← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 800

مراقي العزة ومقومات السعادة

سليمان اللاحم

Полный текст (723 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الذي يفسد عليه حياته، ويجعل عمره كله يضيع في مَهَبِّ الريح، بالأسفار، والتنزهات، والخلوات، والفلوات بعيدًا عن مسجده، وعن والديه، وعن زوجته وأولاده وأقاربه وجيرانه، بعيدًا عن محيطه ومجتمعه. قال بعض السلف: «مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا ألذَّ ما فيها»، قيل: وما ألذ ما فيها؟ قال: «معرفة الله والأُنس به» (١). وقال الحسن: «تفقدوا حلاوة الإيمان في ثلاث: في الصلاة، وذِكر الله، وقراءة القرآن، فإن لم تجدوها فاعلموا أن الباب مغلَق» (٢). نعم، والله، هنا اللذة، هنا الحلاوة، هنا الحياة الطيبة، هنا السعادة؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «مَن أراد السعادة الأبديَّة، فلْيَلْزَمْ عتبة العبوديَّة» (٣). وقال ﵀: «إن في الدنيا جنةً، من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة» (٤). فقل لمن يسابق في زيادة رصيده في البنك: قد سبقك الفقير الذي يسارع في زيادة رصيده عند الله تعالى من الأعمال الصالحة! وقل لمن يسابق ليكون أعلى الناس مرتبةً وجاهًا في الدنيا: قد سبقك من هو أشعث أغبر ذو طِمرين، لو أقسم الله لأَبَرَّه! وقل لمن يسابق ليطأ بقدمه كثيرًا من بلاد العالم، والمنتزَّهات والمصائف: قد سبقك من يسابق إلى المساجد، وإلى الحرمين الشريفين! قال الشاعر: ولستُ أرى السعادةَ جمعَ مالٍ … ولكنَّ التقيَّ هو السعيدُ وتقوى الله خيرُ الزادِ فخرًا … وعند اللهِ للأتقى مَزيدُ (٥)

стр. 317

وأخيرًا أقوال لمن يطلب السعادة، والحياة الطيبة حقًّا: ١ تصور واستحضر الهدف الذي خُلقت من أجله، وهو عبادة الله تعالى، واعمل لذلك. ٢ توكل على الله تعالى، وثِقْ به يكفك كل شيء. ٣ كن مخلِصًا، واستحضر النية الصالحة في جميع أقوالك وأفعالك وأحوالك. ٤ تأمل في عظمة الله تعالى، ونعمه التامة عليك، وتأمل ضعفك وفقرك إليه. ٥ كن صادقًا مع الله، تفُزْ برضاه، وكن صادقًا في طلب النجاة لنفسك وإعتاقها. ٦ تأمل عظمة الآخرة، وحقارة الدنيا. ٧ سارع إلى مغفرة الله تعالى وجنته. ٨ سابق لأداء حقوق الله تعالى، وحقوق الخلق؛ لأداء الواجبات، والبعد عن المنهيات. ٩ لا يسبقك أحد إلى المسجد، فإن عجزت لا تقام الصلاة إلا وأنت في المسجد. ١٠ لا يسبقك أحد في برك لوالديك. ١١ كن من أحسن الناس خلقًا. ١٢ كن ناصحًا لله تعالى ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، فالدين النصيحة. ١٣ سلِّم لقضاء الله تعالى وقدره، وارضَ به. ١٤ اترك ما لا يعنيك، ودع ما يَريبك إلى ما لا يريبك. ١٥ كن تقيًّا، ورِعًا، زاهدًا، عابدًا. ١٦ تذوق حلاوة الإيمان؛ بمحبة الله تعالى، ومحبة رسوله ﷺ ، والمحبة في الله، وطاعته. ١٧ تمتع بالجلوس مع القرآن طويلًا؛ تلاوةً له، وتفهمًا، وتدبرًا.

стр. 318

١٨ احرص على إفشاء السلام، والمصافحة، وكن مبتسِمًا بشوشًا. ١٩ أحب الخير للناس كما تحبه لنفسك، تكن مؤمنًا. ٢٠ كن عفوًّا متسامحًا، حليمًا صبورًا. ٢١ كن سليم القلب، نقي السريرة، تعِشْ قَريرَ العين. ٢٢ كن متواضعًا، منصِفًا من نفسك. ٢٣ كن جوَادًا منفقًا متصدقًا، مسابقًا إلى الخيرات. ٢٤ كن خدومًا لأصحابك ورفاقك ولغيرهم. ٢٥ كن حسن الظن بالآخرين. ٢٦ كن وافيًا بوعدك وعهدك، صدوقًا بقولك. ٢٧ أحسن لغيرك بقولك، وفعلك، وبَذْلِك، ما استطعت. ٢٨ كن قدوةً صالحةً في أخلاقك وأقوالك وأفعالك. ٢٩ كن الرجل الراحلة، الذي يسد مكانه، ويملأ فراغه. ٣٠ كن حازمًا في أمور دينك ودنياك، عصاميًّا، عزيز النفس. ٣١ وطِّن نفسك على لزوم الحق، والتمسك به، واسأل الله الثبات عليه. ٣٢ لا تستوحش من قلة المعين على الحق، والرفيق في الطريق، ولا تغترَّ بما عليه أكثر الخلق. ٣٣ استحضر دائمًا مراقبة الله تعالى، وحاسب نفسك، وانظر في العواقب. ٣٤ نظِّم عملك في اليوم والليلة. ٣٥ كن قنوعًا بما يسر الله لك من الدنيا، ونافسْ في الآخرة مَن نافسك في الدنيا. ٣٦ اختر الجلساء الصالحين، واحذر من جلساء السوء، ومجالس السوء. ٣٧ احترم الآخرين، وأنزل الناس منازلهم؛ كولاة الأمر، والمعلمين، والوالدين،

стр. 319

والعلماء، وكبار السن، والأقارب، والجيران، والمسؤولين، وغيرهم. ٣٨ احترز من آفات اللسان والقلم والبنان. ٣٩ التزم التأصيل والتوازن في الطرح عند المناقشة. ٤٠ احذر من أدعياء علم الغيب، من أهل الشعوذة والدجل، من السحرة والكهان، ومن تشبه بهم في ذلك من بعض القُراء، ومفسري الأحلام، ونحوهم. ٤١ شاور عند الحاجة من تثق بدينه وعقله وورعه. ٤٢ احذر من أمراض القلوب كلها؛ من الحسد والحقد والغل والعداوة، ومن الظلم والمعاصي كلها، فهي سبب كل بليَّة، وجالبة كل رزيَّة. ٤٣ كن متفائلًا دائمًا حتى في أَحْلَك الظروف؛ كما كان المصطفى ﷺ . ٤٤ تحمَّلِ المسؤولية، وأدِّ الأمانة. ٤٥ اعلم أن النفس وديعة عندك، فزكِّها، واحملها على ما فيه نجاتها. ٤٦ اتبع القول بالعمل، واعمل بما علِمت. ٤٧ كن ذا قلب حي واعٍ، متدبرًا لما تقرأ وتسمع وتشاهد. ٤٨ كن مقتصدًا ولا تسرف. ٤٩ احترز واحذر من الأثر السلبي لوسائل التواصل والإعلام. ٥٠ وأخيرًا: تدارك ما فات من عمرك بما بقي منه، ولا تغفل.

