← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 800

مراقي العزة ومقومات السعادة

سليمان اللاحم

Полный текст (723 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر: ١٢]. ومن ذلك شكر نعمة الله تعالى في إرسال الرياح للبشارة بالمطر، وإجراء الفلك بأمره ، وغير ذلك من المنافع، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم: ٤٦]. ومن ذلك شكر نعمة الله تعالى في جعل الليل للسكن، والنهار لابتغاء الرزق، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣]، وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ﴾ [النحل: ١٢]. إلى غير ذلك من النعم التي لا تُعد ولا تُحصى، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم ٣٢ - ٣٤]. وهذا كله يوجب على المسلم أن يشكر الله بمراعاة الأمور التالية: أولًا: باستعمال هذه النعم كلها في عبادة الله تعالى وطاعته، وفيما خُلقت له، والاستعانة بها على مرضاة الله ، وما يقرب إليه سبحانه، ويكون سببًا لحفظ هذه النعم. ثانيًا: الحرص كل الحرص على كسب الرزق والمال من الطرق الحلال، يبارك الله فيه، ويكون عونًا له على أمر دينه، ودنياه، وأخراه، وصلاحًا له في نفسه، وولده وأهله؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال ﷺ : «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده» (١). ثالثًا: الحذر كل الحذر من أن يشغله طلب المال وجمعه عن طاعة الله تعالى،

стр. 282

والقيام بحقوقه ، وحقوق العباد من الوالدين والأولاد، والأزواج، والأقارب، والجيران، وحقوق المسلمين، وعن الاستعداد لما أمامه؛ فإن المال فتنة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، وقال ﷺ : «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُبسَط عليكم الدنيا كما بُسطت على مَن قلبكم، فتَنَافَسُوها كما تنافسوها، فتُهلِككم كما أهلكتهم» (١). رابعًا: أداء الحقوق الواجبة والمستحَبة في المال لله ، أو للعباد؛ من الزكاة، والكفارات، والنفقات، والصدقات، وغير ذلك، مما يكون في أدائه وإخراجه من المال تزكية له، وتطهير، وسبب لنموه وبركته وسلامته من الجوائح والآفات. خامسًا: الاعتدال في الإنفاق في المأكل والمشرب، والملبس والمسكن والمركب، وغير ذلك، كما قال تعالى في وصف عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. سادسًا: البذل والإنفاق من المال في وجوه الخير والبر كلها، وخاصة ممن وسَّع الله عليه في الرزق والمال؛ في بناء المساجد والمدارس والمستشفيات ودور الرعاية والإغاثة، وافتتاح المشاريع الخيرية في الخدمات العامة للناس؛ فالمال مال الله، وهو وديعة عند الإنسان استخلفه الله تعالى فيه، ولا بد من رده، قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧]. وقال ﷺ : «يقول ابن آدم: مالي، مالي. قال: وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لبِستَ فأبليتَ، أو تصدقتَ فأمضيتَ؟» (٢).

стр. 283

قال لَبيد (١): وما المالُ والأهلون إلا ودائعٌ … ولا بدَّ يومًا أن تُرَدَّ الودائعُ وقال الآخر: المال كالماء إن تُحبَسْ سواقِيهِ … يأسَنْ وإن يَجرِ يعذُبْ منه سلسالُ الله أعطاك فابذلْ من عطيتهِ … فالمال عاريةٌ والعمر رحَّالُ (٢) الوقفة الثامنة في: شكر نعمة الأمن نعمة الأمن والأمان من أعظم النعم التي أنعم الله بها على العباد، التي يجب شكرها حق الشكر؛ لأنه لا قيام للناس في دينهم ودنياهم، وفي جميع حياتهم إلا بالأمن، كما قال تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧]؛ أي: جعل الله الكعبة البيت الحرام سببًا لقيام الناس، حيث يأمنون في الحرم فتقوم أمور دينهم ودنياهم، وتستقيم حياتهم. ولهذا امتن الله على العباد في مواضع كثيرة في القرآن الكريم بنعمة الأمن، وربطها بنعمة الرزق؛ لأنهما قرينتان ولا غنى للناس عنهما، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦]. وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ

стр. 284

(١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النحل: ١١٢ - ١١٤]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧]. وقال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [سورة قريش]. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وقال ﷺ : «من أصبح منكم آمنًا في سِربِه، مُعافًى في جسدِه، عنده قُوتُ يومِه، فكأنما حِيزتْ له الدنيا» (١)، وكان ﷺ إذا رأى الهلال قال: «اللهم أهِلَّه علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، ربنا وربك الله» (٢). ولشكر نعمة الأمن والأمان بمعناه الشامل في النفس والمجتمع، يجب الحفاظ على

стр. 285

مقومات الأمن والأمان، التي من أهمها ما يلي: أولًا: الإيمان بالله تعالى، والاستقامة علي دينه وعبادته وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]؛ أي: الذين صدَّقوا بربوبية الله تعالى، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، وشرعه بقلوبهم وألسنتهم، وانقادوا له بجوارحهم، فأخلصوا له العبادة والطاعة، واستقاموا على دينه، ولم يخلطوا إيمانهم بشرك، أولئك لهم خاصة الأمن، وهم مهتدون إلى الحق، وإلى الطريق المستقيم، لهم الأمن النفسي في حال السراء والضراء، والشدة والرخاء. كما في قوله ﷺ لأبي بكر ﵁، وهما في الغار: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، وقوله ﷺ له: «ما ظنُّك يا أبا بكرٍ باثنينِ اللهُ ثالِثُهما» (١)، فهذا يجسد الأمن في أسمى معانيه، وأعلى مراتبه. ولهم الطمأنينة والأمن القلبي، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. قال ﷺ : «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمرَه كله خير، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابتْه سرَّاء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له» (٢). حاله كما قال الشاعر: سأعيشُ رغمَ الداءِ والأعداءِ … كالنَّسرِ فوقَ القمةِ الشمَّاءِ النورُ في جَنبي وبينَ جَوانحي … فعلامَ أخشَى السيرَ في الظلماءِ (٣) وصدق القائل: إذا الإيمانُ ضاع فلا أمان … ولا دُنيا لمن لم يُحْيِ دينَا

