← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 800

مراقي العزة ومقومات السعادة

سليمان اللاحم

Полный текст (723 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

قال: ما أنا بآكِلٍ حتى تأكل. قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم. فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم. فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قمِ الآن. فصلَّيا. فقال له سلمان: «إن لربِّك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كل ذي حق حقه». فأتى النبي ﷺ فذكر له، فقال النبي ﷺ : «صَدَقَ سلمانُ» (١). وذكر أحد الثقات أن أحد الإخوة تنكرت له أم أولاده بعد عشرة طيبة طويلة، فشق ذلك عليه، واستشار أحد إخوانه من ذوي العقل والمعرفة، فقال له: كيف حالك معها في أمر النساء؟ فقال: لقد ركِبتني ديون وهموم حتى أصبحت لا أهنأ بنوم، فكيف بأمر النساء، أي: ليس لي فيه عهد منذ زمن طويل، فقال أخوه: هذا هو السبب فيما حصل من زوجتك، فعاد الزوج معها في هذا الأمر بما تيسر له من أسباب، فعادت العِشرة الطيبة بينهما. والأمثلة على هذا كثيرة جدًّا. الوقفة الثالثة في: اختيار الصديق اختيار الصديق واستخلاصه ليس بالأمر السهل، ولا البسيط؛ لأن من يظهِر الصداقة في الناس كثير، لكن الصديق الوفي منهم قليل، ولهذا نجد القرآن الكريم أفرد الصديق في قوله تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾، في حين أن ما قبله في الآية جاء على صيغة الجمع. كما أفرد الصديق في قول أهل النار: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء ١٠٠، ١٠١]، قال المفسرون: وفي هذا إشارة إلى قلة الصديق المخلص. قال أعرابي: «الصاحب كالرقعة في الثوب، فلينظر الرجل بم يرقعه» (٢). وقال إبراهيم بن أدهم: «أنا منذ عشرين سنة في طلب أخ إذا غضب لم يقل إلا الحق،

стр. 352

فما أجده» (١). وقيل لحكيم: من أطول الناس سفرًا؟ قال: «من سافر في طلب صديق» (٢). وقال الشاعر: إن كنتَ تطلُبُ في الزمانِ مُهذَّبًا … فَنِيَ الزمانُ وأنتَ في الطلباتِ! (٣) وقال الآخر: وإذا صفا لك من زمانِكَ واحدٌ … فهْوَ المرادُ وعِشْ بذاك الواحد (٤) وقال اليزيدي: ألا إن إخوان الصفاء قليل … فهل لي إلى ذاك القليلِ سبيلُ؟ قِسِ الناسَ تعرِفْ غثَّهم وسَمِينَهم … فكلٌّ عليه شاهدٌ ودليلُ (٥) وقال الآخر: الأخلاء في الرخاء كثير … فإذا ما بلوتَ كانوا قليلَا وإذا ما أصبتَ خلا حفيظًا … راعيًا للإخاءِ برًّا وصولَا فتمسَّك بحبله أبدَ الدهـ … ر وأكرِمْ به أخًا وخليلَا (٦) وقال الآخر: وما بقِيتْ من اللَّذاتِ إلا … محادثةُ الرجالِ ذوي العقولِ وقد كانوا إذا عُدوا قليلًا … فقد صاروا أقلَّ من القليلِ (٧) ولهذا يجب أن يُعنى المرء كل العناية بمن يختاره صديقًا، ويصطفيه، ويستخلصه، من ذوي الخُلق النبيل، والأدب الرفيع، والصفات الكريمة، والخصال الحميدة، والتقى والصلاح، وأن تُبنى الصداقة على أساس متين من المحبة في الله تعالى، والتعاون على

стр. 353

البر، والتقوى، والصدق، والإخلاص، بعيدًا عن الأهداف المادية، التي تنقطع الصداقة بزوالها، وربما انقلبت عداوة. قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، قال ابن كثير (١): «أي: كل صداقة وصحابة لغير الله، فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة، إلا ما كان لله ، فإنه دائم بدوامه». وقال ﷺ : «مثل الجليس الصالح والجليس السوء؛ كحامل المِسْكِ ونافخِ الكِير، فحامل المسك إما أن يُحذِيَك، وإما أن تبتاعَ منه، وإما أن تجدَ منه ريحًا طيبةً، ونافخ الكير إما أن يُحرِقَ ثيابَكَ، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثةً» (٢). وقال ﷺ : «المرء على دين خليلِه، فلْينظُرْ أحدُكم مَن يُخالِل» (٣). وقال ﷺ : «لا تصحَبْ إلا مؤمنًا، ولا يأكلْ طعامَك إلا تقيٌّ» (٤). وذكر ﷺ من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه» (٥). قال الشاعر:

стр. 354

كن ما استطعت عن الأنام بمَعزِلٍ … إن الكثيرَ من الورى لا يُصحبُ واجعَلْ جَليسَكَ سيدًا تحظى به … حَبْر لَبيب عاقل متأدِّبُ (١) وقال الآخر: اختر صديقَك واصطفيه تفاخُرًا … إنَّ القَرينَ إلى المُقارَنِ يُنسَبُ فعلى العاقل اللبيب أن يختار من الأصحاب والأصدقاء من كان عونًا له على تقوى الله، وعلى جميع أمور دينه ودنياه وأخراه، كما قال الشاعر: أخ كان لي نعمَ المُعين على التُّقَى … به تَنجلي عني الهمومُ وتَذهَبُ فطَورًا بأخبارِ الرسولِ وصَحبِه … وطورًا بآدابٍ تَلِذُّ وتعذُبُ على ذا مضى عُمري كذاك وعمرُه … صَفِيَّيْنِ لا نجفو ولا نتعتَّبُ (٢) وقال ابن عائشة: «مجالسة أهل الديانة تجلو عن القلوب صَدَأَ الذنوب، ومجالسة أهل المروءات تدل على مكارم الأخلاق، ومجالسة العلماء تزكي النفوس» (٣). ولْيحذَر المرء كلَّ الحذر من صحبة الأشرار؛ فإنها خطر على الإنسان في دينه، ودنياه، وأخراه، ومآلُها إلى الزوال والانقطاع، والعداوة والندامة، كما قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان ٢٧ - ٢٩]. وقال ﷺ : «ومثل الجليس السوء كنافخِ الكِير، إما أن يُحرِق ثيابك، وإما أن تجدَ منه ريحًا خبيثة» (٤). قال الشاعر:

стр. 355

ما عاتب المرء الكريم كنفْسِه … والمرءُ يُصلحه الجليسُ الصالحُ (١) وقال عَدِيُّ بن يزيد (٢): إذا كنت في قومٍ فصاحِبْ خِيارَهم … ولا تصحَبِ الأرْدَى فتَردَى مع الردِي وقال طَرَفةُ بن العبد (٣): عن المرءِ لا تَسَلْ وسَلْ عن قَرينِه … فكلُّ قرينٍ بالمُقارَنِ يَقتدي وقال الآخر: وابلُ الرجالَ إذا أردتَ إخاءَهم … وتوسَّمنَّ أمورَهم وتفقَّدِ فإذا ظفرتَ بذي الديانةِ والتُّقَى … فيه اليدينِ قَرير عينٍ فاشْدُدِ ومتى يزلَّ ولا محالةَ زَلةً … فعلى أخيك بفضلِ حِلمِك فارْدُدِ (٤) وقال أسامة بن منقذ: واحذر مصاحبة السفيه فشرُّ ما … جلبَ الندامةَ صحبةُ الأشرارِ والناس كالأشجارِ هذي يُجتنى … منها الثمارُ، وذي وقودُ النارِ وقال أبو بكر الخوارزمي (٥): لا تصحَبِ الكسلانَ في حالاته … كم صالحٍ بفسادِ آخرَ يفسُدُ عدوى البليدِ إلى الجليد سريعةٌ … والجمرُ يُوضعَ في الرمادِ فيخمُدُ وقال بعضهم: «صحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخبار» (٦). وقال لقمان: «من يصحب صاحب الصلاح يسلم، ومن يصحب صاحب السوء لا يسلم» (٧). وفي قصة أبي طالب عم النبي ﷺ لما حضرته الوفاةُ، وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي

стр. 356

أُمية، فقال له النبي ﷺ : «أي عمِّ، قل: لا إله إلا الله، كلمة أُحاجُّ لك بها عند الله» فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فأعاد النبي ﷺ له القول، فأعادا، فكان آخر ما قال: بل على ملة عبد المطلب. وأبى أن يقول: لا إله إلا الله (١). فهذه أبلغ صورة لصحبة الأشرار! الوقفة الرابعة في: حقوق الصديق، وكيفية التعامل بين الأصدقاء حقوق الصداقة كثيرة وعظيمة، من أهمها ما يلي: ١ أن يصدُق كل من الصديقين مع صديقه في المودة، ويخلص في الصداقة، ويكون كل منهما صريحًا صادقًا مع صديقه، ناصحًا له كل النصح، إذا لقيه سُر وفرح بلقياه، وأنس به، وإذا غاب عنه اشتاق له، وسأل عنه، يحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكرهه لنفسه. قال ﷺ : «خير الأصحاب خيرهم لصاحبه، وخير الجيران خيرهم لجاره» (٢). وقال ابن عمر ﵄ لصديق له: «إني لأغيب عنك بتَوْقٍ، وألقاك بشوق»، فسمعه أعرابيٌّ فقال: لو كان كلامًا يُؤتَدَم، لكان هذا (٣). وقال رجل لعمر بن الخطاب ﵁: والله إني لأحبك، قال: «لو كنت تحبني لأهديت إليَّ عيوبي» (٤).

стр. 357

وكان ﵁ يسأل سلْمان الفارسي ﵁ عن عيوبه، فلما قدم عليه سلمان ﵁ قال له: «يا أخي، أبلَغَكَ عني شيء تكرهه لما أخبرتني به؟» (١). وقال ميمون بن مِهران لجعفر بن بُرقان: «قل لي فيَّ ما أكره؛ فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره» (٢). وقد قيل: «المؤمن مرآة أخيه» (٣). قال أعرابي: «السؤال عن الصديق أحد اللقاءين» (٤). وقال عمر بن الطاب ﵁: «إن مما يصفي لك ود أخيك ثلاثًا: تبدؤه بالسلام إذا لقِيته، وتدعوه بأحب أسمائه إليه، وتوسع له في المجلس» (٥). وقال علي بن الهيثم: «يجب للصديق ثلاث خِلال: كتمان حديث الخلوة، والمواساة عند الشدة، وإقالة العثرة» (٦). ٢ أن يكون كل منهما وفيًّا مع الآخر غاية الوفاء، يشاركه آماله وآلامه، ويقف معه في السراء والضراء، والشدة والرخاء. قال الشاعر: إن الكريمَ الذي تَبقى مَودتُه … ويحفَظُ السرَّ إنْ صافَى وإنْ صَرَما ليس الكريمُ الذي إنْ ذلَّ صاحبُه … بثَّ الذي كان من أسرارِه عَلِمَا (٧) وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لأن أمشيَ في حاجة أخي أحبُّ إليَّ من

стр. 358

أن أعتكِفَ في هذا المسجد شهرًا» (١)؛ يعني مسجد المدينة. وذُكر أن طاوسًا ﵀ كان له صديق فمرض وطال به المرض، حتى جاء الحج، وكان طاوس يحج كل سنة، فترك الحج، وجلس على تمريض صديقه، ومواساته (٢). قال الشاعر: ما ودني أحدٌ إلا بذلتُ له … صَفْوَ المودةِ مِني آخِرَ الأبدِ ولا قَلَاني وإن كنتُ المُحِبَّ له … إلا دعوتُ له الرحمنَ بالرشدِ ولا ائتُمنتُ على سرٍّ فبُحتُ به … ولا مدَدتُ إلى غير الجميل يدي (٣) وكثير من الأصدقاء يكون مع صديقه في وقت الرخاء والسراء، فإذا حصل لصديقه شدة وضراء تخلى عنه؛ ولهذا لما سئل أحدهم: بم يُعرف الصديق؟ قال: «بالشدائد؛ لأن كل أحد في الرخاء صديق» (٤). قال الشاعر: جَزَى اللهُ الشدائدَ كلَّ خَيرٍ … عرَفتُ بها عَدُوِّي من صَديقي وقال الآخر: كم من صديقٍ لنا أيامَ دَولَتِنا … قد كان يَمدَحُنا فصار يَهْجُونا (٥) وقال الآخر: فأنت أخي ما لم تكن ليَ حاجةٌ … فإن وُجِدتْ أيقنتُ أنْ لا أخا لِيَا (٦) وقال الآخر: صديقك حين تستغني كثير … وما لك عند فقرِك من صديقِ

стр. 359

فلا تغضَبْ على أحدٍ إذا ما … طَوَى عنك الزيارةَ عند ضِيقِ (١) وهذا في الحقيقة لا يُعد صديقًا، ولا خير في صحبته، بل هو إلى العداوة أقرب، كما قال الشافعي ﵀ (٢): صديق ليس ينفَع يوم بُؤسٍ … قريبٌ من عدوٍّ في القياسِ وقال أيضًا: ولا خيرَ في خِلٍّ يَخُونُ خَليلَه ويَلقاهُ من بعدِ المودةِ بالجَفَا (٣) بل إن من الأصدقاء من لا يعرف صديقه إلا وقتَ الحاجة، فلا يزوره، ولا يدعوه، ولا يتصل به، ولا يسأل عنه، بل ينقطع عنه الأسابيع والشهور، وربما الأعوام، فإذا بدا له حاجةٌ سارع إلى الاتصال به، وهذا أسوأ حالًا من الأول. ٣ أن يتوسط ويتوازن كل منهما مع الآخر، في الزيارات والاتصال، والمتطلبات، ونحو ذلك. فإن كثرة الزيارات، وإطالة الجلوس، وكثرة الاتصال، وكثر المتطلبات والإلحاح تحدِث مَلَلًا، حتى إن بعض الأصدقاء يود أنه لم يعرف صديقه بسبب ذلك. والعرب تقول: «زُرْ غِبًّا، تَزْدَدْ حُبًّا» (٤). ورُوي في هذا حديث من رواية أبي هريرة ﵁ (٥)، وغيره.