стр. 320

وقفات ثلاث في: وجوب بر الوالدين، وتحريم عقوقهما قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. الوقفة الأولى في: وجوب بر الوالدين تقدم في الكلام على الآيات السابقة: ذكر الأدلة من الكتاب والسنة على عِظم مكانة بر الوالدين في الإسلام، وفي الأديان كلها، وأنه من أوجب الواجبات، وأعظم فرائض الدين، ومن أزكى الأعمال وأفضلها، وأجلها، وهو مقدم على الجهاد في سبيل الله تعالى؛ وذلك لما للوالدين من الفضل والإفضال على الأولاد، فهما- بعد الله تعالى- السبب الظاهر في وجود الأولاد في هذه الحياة، وقد عانيا من المشقة في سبيل الولد ما لا يعلمه إلا الله . فالأم حملته في حشاها تسعة أشهر، وعانت من وحم الحمل، وآلامه، وثقله، ومن آلام الوضع، والولادة، وكُرب الطلق، مما يكاد يطير معه قلبها، وتشرف بسببه على الموت، كما عانت ما لا يخفى من التعب والسهر في رعايته، والعناية به بعد ولادته، في إرضاعه، وتربيته، وحضانته، ونظافته، وغير ذلك. ومن أراد أن يعرف معاناة الأم، فليتأمل في قصة أم موسى ﵉ في سورة القَصَص. كما أن الأب يظل يكدح طوال يومه؛ بحثًا عن لقمة العيش للأولاد ولأمهم، ويتفانى في تعليمهم، وتربيتهم، وتوجيههم، وحفظهم، والذب عنهم، ويبذل- في سبيلهم وما يصلحهم- الغاليَ والنفيس، حتى يكبَروا، ويعتمدوا- بعد الله تعالى- على أنفسهم. ومن أراد أن يعرف معاناة الأب، فليتأمل في قصة يعقوب ﵇ مع أولاده ﵈، في سورة يوسف ﵇.

стр. 321

وفيما يلي ذكر أهم الأسباب المعينة على بر الوالدين، وأهم وجوه البر بهما، وبيان التفاوت بين حق الوالدين في البر، واستمرار البر بهما بعد موتهما، وثمار البر، وآثاره: أ- الأسباب المعينة على البر بالوالدين، والإحسان إليهما: وهي كثيرة، من أهمها ما يأتي: ١ توفيق الله الولد، واصطفاؤه إياه لهذا العمل الجليل، وإرادته به الخير. ٢ تقوى الله ؛ فهي سبب توفيق الله للعبد لكل عمل رشيد في دينه ودنياه. ٣ التدبر والتأمل بما جاء في الكتاب والسنة من تأكيد الأمر ببر الوالدين، والإحسان إليهما، والترغيب في ذلك. ٤ سؤال الولد ربه أن يوفقه لبر والديه، ويعينه على ذلك. ٥ الصدق في طرق أبواب الخير، وفي طلب النجاة من النار، ودخول الجنة، فالبر بالوالدين من أوسع أبواب التوفيق للخير، في الدين والدنيا والآخرة، والنجاة من النار، ودخول الجنة. ٦ تذكر الولد دائمًا ما قدمه له والداه من الجميل، وما أسدياه له من الإحسان في صغره وهو أحوج ما كان إلى ذلك، وما عانته أمه من شدائد وآلام بسببه، حملًا ووحمًا، وثقلًا طيلة تسعة أشهر، ثم كربًا وولادة، ثم إرضاعًا وتربية ورعاية ونظافة، وتعبًا وسهرًا، إلى غير ذلك، مما تنوء بحمله الجبال، وما عاناه أبوه من أجل إسعاده من السعي والكد والتعب وراء لقمة عيشه، والنفقة عليه وعلى أمه، وفي تربيته وتعليمه، وتوجيهه وتأديبه، وغير ذلك؛ ليكون ولده أسعد الناس. ٧ تيقُّن الولد أن ما يقدمه من البر بوالديه لن يضيع، وسيجد ثوابه مضاعفًا عند الله تعالى، ويجد أثره عاجلًا في سعادته، وفي بر أولاده به في الحياة، قال ابن تيمية: «وفي الحديث: «بَرُّوا آباءكم تَبَرَّكُم أبناؤكم» (١).

стр. 322

٨ حرص الوالدين على تربية الأولاد، وتنشئتهم النشأة الصالحة، وعدم التقصير في ذلك، وفي أداء حقوقهم. ٩ توفيق الله للابن أو للبنت بزوج صالح يكون عونًا له على البر بوالديه، ويشجعه عليه. ١٠ العناية في مناهج التعليم، وفي الخطب والمحاضرات بغرس البر بالوالدين مبكرًا في نفوس الأجيال والناشئة، وحرص المعلمين والمربين والموجهين على ذلك. ب- وجوه البر بالوالدين: وجوه البر بالوالدين كثيرة جدًّا، منها ما يأتي: ١ الإحسان إليهما بكل ما تحمله كلمة الإحسان من معنى؛ بالقول الكريم اللين اللطيف، وبالفعل الطيب الحسن الجميل، وأداء حقوقهما الواجبة والمستحبة؛ امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة ٨٣، والنساء: ٣٦، والأنعام: ١٥١، والإسراء: ٢٣]. ٢ توقيرهما واحترامهما، وخفض الجناح لهما، والتواضع لهما بكل ما تحمله كلمة التواضع، وعدم التقدم بينهما في الكلام والمشي، وخفض الصوت عندهما، واستعمال ألطف العبارات عند الحديث معهما، قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ٢٤]. ٣ رحمتهما، والشفقة عليهما، والعطف عليهما، والتحبب والتودد لهما؛ لقوله تعالى: ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]؛ أي: من الرحمة بهما، أي: رحمة بهما؛ لرحمتهما للولد التي لا يكاد يبلغ كنه عظمتها؛ فعن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد فُرق بينهما وبين ولدها، فجعلت كلما وجدت صبيًّا من السبي أخذته فألصقته بصدرها،

стр. 323

وهي تدور على ولدها، فلما وجدته ضمته إليها، وألقمته ثديها، فقال رسول الله ﷺ : «أتَرَون هذه طارحةً وَلَدَها في النار، وهي تقدِر على ألا تطرحه؟» قالوا: لا يا رسول الله. قال: «فوالله، لله أرحم بعباده من هذه بولدها» (١). ٤ الدعاء لهما في حياتهما وبعد مماتهما؛ جزاءَ تربيتهما له صغيرًا، قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]. ٥ شكرهما، والاعتراف بالقلب واللسان بفضلهما، وإفضالهما، وذكر معروفهما وجميلهما السابق- كما ربياه صغيرًا، ومكافأة الجميل بمثله. ٦ المبادرة إلى قضاء حوائجهما دون انتظار طلب منهما؛ فهذا ألذ لهما، ولأنهما قد لا يُبديان حاجتهما؛ شفقة على الولد ورحمه له، ورفقًا به وتخفيفًا عليه، ولأن الولد إذا لم يبادر قد لا يسلم من التبرم، واستثقال طلبهما، وقد يخشى أن يرد طلبهما، وهذا أشد وأخطر. ٧ طاعتهما بالمعروف في أمرهما ونهيهما، وتقديم طاعتهما على طاعة من سواهما من الخلق، في طاعة الله ورسوله، ومعرفة الأولاد أن ما يقدمه والداهما لهم من تعليمات وتوجيهات مع أنها مصلحة صرفة لهم، فهي أيضًا تعليم لهم كيف يربون أولاهم، ويعلمونهم، ويوجهونهم. ٨ مشاركتهما في بعض الوجبات الغذائية مما يُدخِل السرور عليهما، والحذر من التشاجر أمامهما؛ فإن ذلك يؤذيهما. ٩ الإنفاق عليهما إذا احتاجا؛ فالولد من كسب أبيه، وهو وماله لأبيه. ١٠ الزيادة في البر بهما، والإحسان إليهما بعد كبرهما؛ لتأكد حاجتهما إلى ذلك في حال الكبر. ١١ صلة رحمهما في حياتهما وبعد مماتهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما. ١٢ مصاحبتهما بالمعروف، والدعاء لهما، والحرص على هدايتهما، ولو كانا كافرين. قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا

стр. 324

مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٤١ - ٤٥]. وعن أبي هريرة ﵁ أنه كان يدعو أمه إلى الإسلام فتأبى، وأسمعته في رسول الله ﷺ ما يكره، وجاء يبكي إلى النبي ﷺ ، وسأله أن يدعو الله أن يهديَ أم أبي هريرة، فدعا لها، فأسلمت (١). ج- تفاوت حق الوالدين في البر: لا خلاف في وجوب البر بكل من الوالدين؛ الأب والأم، وإعطاء كل منهما ما يستحقه من البر، لكن حق الأم أعظم وأعظم وأعظم؛ لما رواه أبو هريرة ﵁ أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أبوك» (٢). وفي رواية قال: «من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: «أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك» (٣). ولهذا فصَّل في وصيته بالوالدين في حق الأم، فقال تعالى في سورة لقمان: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾، ثم قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، وقال تعالى في سورة الأحقاف: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الآية: ١٥].