стр. 286

ومن رَضِيَ الحياة بغيرِ دينٍ … فقد جعلَ الفناءَ له قَرينَا (١) ثانيًا: الاعتصام بحبل الله جميعًا، والاجتماع على الحق، والحفاظ على وحدة الأمة، كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣]. ثالثًا: الأخذ بأسباب القوة المادية، اقتصاديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٦٠]. فلا محل للضعيف بين الأمم اليوم، وقد سادت شريعة الغاب! قال الشاعر (٢): فلا مُنعت دارٌ ولا عَزَّ أهلُها … من الناسِ إلا بالقَنَا والقَنابل وقال زُهير (٣): ومن لم يَذُدْ عن حوضِه بسلاحهِ … يُهَدَّمْ، ومن لا يظلمِ الناسَ يُظلَمِ رابعًا: التعاون على حفظ الأمن بين ولاة الأمور، وبين أفراد المجتمع كلهم، كل في موقعه؛ لأنهم جميعًا في سفينة واحدة، إذا غرِقت غرق الجميع. فيجب أن يكون الجميع عيونًا ساهرة؛ لحفظ الأمن في البلاد، وألا نسمح لأي متربصٍ يريد إيجاد الفُرقة بيننا، والإخلال في أمن بلادنا بقول أو فعل، ونقف له بالمرصاد، وننبذ الشائعات والأراجيف، نُميتها في مهدها، ونتعاون على البر والتقوى، ونتواصى بالحق ونتواصى بالصبر، فالأمن مسؤولية الجميع.

стр. 287

الوقفة التاسعة في: شكر نعمة الصحة والفراغ نعمة الصحة ونعمة الفراغ من أعظم نعم الله تعالى على الناس، كما قال ﷺ : «نعمتان مَغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة، والفراغ» (١)، وقال ﷺ : «من أصبح منكم آمنًا في سربِه، معافًى في جسدِه، عنده قُوتُ يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا» (٢). فالصحة والعافية نعمة من أكبر النعم على العبد، بها تطيب الحياة والعيش، وبها يستطيع الإنسان العمل لدينه ودنياه، وبدونها لا يستطيع شيئًا. وقد قيل: «الصحة تاج على رؤوس الأصحاء، لا يراه إلا المرضى». كما أن الفراغ، وسعة الوقت نعمة عظيمة من أعظم النعم، ولهذا امتن الله على العباد بذلك، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢]، فالليل والنهار خزائنُ للأعمال الصالحة، لمن وفقه الله للذكر والشكر. ولهذا أقسم بالعصر، وبالليل والنهار، والضحى، ونحو ذلك؛ تعظيمًا لشأن الوقت والزمن، ليعرف المسلم قدره، فلا يُضيَّع بما لا ينفع، أو بما يضر، ولا يعرف قدر قيمة الوقت إلا مَن شُغل طيلة يومه وليلته بالبحث عن لقمة يسد بها جوع أهله وولده، أو يسد بها رمقه، ونحو ذلك. فعمر الإنسان في هذه الحياة قصير، وهو ثمين ولا يقدَّر قدره، وصحته ثمينة؛ لأن عمره هو أيام صحته، لذا يجب على المسلم أن يشكر الله على نعمة الصحة والعافية، وعلى نعمة الفراغ، ويقدر كل منهما قدره، ويغتنمهما بالعمل بما فيه صلاح أمر دينه

стр. 288

ودنياه وأخراه، ويحذر كل الحذر أن يضيع عمره سُدًى، وصحته سَبَهْلَلًا، وفي الحديث: «اغتنِمْ خمسًا قبل خمسٍ: شبابك قبل هَرَمِك، وصحتك قبل سَقَمك، وفراغك قبل شُغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك» (١). الوقفة العاشرة في: شكر نعمة الأزواج والأولاد امتن الله على العباد بنعمة الأزواج والأولاد في آيات عدة من القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]، وقال تعالى في سورة النحل: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [الآية: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [فاطر: ١١]، وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦]. فنعمة الأزواج من أجلِّ النعم على العباد، بها يأنَس كل من الزوجين بالآخر، ويعف نفسه، ويقضي وَطَره، ويحصل بها الإنجاب وتكوين الأسرة، التي تطيب معها الحياة، والزواج سنة من سنن المرسلين عليهم الصلاة والسلام.

стр. 289

وقد رد ﷺ على المتبتِّلين تبتُّلَهم، وقال: «وأتزوج النساء، فمَن رغِب عن سنتي فليس مني» (١). كما أن نعمة الأولاد من أعظم النعم على العباد؛ فهم زينة الحياة الدنيا، كما قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]. ولا يقدر قدر نعمة الأولاد إلا من ابتُلي بالعقم، وحُرم الإنجاب. ولهذا يجب على المسلم شكر نعمة الله تعالى بالأزواج والأولاد بطاعته، وحسن العشرة بين الأزواج (٢)، والقيام على الأولاد وأداء حقوقهم (٣). الوقفة الحادية عشرة في: الأسباب المعينة على شكر الله - الأسباب المعينة على شكر نعم الله تعالى كثيرة، ومن أهمها ما يلي: أولًا: سؤال الله ، ودعاؤه التوفيق والعون على شكر نعمته، كما قال تعالى عن سليمان ﵇: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]. وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥]. وعن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تَدَعَنَّ دُبُرَ كل صلاة أن تقول: اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (٤)، وعن ابن المنكدِر قال: كان دعاء

стр. 290

رسول الله ﷺ : «اللهم أعني على ذِكرِك وشكرك وحُسن عبادتك» (١). ثانيًا: معرفة العبد أن ما كتب الله تعالى له من الرزق وغيره آتيهِ لا مَحالةَ؛ فعليه بذل السبب والتوكل على الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]. وكما قال ﷺ لابن عباس ﵄: «واعلَمْ أن الأمةَ لوِ اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفَّت الصحف» (٢). ثالثًا: القناعة والرضا التام بما قسم الله تعالى للعبد، قليلًا كان أو كثيرًا، والاطمئنان والسكون إلى ذلك، قال ﷺ : «قد أفلح من أسلم، ورُزِقَ كَفافًا، وقنَّعه الله بما آتاه» (٣)، وفي الحديث: «إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب» (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كن وَرِعًا تكن أعبد الناس، وكن قنِعًا تكن أشكر الناس، وأحِبَّ للناس ما تحب لنفسك تكنْ مؤمنًا، وأحسِن جوار من جاورك تكن مسلمًا، وأقِلَّ الضحِك فإن كثرة الضحك تميت القلب» (٥)، وقد قال ﷺ : «لو كان

