← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 800

مراقي العزة ومقومات السعادة

سليمان اللاحم

Полный текст (723 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ثالثًا: وجوب الحذر والاحتراز من شهادة الجوارح على الإنسان يوم القيامة، ومراقبة الله تعالى، وتقواه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، وحفظ هذه الجوارح، واستعمالها في طاعة الله تعالى، والاستعانة بها على ذلك، والحذر كل الحذر من استخدامها في معصية الله تعالى، أو الاستعانة بها على ذلك. وقد قال ﷺ : «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدِّق ذلك كله ويكذبه» (١). فالحذر الحذر من شهادة الجوارح، والفضيحة يوم القيامة، والندم حيث لا ينفع الندم!

стр. 457

وقفات ست في: صلة الأرحام قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد ٢٣، ٢٤] الوقفة الأولى في: وجوب صلة الأرحام الصلة ضد القطيعة؛ أي: التواصل مع الأرحام، وعدم مقاطعتهم. والأرحام: القرابة، من الآباء، والأمهات، والأجداد، والجدات وإن علَوا، والأولاد وأولادهم وإن نزلوا، والإخوة والأخوات وأولادهم، والأعمام والعمات وأولادهم، والأخوال والخالات وأولادهم، وغيرهم. وصلةُ الأرحام وإيتاءُ ذوي القربى حقوقهم من أعظم الواجبات وآكدها، وكل من كان منهم أقرب فصلتُه وحقه أوجب. قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [النساء: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠]، وقال تعالي: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الروم: ٣٨]. وبين أنه من البر، فقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وأخذ على بني إسرائيل الميثاق بذلك، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [البقرة: ٨٣].

стр. 458

وبيَّن النبي ﷺ أن ذلك من مقتضيات الإيمان، فقال ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلْيُكْرِمْ ضيفَه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلْيَصِلْ رَحِمَه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقلْ خيرًا أو ليصمتْ» (١). ويؤكد وجوب صلة الأرحام: أن الله ذمَّ مَن قطعوها، ووصفهم بالتولي، والإفساد في الأرض، ولعنهم فأصمهم، وأعمى أبصارهم، وحكم بقطعهم، وتُوعدوا بعدم دخول الجنة، وبتعجيل العذاب وعدم قبول أعمالهم. الوقفة الثانية في: فضيلة صلة الأرحام صلة الأرحام من أفضل الأعمال، وأجلِّها، وأعظمها جزاءً. امتدح الله بها المؤمنين أُولي الألباب، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١]. ووعد في الحديث القدسي بوصل من وصلها، فقال للرحم: «ألا تَرضَين أن أصِل من وصلكِ، وأن أقطَع مَن قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذاكِ لكِ» (٢). وقال في الحديث الآخر: «مَن وصلها وصلتُه» (٣). وهي من أسباب دخول الجنة، كما في حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁: أن رجلًا قال للنبي ﷺ : أخبِرني بعملٍ يدخلني الجنة. فقال النبي ﷺ : «تعبُدُ الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم» (٤).

стр. 459

وعن عبد الله بن سلَام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» (١). وهي من أسباب بسط الرزق والبركة في العمر، كما جاء في حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فلْيصِلْ رحِمه» (٢). وهي من أسباب السعادة بين الأقارب، والمحبة، والأُلفة، والتناصح والتشاور، والتعاون على البر والتقوى، وعلى أمور الحياة، وغير ذلك. الوقفة الثالثة في: أبواب صلة الأرحام أبواب صلة الأرحام كثيرة جدًّا، كأبواب الإحسان؛ لأن صلة الأرحام تعني الإحسان بكل معانيه إلى الأقربين، وإيصال ما أمكن من الخير إليهم، ودفع ما أمكن من الشر عنهم، سواء كان ذلك بقولٍ أو فعل أو بذل، ظاهرًا كان ذلك أو باطنًا، ومن أهم ذلك: ١ محبتهم، وتوقير كبيرهم، والعطف على صغيرهم، ورحمة ضعيفهم، وإنزالهم منزلتهم. ٢ صلتهم بالزيارة والسلام عليهم بين فترةٍ وأخرى، كما هو معروف. ٣ صلتهم بالاتصال عليهم، والاطمئنان على أحوالهم، بين وقت وآخر. ٤ النصح لهم، وإرشادهم إلى ما فيه خير دينهم، ودنياهم، وأخراهم، والدعاء لهم. ٥ الأخذ بيد من وقع في الزلَل والخطأ منهم، ونصحه وتوجيهه، وهذا من أعظم حقوقهم.

