← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 800

مراقي العزة ومقومات السعادة

سليمان اللاحم

Полный текст (723 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

تاسعًا: الحرص على صلاح ذات البين بين المسلمين؛ فإن فساد ذات البين كما قال ﷺ : «هي الحالقة» (١)؛ أي: هي التي تُوغِر الصدور، وتُفسِد القلوب. كما رُوي عنه ﷺ : «لا أقول: تحلِق الشعرَ، ولكن تحلِق الدين» (٢). قال الشاعر: إن القلوبَ إذا تنافرَ وُدُّها … شبه الزجاجة كسرُها لا يُجبَرُ (٣) عاشرًا: قوة الرجاء فيما وعد الله به سليم القلب من الأجر العظيم، والثواب الجزيل، والسعادة، والتوفيق في الدين والدنيا والآخرة، ودخول الجنة.

стр. 387

وقفات ثلاث في: اللغة العربية بين عقوق أبنائها وجهلهم، وعجز علمائها قال الله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] الوقفة الأولى في: أهمية اللغة عند الأمم إن من أعظم ما تعتز به الأمم وتفتخر به من تراثها: لغتها، وهي من أهم مرتكزات نهضتها، ولا يمكن أن تُفلِحَ أمة أضاعت لغتها، وتاريخها، وحضارتها؛ فإضاعة اللسان واللغة تعني إضاعة الذات. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون» (١). وقال مصطفى صادق الرافعي ﵀ (٢): «ما ذَلتْ لغة شعب إلا ذَلَّ، ولا انحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار». الوقفة الثانية في: مكانة اللغة العربية بين اللغات، والاعتزاز بها، وأهميتها وأهمية تعلمها أ- امتياز مكانة اللغة العربية بين سائر اللغات: تحتل اللغة العربية المكانة الأولى بين اللغات؛ لأنها لغة القرآن الكريم أعظم الكتب

стр. 388

السماوية، وأفضلها، والمهيمن عليها. ولغة أفضل الرسل وخاتمهم، وأفصحهم لسانًا، وأقواهم بيانًا نبينا محمد ﷺ ، ولسان خير أمة أُخرجت للناس، فهي وعاء القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، وحاوية جميع العلوم الإسلامية. قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الشورى: ٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣]، وقال تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد: ٣٧]. ولأنها أبقى اللغات، وأخلدها، باقية ما بقي القرآن الكريم الذي تكفل الله بحفظه؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. وهي أفصح اللغات وأظهرها بلاغة وبيانًا، وأجملها، وأكملها. سُميت لغة الضاد لانفرادها بالضاد دون غيرها من اللغات. امتدت على طول القرون منذ العصر الجاهلي وعصر الإسلام إلى يومنا هذا، وكانت من أغنى اللغات، وأوسعها؛ من حيث مفرداتها، وألفاظها، وصيغها، وأبنيتها، وتراكيبها، وخصائصها، ومصطلحاتها، وأساليبها. وَسِعَت كتاب الله في إعجازه، وبلاغته، وفصاحته، ودقة أسلوبه، وجماله، وروعته. قال مصطفى صادق الرافعي ﵀ (١): «وإن هذه العربية بنيت على أصل يجعل شبابها

стр. 389

خالدًا عليها، فلا تَهرَم ولا تموت». قال المستشرق الألماني يوهان فك: «إن العربية الفصحى لَتدين حتى يومنا هذا بمركزها أساسيًّا لهذه الحقيقة الثابتة، وهي أنها قد قامت في جميع البلدان العربية والإسلامية رمزًا لُغويًّا لوحدة عالم الإسلام في الثقافة والمدنية، الفصحى لغة القرآن». وقال جوستاف: «وما من لغة تستطيع أن تطاول اللغة العربية في شرفها». وقال الألماني فريتاغ: «اللغة العربية أغنى لغات العالم». وقال المستشرق بارتلمي هربلو: «اللغة العربية أعظم اللغات أدبًا، وأسماها بلاغة وفصاحة، وهي لغة الضاد». وقال المستشرق جاك بيرك: «اللغة العربية لغة المستقبل، ولا شك يموت غيرها، وتبقى خالدة» (١). «والحق ما شهدت به الأعداء». ب- الاعتزاز باللغة العربية، وأهميتها: يحق لكل مسلم ومسلمة أن يعتز ويفخر ويفاخر، ويرفع رأسه عاليًا باللغة العربية؛ لأنها لغة القرآن الكريم، ولسان النبي الكريم محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ولغة الإسلام، أفصح اللغات، وأبلغها، وأوسعها، وأبقاها، وأخلدها. تستمد جميع مقوماتها من كتاب الله الكريم الذي هو كلامه أنزله على أفصح الخلق نبينا محمد ﷺ ، وعلى قومه قريش أفصح الناس، وأبلغهم لسانًا. قال الشافعي ﵀ (٢): «ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، والعلم باللغة عند العرب، كالعلم بالسنة عند أهل الفقه». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله» (٣). وقال الأستاذ الأديب عبد الله بن حمد الحقيل (٤): «واللغة العربية من أهم مقومات

стр. 390

الأمة، نزل بها كتاب سماوي خالد، وقد جمعت العرب ووحدتهم، والحفاظ على الفصحى عمل عظيم، والالتزام بقواعدها في جميع الاستعمالات يحمل الاهتمام بلغة القرآن الكريم، التي تمتاز بدقة في الألفاظ، وسعة في المعاني، وفصاحة في التراكيب، واللغة العربية هي عنوان الهُوِيَّة العربية، شرفها ومجدها، عمودها وعمادها، وأساسها الراسخ المتين، فهي تجسيد للهوية العربية، والشخصية الحضارية العربية التي شرفها الله، وأنزل بها قرآنه الكريم، ووسيلة حفظه وانتشاره بين الناس، فهي اللغة الخالدة على وجه البسيطة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها». وقال أيضًا (١): «إن اللغة العربية يحتاجها المسلمون في كل مكان لفهم دينهم، وتتجدد الرغبة إليها، والاهتمام بها، مع رغبة النفوس وتطلعها إلى الإسلام، والدخول فيه، وهي الوسيلة الفعالة، والمصدر القوي لفهم رسالة الإسلام، ومعرفة القرآن الكريم ومعانيه». وصدق حافظ إبراهيم ﵀ في قوله على لسان اللغة العربية (٢): أنا البحرُ في أحشائه الدرُّ كامنٌ … فهل ساءَلُوا الغوَّاص عن صَدَفاتي؟! وَسِعتُ كتابَ الله لفظًا وغايةً … وما ضِقتُ عن آيٍ به وعظاتِ؟! فكيف أضيقُ اليومَ عن وصف آلةٍ … وتنسيقِ أسماءٍ لمخترَعاتِ؟! ج- أهمية تعلم اللغة العربية لكل مسلم: تعلم اللغة العربية هو الطريق الوحيد لفهم القرآن والسنة، والعمل بهما، لذا كان لزامًا على كل مسلم أن يتعلم من اللغة العربية ما به يفهم من الكتاب والسنة ما يقيم به أمر دينه، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. قال عمر بن الخطاب ﵁: «تفقهوا في الدين … وتعلموا العربية» (٣).