стр. 291

لابن آدم واديان من مالٍ لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوفَ ابنِ آدمَ إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» (١). فمن رضي وقنع بما آتاه الله سعِد في حياته، وعاش مسرورًا مطمئنًّا هاديَ البال، بخلاف غيره. قال الشاعر (٢): ما كل ما فوق البسيطةِ كافيًا … وإذا قنعتَ فبعضُ شيءٍ كافي وقال الآخر (٣): خذِ القناعةَ من دنياك وارضَ بها … لو لم يكن لك فيها إلا راحةُ البدنِ ولهذا قيل: «القناعة كَنز لا يَفنى». رابعًا: العلم بأن ما يؤتيه الله للعبد هو فضل من الله سبحانه لا حول للعبد فيه ولا طَول، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]. فالإنسان وما يملك ملك لله تعالى، وما عنده من جميع النعم من الله تعالى، وهو مستخلَف فيه، وهو وديعة عنده، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]. خامسًا: مقارنة العبد حاله بحال من دونه، حتى يرى فضل الله تعالى عليه، سواء

стр. 292

في الصحة أو في الرزق، أو الأهل والولد، أو غير ذلك، قال ﷺ : «انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدرُ ألا تَزدروا نعمةَ الله عليكم» (١). سادسًا: شكر صانع المعروف من الناس: شكر صانع المعروف من الناس شكر لله ، وهو أيضًا سبب لشكر الله تعالى، ولهذا قال ﷺ : «لا يشكُر الله من لا يشكر الناس» (٢). وفي لسان العرب (٣): «معناه: أن الله لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس، ويكفر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالآخر. وقيل: معناه: أنه من كان طبعه وعادته كفر نعمة الناس، وترك الشكر لهم، كان من عادته كفر نعمة الله، وترك الشكر له. وقيل: معناه: أن من لا يشكر الناس كمن لا يشكره، وإن شكره، كما تقول: لا يحبني من لا يحبك؛ أي: أن محبتك مقرونة بمحبتي. وهذه الأقوال مبنية على رفع اسم الله تعالى ونصبه». وقال ﷺ : «ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له حتى ترَوْا أنكم قد كافأتموه» (٤). وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن أُعطي عطاءً فوجد فلْيجزِ به، فإن لم يجدْ

стр. 293

فلْيُثنِ به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره» (١). وعن أنس رضي الله قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة أتاه المهاجرون فقالوا: يا رسول الله، ما رأينا قومًا أبذل من كثيرٍ ولا أحسن مواساةً من قليل من قوم نزلنا بين أظهرهم، لقد كَفَونا المُؤنةَ وأشركونا في المَهنَأ حتى لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر كله. فقال النبي ﷺ : «لا ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم» (٢). الوقفة الثانية عشرة في: عجز الإنسان عن شكر الله تعالى حقَّ شكره إذا كانت النعم كلها من الله تعالى، وليس بمقدور الخلائق كلهم أن يعدوها ويحصوها، وإذا كان التوفيق للشكر هو نعمة من الله تعالى تستوجب الشكر، فلا أحد يستطيع أن يشكر الله تعالى حق شكره، وعلى المسلم أن يعترف بذلك ويقول كما قال المصطفى ﷺ : «لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك» (٣). قال محمود الوراق: إذا كان شكري نعمةَ الله نعمةً … علَيَّ له في مِثلِها يجبُ الشكرُ

стр. 294

فكيف بلوغُ الشكرِ إلا بفضلِهِ … وإنْ طالتِ الأيامُ واتَّصلَ العمرُ إذا مسَّ بالسرَّاءِ عمَّ سُرُورها … وإنْ مَسَّ بالضرَّاء أَعقَبَها الأجرُ ولا منهما إلا له فيه مِنَّةٌ … تَضيقُ بها الأوهامُ والبَرُّ والبحرُ (١) وقال يزيد بن المهلَّب بن أبي صُفرة: وكيف بشُكرِ ذي نِعمٍ إذا ما … شكرتُ له فشُكري منه نعمَهْ (٢) والمؤمن في جميع أحواله بين نعمتين في السراء والضراء، كما قال ﷺ : «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سراءُ شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابتْه ضراءُ صَبَر، فكان خيرًا له» (٣). قال محمود الوراق: عطيَّتُهُ إذا أعطى سرورٌ … وإن أخذَ الذي أعطى أثابَا فأيُّ النعمتينِ أحقُّ شكرًا … وأحمدُ عند مُنقَلَبٍ إيابَا أنعمتُهُ التي أهدتْ سرورًا … أم الأخرى التي أهدتْ ثوابَا؟ (٤) الوقفة الثالثة عشرة في: الابتلاء والاستدراج بالنعم من سنن الله تعالى الكونية ابتلاء العباد بالسراء والضراء، والشدة والرخاء، والنعم والنقم؛ ليتميز من يشكر ومن يكفر، ومن يصبر ومن يجزع؛ كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: ١٥، ١٦].

стр. 295

وقال سليمان ﵊: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]. وعن عُقبة بن عامر ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتَ الله يعطي العبد من الدنيا- على معاصيه- ما يحب، فإنما هو استدراج»، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (١). قال أبو حازم: «كل نعمة لا تقرِّب إلى الله تعالى فهي بلية» (٢). وقال أيضًا: «نعمة الله على العبد فيما زَوَى عنه من الدنيا، أعظم من نعمته فيما أعطاه منها، إني رأيته أعطى قومًا فهلكوا» (٣). وذلك لأن الشكر على النعمة قد يكون أشد من الصبر علي البلية؛ لأن كثيرًا من الناس لا يقدر النعمة قدرها ويغتر بها، فيطغى ويبطر، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦، ٧]. والسلامة لا يعدلها شيء، والعافية غنيمة؛ لهذا قال ﷺ : «لا تتمنَّوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية» (٤). نسأل الله العافية والسلامة.