стр. 460

٦ تفقد أحوالهم المعيشية وحاجاتهم، ومساعدتهم إن احتاجوا؛ فالصدقة عليهم صدقة وصلة؛ كما جاء في الحديث (١). ٧ مشاركتهم أفراحهم، وتهنئتهم، والدعاء لهم بالبركة. ٨ استضافتهم وإكرامهم، وإجابة دعوتهم. ٩ إصلاح ذات بينِهم، والتأليف بينهم. ١٠ مساعدتهم في دفع ورفع الظلم عنهم. ١١ زيارة مرضاهم، والدعاء لهم بالشفاء. ١٢ اتباع جنائزهم، وتعزيتهم، والدعاء والاستغفار لموتاهم، وسؤال الله لهم التثبيت. الوقفة الرابعة في: الأسباب المعينة على صلة الأرحام الأسباب المعينة على صلة الأرحام، وأداء حقوق ذوي القربى كثيرة، منها ما يلي: ١ قوة الإيمان بالله، ورجاء ثوابه، والخوف من عقابه. ٢ معرفة المسلم أن صلة الأرحام من أعظم الواجبات وآكدها، رتب الله عليها الجزاء العظيم، والأجر الكبير في الدنيا والآخرة، ودخول الجنة. ٣ معرفة المسلم أن قطيعة الأرحام من أكبر الكبائر، توعد الله تعالى عليها بأشد الوعيد. ٤ التواضع، ولين الجانب مع الأقارب، وإظهار المحبة لهم، والتقدير والاحترام. ٥ تبادل الزيارات بين الأقارب، واستضافة بعضهم بعضًا، دون انقطاع.

стр. 461

٦ الإحسان إليهم بالقول والفعل والبذل، بلا منٍّ، ولا مطالبة بالمثل. ٧ التغاضي والتغافل، وقبول الاعتذار منهم، وترك العتاب لهم. قال تعالى عن نبينا محمد ﷺ : ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم: ٣]. وقال تعالى عن يوسف ﵇: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ [يوسف: ٧٧]. قال الإمام أحمد ﵀: «العافية عشرة أجزاء، كلها في التغافل» (١). وقال الشاعر: ليس الغبيُّ بسيدٍ في قومِه لكن سيد قومِه المُتغابي ٨ مقابلة الإساءة منهم بالإحسان، وتحمل العتاب منهم. ٩ رفع الكلفة بين الأقارب، فلا يتكلف بعضهم لبعض، بل يرضى كل منهم من الآخر باليسير، ويشكره على القليل. ١٠ دعوتهم في المناسبات، وتحاشي نسيانهم؛ قطعًا للطريق على الشيطان. ١١ عدم ربط الإنسان صلته لأقاربه بصلتهم له، فإن هذا لا يُعد واصلًا، وإنما مكافئًا فقط، كما قال ﷺ : «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطعت رحِمُه وصلها» (٢). ١٢ الحرص على سلامة القلوب، والصفاء، والوضوح، والبعد عن سوء الظن والحسد ونحو ذلك. ١٣ تحاشي الغيبة والنميمة بين الأقارب، وعدم إثارة الضغائن بينهم، والحذر ممن يسعَون في إيقاع العداوة والبغضاء بينهم من بعض الأقارب أو من غيرهم من شياطين

стр. 462

الإنس والجن بوساوسهم الشيطانية. ١٤ تعجيل قسمة المواريث، وعدم تأخيرها. الوقفة الخامسة في: حكم قطيعة الرحم قطيعة الأرحام ضد صلتها، تكون بقطع الصلة بين الأرحام والأقارب، وعدم أداء حقوقهم، وترك الإحسان إليهم، وربما زادت بالإساءة إليهم وظلمهم، وذلك أشد. قال الشاعر: وظلمُ ذوي القربِ أشدُّ مَضاضةً على النفسِ من وقع الحُسامِ المهنَّدِ (١) وقطيعة الأرحام من أكبر الكبائر، توعد الله تعالى عليها بقوله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد ٢٣، ٢٤]، فوصف أهلها بالتولي والإفساد في الأرض، ولعنهم فأصمهم، وأعمى أبصارهم، وهذا وعيد ترجف له القلوب! وحكم بقطع من قطعها، كما في حديث أبي هريرة ﵁، حيث قال في الحديث القدسي للرحم: «ألا تَرضَين أن أصِلَ مَن وَصَلَكِ، وأن أقطعَ من قطعَكِ؟ قالت: بلى. قال: فذاكِ لكِ». وجاء نحو من هذا في حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁، ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ (٢). وعن جبير بن مُطعِم ﵁، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لا يدخُل الجنةَ قاطعٌ» (٣)؛ يعني: قاطع رحم.