стр. 391

وقال الشافعي ﵀ (١): «فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده، حتى يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويتلو به القرآن … وما ازداد من العلم باللسان الذي جعله الله لسان من ختم به نبوته». وقال أيضًا: «اللسان الذي اختاره الله لسان العرب فأنزل به كتابه العزيز، وجعله لسان خاتم أنبيائه محمد ﷺ ، ولهذا نقول: ينبغي لكل أحد يقدر على تعلم العربية أن يتعلمها؛ لأنها اللسان الأولى». وقال مالك ﵀: «لا أُوتى برجلٍ غير عالم بلغة العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالًا» (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ومعلوم أن تعلم العربية، وتعليم العربية فرض على الكفاية، وكان السلف يؤدبون أولادهم على اللحن، ونحن مأمورون أمر إيجاب أو أمر استحباب أن نحفظ القانون العربي ونصلح الألسن المائلة عنه، فيحفظ لنا طريقة فهم الكتاب والسنة، والاقتداء بالعرب في خطابها، فلو تُرك الناس على لحنهم كان نقصًا وعيبًا» (٣). وقال أيضًا: «فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون» (٤). وقال أيضًا: «وما زال السلف يكرهون تغيير شعائر العرب حتى في المعاملات، وهو التكلم بغير العربية إلا لحاجةٍ، كما نص على ذلك مالك، والشافعي، وأحمد، بل قال مالك: «من تكلم في مسجدنا بغير العربية أُخرج منه»، مع أن سائر الألسن يجوز النطق بها لأصحابها، ولكن سوغوها للحاجة، وكرهوها لغير الحاجة، ولحفظ شعائر الإسلام، فإن الله أنزل كتابه باللسان العربي، وبعث به نبيه العربي، وجعل الأمة العربية خير الأمم، فصار حفظ شعارها من تمام حفظ الإسلام». وقال أيضًا: «واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل، والخلق، والدين تأثيرًا قويًّا بيِّنًا، ويؤثر

стр. 392

أيضًا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل، والدين، والخلق، وأيضًا فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» (١). وقال ابن القيم ﵀: «إنما يعرف فضل القرآن من عرف كلام العرب، فعرف علم اللغة، وعلم العربية، وعلم البيان، ونظر في أشعار العرب وخطبها» (٢). الوقفة الثالثة في: الواجب على الأمة تجاه اللغة العربية لغة القرآن والسنة ولغة الإسلام يجب على الأمة الإسلامية قاطبة، ممثلة بحكوماتها، وجامعاتها، وكليات اللغة العربية، ووزارات التعليم في جميع البلاد العربية، والإسلامية، وممثلة برجال التعليم، وخصوصًا معلمي اللغة العربية، وبجميع المربين، والموجهين، والوالدين، وبجميع أفراد الأمة ذكورهم وإناثهم: النهوض باللغة العربية، لغة القرآن والإسلام، والحفاظ عليها، والاعتزاز والفخر بها. فهي أمانة في أعناقنا، والحفاظ عليها، ونشرها مسؤولية كل فرد من أفراد الأمة بقدر ما يستطيع. فيجب غرس محبة اللغة العربية واحترامها في نفوس الأجيال الناشئة وتشويقهم إليها، من خلال تطوير مناهجها، وتيسيرها، ومن خلال الوسائل التعليمية، والثقافية، ومن خلال رفع شأنها، والاعتزاز بها، وتطبيقها في المدارس والجامعات والأندية، والاجتماعات، وفي وسائل الإعلام والاتصال، والقنوات وشبكة المعلومات، والدوائر والمؤسسات، وغير ذلك، ومن خلال جعلها لغة الحديث، والتخاطب والتعليم، وتدريس العلوم والتقنيات، والبحوث والدراسات، وفي الحياة اليومية في المتاجر والمصانع، وفي

стр. 393

جميع المرافق ومختلف المجالات. ومن خلال العمل على نشرها؛ لأن في ذلك نشرًا للقيم والمثل العربية والإسلامية، ودعوة إلى الإسلام بين الأمم، يعكس أصالة الحضارة العربية والإسلامية. إن الحفاظ على اللغة العربية لغة القرآن الكريم، ونشرها واجب عظيم، والدفاع عنها دفاع عن القرآن الكريم، والدين القويم، وهي أمانة في أعناق العرب والمسلمين. قال الأستاذ الأديب عبد الله بن حمد الحقيل (١): «وعلينا الاهتمام باللغة العربية أمام سيل التهديد من شتى المقوِّضات؛ كالعُجمة والعامية، وتفشي الانصراف عن تعلم العربية، بل يجب أن تكون الأولى في كل مجال في الاستعمال اليومي، وفي الخطاب الثقافي، وفي مجال الاستعمالات الحاسوبية والشبكية». وقال أيضًا (٢): «لغتنا العربية في عواصمنا العربية يجب أن تُفتح أمامها النوافذ المغلقة، والأبواب الموصدة، لتستطيع في هذا المناخ أن تبسط ظلالها الوارفة، ورسالتها السامية، وتسخو بعطائها الوفير في جامعاتنا، ومدارسنا، وإعلامنا، وأن نحترمها حق الاحترام، وأن نوقف المد الأجنبي على العربية، وأن نعززها في نفوس أبنائها، وفي التعليم، والتعاملات التجارية. ففي كثير من العواصم العربية والخليجية جامعات لا تعلم بغير الإنجليزية، ونلاحظ شركات وفنادق وندوات ومؤتمرات لا نجد للعربية فيها أثرًا ولا ذكرًا، حيث أصبح العربي في دياره غريب الوجه واليد واللسان، بفعل تقاعس أبنائها من العناية بها، والمحافظة على مكانتها، والوقوف في موقف المتفرج أمام موجات العولمة والتغريب». إن مصيبة لغتنا العربية- لغة القرآن الكريم الكبرى مع تسلط أعداء الإسلام وكيدهم للقضاء عليها من الخارج- هي عقوق أبنائها وجهلهم وعجز علمائها، وهدمها من الداخل على أيدي أبنائها: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الحشر: ٢].