стр. 360

قال الشاعر: إذا شئتَ أن تُقلَى فزُرْ متتابعًا … وإن شئتَ أنْ تَزدادَ حُبًّا فزُرْ غِبَّا (١) وقال الآخر: أقلِلْ زيارتَك الصديـ … ـقَ يراك كالثوبِ استجَدَّهْ إن الصديق يُمِلُّه … ألا يزالَ يراك عندَهْ (٢) ٤ أن يحذر كل منهما من كثرة المِزاح، مع أن المزاح أمر مطلوب، ولا بد منه بين المتعاشرين من الأصدقاء وغيرهم؛ لإزالة الوحشة بينهم، ولإدخال السرور والأنس، وإيجاد الثقة بينهم، فإن من لا يتحمل المزاح من صديقه في حدود المعقول والوسط، فليس بصديق، ولن يجد له صديقًا. لكن ينبغي عدم الإكثار من المزاح والهَزْل؛ لأنه قد يُحدِث شرخًا في الصداقة والمودة. قال الشاعر (٣): مازِحْ صديقك ما أراد مِزاحَا … فإذا أباه فلا تَزِدْهُ جِماحَا فلربما مَزَحَ الصديقُ بمزحةٍ … كانت لبدءِ عداوةٍ مِفتاحَا ويعزز هذا أن هناك من الأصدقاء من يمزح مع صديقه، ولكنه لا يتحمل المزح من صديقه. ٥ ينبغي أن يعلم الأصدقاء أن الصداقة مع طول المدة لا بد أن يَشُوبَها شيء من الكَدَر، وهذه طبيعة البشر، بل هي هذه طبيعة الحياة كلها، كما قال الشاعر: طُبعتْ على كَدَرٍ وأنت تُريدها … صَفوًا من الأقذاءِ والأقدارِ ومكلِّفُ الأيامِ ضدَّ طباعِها … متلمِّسٌ في الماءِ جَذوةَ نَارِ (٤)

стр. 361

ولهذا لا بد بين الأصدقاء من التغافل والتغاضي عن بعض الأخطاء، والتسامح عن الزلات، والبعد عن سوء الظن، والحساسية المفرطة. قال أبو قِلابة: «إذا بلغك عن أخيك شيء تكرهه فالتمسْ له العذر جهدك، فإن لم تجد له عذرًا فقل في نفسك: لعل لأخي عذرًا لا أعلمه» (١). وقال الشاعر: وإذا ما أتتْ من صاحبٍ لك زَلةٌ … فكنْ أنتَ مُحتالًا لزلَّتِه عُذرا (٢) قال الآخر (٣): ومن لا يُغمض عينه عن صديقه … وعن بعض ما فيه يمُت وهو عائبُ ومن يتتبع جاهدًا كل عثرةٍ … يجدها ولا يسلَم له الدهرَ صاحبُ وقال الآخر: أُعاتب إخواني وأُبقي عليهم … ولستُ بمستبقٍ أخًا لا أعاتبه (٤) وقال أبو زبيد الطائي: وأُغمِضُ للصديق عن المساوي … مخافةَ أن أعيشَ بلا صديقِ (٥) وقال الآخر (٦): ومَن يبغ الصديقَ بغيرِ عيبٍ … سيبقى الدهرَ ليس له صديقُ وقال النابغة: ولستَ بمُسْتَبْقٍ أخًا لا تَلُمُّه … على شَعَثٍ أيُّ الرجالِ المهذَّبُ (٧) وقال الآخر:

стр. 362

أتطلُبُ صاحبًا لا عيبَ فيه … وأي الناسِ ليس له عيوبُ؟ (١) وقال بشَّار بن بُرد (٢): إذا كنت في كل الأمور معاتبًا … صديقَك لم تلقَ الذي لا تعاتبُهْ فعِشْ واحدًا أو صِلْ أخاك فإنه … مُقارِفُ ذنبٍ تارَةً ومُجانبُهْ إذا أنتَ لم تشرَبْ مِرارًا على القَذَى … ظَمِئتَ وأيُّ الناس تصفو مَشاربُهْ؟ ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلُّها … كفى المرءَ نُبلًا أن تُعدَّ مَعايبُهْ وقال الآخر (٣): إذا ذهب العتابُ فليس وُدٌّ … ويبقى الودُّ ما بَقِيَ العتابُ وهذا لا يتنافى مع ما قبله، فإن العتاب اللطيف بين الأصدقاء، والصراحة بينهم أحيانًا في بعض الأمور قد تكون أولى من المجاملة التي قد تنفجر يومًا؛ فتؤدي إلى قطع الصداقة بالكلية. ٦ ينبغي عدم التكلف في طلب الأصدقاء، فمن أقبل منهم وصفا، فعلى العين والرأس، ومن أدبر منهم وجفا، فلا يحسن التكلف في لحاقه، والركض وراءه، فلا خير في ذلك، وقد قال العامة: «المغصوبة ما فيها لبن». قال الشاعر (٤): لا أبتغي وَصْلَ مَن يَبغي مُفارقتي … ولا ألِينُ لمَن لا يبتغي لِيني والله لو كرِهت كفي مُصاحبتي … يومًا لَقُلتُ لها عن ساعدي بِيني ثم التفتُّ إلى الأخرى وقلتُ لها … إن تسعديني وإلا مِثلَها كُوني وقال الآخر: ولا خيرَ في ودِّ امرئٍ متكارهٍ … عليك ولا في صاحبٍ لا تُوافقه (٥)

стр. 363

وقال الآخر: ألا إن خير الودِّ ود تطوعتْ … له النفسُ لا وُدٌّ أتى وهو مُتعَبُ (١) وقال الشافعي ﵀ (٢): إذا المرءُ لم يرعاك إلا تكلُّفًا … فدَعْهُ ولا تُكْثِرْ عليه التأسُّفَا ففي الناسِ أبدالٌ وفي التركِ راحةٌ … وفي القلبِ صبرٌ للحبيبِ ولو جَفَا فما كلُّ مَن تهواهُ يَهواك قلبُه … ولا كلُّ من صافيتَه لك قد صَفَا إذا لم يكن صفوُ الودادِ طبيعةً … فلا خيرَ في ودٍّ يجيء تكلُّفَا ولا خيرَ في خِلٍّ يَخُونُ خَليلَه … ويلقاه من بعدِ المودةِ بالجَفَا ويُنكِرُ عيشًا قد تقادمَ عَهْدُه … ويُظهِر سرًّا كان بالأمسِ قد خَفَا سلامٌ على الدنيا إذا لم يكن بها … صديقٌ صدوقٌ صادقُ الوعدِ مُنْصِفَا ٧ نظرًا لقلة الصديق الوفي، ولكون الصداقة إنما هي للحاجة، فالأولى عدم الإكثار من الأصدقاء، والاكتفاء بما خلص منهم وصفا، وبقدر الحاجة؛ لأن كثرتهم سبب لكثرة الدخيل فيهم، وعدم الموثوق، ولأن في كثرتهم ثقل ومشغلة للإنسان، وتضييع لكثير من حياته، وقد قال ﷺ : «إن لجسدك عليك حقًّا، وإن لعينك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا، وإن لزَوْرِكَ عليك حقًّا» (٣). قال عمر بن الخطاب ﵁: «الإخوان بمنزلة النار، قليلها متاع، وكثيرها بَوَار» (٤). وقال ابن الرومي (٥): عدوُّك من صديقِك مُستفاد … فلا تَستكثرنَّ منَ الصحابِ