стр. 463

وعن أبي بَكرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من ذنبٍ أجدر أن يعجِّل الله لصاحبه العقوبةَ في الدنيا، مع ما يدخره له في الآخرة، من البغيِ وقطيعة الرحم» (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أعمال بني آدمَ تُعرض كل خميسٍ ليلة الجمعة، فلا يُقبل عملُ قاطعِ رحِم» (٢). وعن أبي هريرة ﵁، أن رجلًا قال للنبي ﷺ : إن لي قرابةً أصلهم ويقطعوني، وأُحسِن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلُم عنهم، ويجهلون عليَّ. قال: «لئن كنت كما قلتَ، فكأنما تُسِفُّهُمُ المَلَّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمتَ على ذلك» (٣). وقد ذم الله بقطيعة ما أمر بوصله الكفارَ، الضالين، الفاسقين، الناقضين لعهده، المفسدين في الأرض، وتوعدهم بالخسران واللعنة، وسوء الدار، فقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٦، ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥]. وكفى بقاطع الرحم ذمًّا مشابهته للكافرين والضالين والفاسقين.

стр. 464

الوقفة السادسة في: أسباب قطيعة الأرحام أسباب قطيعة الأرحام كثيرة جدًّا، يعمل عليها شياطين الجن والإنس، والنفس الأمارة بالسوء، والهوى، وعبودية الدنيا، وغير ذلك. وهي ضد الأسباب المعينة على صلة الأرحام المذكورة قبل هذا، ومن أهمها ما يلي: ١ ضعف الإيمان بالله تعالى، وضعف الخوف منه، ورجائه. ٢ الغيبة والنميمة، والتحريش فيما بين الأقارب، منهم، أو من غيرهم. قال الأعشى (١): ومَن يُطِعِ الواشينَ لا يَتركوا له صديقًا ولو كان الحبيبَ المُقَرَّبَا! ٣ الكبر والاحتقار، فبعض الأقارب لا يرى لأقاربه وزنًا؛ إما لكونه أغنى منهم، أو لغير ذلك. ٤ البخل والشح والتكتم على ما أعطاه الله من خير، فيبتعد عن أقاربه مخافة أن يطلبوا منه المساعدة، أو يعلموا بإنعام الله عليه. قال زهير (٢): ومَن يكُ ذا فضلٍ فيبخَلْ بفضلِه … على قومِه يُستغنَ عنه ويُذْمَمِ وقال البارودي (٣): فلا تحسبنَّ المالَ ينفعُ ربَّه … إذا هو لم تحمَدْ قِرَاه العشائرُ وقال الآخر: ومن ذا الذي ترجو الأباعدُ نَفْعَه … إذا كان لم يصلحْ عليه الأقاربُ (٤)

стр. 465

٥ العتاب الشديد؛ فهذا يولد النفرة والبُغض والعداوة. ٦ التكلف عند الزيارة، مما يضيق به الزائر والمَزور معًا. ٧ البرود وعدم الاهتمام بالقريب إذا جاء زائرًا، وعدم الفرح به وتقديره، وشكره على الزيارة. ٨ الانقطاع الطويل؛ فإن هذا يولد الجفاء والوحشة، كما قال الشاعر: وما أدري أغيَّرهم تناءٍ وطولُ العهدِ أم مالٌ أصابوا؟! (١) ٩ العداوة لسببٍ ما من حسد أو غير ذلك، أو لغير سبب، وهي كثيرة بين الأقارب، يعمل عليها شياطين الإنس والجن مع النفس الأمارة بالسوء، وقد تدوم. قال ابن الجوزي (٢): «عداوة الأقارب صعبة، وربما دامت؛ كحرب بكر وتَغْلِبَ ابني وائل، وعَبْس وذُبيان ابني بَغِيض، والأوس والخزرج ابني قيلة، والسبب في هذا أن كل واحد من الأقارب يكره أن يفوقه قريبُه، فيقع التحاسد». وقد قيل: «العداوة للأقارب، والحسد للجيران». ١٠ سوء الظن المبني على «لا شيء»، فيسيء القريب الظن بقريبه، ويجعل من ذلك حقيقة، يبني عليها بُعده عن قريبه، وعداوته له، كما قال الشاعر: إذا ساء فِعل المرء ساءتْ ظُنونُه … وصدَّق ما يعتاده من تَوَهُّم وعاد مُحِبِّيه بقول عُداته … وأصبح في ليلٍ من الشك مُظلِم (٣) ١١ الانشغال بالدنيا، أو بما هو أقل؛ من تضييع الأوقات في الأسفار، وبين المنتزهات والفَلَوات، وغير ذلك، أو بما هو أسوأ من ذلك. ١٢ وقد يكون من أسباب القطيعة أحيانًا القرب الشديد في المنازل بين الأقارب؛ مما قد يؤدي إلى بعض المشكلات والخلافات بسبب الأولاد أو النساء، وغير ذلك؛

