← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 800

مراقي العزة ومقومات السعادة

سليمان اللاحم

Полный текст (723 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

نبينا ﷺ وأتقاهم لله وأخشاهم له- لا نعلم أنهم عقدوا مجالس عامة لتأويل الرؤى، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه. وإني- إبراءً للذمة، ونصحًا للأمة- لأحذر كل من يصل إليه هذا البيان من التعامل مع هؤلاء أو التعاطي معهم، والتمادي في ذلك، بل الواجب مقاطعتهم، والتحذير من شرهم، عصمنا الله وإياكم من مضِلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وألزمنا وإياكم كلمة التقوى، ورزقنا اتباع سنة سيد المرسلين، واقتفاء آثار السلف الصالحين، وحشرنا وإياكم في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. آمين. انتهى. وقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: ما حكم تفسير الأحلام؟ فأجاب: «أولًا: ينبغي للإنسان ألا يتعلق بالأحلام ولا يهتم بها، وليعرض عنها؛ لأنه إذا اهتم بها واغتم عند المكروه منها لعب به الشيطان وصار يوريه في منامه أشياء تزعجه، وتشوش عليه، فالأَولى للإنسان أن يتناسى الأحلام، وألا يباليَ بها، وألا يتذكرها إذا استيقظ» (١). الوقفة الثانية: أقسام ما يراه النائم، والتوجيه النبوي الكريم لمن رأى رؤيا أ- أقسام ما يراه النائم: ما يراه النائم لا يخرج عن أقسام ثلاثة: القسم الأول: أن يرى الإنسان ما يحزنه ويغمه، وهذا من الشيطان، فينبغي اطِّراحه، والإعراض عنه، وعدم الالتفات إليه؛ لأن الشيطان حريص على إدخال الغم والهم والحزن على المسلم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: ١٠].

стр. 247

ومن هذا أن يرى الإنسان ما لا يمكن وقوعه، فهذا من الشيطان، كما في حديث جابر بن عبد الله ﵄: قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، رأيت في المنام كأن رأسي قطع أو ضرب فتدحرج، فاشتددت على أثره، فقال رسول الله ﷺ : «لا تحدِّث بتلعب الشيطان بك في المنام» (١). فجعل ﷺ هذا من تلاعب الشيطان. القسم الثاني: ما يراه النائم في منامه مما يحدث به نفسه في اليقظة، فإذا كان الإنسان يفكر في شيء، ويحدث به نفسه كثيرًا في يقظته، فإنه قد يعرض له في منامه وهذا أمر معلوم، ولهذا قالوا: أحلام الناس من حديث قلوبهم. القسم الثالث: الرؤيا التي لها أصل، وهي لا تخلو إما أن تكون مما يحبه الإنسان، أو مما يكرهه. واشترط لها العلماء شروطًا ثلاثة: الشرط الأول: ألا تكون مخالفة للشرع والواقع، فإن كانت مخالفة لهما فهي من الشيطان. الشرط الثاني: أن يتذكرها الإنسان كلها، فإن ضيَّع شيئًا منها فليست بشيء. الشرط الثالث: ألا تدخِل عليه الحزن والأذى في البدن، وإلا فهي من الشيطان. ب- التوجيه النبوي الكريم لمن رأى رؤيا: عن أبي سلمة قال: لقد كنت أرى الرؤيا فتمرضني، حتى سمعت أبا قتادة ﵁ يقول: وأنا كنت لأرى الرؤيا تمرضني حتى سمعت قول النبي ﷺ يقول: «الرؤيا الحسنة من الله، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدِّث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره فليتعوذْ بالله من شرها ومن شر الشيطان، ويتفل ثلاثًا، ولا يحدث بها أحدًا؛ فإنها لا تضره» (٢). وعن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها، فليبصق

стр. 248

عن يساره ثلاثًا، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثًا، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه» (١). قال ابن باز ﵀: «أيها المسلم، وأيتها المسلمة، إذا رأى الإنسان ما يحب مثل أن يرى أنه يصلي على الوجه الشرعي، يرى أنه يتعلم علمًا يتفقه في الدين، يرى أنه دخل الجنة، وما أشبه ذلك من المرائي الطيبة، يرى أنه يجالس الصالحين والأخيار، يرى أنه في حلقات العلم، هذه رؤيا طيبة، يقول إذا استيقظ: الحمد لله، يسر بهذا الشيء، يخبر بها أحبابه ومن أحب لا بأس. أما إذا رأى ما يكره، رأى أنه يضرب، أو يتوعد، أو أنه مع الأشرار، أو أنه دخل النار، أو أنه مريض، أو ما أشبه ذلك من الأشياء المكروهة إذا استيقظ فزِع منها، كرهها، فالرسول ﷺ قد أوصاه أن يتفل عن يساره ثلاث مرات، ويقول: أعوذ بالله من الشيطان، ومن شر ما رأيت، ثلاث مرات، ثم ينقلب على جنبه الآخر، فإنها لا تضره، ولا يخبر بها أحدًا. وبيَّن ﷺ أن هذه الرؤيا من الشيطان ليحزن الإنسان، ليؤذيَه، فلا ينبغي أن يقر الشيطان ويسره، لا، بل ينبغي له أن يكون عدوًّا للشيطان، يتعوذ بالله من الشيطان، يتفل عن يساره ثلاث مرات، ويتعوذ بالله من الشيطان، ومن شر ما رأى، حتى يغيظ الشيطان، ثم ينقلب على جنبه الآخر كما أمر النبي ﷺ ، ولا يخبر به، لا يقول: رأيت، رأيت، يتركها؛ فإنها لا تضره، والحمد لله» (٢).