стр. 325

وإنما عظَّم الشرع حق الأم لما عانته من آلام الحمل والولادة، ومن التعب والسهر على العناية بالولد وحضانته، وإزالة الأذى عنه، وإرضاعه وتربيته. ومع عِظم حق الأم في البر والإحسان، فلا ينبغي أن يكون ذلك على حساب حق الأب في البر، فالبر بالأب من أعظم الواجبات، وحقه من أعظم الحقوق. فعليه الحمل الأكبر في الإنفاق على الأم، وعلى ولده، وتربيته، وتوجيهه، وتعليمه وتأديبه، فهو يبذل الغاليَ والنفيس في سبيل تنمية عقول أولاده، وأرواحهم، وأبدانهم، وصلاح أمر دينهم ودنياهم. ويخطئ أشد الخطأ مَن ينظِّرون للناس، ويقارنون بين البر بالأم والبر بالأب، بزعم أن البر بالأم يكون على حساب البر بالأب، أو العكس، فيغمطون الأم حقها الذي أعطاه الشرع لها، أو يغمطون الأب، وهؤلاء يفتقدون العلم، كما يفتقدون الحكمة، وليتهم يسكتون! وكما يختلف ويتفاوت البر بالوالدين بين الأم والأب، فكذلك يختلف الأولاد في الواجب عليهم من البر، فيجب على القوي والغني والقادر ما لا يجب على الضعيف والفقير والعاجز، ويجب على الابن من حيث العموم ما لا يجب على البنت؛ لأنه أقدر منها؛ لأن البنت وخاصة إذا كانت متزوجة مَهيضة الجناح، كالأسيرة عند زوجها. ومع ذلك تجد البنات غالبًا أعظم برًّا من الأبناء بوالديهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. د- استمرار البر بالوالدين بعد موتهما: وذلك بالدعاء والاستغفار لهما، والصدقة والحج والعمرة عنهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا تُوصَل إلا بهما، وغير ذلك. قال نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨]، وقال إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾.

стр. 326

وعن ابن عباس ﵄: أن سعد بن عبادة ﵁ استفتى رسول الله ﷺ فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر؟ فقال: «اقضِهِ عنها» (١). وفي روايةٍ: فقال: يا رسول الله، إن أمي توفيت، وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقتُ بشيءٍ عنها؟ قال: «نعم» قال: فإني أُشهِدك أن حائطي المِخراف (٢) صدقة عليها (٣). وعن عائشة ﵂: أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن أمي افتُلِتَتْ نفسها، ولم توصِ، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقتُ عنها، ولي أجر؟ قال: «نعم، فتصدقْ عنها» (٤). وعن بُريدة ﵁، أن امرأة قالت للنبي ﷺ : إن أمي ماتت وكان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عنها» قالت: إنها لم تحجَّ قطُّ، أفأحج عنها؟ قال: «حُجي عنها» (٥). وعن أبي هريرة ﵁، أن رجلًا قال للنبي ﷺ : إن أبي مات وترك مالًا، ولم يوصِ، فهل يكفِّر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: «نعم» (٦). وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل لتُرفع درجته في الجنة، فيقول: أنى لي

стр. 327

هذا؟ فيقال: باستغفار ولدِك لك» (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا مات ابنُ آدم انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (٢). وعن أبي بُردة قال: قدمت المدينة، فأتاني عبد الله بن عمر فقال: أتدري لم أتيتُك؟ قال: قلت: لا. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أحب أن يصلَ أباه في قبره، فليصِلْ إخوان أبيه بعده»، وإنه كان بين أبي عمر وبين أبيك إخاء ووُد، فأحببتُ أن أصل ذلك (٣). وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من البر أن تصل صديق أبيك» (٤). ومن حقوق الوالدين بعد موتهما: إنفاذ عهدهما من بعدهما، وتنفيذ وصيتهما، والعمل على إصلاحها وتنميتها؛ ليجري عليهم نفعُها وأجرُ ريعها؛ وذلك واجبٌ على الوصيِّ، فإن لم يقم بذلك، ولم يتبرع للقيام بذلك أحد من الورثة بأجر أو بغير أجر، استؤجر من يقوم عليها من ريعها، ولا تترك فتضيعَ؛ كما هو حال كثير من الوصايا والأوقاف. هـ- ثمار البر بالوالدين، وآثار الإحسان إليهما: يتبين من الآيات والأحاديث الدالة على وجوب الإحسان إلى الوالدين وفضل البر بهما أن بر الوالدين من أوسع أبواب التوفيق للخير والسعادة في الدنيا والآخرة، وثماره عظيمة، وآثاره ومنافعه كثيرة ظاهرة عاجلًا وآجلًا، ومن ذلك ما يأتي: ١ أنه سبب لإجابة الدعاء وحصول الرحمة.

стр. 328

٢ أنه وسيلة للتقرب إلى الله لطلب رضاه ودخول جنته، وتفريج الكروب، ودفع الخطوب، والنجاة من المصائب، والخروج من المضائق. ٣ أنه سبب للتوفيق والسعادة، وانفتاح أبواب الخير. ٤ أنه سبب لنيل أعظم الأجر والثواب. ٥ أنه سبب لدخول الجنة، والنجاة من النار. ٦ أنه سبب للبركة في العمر والرزق. ٧ أنه سبب لبر الأولاد، والذكر الحسن؛ لأن الجزاء من جنس العمل. الوقفة الثانية في: تحريم عقوق الوالدين أ- عقوق الوالدين من أكبر الكبائر: عقوق الوالدين محرم، بل من أشد المحرمات، وأكبر الكبائر وأعظم الموبقات، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧، ١٨]. وقال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]. وعن أبي بَكرة نُفيع بن الحارث ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» ثلاثًا، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين» وجلس وكان متكئًا فقال: «ألا وقول الزُّور». قال: فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت (١).

стр. 329

وعن أنس ﵁ قال: ذكرت عند رسول الله ﷺ الكبائر، فقال: «الشرك بالله، وعُقوق الوالدين» (١). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة مَنَّان، ولا عاق، ولا مدمن خمر» (٢). وعن عبد الله بن عمرو ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «من أكبر الكبائر: شتم الرجل والديه». قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: «نعم، يسبُّ الرجل أبا الرجل، فيسب أباه ويسب أمه، فيسب أمه». وفي رواية: «إن من الكبائر أن يلعن الرجل والديه». قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجلُ والديه؟ قال: «يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه ويسب أمه، فيسب أمه» (٣). وعن علي ﵁، أن رسول الله ﷺ حدثه بأربع كلمات: «لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى مُحدِثًا، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من غيَّر المَنار» (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث دعواتٍ مُستجابات، لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده» (٥). ب- الأسباب المؤدية إلى عقوق الوالدين: وهي كثيرة، منها ما يلي:

стр. 330

١ خِذلان الله للولد، ذكرًا كان أو أنثى، وعدم توفيقه له. ٢ ضعف الوازع الديني عند الولد، وضعف خوفه من الله تعالى. ٣ نكران الجميل الذي أسداه إليه والداه، والمعروف الذي قدَّماه له، وأنهما سبب وجوده بعد الله في هذه الحياة، وما لاقيا بسببه من المتاعب والمشاق. ٤ عدم تدبر الولد ما جاء في القرآن والسنة من عِظم حق الوالدين، وما رتب الله على برهما من الأجر، وما توعد به أهل العقوق. ٥ غرور الولد، وسفهه، وجهله في عواقب الأمور، وأن الجزاء من جنس العمل، وكما يدين المرء يدان. وقد قيل: يُقضى على المرء في أيام مِحنته حتى يرى حسنًا ما ليس بالحَسَنِ (١) ٦ حيلولة أحد الزوجين بين الزوج الآخر وبر والديه، وحمله على عقوقهما. ٧ اقتران الولد بصحبة سيئة لا تعينه على البر بوالده، بل تزهده في ذلك. ٨ تقصير الوالدين في تربية أولادهما، وإهمالهما لهم صغارًا، فعقوهما كبارًا. ٩ كما أن من الأسباب أن يكون الوالد عاقًّا لوالديه، وهو من أعظم الأسباب، وأصدقها وقوعًا؛ لأن الجزاء من جنس العمل، وكما يدين المرء يدان، قال ابن الجوزي: «وكان بعض العاقين ضرب أباه وسحبه إلى مكان، فقال له الأب: حسْبُك، إلى هاهنا سحبتُ أبي!» (٢). ١٠ شماتة الوالدين بأولاد غيرهما، فيبتليهما الله بعقوق أولادهما جزاءً وفاقًا. وفي الأثر: «لا تُظهِرِ الشماتةَ لأخيك، فيعافيه الله، أو في ﵀، ويَبتليك» (٣).

стр. 331

١١ وأخيرًا فإن من أعظم الأسباب ما يُنشر عبر وسائل الإعلام والاتصال على اختلافها وتنوعها من التزهيد في حق الوالدين، وإضعاف مكانتهما، ووضعهما أحيانًا في قفص الاتهام. ج- صور من عقوق الوالدين وأشكاله: صور عقوق الوالدين وأشكاله كثيرة، وهو ضد البر بهما والإحسان إليهما. وكل ما نقص من البر بهما، والإحسان إليهما فهو من العقوق، ومن ذلك ما يأتي: ١ عدم الإحسان إليهما بالقول والفعل والبذل. ٢ الإساءة إليهما والأذية لهما بقول أو فعل. ٣ التأفف منهما. ٤ نهرهما وزجرهما. ٥ الجفاء والغِلظة معهما، والتكبر عليهما، وعدم توقيرهما واحترامهما وتقديرهما. ٦ رفع الصوت عليهما. ٧ عدم الرحمة لهما، والعطف عليهما. ٨ عدم طاعتهما في أمرهما ونهيهما بالمعروف. ٩ نكران حقهما، ونسيان جميلهما، وعدم الاعتراف بفضلهما وإفضالهما. ١٠ قطيعتهما وعدم صلتهما بالزيارة والسلام والمساعدة، ونحو ذلك في حياتهما، ونسيانهما، وعدم تنفيذ عهدهما بعد موتهما، وعدم صلة رحمهما. ١١ التسبب في لعنهما وشتمهما. ١٢ ومن عقوق الوالدين بعد موتهما: عدم تنفيذ وصيتهما، أو إهمالها، وعدم القيام عليها وإصلاحها وتنميتها والحفاظ عليها، فكم من وصايا وأوقاف من عقارات وغيرها

стр. 332

اندثرت وضاعت بسبب إهمال ورثة الميت لها. د- عقوبات عقوق الوالدين وآثاره: عقوق الوالدين أمره خطير، وضرره كبير، وعقوباته عظيمة، وآثاره سيئة، وعواقبه وخيمة، عاجلًا وآجلًا، في الدنيا والآخرة، منها ما يأتي: ١ الوعيد بعدم دخول الجنة، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة عاقٌّ» (١). وكما في حديث أبي هريرة وأنس ﵄: «رغم أنف امرِئٍ، ثم رغم أنف امرئ، ثم رغم أنف امرئ، أدرك أبويه، أحدهما أو كلاهما، فلم يدخل الجنة» (٢). ٢ التهديد بدخول النار، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أدرك أبويه، أو أحدهما، فلم يَبَرَّهما، فمات، فدخل النار، فأبعده الله. قل: آمين». فقلت: آمين (٣). وعن جابر بن سَمُرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أدرك أحد أبويه فمات فدخل النار فأبعده الله. قل: آمين». فقلت: آمين (٤). ٣ أن عقوق الوالدين سبب لعدم التوفيق، وانغلاق أبواب الخير، وفقدان السعادة في الحياة. ٤ أنه سبب لعدم البركة في العمر والرزق. ٥ أنه سبب مؤكد لعقوق الأولاد؛ لأن الجزاء من جنس العمل؛ كما قال تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦].

стр. 333

وهذا أمر معلوم يشهد له الواقع، فكم كان البر سببًا للنجاة والسعادة والتوفيق! وكم كان العقوق سببًا للهلكة والشقاء، وعدم التوفيق! ومن هنا يُعلم أن إهمال تربية الأولاد، وعدم النصح لهم وتوجيههم عقوق لهم، ينتج عنه لا محالة ويترتب عليه عقوقهم لوالديهم. الوقفة الثالثة في: وصيتي للوالدين جبل الله الوالدين على محبة الأولاد، والعطف والشفقة عليهم، والرحمة بهم، وجعلهما ينظران إلى أولادهما أشد من نظر الزارع إلى زرعه، ينتظر استواءه ليقطف ثمرته. حكمة بالغة؛ ليكثر النسل، ويَعمُر الكون، وهو العليم الحكيم. ولكن في كثير من الحالات سرعان ما تتبدد آمال الوالدين، وتضمحل أحلامهما، فلا يجدان من أولادهما ما أمَّلاه فيهم من البر، بل قد يحصل لهما عكس ذلك، ويتمنيان السلامة، فتصير الآمال آلامًا، ويتحول ما أمَّلاه من السعادة بأولادهما، وقرة العين بهم إلى شقاء، وارتفاع في ضغط الدم، وزيادة السكري. فتُظلم الدنيا في أعين الوالدين، وتتكدر حياتهما، ويتنكد عيشهما، ويتذكران قول آدم ﵊ فيما قيل- حينما قتل أحد أولاده أخاه: تغيَّرت البلادُ ومَن عليها … ووجهُ الأرضِ مُغبَرٌّ قبيحُ والإنسان عندما يأتيه المُصاب من الآخرين فقد يجد سبيلًا للانفكاك عنه، والتخلص منهم، وقد يهون عليه ذلك. لكن عندما يأتي المصاب من الولد الذي هو قطعة من والده لا ينفك عنه، فإنه مهما حاول الوالد أن يبتعد عنه ويتناسى فإن الشعور بذلك يبقى يؤرقه، ويكدر عليه عيشه، وينكد عليه حياته، كالعلة في البطن.

стр. 334

وكم من أبٍ وأمٍّ عانى كل منهما الأمرين، وفقدا لذة الحياة وطعمها بسبب ذلك! ولهذا أوصيك أيها الوالد؛ أبًا كنت أو أمًّا بما يأتي: أولًا: اعلم أيها الوالد أنت وغيرك، أن إلى الله وحده المشتكى، لا إلى غيره، فتعلق به وحده يكفِك كل شيء، فبيده النفع والضر دون غيره؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]، وقال تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣]. ثانيًا: توسَّطْ في توقع البر من الأولاد، ولا ترفع سقف التوقعات، وتأمل في أحوال الناس من حولك؛ لكي تقنع بما تيسر وتطمئن وترتاح، ولا تذهب نفسك حسرات. ثالثًا: تذكر ما قد يكون سببًا في ضعف البر من الأولاد في نفسك أولًا، من تقصير منك في تربيتهم، أو عقوق منك لوالديك؛ فالجزاء من جنس العمل، واسأل الله العفو والعافية. رابعًا: تذكر أيضًا ما يمر به الأولاد من طفولة، ثم مراهقة قد تطول أحيانًا عند البعض، يكون فيها الشاب أحيانًا كالسكران، أو فاقد العقل. وتذكر أيضًا: ما ابتُلي به الناس من أمور وبلِيات قصروا بسببها حتى في حق خالقهم ومالكهم ومدبرهم ومربيهم بسائر النعم، يهُن عليك الأمر. خامسًا: اعلم قلة الشاكرين حتى لربهم، كما قال : ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، كما أن المؤمن منهم قليل، والضال كثير، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦]. سادسًا: ينبغي أن يعلم الوالد: أن الولد لا يحمل من المشاعر، والأحاسيس، والمحبة، والعطف، والشفقة تجاه والده مثل ما يحمله الوالد تجاهه، وشتان بين الثَّرَى والثُّرَيَّا! وكما يقال: «قلبي على ولدي انْفَطَر، وقلب وَلَدي عليَّ حَجَر»!