стр. 364

فإن الداءَ أكثرَ ما تراه … يَحُول من الطعامِ أو الشرابِ إذا انقلب الصديق غدَا عدوًّا … مُبينًا، والأمورُ إلى انقلابِ ولو أن الكثيرَ يَطِيبُ كانت … مصاحبةُ الكثيرِ منَ الصوابِ وما اللُّجَجُ المِلاحُ بمُرْوِيَاتٍ … وتَلقَى الرِّيَّ في النُّطَفِ العِذابِ همسة: إذا لم يجد الإنسان من الأصدقاء إلا من تضره صحبته وصداقته، فالوَحدةُ خير من جليس السوء، والسلامة لا يعدِلها شيء، فعلى المرء أن يجعل جليسه كتاب الله تعالى، ففيه غنية عن كل جليس، ويجالس رسول الله ﷺ في النظر في سنته وسيرته وشمائله، ويجالس أهل العلم والأدب في كتبهم، قال الشاعر: اجعَلْ جليسَكَ مَجموعًا تُطالعه … لتستفيدَ من الآدابِ والحِكَمِ واترُكْ مَجالسَ أقوامٍ تُجالسُهم … فتكسب الإثمَ من سمع ومن كَلِمِ وقال الآخر: أعزُّ مكانٍ في الدُّنا سَرْجُ سابحٍ … وخيرُ جليسٍ في الزمانِ كتابُ وقال الشافعي ﵀ (١): إذا لم أجد خِلًّا تقيًّا فوَحدتي … ألذُّ وأشهى من غَوِيٍّ أُعاشرُهْ وأجلسُ وَحدِي للعبادةِ آمنًا … أقرُّ لعيني من جَليسٍ أُحاذرُهْ وقال عبيد الله بن عبد الله: وَحدةُ الإنسانِ خيرٌ … من جليسِ السَّوءِ عندَهْ وجليسُ الصدقِ خيرٌ … من جلوسِ المرءِ وَحدَهْ (٢)

стр. 365

وقفات ست في: أهمية الوقت، ووجوب المحافظة عليه، وتنظيمه قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧] الوقفة الأولى في: أهمية الوقت، ووجوب المحافظة عليه الوقت: هو عمر الإنسان في هذه الحياة، وهو رأس ماله الذي يجب أن يحافظ عليه محافظةً تامةً؛ ولهذا أقسم الله به في القرآن الكريم، في آيات كثيرة، قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر]. وقال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: ١ - ٤]، وقال تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: ١ - ٤]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: ١، ٢]، وقال تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ١، ٢]. وقال ﷺ : «لا تزول قَدَمَا عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن: عُمُره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه» (١). وقال ﷺ : «نعمتان مَغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» (٢).

стр. 366

وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «اغتنِمْ خمسًا قبل خمس: … وفراغك قبل شُغلِك، وحياتك قبل موتك» (١). وبه أعذر الله إلى الخلق، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧]. وقال ﷺ : «أعذرَ اللهُ إلى امرئٍ أخَّر أجَله، حتى بلَّغه ستين سنةً» (٢). قال ابن الجوزي ﵀: «ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه، وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قُربة، ويقدم فيه الأفضل فالأفضل من القول والعمل، ولتكن نيته في الخير قائمة، من غير فُتور، بما لا يعجز عنه البدء من العمل» (٣). وقال ابن القيم ﵀: «وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة المعيشة الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر مر السحاب، فمن كان وقته لله وبالله، فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبًا من حياته، فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو، والأمانيِّ الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير له من حياته» (٤). قال الحسن البصري ﵀: «يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضُك» (٥). قال الشاعر: يسرُّ المرءَ ما ذهب الليالي … وكان ذهابُهنَّ له ذهابَا (٦)

стр. 367

وقال الآخر: إنا لنفرَحُ بالأيام نقطَعُها وكل يومٍ مَضَى جزء من العُمرِ (١) وقال الآخر: المرءُ يفرَحُ بالأيامِ يَقطَعُها وكل يومٍ يدنِّيه من الأَجَل (٢) الوقفة الثانية في: التحذير من التفريط في العمر، وإضاعة الوقت عمر الإنسان في هذه الحياة أيام معدودة، وساعاته فيها محدودة، وأنفاسه فيها محسوبة، وكل وقت يمر عليه فيها بلا عمل يقربه إلى الله تعالى، فهو خسارة، كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر]. وقال ﷺ : «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس؛ الصحة والفراغ» (٣). وقال ﷺ : «كل الناس يغدو، فبائعٌ نفسَه فمُعتِقُها أو مُوبِقُها» (٤). وشتان شتان بين مُعتق نفسه باستغلال عمره ووقته بالأعمال الصالحة، وبما ينفعه، وبين موبقها بالتفريط في عمره، وإضاعة وقته باللهو واللعب والغفلة، أو بما يضره. قال يحيى بن معاذ: «إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت انقطاع عن

стр. 368

الحق، والموت انقطاع عن الخلق» (١). وقد قيل: «الأيام ثلاثة: أمس قد مضى بما فيه، وغدًا لعلك لا تُدرِكه، وإنما هو يومك هذا، فاجتهد فيه» (٢). قال الشافعي ﵀ (٣): إذا مرَّ بي يومٌ ولم أستفِدْ هُدى ولم أكتسِبْ عِلمًا فما ذاك من عُمري قال ابنئا إلى آخرها لا تساوي غمَّ ساعة، فكيف بغم العمر؟! محبوبُ اليومِ يَعقُبه المكروه غدًا، ومكروه اليوم يعقبه المحبوب غدًا. أعظم الربح في الدنيا أن تشغل نفسك كل وقت بما هو أولى بها وأنفع لها في معادها. كيف يكون عاقلًا من باع الجنة بما فيها لشهوة ساعة؟!» (٤). ولقد كان من أعظم أسباب تأخر العرب والمسلمين في الوقت الحاضر، وتخلفهم عن ركب الحضارة التفريط في الوقت، وإضاعته، وقتله، وعدم الاهتمام به. الوقفة الثالثة في: أعظم أسباب التفريط في العمر: الخواء الروحي، وعدم التصور التام للهدف الذي خُلق الإنسان من أجله إن من نعمة الله على المؤمن أن رسم له أعظم هدف للحياة، وهو عبادة الله

