← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 800

مراقي العزة ومقومات السعادة

سليمان اللاحم

Полный текст (723 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

- ﷺ ثلاثة أمثال ما نسِيتهن بعدُ؛ قال: «كأنهما غَمامتان أو ظُلتان سَوداوان بينهما شَرْقٌ، أو كأنهما حِزقانِ من طيرٍ صوافَّ، تُحاجان عن صاحبهما» (١). وفي حديث ابن عباس ﵄: أن عُيينة بن حِصن دخل على عمر بن الخطاب ﵁ فقال: هِي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجَزْل، ولا تحكم فينا بالعدل. فغضب عمر ﵁، حتى همَّ أن يوقع به، فقال له الحرُّ بن قيس: يا أمير المؤمنين، إن الله يقول لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وإن هذا من الجاهلين. قال الراوي: «والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافًا عند كتاب الله» (٢). قال سفيان: «ليس في كتاب الله آية أشد علي من قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]، وإقامتها: فهمها والعمل بها» (٣). قال ابن باز ﵀ (٤): «التدبر للقرآن مشروع كما بينه الله ، وهو المقصود من التلاوة، التدبر، والتعقل، والفهم، ثم العمل؛ قال الله : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. فهو أُنزل للتدبر، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. فالمشروع للمؤمن عند التلاوة، وهكذا المؤمنة: التدبر، والتعقل، والتفهم، يعني: تدبر المعنى، ما هو المعنى، يتفهم حتى يعمل، حتى يوصي الناس به». وقال ابن عثيمين ﵀ (٥): «ينبغي للإنسان أن يتفكر في آيات الله الشرعية في القرآن والسنة، فيتدبر الآيات ليتبين له من أحكامها ما شاء الله، ثم يتدبر مرة أخرى في الحكم

стр. 422

المترتبة على هذه الأحكام؛ لأن الإنسان إذا فتح الله عليه معرفة الحكم، والأحكام الشرعية ازداد إيمانًا ويقينًا، وعرَفَ بذلك سمو الشريعة الإسلامية، وأنها لا تأمر إلا بخير ولا تنهى إلا عن شر». وتدبر القرآن بالعمل به لا يُعذر بتركه أحد؛ لأنه هو المقصود بالأمر بالتدبر، ومن تدبر ألفاظ القرآن ومعانيه دون تدبر أحكامه والعمل به، لم ينفعه ذلك، بل كان ذلك حجة عليه، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه: .... ورجل تعلم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن، فأُتي به فعرَّفه نِعَمَه فعرفها، قال: فما عمِلت فيها؟ قال: تعلمتُ العلمَ وعلَّمتُه وقرأت فيك القرآن، قال: كذبتَ، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار» (١). قال الشاعر: وعالم بعلمِه لم يَعْمَلَنْ … مُعذَّبٌ من قبلِ عُبَّادِ الوَثَن (٢) وقد اعتنى بعض طلبة العلم بالحث على تدبر ألفاظ القرآن ومعانيه أكثر من العناية والحث على ثمرة التدبر وغايته، وهو تدبر أحكامه والعمل به، مما جعل البعض يظن أن التدبر ثقافة قرآنية فقط. وفي هذا خلل عظيم؛ فإن من تدبر ألفاظ القرآن ومعانيه دون تدبر أحكامه والعمل به لا يُعد متدبرًا، ولا ينفعه ذلك، وكان حجةً عليه، كما سبق بيان ذلك. قال الحسن البصري ﵀: «نزل القرآن ليُتدبر ويُعمل به، فاتخذوا تلاوته عملًا» (٣). وقال أيضًا: «إنّ أولى الناس بالقرآن من اتبعه، وإن لم يكن يقرؤه» (٤).

стр. 423

أما من تدبر أحكام القرآن وعمل به، ولم يتمكن من تدبر ألفاظه ومعانيه كما ينبغي، فإن ذلك لا يضيره، كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لرجل: «ما تقول في الصلاة؟» قال: أتشهد، ثم أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، أما والله ما أُحسِنُ دَنْدَنَتَكَ، ولا دندنة معاذ. فقال: «حولها نُدندِن» (١). ج - حكم ترك العمل بالقرآن الكريم: ترك العمل بالقرآن الكريم لا يجوز، وهو من أعظم الهجر له، بل هو الهجر الحقيقي له، وهو كفر، ولهذا ذم الله تعالى المتولِّين عن سماع القرآن المستكبرين، وتوعَّدهم، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان: ٧]. وحال بينهم وبين فهم القرآن كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٧]. وقال ﷺ : «القرآن حجة لك أو عليك» (٢)؛ أي: حجة لك إن عملت به، وحجة عليك إن أعرضت عنه، ولم تعمل به.

стр. 424

وقال ابن القيم في ذكر أنواع هجر القرآن: «والثاني هجر العمل به، والوقوف عند حلاله وحرامه، وإن قرأه وآمن به، والثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه» (١). الوقفة الثانية: في مدة ختم القرآن الكريم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «ألم أُخبَرْ أنك تصوم الدهر، وتقرأ القرآن كل ليلة؟» فقلت: بلى يا نبي الله، ولم أُرد بذلك إلا الخير. قال: «فإن بحسْبك أن تصوم من كل شهرٍ ثلاثةَ أيام … » إلى أن قال: «واقرأ القرآن في كل شهر». قال: قلت: يا نبي الله، إني أُطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأْه في كل عشرين». قال: قلت: يا نبي الله، إني أُطيق أفضل من ذلك. قال: «فاقرأْه في عشر». قال: قلتُ: يا نبي الله، إني أُطيق أفضل من ذلك. قال: «فاقرأه في سبعٍ، ولا تزد على ذلك، فإن لزوجك عليك حقًّا، ولزَوْرِك عليك حقَّا، ولجسدك عليك حقَّا». فقال: فشددتُ فشُدد علي. قال: وقال لي النبي ﷺ : «إنك لا تدري لعلك يَطُولُ بك عُمُر». قال: فصرتُ إلى الذي قال لي النبي ﷺ ، فلما كَبِرتُ وَدِدتُ أني قبِلتُ رُخصةَ نبي الله ﷺ (٢). وفي رواية أن النبي ﷺ قال له: «اقرأ القرآن في كل شهر». قال: إني أطيق أكثر، فما زال حتى قال: «في ثلاث» (٣). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث» (٤).

стр. 425

وعن عائشة ﵂ قالت: «لا أعلم نبي الله قرأ القرآن كله في ليلة» (١). وسئل زيد بن ثابت ﵁: كيف ترى قراءة القرآن في سبع؟ قال: حسن، ولأن أقرأه في نصف شهر أو عشر أحبُّ إلي، وسلني لم ذلك؟ قال: فإني أسألك؟ قال زيد: لكي أتدبره وأقف عليه (٢). وقال ابن مسعود ﵁: «اقرؤوا القرآن في سبع، ولا تقرؤوه في أقل من ثلاث» (٣). وعن أبي حمزة قال: قلت لابن عباس ﵄: إني سريع القراءة، وإني أقرأ القرآن في ثلاث. فقال عبد الله: «لأن أقرأ البقرة في ليلةٍ فأتدبرها وأرتلها أحبُّ إليَّ من أن أقرأ كما تقول» (٤). وقال ابن عباس ﵄: «لأن أقرأ البقرة وآل عمران، وأرتلهما وأتدبرهما، أحب إليَّ من أن أقرأ القرآن هَذْرَمةً» (٥). وعن مسلم بن مِخراق قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين، إن ناسًا يقرأ أحدهم القرآن في ليلة مرتين أو ثلاثًا، فقالت: «قرؤوا ولم يقرؤوا، كان رسول الله ﷺ يقوم الليلة التمام فيقرأ بسورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة النساء، ثم لا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله ورغِب، ولا يمر بآية فيها تخويف إلا دعا الله واستعاذ» (٦).