стр. 296

الوقفة الرابعة عشرة في: قلة الشاكرين مع سعة إفضال الله تعالى على الناس، وترادف إحسانه إليهم، وإسباغه نعمه عليهم ظاهرة وباطنة، فإن أكثرهم له عز جل غير شاكرين، وأكثرهم بنعمه كافرين، كما قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة ٢٤٣، وغافر: ٦١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يونس: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٨]. وقال يوسف ﵊: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يوسف: ٣٨]. ومن الناس من يشكر حال الشدة، ويكفر في الرخاء، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [يونس: ٢٢، ٢٣]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]. قال الحسن البصري ﵀ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦]؛ قال:

стр. 297

«هو الكفور، الذي يعُد المصائب، وينسى نِعَم ربه» (١). وقلة الشكر لله من ضعف الإيمان، بل هي حقيقة ضعف الإيمان، أو فقدانه، وهو ما عليه أكثر الخلق، كما قال إبليس لعنه الله: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف ١٦ - ١٧]. ولهذا حذر من الاغترار بما عليه أكثر الخلق، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر: ٥٩]. وبين ﷺ أن بعث النار من كل ألف تسعمئة وتسعة وتسعون، وواحد إلى الجنة (٢). قال ابن القيم ﵀: يا سِلعةَ الرحمنِ لستِ رَخيصةً … بل أنتِ غاليةٌ على الكسلانِ يا سلعةَ الرحمنِ ليسَ ينالُها … في الألفِ إلا واحدٌ لا اثنانِ (٣) قال بعض السلف: «لا تغترَّ بالباطل لكثرة الهالكين، ولا تستوحِش من الحق لقلة السالكين» (٤).

стр. 298

وقفات ثلاث في: تحريم كفر نعم الله - قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] الوقفة الأولى في: معنى الكفر، وأدواته، ودرجات كفر النعم أ- معنى الكفر: قال ابن منظور (١): «والكفر: كفر النعمة، وهو نقيض الشكر، والكفر: جحود النعمة، وهو ضد الشكر، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨]؛ أي: جاحدون، وكفَر نعمةَ الله يكفُرها، كُفورًا، وكُفرانًا، وكفر بها: جَحدها، وسترها». ب- أدوات الكفر: كما أن الشكر يكون بالقلب، واللسان، والجوارح، فكذا الكفر يكون بالقلب واللسان بجحود نعم الله تعالى، وإنكارها، والتكذيب بها، وعدم الإقرار والاعتراف بها، ونسبتها إلى غير الله تعالى، ونحو ذلك، ويكون بالجوارح باستعمالها، والاستعانة بها على معصية الله ، ومخالفة أوامره، وارتكاب نواهيه. ج- درجات كفر النعم: كفر النعم درجتان: ١ كفر أكبر، وهو كفر نعمة الإسلام، ولا يُقبل معه شكر ولا عمل، قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]. ٢ كفر دون ذلك، وهو كفر النعم الدنيوية، من نعمة الرزق والمال، والأمن

стр. 299

والصحة، والفراغ، والأزواج والأولاد، وغير ذلك من النعم، وهو من أشد المحرمات، وأعظم الموبقات. الوقفة الثانية في: عقوبات كفر نعم الله ، وآثارها توعد الله على كفر نعمه بأشد العقوبات العاجلة والآجلة، في الدنيا والآخرة، فهو سبب لزوال النعم، وحلول النقم، والعذاب العاجل والآجل، وهلاك الحرث والنسل، وخراب الديار، ومحو الآثار، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٥٣]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ٢١١]، وقال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢].

стр. 300

الوقفة الثالثة: الإسراف، والتبذير من أشد أنواع كفر نعم الله - أ- معني الإسراف والتبذير: الإسراف في اللغة: مجاوزة الحد، والقصد؛ أي: مجاوزة الحد والقصد في الحلال؛ بما يضر بالبدن، أو بالمال، أو بهما معًا، أو في مجاوزة الحلال إلى الحرام. قال ابن عباس ﵄: «من أنفق درهمًا في غير حقه، فهو مسرف» (١). وقال سفيان: «ما أنفقت في غير طاعة الله فهو سَرَف، وإن كان قليلًا» (٢). ومثله التبذير: فهو تفريق المال، وإنفاقه في السرف (٣). وقيل: التبذير خاص في إنفاق المال في المعاصي، وفي غير حقه. قال ابن مسعود ﵁: «كنا أصحابَ رسول الله ﷺ نتحدث أن التبذير: النفقة في غير حق» (٤). والتبذير خاص بالمال، والإسراف يكون بالمال وفي غير ذلك كالقتل والمعاصي، وغير ذلك. ب- حكم الإسراف والتبذير، والتحذير منهما: الإسراف والتبذير من كبائر الذنوب، ومن أعظم المحرمات التي نهى الله تعالى عنها، ونفى محبته لأهلها؛ كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]، وقال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١].

стр. 301

وإذا كان لا يحب المسرفين فهو يُبغِضهم، ومن أبغضه الله عذبه، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣]. وقال تعالى ذامًّا لفرعون: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: ٣١]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٦، ٢٧]. قال ﷺ : «إن الله كرِه لكم قيل وقال، وكثرةَ السؤال، وإضاعةَ المال» (١). وقال ﷺ : «لا تزول قدمَا عبدٍ يوم القيامة حتى يُسألَ عن عُمُرِه فيم أفناه، وعن علمِه فيمَ فعل، وعن مالِه من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه» (٢). وقال ﷺ : «ما ملأ ابنُ آدمَ وِعاءً شرًّا من بطنٍ، بحسْبِ ابنِ آدمَ أُكلاتٌ يُقِمْنَ صُلبَه، فإن كان لا محالةَ فثُلُثٌ لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفَسه» (٣). قال معاوية بن أبي سفيان ﵁: «ما رأيت سرفًا قط إلا وإلى جانبه حقٌّ مُضيَّع» (٤). وقال علي ﵁: «ما أنفقت على نفسك وأهل بيتك من غير سرفٍ ولا تبذيرٍ وتصدقتَ لك، وما أنفقتَ رياءً وسمعةً فذلك حظ الشيطان» (٥).

стр. 302

ج- صور الإسراف والتبذير: للإسراف والتبذير صور كثيرة يجب التخلي عنها والبعد عنها، من أشدها وأكثرها انتشارًا ما يأتي: ١ الإسراف، والتبذير، والمبالغة في الإكثار من الأطعمة، والمآكل، والمشارب في المناسبات، والحفلات، والولائم، والضيافات، ونحو ذلك مما يزيد أضعافًا عن حاجة المدعوين والضيوف. ٢. الإسراف والتبذير في الحياة اليومية في البيوت: في الأطعمة، والمأكولات، والملابس، والأثاث، والرِّيَاش، وغير ذلك مما يزيد كثيرًا عن حاجة البيوت وأهلها. وفي هذا وذاك إهدار للنعم، وصرف للمال في غير موضعه، وقد قال الله : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٦، ٢٧]. وقال تعالى في مدح المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. وقال ﷺ : «كلْ والبَسْ وتصدقْ من غير سَرَفٍ ولا مَخِيلة» (١). ويزيد الأمر سوءًا أن يعمد البعض إلى تصوير هذه النعم، ونشرها؛ مباهاةً ومفاخرةً مما ينافي شكرها، ويزيد من خطر تعرضها للزوال. فالفضل كله لله ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]. وأشد من هذا وأخطر أن تُمتهن هذه النعم، ويوضع ما تبقى من الأطعمة وغيرها مع الأذى والقاذورات في أكياس القُمامة، وصناديق النفايات، مما قد يوجب مقت الله وسخطه ونقمته، وزوال نعمته، فإن النعم إذا شُكرت قرَّت، وإذا كُفرت فرَّت.