стр. 369

تعالى وحده، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] هدف تقصُر دونه جميع الأهداف الدنيوية والمالية، على كثرتها واختلافها، وتنوعها وتعددها؛ اقتصادية، وسياسية، أو غيرها من اعتلاء المناصب، وتحقيق الرغبات النفسية، وغير ذلك. هدف يَرقَى بصاحبه إلى الثريا، وإلى قمة السعادة في الدنيا والآخرة، ويجمع له بين خيريِ الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ القصص: ٧٧]، وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وقال ﷺ : «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابتْه سرَّاء شكَر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبَر، فكان خيرًا له» (١). هدف به يسعد الإنسان في الدنيا، وبه في الآخرة يُزحزَح عن النار، ويدخل الجنة، دار القرار، ويفوز برؤية العزيز الجبار. فانتبه لهذا بارك الله فيك، واعلم أن العمر غالٍ ونفيس، فاعمُرْه بما يقرِّبك إلى الله تعالى، وما ينفعك غدًا، ولا يكن همك تزجية الأوقات، وتقطيع أيام العمر في اللهو والغفلات، والأسفار والتنزهات، أو في جمع الأموال، تندم غدًا ولات ساعة مَندم، وتأملْ قوله ﷺ : «كل الناس يغدو، فبائعٌ نفسَهُ فمُعتِقها أو مُوبِقها»؛ أي: كل الناس يسير ويقطع هذه الحياة، فمن سائرٍ في طريق الخير، فمعتق نفسه من النار، ومن سائر في طريق الشر، فموبقها في النار. قال الشاعر:

стр. 370

قد رشحوك لأمرٍ لو فطِنت له … فارْبَأْ بنفسِكَ أن تَرعَى مع الهَمَلِ (١) وقال الآخر: الأمر جدٌّ وهو غير مِزاح … فاعمَلْ لنفسِك صالحًا يا صاحِ (٢) وقال الآخر: سوف ترى إذا انجلى الغبارُ … أفرسٌ تحتك أم حِمارُ (٣) رأى بعض السلف أخًا له مجتهدًا في العبادة، فقال له: «أتعبتَ نفسَك!»، فأجابه بقوله: «راحتَها أُريد» (٤). وقال علي بن أبي طالب ﵁ (٥): وما المرء إلا حيثُ يجعَلُ نفسَه … فكن طالبًا في الناسِ أعلى المراتبِ وقال لَبِيد (٦): وما الناس إلا عاملان فعاملٌ … يُتَبِّرُ ما يَبني وآخر رافعُ وقال ابن هانئ (٧): فلم أجدِ الإنسانَ إلا ابنَ سَعيِه … فمن كان أسعى كان بالمجدِ أجدرَا ولم يتأخَّرْ مَن يريدُ تَقدُّمًا … ولم يتقدَّمْ مَن أراد تأخُّرَا وقال الآخر: إذا غامرت في شرفٍ مَرُومِ … فلا تَقنَعْ بما دونَ النُّجومِ (٨)

стр. 371

وقال الآخر: ومَن تكنِ العلياءُ همةَ نفسِه … فكل الذي يَلقاه فيها مُحببُ (١) وقال الآخر: إذا أنتَ لم تعرِفْ لنفسِك حقَّها … هوانًا بها كانت على الناسِ أهونا (٢) وقال الآخر: مَن يَهُنْ يسهلِ الهوانُ عليه … ما لجُرحٍ بميِّتٍ إيلامُ (٣) وقال الآخر: ومَن يتهيبْ صعودَ الجبالِ … يبِتْ أبدَ الدهرِ بينَ الحُفَرْ (٤) الوقفة الرابعة في: أن الوقت يمضي سريعًا الوقت يمضي سريعًا كسرعة البرق الخاطف، فلا يمكن الإمساك بعقارب الساعة. وقد قيل: «الوقت كالسيف، إن لم تقطعْه قطعك» (٥). وقال الشاعر: دقاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ له … إن الحياةَ دقائقٌ وثوانِي

стр. 372

فارفعْ لنفسِك بعد موتِك ذِكرَها … فالذِّكرُ للإنسانِ عُمرٌ ثاني (١) وهذا يوجب على المسلم الحزم في تنظيم الوقت، واستغلاله قبل أن يندم على التفريط، وضياع عمره. قال بعض السلف: «ما ندِمت على شيء ندمي على يوم غربت عليَّ فيه شمسه، نَقَصَ فيه عمري، ولم يزدد عملي». وقال الشاعر: فيا ليت الشبابَ يعودُ يومًا … فأُخْبِرَه بما فعل المَشيبُ بكيتُ على الشبابِ بدمعِ عيني … فلم يُفِدِ البكاءُ ولا النَّحيبُ (٢) الوقفة الخامسة في: تنظيم الوقت اهتم الإسلام بتنظيم الوقت، وهو ما يسميه أهل العلم ﵏: «عمل اليوم والليلة»، ويظهر هذا الاهتمام من جانبين: الجانب الأول: من خلال عناية القرآن الكريم، والسنة النبوية؛ ببيان أهمية الوقت، وأهمية عمر الإنسان في هذه الحياة، كما سبق بيانه. الجانب الثاني: من خلال تحديد أوقات العبادات البدنية؛ الفعلية والقولية؛ كالصلاة، والصيام، والحج، والذكر، والاستغفار، وتحديد أوقات العبادات المالية، ومن خلال جعل الأيام والليالي خزائن للأعمال الصالحة. قال تعالى في الصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وقال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ

стр. 373

الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. وفي هذا تنظيم أوقات الصلوات الخمس كلها، وقيام الليل، ومثله قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ [الإنسان: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨]. وقال ﷺ : «من صلى البُردَينِ دخل الجنة» (١)؛ يعني: صلاة الفجر، وصلاة العصر. وقال ﷺ : «فإنِ استطعتم ألا تُغلَبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها، فافعلوا» (٢). وعن جُندَب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى الصبحَ فهو في ذمةِ الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيءٍ، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يُدرِكه ثم يكبه على وجهه في نار جهنم» (٣). وقال ﷺ : «من صلى صلاة الصبح كان في جوار الله حتى يُمسيَ، ومن صلى العصر كان في جوار الله حتى يصبح» (٤). وقال تعالى في الصيام: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقال تعالى في الحج: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]. وقال تعالى في الذكر: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ

стр. 374

كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]. وقال تعالى في التسبيح، وهو محمول على معناه، وعلى الصلاة في أكثر الآيات: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠]، وقال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]، وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨]، وقال تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٩]. وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق ٣٩ - ٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور ٤٨ - ٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦]. وقال تعالى في الاستغفار: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وقال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]. ومن مجموع هذه الآيات في تحديد أوقات العبادات من الصلاة وغيرها، يؤخذ أهمية تنظيم الوقت، فوقت للعبادة، ووقت للعمل، ووقت للأكل، ووقت للراحة، ووقت

стр. 375

للنوم، وهكذا. كما يؤخذ منها أن الهيكل الرئيس لتنظيم الوقت وعمل اليوم والليلة هي أوقات الصلاة الخمس، فإن المسلم- ولله الحمد والمنة- يجد بعد كل صلاة حيوية ونشاطًا- بفضل الله وبركة الصلاة، وحسن مبادئ هذا الدين الحنيف، وكأن المسلم بعد الصلاة يستقبل يومًا جديدًا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، اللهم لك الحمد. نموذج لتنظيم الوقت وعمل اليوم والليلة: ١ يبدأ المسلم يومه بعد القيام من الليل بالوتر، ثم بعد طلوع الفجر، يصلي راتبة الفجر، ثم يصلي الفجر، ثم يأتي بالأذكار بعدها، ثم أوراد الصباح. ٢ الوقت بعد صلاة الفجر وقت مبارك؛ لقوله ﷺ : «بورك لأمتي في بكورها» (١)، فيحسن أن يستغله المسلم في الجلوس في مصلاه، في الذكر، وقراءة القرآن، ومذاكرة الدروس، ونحو ذلك، ومن ثَمَّ صلاة الضحى بعد ارتفاع الشمس قدر رُمح فأكثر، ومن ثم تناول الإفطار. ٣ الوقت بعد ذلك يُستغل في الدراسة والعمل حتى دخول وقت الظهر. ٤ صلاة الظهر والرواتب قبلها وبعدها، والأذكار بعدها. ٥ تناول الغداء، والراحة بعد ذلك. ٦ صلاة العصر، والأذكار بعدها، والأوراد المسائية. ٧ ما بعد ذلك يُستغل في العمل، أو في القراءة، أو المذاكرة، وأخذ قسط من الرياضة. ٨ صلاة المغرب، والأذكار بعدها، والراتبة، والأوراد إن لم يكن أتى بها بعد العصر. ٩ بعد المغرب الجلوس مع الأهل، وزيارة الأقارب، أو الأصدقاء، أو المرضى. ١٠ صلاة العشاء، والأذكار بعدها، وراتبتها، والوتر لمن يشق عليه القيام من الليل.