стр. 426

فالأولى أن يقرأ القرآن في سبع، أو في ثلاث، ولا يزيد على ذلك، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم من السلف وغيرهم، وقد كره بعضهم أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث؛ منهم: معاذ بن جبل ﵁، وأبو عبيد، وإسحاق (١). قال النووي (٢): «أكثر السلف يختمه في سبع»، وقال السيوطي (٣): «وهذا أوسط الأمور وأحسنها، وهو فعل الأكثر من الصحابة وغيرهم». وقال الآجري (٤): «القليل من الدرس للقرآن مع التفكر فيه وتدبره أحب إليَّ من قراءة الكثير من القرآن بغير تدبر ولا تفكر فيه، وظاهر القرآن يدل على ذلك، والسنة وقول أئمة المسلمين». وقال ابن تيمية: «قراءة القرآن على الوجه المأمور به تُورِث القلب الإيمان العظيم، وتَزيده يقينًا وطمأنينة وشفاء» (٥). وقال ابن القيم (٦): «فقراءة آية بتفكر خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان، وذوق حلاوة القرآن». وقال ابن الجزري (٧): «الصحيح- بل الصواب- ما عليه معظم السلف، وهو أن الترتيل والتدبر مع قلة القراءة أفضل من السرعة مع كثرتها». وبِناءً على ما سبق: فمن قرأ القرآن في سبع أو في ثلاث اجتمع له أمران: الأول: الأخذ بالسنة، فالنبي ﷺ قال لعبد الله بن عمرو ﵄: «فاقرأه في سبع ولا تَزِدْ»، وفي رواية: فما زال حتى قال: «في ثلاث»، وفي الحديث الآخر قال ﷺ : «لا يفقه من

стр. 427

قرأ القرآن في أقل من ثلاث». وقد جا أنه ﷺ كان لا يختم القرآن في أقل من ثلاث (١). الأمر الثاني: التمكن من التدبر، وهو المقصود الأول والأعظم والأهم من إنزال القرآن الكريم، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. إضافة إلى هذا أن من يقرأ القرآن في أقل من ثلاث سواء في ليلة أو ليلتين، قد لا يسلم من التقصير في هذه المدة في حقوق أخرى، لله أو لنفسه، أو لوالديه، أو لأهله، أو لأولاده، أو لغيرهم، ولهذا قال ﷺ لعبد الله بن عمرو ﵄: «فإن لزوجك عليك حقَّا، ولزورك عليك حقَّا، ولجسدك عليك حقَّا». وهذا والله أعلم من الحكمة في النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث، إضافة إلى عدم التمكن من التدبر، كما قال ﷺ : «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث». قال ابن باز ﵀ (٢): «وبعض السلف قال: يُستثنى من ذلك أوقات الفضائل، وأنه لا بأس أن يختم في كل ليلة، أو في كل يوم (٣)، كما ذكروا ذلك عن الشافعي وغيره. لكن ظاهر السنة أنه لا فرق بين رمضان وغيره، وأنه ينبغي له أن لا يتعجل، وأن يطمئن في قراءته، وأن يرتل كما أمر النبي ﷺ عبد الله بن عمرو فقال: «اقرأه في سبع»، وهذا آخر ما أمره به، وقال: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث»، ولم يقل: إلا في رمضان، فحَمْلُ بعض السلف هذا على غير رمضان محل نظر. والأقرب- والله أعلم- أن المشروع للمؤمن أن يُعنى بالقرآن، ويجتهد في إحسان قراءته، وتدبر القرآن، والعناية بالمعنى، ولا يعجل، والأفضل ألا يختم في أقل من ثلاث، هذا هو الذي ينبغي حسب ما جاءت به السنة ولو في رمضان».

стр. 428

وقال أيضًا ﵀ عن قراءة القرآن في صلاة التراويح (١): «ليس المهم أن يختم، وإنما المهم أن ينتفع الناس في صلاته، وفي خشوعه، وفي قراءته، حتى يستفيدوا ويطمئنوا؛ لأن عنايته بالناس وحرصه على خشوعهم وعلى إفادتهم أهم من كونه يختم. وليس هذا موجبًا لأن يستعجل، ولا يتأنى في قراءته، ولا يتحرى الخشوع والطمأنينة، بل يتحرى هذه الأمور أولى من مراعاة الختمة». الوقفة الثالثة في: الصوارف عن قراءة القرآن الكريم وتدبره الصوارف والحجب عن قراءة القرآن الكريم وتدبره كثيرة جدًّا، كما هي الصوارف عن الإيمان، ومنها ما يأتي: ١ الكبر والكفر بالآيات، وتنكُّب طريق الرشد، وسلوك طريق الغَيِّ، قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦]. ٢ ارتكاب بعض البدع. ٣ اتباع الهوى. ٤ ضعف الإيمان واليقين. ٥ الإصرار على الذنوب والمعاصي. ٦ الافتتان بحب الدنيا وجمعها، وزينتها وزخرفها. قال ابن قُدامة (٢): «وليتخلَّ التالي من موانع الفهم، ومن ذلك أن يكون مصرًّا على ذنب، أو متصفًا بكبر، أو مبتلًى بهوًى مطاع، فإن ذلك سبب ظلمة القلب وصدئه».

стр. 429

وقال الزركشي في «البرهان» (١): «واعلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي، ولا تظهر له أسراره، وفي قلبه بدعة، أو كبر، أو هوى، أو حب دنيا، أو هو مصر على ذنب، أو غير متحقق الإيمان، أو ضعيف التحقيق». ٧ الافتتان بحب الغناء والمعازف والمزامير. قال ابن القيم (٢): حبُّ الكتابِ وحبُّ ألحانِ الغِنا في قلبِ عبدٍ ليسَ يَجتمعان ٨ انشغال القلب بشيء مما ذُكر، أو بغير ذلك، وشروده، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]. قال ابن القيم (٣): «الناس ثلاثة: رجل قلبه ميت، الثاني: رجل له قلب حي، لكنه مشغول ليس حاضرًا، فهذا أيضًا لا تحصل له الذكرى، الثالث: رجل حي القلب مستعد تُليت عليه الآيات فأصغى بسمعه وألقى السمع، وأحضر القلب، لم يشغله بغير فهم ما يسمع، فهو شاهد القلب، فهذا القسم هو الذي ينتفع بالآيات». ٩ قصر الهمة على كثرة القراءة، وكون همه ختم السورة، وهذا حُجب به كثير من الناس عن تدبر القرآن والتأثر به والخشوع، وعن محاسبة النفس عن العمل به، قال الحسن البصري: «كيف يرق قلبك وإنما همتك في آخر السورة» (٤). ١٠ قصر الهمة على تحقيق القراءة وحسن التلاوة والتجويد، وقوة الاستحضار، وهذا حجب كثيرًا من أهل القرآن عن تدبر معانيه وفهمه، والتأثر به والخشوع، وعن محاسبة النفس عن العمل به. قال ابن قدامة (٥): «وليتخلَّ التالي عن موانع الفهم، مثل: أن يخيل له الشيطان أنه ما