стр. 394

وهو أشد مضاضة وأنكى، كما قال الشاعر: وظُلمُ ذوي القربى أشد مضاضةً على النفس من وقْعِ الحُسام المُهنَّدِ (١) وإن مما يؤسف له ويندى له جبين كل مسلم غيور على لغته ودينه أن يتبجح ويفتخر الكثيرون باستيراد مصطلحات ومسميات أجنبية لا تمت إلى لغتنا ولا إلى ديننا بصلة، فتجد كثيرًا من اللوحات واللافتات الإعلانية على المحلات التِّجارية، وعلى قاعات الأفراح والاستراحات، وغير ذلك بأسماء غربية أو شرقية، وهذا من علامات الذل والانهزام، والتبعية لأولئك الأقوام، ومن أكبر معاول هدم اللغة العربية لغة القرآن الكريم، فكأن اللغة العربية قد عَقِمت ولا يوجد فيها متسَع بدل هذه المسميات، وكأن من يعمل هذا فقد الانتماء للغته، ودينه، وأمته، وكأنه لم يعلم أنه لو استعاض عن ذلك بأسماء عربية إسلامية لكان في ذلك تشجيع للغته ودينه وأمته، يُؤجَر عليه بإذن الله تعالى، مع حسن النية، وأنه في استيراد تلك المسميات الأجنبية على خطر أن يؤزر، وأن بحثه عن اسم غريب أو شاذ لا يبرر له ذلك؛ لما في ذلك من التبعية لغير المسلمين على حساب لغته ودينه والولاء لأمته. علينا أن نعمل جميعًا على إعادة الثقة بأنفسنا، وبلغتنا، وديننا، وألا نكون أذلاء تابعين لغيرنا، بل يجب علينا أن نكون أحرارًا ننظر من علو وبعين العزة والقوة، والفخر بلغتنا؛ لأنها لغة القرآن، والإسلام أعظم اللغات، وأفصحها وأوسعها وأبقاها، وأخلدها. علينا أن نعلم أن إضاعة اللغة تعني إضاعة الذات والهُوية والانتماء، والطريق إلى عدم فهم القرآن وإضاعة الدين. علينا أن نختار الأسماء العربية الجميلة الموشاة بنور القرآن وبهدي سنة خير الأنام، وبتراث آبائنا وأجدادنا وسلفنا المجيد التراث الخالد التليد. علينا أن يحاسب كل فرد منا نفسه ماذا قدم للغة القرآن والإسلام، كل في مجاله، وقدر إمكانه.

стр. 395

وعلينا جميعًا الحذر كل الحذر من أن نكون معاول هدم للغتنا، لغة القرآن الكريم، بإبراز غيرها في الحوار، والمكاتبات، والكتابات، وفيما نختاره من المسميات وغير ذلك. وأخيرًا أقول: للنهوض باللغة العربية لغة القرآن الكريم، ولغة الإسلام، وتعليمها، ونشرها: يجب أن تتضافر الجهود. فعلى الحكومات العربية والإسلامية دعم ذلك ماديًّا ومعنويًّا، وألا تدخر في سبيل ذلك وُسعًا، فهو واجبها. وعلى رجال التعليم في الجامعات، وفي وزارات التعليم بذل الجهد في ذلك، وتحمل مسؤوليتهم أمام الله تعالى، والقيام بواجبهم. وعلى الوالدين غرس حب اللغة العربية في نفوس أولادهم، والاعتزاز بها، وتعليمها إياهم منذ الصغر، وعلى كل فرد من أفراد الأمة أن يستشعر دوره في ذلك، وأن يساهم بما يستطيع في رفع مكانة اللغة العربية لغة القرآن، والنهوض بها، والدفاع عنها، ليكسب الأجر في ذلك من الله تعالى. على كل فرد من أفراد الأمة أن يحرص على الكتابة باللغة العربية قدر استطاعته بدلًا من العامية أو الإنجليزية، ويربي أولاده على ذلك. عليه أن يتكلم باللغة العربية قدر استطاعته بدلًا من العامية أو الإنجليزية، ويربي أولاده على ذلك. عليه أن تكون تعاملاته ورسائله وما يكتبه من إعلانات ولوحات، وغير ذلك بأسماء عربية، وباللغة العربية، وهذا بمقدور كل أحد، فلا يحقر أحد أن يساهم برفع شأن لغته، ولو بلوحة يكتبها بها، فهذا يسير. وعلى كل مسلم غيور على كتاب الله ولغته وعلى دينه: الحذر كل الحذر أن يكون له يد في إضعاف دور اللغة العربية لغة القرآن الكريم، وذلك من خلال ما يأتي: تعمد الكتابة باللغة الإنجليزية دون حاجة. تعمد التكلم والمحاورة باللغة الإنجليزية من غير حاجة.

стр. 396

تعمد كتابة الإعلانات واللوحات الخاصة بأسماء غير عربية، أو باللغة الإنجليزية، أو غيرها من اللغات. فإن في ذلك كله إضعافًا لدور اللغة العربية لغة القرآن الكريم، ولغة الإسلام، وتقليلًا من شأنها، وإعزازًا وتقديمًا لغيرها عليها. اللهم هل بلغت، اللهم اشهد!

стр. 397

وقفة في: الأخذ بالعزم والحزم في الأمور كلها قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] العزم معناه: الجد وقوة الإرادة والعزيمة؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٢١]؛ أي: إذا جد الأمر ولزم وحضر القتال. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]؛ أي: فإذا صممت على أمر من الأمور، مما ظهر لك أنه عين الصواب، فاعتمد على الله، وامضِ فيه. وقال تعالى ليحيى بن زكريا ﵇: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]. وكتب لموسى ﵇ التوراة بالألواح، وقال له: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥]. وقال تعالى لبني إسرائيل: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٦٣، والأعراف: ١٧١]. والحزم معناه: ضبط الأمر، والحذر من فواته. وفي الحديث في الوتر: «قيل لأبي بكر ﵁: أخذتَ بالحزم، وقيل لعمر ﵁: أخذتَ بالقوة»؛ لأن أبا بكر ﵁ يوتر أول الليل؛ خوفًا ألا يقوم آخر الليل، وعمر ﵁ يوتر آخر الليل؛ ثقة أنه سيقوم آخر الليل (١). والعزم لا ينفع إلا بالحزم، قال عبد الملك بن مَرْوان لعمر بن عبد العزيز: ما العزيمة على الرشد؟ قال: «إصداره إذا ورد بالحزم» (٢).

стр. 398

وقال ابن منظور (١): «ولا خير في عزم بغير حزم؛ فإن القوة إذا لم يكن معها حذر أورطت صاحبها». وقد امتدح الله المتصفين بالعزم من الرسل وغيرهم، وأثنى عليهم، وحث على العزم، ورغب فيه، فقال تعالى مخاطبًا نبينا محمدًا ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. وقال تعالى مخاطبًا المؤمنين: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦]. وقال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]. وقال لقمان لابنه فيما ذكر الله تعالى عنه: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧]. وقال ﷺ : «اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد» (٢). وقال ﵊ لابن عباس ﵄: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز» (٣). وقد قيل: إذا كنتَ ذا رأيٍ فكنْ ذا عزيمة … فإن فسادَ الرأيِ أن تَتَرَدَّدا (٤) فتأمل- أخي الكريم، وفَّقك الله وبارك فيك- هذه النصوص جيدًا، واعلم أن الحياة جدٌّ لا هزل فيها، وأنها أشبه بالبحر المتلاطم، من نزل فيه وهو لا يجيد السباحة