стр. 466

ولهذا رُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «مُرُوا ذوي القرابات أن يَتزاوَرُوا، ولا يَتَجاوَروا» (١). لكن هذا ليس على إطلاق، فكم من الأقارب من عاشوا متجاورين بل في قصر واحد، بل في بيت واحد، ولم يحصل بينهم قطيعة، بل صار ذلك سببًا لقوة تواصلهم وتوادهم وتآلفهم. وما روي عن عمر ﵁ إن صح عنه- فهو محمول على مخافة أن يحصل بينهم ما يكون سببًا للعداوة والقطيعة ١٣ وأخيرًا: فإن من أعظم أسباب وقوع العداوة بين الأقارب، والقطيعة بينهم: تأخير قسمة الميراث؛ فينبغي الانتباه لهذا الأمر، وعدم التساهل في تأخير قسمة الميراث؛ لطمع من بعض الورثة في تنميته، من غير تقدير للعواقب، مما يجر على الأقارب أمورًا لا تُحمد عقباها، ويصعب الخروج منها، ويحرم كثيرًا من الورثة حقوقهم التي جعلها الله تعالى لهم.

стр. 467

وقفة في: حقوق المسلمين بعضهم على بعض قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]. تقدم في وقفة سابقة ذكر وجوب حسن التعامل مع الناس كلهم، وأداء حقوقهم، وبيان أن الدين المعاملة؛ المعاملة أولًا: مع الخالق بتقواه، وإخلاص العبادة له وحده لا شريك له، ثم المعاملة مع الخلق كلهم بأداء حقوقهم؛ من دعوتهم إلى الإسلام بالتي هي أحسن، والإحسان إليهم، والعدل معهم، والإصلاح بينهم، وكف الأذى عنهم، من غير اعتبار لأجناسهم وألوانهم، وأعراقهم وأديانهم، كما قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]. وحسن التعامل مع المسلمين وأداء هذه الحقوق كلها لهم، أوجب وآكد من باب الأولى؛ لأن الإسلام كما أوجب على المسلمين حسن التعامل مع غيرهم من الناس، وأداء حقوقهم، أوجب عليهم حسن التعامل فيما بينهم، وأداء هذه الحقوق فيما بينهم. كما أوجب الإسلام على المسلمين حقوقًا خاصة فيما بينهم تقتضيها الأخوة الإسلامية، قال ﷺ : «حق المسلم على المسلم ست: إذا لقِيته فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمِّته، وإذا مرض فعُدْه، وإذا مات فاتبِعْه» (١). وقوله ﷺ : «حق المسلم على المسلم ست»؛ أي: من الحقوق التي ينبغي للمسلم أداؤها لأخيه المسلم ست.

стр. 468

وقوله ﷺ : «إذا لقِيته فسلِّم عليه»؛ أي: ابدأْه بالسلام. قال ﷺ : «لا يحل لمسلم أن يهجُر أخاه المسلم فوق ثلاث ليالٍ، يلتقيان، فيُعرِض هذا، ويُعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (١). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن رجلًا سأل النبي ﷺ : أي الإسلام خير؟ قال: «أن تُطعِمَ الطعام، وتقرَأ السلام على مَن عَرفتَ ومن لم تعرف» (٢). والمصيبة أن كثيرًا من المسلمين لا يسلم إلا على من يعرف، مِصداق قوله ﷺ : «إن من أشراط الساعة إذا كانت التحية على المعرفة» (٣). بل إن من الناس من يبخل بالسلام. وقد قال ﷺ : «أبخل الناس الذي يبخل بالسلام» (٤).