стр. 430

حقق تلاوة الحرف، ولا أخرجه من مخرجه، فيصرف همته عن فهم المعنى». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولا يجعل همته فيما حُجب به أكثر الناس من العلوم عن حقائق القرآن، إما بالوسوسة في خروج حروفه، وترقيقها، وتفخيمها، وإمالتها، والنطق بالمد الطويل، والقصير، والمتوسط، وغير ذلك، فإن هذا حائل للقلوب، قاطع لها عن فهم مراد الرب من كلامه» (١). ١١ الانشغال عن تدبر القرآن بالمبهمات من الأعيان، والأماكن، والأعداد، وتفصيل بعض الوقائع، والأحداث التي أجملها القرآن، ولا طائل تحتها، ولا فائدة تعود على المكلفين من ذكرها، كالبعض الذي ضُرب به القتيل من البقرة، وأسماء أصحاب الكهف، وغير ذلك. وقريب من هذا ما يورده من يرون التدبر ثقافة قرآنية من أسئلة: لماذا زاد حرفًا هنا؟ ولماذا نقص حرفًا هنا؟ الوقفة الرابعة في: حرص السلف ﵃ على تلاوة كتاب الله ، وتعلمه، وتدبره، وفهم معانيه، والعمل به ضرب السلف الصالح ﵃ من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أروع الأمثلة في العناية بكتاب الله ، تدبرًا لألفاظه ومعانيه، وعملًا به، وتعلمًا له وتعليمًا. قال علي بن أبي طالب ﵁: «والله ما نزلت آية إلا وقد علِمتُ فيما نزلت، وأين نزلت، وعلى من نزلت» (٢). وقال عبد الله بن مسعود ﵁: «والله الذي لا إله غيره، ما أُنزلت سورة من كتاب الله

стр. 431

إلا أنا أعلم أين أُنزلت، ولا أُنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيم أُنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه» (١). وعن مجاهد ﵀ قال: «عرضتُ المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته، أُوقِفه عند كل آية منه وأسأله عنها» (٢). وجاء أن عمر بن الخطاب ﵁ تعلم سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة (٣). وعن أنس ﵁ قال: «مكث عبد الله بن عمر ﵄ في سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها» (٤). قال خالد بن الوليد: «لقد منعني كثيرًا من القراءة الجهادُ في سبيل الله» (٥). وعن أبي عبد الرحمن السُّلَمي قال: «حدثنا الذين كانوا يُقرِئوننا القرآن، عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا» (٦). وكان من عادة السلف ﵏ تَكرار الآيات وتردديها لتدبرها وفهمها والتأثر والخشوع عندها؛ كما جاء ذلك عن النبي ﷺ . فعن أبي ذر ﵁ قال: قام النبي ﷺ بآية حتى أصبح يرددها: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ

стр. 432

تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] (١). وعن عباد بن حمزة قال: «دخلت على أسماء وهي تقرأ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧]، فوقفتُ عندها، فجعلتْ تستعيذ وتدعو، فطال عليَّ ذلك، فذهبت إلى السوق فقضيت حاجتي، ثم رجعت، وهي فيها بعدُ تستعيذ وتدعو» (٢). وردد ابن مسعود ﵁: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] (٣). وردد سعيد بن جبير ﵀ قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] بِضْعًا وعشرين مَرَّةً (٤). وردد ﵀ أيضًا: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧٠ - ٧١]، وردد أيضًا: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦]. وكان الضحاك إذا تلا قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] يرددها إلى السحر (٥). وردد الحسن البصري ﵀ ليلة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ حتى أصبح فقيل له في ذلك، فقال: «إن فيها مُعتبَرًا، ما نرفع طرْفًا ولا نرده إلا وقع على نعمة، وما لا نعلمه من نعم الله أكثر» (٦). وعن عامر بن قيس أنه قرأ ليلةً سورة المؤمن، فلما انتهى إلى قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر: ١٨]، فلم يزل يرددها حتى أصبح.

стр. 433

وردد قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] (١). وكان الفُضيل بن عِيَاض إذا مرَّ بآية فيها ذكر الجنة يردد فيها ويسأل (٢). وقال محمد بن كعب القُرَظي: «لأن أقرأ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ و ﴿الْقَارِعَةُ﴾ أرددهما وأتفكر فيهما أحب إليَّ من أن أبِيت أهذُّ القرآن» (٣). وقال النووي (٤): «وقد بات جماعة من السلف يتلو الواحد منهم الآية ليلةً كاملة أو معظمها، ويتدبرها عند القراءة». وقال ابن القيم (٥): «هذه كانت عادة السلف، يردد أحدهم الآية إلى الصبح». الوقفة الخامسة في: آداب تلاوة القرآن الكريم وحملته القرآن الكريم كلام الله يجب تعظيمه وتكريمه واحترامه، والتأدب معه بأحسن الآداب، والتخلق معه بأجمل الأخلاق، ومن ذلك مراعاة الأمور التالية: الأول: الإخلاص لله تعالى؛ بأن يكون القارئ مخلصًا لله تعالى في نيته، يقصد بقراءته وجه الله تعالى ومرضاته، ويبتغي بذلك الأجر والثواب من الله تعالى، متجردًا من كل غرض دُنيوي؛ من مال أو رياسة، أو جاه أو ارتفاع على أقرانه، أو ثناء الناس عليه، أو صرف وجوه الناس إليه، أو رياء وسمعة، أو إعجاب بالنفس أو غير ذلك. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].

стр. 434

وقراءة القرآن الكريم عبادة من أجل العبادات. وقال في الحديث القدسي: «من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» (١). وقال ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تعلم علمًا مما يُبتغى به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من أعراض الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» (٣). قال النووي ﵀ في «التبيان، في آداب حملة القرآن» (٤): «وليحذر كل الحذر من قصده التكبر بكثرة المشتغلين عليه، والمختلفين إليه، وليحذر من كراهة قراءة أصحابه على غيره ممن ينتفع به، وهذه مصيبة يُبتلى بها بعض المعلمين الجاهلين، وهي دلالة بينة من صاحبها على سوء نيته، وفساد طويته، بل هي حجة قاطعة على عدم إرادته بتعليمه وجه الله الكريم». الثاني: الطهارة: فيجب على من أراد تلاوة القرآن الكريم من المصحف الطهارة التامة من الحدث الأكبر والأصغر؛ لأنه لا يجوز مس المصحف إلا على طهارة، قال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]. وقال ﷺ في حديث عمرو بن حزم: «وألا يمس القرآن إلا طاهر» (٥). ويجوز لمن كان عليه الحدث الأصغر قراءة القرآن حفظًا، ولكن الأولى والأفضل أن يكون على طهارة تامة.