стр. 303

قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] قال علي بن أبي طالب ﵁ (١): إذا كنتَ في نعمةٍ فارْعَها … فإنَّ المعاصيْ تُزيل النِّعَمْ وحافظ عليها بشُكرِ الإلهِ … فإنَّ الإلهَ سَريعُ النقَمْ وعلى المسلم والمسلمة الانتباه لهذا، والحذر كل الحذر من العقوبة؛ فإن الله يغار أن تُمتهن نعمته. وعلينا ألا نضع من الطعام ما يزيد عن حاجة أهل البيت؛ طلبًا لرضا الله ، وخوفًا من عقابه، وندع العادات. وعلينا إذا بقي شيء من الطعام أن نلتمس له من يأكله من ذوي الحاجة، فإن لم نجد فلنضعه للحيوانات والطيور، فإن لم يمكن ذلك فلا أقل من أن يوضع في مكان نظيف تأكله الدواب والطيور والخشاش. ٣. المباهاة والمفاخرة بالنعم وكثرة المال: المباهاة والمفاخرة بالنعم وكثرة المال أشد أنواع الإسراف والتبذير حرمة، وأسرعها وأشدها عقوبة في الدنيا والآخرة. وذلك لأن المُباهِيَ والمُفاخِر بالنعم وكثرة المال- غالبًا- لا غرض له صحيح إلا المباهاة والمفاخرة، ويشتري الشيء الذي لا تزيد قيمته الحقيقية عن بضعة آلاف بالملايين، كمن يشتري ناقة بعشرات الملايين، أو يشتري تيسًا بمئات الآلاف، ونحو ذلك، فأي هدف لهذا في هذه المبالغة في القيمة إلا المباهاة والمفاخرة! ومتى كانت نعم الله محلًاّ للمباهاة والمفاخرة؟! ولكنه ضعف اليقين، ونسيان الموت وسَكَراته، والقبر وظُلماته، والقيامة وأهوالها، والنار وعذابها، فنسأل الله الهداية.

стр. 304

وكأنَّ مَن يفعل هذا يعتقد أن المال ماله يفعل به ما يشاء، بلا رقيبٍ ولا حَسيب، وما علم أن المال مال الله تعالى، وهو عاريَّة عنده، استخلفه الله تعالى فيه لينظر كيف يتصرف به، وأين ينفقه، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] وقال ﷺ : «لا تزول قدمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ عن … » وذكر منها: «وعن مالِه من أين اكتسبه، وفيم أنفقه» (١). فلا يجوز التخبُّط في مال الله بما لا يرضي الله تعالى، وعلى المسلم أن يشكر الله تعالى على ما أولاه من نعمة الصحة والمال، ويراقب الله في تصرفاته، ويضبطها بضابط الشرع، ولا يصرف المال في غير محله، والناس في أمسِّ الحاجة إليه. وعليه أن يخشى من عقوبة عاجلة تصيبه في نفسه أو أهله أو ولده أو ماله، لا يستطيع لها دفعًا، ولا منعًا، ولا رفعًا. قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. وليعلم المفاخر والمباهي بالنعم أن الأيام دُوَل، وأن النعم لا تدوم، وأن السلامة لا تدوم، فما أهون الخلقَ على الله إذا هم عصَوه وكفروا نعمه. قال الشاعر (٢): وهي الليالي وقاك اللهُ صَولَتَها … تَصُول حتى على الآسادِ في الأَجَمِ كنَّا ملوكًا لنا في أرضنا دُوَل … نِمنا بها تحت أفنانٍ منَ النِّعَمِ فأيقظتنا سِهامٌ للرَّدَى صُيُبٌ … يُرمى بأفجعِ حَتْفٍ مَنْ بِهِنَّ رُمِي د- مفاسد الإسراف والتبذير: الإسراف والتبذير من الإفساد في الأرض، وقد قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧].

стр. 305

ومفاسد الإسراف والتبذير كثيرة جدًّا، ومن أخطرها ما يلي: ١ أن الإسراف والتبذير مجاوزة لحدود الله تعالى، وقد الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]. ٢ أن الإسراف والتبذير كفر بنعمة الله تعالى، وطغيان في الأرض ومتابعة للشيطان ومؤاخاة له، قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٦، ٢٧]. ٣ أن الإسراف والتبذير تأصيل للأنانية والتعالي على الآخرين، والبعد عن الخير والبذل. ٤ أنهما سبب لنزع البركات، وحلول النقم والآفات. ٥ أن فيهما حرمانًا للمستحقين من هذا المال المهدَر في سبيل الشيطان. قال الشاعر (١): إذا أنت قد أعطيتَ بطنَك سُؤْلَه … وفَرْجَك، نالا مُنتهَى الذمِّ أجمعَا هـ- عقوبات الإسراف والتبذير: للإسراف والتبذير عواقب وخيمة، وعقوبات عظيمة في الدنيا والآخرة؛ منها ما يأتي: ١ حرمان المسرفين من هداية الله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨]. ومن حُرم هداية الله تعالى خاب وخسر دينه، ودنياه، وأخراه، ونفسه، وأهله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥].

