعدم حرمانهن من الميراث، أو منعهن من الزواج، أو تحجيرهن لأبناء عمومتهن أو لغيرهم كما يفعله أهل الجاهلية. ومن ذلك أيضًا: إكرامهن، وإشعارهن بمكانتهن في الإسلام. ومن ذلك: تذكيرهن بأن منهن فاطمة ﵂ التي قال عنها ﷺ : «سيدة نساء أهل الجنة» (١). وكان ﷺ إذا دخلت عليه ﵂ قام إليها فأخذ بيدها، وقبَّلها، وأجلسها في مجلسه (٢). ومنهن: أمهات المؤمنين ﵅ أزواجه ﷺ . ومنهن: مريم بنة عِمران، وآسية بنت مُزاحِم ﵉. ومنهن: بنات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهن، وقد كان جل ذرية الأنبياء ﵈ من البنات، ولم يعش لنبينا ﷺ من الأولاد إلا البنات. ومن العناية بهن أيضًا: حسن التعامل معهن بعد زواجهن، والاحتفاء بهن وبأولادهن، وإكرام أزواجهن وتقديرهم، واستضافتهم، والإحسان لمن مات زوجها ولأولادها، ولمن طلقت منهن، إلى غير ذلك من وجوه الإكرام، فأكرموهن تُكرَموا، فما أكرمهن إلا الكريم.

стр. 239

الوقفة الخامسة: ثمرات العناية بتربية الأولاد للعناية بتربية الأولاد تربية صالحة، والقيام بحقوقهم، ثمراتٌ عظيمة، وفوائد كثيرة، ومنافع جمة، في الدين والدنيا والآخرة: فهي في المقام الأول: أداء لواجب من آكد الواجبات وأعظمها وأهمها، ووفاء بأمانة من أثقل الأمانات، وتخلُّص من تبِعتها. وهي سبب لقرة أعين والديهم بهم في الحياة قبل الممات، والأجر العظيم في الآخرة. قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. وهي سبب لانتفاع والديهم بدعائهم في حياتهم وبعد مماتهم، قال ﷺ : «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» (١). وعن أبي هريرة ﵁: «إن الرجل لتُرفع درجته في الجنة، فيقول: أنى هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك» (٢). وهي سبب للحاقهم به في الآخرة، واجتماعهم معه في جنات عدن، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]، وقال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [الرعد: ٢٣].

стр. 240

وذكر تعالى دعاء حَمَلة العرش لهم بقولهم: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [غافر: ٨]. فمن اعتنى بتربية أولاده تربية صالحة، وأدى حقوقهم، وبذل جهده في تعليمهم وتوجيههم ونصحهم، وأدى الأمانة فيهم، برِئت ذمته أمام الله يوم القيامة، وقرَّت عينه ببرهم به في حياته، وانتفع بدعائهم له بعد مماته، وألحقهم الله تعالى به في الآخرة، وجمعهم معه في جنات عدن، فحصل له قرة العين بهم في الدارين، وشتان ما بين القُرتين والدارين، وتحقق له ما دعا به المؤمنون: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤]. الوقفة السادسة في: خطر إهمال تربية الأولاد، وأن الفساد إنما جاء كثيرًا منهم من قبل آبائهم التقصير في تربية الأولاد، وإهمالهم، وعدم توجيههم والنصح لهم وتعليمهم ما ينفعهم وتحذيرهم عما يضرهم في دينهم ودنياهم وأخراهم: خيانة من أعظم الخيانات وأكبرها، رتب عليها الشرع أشد الوعيد والتهديد، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، والأولاد من أخص الأهل. وعن مَعقِل بن يَسَارٍ ﵁ قال: قال رسول ﷺ : «ما من عبدٍ يَسترعيه الله رعيةً، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة» (١). ومن حُرمت عليه الجنة فمصيره إلى النار وبئس القرار، فلا وعيد أشد من هذا