стр. 376

١١ بعد ذلك تناول العشاء، ومن ثم القراءة في كتب العلم والمذاكرة، دون إطالة، ثم الاسترخاء للراحة والنوم؛ قال ﷺ : «يُكره النومُ قبلها، والحديثُ بعدها» (١). وهذا الترتيب والتنظيم من حيث العموم، والناس تختلف ظروفهم وأحوالهم وحاجاتهم، وأعمالهم، وقدارتهم، وغير ذلك، فما يناسب هذا قد لا يناسب هذا، وما يستطيعه هذا، قد لا يستطيعه غيره، وهكذا. لكن على المسلم أن يحرص على تنظيم وقته بما يناسبه، ويحذر كل الحذر أن تنصرم أيام عمره وتضيع في اللهو والغفلات، واتباع هوى النفس والشهوات. قال الوزير الصالح يحيى بن زهير: والوقت أنفسُ ما عُنِيتَ بحِفظِه … وأُراه أسهلَ ما عليك يَضيعُ (٢) الوقفة السادسة في: أعظم أسباب ضياع الوقت وعدم القدرة على تنظيمه من أعظم أسباب ضياع الوقت، وعدم القدرة على تنظيمه: قلب الفطرة بالسهر ليلًا، والنوم نهارًا. فقد فطر الله الخلائق؛ الإنس والجن والحيوانات، وسائر المخلوقات على الفطرة السوية، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]؛ أي: خلق كل شيء وسواه، ثم هدى كل مخلوق لما خلق له. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣]؛ أي: قدر مقادير الخلائق، وهدى كل مخلوق لما قدر له.

стр. 377

وجعل سبحانه الليل لباسًا، وسكنًا، ووقتًا للراحة والنوم، وجعل النهار مبصرًا ومضيئًا، ونشورًا ومعاشًا؛ لابتغاء الفضل والرزق من الله . قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [يونس: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢]. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٦]. وقال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر: ٦١]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ ١٠ - ١١]. هكذا فطر الله الخلائق، وأنعم عليهم بالليل، وجعله مظلمًا ليسكنوا، ويستريحوا فيه، وأنعم عليهم بالنهار، وجعله مبصرًا مضيئًا؛ لينتشروا فيه؛ لطلب الرزق والمعاش، فاهتدى لذلك أكثر الخلائق، بما في ذلك العجماوات من الحيوانات، والطيور، وغيرها. فكانت تغدو في الصباح الباكر لطلب المعاش خِمَاصَ البطون، وتَرُوح في المساء إلى مَراحها وأوكارها مليئة البطون. وخالف هذه الفطرة السوية من انتكست فطرتهم من بني آدم، بالسهر ليلًا، والنوم نهارًا، فاضطربت حياتهم، وضاعت أوقاتهم، واختل كثير من أمر دينهم ودنياهم، وكان لذلك أثره في صحتهم؛ في أبدانهم، وعقولهم، ونفسياتهم، وفقدوا بسبب ذلك كثيرًا من لذة الحياة وسعادتها التي ظفر بها غيرهم، حتى العجماوات.

стр. 378

وقفتان في: سلامة القلب قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩] الوقفة الأولى في: فضيلة سلامة القلب، وانشراح الصدر سلامة القلب، وانشراح الصدر من أفضل الصفات، وأجلِّ الصفات، وأزكى الخِلال، وأعظم أسباب السعادة والتوفيق في الدين والدنيا والآخرة، وذلك لما يأتي: ١ أن سلامة القلب، وانشراح الصدر من أعظم أسباب الهداية والتوفيق من الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢]. ٢ أن ذلك من أعظم أسباب التوفيق بإذن الله تعالى، للإخلاص لله، واجتناب الشرك والمعاصي، ومن أعظم أسباب شكر الله تعالى، امتدح الله به خليله إبراهيم ﵇، وجعله قدوة في الخير، قانتًا لله تعالى، مستقيمًا على التوحيد، مائلًا عن الشرك، مجتنبًا له، شاكرًا لأنعُم الله ، اجتباه، وهداه إلى صراط مستقيم، وآتاه في الدنيا حسنة، وجعله في الآخرة من الصالحين، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣، ٨٤]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ

стр. 379

اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٢]. ٣ أن ذلك من أخص صفات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأهم مطالبهم، وأعظم ما امتن الله به عليهم، وصف الله به إبراهيم ﵊، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣، ٨٤]. وسأل موسى ﵇ ربه ذلك، فقال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥]. وامتن الله به على نبينا محمد ﷺ ، فقال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]. ٤ أن الله امتدح به أصحاب النبي ﷺ من الأنصار ﵃، فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. ٥ أن الله امتدح به من جاء بعد الصحابة من المؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. ٦ أنه سبب لسلامة القلب على جميع المسلمين، حُكامًا ومحكومين، ومحبتهم، والدعاء لهم، والنصيحة، ولزوم جماعتهم، كما قال ﷺ : «ثلاث لا يُغَلُّ عليهم قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن الدعوة تحيط من ورائهم» (١). ٧ صاحب القلب السليم قدوة صالحة عظيمة، في الدعوة إلى الخير والإصلاح، في تعامله وأخلاقه؛ لأن التربية بالفعل أقوى تأثيرًا من التربية بالقول. ٨ أن من منحه الله سلامة الصدر وانشراح القلب من أقوى الناس- بعون الله تعالى

стр. 380

وتوفيقه- على الصبر، والعفو، والصفح، وكظم الغيظ، وترك الغضب، والدفع بالتي هي أحسن، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥، ٣٦]. ٩ أن ذلك سبب للسلامة من العداوة، والبغضاء، والشحناء، والحقد، والحسد، وسوء الظن، وغير ذلك من أمراض القلوب. قال ابن رجب (١) ﵀: «فأفضل الأعمال: سلامة الصدر من أنواع الشحناء كلها، وأفضلها: السلامة من شحناء الأهواء والبدع، التي تقتضي الطعن على سلف الأمة، وبغضهم والحقد عليهم، واعتقاد تكفيرهم، أو تبديعهم وتضليلهم، ثم يلي ذلك سلامة القلب من الشحناء لعموم المسلمين، وإرادة الخير لهم، ونصيحتهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه». ١٠ أنه سبب للسلامة من الغِيبة، والنميمة، فلا رواج لهما عند سليم القلب، منشرح الصدر، لا تحدثًا بهما، ولا نقلًا لهما، ولا استماعًا إليهما. ١١ أن ذلك من علامات ودلائل حسن الدين، والاستمساك بالعروة الوثقى، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: ٢٢]. عن سفيان بن دينار، قال: قلت لأبي بشر: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: «كانوا يعملون يسيرًا، ويؤجرون كثيرًا». قال سفيان: ولم ذاك؟ قال أبو بشر: «لسلامة صدورهم» (٢). ١٢ أنه لا ينفع يوم القيامة سوى سلامة القلب، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]. ١٣ أنه سبب لدخول الجنة، والأجر، والسلامة من الخوف والحزن، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ

стр. 381

كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١١ - ١١٢]. وقال ﷺ : «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا … » الحديث (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أول زُمرةٍ تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين على آثارهم كأحسن كوكب دُرِّيٍّ في السماء إضاءة، قلوبهم على قلب رجل واحد، لا تباغض بينهم ولا تحاسد» (٢). ١٤ أنه من أعظم نعيم الجنة، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]. ١٥ أن من كان سليم القلب، منشرح الصدر، يعيش في جنة وسعادة ونعيم في الدنيا قبل الآخرة، مع ما عند الله تعالى له في الآخرة. قال ابن القيم (٣): «القلب السليم في جنة معجلة في الدنيا، وفي جنة في البرزخ، وفي جنة يوم المعاد». وهذا لا يدركه إلا من منحه الله تعالى سلامة القلب، وانشراح الصدر. قال الشاعر: من سالم الناسَ يَسلَم من غوائلهم … وعاش وهو قَريرُ العينِ جَذْلانُ (٤)

стр. 382

الوقفة الثانية: أسباب سلامة القلب، وانشراح الصدر أسباب سلامة القلب، وانشراح الصدر كثيرة جدًّا، لمن وفقه الله تعالى للأخذ بها، من أهمها ما يلي: أولًا: صدق الإيمان بالله تعالى، والإخلاص له وحده لا شريك له، والاستقامة على دينه، وشرعه، وخوفه، ورجائه. ثانيًا: ملازمة العبد دعاء ربه ، وسؤاله الهداية، وانشراح صدره، وثبات قلبه وصلاحه، وسلامته من الشك، والكفر، والنفاق، ومن الحقد، والحسد، والغل، والزَّيغ، وغير ذلك من أمراض القلوب، كما قال موسى ﵇: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥] وكما كان نبينا ﷺ يقول: «يا مقلِّبَ القلوب، ثبِّت قلبي على دينك» (١)، ويقول ﷺ : «يا مصرِّفَ القلوبِ صرِّف قلوبنا على طاعتك» (٢). وكما امتدح الراسخين في العلم بقولهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]. وامتدح المؤمنين بقولهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. وهكذا كان دأب الصالحين ملازمة الدعاء بصلاح القلب؛ لمعرفتهم التامة أن في صلاح القلب صلاحَ الجسد كله، وبذلك صلاح أمر دينهم ودنياهم وأخراهم، وهكذا كان شأن سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، كان لا يفتر في مجالسه، وفي تنقلاته، وتقلباته، وسائر أحواله من قوله: «اللهم أصلح لي قلبي»، عرَف هذا عنه القريب والبعيد، والقاصي والداني، ﵀ رحمة واسعة، وجمعنا وإياه وجميع المسلمين، في دار كرامته .

стр. 383

ثالثًا: تعاهد القلب ومراقبته، والحرص على سلامته، التي بها النجاة يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]؛ أي: سليم: أولًا: من الشبهة، والشك، والشرك، والكفر، والنفاق، والرياء، والكبر، ونحو ذلك، مخلص العبادة لله تعالى وحده؛ لأن العمل لا يُقبل إلا إذا كان خالصًا لله تعالى، موافقًا لشرعه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]؛ أي: أخلص العمل لله تعالى، وهو متبع شرع الله. وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]؛ أي: أخلصه وأصوبه. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا ينظر إلى صُوَرِكم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (١). وسليم ثانيًا: من الحسد، والحقد، والغل على عباد الله، نقي السريرة، سليم القلب والصدر على إخوانه المسلمين، لا يحمل على أحد منهم لا غلًّا، ولا حقدًا، ولا حسدًا، ولا عداوةً، ولا بغضاءَ، ولا شحناءَ، كما قال ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى» (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا؛ المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذُله، ولا يحقره، التقوى هاهنا» ويشير إلى صدره ثلاث مرات «بحسْب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه، وماله، وعِرضه» (٣).

стр. 384

قال الشاعر: لا يحملُ الحقدَ من تعلو به الرتبُ … ولا ينال الرضا من طَبعُه الغضبُ (١) رابعًا: إفشاء السلام، فهو من أعظم أسباب سلامة القلوب وصفائها؛ قال ﷺ : «ألا أدُلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم» (٢). خامسًا: النصح للمسلمين، وعدم الغش لأحدٍ منهم، كما قال جرير بن عبد الله ﵁: «بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم» (٣). وعن تميمٍ الداريِّ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الدين النصيحة» قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم» (٤). سادسًا: محبة الخير للمسلمين جميعًا؛ قال ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٥). سابعًا: حسن الظن بإخوانه المسلمين، وحمل ما يصدر منهم على المحمل الحسن ما أمكن ذلك، والحذر من سوء الظن، فإن سوء الظن يُوغِر الصدور، ويغرس في القلوب الحقد والغل والكراهية، على لا شيء؛ لهذا نهى الله عنه وحرمه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. وقال ﷺ : «إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث» (٦).

стр. 385

قال ابن كثير ﵀ (١): «ورُوينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ولا تظنن بكلمةٍ خرجت من أخيك المسلم إلا خيرًا، وأنت تجد لها في الخير مَحمَلًا» (٢). ومن سلامة القلب، والنصح للمسلمين، ومحبة الخير لهم، وحسن الظن بهم: أن يكون المرء واضحًا مع إخوانه المسلمين، فلا يُضمِر لهم خلاف ما يُظهِر، ويحذر من صفة ذي الوجهين الذي إذا قابل أخاه أبدى له احترامًا وتقديرًا، فإذا غاب عنه بخل بالرد عليه على الهاتف، وما أكثر هؤلاء! ويحذر أيضًا من أن يتقمص الشخصية الغامضة مع إخوانه، معتقدًا أن ذلك من الحِذق، والمهارة، والذكاء، والدهاء، والعقل، وما علم أن هذا من الجهل، وعدم التوفيق، وسوء الحظ والغباء. وصدق القائل: إذا ساء فِعلُ المرء ساءتْ ظُنونُه … وصدَّق ما يعتادُه مِن تَوَهُّمِ وعادى مُحِبِّيه بقول عداتِه … وأصبح في ليلٍ من الشكِّ مُظلِمِ (٣) ثامنًا: التماس الأعذار، وإقالة العَثَرات، والتغاضي عن الزلات. قال ابن سيرين: «إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرًا، فإن لم تجد له عذرًا فقل: لعل له عذرًا لا أعرفه» (٤). قال الشاعر: تأنَّ ولا تعجَلْ بلومِك صاحبًا … لعلَّ له عُذرًا وأنت تَلُومُ (٥)

стр. 386

تاسعًا: الحرص على صلاح ذات البين بين المسلمين؛ فإن فساد ذات البين كما قال ﷺ : «هي الحالقة» (١)؛ أي: هي التي تُوغِر الصدور، وتُفسِد القلوب. كما رُوي عنه ﷺ : «لا أقول: تحلِق الشعرَ، ولكن تحلِق الدين» (٢). قال الشاعر: إن القلوبَ إذا تنافرَ وُدُّها … شبه الزجاجة كسرُها لا يُجبَرُ (٣) عاشرًا: قوة الرجاء فيما وعد الله به سليم القلب من الأجر العظيم، والثواب الجزيل، والسعادة، والتوفيق في الدين والدنيا والآخرة، ودخول الجنة.