стр. 249

الوقفة الثالثة: شروط المعبِّر للرؤيا، وبيان أنه قد يصيب، وقد يخطئ وهو الأكثر، والتحذير من اقتناء كتب تفسير الأحلام وقراءتها أ- شروط المعبر للرؤيا: يُشترط في المعبر للرؤيا شروط ثلاثة: الأول: المعرفة بدلالات اللغة التي تُحكى بها الرؤيا. الثاني: المعرفة بنصوص الكتاب والسنة ومعانيها. الثالث: أن يكون له فِراسة. وهذه الشروط قل أن تجتمع فيمن يتصدرون اليوم لتفسير الرؤيا. ب- المعبر للرؤيا قد يصيب وقد يخطئ، وهو الأكثر: تعبير الرؤيا ليس وحيًا، والمعبر لا يعلم الغيب، وقد يصيب وقد يخطئ، حتى لو كان على علمٍ وبصيرة، ولهذا لا ينبغي الجزم بصواب التعبير، لا من العابر، ولا من المعبَّر له. ولهذا لما عبر أبو بكر ﵁ الرؤيا التي رآها رجل وجاء إلى النبي ﷺ وحدثه بها، وقال أبو بكر بعد أن عبرها: فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت، أصبت أم أخطأت؟ قال النبي ﷺ : «أصبتَ بعضًا، وأخطأت بعضًا» (١). وإذا كان أبو بكر ﵁ وهو أفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين، والذي هو منه في علمه ﵁، وفي إيمانه الذي لو وُزن بإيمان الأمة لرجح بها، إذا كان ﵁ أخطأ بعضًا، فغيره من باب أولى وأولى بالخطأ، وبخاصة من خاض بهذا الأمر بلا علم ولا هدى ولا بصيرة، وبقصد جمع المال، أو الشهرة؛ كحال كثير من المعبرين اليوم، فهذا حريٌّ ألا يوفَّق

стр. 250

للصواب، فلا ينبغي الاغترار به. ج- التحذير من اقتناء كتب تفسير الأحلام وقراءتها: كتب تفسير الأحلام كثير منها غير معروف المصدر، ومبني كثير منها على الظنون الكاذبة، والتخرصات والتخمينات التي لا أصل لها، ولا تستند إلى علم، ولا يخلو كثير منها من الأباطيل والشركيات، والأساطير والخرافات، التي قد تضر مَن يكثِر القراءة فيها، فيقع بسببها في شيء من الشبهات والشكوك في العقيدة، وغير ذلك. أو تدخله في دوامة من الأوهام والوساوس النفسية، لا يستطيع الخروج منها، وقد قال ﷺ : «دع ما يَريبك إلى ما لا يريبك» (١). وسئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ عن مدى صحة كتب تفسير الأحلام مثل كتاب ابن سِيرين ﵀، فقال: «الجواب على هذا أني أنصح إخواني المسلمين عن هذه الكتب؛ لأنها ليست وحيًا مُنزلًا، وإنما هي رأي قد يكون صحيحًا، وقد يكون غير صحيح، ثم إن الرؤى قد تتفق في صورتها، وتختلف في حقيقتها، بحسب من رآها، وبحسب الزمن، وبحسب المكان، فإذا رأينا رؤيا على صورة معينة فليس معنى ذلك أننا كلما رأينا رؤيا على هذه الصورة يكون تأويلها كتأويل الرؤيا الأولى، بل تختلف، فإذا كان هذا فإني أنصح إخواني المسلمين عن اقتناء هذه الكتب والمطالعة فيها» (٢). وصدق فضيلته ﵀، فالسلامة لا يَعدِلها شيء.

стр. 251

وقفة في: احفَظِ الله يحفظْك قال الله تعالى: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤] عن ابن عباس ﵄ قال: كنت خلف النبي ﷺ فقال: «يا غلام، إني أعلِّمك كلماتٍ: احفظ الله يحفظْك، احفظ الله تجدْه تُجاهَكَ، إذا سألتَ فاسألِ الله، وإذا استعنتَ فاستعِنْ بالله، واعلَمْ أن الأمةَ لوِ اجتمعتْ على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اج ٣ تمعوا على أن يَضُروك بشيءٍ لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلامُ، وجَفتِ الصحفُ» (١). وفي روايةٍ زيادةُ: «وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكَرْب، وأن مع العسر يسرًا» (٢). هذه وصية رسول الله ﷺ لابن عمه عبد الله بن عباس ﵄، وهي وصيته ﷺ للأمة كلها، وهي وصية الله تعالى في كتابه للأولين والآخرين؛ بتقواه، والتوكل عليه وحده، وسؤاله، والاستعانة به، والإيمان بقضائه وقدره، ووعده على ذلك بالحياة الطيبة، والأجر العظيم، والفوز الكبير. وقد اشتمل هذا الحديث العظيم على أمر، ووعد:

стр. 252

الأول: الأمر بحفظ الله تعالى بالاستقامة على دينه وشرعه، وسؤاله وحده، والاستعانة به وحده، وبيان أن الخلق كلهم ليس بأيديهم شيء من النفع أو الضر، إلا ما كتبه الله تعالى وقدَّره، وأن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا. الثاني: الوعد بحفظ الله تعالى لمن حفظه في دينه ودنياه وأخراه، وأنه مع من حفظه وقريب منه. وهذا يضع الجميع- أخي الكريم وأختي الكريمة- أمام خيارينِ لا ثالث لهما: الخيار الأول: وهو أفضل الخيارين وأكيسهما، وهو الذي يحبه الله ويرضاه، ويحب من اختاره ويتولاه. وهو: أن تحفظ الله؛ أي: تحفظ الله بتقواه، وحفظ حدوده، وحقوقه، بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، والاستقامة على طاعته، والبعد عن معصيته، والمسارعة والمسابقة إلى مغفرته وجنته، وتحفظ الجوارح من السمع، والبصر، والفؤاد، واللسان، والبطن، والفرج، وسائر الجوارح باستعمالها في طاعة الله تعالى، والاستعانة بها على مرضاته، وحفظها عما حرم الله تعالى. فيحفظك الله ويوفقك في دينك ودنياك وأخراك، كما قال تعالى: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤]. يحفظك أولًا: في دينك الذي هو رأس مالك، وسبب سعادتك في دنياك وأخراك، فيحفظك من الشرك، والشك، والنفاق، وسيئ الأخلاق، ومن الشبهات، والشهوات المحرمة، ومن الحيرة، والتذبذب، وغير ذلك. ويحبب إليك الإيمان، ويزينه في قلبك، ويكرِّه إليك الكفر والفسوق والعصيان، ويجعلك من الراشدين، ويجعل لك نورًا تفرق به بين الحق والباطل، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩]. وييسرك لليسرى، ويجنبك العسرى، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ

стр. 253

بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل ٥ - ٧]. ويحفظك في دنياك، بنفسك، وأهلك، وأولادك، ومالك، ومن تحب، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. ويحفظك عند الاحتضار ومفارقة الحياة بالثبات على الإيمان، والسلامة من الخوف والحزن، والبشارة بالجنة وما فيها من النعيم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت ٣٠ - ٣٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف ١٣ - ١٤]. ويحفظك في عقِبك، وذريتك؛ فإن صلاح الوالدين سبب لصلاح عقبهم وذرياتهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢]. قال عمر بن عبد العزيز ﵀: «ما من مؤمن يموت إلا حفظه الله في عقبه وعقب عقبه» (١). ويحفظك ويسعدك في أخراك، فينجيك من النار، ويدخلك الجنة مع الأبرار؛ ووالديك وأهلك وذريتك وأحبابك؛ كما قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣١ - ٣٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ

стр. 254

بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور ١٧ - ٢١]. وقال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد ٢٣، ٢٤]. ويدعو لهم حملة العرش بقولهم: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [غافر: ٨]. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المرء مع من أحب» (١). الخيار الثاني: وهو الذي يكرهه الله ويُبغِضه، ولا يرضاه، ويُعرِض عمن اختاره وسلكه ولا يتولاه. وهو عدم حفظ الله ، وتضييع أوامره، وعدم امتثالها، وارتكاب نواهيه، فمن اختار هذا الطريق، تخلى الله عنه، ولم يحفظه، ووَكَلَه لنفسه، فاستهوته الشياطين، وذهبت به كل مذهب، وضاع في مَهَب الريح، وخسِر دينه ودنياه وأخراه، وصار مصيره إلى النار، وبئس القرار. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه ١٢٤ - ١٢٦]. فالكون كله يسير وَفق نظام محكَم دقيق، ونواميس وسنن كونية لا تتخلف، فمن حفظ الله حفظه الله، ومن ضيع أمر الله وَكَلَه الله إلى نفسه فهلك. وكما يدين المرء يدان، كما قال تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦]، وقال تعالى:

стр. 255

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل ٥ - ١٠]. وقال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]. والمصيبة أن تصوُّر هذه الحقيقة غائب عند كثير من الناس، وهو الذي يجب أن يكون حاضرًا عند كل مسلمٍ ومسلمة، وهو بإذن الله تعالى صمام الأمان، وعنوان السعادة في الدارين، الذي ينبغي أن تُربَّى عليه الأجيال المسلمة، وأنه بقدر ما تحفظ الله يحفظك الله، وبقدر ما تكون مع الله يكون الله معك، هذا خلاصة ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، فانتبِهْ لهذا، ولا تغفل، وتبصر في مسيرتك وخطاك، وكن مع الله يكن الله معك. تأمل قول الله تعالى لموسى وهارون عليهما الصلاة والسلام: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، وقول موسى ﵊: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]. وتأمل قول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه لأبي بكر ﵁، وهما في الغار: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. وتأمل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق ٢، ٣]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]. وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]. وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]. وقوله في الحديث القدسي: «مَن تقربَ إليَّ شبرًا تقربتُ منه ذراعًا، ومن تقرب إليَّ ذراعًا تقربت منه باعًا، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يَبطِش بها، ورجله التي يمشي

стр. 256

عليها، ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه» (١). وقوله ﷺ : «لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكله، لَرَزَقَكم كما يرزق الطير، تغدو خِماصًا وتَرُوح بِطانًا» (٢). وتأمل كيف حفظ الله يوسف وردَّه إلى أبيه يعقوب عليهما الصلاة والسلام لما حفظا الله وتوكلا عليه، ووثقا بحفظ الله تعالى لهما، ورحمته، كما قال يعقوب ﵇: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤]. وصدق المصطفى ﷺ : «احفَظِ الله يحفظْك».

стр. 257

أربع عشرة وقفة في: وجوب شكر نعم الله - قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] الوقفة الأولى في: معنى الشكر، وأدواته التي يقع بها أ- معنى الشكر: قال ابن منظور: «الشكر: عرفان الإحسان، ونشره، والثناء على المحسِن بما أولاكه من المعروف، يقال: شكرته، وشكرت له، وباللام أفصح، والشكر هو الشُّكور، والشكران خلاف الكُفران. والشكر من الله: المجازاة والثناء الجميل. والشَّكور معناه: أنه يزكو عنده القليل من أعمال العباد، فيضاعَف لهم الجزاء، وشكره لعباده: مغفرته لهم. وأما الشَّكور من عباد الله، فهو الذي يجتهد في شكر ربه بطاعته، وأدائه ما وُظف عليه من عبادته» (١). ونعم الله تشمل جميع نعمه التي لا تُحصى؛ من نعمة الخلق، ونعمة الإسلام، ونعمة الرزق، ونعمة الأمن، ونعمة الصحة والفراغ، ونعمة الأزواج والأولاد، وغيرها من النعم الظاهرة والباطنة. ب- أدوات الشكر التي يقع بها: جاء في لسان العرب (٢): «والشكر: مقابلة النعمة بالقول والفعل والنية، فيُثني على المنعِم

стр. 258

بلسانه، ويذيب نفسه في طاعته، ويعتقد أنه مُولِيها». فالشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح، كما قال الشاعر: وما كان شُكري وافيًا بنَوالكم … ولكنني حاولتُ في الجهدِ مذهبَا أفادتكمُ النَّعماءُ مني ثلاثةً … يدي ولساني والضميرَ المُحَجَّبَا (١) فالشكر بالقلب بالاعتراف بالنعمة باطنًا، ونسبتها إلى المنعم بها ومُسدِيها. والشكر باللسان بالاعتراف بالنعمة ظاهرًا، والتحدث بها باللسان، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]؛ أي: وأما بنعمة ربك عليك بالنبوة فحدث، وبغيرها من النعم. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لَيَرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمَده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها» (٢). والشكر بالجوارح: استعمالها في طاعة الله تعالى والاستعانة بها على مرضاته، قولًا وعملًا، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]، وقد قام ﷺ حتى تورمتْ قدماه، وقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» (٣). قال ابن قُدامه ﵀: «الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح. أما بالقلب، فهو أن يقصد الخير، ويُضمِره للخلق كافة. وأما باللسان، فهو إظهار الشكر بالتحميد، وإظهار الرضا عن الله تعالى. وأما بالجوارح، فهو استعمال نعم الله تعالى في طاعته، والتوقي من الاستعانة بها على