стр. 435

ولا يجوز لمن كان جنبًا قراءة القرآن لا تلاوة ولا حفظًا؛ لأن النبي ﷺ ما كان يمنعه شيء من قراءة القرآن إلا الجنابة (١). واختُلف في قراءة الحائض والنفساء للقرآن: فمن أهل العلم من منع ذلك، ومنهم من أجازه، والأظهر: أن لها قراءة القرآن عند الحاجة، لكن إن كان من المصحف فيكون من وراء حائل. الثالث: السواك، ونظافة الفم والبدن واللباس والطيب، وحسن الرائحة والهيئة، واستحضار القارئ أنه يناجي ربه ، ويقرأ كلامه كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله تعالى يراه، وهو أشبه بمن يناجي الله تعالى في الصلاة، ينبغي أن يكون على أحسن حال. الرابع: استقبال القبلة ما أمكن، فذلك أفضل كما شرع استقبالها في الصلاة، وفي الدعاء، وعند النوم، وفي الذبح، وغير ذلك. الخامس: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]. السادس: البسملة مع كل سورة، عدا سورة التوبة؛ لأن البسملة آية مستقلة تنزل مع كل سورة، سوى سورة براءة فلم تنزل معها البسملة، وهي بعض آية من سورة النمل في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النحل: ٣٠]. السابع: الاعتدال في الجِلسة تعظيمًا لله ولكلامه وتهيئة الجوارح والحواس كلها للانتفاع بالقرآن الكريم، وهذا أولى وأفضل، ولو قرأ على أي حال جاز ذلك، لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]. وعن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يقرأ وهو على راحلته سورة الفتح (١). وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يتكئ في حَجْري وأنا حائض فيقرأ القرآن (٢).

стр. 436

الثامن: أن تكون القراءة في مكان محترم نظيف هادئ مهيأ للقراءة، بعيدًا عن أماكن اللغو والأصوات والمشوشات من آلات اللهو وغير ذلك، كالمساجد والمدارس ونحوها. التاسع: تدبر ألفاظ القرآن ومعانيه وأحكامه، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢، ومحمد: ٢٤]. قال الحسن البصري ﵀: «إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار» (١). العاشر: الخشوع والخضوع والخوف والوَجَل والبكاء عند قراءة القرآن، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩]. وصلى عمر بن الخطاب ﵁ بالجماعة الصبح فقرأ سورة يوسف فبكى حتى سالت دموعه على تَرْقُوَتَه. وفي رواية: «فبكى حتى سمعوا بكاءه من وراء الصفوف». وعن أبي رجاء قال: «رأيت ابن عباس وتحت عينيه مثل الشِّراك البالي من الدموع». وعن أبي صالح قال: «قدم ناس من أهل اليمن على أبي بكر الصديق ﵁، فجعلوا يقرؤون القرآن ويبكون، فقال أبو بكر ﵁: هكذا كنا» (٢). قال ابن مسعود ﵁: «ينبغي لحامل القرآن أن يُعرفَ بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مُفطِرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون» (٣). الحادي عشر: أن يحرص على ترتيل القرآن، وتحسين الصوت به، والتغني به، قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤].

стр. 437

وقال ﷺ : «زينوا القرآن بأصواتكم»، وقال ﷺ : «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن يجهر به» (١). وقد أجمع العلماء على استحباب ترتيل القرآن، وتزيين الصوت به، والتغني به. قال ابن عباس ﵄: «لَأَنْ أقرأ سورة أرتلها أحب إليَّ من أن أقرأ القرآن كله» (٢). وعن ابن مسعود ﵁ أن رجلًا قال له: إني أقرأ المفصَّل في ركعةٍ واحدة، فقال عبد الله بن مسعود: «هذًّا كهذِّ الشعر، إن أقوامًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيَهم، ولكن إذا وقع في القلب فرَسَخَ فيه نفع» (٣). الثاني عشر: التأثر بالقرآن والتفاعل معه واستحضار معانيه، بحيث إذا مر القارئ بآية رحمةٍ سأل الله تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب استعاذ بالله من ذلك، وإذا مر بآية تسبيح سبَّح الله تعالى، وهكذا. لِما جاء في حديث حذيفة ﵁ قال: «صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة … » الحديث، وفيه قال حذيفة: «فإذا مرَّ بآية تسبيحٍ سبَّح، وإذا مرَّ بآية سؤالٍ سأل، وإذا مرَّ بتعوُّذ تعوَّذ» (٤). الثالث عشر: الوقوف عند المواضع التي يُشرع الوقوف عندها استحبابًا؛ كرؤوس الآي، وغيرها، وعند المواضع التي يجب الوقوف عندها. عن أم سلمة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته آية آية». وعن أنس ﵁ قال: «كانت قراءة النبي ﷺ مدًّا، ثم قرأ: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، يمد بـ «الرَّحْمَنِ»، ويمد بـ «الرَّحِيمِ» (٥). الرابع عشر: الإمساك عن القراءة عند غلبة النعاس عليه، وعند كثرة المشوشات حوله، بحيث لا يدري ما يقرأ؛ إجلالًا وتعظيمًا لكلام الله . الخامس عشر: السجود عند قراءة الآيات التي فيها سجود التلاوة.

стр. 438

السادس عشر: تعاهد القرآن واستذكاره بالمواظبة على مراجعة حفظه، قال ﷺ : «تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمدٍ بيده لهو أشد تفلُّتًا من الإبل في عُقُلِها» (١). وقال ﷺ : «إنما مَثَلُ صاحب القرآنِ كمثلِ الإبلِ المعقَّلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإنْ أطلقها ذهبت» (٢). وينبغي أن يحترز مَن وفَّقه الله تعالى إلى حفظ القرآن الكريم من التساهل في تعاهده ومراجعته؛ لئلا ينساه، فإن حصل له شيء من النسيان فليتداركه، ولا يقول: «نَسِيتُ آية كذا»؛ لنهيه ﷺ عن ذلك، بل يقول: «نُسِّيتُ» (٣)؛ لأن نَسِيتُ يدل على التساهل والغفلة. السابع عشر: الإكثار من تلاوة القرآن، وعدم هجره، فيقرؤه على الأقل في كل شهر، أو في أقل من ذلك كعشرين يومًا، أو عشرة أيام أو سبعة أو ثلاثة، ولا يزِدْ على ذلك. الثامن عشر: تعظيم المصحف وتكريمه واحترامه، بأن يتناوله بيمينه ويحمله ويقلب صفحاته بيمينه، ويناوله بيمينه، ويضعه في مكانه اللائق به بيمينه، على محلٍّ مرتفع، ولا يضعه على الأرض إلا لحاجة، كألا يجد ما يضعه عليه سوى ذلك، ويصلح ما عرض له من أسباب التلف، وإذا استغنى عنه بغيره أعطاه لمن يستفيد منه، وإذا بَلِيَ دفنه في مكان طاهر من الأرض؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «أما المصحف العتيق والذي تخرَّق وصار بحيث لا يُنتفع به بالقراءة فيه فإنه يُدفن في مكان يُصان فيه» (٤). وليس من تعظيم المصحف وتكريمه واحترامه: تقبيله؛ لأنه لم ترد به سُنة، وقد رُوي عن عكرمة ﵀، والأَوْلى تركُه. التاسع عشر: الاحتراز عن كل ما فيه إهانة للمصحف أو استخفاف به؛ من تناوله ومناولته باليسار، أو وضعها على الآيات المكتوبة، وهذا أشد، فينبغي الاحتراز منه، ومن الدخول به لمكان قضاء الحاجة، أو الاتكاء عليه وتوسده، والنوم عليه، أو وضع الكتب