стр. 335

فمن تأمل في هذه الأمور الستة وغيرها، هان عليه الأمر، وقنع بما تيسر من البر، وصبر على ضد ذلك، والعاقبة للمتقين. وأخيرًا: همسة للولد: تذكر أيها الولد- بارك الله فيك ووفقك الله وهداك- أن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان، كما قال تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. واعلم أن ما فعلت سيُفعل معك برًّا أو عقوقًا، وأن برك بوالديك دَين يُسدِّد عاجله أولادك لك في حياتك، كما في الأثر: «بَرُّوا آباءكم تَبَرَّكم أبناؤكم» (١). مع ما رتب الله لك على ذلك من التوفيق، وعظيم الأجر والثواب في الدنيا والآخرة.

стр. 336

وقفة في: وجوب حفظ السمع والبصر والفؤاد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] هذه الجوارح الثلاث من أعظم ما امتن الله به على العباد كما أوضح ذلك في كتابه الكريم، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٨]. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣]. وإنما خص الله هذه الجوارح الثلاث؛ لفضلها وعظيم أثرها؛ نفعًا أو ضرًّا. فالسمع والبصر طريقَا وصولِ العلم والمعرفة والحق إلى القلوبِ، والقلوبُ هي محل الإدراك والفهم والعقل، ومناط التكليف، وعليها مدار صلاح الأعمال وفسادها، كما جاء في الحديث (١). وقد أكد وجوب حفظ هذه الجوارح الثلاث، ونهى الإنسان عن اتباع ما ليس له به علم، وأكد مسؤوليتها ومسؤولية الإنسان عنها؛ فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]. وقدَّم في الآيات ذكر السمع والبصر على ذكر الفؤاد؛ لأن السمع والبصر- كما تقدم- هما طريقَا وصول العلم والمعرفة إلى القلب، وإلا فإن القلب هو سيد الأعضاء

стр. 337

ورئيسها والحاكم عليها ومدبرها، وبه صلاحها أو فسادها، وصلاح البدن كله أو فساده، كما جاء في الحديث. كما قدَّم السمع على البصر؛ لأن السمع أوسع وأعم من البصر. وحفظ هذه الجوارح كل بحسبه. فالسمع يُحفظ من الاستماع إلى ما حرم الله تعالى: من الكلام الباطل والكفر. ومن الاستهزاء بالله تعالى ورسوله ﷺ وآياته وبالحق وأهله، ونحو ذلك. ومن استماع الغيبة، والنميمة، والكذب، والزور. ومن استماع حديث قوم وهم له كارهون، قال ﷺ : «من استمع إلى حديث قوم يكرهونه صُبَّ في أُذُنيه الآنُك يوم القيامة» (١)؛ وهو الرَّصاص المذاب. ومن استماع الغناء والمزامير ونحو ذلك. والبصر يُحفظ من النظر إلى المحرم، وما لا يجوز النظر إليه، فيحفظ الرجال أبصارهم عن النظر إلى النساء الأجنبيات، وتحفظ النساء أبصارهن عن النظر إلى الرجال الأجانب، ويحفظ الجميع أبصارهم عن كل ما يُعرض على الشاشات من الفُحش، والعُرْي، والفجور، ونحو ذلك، وعن كل ما يثير الفتنة، من النظر إلى المُردان، ومن النظر إلى المرأة بشهوة، ونحو ذلك. كما يحفظ الجميع أبصارهم عن النظر إلى ما لا فائدة في النظر إليه من أحوال الناس الخاصة، وأموالهم، وممتلكاتهم، ونحو ذلك. قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣٠، ٣١]. وغض البصر: خفضه إلى الأرض، أو صرفه يمينًا وشمالًا، وكفه عن النظر إلى

стр. 338

المحرمات، وما لا ينبغي النظر إليه. وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]. وعن جَرير بن عبد الله ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفُجاءة، فأمرني أن أصرِف بصري (١). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إياكم والجلوسَ في الطرُقات» قالوا: يا رسول الله، ما لنا بُدٌّ من مجالسنا نتحدث فيها. قال: «فإذا أبيتم إلا المجالس، فأعطوا الطريق حقها». قالوا: وما حق الطريق؟ قال: «غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام، وأمرٌ بالمعروف، ونهيٌ عن المنكر» (٢). وقد ذكر ابن تيمية ﵀ أن حفظ البصر عن الصور التي نُهي عن النظر إليها؛ كالمرأة، والأمرد الحسن، يُورث ثلاث فوائد جليلة: «حلاوة الإيمان، التي هي أحلى وأطيب مما تركه لله، فإن من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه، وثانيها: نور القلب وفراسته، وثالثها: قوة القلب وثباته وشجاعته» (٣). قال الشاعر: كلُّ الحوادثِ مَبداها من النظرِ … ومُعظمُ النارِ مِن مُستصغَرِ الشَّرَرِ كم نظرةٍ فتكت في قلبِ صاحبِها … فَتْكَ السِّهامِ بلا قوسٍ ولا وَتَرِ والمرءُ ما دام ذا عَينٍ يقلِّبها … في أعيُنِ الغِيدِ موقوفٌ على الخَطَرِ يُسِرُّ مُقْلَتَه ما ضَرَّ مُهْجَتَه … لا مرحبًا بسرورٍ عاد بالضَّرَرِ (٤) والفؤاد- وهو القلب- يُحفظ من أمراض القلوب كلها، ومن الفساد، الذي به فساد الجسد كله، كما قال ﷺ : «ألا إن في الجسد مُضغة إذا صلَحتْ صلَح الجسدُ كله، وإذا

стр. 339

فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (١). فيُحفظ القلب من مرض الشبهة، والشك، والكفر، والنفاق، ونحو ذلك. ويحفظ من مرض الشهوة بأنواعه الثلاثة: شهوة البطن، وشهوة الفرج، وشهوة اتباع الهوى، قال تعالى منكرًا ومحذرًا: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]. ويحفظ من الكبر، والإعجاب، والغل والحقد والحسد، والعداوة والبغضاء والشحناء والغش، وسوء الظن ونحو ذلك. ويتمثل ذلك كله في صدق الإيمان بالله ، والإخلاص له، والاستقامة على دينه وشرعه، وخوفه ورجائه، وملازمة العبد دعاء ربه، وسؤاله انشراح صدره، وثبات قلبه، وصلاحه وسلامته، وفي تعاهد قلبه ومراقبته، والحرص على سلامته، وفي إفشاء السلام، والنصح للمسلمين، ومحبة الخير لهم، وحسن الظن بهم، والتماس الأعذار، وإقالة العثرات، والتغافل عن الزلات، والحرص على إصلاح ذات البَين بين المسلمين، مع قوة الرجاء فيما وعد الله به سليم القلب من الأجر العظيم، والثواب الجزيل، والحياة السعيدة، والتوفيق في الدين والدنيا والآخرة. وفي «عون الرحمن» في تفسير قوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]- بسط الكلام في أسباب سلامة القلب، وانشراح الصدر، وفضيلة ذلك.

стр. 340

وقفات ثلاث في: الرقية الشرعية قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] الوقفة الأولى: حكم الرقية الشرعية وصفتها أ- حكم الرقية الشرعية: الرقية الشرعية مستحبة بدلالة القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]. فبيَّن أن القرآن الكريم شفاء لما في الصدور، وشفاء للمؤمنين، فهو شفاء لأمراض القلوب والأبدان المعنوية والحسية والنفسية، وفي هذا دلالة على مشروعية الاستشفاء به من كل داء. وعن أبي سعيد ﵁: أن جبريل ﵇ رقى النبي ﷺ بقوله: «باسمِ الله أرقيك، من كل شيءٍ يؤذيك، من شر كل نفسٍ، أو عينِ حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك» (١). وعن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوِّذات وينفُث، فلما اشتد وجعه كنتُ أقرأ عليه، وأمسح عنه بيده، رجاءَ بركتها (٢).