стр. 259

معصيته … » (١). قال ابن القيم ﵀ في «طريق الهجرتين» (٢): «فإن أصل الشكر الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع له، والذل والمحبة، فمن لم يعرف النعمة، بل كان جاهلًا بها، لم يشكرها، ومن عرفها ولم يعرف المنعم بها، لم يشكرها أيضًا، ومن عرف النعمة والمنعم، لكن جحدها، كما يجحد المنكر لنعمة المنعم عليه بها، فقد كفرها، ومن عرف النعمة والمنعم بها وأقرَّ بها ولم يجحدها، ولكن لم يخضع له ويحبه ويرض به وعنه، لم يشكره أيضًا، ومن عرفها وعرف المنعم بها وأقر بها، وخضع للمنعم بها وأحبه ورضي به وعنه، واستعملها في مَحابِّه وطاعته، فهذا هو الشاكر لها، فلا بد في الشكر من علم القلب، وعمل يتبع العلم، وهو الميل إلى المنعم، ومحبته والخضوع له». فانتبه أخي المبارك وأختي المباركة لهذا، وليسخرْ كلٌّ فِكرَه وعقله ولسانه، وجميع جوارحه في ذكر الله تعالى وشكره ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. الوقفة الثانية: النعم كلها من الله تعالى، ولا يمكن إحصاؤها قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]؛ أي: وما بكم من جميع النعم فمن الله تعالى؛ من نعمة العلم والإيمان والإسلام، ونعمة الخلق، والرزق، والأمن، والصحة، والفراغ، ونعمة الأزواج والأولاد، وغير ذلك من سائر النعم التي لا تُعد ولا تُحصى، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨].

стр. 260

و «نعمة» نكرة مضافة إلى لفظ الجلالة «الله»، وهو معرفة، فتعم جميع نعم الله تعالى؛ أي: وإن تعدوا نعم الله تعالى لا تستطيعون إحصاءها ولا حصرها. ومثل هذا في عموم كل نعمه قوله تعالى: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]؛ فالمعنى: ولأتم جميع نعمي عليكم. وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾؛ فالمعنى: وأتممت عليكم جميع نعمي. فكل ما يتقلب فيه الخلق، إنسهم وجنهم، ومؤمنهم وكافرهم، ناطقهم وبهيمهم من النعم، هو من الله تعالى، وليس بمقدورهم كلهم إحصاء نعمه عليهم، ولا القيام بشكره عليها حق شكره، كما قال ﷺ : «لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك» (١). قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: «فالواجب على كل إنسان أن يشكر نعمة الله على ما أعطاه، وأن يحمد الله، وأن يثنيَ عليه، لولا فضل الله لكنت أسوأ من حالك التي أنت عليها، إن كنت فقيرًا، لولا فضل الله لكنت أسوأ، وإن كنت قصيرًا لولا فضل الله لكنت أسوأ، وإن كنت ذميمًا، لولا فضل الله لكنت أسوأ» (٢). الوقفة الثالثة في: وجوب الشكر لله - الشكر لله من أوجب الواجبات التي أوجبها الله على عباده، وأمر به جميع أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام والمؤمنين.

стр. 261

والشكر لله يكون بما يلي: أولًا: بالإيمان بالله تعالى، وعبادته وتقواه، واستعمال البدن، وجميع الجوارح الظاهرة والباطنة، وجميع النعم فيما خُلقت له، وفي عبادة الله تعالى وطاعته، والاستعانة بها على مرضاته، وذكره، وشكره؛ قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وقال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النحل: ١١٤]. فالشكر شرط العبادة وحقيقتها، وهي لب الشكر وثمرته. وقال إبراهيم الخليل ﵊: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]؛ أي: لعلهم يشكرونك؛ بإقام الصلاة، وعبادتك. وقال تعالى مخاطبًا آل داود ﵈: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]؛ أي: اعملوا في عبادة الله تعالى، وطاعته شكرًا لله . وقال تعالى لموسى ﵊: ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤]؛ أي: وكن من الشاكرين لله تعالى بالأخذ بما آتيتك من الرسالة والتوراة عملًا بذلك، وتبليغًا له. وقال تعالى لنبينا صلوات الله وسلامه عليه: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦]؛ أي: بل الله وحده فاعبد، وكن من الشاكرين له بعبادته وحده. وقال تعالى ممتنًّا على النبي ﷺ والمؤمنين: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، فامتنَّ عليهم بنعمة نصرهم ببدر، وهم أذلة، وأمرهم بتقواه ؛ ليتحقق شكرهم له سبحانه. وقال تعالى للمؤمنين: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]،

стр. 262

فمن شكره ذكره وإكمال عدة الصيام، وتكبيره على هدايته إياهم. وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤]، فأمر بشكره، وجعل منه شكر الوالدين بالقيام بحقوقهما، فحقيقة الشكر وثمرته عبادة الله تعالى وطاعته. وقال تعالى في الثناء على نبيه نوح ﵊: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]؛ أي: إنه كان عبدًا شكورًا لربه ، معترِفًا بنعمه، مثنِيًا بها عليه، مستعملًا لها في مرضاته، حامدًا ربه على كل حال، وفي كل حين. وكما في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الناس يوم القيامة … » الحديث، وفيه: «فيأتون نوحًا فيقولون: إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدًا شكورًا؛ اشفع لنا إلى ربك» (١). وكل نعمة من نعم الله التي لا تُعد ولا تُحصى تَستوجب شكرًا خاصًّا؛ كنعمة الخلق، ونعمة الإسلام، ونعمة الرزق والأمن، والصحة، والفراغ، والأزواج، والأولاد، وغيرها من النعم، وسيأتي تفصيل شيء من هذا في الوقفات التالية. ثانيًا: الاعتدال في النفقة، والمأكل، والمشرب، والملبس، والمسكن، والمركب وغير ذلك: الاعتدال في النفقة في المأكل والمشرب، والملبس والمسكن والمركب، وفي جميع شؤون الحياة، من أعظم أوجه الشكر، وصفات الشاكرين. قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]. وقال تعالى في مدح عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]؛ أي: حسب ما تقوم به الحال، فلا إسراف ولا تقتير، ولهذا قال عمر بن عبد العزيز ﵀ لما سأله عبد الملك بن مَرْوان حين زوجه ابنته فاطمة: ما نفقتك؟ فقال له