стр. 439

أو بعض الأشياء عليه، أو السفر به إلى أرض العدو، أو تركه منشورًا مفتوحًا بعد الفراغ من القراءة، أو تصغير كتابته بحيث تصعب قراءته، أو تصغير اسمه بمُصيحف؛ كتابةً أو نطقًا، أو تلويثه بالريق أو غير ذلك، أو تعريضه للتلف بالرطوبة بالماء أو للحرارة بالشمس، ونحو ذلك. العشرون: وهو الأهم: العمل بالقرآن بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وتحليل حلاله وتحريم حرامه، وتصديق أخباره، وإقامة حدوده مع حروفه. وهذا ليس أدبًا فقط بل هو أوجب الواجبات. قال بعض السلف: «ربَّ تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه» (١). يقرأ قول الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، وقوله: ﴿لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] وهو ظالم كاذب! قال ميمون بن مِهران ﵀: «إن الرجل ليصلي ويلعن نفسه في قراءته فيقول: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، وإنه لظالم» (٢).

стр. 440

وقفات ثلاث في: إنزال الناس منازلهم قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩] الوقفة الأولى في: معنى إنزال الناس منازلهم وأهميته، وحكمة الله تعالى في التفاضل بين البشر أ- معنى: إنزال الناس منازلهم: المنازل: جمع مَنزِلة، وهي: الرتبة والمكانة، يقال: فلان رفيع المنزلة؛ أي: رفيع الرتبة، ويقال: له منزلة عند الأمير؛ أي: مكانة. فمعنى إنزال الناس منازلهم: التعامل مع كل إنسان بما يليق به، والقيام بحقوقه المعروفة شرعًا وعرفًا، دونما إفراط أو تفريط. ب- حكمة الله تعالى في وجود التفاضل بين البشر: اقتضت حكمة الله تعالى وجود التفاضل والاختلاف بين البشر، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩]، فأفضل البشر هم الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهم يتفاضلون، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣]. والناس كلهم يتفاوتون في منازلهم الأخروية، وأفضلهم عند الله أتقاهم، كما قال

стр. 441

تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. كما يتفاوتون في منازلهم الدنيوية، قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١]، وقال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥]. أي: ليبلوكم فيما آتاكم من الدرجات المتفاوتة؛ ليظهر الشاكر من غيره على السراء، والصابر من غيره على الضراء، وليحصل التنافس والتسابق إلى معالي الأمور، وإلى الخيرات، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة ١٤٨، والمائدة ٤٨]. ولهذا نجد القرآن الكريم في آيات كثيرة يغري بهذا التنافس والتسابق، بنفي التساوي بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وبين المجاهدين والقاعدين، وبين الخبيث والطيب، وبين الأعمى والبصير، والأصم والسميع، والأحياء والأموات، وأصحاب الجنة وأصحاب النار، وغير ذلك، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]. وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٢٤] وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ [الرعد: ١٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩، غافر ٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠]. فكل هذه الآيات وما في معناها لاستنهاض الهمم، وللتشمير إلى معالي الأمور، والمنافسة والمسابقة في الخيرات.

стр. 442

ج- أهمية إنزال الناس منازلهم: في الآيات السابقة الدالة على التفاضل والاختلاف بين البشر، ونفي التساوي بينهم إشارة إلى أنه ينبغي إنزال الناس منازلهم، كما قال ﷺ : «أنزلوا الناس مَنازلهم» (١). قال المُناوي في «فيض القدير» (٢): «أي: احفظوا حرمة كل واحد على قدره، وعاملوه بما يلائم حاله في عمر، ودين، وعلم، وشرف، فلا تسووا بين الخادم والمخدوم، والرئيس والمرؤوس؛ فإنه يورث عداوةً، وحقدًا في النفوس». وقال ابن باز ﵀ (٣): «المؤمن ينزِل الناس منازلهم، لا يجعلهم على حدٍّ سواء، في إكرامهم وتقديرهم، بل على حسَب مراتبهم في الدين، ومراتبهم في كِبَر السن، ومراتبهم في وظائفهم الشرعية، فالقاضي له حقه، والعالم له حقه، والسلطان له حقه، والأمير له حقه، والشيخ كبير السن له حقه، والوالد له حقه، والأخ الكبير له حقه، والجار له حقه، وهكذا فكل إنسان يعطَى حقه المناسب له بحسَب ما جاءت به الشريعة». وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أتاكم كريم قومٍ فأكرِموه» (٤). وعن عُبادةَ بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس من أمتي من لم يُجِلَّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه» (٥).

стр. 443

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يرحم صغيرنا، ويعرِف قدْر كبيرنا، فليس منا» (١). وقد ضُعف في الأمة إنزالُ الناس منازلهم ضعفًا كبيرًا عند كثير من الناس على اختلاف طبقاتهم، وبخاصة الشباب، وقد تدرج الأمر ببعضهم اغترارًا منهم إلى اتخاذ بعض ذوي المكانة في الأمة غرضًا للسخرية والاستهزاء في وسائل التواصل، وبعض المواقع، وغير ذلك! رأى شاب شيخًا كبيرًا وهو يمشي ببطءٍ، فقال يسخر منه: كأنك مقيَّد. فقال الشيخ الكبير على الفور: الذي فتل قيدي الآن يفتل قيدك. يضع بعضهم المصاحف على طاولات منخفضة، ويكتبون عليها: لا تمدن قدميك نحو المصاحف. وما علموا حاجة الكبير إلى ذلك. وكان الأولى رفع المصاحف. حالهم كما قيل: ألقاه في اليَمِّ مكتوفًا وقال له: … إياك إياك أن تَبتَلَّ بالماءِ! الوقفة الثانية في: أولى الناس بالإكرام، والتوقير، والاحترام تختلف منازل الناس لاعتباراتٍ مختلفةٍ كثيرة؛ دينية، وعلمية، واجتماعية، وسياسية، وغير ذلك. ومن أولى الناس بالإكرام والطاعة، والتوقير والاحترام: ١ وُلاة الأمر: ولاة الأمر هم صِمام الأمان بتوفيق الله تعالى للأمة، تجب طاعتهم بالمعروف، والانقياد لهم في غير معصية الله تعالى، أكد الله وجوب طاعتهم، وقرنها بطاعته ،