стр. 241

الوعيد! والمصيبة أن كثيرًا من الآباء لا يستحضر هذا الوعيد الشديد الذي ترجف له القلوب، ولا يعير مسؤوليته عن تربية أولاده أي اهتمام، بل قصرها على تربية أبدانهم فقط، بتوفير الأكل والمتاع لهم. وانشغل عنهم بما لا ينفعه ولا ينفعهم، بإزجاء الأوقات باللهو والغفلات، والتنقل في الأسفار والفلوات، وبين المتنزَّهات والاستراحات، أو بالركض وراء الدنيا، وجمع حطامها، والمكاثرة فيها، مما لا تدعو الحاجة إليه، أو ربما انشغل بما هو أسوأ من ذلك، متناسيًا أن أولاده له غدًا بالمرصاد: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٤ - ٣٧]. وقد قال ﷺ : «كل مولودٍ يُولد على الفِطرة، فأبواه يهوِّدانه، أو ينصِّرانه، أو يمجِّسانه» (١). فقوله: «فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» معناه: أنهما ينحرفان به عن الفطرة إلى ما هما عليه من الديانة: اليهودية، أو النصرانية، أو المجوسية. أو أنهما يهملان تربيته، وينشغلان عنه، كما هو حال كثير من الآباء، فينحرف عن الفطرة، ويتلقف أي ديانة كانت؛ يهودية، أو نصرانية، أو مجوسية، أو غير ذلك، من إلحادٍ، أو غلوٍّ، أو إفراط، أو تفريط، أو انحلال وفساد أخلاق، أو غير ذلك. أو أنهما يربيانه على غير فطرة الله التي فطر الله الناس عليها؛ لأن من الآباء من يكون قدوة سيئة لأولاده، بارتكابه المعاصيَ والمُوبِقات بمرأى ومنظر منهم؛ من ترك الصلاة، أو ترك صلاة الجماعة، أو عقوق والديه، أو قطيعة رحمه، أو التعامل بالربا ونحوه، أو الظلم للناس والأذية لهم، أو تعاطي الدخان والمخدرات، أو غير ذلك. مما يجعل الأولاد ينشؤون على هذا فتنتكس فطرهم، فلا يرون بأسًا في ترك الواجبات، أو ارتكاب المحرمات، ونحو ذلك.

стр. 242

قال الشاعر: إذا كان ربُّ البيتِ بالدفِّ ضاربًا … فشيمةُ أهل البيتِ كلِّهم الرقصُ (١) كما أن من الآباء من يغرس في قلوب أولاده- بعد أن كانت سليمة- بذور الثارات والعداوات والتفاخر بالأحساب والأنساب، ويذكر لهم ما جرى في غابر الزمان بين القبائل بسبب ذلك، فيحيي في أولاده رُوح العصبية المقيتة؛ عصبية الجاهلية، وقد قال ﷺ : «دعوها فإنها مُنْتِنة» (٢). ومنهم من يذكر لأولاده ما حصل فيما مضى بين الأقارب والأجداد والأعمام وأبنائهم والأخوال وغيرهم، مما ليس في ذكره إلا فساد القلوب، وإيغار الصدور، وإثارة الأحقاد والضغائن، والخسران المبين، والبعد عن الطريق المستقيم. كما أن من الآباء من يحمل أولاده على التعلق بالدنيا والافتتان بها، بشدة حرصه وتحريصه لهم عليها، وجعله أكثر تشجيعهم وتوجيههم إليها، مما يغرس في قلوبهم حبها، والإقبال عليها إقبالًا قد يضر بآخرتهم، وقد قال الله : ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]، وهؤلاء عكسوا الأمر. وكأن كثيرًا منهم يخشى الفقر على أولاده، مع ما هو فيه- هو وأبناؤه- من نعمة وخير، وقد قال ﷺ : «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتُهلككم كما أهلكتهم» (٣). والخلاصة أن فساد كثير من الأولاد بسبب والديهم. فكم من أولاد انحرفوا عن الفطرة وضلوا بسبب اقتدائهم بآبائهم الضالين!

стр. 243

وكم من أولاد ركِبوا موجة العصبية المقيتة وضاعت فيها أعمارهم بسبب آبائهم! وكم من أولاد قطعوا أرحامهم وعادوا أقاربهم بسب آبائهم! وكم من أولاد افتتنوا بالدنيا وحطامها بسبب آبائهم! وكم من أولاد فشلوا في الحياة في أمر دينهم ودنياهم بسبب تربية آبائهم العقيمة! وكم، وكم، من أولادٍ فسدوا بسبب إهمال آبائهم لهم! قال ابن القيم في «تحفة الودود، في أحكام المولود» (١): «فوصية الله للآباء بأولادهم سابقة على وصية الأولاد بآبائهم»، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]. فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدى، فقد أساء غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قِبل الآباء، وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارًا، فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كبارًا. كما عاتب بعضهم ولده على العقوق فقال: «يا أبتِ، عققتني صغيرًا، فعققتُ كبيرًا، وأضعتني وليدًا، فأضعتُك شيخًا». صدق ابن القيم ﵀، وصدق الولد في رده على عتاب والده!