стр. 263

عمر: «الحسنة بين سيئتين» ثم تلا هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] (١). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كلوا واشربوا وتصدقوا والْبَسوا في غير مَخِيلة ولا سَرَف» (٢)، وفي رواية: «كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا ما لم يخالطه إسراف، أو مخيلة» (٣). وعن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: «كلْ ما شئت، والبسْ ما شئت، ما أخطأتك اثنتان: سَرَف، أو مخيلة» (٤). قال الشاعر: ولا تغلُ في شيءٍ من الأمرِ واقتصدْ … كِلا طرفي قصدِ الأمور ذميمُ (٥) وقال الآخر: إذا كنتَ تهوى العيشَ فاقنَعْ توسطًا … فعند التناهي يَقصُر المتطاولُ تَوقَّى البدورُ النقصَ وَهْيَ أهلَّةٌ … ويدركها النقصانُ وَهْيَ كواملُ (٦)

стр. 264

وقال القحطاني: كن في أمورك كلها متوسطًا … عَدلًا بلا نقصٍ ولا رُجحانِ ثالثًا: التحدث بنعمة الله تعالى، وذِكرها، وظهور أثرها على العبد. من شكر نعمة الله تعالى على العبد التحدث بها، وذكرها، وظهور أثرها عليه، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]؛ أي: فحدث بنعمة الله تعالى عليك بالنبوة، وبغيرها من نعم الله تعالى عليك. وقال ﷺ : «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» (١). وعن أبي الأحوص عن أبيه ﵁، قال: أتيت النبي ﷺ في ثوبٍ دُون، فقال: «ألك مال؟» قلت: نعم. قال: «من أي المال؟» قلت: آتاني الله من الإبل والغنم والخيل والرقيق. قال: «فإذا آتاك الله مالًا فليُرَ أثرُ نعمة الله عليك وكرامته» (٢). ورُوي أنه قرأ سورة الرحمن: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الآية: ١٣]، فقال: «ما لي أسمع الجن أحسن جوابًا لربها منكم!» قالوا: ماذا يا رسول الله؟ قال: «ما أتيتُ على قول الله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلا قالتِ الجن: لا بشيءٍ من نعمةِ ربِّنا نكذِّب» (٣). قال عمر بن عبد العزيز ﵀: «ذِكر النعم شكرٌ» (٤).

стр. 265

وقال الفُضيل بن عِياض: «وإن من شكر النعمة أن يحدّث بها» (١). وقال ابن القيم في تعريف الشكر: «الشكر: ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناءً واعترافًا، وعلى قلبه شهودًا ومحبةً، وعلى جوارحه انقيادًا وطاعةً» (٢). وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (٣): «والله سبحانه إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثرها عليه؛ في ملابسه، وفي أكله، وفي شربه، فلا يكون في مظهر الفقراء، والله قد أعطاه المال، ووسع عليه، ولا تكون ملابسه ولا مأكله كالفقراء، بل يظهر نعم الله في مأكله، ومشربه، وملبسه، ولكن لا يفهم من هذا الزيادة التي فيها الغلو وفيها الإسراف والتبذير». وقال أيضًا: «والتحدث بالنعم كأن يقول المسلم: إننا بخير والحمد لله، وعندنا خير كثير، وعندنا نعم كثيرة، نشكر الله على ذلك». رابعًا: حمد الله تعالى بعد الأكل، والشرب، وعندما يستجد ثوبًا، وعندما تَجدَّد النعم. فقد كان ﷺ إذا طعِم حمِد الله تعالى، وإذا استجد ثوبًا حمد الله تعالى؛ عن أبي هريرة ﵁ قال: دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي ﷺ ، فانطلقنا معه، فلما طعِم وغسل يده- أو قال: يديه- قال: «الحمد لله الذي يُطعِم ولا يُطعَم، منَّ علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا، وكل بلاءٍ حسنٍ أبلانا، الحمد لله غير مودع ربي ولا مكافَأ ولا مكفور، ولا مستغنًى عنه، الحمد لله الذي أطعم من الطعام، وأسقى من الشراب، وكسا من العُري، وهدى من الضلالة، وبصر من العمى، وفضل على كثير ممن خلقه تفضيلًا، الحمد لله رب العالمين» (٤). وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁، أن النبي ﷺ قال: «الحمد لله الذي أطعم وسقى، وسوغه، وجعل له مَخرجًا» (٥).

стр. 266

وعن الحسن البصري ﵀ أنه استأجر حمَّالًا؛ ليحمل متاعه من السوق إلى البيت، وكان يسمعه طول الطريق يردد كلمتين لا يزيد عليهما: الحمد لله، أستغفر الله، أستغفر الله، الحمد لله، فلما وصل إلى البيت أعطاه أجره، وسأله عن ذلك، فقال الحمَّال: أنا حياتي كلها مع الله بين أمرين: نعمة لله تَستحق مني الحمد، وتقصير في حق الرب يستحق الاستغفار، فضرب الحسن كفًّا بكفٍّ، وقال: «حمال أفقه منك يا حسن!». خامسًا: الدعاء بحفظها، وعدم زوالها. فعن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفُجاءة نقمتك، وجميع سخطك» (١). سادسًا: مساعدة المحتاجين. فعن عمر بن الخطاب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أنعم الله على عبد نعمة إلا كثُرت مُؤْنة الناس عليه، فإن لم يتحمل مؤَنهم فقد عرَّض تلك النعمة لزوالها» (٢). سابعًا: سجود الشكر لله عند حصول نعمة أو اندفاع نقمة. فقد سجد كعب بن مالك ﵁ شكرًا لله ، لما جاءته البشارة بتوبة الله تعالى عليه، وعلى صاحبيه (٣). ورُوي أن عمر بن الخطاب ﵁ لما قال له كعب الأحبار: إنا لنجد: ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء. قال عمر: إلا من حاسب نفسه. فقال كعب: إلا من حاسب نفسه. فكبر عمر ﵁، وخرَّ ساجدًا (٤).