стр. 469

كما أن من الناس من يمنعه الكِبر والتعاظم على الآخرين، والتعالي عليهم من البداءة بالسلام. «وإذا دعاك فأجبه»؛ أي: وإذا دعاك أخوك المسلم للطعام ونحو ذلك فأجبه؛ لأن هذا مما يوجِد الألفة والمحبة، ويقوي الأخوة بين المسلمين. «وإذا استنصحك فانصحه»؛ أي: إذا طلب منك النصيحة والمشورة في أمر ديني، أو دنيوي، فأعطه محض النصيحة والمشورة، ولا تبخل بذلك، ولا تغُشه. والنصيحة للمسلمين واجبة مطلقًا، كما قال ﷺ : «الدين النصيحة». قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (١). لكن يتأكد وجوب النصيحة للمسلم إذا استنصحك. والمصيبة أن كثيرًا من المسلمين يعيش لنفسه فقط، ولا يعنيه أمر النصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم في شيء، قد جعل من الأنانية له شِعارًا ودِثارًا حتى في أعظم الواجبات عليه، لسانُ حالِه ومقالِه مقالةُ بعضِ الجاهلين: «خلِّ النصائحَ تخليك الفضائح». قوله ﷺ : «وإذا عطس فحمد الله فشمِّته»؛ أي: وإذا عطس، وقال: «الحمد لله» فشمِّته بقولك: «يرحمك الله». ويقول هو: «يهديكم الله ويُصلِحُ بالكم» (٢). أما إذا لم يحمد الله فإنه لا يشمته، كما فعل ﷺ مع من عطس ولم يحمد الله (٣).

стр. 470

«وإذا مرِض فعده»؛ أي: فزره في مرضه؛ للتخفيف عليه، والدعاء له بالشفاء والعافية. «وإذا مات فاتبعه»؛ أي: فاتبع جنازته، وشيِّعه؛ للصلاة عليه، ودفنه، والدعاء له بالمغفرة والثبات. وهذه الحقوق الست من أهم حقوق المسلم على المسلم، وهناك حقوق كثيرة في الإسلام على المسلم تجاه إخوانه المسلمين، دل عليها القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، من أهمها ما يلي: أولًا: أن يعمل كل مسلم على تحقيق الأخوة الإسلامية فيما بينه وبين إخوانه المسلمين، كما أراد الله ؛ محبة، ومودة، وولاء، وإيثارًا، بحيث يشعر كل منهم بأنه جزء من كيان واحد، وأن أخوة الإسلام فوق كل أخوة، بما في ذلك أخوة النسب، والقرابة، والعائلة، والقبيلة، وغير ذلك. قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]. وقال ﷺ : «وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم» (١). وقال ﷺ : «مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم، وتراحُمِهم، وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحُمَّى» (٢). وقال ﷺ : «إن المؤمن للمؤمن كالبُنيان يشد بعضه بعضًا» وشبك أصابعه (٣)، وقال ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه» (٤).

стр. 471

ثانيًا: تبادل الاحترام والتقدير فيما بينهم، والبشاشة والابتسام مع السلام عند لقاء بعضهم بعضًا، فقد قال ﷺ : «تبسُّمُك في وجه أخيك صدقة» (١). وعن جرير بن عبد الله ﵁، قال: «ما حَجَبَني النبي ﷺ منذُ أسلمتُ ولا رآني إلا تبسم في وجهي» (٢). ولنا به صلوات الله وسلامه عليه أسوة وقدوة، فمع شغله الشاغل صلوات الله وسلامه عليه في تدبر شؤون الأمة كلها قد وجد وقتًا للتبسم في وجوه أصحابه ﵃، وصدق الله العظيم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. والمصيبة أنك تجد كثيرًا من المسلمين لا يعرف البشاشة ولا الابتسامة، ولا مكان لهما عنده، بل يظهر ضد ذلك عندما يلتقي بإخوانه المسلمين، اللهم إلا مع أهل معرفته خاصة. ولا شك أن في هذا نقصًا عظيمًا، وبعدًا عن أخلاق المصطفى ﷺ ، وأخلاق المؤمنين، وأخلاق أهل الجنة. وقد يقول قائل: إن هذا طبع! وقد قيل: «حدِّر جبلًا، ولا تحدِّر طبعًا». وهذا ليس بصحيح؛ فإن العلم بالتعلُّم، والحلم بالتحلُّم، والخُلق بالتخلُّق، ولو كان الإنسان لا يستطيع أن يغير من أخلاقه وسلوكه، وكما يقال: «أيٌّ كذا خُلِقت … »، ما كان هناك تكليف، ولا جنة ولا نار! فلأهل الجنة أخلاقهم، ولأهل النار أخلاقهم، كما قال ﷺ : «ألا أخبركم بأهل الجنة؟! كل ضعيف مُتَضَعَّف لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار، كل عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُتكبِّر» (٣).