стр. 387

وقفات ثلاث في: اللغة العربية بين عقوق أبنائها وجهلهم، وعجز علمائها قال الله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] الوقفة الأولى في: أهمية اللغة عند الأمم إن من أعظم ما تعتز به الأمم وتفتخر به من تراثها: لغتها، وهي من أهم مرتكزات نهضتها، ولا يمكن أن تُفلِحَ أمة أضاعت لغتها، وتاريخها، وحضارتها؛ فإضاعة اللسان واللغة تعني إضاعة الذات. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون» (١). وقال مصطفى صادق الرافعي ﵀ (٢): «ما ذَلتْ لغة شعب إلا ذَلَّ، ولا انحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار». الوقفة الثانية في: مكانة اللغة العربية بين اللغات، والاعتزاز بها، وأهميتها وأهمية تعلمها أ- امتياز مكانة اللغة العربية بين سائر اللغات: تحتل اللغة العربية المكانة الأولى بين اللغات؛ لأنها لغة القرآن الكريم أعظم الكتب

стр. 388

السماوية، وأفضلها، والمهيمن عليها. ولغة أفضل الرسل وخاتمهم، وأفصحهم لسانًا، وأقواهم بيانًا نبينا محمد ﷺ ، ولسان خير أمة أُخرجت للناس، فهي وعاء القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، وحاوية جميع العلوم الإسلامية. قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الشورى: ٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣]، وقال تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد: ٣٧]. ولأنها أبقى اللغات، وأخلدها، باقية ما بقي القرآن الكريم الذي تكفل الله بحفظه؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. وهي أفصح اللغات وأظهرها بلاغة وبيانًا، وأجملها، وأكملها. سُميت لغة الضاد لانفرادها بالضاد دون غيرها من اللغات. امتدت على طول القرون منذ العصر الجاهلي وعصر الإسلام إلى يومنا هذا، وكانت من أغنى اللغات، وأوسعها؛ من حيث مفرداتها، وألفاظها، وصيغها، وأبنيتها، وتراكيبها، وخصائصها، ومصطلحاتها، وأساليبها. وَسِعَت كتاب الله في إعجازه، وبلاغته، وفصاحته، ودقة أسلوبه، وجماله، وروعته. قال مصطفى صادق الرافعي ﵀ (١): «وإن هذه العربية بنيت على أصل يجعل شبابها

стр. 389

خالدًا عليها، فلا تَهرَم ولا تموت». قال المستشرق الألماني يوهان فك: «إن العربية الفصحى لَتدين حتى يومنا هذا بمركزها أساسيًّا لهذه الحقيقة الثابتة، وهي أنها قد قامت في جميع البلدان العربية والإسلامية رمزًا لُغويًّا لوحدة عالم الإسلام في الثقافة والمدنية، الفصحى لغة القرآن». وقال جوستاف: «وما من لغة تستطيع أن تطاول اللغة العربية في شرفها». وقال الألماني فريتاغ: «اللغة العربية أغنى لغات العالم». وقال المستشرق بارتلمي هربلو: «اللغة العربية أعظم اللغات أدبًا، وأسماها بلاغة وفصاحة، وهي لغة الضاد». وقال المستشرق جاك بيرك: «اللغة العربية لغة المستقبل، ولا شك يموت غيرها، وتبقى خالدة» (١). «والحق ما شهدت به الأعداء». ب- الاعتزاز باللغة العربية، وأهميتها: يحق لكل مسلم ومسلمة أن يعتز ويفخر ويفاخر، ويرفع رأسه عاليًا باللغة العربية؛ لأنها لغة القرآن الكريم، ولسان النبي الكريم محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ولغة الإسلام، أفصح اللغات، وأبلغها، وأوسعها، وأبقاها، وأخلدها. تستمد جميع مقوماتها من كتاب الله الكريم الذي هو كلامه أنزله على أفصح الخلق نبينا محمد ﷺ ، وعلى قومه قريش أفصح الناس، وأبلغهم لسانًا. قال الشافعي ﵀ (٢): «ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، والعلم باللغة عند العرب، كالعلم بالسنة عند أهل الفقه». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله» (٣). وقال الأستاذ الأديب عبد الله بن حمد الحقيل (٤): «واللغة العربية من أهم مقومات

стр. 390

الأمة، نزل بها كتاب سماوي خالد، وقد جمعت العرب ووحدتهم، والحفاظ على الفصحى عمل عظيم، والالتزام بقواعدها في جميع الاستعمالات يحمل الاهتمام بلغة القرآن الكريم، التي تمتاز بدقة في الألفاظ، وسعة في المعاني، وفصاحة في التراكيب، واللغة العربية هي عنوان الهُوِيَّة العربية، شرفها ومجدها، عمودها وعمادها، وأساسها الراسخ المتين، فهي تجسيد للهوية العربية، والشخصية الحضارية العربية التي شرفها الله، وأنزل بها قرآنه الكريم، ووسيلة حفظه وانتشاره بين الناس، فهي اللغة الخالدة على وجه البسيطة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها». وقال أيضًا (١): «إن اللغة العربية يحتاجها المسلمون في كل مكان لفهم دينهم، وتتجدد الرغبة إليها، والاهتمام بها، مع رغبة النفوس وتطلعها إلى الإسلام، والدخول فيه، وهي الوسيلة الفعالة، والمصدر القوي لفهم رسالة الإسلام، ومعرفة القرآن الكريم ومعانيه». وصدق حافظ إبراهيم ﵀ في قوله على لسان اللغة العربية (٢): أنا البحرُ في أحشائه الدرُّ كامنٌ … فهل ساءَلُوا الغوَّاص عن صَدَفاتي؟! وَسِعتُ كتابَ الله لفظًا وغايةً … وما ضِقتُ عن آيٍ به وعظاتِ؟! فكيف أضيقُ اليومَ عن وصف آلةٍ … وتنسيقِ أسماءٍ لمخترَعاتِ؟! ج- أهمية تعلم اللغة العربية لكل مسلم: تعلم اللغة العربية هو الطريق الوحيد لفهم القرآن والسنة، والعمل بهما، لذا كان لزامًا على كل مسلم أن يتعلم من اللغة العربية ما به يفهم من الكتاب والسنة ما يقيم به أمر دينه، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. قال عمر بن الخطاب ﵁: «تفقهوا في الدين … وتعلموا العربية» (٣).
следующие страницы →