стр. 399

غرِق، وأشبه بالمعركة، من دخل فيها من غير سلاح ولا تدرب هزم وهلك. فشمِّر أخي المبارك عن ساعد الجد، وخذ بمعالي الأمور، واصدُق في طلب النجاة، والوقاية لنفسك وأهلك، واحذَرْ من العجز والتسويف والكسل، واعلم أن أيامك معدودة، وأنفاسك محدودة. فخذْ نفسك وأهلك بالعزم والحزم؛ بامتثال أوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه، وأداء حقوق الله على الوجه الشرعي، وحقوق الخلق. وسارع إلى الخيرات، وسابق إليها، ونافس فيها، فالغُبن غدًا كبير، وليس باليسير، بل لا يكاد يوصف، ولا أحد يرضى لنفسه الغبن. واعلم أن المرء حيث يجعل نفسه، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩، ١٠]. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥، ١٠]. وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر]. وقال ﷺ : «كل الناس يغدو، فبائعٌ نفسَه فمُعْتِقها أو مُوبِقها» (١). قال لَبيد (٢): وما الناس إلَّا عاملان فعاملٌ … يُتَبِّرُ ما يَبني وآخرُ رافعُ وقال الآخر (٣): وما المرءُ إلا حيث يجعَلُ نفسَه … فكنْ طالبًا في الناسِ أعلى المراتبِ

стр. 400

وقال الآخر (١): لأستسهلنَّ الصعبَ أو أُدرِكَ المُنَى … فما انقادتِ الآمالُ إلا لصابرِ وقال الآخر (٢): ومَن يتهيَّبْ صعودَ الجبالِ … يعشْ أبدَ الدهر بين الحُفَرْ وقال الآخر (٣): إذا أنت لم تعرفْ لنفسِك حقَّها … هوانًا بها كانت على الناسِ أهونَا فنفسَك أكرِمْها وإنْ ضاق مسكنٌ … عليك بها دوِّر لنفسِك مَسكنَا وإياك والسكنى بدار مَذَلَّةٍ … تَعُدْ مُسيئًا بعدما كنتَ مُحسِنَا وقال الآخر (٤): مَن يهُنْ يسهُلِ الهوانُ عليه … ما لجُرحٍ بميِّتٍ إيلامُ وقال الآخر (٥): الأمر جدٌّ وهو غير مِزاحِ … فاعمَلْ لنفسِك صالحًا يا صاحِ وقال الآخر (٦): سوف ترى إذا انجلى الغبارُس … أفرسٌ تحتك أم حِمارُ؟ وقال الآخر (٧):

стр. 401

ومن طلب العلا من غير كدٍّ … أضاع العمرَ في طلب المُحالِ تروم العزَّ ثم تنام ليلًا … يغوص البحر مَن طلبَ اللآلي وقال الآخر (١): ومن زرع الحبوب وما سقاها … تأوَّه نادمًا يوم الحصادِ

стр. 402

وقفتان في: أمانة المسؤولية في أعمال الأمة قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢] الوقفة الأولى في: الاحتساب في أعمال الأمة مما يؤسف له أن نظر كثير من العاملين في الأمة من المعلمين والموظفين وغيرهم إلى العمل من جانب مادي فقط، حتى في الوظائف الدينية؛ كالقضاء، والأذان والإمامة، ونحو ذلك، مع غياب الهدف الأسمى وهو الاحتساب الذي هو أعظم دافع معنوي للقوة والنشاط في العمل، وللفخر والاعتزاز. وفي هذا- إضافة إلى تسببه في ضعف نتاجهم- خسارة عظيمة لا تشبهها خسارة، يظل الشخص يعمل طيلة عمره- أربعين سنة أو ثلاثين أو أقل أو أكثر- مدرسًا، أو قاضيًا، أو موظفًا، أو غير ذلك، ولم يحتسب عند الله شيئًا من ذلك، إلا أنه يعمل ليحصل على الرزق من ذلك؛ ليعف نفسه وأهله وولده، وهذا شيء طيب يؤجر عليه بإذن الله تعالى، لكنه خسر الكثير والكثير لما لم يستحضر مع ذلك ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، والنصح للأمة، ورفع شأنها؛ لأن العمل في الأمة جهاد يؤجر عليه المرء إذا استحضر النية. قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٧٧]. وقال ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمَن كانت هجرتُه إلى الله

стр. 403

ورسوله، فهجرتُه إلى الله ورسولِه، ومن كانت هجرتُه لدنيا يصيبها، أو امرأةٍ يَتزوجها، فهجرتُه إلى ما هاجَرَ إليه» (١). وقال عمر بن الخطاب ﵁: «احتسبوا أعمالكم؛ فإن من احتسب عمله كُتب له أجر عمله وأجر احتسابه» (٢). وقال معاذ ﵁: «فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي» (٣). والمصيبة أن كثيرًا من ذوي المسؤوليات في الأمة كبيرها وصغيرها من المدرسين والقضاة والموظفين وأئمة المساجد والمؤذنين، بل كثير من الآباء والأمهات، وغيرهم يخسرون أعمارهم، وما يقومون به من جهد في مسؤولياتهم بسبب غياب جانب الاحتساب لله تعالى في ذلك العمل. فاحرص أخي المبارك، وأختي المباركة على استحضار الاحتساب لله تعالى في أي عملٍ تقوم به دينيًّا أو دنيويًّا، واحتسِبْ ذلك على الله تعالى، تصيد عُصفُورين أو ثلاثة بحجرٍ واحد: أجر الاحتساب من الله، وقيامك بالواجب، وأجر من بيت المال، مع عون الله وتوفيقه لك. الوقفة الثانية في: أمانة المسؤولية في أعمال الأمة من أعظم الأمانات أمانة المسؤولية في أعمال الأمة، التي يتساهل فيها الكثيرون، ولا يحسبون لها حسابًا، فيخرجون منها بتبِعات عظيمة تَنُوءُ بحملها الجبال.

стр. 404

وذلك لأنه اجتمع فيها ثلاثة حقوق عظيمة: الأول: حق الله ﵎، والثاني: حق ولي الأمر، والثالث: حقوق المسلمين. وهذا كله مما يعظم شأن المسؤولية وخطرها، ويوجب الصدق والنزاهة فيها، والقيام بها خير قيام وعلى أكمل وجه وأتمه. ولهذا قال ﷺ لعبد الرحمن بن سمُرة ﵁: «يا عبدَ الرحمن، لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أُعطيتها عن مسألةٍ وُكلت إليها، وإن أُعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها» (١). وقال ﷺ لأبي ذر ﵁: «يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تَأمَّرَنَّ على اثنين، ولا تولين على مال يتيم» (٢). وعن مَعقِل بن يَسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» (٣). وعدم القيام بما أُنيط بالمسؤول من عملٍ من أعظم الغش للرعية وللأمة؛ لما فيه من تضييع حقوق الناس، ومصالحهم، وأشد منه غشًّا وجرمًا وعقوبةً مَن جمع بين هذا وبين جعل المنصب طريقًا للتعالي والتعاظم على الناس، ومَطِيَّة للنهب والتكسب من بيت المال، أو من جيوب الناس بالمحاباة والرشوة، وغير ذلك. فعلى من تولى أمرًا من أمور المسلمين الحرص كل الحرص على القيام به حق القيام، وإتقانه، قال ﷺ : «إن الله يحب إذا عمِل أحدكم عملًا أن يُتقِنَه» (٤).