стр. 444

وطاعة رسوله ﷺ ، مما يُوجِب إكرامهم، وإنزالهم منزلتهم بمراعاة ما يلي: - طاعتهم بالمعروف، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، وقال ﷺ : «من أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني» (١). - النصيحة لهم، كما قال ﷺ : «الدين النصيحة». قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم» (٢). - الدعاء لهم، قال الفُضيل بن عِيَاض وأحمد بن حنبل -رحمهما الله-: «لو كان لنا دعوة مستجابة، لدعونا بها للسلطان» (٣). وعلى هذا درَج سلف هذه الأمة من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم إلى يومنا هذا: - الاعتراف بفضلهم وجهودهم. - تقديرهم، واحترامهم، وتوقيرهم. - التعاون معهم على حفظ الأمن، والقيام بمسؤولياتهم. - إقالة عثراتهم تقديرًا لهم؛ لقوله ﷺ : «أقيلوا ذوي الهيئات عَثَراتهم» (٤). - الصبر على بعض ما قد يحصل منهم، مع الدعاء والنصح لهم؛ حفاظًا على وحدة الأمة. ٢ الوالدان: عظم الله حق الوالدين في القرآن الكريم، وقرنه بحقه في آيات كثيرة؛ للدلالة على عِظَم منزلتهما، وعلو مكانتهما، وأنهما أحق الناس بالبر والإحسان (٥).

стр. 445

وهذا يوجب على الأولاد إكرامهما، وإنزالهما منزلتهما اللائقة بهما، وذلك من خلال ما يأتي: - الإحسان إليهما، والبر بهما، وخدمتهما، ومساعدتهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. - الحذر من التأفف منهما، ونهرهما؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]. - مخاطبتهما بالقول الكريم الطيب اللين؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. - التواضع لهما، وتوقيرهما، واحترامهما، والتأدب معهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ٢٤]. - الرحمة لهما، والشفقة عليهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]. - الدعاء لهما بالرحمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٤]. - الاعتراف بفضلهما؛ لقوله تعالى: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]. - تقديمهما في الأكل والشرب، والدخول والخروج والمشي، ونحو ذلك. - الجلوس معهما، ومؤانستهما. - إكرامهما بأنواع الإكرام كلها. ٣ العلماء الربانيون الناصحون: رفع الله شأن العلماء، وعظَّم قدرهم، فقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]، وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ

стр. 446

دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وقال ﷺ : «وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، حتى الحِيتان في الماء، وفضلُ العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء وَرَثَةُ الأنبياء» (١). وعن جابرٍ ﵁، أن النبي ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أُحُد- يعني في القبر- يقول: «أيهما أكثر أخذًا للقرآن؟» فإذا أُشير إلى أحدهما قدَّمه في اللَّحد (٢)، وقال ﷺ : «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين» (٣). قال ابن القيم (٤): «العلماء بمنزلة النجوم في السماء، يَهتدي بهم الحيران في الظلماء». ولما للعلماء من عظيم المنزلة عند الله تعالى، يجب إكرامهم وإنزالهم منزلتهم اللائقة بهم، وذلك من خلال ما يأتي: - الاعتراف بفضلهم. - توقيرهم، واحترامهم، والتأدب معهم، ومخاطبتهم بما يليق بهم. - تقديمهم في إمامة الصلاة؛ لقوله ﷺ : «يَؤُمُّ القومَ أقرؤوهم لكتاب الله» (٥). - الإفساح لهم، وتقديمهم في المجالس. - تقديمهم في الكلام، والاستماع والإنصات لهم.

стр. 447

- تقديمهم عند الطعام والشراب، والدخول والخروج والمشي، ونحو ذلك. - إقالة عثراتهم. إلى غير ذلك من وجوه الإكرام. ٤ المعلمون المخلصون الناصحون: للمعلمين المخلصين الناصحين فضل كبير على طلابهم، فيجب عليهم إكرامهم، وإنزالهم مَنزِلَتَهم اللائقة بهم، وذلك من خلال ما يأتي: - احترامهم، وتقديرهم، قال أحمد شوقي (١): قُمْ للمعلمِ وفِّه التبجيلَا … كاد المعلمُ أن يكون رسولَا أرأيتَ أشرفَ أو أجَلَّ من الذي … يبني ويُنشئ أنفسًا وعُقولَا - طاعتهم، والتجاوب معهم، والصبر على قسوتهم أحيانًا. قال موسى ﵇ للخَضِر لما أراد أن يتخذه معلمًا: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩]. وقال الإمام الشافعي ﵀ (٢): اصبِرْ على مُرِّ الجفَا من معلمٍ … فإنَّ رسوبَ العلمِ في نفراتِهِ - الاعتراف بفضلهم، وجهودهم، وشكرهم. - إكرامهم، فهو أدعى لنصحهم وإخلاصهم، قال الشاعر: إن المعلمَ والطبيبَ كليهما … لا ينصحان إذا هما لم يُكرَمَا (٣) - الدعاء لهم، وذكرهم بالخير، والذكر الحسن. إلى غير ذلك من وجوه الإكرام. ٥ كبار السن: اقتضت حكمة الله بدء خلق الإنسان من ضعف، وانتهاءه إلى ضعف وشيبة، كما

стр. 448

قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤]. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ [غافر: ٦٧]. ومن عرف هذه الحقيقة وتأملها، عرف أن الشاب القوي اليوم هو الشيخ الكبير الضعيف غدًا، وقد قيل: فما أقربَ الآتي وأبعدَ ما مَضَى (١) فلا يغتر شاب بشبابه وفتوته، ولا يغتر قوي بقوته. علينا جميعًا أن نعرف تمام المعرفة مكانة جيل صاعد، سبقونا إلى الإسلام، وتقلبوا في العبودية عقودًا من الزمن، وتمرسوا بالتجارِب في ميدان الحياة، وبذلوا الغاليَ والنفيس في سبيل تربيتنا، وخدمتنا، وإسعادنا. فيهم الدين والحكمة، والصبر والعقل، والرزانة والتجارِب، والخير والبركة أينما حلوا؛ ولهذا كان إكرامهم وتقديرهم تعظيمًا لله . عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من إجلال الله إكرامَ ذي الشيبة المسلم» (٢)؛ أي: إن من تعظيم الله إكرام ذي الشيبة المسلم؛ أي: إكرام الشيخ الكبير الذي شاب رأسه، وابيضَّ شعره في الإسلام وتوقيره واحترامه، وإنزاله منزلته التي تليق به، وذلك لعظم مكانته عند الله . ومن أوجه الإكرام لكبار السن، وإنزالهم منزلتهم ما يلي: - ابتداؤهم بالسلام؛ لقوله ﷺ : «لِيُسلِّمِ الصغيرُ على الكبير» (٣).