стр. 341

وعنها ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا آوى إلى فراشه كل ليلة، جمع كَفيه ثم نفث فيهما، فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات (١). وعنها ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا مرِض أحد من أهله نفَث عليه بالمعوِّذات، فلما مرِض مرضَه الذي مات فيه جعلتُ أنفُث عليه، وأمسحه بيد نفسه؛ لأنها أعظم بركةً من يدي (٢). وعنها ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أتى مريضًا يدعو له، قال: «أذهِبِ الباس، ربَّ الناس، واشفِ أنتَ الشافي، لا شفاءَ إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سَقَمًا» (٣). وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لدغتْ رجلًا منا عقرب، ونحن جلوس مع رسول الله ﷺ ، فقال رجل: يا رسول الله، أرقي؟ قال: «مَنِ استطاع أن ينفعَ أخاه فليفعلْ» (٤). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا في مسير لنا فنزلنا، فجاءت جارية فقالت: إن سيد الحي سَليم (٥)، وإن نفرنا غُيَّب، فهل منكم راقٍ؟ فقام معها رجل ما كنا نأبِنُه (٦) برقية، فرقاه، فبرأ، فأمر لنا بثلاثين شاةً، وسقانا لبنًا، فلما رجع قلنا له: أكنت تُحسن رقية، أو كنت ترقي؟ قال: لا، ما رقيت إلا بأم الكتاب. فقلنا: لا تحدِثوا شيئًا حتى نأتيَ أو نسأل النبي ﷺ . فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبي ﷺ ، فقال ﷺ : «وما يدريه أنها رقية؟

стр. 342

اقسموا، واضربوا لي بسهم» (١). ومن هذا الحديث أخذ أهل العلم جواز أخذ الأجرة على الرقية. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء» (٢). وعن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «لكل داءٍ دواء، فإذا أُصيب دواءُ الداءِ برَأَ بإذن الله تعالى» (٣). فهذه النصوص كلها تدل على مشروعية طلب الشفاء واستحبابه، والتداوي بالرقية الشرعية، وبمراجعة الأطباء المختصين، وغير ذلك من الأسباب المباحة. ب- صفة الرقية الشرعية: الرقية الشرعية هي ما كان بالآيات القرآنية، والأدعية النبوية الصحيحة كما في الأحاديث السابقة، وغيرها. وذلك بقراءة الفاتحة وتَكرارها سبع مرات، وقراءة آية الكرسي، وما تيسر من القرآن، وقراءة سورة الإخلاص، والمعوِّذتين، وتَكرارها ثلاثًا، وينفث على المريض على محل المرض، ويمسح عليه بيده. ويدعو بقوله: «باسم الله أرقيك، من كل شيءٍ يؤذيك، من شر كل نفسٍ أو عينِ حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك». وبقوله: «أذهِبِ الباس، ربَّ الناس، واشفِ أنتَ الشافي، لا شفاءَ إلا شفاؤك، شفاءً لا يُغادر سَقَمًا». وإن دعا ببعض الأدعية المأثورة عن السلف، وغيرها مما لا محذور فيه، فلا بأس بذلك.

стр. 343

سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ عن الأدعية التي تُقرأ على المريض، فأجاب ﵀ بقوله: «ينفث على المريض على محل المرض، ويدعو له، ينفُث عليه من ريقه، ويقرأ الفاتحة، ويكررها سبع مرات، ويقرأ آية الكرسيِّ، ويقرأ ما تيسر من القرآن، ويقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، والمعوِّذتين، يكررها ثلاثًا. هذه هي الرقية، وينفث معها ويدعو: «اللهم أذهبِ الباس، ربَّ الناس، واشفِ أنتَ الشافي، لا شفاءَ إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقمًا»؛ كما فعله النبي ﷺ ، ويقول: «باسمِ الله أرقيك، من كل شرٍّ يؤذيك، من شرِّ كلِّ نفس، أو عين حاسد، الله يشفيك، باسمِ الله أرقيك». هكذا رَقَى جبرائيلُ النبي ﵊ كما أخبر بذلك النبي ﵊. فكل هذا حسن، وإذا قال: «اللهم اشفِه، اللهم عافِه، اللهم يسِّر له العافية». والدعوات المناسبة، لا بأس» (١). الوقفة الثانية: ما ينبغي للمريض ينبغي للمريض الأمور التالية: أولًا: ينبغي للمريض أن يكون أول باب يطرقه لطلب الشفاء باب المهيمن -جل وعلا-، الذي لا يرُد من دعاه، ولا يخيب من رجاه، ولا يضام ولا يضار من توكل عليه ولاذ بحماه، الذي قال وقوله الحق: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾

стр. 344

[البقرة: ١٨٦]، وقال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. فله الخلق والأمر، وهو الشافي، وهو الكافي، وهو المعافي، كما قال خليل الرحمن ﵊: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]. وهو الحافظ الواقي، كما قال يعقوب ﵊: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤]. فلا يليق أن يُطرقَ باب قبل بابه لطلب الشفاء أو غيره. ثانيًا: أن يعلم المريض وغيره أن القرآن الكريم شفاء من كل داء، كما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]. فيُكثِر من قراءة القرآن، ويرقي نفسه بالرقية الشرعية، فيقرأ حسب قدرته، وينفث على نفسه، ويدعو الله ، ويسأله أن يشفيه ويعافيه. وقراءة الإنسان على نفسه أولى وأفضل من قراءة غيره عليه، وأحرى وأقرب للشفاء بإذن الله تعالى مع الإخلاص، وصدق اللجوء إلى الله تعالى، والانطراح بين يديه. وقد سُئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: ماذا يقول الإنسان إذا أراد أن يرقيَ نفسه؟ فأجاب ﵀ بقوله: «يقول ما أرشد إليه النبي ﷺ بقول: «ربَّ الناس، أذهِبِ الباس، واشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، باسمِ الله أرقي نفسي من كل شر يؤذيني، ومن كل نفسٍ أو عينِ حاسدٍ، الله يشفيني». ويتعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» (١). ثالثًا: لا بأس أن يبحث المريض عمن يرقيه من أهل الصلاح والتُّقَى والورع والخوف من الله ، الذين يلتزمون بضوابط القراءة الشرعية، والذين تنفع قراءتهم وتؤثر بإذن الله .

стр. 345

رابعًا: يحسن بالمريض أن يجمع بين العلاج بالقرآن والرقية الشرعية، وبين مراجعة الأطباء المختصين بالأمراض البدنية والنفسية، فقد قال ﷺ : «ما أنزل الله داءً إلا وأنزل له شفاءً»، وقال ﷺ : «لكل داءٍ دواء، فإذا أُصيبَ دواءُ الداءِ برَأَ بإذن الله تعالى» (١). فيجتمع العلاجان الشرعي والطبي، فيحصل الشفاء بإذن الله . الوقفة الثالثة: ما ينبغي للراقي ينبغي للراقي مراعاة عدة أمور، من أهمها ما يأتي: أولًا: ينبغي للراقي أن يكون على درجة من الصلاح، والتقوى، والورع، والخوف من الله ، ومحاسبة النفس، والإخلاص، وحسن النية، والحرص على نفع من يتردد إليه من المرضى، والصدق في الدعاء لهم بالشفاء. ثانيًا: ينبغي للراقي الالتزام بضوابط الرقية الشرعية بكونها بالقرآن الكريم، والأدعية الثابتة بالأحاديث الصحيحة، والآثار الواردة عن السلف، أو غيرها مما لا محذور فيه، فهذا أسلم له، وأنفع للمريض، وأقرب للشفاء بإذن الله . ثالثًا: يحسن بالراقي أن يطلب الأجر من الله تعالى، ويقصد بعمله نفع إخوانه، كما قال ﷺ : «من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل» (٢). وهذا أولى وأفضل وأحرى بحصول الشفاء، وما عند الله خير وأبقى. وللراقي أخذ الأجرة على الرقية؛ لقوله ﷺ للصحابة ﵃ لما استأذنوه في أخذ القطيع من الغنم الذي جعل لهم جعلًا، مقابل قراءتهم على اللديغ، قال ﷺ : «وما يدريه أنها رقية؟ اقسِموا، واضربوا لي بسهم» (٣).