стр. 267

ورُوي أن الحسن البصري ﵀ كان متواريًا في منزل أبي خليفة العبدي، فجاء رجل فقال: يا أبا سعيد، تُوفي الحجاج، فخر ساجدًا (١). الوقفة الرابعة في: فضل الشكر، وجزائه في الدنيا والآخرة الشكر من أفضل الأعمال، وأجلها عند الله ؛ ولهذا سمى نفسه الشاكر، والشكور، ووصف نفسه بذلك، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧]، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وقال أهل الجنة: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤]. وبين علمه بالشاكرين، وتكفل بجزائهم العظيم، وثوابهم الجزيل، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥]. وقال تعالى في إهلاك قوم لوط، وإنجائه وآله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ [القمر ٣٤ - ٣٥]. فجزاء الشكر في الدنيا توفيق الله تعالى للشاكرين، وحفظ النعمة عليهم، وزيادتهم منها، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. قال علي ﵁ لرجل من همدان: «إن النعمة موصولة بالشكر، والشكر متعلق بالمزيد، وهما مقرونان في قرن، فلن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد» (٢).

стр. 268

وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: «قيدوا النعم بالشكر لله » (١). وقال أبو قِلَابة: «لا تضركم دنياكم إذا شكرتموها» (٢). وقال الفُضيل بن عِيَاض: «من عرف نعمة الله بقلبه، وحمِده بلسانه، لم يستتم ذلك حتى يرى الزيادة» (٣)، وقال أيضًا: «عليكم بالشكر فإنه قلَّ قوم كانت عليهم من الله نعمة فزالت عنهم ثم عادت إليهم» (٤)، وقال أيضًا: «خَلتان لا أبيع إحداهما بشيء: قول الناس: قد أحسنت لو أعطيت رجلًا ألف دينار، فقال: أحسنت، جزاك الله خيرًا، كان الذي أعطاك خيرًا من الذي أخذ، والأخرى: لا تشتري بشيء قول الناس: قد أسأت» (٥). وقال بعضهم: «لو لم يكن من فضل الشكر إلا أنه لا يُرى إلا بين نعمةٍ مقصورة عليه، وزيادة منتظرة منه» (٦). وقد سمى العلماء شكر النعم بـ «الحافظ الجالب»، فهو يحفظ النعم في الدنيا من أسباب زوالها، ويجلب الزيادة منها بإذن الله . قال علي بن أبي طالب ﵁ (٧): إذا كنتَ في نعمةٍ فارْعَها … فإنَّ المعاصيْ تُزيلُ النِّعَمْ وحافظْ عليها بشكرِ الإله … فإنَّ الإلهَ سَريعُ النقَمْ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بَيْنَا رجل بفَلاةٍ من الأرض، فسمع صوتًا في سحابة: اسقِ حديقة فلان. فتنحَّى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حَرَّةٍ، فإذا شَرجة من

стр. 269

تلك الشِّراج قد استوعبتْ ذلك الماء كله، فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمِسحاته، فقال له: يا عبدَ الله، ما اسمك؟ قال: فلان- للاسم الذي سمع في السحابة- فقال له: يا عبد الله، لمَ تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسقِ حديقة فلان. لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلت هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأرد فيها ثلثه» (١). فهذا دليل على حفظ النعمة، ودوامها، وزيادتها بشكرها، فحفظ الله لهذا الرجل حديقته من الجفاف والتلف بسبب شكره لله تعالى بأداء حق الله تعالى فيها، والاعتدال في توزيع الخارج منها. كما تكفل بجزاء الشكر، وثوابه في الآخرة، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]. وقال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ١٩ - ٢٢]. ووعد تعالى برفع العذاب عمن شكر وآمن، فقال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧]. قال ابن القيم (٢): «قرن الله الشكر بالإيمان، وأخبر أنه لا غرض له في عذاب خلقه إن شكروا وآمنوا به، فقال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾؛ أي: إن وفيتم ما خلقكم له، وهو الشكر والإيمان، فما أصنع بعذابكم؟!».

стр. 270

الوقفة الخامسة في: شكر نعمة الخلق تُعد نعمة خلق الإنسان أولى نعم الله تعالى على الإنسان، وأعظمها بعد نعمة الإسلام؛ لأنه لو لم يخلق لكان عدمًا لا ذكر له، ولم يعد شيئًا، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]. وقال تعالى لزكريا ﵇: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩]. ولو لم يخلق الله الإنسان ويبتليه، ويجعله سميعًا بصيرًا، لم يكن أهلًا لهداية السبيل، والاختيار بين الشكر والكفر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]. ولو لم يخلق الله تعالى الإنسان، لما عرف الحياة، وتمتع فيها، وأخذ نصيبه منها. ولو لم يخلق الله تعالى الإنسان، لما عرف الله تعالى، ولما عرف دينه، بما جعل الله تعالى له من السمع، والبصر، والفؤاد، وبما أنزل من الآيات البينات. ولهذا امتن الله في مواضع كثيرة من القرآن الكريم على الإنسان بخلقه، وتسويته، وتعديله، وتحسين صورته، وذكر أصل خلقه، وأطواره؛ فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٦ - ٨]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [التغابن: ٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤]. وقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾

стр. 271

[الطارق: ٥ - ٧]، وقال تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ١٧ - ٢٠]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ [الحج: ٥]. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [غافر: ٦٧]. ولعِظَم مِنته على العباد بخلقهم، وجعل السمع والأبصار، والأفئدة لهم، قرن ذلك في آيات كثيرة في القرآن الكريم بوجوب شكره، وتقواه، وعبادته، والتذكير بالرجوع إليه، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٨]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٧ - ٩]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]، وقال تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦].

стр. 272

وبين أن الحكمة من خلق الثقلين هي عبادته، فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. وقال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١، ١٩٢]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣]. ولهذا لما سمع جُبير بن مُطعِم ﵁ النبي ﷺ يقرأ في المغرب قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور ٣٥ - ٣٧] قال: «كاد قلبي أن يطير»، فأسلم، وحسُن إسلامه ﵁ (١). ولهذا يجب على الإنسان أن يشكر الله الذي خلقه فسواه فعدل خلقه في أحسن تقويم، وصوره فأحسن صورته، وجعل له السمع، والبصر، والفؤاد، باستعمال بدنه، وجوارحه، وحواسه لما خُلقت له من عبادة الله تعالى، والاستعانة بها على مرضاة الله ، وطاعته، وعلى ما يعود عليه بالنفع في أمر دينه، ودنياه، وأخراه، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٣٩]. وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]. وقال ﷺ : «كل الناس يغدو، فبائعٌ نفسَه فمُعتِقها أو مُوبِقها» (٢).