стр. 405

وقال ﷺ : «كلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته» (١). وليحذر كل الحذر من التفريط فيه، فإن المسؤولية عظيمة، والعاقبة وخيمة؛ قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥].

стр. 406

وقفات خمس في: تدبر القرآن الكريم قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] الوقفة الأولى في: وجوب تدبر القرآن الكريم، وتحريم هجره وأنواع تدبره أ- وجوب تدبر القرآن الكريم، وتحريم هجره: قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. فبين أنه سبحانه أنزل القرآن الكريم لأجل أن يتدبر الناس آياته، ويكون تذكرة لأصحاب العقول الذين ينتفعون بعقولهم، قال الطبري ﵀ (١): «يعني: ليتدبر هذا القرآن من أرسلناك إليه من قومك يا محمد». وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. فأنكر على من لم يتدبر القرآن، وهذا يدل على وجوب تدبر القرآن. قال القرطبي ﵀ (٢): «ودل قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢] على وجوب التدبر في القرآن؛ ليعرف معناه، وفيه دليل على الأمر بالنظر والاستنباط». وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]؛ أي: أفلم يدبروا القرآن، وهذا أيضًا إنكار عليهم. وشكى ﷺ هجر قومه للقرآن، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا

стр. 407

الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]. وفي هذا دلالة على تحريم هجر القرآن، والإعراض عنه، وعدم تدبره والإيمان به، وتأكيد لوجوب تدبره. وهجر القرآن أنواع: هجر تلاوته، وسماعه، والإصغاء إليه. وهجر تدبره وتفهمه. وهجر العمل به وتحكيمه، وغير ذلك (١). ب- أنواع تدبر القرآن الكريم: تدبر القرآن أنواع ثلاثة: النوع الأول: تدبر ألفاظ القرآن الكريم: أ- معنى تدبر ألفاظ القرآن الكريم: هو تلاوته تلاوة صحيحة، وقراءته قراءة سليمة، والإنصات عند سماعه وترتيله بإقامة حروفه وكلماته وجمله وآياته، وسلامته من اللحن جليِّه وخفيه، وحسن النطق به، وتزيين الصوت والتغني به، وحفظه أو ما تيسر منه. قال تعالى في الأمر بتلاوة القرآن: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، أي: اقرأ واتبع ما أُوحي إليك من القرآن. وفي الآية الثانية: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ [النمل: ٩٢] أي: وأُمرت أن أتلوَ القرآن؛ أي: أتبعه، وأقرأَه على الناس. والأمر للوجوب، وهو أمر له ﷺ ولأمته، كما قال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].

стр. 408

وقال تعالى في الأمر بالتأني في قراءته والتمهل وترتيله وتحسين الصوت به: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]، أي: لتقرأه على الناس على مهل وتُؤدة. وقال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]، وهذا أمر له ﷺ ولأمته؛ أي: واقرأ القرآن بتمهل وترسل وتدبر لألفاظه ومعانيه وأحكامه. وهكذا كان يقرأ ﵊ ويأمر أمته بذلك. عن أنس ﵁ قال: كانت قراءة النبي ﷺ مدًّا، ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يمُد «باسم الله»، ويمد بـ «الرحمن»، ويمد بـ «الرحيم» (١). وعن أم سلمة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقطِّع قراءته آية آية: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٢). وعن البَرَاء بن عازب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قرأ بـ «التين والزيتون»، فما سمِعت أحدًا أحسن صوتًا منه (٣). وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «زيِّنوا القرآن بأصواتكم» (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس مِنَّا مَن لم يتغنَّ بالقرآن يجهر به» (٥). أي: من لم يحسن صوته بالقرآن يجهر به.

стр. 409

واستمع ﷺ لقراءة أبي موسى الأشعري ﵁ فقال له: «لقد أُوتيتَ مِزمارًا من مزامير آل دواد» (١). فقال أبو موسى ﵁: لو كنتُ علِمتُ أنك تسمع لحبَّرته لك تحبيرًا (٢). ب- فضل تلاوة القرآن الكريم وحفظه: قال تعالى في الثناء على أهل تلاوة القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٢٩، ٣٠]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، وقال تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢]. وقال تعالى في امتداح القرآن والترغيب في حفظه، والثناء على حَفَظته: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن قرأ حرفًا من كتاب الله تعالى فله حسنة، والحسنةُ بعشرِ أمثالها، لا أقولُ: ﴿الم﴾ حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (٣). وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خيرُكم مَن تعلم القرآن وعلمه» (٤).

стр. 410

وعن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: «لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله الكتابَ، وقام به آناءَ الليل، ورجل أعطاه الله مالًا، فهو يتصدق به آناء الليل والنهار» (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السَّكينة، وغَشِيَتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (٢). وعن أبي أمامة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه» (٣). وعن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين» (٤). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبي ﷺ قال: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتَقِ، ورتِّلْ كما كنتَ ترتل في الدنيا؛ فإن منزلك عند آخر آيةٍ تقرؤها» (٥). وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الماهر بالقرآن مع السَّفَرة الكِرام البَرَرة، والذي يقرأ القرآن ويَتَتَعْتَعُ فيه، وهو عليه شاقٌّ، له أجران» (٦). وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأُتْرُجة، ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، لا ريح

стр. 411

لها وطعمها حُلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مُر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مر» (١). قال النووي ﵀ (٢): «اعلم أن التلاوة أفضل الأذكار، والمطلوب القراءة بتدبر». وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما مَثل صاحب القرآن كمثل الإبل المُعقَّلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت» (٣). وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتًا من قلوب الرجال من الإبل في عُقُلها» (٤). وعن ابن عباس ﵄ قال: «تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمِل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة» (٥). وفي تلاوة القرآن وتدبره الشفاء لأمراض القلوب والأبدان كلها، كما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]. وعن عبد الله بن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «ما أصاب أحدًا قط همٌّ ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أَمَتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حُكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسمٍ هو لك سميتَ به نفسك، أو علمتَه أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجِلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرجًا». قال: قيل: يا رسول الله، ألا نتعلمها؟ فقال: «بلى، ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها» (٦).