стр. 346

رابعًا: على الراقي أن يحرص على توجيه المريض إلى التعلق بالله ، وأن يعظم رجاءه بربه، ويستبشر خيرًا بأن الله سيشفيه، ويعافيه، فهذا بإذن الله تعالى يخفف عليه المرض، ويعينه بتوفيق الله تعالى على تحمله، ومقاومته، ومن ثم بإذن الله زواله وشفاؤه، وهو بهذا التوجيه مأجور بإذن الله . خامسًا: على الراقي الاحتياط كل الاحتياط لسلامة دينه وعقيدته، والحذر كل الحذر مما يقع فيه بعض الرقاة- هداهم الله- من إيهام المريض بأن فيه سحرًا أو عينًا أو مسًّا، وربما تدرج الأمر ببعضهم بزعم أن الذي عمل لك السحر أو الذي أصابك بالعين فلان أو فلانة، وهذا أمر محرَّم لا يجوز؛ لما فيه من المحاذير والمفاسد العظيمة، ومن ذلك ما يلي: الأول: أنه رجم بالغيب، وهو كبيرة من كبائر الذنوب، بل يُخشى على قائله ما هو أشد من ذلك؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]، وقال تعالى عن خدمة سليمان ﵇ من الجن: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤]. الثاني: أن في هذا ظلمًا لمن اتُّهم بهذا العمل، بغير بينة، ولا دليل صحيح، وإنما لمجرد تخمينات وتخرصات وتوقعات وهمية، والظلم ظلمات يوم القيامة. الثالث: أن في هذا إفسادًا للعلاقات الاجتماعية بين الأقارب والجيران والإخوان والأصدقاء والمعارف، وإيغار صدور بعضهم على بعض، مما يصعب جبره كما قيل: إن القلوبَ إذا تنافرَ وُدُّها … شبه الزجاجةِ كَسرُها لا يُجبَر (١) وقد قال ﷺ : «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تَحابُّوا» (٢).

стр. 347

وقال ﷺ : «لا يؤمن أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه» (١). رابعًا: أن في هذا الأمر إدخالًا للمريض المسكين في دوامة لا يعلمها إلا الله تعالى، قد لا يخرج منها طول حياته؛ من الوساوس والأوهام، والشكوك بمن حوله، نسأل الله الهداية والعافية والسلامة.

стр. 348

وقفات أربع في: الصديق والأصدقاء قال الله تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١] الوقفة الأولى في: مكانة الصديق في الإسلام، وقيمته الدين الإسلامي دين المُثل العليا، والمبادئ السامية، دين الوفاء والصفاء، واحترام العهود والعقود، وإعطاء كل ذي حق حقه؛ ولهذا رفع مكانة الصديق، وعظَّمها، وجعل حقه من آكد الحقوق وأهمها، ولا أدل على هذا من إباحة الإسلام للإنسان أن يأكل من بيت صديقه، كما يأكل من بيته، وبيت أبيه، وبيت أمه، وبيوت أقاربه، قال تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١]. وأمر بالإحسان إلى الصاحب بالجنب في قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]، وقد ذهب غير واحد من المفسرين إلى أن المراد به: الصديق، أو الصاحب في السفر. وحث صلوات الله وسلامه على الجليس الصالح كما سيأتي، قال جعفر بن محمد ﵁: «صحبة عشرين يومًا قَرابةٌ» (١). وتقول العرب: «الصديق إحدى القرابتَينِ» (٢)، وقال أعرابي: «الصداقة قرابة

стр. 349

مستفادة» (١). وقال شَبيب بن شَيبةَ: «إخوان الصدقِ خيرُ مَكاسبِ الدنيا، هم زينة في الرخاء، وعُدةٌ في البلاء» (٢). وقال بلال بن سعد: «أخٌ لك كلما لقِيَك ذكَّرك برؤيته بربِّك، خيرٌ لك من أخٍ لك كلما لقِيَك وضع في كفِّك دِينارًا» (٣). وسئل حكيم عن الصديق، فقال: «إنسان هو أنت، إلا أنه بالشخص غيرك» (٤). فإذا وجد الإنسان أصدقاء ذوي ثقة، وجد بهم عيونًا وآذانًا وقلوبًا كلها له. الوقفة الثانية في: حاجة الإنسان إلى الصديق الصديق مَن تَصدُقه في مودتك له، ويَصدُقك في مودته لك، والصداقة أمر جِبِلِّي بين البشر، بل إنها موجودة بين الحيوانات. والإنسان مدني بالطبع، لا يعيش وحده؛ ولهذا لا بد من صديقٍ أو أكثر؛ يأنَس به، ويقضي معه بعض أوقات فراغه وراحته، ويشاركه في آماله وآلامه، ويعينه على أمر دينه ودنياه وأخراه، ولا طعم للحياة ولا لذة لها بدون صديق، كما قال الشافعي ﵀ (٥): سلامٌ على الدنيا إذا لم يكن بها صديقٌ صَدوقٌ صادقُ الوعدِ مُنصِفَا لأن تقلب الحياة بين السراء والضراء، والشدة والرخاء، يجعل الإنسان بأمس الحاجة إلى صديق يبثه أشجانه وتطلعاته، ويستشيره، ويفضي إليه بسره، ويشاركه في سروره وأفراحه، ويخفف عنه آلامه؛ بقوله الطيب، الذي يدخِل السرور على قلبه، ويشرح صدره، ويهون عليه مُصابه، وبفعله الحقيقي الذي يواسيه ويمده به.

стр. 350

كما قال أكثم بن صَيفي: «العيش في سبعة أشياء: «الولد البار، والزوجة الصالحة، والأخ المساعد، والخادم العاقل، والعافية السابغة، والقوت الكافي، والأمن الشامل» (١). وقال أعرابي: «الغريب مَن ليس له حبيب» (٢). وقال الخليل: «الرجل بلا صديق، كاليمين بلا شمال» (٣). وقال الشاعر (٤): لَعَمْرُكَ ما مال الفتى بذخيرةٍ ولكن إخوان الثقاتِ الذخائر وقال المتنبي (٥): شر البلادِ مكانٌ لا صديقَ به وشرُّ ما يكسب الإنسانُ ما يَصِمُ وحاجات الإنسان إلى صديقه كثيرة، قد تفوق حاجاته إلى غيره، من أقرب الأقربين إليه، ومن أهمها ما يلي: ١ عونه له على تقوى الله تعالى، وتشجيعه له على المسارعة إلى الخير، والمسابقة إليه، والمنافسة فيه. ٢ أُنسه به، وقضاؤه معه أوقات فراغه وراحته، ومشاركته له في أفراحه ومسراته. ٣ عونه له على أمور دنياه، وعلى ظروف الحياة ومتاعها، ومشاركته له تطلعاته وآماله، وتخفيف آلامه ومصابه. ٤ إرشاده له وتعليمه ما أشكل عليه، ونصحه، وتنبيهه إلى ما خفِي عليه، كما ثبت في الحديث أن سلمان الفارسي زار أخاه أبا الدرداء ﵄، وكان النبي ﷺ قد آخى بينهما. فوجد سلمان ﵁ أم الدرداء ﵂ متبذِّلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا، فقال: كُلْ. قال: فإني صائم.