стр. 306

٢ تزيين أعمالهم السيئة لهم، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٢]. قال المفسرون: من الانهماك في الشهوات، والإعراض عن العبادات. ٣ المعيشة الضنك في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه ١٢٤ - ١٢٧]. ٤ تغيير ما هم فيه من حال الأمن والطمأنينة، والعيش الرغيد، إلى الجوع والخوف، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]. ٥ إهلاكهم، كما حصل لقارون، قال تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١]. وكما قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦]، وقال تعالى: ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء: ٩]. ٦ حشرهم عميًا، كما قال تعالى في الآيات السابقة في سورة طه: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [الآية: ١٢٤]. ٧ مصيرهم إلى النار، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣]. و- أسباب الإسراف والتبذير: للإسراف والتبذير أسباب كثيرة، منها ما يلي: ١ الجهل بشدة حرمة الإسراف والتبذير، والغفلة عما رُتب عليه من الوعيد الشديد، والعقوبات في الدنيا والآخرة. ٢ حب الظهور والشهرة، وحب المدح والثناء، والمباهاة والفخر والخُيَلاء والتعالي

стр. 307

على الآخرين. ٣ الكبر، والأشَر، والبطَر، كما قال قوم شعيب ﵇: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]. وقد قال ﷺ : «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبْر» (١). ٤ صحبة المسرفين، ومحاكاتهم، ومجاراتهم، والتفاخر بينهم. ٥ الاغترار بالمال، والجاه، والسلطان، والصحة، والقوة، والغفلة عن طبيعة الحياة والأيام، وأنها دول، فمن غنى إلى فقر، ومن عز إلى ذل، ومن صحة إلى مرض، ومن حياة إلى موت، كما قال : ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. ٦ ضعف الإيمان واليقين، وغياب مراقبة الله تعالى، والخوف منه سبحانه. إلى غير ذلك.

стр. 308

وقفة في: أهل الجنة بين نزع الغِل، وإذهاب الحزن قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] امتن الله على أهل الجنة بنزع الغل من صدورهم، فقال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. ومعنى قوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ أي: قلعناه من أساسه من صدورهم وقلوبهم، فلا يمكن أن يتسلل إليها، وبهذا كانوا إخوانًا على سُرُرٍ متقابلين. أي: إخوانًا متحابين في الله ، جلوسًا على سرر، يقابل بعضهم بعضًا، ويتوجه بعضهم إلى بعض بوجهه وقلبه وقالبه، ويُصغِي له ويستمع إليه بسمعه وقلبه؛ كما قال تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٥، ١٦]، وقال تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الدخان: ٥٣]. فلا يمكن أن يدير أحدهم قفاه لأخيه؛ محبةً وأدبًا، وتقديرًا واحترامًا، وإجلالًا وإكرامًا. كما امتن عليهم بإذهاب الحزن، فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤]. فهم في سرور وحبور دائم، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥]، أي: يسرون. وقال تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١]؛ أي: ومنحهم وأعطاهم في الظاهر نضارة وجمالًا في وجوههم، وفي الباطن سرورًا وحبورًا في قلوبهم. والنضرة في وجوههم علامة السرور في قلوبهم، والسرور في قلوبهم سبب النضرة

стр. 309

في وجوههم، كما قال تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨ - ٣٩]. فجمع الله لهم بين نزع الغل وإذهاب الحزن فكمل نعيمهم، سلموا من الغل في صدورهم، الذي السلامة منه في الدنيا أمر بعيد المنال، والذي أفسد ونكد على أهل الدنيا صفو حياتهم، فأشعل نار الكراهية والعداوات بينهم، والخلافات والنزاعات، وجعل بعضهم يظلم بعضًا، ويعتدي بعضهم على بعض في الأنفس والأعراض والأموال. وسلموا من الحزن الذي لم يدع لذي لب في الدنيا فرحًا، والذي نغص وكدر على الناس صفو عيشهم، كما قال الشاعر: لا طِيبَ للعيش ما دامت منغَّصةً … لذَّاتُهُ بادِّكار الموت والهَرَمِ (١) وقال الآخر: طُبِعَت على كَدَرٍ وأنتَ تُريدُها … صَفْوًا منَ الأقذاءِ والأكدارِ (٢) فحُق لدارٍ مُلئت بالغل والأحقاد والأحزان أن يُزهد فيها، ولا يُغتر بها، وحُق لدار الصفاء والسرور والحبور أن يسارَع ويسابَق إليها، ويُتنافَس فيها، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. قال ابن القيم ﵀: فحيَّ على جناتِ عدنٍ فإنها … منازِلُكَ الأولى وفيها المخيم (٣) نسأل الله تعالى الكريم من فضله.

стр. 310

وقفة في: فضل التواضع قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] التواضع: هو التذلل، وخفض الجناح، ولِين الجانب (١)، وهو قسمان: القسم الأول: التذلل والخضوع لله بعبادته وحده، وصرف جميع أنواع العبادة له وحده لا شريك له. والقسم الثاني: التذلل، وخفض الجناح، ولين الجانب في التعامل مع عباد الله، وهو من أفضل مظاهر حسن الخلق، ومن أعظم الخصال، وأنبل الصفات، به أمر الله رسوله ﷺ ، فقال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]. ولنا به أسوة صلوات الله وسلامه عليه، حيث وصفه بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. كما وصفه بقوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. وعن عِيَاض بن حِمَار المُجاشِعِي ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم خطيبًا، فقال: «وإن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا؛ حتى لا يفخَرَ أحد على أحد» (٢). وهو سبب للرفعة، ونيل الدرجات في الدنيا والآخرة، كما قال ﷺ : «وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» (٣). قال الشاعر:

стр. 311

تواضع إذا ما نلتَ في الناس رِفعةً … فإن رفيعَ القومِ مَن يَتواضع (١) وقال الآخر: تواضَعْ تكنْ كالنجمِ لاحَ لناظرٍ … على صَفحاتِ الماءِ وَهْوَ رَفيعُ ولا تك كالدخانِ يعلو بنفسِه … على طبقاتِ الجوِّ وهْو وَضيعُ (٢) وقال الآخر: ولا تمشِ فوق الأرضِ إلا تواضعًا … فكم تحتها قومٌ همُ منك أرفعُ! وإن كنتَ في عزٍّ وحرزٍ ونعمةٍ … فكم مات من قوم همُ منك أمنعُ! (٣) وضد التواضع: الكبر والإعجاب والغرور، وهي من أعظم أمراض القلوب، ومن أكبر الذنوب، وآكدها جُرمًا، وأسوئها عاقبة، وأشدها عقوبة. نهى الله عنها، وتوعد عليها، وحذر منها رسوله ﷺ ، وذمها. قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧]. أي: لا تمشِ في الأرض بَطَرًا، مختالًا، متبختِرًا، متعاليًا، متكبرًا، متعاظمًا، معجَبًا بنفسك. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]. أي: ولا تُمِل خدك للناس إذا كلمتَهم أو كلموك استكبارًا، أو تعاظمًا عليهم، واحتقارًا لهم. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣]. أي: لا يحب كل مختال في مِشيته، متكبرًا على الناس بفعله وهيئته، فخورًا، متعاظمًا