стр. 412

النوع الثاني: تدبر معاني القرآن الكريم: أ- معنى تدبر معاني القرآن الكريم: هو تفهم معاني ألفاظ القرآن، وجمله، وآياته، والتفكر والتذكر فيما دلت عليه، ومعرفة المراد بها. وهو مبني على تدبر ألفاظ القرآن وحُسن تلاوته. ومن أهم ذلك الوقوف على مواضع الوقف الواجبة، والمستحسَنة، والجائزة، والوصل فيما لا يجوز أو لا يحسُن الوقف عليه؛ لأن هذا يعين على فهم الجمل والآيات، ولهذا لما أمر النبي ﷺ بترتيل القرآن في قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤] قال بعده: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]. وتدبر معاني القرآن الكريم هو المقصود الأول والأهم من النصوص الموجبة لتدبر القرآن التي سبق ذكرها، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢، ومحمد ٢٤]، كما دل على ذلك كلام السلف ﵏. قال علي بن أبي طالب ﵁: «لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا في علم لا فقه فيه، ولا قراءة لا تدبر فيها» (١). وقال الطبري: «إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله كيف يلتذ بقراءته» (٢). وقال الحكيم الترمذي عن حُرمة القرآن: «ومِن حُرمته: أن يَستعمل فيه ذهنه وفهمه حتى يعقل ما يخاطَب به، ومن حرمته: أن يقف على آية الوعد فيرغب إلى الله ويسأله من

стр. 413

فضله، وأن يقف على آية الوعيد فيستجير بالله منه» (١). وقال ابن قدامة (٢): «وليعلم أن ما يقرؤه ليس كلام بشر، وأن يستحضر عظمة المتكلِّم سبحانه، ويتدبر كلامه؛ فإن التدبر هو المقصود من القراءة، وإن لم يحصلِ التدبر إلا بترديد الآية، ردَّدها». وقال النووي (٣): «ينبغي للقارئ أن يكون شأنه الخشوع والتدبر والخضوع، فهذا هو المقصود المطلوب، وبه تنشرح الصدور، وتستنير القلوب، ودلائله أكثر من أن تُحصر، وأشهر من أن تُذكر». وقال ابن تيمية: «المطلوب من القرآن هو فهم معانيه والعمل به، فإن لم تكن هذه هي همة حافظه، لم يكن من أهل العلم والدين» (٤). وقال في قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]: «وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، وعقل الكلام متضمَّن لفهمه، ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك» (٥). وقال الزركشي (٦): «القرآن كله لم ينزله مُنزله تعالى إلا ليفهِّمَه، ويُعلَّم ويُفهَّم، ولذلك خاطب به أُولي الألباب الذين يعقلون، والذين يعلمون، والذين يفهمون، والذين يتذكرون ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾». وقال أيضًا: «من لم يكن له علم وفهم وتقوى وتدبر لم يدركْ من لذة القرآن شيئًا» (٧). ب- فضل تدبر معاني القرآن الكريم وأهميته: كل النصوص الدالة على وجوب تدبر القرآن وعلى فضل تلاوته هي دالة على فضل

стр. 414

تدبر معانيه، بل والعمل به؛ لأن المقصود الأهم من التدبر هو تدبر المعاني والعمل، والمقصود من التلاوة: التلاوة بتدبر. قال ابن الجوزي (١): «لما كان القرآن العزيز أشرف العلوم، كان الفهم لمعانيه أوفى الفهوم؛ لأن شرف العلم بشرف المعلوم». وقال السِّعْدي في مقدمة «تفسيره» (٢): «وكان الذي ينبغي في ذلك أن يجعل المعنى هو المقصود، واللفظ وسيلة إليه». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣): «مَن أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله ﷺ بعقله، وتدبره بقلبه، وجد فيه من الفهم والحلاوة، والهدى، وشفاء القلوب، والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيءٍ من الكلام، لا في منظومه ولا منثوره». وقال أيضًا: «دخل في قوله ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، تعلم حروفه ومعانيه جميعًا، بل تعلم معانيه هو المقصود الأول من تعلم حروفه، وذلك الذي يزيد الإيمان، كما قال جُندَبُ بن عبد الله: «تعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا» (٤)؛ ولهذا كانوا يبقَون مدةً في حفظ السورة» (٥). وقال ابن القيم (٦): «التذكر والتفكر منزلتان يثمران أنواع المعارف، وحقائق الإيمان والإحسان، والعارف لا يزال يعود بتذكره على تفكره، حتى يفتح قلبه بإذن الفتاح العليم. واعلم أن الرجل قد يكون له قلب وقَّاد مليء باستخراج العبر، واستنباط الحكم، فهذا قلبه يوقعه على التذكر والاعتبار، فإذا سمع الآيات كانت له نورًا على نور، وهؤلاء أكمل خلق الله وأعظمهم إيمانًا وبصيرة». وقال أيضًا (٧): «سماع القرآن بالاعتبارات الثلاثة: إدراكًا، وفهمًا وتدبُّرًا، وإجابةً …

стр. 415

فلن تَعْدَم مِن هذا السّماع إرشادًا لحجَّة، وتبصرةً لعبرة، وتذكرةً لمعرفة، وفكرةً في آية، ودلالةً على رشد، … وحياة لقلب، وغذاء ودواء وشفاء، وعصمة ونجاة، وكشف شبهة». وقال أيضًا (١): «إذا أردتَ الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه وألقِ سمعك وأحضر حضور من يخاطبه ربه، من تكلم به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله». وقال أيضًا (٢): «فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر، فإنه جامع لجميع منازل السائرين، وأحوال العاملين، ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة والشوق، والخوف والرجاء، والإنابة والتوكل، والرضا والتفويض، والشكر والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله. وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه. فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأه بتفكر، حتى إذا مر بآية، وهو محتاج إليها في شفاء قلبه، كررها ولو مئة مرة، ولو ليلة … فقراءة القرآن بالتفكر هي أصل صلاح القلب». وقال أيضًا (٣): «فليس أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن، وإطالة التأمل فيه، وجمع الفكر على معاني آياته، فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر … وتثبت قواعد الإيمان في قلبه، وتشيِّد بنيانه، وتوطد أركانه … وتعطيه قوة في قلبه وحياة وسَعة وانشراحًا وبهجة وسرورًا، فيصير في شأن والناس في شأن آخر … فلا تزال معانيه تنهض بالعبد الى ربه … وتثبت قلبه عن الزيغ والميل عن الحق … وتناديه كلما فترت عزماته، وونى في سيره: تقدم الركب، وفاتك الدليل … وفي تأمل القرآن وتدبره أضعاف أضعاف ما ذكرنا من الحكم والفوائد». وقال في النونية (٤):