стр. 273

قال الشاعر: قد رشحوك لأمرٍ لو فطِنتَ له … فارْبَأْ بنفسِك أن ترعى مع الهَمَلِ (١) الوقفة السادسة في: شكر نعمة الإسلام أكبر نعمة أنعم الله بها على العباد، وأعظمها وأجلها، وأفضلها وأعلاها، وأكملها وأتمها، هي نعمة الإسلام الذي هو الدين الحق، كما قال : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. والإسلام هو دين الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام جميعًا: قال نوح ﵇: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢]. وقال تعالى عن إبراهيم الخليل ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣١ - ١٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧، ١٢٨]. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧]. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [آل عمران: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ

стр. 274

وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦]. وقال يوسف ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤]. وقال موسى ﵇: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤]. وقال سليمان ﵇: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١]. وقال تعالى لخاتم الرسل نبينا محمد ﵊: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]، وقال تعالى له ﷺ : ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤]، وقال ﷺ فيما حكى الله تعالى عنه: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١]، وقال: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢]، وقال: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٦]. وعن الحارث الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: «ومن ادعى دعوى الجاهلية فإنه من جُثا جهنَّم». فقال رجل: يا رسول الله، وإن صلى وصام؟ قال: «وإن صلى وصام، فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله» (١). ولهذا امتن الله على نبينا محمد ﷺ وعلى أمته بالإيمان، والإسلام، وإنزال القرآن، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى

стр. 275

اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى ٥٢، ٥٣]. وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١]، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٩]. وامتن على الأمة، فقال: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥١، ١٥٢]، وقال تعالى: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الطلاق: ١١]. وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩]. وقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. وقال تعالى ممتنًّا عليهم بإكماله لهم دينهم، وإتمامه عليهم نعمته، ورضاه لهم الإسلام دينًا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٣١]. وقال تعالى مغريًا لهم بالإسلام، ومرغبًا لهم فيه: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥]. إلى غير ذلك من الآيات التي فيها الامتنان بهذا الدين العظيم.

стр. 276

قال وهب بن منبِّه: «رؤوس النعم ثلاث: فأولها: نعمة الإسلام، التي لا تتم النعمة إلا بها، والثانية: نعمة العافية، التي لا تطيب الحياة إلا بها، والثالثة: نعمة الغنى، التي لا يطيب العيش إلا بها» (١). فلله الحمد والمنة على الهداية لهذا الدين العظيم: دين الإسلام أعظم الأديان، وأولها وخاتمها، دين الفطرة المستقيمة، والدين الخالص، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣]. دين العلم النافع، والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣، والفتح: ٢٨، والصف: ٩]؛ أي: بالعلم النافع، والعمل الصالح. دين العدل والإحسان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]. دين اليسر والسماحة، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: ٧٨]. وقال ﷺ : «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه» (٢). دين العزة والقوة، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]. دين الفضيلة ومكارم الأخلاق، قال ﷺ : «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق» (٣). دين الأمن والأمان والحفظ، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، وقال ﷺ : «احفَظِ اللهَ يَحفَظْك» (٤).

стр. 277

دين الوسطية، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. دين الكمال والتمام، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. دين الشمول، كما قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]. ودين الخلود والبقاء والحفظ، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. وعن معاوية بن أبي سفيان ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي قائمةً بأمر الله، لا يضرهم مَن خَذَلهم أو خالفهم، حتى يأتيَ أمر الله وهم ظاهرون على الناس» (١). وعن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه، فقال: «ما أجلسكم؟» قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومنَّ به علينا. قال: «آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟» قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: «أما إني لم أستحلفكم تهمةً لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة» (٢). ولعظم المنة من الله ، وتمام النعمة بهذا الدين العظيم، كان لزامًا على كل مسلم ومسلمة أن يقوم بواجب الشكر، والحمد لله على ذلك خير قيام، وأن يلهج بذكر الله ، وشكره، وحمده ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجهارًا على أن هداه الله ، واصطفاه للإسلام، الذي حُرِمه أكثر البشر، وعليه أن يحرص كل الحرص على الاستقامة على الإسلام، وامتثال ما أمر الله به رسوله ﷺ ، واجتناب ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ ، ويبذل وسعه وطاقته بتقوى الله

стр. 278

- ؛ امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وأن يجتهد بالدعوة إلى الإسلام، ونشر تعاليمه. ونسأل الله الثبات عليه حتى الممات، فإنه سبحانه لا يرد دعاء من دعاه، ولا يخيب رجاء من رجاه. الوقفة السابعة في: شكر نعمة الرزق والمال امتن الله على عباده بأنه خلق لهم ما في الأرض جميعًا، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. كما امتن عليهم بأنه سبحانه سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٣]. وذلك لأن من أعظم نعم الله تعالى على العباد بعد خلقهم وإعدادِهم، إمدادَهم بما يكفل وييسر لهم سبل العيش والحياة؛ من الرزق والمال، وغير ذلك، ولهذا امتن الله عليهم بذلك كله، وقرنه بشكره وعبادته وحده لا شريك له، وبتقواه، وبتذكير الخلق ببعثهم بعد موتهم، ورجوعهم إليه للحساب والجزاء، وغير ذلك، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ [الروم: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢]، وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النحل: ١١٤]. وقال تعالى: ﴿فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦]،

стр. 279

وقال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧]. وقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس ٣٣ - ٣٥]. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥]. وقال إبراهيم الخليل ﵊: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. وقال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ٦٧]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]، وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢]. وقال تعالى ممتنًّا على أهل الحرم: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧]. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ [غافر: ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ٩ - ١١].