стр. 449

- تقديمهم في الإمامة؛ لقوله ﷺ : «يَؤُمُّ القومَ أقرؤُهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءةِ سواءً، فأقدمهم سِلمًا» (١). وفي رواية: «فأكبرهم سِنًّا» (٢). وفي حديث مالك بن الحُويرث ﵁: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم» (٣). - تقديمهم خلف الإمام في الصلاة؛ لقوله ﷺ : «لِيَلِيَنِّي منكم أولو الأحلام والنُّهَى» (٤). قال النووي: هم العقلاء البالغون. وقال أيضًا: «في هذا الحديث تقديم الأفضل فالأفضل إلى الأمام؛ لأنه أَولى بالإكرام، ولا يختص هذا التقديم بالصلاة، بل السنَّة أن يُقدَّم أهل الفضل في كل مَجمَع إلى الأمام، وكبير المجالس، كمجالس العلم والقضاء، والذكر، والمشاورة، ومواقف القتال، وإمامة الصلاة والإفتاء، وإسماع الحديث، ونحوها، ويكون الناس فيها على مراتبهم في العلم، والدين، والعقل، والشرف، والسن، والكفاءة في ذلك الباب، والأحاديث الصحيحة متعاضدة» (٥). - الإفساح لهم، وتقديمهم في المجالس؛ لقوله ﷺ : «لا يقيم الرجل الرجل من

стр. 450

مقعده، ولكن تفسَّحوا وتوسعوا» (١). وكبار السن أولى بالتفسح لهم. - توقيرهم، واحترامهم، وإشعارهم بأن لهم منزلة في النفوس، ومكانة في القلوب، والاعتراف بفضلهم، وتقبيل أيديهم ورؤوسهم. - تقديمهم في الكلام، والإنصات، والإصغاء لهم إذا تكلموا، كما جاء في قصة مُحَيِّصة وأخيه حُويصة، أن محيصة ذهب يتكلم قبل أخيه حويصة، وكان حويصة أكبر منه، فقال النبي ﷺ : «كَبِّرْ كَبِّرْ» (٢)؛ أي: ليتكلم الأكبر. - تكريمهم في البداءة بهم في العطاء، ومناولة الأشياء؛ لحديث ابن عمر ﵄: «أن رسول الله ﷺ رأى في المنام أنه يتسوك بسواك، فجاءه رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فناول السواكَ الأصغرَ، فقيل له: كبِّر. فدفع السواك للأكبر» (٣). - تقديمهم عند الطعام والشراب، وفي الدخول والخروج، والمشي، وغير ذلك. - رحمتهم، والشفقة عليهم، والتودد إليهم، والرفق بهم، والجلوس معهم، ومؤانستهم، ونحو ذلك. - تكليمهم بألطف العبارات، وأحسنها، وبأطيب الكلام. - تقديم الخدمة لهم، ومساعدتهم، في مراجعتهم للدوائر الحكومية، وفي اجتياز الطرق، ونحو ذلك. - تقديمهم في وجوه الإكرام كلها. ٦ الأقارب: من أعظم الحقوق على المسلم حقوق أقاربه، فيجب عليه أن ينزلهم منازلهم، ويكرمهم

стр. 451

أكثر من غيرهم، وذلك بالأمور التالية: - النصح والدعاء لهم. - صلتهم، وزيارتهم، والسلام عليهم. - احترامهم، وتقديرهم، ومخاطبتهم بما يليق بهم. - مساعدتهم، ومد يد العون للمحتاج منهم. - التعاون معهم على إصلاح أحوالهم، وحل مشكلاتهم. - محبتهم، والتودد إليهم، والحذر من معاداتهم. إلى غير ذلك من وجوه الإكرام. ٧ الجيران: عظم الإسلام حق الجيران، قال تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦]، وقال ﷺ : «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيُوَرِّثه» (١). وهذا مما يؤكد حق الجيران في إنزالهم منازلهم، وذلك بمراعاة ما يلي: - الإحسان إليهم. - تقديرهم واحترامهم. - زيارتهم، والسلام عليهم. - التناصح، وتبادل المصالح والهدايا بينهم. - تحمل وستر ما قد يبدو منهم، مما قد لا يسلم منه الجيران. - الاحتراز من أذيتهم. - إلى غير ذلك من أنواع الإكرام.

стр. 452

الوقفة الثالثة في: التحذير من هضم حقوق ذوي المكانة في الأمة إن أول بداية لسقوط الأمم والحضارات تبدأ بهضم حقوق ذوي المكانة فيها؛ الدينية، والعلمية، والسياسية، والاجتماعية، وإسقاط القدوات، والقيادات الصالحة الناصحة، وتشكيك العامة فيها، وفي ثوابت الأمة، وذلك بأن يوضع في قفص الاتهام ولي الأمر أمام رعيته، والوالد أمام أولاده، والمعلم أمام طلابه، والعالم أمام الجهال، والكبير أمام الصغار، وهكذا؛ فتختلط الأمور، وتختل الموازين والمعايير، وتتكلم الرُّوَيْبِضَة، ويخرج الكثيرون عن طاعة ولي الأمر، ويتمرد الولد ذكرًا كان أو أنثى على والده ويعصيه، ويهين الطالب معلمه، ويقاطعه ويؤذيه، ويجترئ الجاهل على العالم، ويسخر بفتاويه، ويتعالى الصغير على الكبير، ويحتقره، ويتندر فيه. وكل هذا وذاك نتاج، وحصاد إسقاط حقوق القدوات، والقيادات في الأمة، والذي يسعى إليه من يريدون طمس هوية الأمة الإسلامية، وطمس معالم الإسلام، وقيمه الرفيعة، والتشكيك في مبادئه الثابتة، ومثله العليا، والذي يروج له أعداء الإسلام وأشياعهم من دعاة الانحراف، والفساد، والتغريب، والتمرد على ثوابت الدين، الذين وصفهم الرسول ﷺ بقوله ﷺ لحذيفة ﵁: «دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها». قال حذيفة ﵁: فقلتُ: يا رسول الله، صفهم لنا. قال: «نعم، قوم من جِلدتنا ويتكلمون بألسنتنا» (١). وهو ما تعجُّ به كثير من وسائل الإعلام، ووسائل الاتصال على تنوعها، وتعددها، واختلافها ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨]. وهذا مما يوجب على المسلمين الحذر كل الحذر، والتصدي لهذا الأمر، والتأكيد على

стр. 453

وجوب الحفاظ على مبادئ الإسلام، ومُثُله العليا، وقيمه الرفيعة، وعلى ثوابت الأمة، وعلى إنزال ذوي المكانة في الإسلام مَنازلَهم، من وُلاة الأمر، والوالدين، والعلماء، والمعلمين، وكبار السن، والأقارب، والجيران، وغيرهم، حتى لا يختلط الأمر على الأجيال الناشئة؛ فتتفرق بهم السبل، فيضلوا عن المنهج السوي، وعن الصراط المستقيم.