стр. 416

فتدبرِ القرآنَ إنْ رُمتَ الهُدى … فالعلمُ تحت تدبُّرِ القرآنِ وقال السِّعدي (١) في كلامه على الآية: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]: «يأمر تعالى بتدبر كتابه، وهو التأمل في معانيه، وتحديق الفكر فيه، وفي مبادئه وعواقبه، ولوازم ذلك، فإن تدبر كتاب الله مِفتاح للعلوم والمعارف، وبه يُستنتج كل خير، وتُستخرج منه جميع العلوم، وبه يزداد الإيمان في القلب، وترسخ شجرته؛ فإنه يعرِّف بالربِّ المعبود، وما له من صفات الكمال، وما ينزَّه عنه من سمات النقص، ويعرِّف الطريق المُوصِلة إليه، وصفة أهلها، وما لهم عند القدوم عليه … وكلما ازداد العبد تأملًا فيه، ازداد علمًا وعملًا وبصيرة، ولذلك أمر الله بذلك وحث عليه وأخبر أنه هو المقصود بإنزال القرآن، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. ومن فوائد التدبر لكتاب الله: أنه يصل بذلك العبد الى درجة اليقين، والعلم بأنه كلام الله؛ لأنه يراه يصدق بعضه بعضًا، ويوافق بعضه بعضًا. فترى الحكمة والقصة، والأخبار تعاد في القرآن، في عدة مواضع، كلها متوافقة متصادقة، لا ينقض بعضها بعضًا. فبذلك يُعلم كمال القرآن، وأنه من عند من أحاط علمه بجميع الأمور، فلذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، أي: فلما كان من عند الله لم يكن فيه اختلاف أصلًا». وقال الشنقيطي (٢): «إذا علمت- أيها المسلم- أن هذا القرآن العظيم هو النور الذي أنزله الله ليستضاء به ويُستهدى بهداه في أرضه، فكيف ترضى لبصيرتك أن تعمى عن النور؟! … يجب عليك الجد والاجتهاد في تعلم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بالوسائل

стр. 417

النافعة المنتجة، والعمل بكل ما علمك الله منهما علمًا صحيحًا». ج- درجات تدبر معاني القرآن: تدبر معاني القرآن درجات ثلاث: الدرجة الأولى: درجة التفكر والتذكر والنظر والاعتبار: قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وقال تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩، وآل عمران: ٧]. والتفكر هو الذي يحمل صاحبه على عمل الخير، ويصده عن عمل الشر؛ لأن فيه النظر إلى عواقب الأمور، ولهذا أمر الله بالتفكر في آياته الشرعية والنظر والاعتبار في آياته الكونية. وقد قيل: تفكر ساعة خير من عبادة سنة، والتفكر: عمل القلب، والعبادة عمل الجوارح. الدرجة الثانية: درجة التأثر والخشوع: قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩]. وفي هذا ثناء على أهل العلم كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «اقرأ عليَّ». قلت: أقرأ عليك وعليك أُنزل؟ قال رسول الله ﷺ : «فإني أحب أن أسمعه من غيري». قال: فقرأت عليه سورة النساء، حتى بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، قال لي: «أمسِك». فإذا عيناه تذرفان (١).

стр. 418

وعن عائشة ﵂ أن أبا بكر ﵁ ابتنى مسجدًا بفناء داره، وكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكَّاءً، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك قريش (١). قال ابن أبي مُليكة: «سافرت مع ابن عباس من مكة إلى المدينة، فكان يقوم نصف الليل فيقرأ القرآن حرفًا حرفًا، ثم يبكي حتى تَسمع له نَشيجًا» (٢). الدرجة الثالثة: درجة الخضوع والانقياد والعمل. وهي النوع الثالث من أنواع التدبر الآتي بعد. د- مما يعين على تدبر القرآن الكريم وفهمه والخشوع فيه والخضوع له: ١ تيسير الله تعالى لذلك، قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]. ٢ الإخلاص لله تعالى، وصدق الطلب، والإقبال على ما في القرآن من الهدى، قال ابن تيمية: «ومن تدبر القرآن طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق» (٣). وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]؛ أي: لكل من سأل بلسان الحال أو المقال صادقًا. ٣ إحضار القلب، وإلقاء السمع، والتأمل بما في الآيات من الوعد والوعيد، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨].

стр. 419

قال مالك بن دينار ﵀: «ما ضُرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب» (١). ٤ الوقوف على مواضع الوقف في الآيات، ليتبين ويظهر معناها. ٥ تَكرار الآية وترديدها، كما هي عادة السلف ﵏؛ ليحصل التأثر بها والخشوع عندها. ٦ تدارس القرآن: فقد كان جبريل ﵇ كل ليلة من رمضان يدارس النبي ﷺ القرآن (٢). وقال ﷺ : «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده» (٣). النوع الثالث: تدبر أحكام القرآن الكريم والعمل به وأهميته: أ- معنى تدبر أحكام القرآن الكريم والعمل به: هو معرفة أحكام القرآن الكريم وحدوده، وأوامره ونواهيه، واتباعه، والعمل به، فعلًا للمأمورات، وتركًا للمنهيات. ب- أهمية تدبر أحكام القرآن الكريم والعمل به: تدبر أحكام القرآن والعمل به هو الغاية من إنزال القرآن، وهو المقصود الأول والأعظم والأهم من التدبر بأنواعه الثلاثة، فتدبر ألفاظ القرآن وضبط تلاوته وقراءته وسيلة إلى تدبر معانيه وفهمه والتأثر به، وتدبر معانيه وفهمه والتأثر به سبب لتدبر أحكامه والعمل به، وتدبر أحكامه والعمل به هو ثمرة تدبر ألفاظه ومعانيه، قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]؛ أي: لأجل أن يتدبروا آيات هذا الكتاب المبارك العظيم، بتدبر ألفاظها وتلاوتها، وفهم معانيها، والعمل بأحكامها.

стр. 420

وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥]؛ أي: اتبعوه في العمل بما يأمركم به، وترك ما ينهاكم عنه. وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣]؛ أي: بالعمل به. وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ أي: لعلهم يتقون الله بالعمل بآياته بفعل أوامره وترك نواهيه. وقال تعالى في الثناء على المتدبرين لأحكامه العاملين به: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]؛ أي: يتلونه حق تلاوته، بتدبر ألفاظه حق التدبر، بقراءته قراءة صحيحة، وتدبر معانيه حق التدبر بفهم معانيه، وتدبر أحكامه حق التدبر بالعمل به. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨]؛ أي: فيتبعون أحسنه بالعمل به، بفعل ما يأمرهم به، وترك ما ينهاهم عنه. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وقال تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣]؛ أي: بل يسمعونها ويبصرونها ويخرون سُجَّدًا وبكيًّا. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]؛ أي: صدقنا وانقدنا ظاهرًا وباطنًا. وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يُؤتَى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران». وضرب رسول الله

стр. 421

- ﷺ ثلاثة أمثال ما نسِيتهن بعدُ؛ قال: «كأنهما غَمامتان أو ظُلتان سَوداوان بينهما شَرْقٌ، أو كأنهما حِزقانِ من طيرٍ صوافَّ، تُحاجان عن صاحبهما» (١). وفي حديث ابن عباس ﵄: أن عُيينة بن حِصن دخل على عمر بن الخطاب ﵁ فقال: هِي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجَزْل، ولا تحكم فينا بالعدل. فغضب عمر ﵁، حتى همَّ أن يوقع به، فقال له الحرُّ بن قيس: يا أمير المؤمنين، إن الله يقول لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وإن هذا من الجاهلين. قال الراوي: «والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافًا عند كتاب الله» (٢). قال سفيان: «ليس في كتاب الله آية أشد علي من قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]، وإقامتها: فهمها والعمل بها» (٣). قال ابن باز ﵀ (٤): «التدبر للقرآن مشروع كما بينه الله ، وهو المقصود من التلاوة، التدبر، والتعقل، والفهم، ثم العمل؛ قال الله : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. فهو أُنزل للتدبر، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. فالمشروع للمؤمن عند التلاوة، وهكذا المؤمنة: التدبر، والتعقل، والتفهم، يعني: تدبر المعنى، ما هو المعنى، يتفهم حتى يعمل، حتى يوصي الناس به». وقال ابن عثيمين ﵀ (٥): «ينبغي للإنسان أن يتفكر في آيات الله الشرعية في القرآن والسنة، فيتدبر الآيات ليتبين له من أحكامها ما شاء الله، ثم يتدبر مرة أخرى في الحكم