стр. 351

قال: ما أنا بآكِلٍ حتى تأكل. قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم. فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم. فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قمِ الآن. فصلَّيا. فقال له سلمان: «إن لربِّك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كل ذي حق حقه». فأتى النبي ﷺ فذكر له، فقال النبي ﷺ : «صَدَقَ سلمانُ» (١). وذكر أحد الثقات أن أحد الإخوة تنكرت له أم أولاده بعد عشرة طيبة طويلة، فشق ذلك عليه، واستشار أحد إخوانه من ذوي العقل والمعرفة، فقال له: كيف حالك معها في أمر النساء؟ فقال: لقد ركِبتني ديون وهموم حتى أصبحت لا أهنأ بنوم، فكيف بأمر النساء، أي: ليس لي فيه عهد منذ زمن طويل، فقال أخوه: هذا هو السبب فيما حصل من زوجتك، فعاد الزوج معها في هذا الأمر بما تيسر له من أسباب، فعادت العِشرة الطيبة بينهما. والأمثلة على هذا كثيرة جدًّا. الوقفة الثالثة في: اختيار الصديق اختيار الصديق واستخلاصه ليس بالأمر السهل، ولا البسيط؛ لأن من يظهِر الصداقة في الناس كثير، لكن الصديق الوفي منهم قليل، ولهذا نجد القرآن الكريم أفرد الصديق في قوله تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾، في حين أن ما قبله في الآية جاء على صيغة الجمع. كما أفرد الصديق في قول أهل النار: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء ١٠٠، ١٠١]، قال المفسرون: وفي هذا إشارة إلى قلة الصديق المخلص. قال أعرابي: «الصاحب كالرقعة في الثوب، فلينظر الرجل بم يرقعه» (٢). وقال إبراهيم بن أدهم: «أنا منذ عشرين سنة في طلب أخ إذا غضب لم يقل إلا الحق،

стр. 352

فما أجده» (١). وقيل لحكيم: من أطول الناس سفرًا؟ قال: «من سافر في طلب صديق» (٢). وقال الشاعر: إن كنتَ تطلُبُ في الزمانِ مُهذَّبًا … فَنِيَ الزمانُ وأنتَ في الطلباتِ! (٣) وقال الآخر: وإذا صفا لك من زمانِكَ واحدٌ … فهْوَ المرادُ وعِشْ بذاك الواحد (٤) وقال اليزيدي: ألا إن إخوان الصفاء قليل … فهل لي إلى ذاك القليلِ سبيلُ؟ قِسِ الناسَ تعرِفْ غثَّهم وسَمِينَهم … فكلٌّ عليه شاهدٌ ودليلُ (٥) وقال الآخر: الأخلاء في الرخاء كثير … فإذا ما بلوتَ كانوا قليلَا وإذا ما أصبتَ خلا حفيظًا … راعيًا للإخاءِ برًّا وصولَا فتمسَّك بحبله أبدَ الدهـ … ر وأكرِمْ به أخًا وخليلَا (٦) وقال الآخر: وما بقِيتْ من اللَّذاتِ إلا … محادثةُ الرجالِ ذوي العقولِ وقد كانوا إذا عُدوا قليلًا … فقد صاروا أقلَّ من القليلِ (٧) ولهذا يجب أن يُعنى المرء كل العناية بمن يختاره صديقًا، ويصطفيه، ويستخلصه، من ذوي الخُلق النبيل، والأدب الرفيع، والصفات الكريمة، والخصال الحميدة، والتقى والصلاح، وأن تُبنى الصداقة على أساس متين من المحبة في الله تعالى، والتعاون على

стр. 353

البر، والتقوى، والصدق، والإخلاص، بعيدًا عن الأهداف المادية، التي تنقطع الصداقة بزوالها، وربما انقلبت عداوة. قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، قال ابن كثير (١): «أي: كل صداقة وصحابة لغير الله، فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة، إلا ما كان لله ، فإنه دائم بدوامه». وقال ﷺ : «مثل الجليس الصالح والجليس السوء؛ كحامل المِسْكِ ونافخِ الكِير، فحامل المسك إما أن يُحذِيَك، وإما أن تبتاعَ منه، وإما أن تجدَ منه ريحًا طيبةً، ونافخ الكير إما أن يُحرِقَ ثيابَكَ، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثةً» (٢). وقال ﷺ : «المرء على دين خليلِه، فلْينظُرْ أحدُكم مَن يُخالِل» (٣). وقال ﷺ : «لا تصحَبْ إلا مؤمنًا، ولا يأكلْ طعامَك إلا تقيٌّ» (٤). وذكر ﷺ من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه» (٥). قال الشاعر:

стр. 354

كن ما استطعت عن الأنام بمَعزِلٍ … إن الكثيرَ من الورى لا يُصحبُ واجعَلْ جَليسَكَ سيدًا تحظى به … حَبْر لَبيب عاقل متأدِّبُ (١) وقال الآخر: اختر صديقَك واصطفيه تفاخُرًا … إنَّ القَرينَ إلى المُقارَنِ يُنسَبُ فعلى العاقل اللبيب أن يختار من الأصحاب والأصدقاء من كان عونًا له على تقوى الله، وعلى جميع أمور دينه ودنياه وأخراه، كما قال الشاعر: أخ كان لي نعمَ المُعين على التُّقَى … به تَنجلي عني الهمومُ وتَذهَبُ فطَورًا بأخبارِ الرسولِ وصَحبِه … وطورًا بآدابٍ تَلِذُّ وتعذُبُ على ذا مضى عُمري كذاك وعمرُه … صَفِيَّيْنِ لا نجفو ولا نتعتَّبُ (٢) وقال ابن عائشة: «مجالسة أهل الديانة تجلو عن القلوب صَدَأَ الذنوب، ومجالسة أهل المروءات تدل على مكارم الأخلاق، ومجالسة العلماء تزكي النفوس» (٣). ولْيحذَر المرء كلَّ الحذر من صحبة الأشرار؛ فإنها خطر على الإنسان في دينه، ودنياه، وأخراه، ومآلُها إلى الزوال والانقطاع، والعداوة والندامة، كما قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان ٢٧ - ٢٩]. وقال ﷺ : «ومثل الجليس السوء كنافخِ الكِير، إما أن يُحرِق ثيابك، وإما أن تجدَ منه ريحًا خبيثة» (٤). قال الشاعر:

стр. 355

ما عاتب المرء الكريم كنفْسِه … والمرءُ يُصلحه الجليسُ الصالحُ (١) وقال عَدِيُّ بن يزيد (٢): إذا كنت في قومٍ فصاحِبْ خِيارَهم … ولا تصحَبِ الأرْدَى فتَردَى مع الردِي وقال طَرَفةُ بن العبد (٣): عن المرءِ لا تَسَلْ وسَلْ عن قَرينِه … فكلُّ قرينٍ بالمُقارَنِ يَقتدي وقال الآخر: وابلُ الرجالَ إذا أردتَ إخاءَهم … وتوسَّمنَّ أمورَهم وتفقَّدِ فإذا ظفرتَ بذي الديانةِ والتُّقَى … فيه اليدينِ قَرير عينٍ فاشْدُدِ ومتى يزلَّ ولا محالةَ زَلةً … فعلى أخيك بفضلِ حِلمِك فارْدُدِ (٤) وقال أسامة بن منقذ: واحذر مصاحبة السفيه فشرُّ ما … جلبَ الندامةَ صحبةُ الأشرارِ والناس كالأشجارِ هذي يُجتنى … منها الثمارُ، وذي وقودُ النارِ وقال أبو بكر الخوارزمي (٥): لا تصحَبِ الكسلانَ في حالاته … كم صالحٍ بفسادِ آخرَ يفسُدُ عدوى البليدِ إلى الجليد سريعةٌ … والجمرُ يُوضعَ في الرمادِ فيخمُدُ وقال بعضهم: «صحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخبار» (٦). وقال لقمان: «من يصحب صاحب الصلاح يسلم، ومن يصحب صاحب السوء لا يسلم» (٧). وفي قصة أبي طالب عم النبي ﷺ لما حضرته الوفاةُ، وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي
следующие страницы →