стр. 244

وقفات ثلاث في: الرؤيا وتأويلها قال الله تعالى: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف: ٣٧] الوقفة الأولى: تأويل الرؤيا وتعبيرها فتوى يجب أن يُبنى على العلم تأويل الرؤيا وتعبيرها فتوى يجب أن يبنى على العلم لا على الظن والتخرص، قال يوسف ﵊: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف: ٣٧]. وذكر تعالى قول الملك: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣]؛ أي: إن كنتم من أهل العلم بتعبير الرؤيا. وقال ملؤه حيث لا علم عندهم: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤]. وهذا يُوجِب تقوى الله على كل من يتصدر لتفسير الأحلام، والحذر كل الحذر من الخوض في هذا الباب بغير علم- حبًّا للمال أو للشهرة- احتياطًا لدينه، وسلامةً لعقيدته، وقد قال ﷺ : «إن الحلال بيِّن وإن الحرام بيِّن، وبينهما أمور متشبِهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمَنِ اتقى الشبهاتِ فقدِ استبرأ لدينه وعِرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام» (١). قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ مفتى عام المملكة العربية

стр. 245

السعودية حفظه الله تعالى (١): «أما المعبِّرون فالواجب عليهم تقوى الله ، والحذر من الخوض في هذا الباب بغير علم، فإن تعبير الرؤى فتوى؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣]. ومعلوم أن الرؤيا بابها العلم لا الظن والتخرص، ثم أيضًا: تأويل الرؤى ليس من العلم العام الذي يحسن نشره بين المسلمين ليصححوا اعتقاداتهم وأعمالهم، وهي كما قال النبي ﷺ : «مبشرات»، وكما قال بعض السلف: «الرؤيا تسر المؤمن ولا تغره». هذا، وإن التوسع في باب تأويل الرؤيا حتى سمعنا أنه يخصَّص لها في القنوات الفضائية، وكذلك على الهواتف، وفي الصحف والمجلات، والمنتديات العامة من المنتجعات وغيرها، أماكن خاصة بها؛ جذبًا للناس، وأكلًا لأموالهم بالباطل، كل هذا شر عظيم وتلاعب بهذا العلم الذي هو جزء من النبوة. قيل لمالك ﵀: أيعبر الرؤيا كل أحد؟ فقال: «أبالنبوة يلعب؟!». وقال مالك: «لا يعبر الرؤيا إلا من يُحسِنها، فإن رأى خيرًا أخبر به، وإن رأى مكروهًا فليقل خيرًا أو ليصمت»، قيل: فهل يعبرها على الخير وهي عنده على المكروه؛ لقول من قال: إنها على ما أُولتْ عليه؟ قال: «لا»، ثم قال: «الرؤيا جزءٌ من النبوة، فلا يُتلاعب بالنبوة». فيجب على المسلمين التعاون في منع هذا الأمر كل حسَب استطاعته، ويجب على ولاة الأمور السعي في غلق هذا الباب؛ لأنه باب شر وذريعة إلى التخرص، والاستعانة بالجن، وجر المسلمين في ديار الإسلام إلى الكهانة، والسؤال عن المغيبات. زيادة على ما فيها من مضارَّ لا تخفى من إحداث النزاعات والشقاق والتفريق بين المرء وزوجه، والرجل وأقاربه وأصدقائه، كل هذا بدعوى أن ما يقول المعبر هو تأويل الرؤيا، فيؤخذ على أنه حق محض لا جدال فيه، وتُبنى عليه الظنون، وهذا من أبطل الباطل، ونحن لا نعلم أن أصحاب النبي ﷺ وهم خير القرون وأحرصهم على هدي