стр. 280

وقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢]. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٥ - ٨]. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١]. ومن شكر نعمة الرزق شكر نعمة الله تعالى في إنزال الماء للشرب، وحياة كل شيء، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠]. ومن ذلك شكر نعمة الله تعالى في تسخير البحار يستخرجون منها اللحوم الطرية، وحلية يلبسونها، وتجري فيها الفلك، ويطلبون فيها الرزق، وغير ذلك من المنافع، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢]. وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ

стр. 281

تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر: ١٢]. ومن ذلك شكر نعمة الله تعالى في إرسال الرياح للبشارة بالمطر، وإجراء الفلك بأمره ، وغير ذلك من المنافع، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم: ٤٦]. ومن ذلك شكر نعمة الله تعالى في جعل الليل للسكن، والنهار لابتغاء الرزق، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣]، وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ﴾ [النحل: ١٢]. إلى غير ذلك من النعم التي لا تُعد ولا تُحصى، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم ٣٢ - ٣٤]. وهذا كله يوجب على المسلم أن يشكر الله بمراعاة الأمور التالية: أولًا: باستعمال هذه النعم كلها في عبادة الله تعالى وطاعته، وفيما خُلقت له، والاستعانة بها على مرضاة الله ، وما يقرب إليه سبحانه، ويكون سببًا لحفظ هذه النعم. ثانيًا: الحرص كل الحرص على كسب الرزق والمال من الطرق الحلال، يبارك الله فيه، ويكون عونًا له على أمر دينه، ودنياه، وأخراه، وصلاحًا له في نفسه، وولده وأهله؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال ﷺ : «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده» (١). ثالثًا: الحذر كل الحذر من أن يشغله طلب المال وجمعه عن طاعة الله تعالى،

стр. 282

والقيام بحقوقه ، وحقوق العباد من الوالدين والأولاد، والأزواج، والأقارب، والجيران، وحقوق المسلمين، وعن الاستعداد لما أمامه؛ فإن المال فتنة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، وقال ﷺ : «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُبسَط عليكم الدنيا كما بُسطت على مَن قلبكم، فتَنَافَسُوها كما تنافسوها، فتُهلِككم كما أهلكتهم» (١). رابعًا: أداء الحقوق الواجبة والمستحَبة في المال لله ، أو للعباد؛ من الزكاة، والكفارات، والنفقات، والصدقات، وغير ذلك، مما يكون في أدائه وإخراجه من المال تزكية له، وتطهير، وسبب لنموه وبركته وسلامته من الجوائح والآفات. خامسًا: الاعتدال في الإنفاق في المأكل والمشرب، والملبس والمسكن والمركب، وغير ذلك، كما قال تعالى في وصف عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. سادسًا: البذل والإنفاق من المال في وجوه الخير والبر كلها، وخاصة ممن وسَّع الله عليه في الرزق والمال؛ في بناء المساجد والمدارس والمستشفيات ودور الرعاية والإغاثة، وافتتاح المشاريع الخيرية في الخدمات العامة للناس؛ فالمال مال الله، وهو وديعة عند الإنسان استخلفه الله تعالى فيه، ولا بد من رده، قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧]. وقال ﷺ : «يقول ابن آدم: مالي، مالي. قال: وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لبِستَ فأبليتَ، أو تصدقتَ فأمضيتَ؟» (٢).

стр. 283

قال لَبيد (١): وما المالُ والأهلون إلا ودائعٌ … ولا بدَّ يومًا أن تُرَدَّ الودائعُ وقال الآخر: المال كالماء إن تُحبَسْ سواقِيهِ … يأسَنْ وإن يَجرِ يعذُبْ منه سلسالُ الله أعطاك فابذلْ من عطيتهِ … فالمال عاريةٌ والعمر رحَّالُ (٢) الوقفة الثامنة في: شكر نعمة الأمن نعمة الأمن والأمان من أعظم النعم التي أنعم الله بها على العباد، التي يجب شكرها حق الشكر؛ لأنه لا قيام للناس في دينهم ودنياهم، وفي جميع حياتهم إلا بالأمن، كما قال تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧]؛ أي: جعل الله الكعبة البيت الحرام سببًا لقيام الناس، حيث يأمنون في الحرم فتقوم أمور دينهم ودنياهم، وتستقيم حياتهم. ولهذا امتن الله على العباد في مواضع كثيرة في القرآن الكريم بنعمة الأمن، وربطها بنعمة الرزق؛ لأنهما قرينتان ولا غنى للناس عنهما، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦]. وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ

стр. 284

(١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النحل: ١١٢ - ١١٤]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧]. وقال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [سورة قريش]. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وقال ﷺ : «من أصبح منكم آمنًا في سِربِه، مُعافًى في جسدِه، عنده قُوتُ يومِه، فكأنما حِيزتْ له الدنيا» (١)، وكان ﷺ إذا رأى الهلال قال: «اللهم أهِلَّه علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، ربنا وربك الله» (٢). ولشكر نعمة الأمن والأمان بمعناه الشامل في النفس والمجتمع، يجب الحفاظ على

стр. 285

مقومات الأمن والأمان، التي من أهمها ما يلي: أولًا: الإيمان بالله تعالى، والاستقامة علي دينه وعبادته وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]؛ أي: الذين صدَّقوا بربوبية الله تعالى، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، وشرعه بقلوبهم وألسنتهم، وانقادوا له بجوارحهم، فأخلصوا له العبادة والطاعة، واستقاموا على دينه، ولم يخلطوا إيمانهم بشرك، أولئك لهم خاصة الأمن، وهم مهتدون إلى الحق، وإلى الطريق المستقيم، لهم الأمن النفسي في حال السراء والضراء، والشدة والرخاء. كما في قوله ﷺ لأبي بكر ﵁، وهما في الغار: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، وقوله ﷺ له: «ما ظنُّك يا أبا بكرٍ باثنينِ اللهُ ثالِثُهما» (١)، فهذا يجسد الأمن في أسمى معانيه، وأعلى مراتبه. ولهم الطمأنينة والأمن القلبي، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. قال ﷺ : «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمرَه كله خير، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابتْه سرَّاء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له» (٢). حاله كما قال الشاعر: سأعيشُ رغمَ الداءِ والأعداءِ … كالنَّسرِ فوقَ القمةِ الشمَّاءِ النورُ في جَنبي وبينَ جَوانحي … فعلامَ أخشَى السيرَ في الظلماءِ (٣) وصدق القائل: إذا الإيمانُ ضاع فلا أمان … ولا دُنيا لمن لم يُحْيِ دينَا
следующие страницы →