стр. 454

وقفة في: شهادة الجوارح على العبد يوم القيامة، ووجوب الاحتراز منها قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠)﴾ [فصلت: ٢٠] تحقيقًا لكمال العدل الرباني يُنطِقُ الله يوم القيامة جوارح الإنسان، فتشهد عليه بما عمل، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت ٢٠ - ٢٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، أي: يُسأل الإنسان عنها كلها، كما تسأل هي أيضًا عنه، وعما عمل بها. ويؤخذ من هذا عدة أمور، من أهمها ما يلي: أولًا: إثبات كمال عدل الله وتمامه، وتفرده بذلك، وانتفاء الظلم عنه، ومجازاته الخلائق كلًّا بما عمل، وإجارتهم من الظلم، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا

стр. 455

حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٧]. وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩]. وعن أنس ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فضحك حتى بدت نواجذه، فقال: «أتدرون ممَّ أضحك؟»، قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «من مجادلة العبد ربَّه يوم القيامة، يقول: يا رب، ألم تُجِرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: لا أجيز عليَّ شاهدًا إلا من نفسي، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين عليك شهودًا، فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بعمله، ثم يخلَّى بينه وبين الكلام، فيقول: بُعدًا لكُنَّ وسُحقًا، فعنكنَّ كنت أُناضل» (١). قال السِّعدي ﵀ (٢): «ولقد عدل في العباد مَن جعل شهودَهم من أنفسهم» وصدق ﵀، فأي عدالة فوق هذه العدالة! ثانيًا: حكمة الله تعالى البالغة، وقدرته التامة؛ حيث جعل من هذه الجوارح التي كانت تدافع عن الإنسان في الدنيا شهودًا عليه يوم القيامة، وأنطق منها ما لم يكن ناطقًا، وختم على ما كان منها ناطقًا، وهو اللسان في بعض الأحوال، وأنطقه وأشهده في بعضها.

стр. 456

ثالثًا: وجوب الحذر والاحتراز من شهادة الجوارح على الإنسان يوم القيامة، ومراقبة الله تعالى، وتقواه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، وحفظ هذه الجوارح، واستعمالها في طاعة الله تعالى، والاستعانة بها على ذلك، والحذر كل الحذر من استخدامها في معصية الله تعالى، أو الاستعانة بها على ذلك. وقد قال ﷺ : «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدِّق ذلك كله ويكذبه» (١). فالحذر الحذر من شهادة الجوارح، والفضيحة يوم القيامة، والندم حيث لا ينفع الندم!

стр. 457

وقفات ست في: صلة الأرحام قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد ٢٣، ٢٤] الوقفة الأولى في: وجوب صلة الأرحام الصلة ضد القطيعة؛ أي: التواصل مع الأرحام، وعدم مقاطعتهم. والأرحام: القرابة، من الآباء، والأمهات، والأجداد، والجدات وإن علَوا، والأولاد وأولادهم وإن نزلوا، والإخوة والأخوات وأولادهم، والأعمام والعمات وأولادهم، والأخوال والخالات وأولادهم، وغيرهم. وصلةُ الأرحام وإيتاءُ ذوي القربى حقوقهم من أعظم الواجبات وآكدها، وكل من كان منهم أقرب فصلتُه وحقه أوجب. قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [النساء: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠]، وقال تعالي: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الروم: ٣٨]. وبين أنه من البر، فقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وأخذ على بني إسرائيل الميثاق بذلك، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [البقرة: ٨٣].

стр. 458

وبيَّن النبي ﷺ أن ذلك من مقتضيات الإيمان، فقال ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلْيُكْرِمْ ضيفَه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلْيَصِلْ رَحِمَه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقلْ خيرًا أو ليصمتْ» (١). ويؤكد وجوب صلة الأرحام: أن الله ذمَّ مَن قطعوها، ووصفهم بالتولي، والإفساد في الأرض، ولعنهم فأصمهم، وأعمى أبصارهم، وحكم بقطعهم، وتُوعدوا بعدم دخول الجنة، وبتعجيل العذاب وعدم قبول أعمالهم. الوقفة الثانية في: فضيلة صلة الأرحام صلة الأرحام من أفضل الأعمال، وأجلِّها، وأعظمها جزاءً. امتدح الله بها المؤمنين أُولي الألباب، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١]. ووعد في الحديث القدسي بوصل من وصلها، فقال للرحم: «ألا تَرضَين أن أصِل من وصلكِ، وأن أقطَع مَن قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذاكِ لكِ» (٢). وقال في الحديث الآخر: «مَن وصلها وصلتُه» (٣). وهي من أسباب دخول الجنة، كما في حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁: أن رجلًا قال للنبي ﷺ : أخبِرني بعملٍ يدخلني الجنة. فقال النبي ﷺ : «تعبُدُ الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم» (٤).

стр. 459

وعن عبد الله بن سلَام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» (١). وهي من أسباب بسط الرزق والبركة في العمر، كما جاء في حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فلْيصِلْ رحِمه» (٢). وهي من أسباب السعادة بين الأقارب، والمحبة، والأُلفة، والتناصح والتشاور، والتعاون على البر والتقوى، وعلى أمور الحياة، وغير ذلك. الوقفة الثالثة في: أبواب صلة الأرحام أبواب صلة الأرحام كثيرة جدًّا، كأبواب الإحسان؛ لأن صلة الأرحام تعني الإحسان بكل معانيه إلى الأقربين، وإيصال ما أمكن من الخير إليهم، ودفع ما أمكن من الشر عنهم، سواء كان ذلك بقولٍ أو فعل أو بذل، ظاهرًا كان ذلك أو باطنًا، ومن أهم ذلك: ١ محبتهم، وتوقير كبيرهم، والعطف على صغيرهم، ورحمة ضعيفهم، وإنزالهم منزلتهم. ٢ صلتهم بالزيارة والسلام عليهم بين فترةٍ وأخرى، كما هو معروف. ٣ صلتهم بالاتصال عليهم، والاطمئنان على أحوالهم، بين وقت وآخر. ٤ النصح لهم، وإرشادهم إلى ما فيه خير دينهم، ودنياهم، وأخراهم، والدعاء لهم. ٥ الأخذ بيد من وقع في الزلَل والخطأ منهم، ونصحه وتوجيهه، وهذا من أعظم حقوقهم.

стр. 460

٦ تفقد أحوالهم المعيشية وحاجاتهم، ومساعدتهم إن احتاجوا؛ فالصدقة عليهم صدقة وصلة؛ كما جاء في الحديث (١). ٧ مشاركتهم أفراحهم، وتهنئتهم، والدعاء لهم بالبركة. ٨ استضافتهم وإكرامهم، وإجابة دعوتهم. ٩ إصلاح ذات بينِهم، والتأليف بينهم. ١٠ مساعدتهم في دفع ورفع الظلم عنهم. ١١ زيارة مرضاهم، والدعاء لهم بالشفاء. ١٢ اتباع جنائزهم، وتعزيتهم، والدعاء والاستغفار لموتاهم، وسؤال الله لهم التثبيت. الوقفة الرابعة في: الأسباب المعينة على صلة الأرحام الأسباب المعينة على صلة الأرحام، وأداء حقوق ذوي القربى كثيرة، منها ما يلي: ١ قوة الإيمان بالله، ورجاء ثوابه، والخوف من عقابه. ٢ معرفة المسلم أن صلة الأرحام من أعظم الواجبات وآكدها، رتب الله عليها الجزاء العظيم، والأجر الكبير في الدنيا والآخرة، ودخول الجنة. ٣ معرفة المسلم أن قطيعة الأرحام من أكبر الكبائر، توعد الله تعالى عليها بأشد الوعيد. ٤ التواضع، ولين الجانب مع الأقارب، وإظهار المحبة لهم، والتقدير والاحترام. ٥ تبادل الزيارات بين الأقارب، واستضافة بعضهم بعضًا، دون انقطاع.
следующие страницы →