стр. 422

المترتبة على هذه الأحكام؛ لأن الإنسان إذا فتح الله عليه معرفة الحكم، والأحكام الشرعية ازداد إيمانًا ويقينًا، وعرَفَ بذلك سمو الشريعة الإسلامية، وأنها لا تأمر إلا بخير ولا تنهى إلا عن شر». وتدبر القرآن بالعمل به لا يُعذر بتركه أحد؛ لأنه هو المقصود بالأمر بالتدبر، ومن تدبر ألفاظ القرآن ومعانيه دون تدبر أحكامه والعمل به، لم ينفعه ذلك، بل كان ذلك حجة عليه، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه: .... ورجل تعلم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن، فأُتي به فعرَّفه نِعَمَه فعرفها، قال: فما عمِلت فيها؟ قال: تعلمتُ العلمَ وعلَّمتُه وقرأت فيك القرآن، قال: كذبتَ، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار» (١). قال الشاعر: وعالم بعلمِه لم يَعْمَلَنْ … مُعذَّبٌ من قبلِ عُبَّادِ الوَثَن (٢) وقد اعتنى بعض طلبة العلم بالحث على تدبر ألفاظ القرآن ومعانيه أكثر من العناية والحث على ثمرة التدبر وغايته، وهو تدبر أحكامه والعمل به، مما جعل البعض يظن أن التدبر ثقافة قرآنية فقط. وفي هذا خلل عظيم؛ فإن من تدبر ألفاظ القرآن ومعانيه دون تدبر أحكامه والعمل به لا يُعد متدبرًا، ولا ينفعه ذلك، وكان حجةً عليه، كما سبق بيان ذلك. قال الحسن البصري ﵀: «نزل القرآن ليُتدبر ويُعمل به، فاتخذوا تلاوته عملًا» (٣). وقال أيضًا: «إنّ أولى الناس بالقرآن من اتبعه، وإن لم يكن يقرؤه» (٤).

стр. 423

أما من تدبر أحكام القرآن وعمل به، ولم يتمكن من تدبر ألفاظه ومعانيه كما ينبغي، فإن ذلك لا يضيره، كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لرجل: «ما تقول في الصلاة؟» قال: أتشهد، ثم أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، أما والله ما أُحسِنُ دَنْدَنَتَكَ، ولا دندنة معاذ. فقال: «حولها نُدندِن» (١). ج - حكم ترك العمل بالقرآن الكريم: ترك العمل بالقرآن الكريم لا يجوز، وهو من أعظم الهجر له، بل هو الهجر الحقيقي له، وهو كفر، ولهذا ذم الله تعالى المتولِّين عن سماع القرآن المستكبرين، وتوعَّدهم، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان: ٧]. وحال بينهم وبين فهم القرآن كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٧]. وقال ﷺ : «القرآن حجة لك أو عليك» (٢)؛ أي: حجة لك إن عملت به، وحجة عليك إن أعرضت عنه، ولم تعمل به.

стр. 424

وقال ابن القيم في ذكر أنواع هجر القرآن: «والثاني هجر العمل به، والوقوف عند حلاله وحرامه، وإن قرأه وآمن به، والثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه» (١). الوقفة الثانية: في مدة ختم القرآن الكريم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «ألم أُخبَرْ أنك تصوم الدهر، وتقرأ القرآن كل ليلة؟» فقلت: بلى يا نبي الله، ولم أُرد بذلك إلا الخير. قال: «فإن بحسْبك أن تصوم من كل شهرٍ ثلاثةَ أيام … » إلى أن قال: «واقرأ القرآن في كل شهر». قال: قلت: يا نبي الله، إني أُطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأْه في كل عشرين». قال: قلت: يا نبي الله، إني أُطيق أفضل من ذلك. قال: «فاقرأْه في عشر». قال: قلتُ: يا نبي الله، إني أُطيق أفضل من ذلك. قال: «فاقرأه في سبعٍ، ولا تزد على ذلك، فإن لزوجك عليك حقًّا، ولزَوْرِك عليك حقَّا، ولجسدك عليك حقَّا». فقال: فشددتُ فشُدد علي. قال: وقال لي النبي ﷺ : «إنك لا تدري لعلك يَطُولُ بك عُمُر». قال: فصرتُ إلى الذي قال لي النبي ﷺ ، فلما كَبِرتُ وَدِدتُ أني قبِلتُ رُخصةَ نبي الله ﷺ (٢). وفي رواية أن النبي ﷺ قال له: «اقرأ القرآن في كل شهر». قال: إني أطيق أكثر، فما زال حتى قال: «في ثلاث» (٣). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث» (٤).

стр. 425

وعن عائشة ﵂ قالت: «لا أعلم نبي الله قرأ القرآن كله في ليلة» (١). وسئل زيد بن ثابت ﵁: كيف ترى قراءة القرآن في سبع؟ قال: حسن، ولأن أقرأه في نصف شهر أو عشر أحبُّ إلي، وسلني لم ذلك؟ قال: فإني أسألك؟ قال زيد: لكي أتدبره وأقف عليه (٢). وقال ابن مسعود ﵁: «اقرؤوا القرآن في سبع، ولا تقرؤوه في أقل من ثلاث» (٣). وعن أبي حمزة قال: قلت لابن عباس ﵄: إني سريع القراءة، وإني أقرأ القرآن في ثلاث. فقال عبد الله: «لأن أقرأ البقرة في ليلةٍ فأتدبرها وأرتلها أحبُّ إليَّ من أن أقرأ كما تقول» (٤). وقال ابن عباس ﵄: «لأن أقرأ البقرة وآل عمران، وأرتلهما وأتدبرهما، أحب إليَّ من أن أقرأ القرآن هَذْرَمةً» (٥). وعن مسلم بن مِخراق قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين، إن ناسًا يقرأ أحدهم القرآن في ليلة مرتين أو ثلاثًا، فقالت: «قرؤوا ولم يقرؤوا، كان رسول الله ﷺ يقوم الليلة التمام فيقرأ بسورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة النساء، ثم لا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله ورغِب، ولا يمر بآية فيها تخويف إلا دعا الله واستعاذ» (٦).
следующие страницы →