стр. 246

نبينا ﷺ وأتقاهم لله وأخشاهم له- لا نعلم أنهم عقدوا مجالس عامة لتأويل الرؤى، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه. وإني- إبراءً للذمة، ونصحًا للأمة- لأحذر كل من يصل إليه هذا البيان من التعامل مع هؤلاء أو التعاطي معهم، والتمادي في ذلك، بل الواجب مقاطعتهم، والتحذير من شرهم، عصمنا الله وإياكم من مضِلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وألزمنا وإياكم كلمة التقوى، ورزقنا اتباع سنة سيد المرسلين، واقتفاء آثار السلف الصالحين، وحشرنا وإياكم في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. آمين. انتهى. وقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: ما حكم تفسير الأحلام؟ فأجاب: «أولًا: ينبغي للإنسان ألا يتعلق بالأحلام ولا يهتم بها، وليعرض عنها؛ لأنه إذا اهتم بها واغتم عند المكروه منها لعب به الشيطان وصار يوريه في منامه أشياء تزعجه، وتشوش عليه، فالأَولى للإنسان أن يتناسى الأحلام، وألا يباليَ بها، وألا يتذكرها إذا استيقظ» (١). الوقفة الثانية: أقسام ما يراه النائم، والتوجيه النبوي الكريم لمن رأى رؤيا أ- أقسام ما يراه النائم: ما يراه النائم لا يخرج عن أقسام ثلاثة: القسم الأول: أن يرى الإنسان ما يحزنه ويغمه، وهذا من الشيطان، فينبغي اطِّراحه، والإعراض عنه، وعدم الالتفات إليه؛ لأن الشيطان حريص على إدخال الغم والهم والحزن على المسلم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: ١٠].

стр. 247

ومن هذا أن يرى الإنسان ما لا يمكن وقوعه، فهذا من الشيطان، كما في حديث جابر بن عبد الله ﵄: قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، رأيت في المنام كأن رأسي قطع أو ضرب فتدحرج، فاشتددت على أثره، فقال رسول الله ﷺ : «لا تحدِّث بتلعب الشيطان بك في المنام» (١). فجعل ﷺ هذا من تلاعب الشيطان. القسم الثاني: ما يراه النائم في منامه مما يحدث به نفسه في اليقظة، فإذا كان الإنسان يفكر في شيء، ويحدث به نفسه كثيرًا في يقظته، فإنه قد يعرض له في منامه وهذا أمر معلوم، ولهذا قالوا: أحلام الناس من حديث قلوبهم. القسم الثالث: الرؤيا التي لها أصل، وهي لا تخلو إما أن تكون مما يحبه الإنسان، أو مما يكرهه. واشترط لها العلماء شروطًا ثلاثة: الشرط الأول: ألا تكون مخالفة للشرع والواقع، فإن كانت مخالفة لهما فهي من الشيطان. الشرط الثاني: أن يتذكرها الإنسان كلها، فإن ضيَّع شيئًا منها فليست بشيء. الشرط الثالث: ألا تدخِل عليه الحزن والأذى في البدن، وإلا فهي من الشيطان. ب- التوجيه النبوي الكريم لمن رأى رؤيا: عن أبي سلمة قال: لقد كنت أرى الرؤيا فتمرضني، حتى سمعت أبا قتادة ﵁ يقول: وأنا كنت لأرى الرؤيا تمرضني حتى سمعت قول النبي ﷺ يقول: «الرؤيا الحسنة من الله، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدِّث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره فليتعوذْ بالله من شرها ومن شر الشيطان، ويتفل ثلاثًا، ولا يحدث بها أحدًا؛ فإنها لا تضره» (٢). وعن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها، فليبصق

стр. 248

عن يساره ثلاثًا، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثًا، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه» (١). قال ابن باز ﵀: «أيها المسلم، وأيتها المسلمة، إذا رأى الإنسان ما يحب مثل أن يرى أنه يصلي على الوجه الشرعي، يرى أنه يتعلم علمًا يتفقه في الدين، يرى أنه دخل الجنة، وما أشبه ذلك من المرائي الطيبة، يرى أنه يجالس الصالحين والأخيار، يرى أنه في حلقات العلم، هذه رؤيا طيبة، يقول إذا استيقظ: الحمد لله، يسر بهذا الشيء، يخبر بها أحبابه ومن أحب لا بأس. أما إذا رأى ما يكره، رأى أنه يضرب، أو يتوعد، أو أنه مع الأشرار، أو أنه دخل النار، أو أنه مريض، أو ما أشبه ذلك من الأشياء المكروهة إذا استيقظ فزِع منها، كرهها، فالرسول ﷺ قد أوصاه أن يتفل عن يساره ثلاث مرات، ويقول: أعوذ بالله من الشيطان، ومن شر ما رأيت، ثلاث مرات، ثم ينقلب على جنبه الآخر، فإنها لا تضره، ولا يخبر بها أحدًا. وبيَّن ﷺ أن هذه الرؤيا من الشيطان ليحزن الإنسان، ليؤذيَه، فلا ينبغي أن يقر الشيطان ويسره، لا، بل ينبغي له أن يكون عدوًّا للشيطان، يتعوذ بالله من الشيطان، يتفل عن يساره ثلاث مرات، ويتعوذ بالله من الشيطان، ومن شر ما رأى، حتى يغيظ الشيطان، ثم ينقلب على جنبه الآخر كما أمر النبي ﷺ ، ولا يخبر به، لا يقول: رأيت، رأيت، يتركها؛ فإنها لا تضره، والحمد لله» (٢).