стр. 472

والبشاشة والابتسامة من أول مظاهر حسن الخلق، وأعظمها، وأفضلها، وقد قال ﷺ : «ما من شيء أثقل في الميزانِ من حُسنِ الخُلُق» (١)، فخذ من هذا الخلق العظيم أكبر نصيب، تَسعَدْ في دينك، ودنياك، وأخراك. ثالثًا: تعاونهم أفرادًا وجماعاتٍ على البر والتقوى، وعلى التواصي بالحق، والدعوة إلى الخير، والاعتصام بحبل الله جميعًا، وعدم التفرق؛ قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر]. وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. فيجب على المسلمين جميعًا الاجتماع على الحق، والعمل على تحقيق عبودية الله تعالى في الأرض وطاعته، وعلى كل ما من شأنه رفع راية الإسلام، ونشره، والدفاع عنه، ونصرة المسلمين، وقوتهم، ووحدتهم؛ فالاختلاف والتفرق داء وبيل، وشر مستطير، يهدم كيان الأمة، ويُذهِب ريحها؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]. وقال ﷺ : «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (٢). فلا يجوز لمسلم- يشهد أنْ لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله- أن يشِذ عن هذا، ويتخلى عن إخوانه المسلمين، ويغرد خارج السرب؛ كما يقولون، فـ «يد الله مع الجماعة،

стр. 473

ومن شذَّ شذَّ في النار، وإنما يأكل الذئبُ من الغنمِ القاصيةَ». والمصيبة أن فريقًا من الناس زيادة على تركه التعاونَ مع إخوانه في الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، تجده يثبط القائمين بذلك، فبدلًا من كونه يقوم بذلك، أو يعين من قام به، ويشجعه، تجده يثبط القائمين بذلك، وهذا بلا شك دلالة على الخِذلان، وعدم التوفيق، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]، وقال ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقلْ خيرًا أو ليصمت» (١). قال الأوزاعي: «ليعلم كل منكم أنه على ثغرٍ من ثغور الإسلام، فالله الله أن يُؤتَى الإسلام من قِبَله» (٢). وقال الشاعر: تأبى الرِّماحُ إذا اجتمعنَ تكسُّرًا وإذا افترقنَ تكسَّرت آحادا (٣) رابعًا: إصلاح ذات بينهم، كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]، وقال تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]. والأمر في قوله: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ للوجوب، فلا يجوز أن يقف المسلمون تجاه الفئات المتقاتلة أو المتنازعة من إخوانهم المسلمين موقف المتفرج، كما هو حال كثير من المسلمين اليوم، وربما عمد بعضهم وعمل على إشعال نار الفتنة، وزيادتها؛ نسأل الله تعالى العافية والهداية. وقد قال : ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ

стр. 474

النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]. كما حذر ﷺ من فساد ذات البين بين المسلمين، وقال: «هي الحالقة، لا أقول: تحلِق الشعر، ولكن تحلق الدين» (١). وقد جعل الإسلام سهمًا من الزكاة للغارمين في سبيل إصلاح ذات البين من المسلمين؛ تشجيعًا لهم على هذا العمل النبيل الجليل. فاحرص أخي المسلم على إصلاح ذات البَين بين المسلمين ما استطعتَ إلى ذلك سبيلًا، واحمِلْ همَّ إخوانك المسلمين، كما تحمل هم نفسك، وأبشر بالخير إن شاء الله تعالى. واحذَرْ كلَّ الحذر أن تكون ممن لا يعنيه شأن إخوانه المسلمين، لا في قليل ولا كثير. خامسًا: أن يحرص كل مسلم ويجتهد ما استطاع على سلامة قلبه على إخوانه المسلمين، ويبتعد كل البعد عن الاعتداء على أحدٍ من إخوانه بدم، أو مال، أو عرض، ويحذر كل الحذر مما يعكر صفو الأخوة بينه وبين إخوانه المسلمين؛ من السخرية، واللمز، والتنابز بالألقاب، وسوء الظن، والتجسس، والتحاسد، والتباغض، والتدابر، والتهاجر، والاحتقار، ونحو ذلك. قال الله : ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١١، ١٢]. وقال ﷺ في خطبته في حجة الوداع: «إن دماءَكم، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام كحُرمة يومكم هذا، في شهرِكم هذا، في بَلَدِكم هذا، ألا هل بلغتُ، ألا هل بلغتُ،