стр. 312

عليهم بقوله. وقال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢]. أي: بمدحها بما ليس فيها. وقال ﷺ : «الكِبر: بَطَر الحق، وغَمْط الناس» (١)؛ أي: رد الحق، واحتقار الناس. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بينما رجل يمشي في حُلة، تُعجبه نفسُه، مرجِّلٌ جُمَّتَه، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة» (٢). وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «مَن جرَّ ثوبه خُيَلَاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» (٣). وقال ﷺ : «إياك وإسبالَ الإزار؛ فإنه من المَخِيلة، وإن الله لا يحب المخيلة» (٤). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁، عن النبي ﷺ قال: «يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذرِّ في صُوَر الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان» (٥). ويكفي في تحريم الكبر وذمه أنه صفة إبليس اللعين، وبسببه أُخرج من الجنة، وأَبلَس من رحمة الله تعالى؛ لامتناعه من السجود لآدم ﵇؛ تكبرًا، وغرورًا منه، وإعجابًا بنفسه، قال تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]. ولهذا قال مكابرًا: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ

стр. 313

وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]. فأُخرج من الجنة، وأَبلس من رحمة الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٨]، وقال تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: ٧٧، ٧٨].

стр. 314

وقفة في: مَكْمَن السعادة، والحياة الطيبة قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] يسعى كل إنسان في هذه الحياة لينال السعادة، وينعم بالحياة الطيبة، وقليل من يُوفَّق إلى ذلك؛ لأن أكثر الناس يطلب ذلك في غير مكانه، وبدون طرق أسبابه، فيظن كثير منهم أن ذلك بكثرة المال، أو بكثرة الأزواج، والأولاد، أو بالمناصب، والرياسات، أو بتنويع المآكل والمشارب، أو بزخرفة المساكن، أو رفاهية العيش والمراكب، والأثاث والرِّياش، أو بالأسفار والتنزه هنا وهناك، في الأجواء الباردة والمعتدلة، وغير ذلك. وهذا كله لا يجلِب السعادة، ولا الحياة الطيبة، بل قد يكون سببًا لسلب ذلك؛ لأن الله أبى أن تكون السعادة إلا تحت مِظلة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]. وأبى أن يكون انشراح الصدر والنور والهدى إلا بالإسلام، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]، وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. وقوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥]، إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [٤٠]. وأبى أن تكون الحياة الطيبة إلا بالإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. وأبى أن يكون الربح إلا بالإيمان وعمل الصالحات، والتواصي بالحق والتواصي

стр. 315

بالصبر، كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر]. وأبى أن تكون العزة إلا له ولرسوله وللمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]. فالسعادة والحياة الطيبة، وانشراح الصدر، ونور القلب، والربح والعزة والكرامة، كل ذلك مرهون بعبادة الله تعالى، والاستعانة به، والتوكل عليه، مرهون بالإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، مرهون بالقناعة فهي كنز لا يفنى. قال ﷺ : «من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا» (١). وقال ﷺ : «قد عُوفي مَن رُزق كَفافًا، وقنَّعه الله بما آتاه» (٢). وقال ﷺ : «لو كان لابن آدم واديان من مالٍ لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» (٣). قال الشاعر: خُذِ القناعةَ من دنياك وارضَ بها … لو لم يكنْ لك فيها إلا راحةُ البدنِ (٤) وقال الآخر: إذا كنتَ تَهوَى العيشَ فاقنَعْ تَوسُّطًا … فعند التناهي يَقصُر المُتطاوِلُ تَوَقَّى البُدُورُ النقصَ وهْي أهِلَّةٌ … ويُدرِكُها النقصانُ وَهْيَ كَواملُ (٥) السعادة والحياة الطيبة مرهونة بتصور الإنسان الهدفَ الذي خُلق من أجله، وربط تصرفاته كلها بما يعود عليه بالنفع في دينه ودنياه وأخراه، وبسلامته من الخواء الروحي،

стр. 316

الذي يفسد عليه حياته، ويجعل عمره كله يضيع في مَهَبِّ الريح، بالأسفار، والتنزهات، والخلوات، والفلوات بعيدًا عن مسجده، وعن والديه، وعن زوجته وأولاده وأقاربه وجيرانه، بعيدًا عن محيطه ومجتمعه. قال بعض السلف: «مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا ألذَّ ما فيها»، قيل: وما ألذ ما فيها؟ قال: «معرفة الله والأُنس به» (١). وقال الحسن: «تفقدوا حلاوة الإيمان في ثلاث: في الصلاة، وذِكر الله، وقراءة القرآن، فإن لم تجدوها فاعلموا أن الباب مغلَق» (٢). نعم، والله، هنا اللذة، هنا الحلاوة، هنا الحياة الطيبة، هنا السعادة؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «مَن أراد السعادة الأبديَّة، فلْيَلْزَمْ عتبة العبوديَّة» (٣). وقال ﵀: «إن في الدنيا جنةً، من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة» (٤). فقل لمن يسابق في زيادة رصيده في البنك: قد سبقك الفقير الذي يسارع في زيادة رصيده عند الله تعالى من الأعمال الصالحة! وقل لمن يسابق ليكون أعلى الناس مرتبةً وجاهًا في الدنيا: قد سبقك من هو أشعث أغبر ذو طِمرين، لو أقسم الله لأَبَرَّه! وقل لمن يسابق ليطأ بقدمه كثيرًا من بلاد العالم، والمنتزَّهات والمصائف: قد سبقك من يسابق إلى المساجد، وإلى الحرمين الشريفين! قال الشاعر: ولستُ أرى السعادةَ جمعَ مالٍ … ولكنَّ التقيَّ هو السعيدُ وتقوى الله خيرُ الزادِ فخرًا … وعند اللهِ للأتقى مَزيدُ (٥)