стр. 249

الوقفة الثالثة: شروط المعبِّر للرؤيا، وبيان أنه قد يصيب، وقد يخطئ وهو الأكثر، والتحذير من اقتناء كتب تفسير الأحلام وقراءتها أ- شروط المعبر للرؤيا: يُشترط في المعبر للرؤيا شروط ثلاثة: الأول: المعرفة بدلالات اللغة التي تُحكى بها الرؤيا. الثاني: المعرفة بنصوص الكتاب والسنة ومعانيها. الثالث: أن يكون له فِراسة. وهذه الشروط قل أن تجتمع فيمن يتصدرون اليوم لتفسير الرؤيا. ب- المعبر للرؤيا قد يصيب وقد يخطئ، وهو الأكثر: تعبير الرؤيا ليس وحيًا، والمعبر لا يعلم الغيب، وقد يصيب وقد يخطئ، حتى لو كان على علمٍ وبصيرة، ولهذا لا ينبغي الجزم بصواب التعبير، لا من العابر، ولا من المعبَّر له. ولهذا لما عبر أبو بكر ﵁ الرؤيا التي رآها رجل وجاء إلى النبي ﷺ وحدثه بها، وقال أبو بكر بعد أن عبرها: فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت، أصبت أم أخطأت؟ قال النبي ﷺ : «أصبتَ بعضًا، وأخطأت بعضًا» (١). وإذا كان أبو بكر ﵁ وهو أفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين، والذي هو منه في علمه ﵁، وفي إيمانه الذي لو وُزن بإيمان الأمة لرجح بها، إذا كان ﵁ أخطأ بعضًا، فغيره من باب أولى وأولى بالخطأ، وبخاصة من خاض بهذا الأمر بلا علم ولا هدى ولا بصيرة، وبقصد جمع المال، أو الشهرة؛ كحال كثير من المعبرين اليوم، فهذا حريٌّ ألا يوفَّق

стр. 250

للصواب، فلا ينبغي الاغترار به. ج- التحذير من اقتناء كتب تفسير الأحلام وقراءتها: كتب تفسير الأحلام كثير منها غير معروف المصدر، ومبني كثير منها على الظنون الكاذبة، والتخرصات والتخمينات التي لا أصل لها، ولا تستند إلى علم، ولا يخلو كثير منها من الأباطيل والشركيات، والأساطير والخرافات، التي قد تضر مَن يكثِر القراءة فيها، فيقع بسببها في شيء من الشبهات والشكوك في العقيدة، وغير ذلك. أو تدخله في دوامة من الأوهام والوساوس النفسية، لا يستطيع الخروج منها، وقد قال ﷺ : «دع ما يَريبك إلى ما لا يريبك» (١). وسئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ عن مدى صحة كتب تفسير الأحلام مثل كتاب ابن سِيرين ﵀، فقال: «الجواب على هذا أني أنصح إخواني المسلمين عن هذه الكتب؛ لأنها ليست وحيًا مُنزلًا، وإنما هي رأي قد يكون صحيحًا، وقد يكون غير صحيح، ثم إن الرؤى قد تتفق في صورتها، وتختلف في حقيقتها، بحسب من رآها، وبحسب الزمن، وبحسب المكان، فإذا رأينا رؤيا على صورة معينة فليس معنى ذلك أننا كلما رأينا رؤيا على هذه الصورة يكون تأويلها كتأويل الرؤيا الأولى، بل تختلف، فإذا كان هذا فإني أنصح إخواني المسلمين عن اقتناء هذه الكتب والمطالعة فيها» (٢). وصدق فضيلته ﵀، فالسلامة لا يَعدِلها شيء.
следующие страницы →