стр. 317

وأخيرًا أقوال لمن يطلب السعادة، والحياة الطيبة حقًّا: ١ تصور واستحضر الهدف الذي خُلقت من أجله، وهو عبادة الله تعالى، واعمل لذلك. ٢ توكل على الله تعالى، وثِقْ به يكفك كل شيء. ٣ كن مخلِصًا، واستحضر النية الصالحة في جميع أقوالك وأفعالك وأحوالك. ٤ تأمل في عظمة الله تعالى، ونعمه التامة عليك، وتأمل ضعفك وفقرك إليه. ٥ كن صادقًا مع الله، تفُزْ برضاه، وكن صادقًا في طلب النجاة لنفسك وإعتاقها. ٦ تأمل عظمة الآخرة، وحقارة الدنيا. ٧ سارع إلى مغفرة الله تعالى وجنته. ٨ سابق لأداء حقوق الله تعالى، وحقوق الخلق؛ لأداء الواجبات، والبعد عن المنهيات. ٩ لا يسبقك أحد إلى المسجد، فإن عجزت لا تقام الصلاة إلا وأنت في المسجد. ١٠ لا يسبقك أحد في برك لوالديك. ١١ كن من أحسن الناس خلقًا. ١٢ كن ناصحًا لله تعالى ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، فالدين النصيحة. ١٣ سلِّم لقضاء الله تعالى وقدره، وارضَ به. ١٤ اترك ما لا يعنيك، ودع ما يَريبك إلى ما لا يريبك. ١٥ كن تقيًّا، ورِعًا، زاهدًا، عابدًا. ١٦ تذوق حلاوة الإيمان؛ بمحبة الله تعالى، ومحبة رسوله ﷺ ، والمحبة في الله، وطاعته. ١٧ تمتع بالجلوس مع القرآن طويلًا؛ تلاوةً له، وتفهمًا، وتدبرًا.

стр. 318

١٨ احرص على إفشاء السلام، والمصافحة، وكن مبتسِمًا بشوشًا. ١٩ أحب الخير للناس كما تحبه لنفسك، تكن مؤمنًا. ٢٠ كن عفوًّا متسامحًا، حليمًا صبورًا. ٢١ كن سليم القلب، نقي السريرة، تعِشْ قَريرَ العين. ٢٢ كن متواضعًا، منصِفًا من نفسك. ٢٣ كن جوَادًا منفقًا متصدقًا، مسابقًا إلى الخيرات. ٢٤ كن خدومًا لأصحابك ورفاقك ولغيرهم. ٢٥ كن حسن الظن بالآخرين. ٢٦ كن وافيًا بوعدك وعهدك، صدوقًا بقولك. ٢٧ أحسن لغيرك بقولك، وفعلك، وبَذْلِك، ما استطعت. ٢٨ كن قدوةً صالحةً في أخلاقك وأقوالك وأفعالك. ٢٩ كن الرجل الراحلة، الذي يسد مكانه، ويملأ فراغه. ٣٠ كن حازمًا في أمور دينك ودنياك، عصاميًّا، عزيز النفس. ٣١ وطِّن نفسك على لزوم الحق، والتمسك به، واسأل الله الثبات عليه. ٣٢ لا تستوحش من قلة المعين على الحق، والرفيق في الطريق، ولا تغترَّ بما عليه أكثر الخلق. ٣٣ استحضر دائمًا مراقبة الله تعالى، وحاسب نفسك، وانظر في العواقب. ٣٤ نظِّم عملك في اليوم والليلة. ٣٥ كن قنوعًا بما يسر الله لك من الدنيا، ونافسْ في الآخرة مَن نافسك في الدنيا. ٣٦ اختر الجلساء الصالحين، واحذر من جلساء السوء، ومجالس السوء. ٣٧ احترم الآخرين، وأنزل الناس منازلهم؛ كولاة الأمر، والمعلمين، والوالدين،

стр. 319

والعلماء، وكبار السن، والأقارب، والجيران، والمسؤولين، وغيرهم. ٣٨ احترز من آفات اللسان والقلم والبنان. ٣٩ التزم التأصيل والتوازن في الطرح عند المناقشة. ٤٠ احذر من أدعياء علم الغيب، من أهل الشعوذة والدجل، من السحرة والكهان، ومن تشبه بهم في ذلك من بعض القُراء، ومفسري الأحلام، ونحوهم. ٤١ شاور عند الحاجة من تثق بدينه وعقله وورعه. ٤٢ احذر من أمراض القلوب كلها؛ من الحسد والحقد والغل والعداوة، ومن الظلم والمعاصي كلها، فهي سبب كل بليَّة، وجالبة كل رزيَّة. ٤٣ كن متفائلًا دائمًا حتى في أَحْلَك الظروف؛ كما كان المصطفى ﷺ . ٤٤ تحمَّلِ المسؤولية، وأدِّ الأمانة. ٤٥ اعلم أن النفس وديعة عندك، فزكِّها، واحملها على ما فيه نجاتها. ٤٦ اتبع القول بالعمل، واعمل بما علِمت. ٤٧ كن ذا قلب حي واعٍ، متدبرًا لما تقرأ وتسمع وتشاهد. ٤٨ كن مقتصدًا ولا تسرف. ٤٩ احترز واحذر من الأثر السلبي لوسائل التواصل والإعلام. ٥٠ وأخيرًا: تدارك ما فات من عمرك بما بقي منه، ولا تغفل.

стр. 320

وقفات ثلاث في: وجوب بر الوالدين، وتحريم عقوقهما قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. الوقفة الأولى في: وجوب بر الوالدين تقدم في الكلام على الآيات السابقة: ذكر الأدلة من الكتاب والسنة على عِظم مكانة بر الوالدين في الإسلام، وفي الأديان كلها، وأنه من أوجب الواجبات، وأعظم فرائض الدين، ومن أزكى الأعمال وأفضلها، وأجلها، وهو مقدم على الجهاد في سبيل الله تعالى؛ وذلك لما للوالدين من الفضل والإفضال على الأولاد، فهما- بعد الله تعالى- السبب الظاهر في وجود الأولاد في هذه الحياة، وقد عانيا من المشقة في سبيل الولد ما لا يعلمه إلا الله . فالأم حملته في حشاها تسعة أشهر، وعانت من وحم الحمل، وآلامه، وثقله، ومن آلام الوضع، والولادة، وكُرب الطلق، مما يكاد يطير معه قلبها، وتشرف بسببه على الموت، كما عانت ما لا يخفى من التعب والسهر في رعايته، والعناية به بعد ولادته، في إرضاعه، وتربيته، وحضانته، ونظافته، وغير ذلك. ومن أراد أن يعرف معاناة الأم، فليتأمل في قصة أم موسى ﵉ في سورة القَصَص. كما أن الأب يظل يكدح طوال يومه؛ بحثًا عن لقمة العيش للأولاد ولأمهم، ويتفانى في تعليمهم، وتربيتهم، وتوجيههم، وحفظهم، والذب عنهم، ويبذل- في سبيلهم وما يصلحهم- الغاليَ والنفيس، حتى يكبَروا، ويعتمدوا- بعد الله تعالى- على أنفسهم. ومن أراد أن يعرف معاناة الأب، فليتأمل في قصة يعقوب ﵇ مع أولاده ﵈، في سورة يوسف ﵇.
следующие страницы →