стр. 475

ألا هل بلغتُ؟ قالوا: نعم، قال: اللهمَّ فاشْهَدْ» (١). وقال ﷺ : «لا تَرجعوا بعدي كفارًا يضرِب بعضكم رقاب بعض» (٢). وقال ﷺ : «سِباب المسلم فُسُوق، وقتاله كفر» (٣). وقال ﷺ : «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلِمه، ولا يخذُله، ولا يحقره، التقوى هاهنا- ويشير إلى صدره ثلاثًا- بحسْبِ امرِئٍ من الشر أن يحقر أخاه، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه» (٤). وقال ﷺ : «إياكم والظنَّ؛ فإن الظن أكذبُ الحديث، ولا تَجَسَّسوا، ولا تَحَسَّسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغَضوا، ولا تدابروا، وكُونوا عبادَ الله إخوانًا» (٥). قال عمر بن الخطاب ﵁: «لا تظنَّ بكلمةٍ خرجت من أخيك المسلم إلا خيرًا، وأنت تجد لها في الخير مَحمَلًا» (٦). وعن أبي بَرْزَةَ الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا مَعشَرَ من آمَنَ بلسانه ولمَّا يدخلِ الإيمانُ قلبَه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من اتبع عورة أخيه

стр. 476

المسلم، يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يَفضَحْه، ولو في جوف بيته» (١). سادسًا: أن يسعى كل مسلم في الدفاع عن إخوانه المسلمين في دينهم، وفي دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم. ويحذر كل الحذر من خِذلان أحد من إخوانه المسلمين في موقف يستطيع فيه نُصرته، والذب عنه. قال ﷺ : «انصُرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا». فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: «تحجُزه، أو تمنعه من الظلم؛ فإن ذلك نَصرُه» (٢). وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من رد عن عِرْض أخيه المسلم، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة» (٣). وعن جابر بن عبد الله وأبي طلحة الأنصاري ﵃، أن رسول الله ﷺ قال: «ما من امرئ يخذُل امرأً مسلمًا في موضعٍ تُنتهك فيه حُرمتُه، ويُنتقص فيه من عِرضه إلا خذله الله في موضع يحب فيه نصرته، وما من امرئٍ ينصر امرأً مسلمًا في موضع يُنتقص فيه من عِرضه، ويُنتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في مواطنَ يحب نصرته فيها» (٤). وهذا يجسد قوله ﷺ : «مثل المؤمنين في توادِّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحُمَّى والسهر» (٥).

стр. 477

وقفات تسع في: تحريم العصبية القبلية، وذمها قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]. الوقفة الأولى معنى العصبية القبلية العصبية: هي الدعوة إلى نصرة العصبة، والتألُّب معهم على من يناوئهم؛ ظالمين كانوا أو مظلومين (١). والقَبَلية: نسبة إلى «القبيلة» وهم الجماعة بنو أب واحد، والقبيلة دون الشِّعب، ويتفرع منها الفصائل، والعشائر، والعمائر، والبطون، والأفخاذ، وغير ذلك (٢). فالعصبية القبلية: هي العصبة القومية المَقيتة؛ من الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والفخر بالأرض والتراب، والعِرق، واللون، والجنس، والبلد، وهي حمية الجاهلية المذمومة. قال ابن تيمية ﵀: «وكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن؛ من نسب، أو بلد، أو جنس، أو مذهب، أو طريقة، فهو عزاء الجاهلية» (٣).

стр. 478

الوقفة الثانية حال الأمة قبل بعثة النبي ﷺ - كان العرب قبل بعثة النبي ﷺ ، وقبل نزول القرآن الكريم، وبزوغ شمس الإسلام، أمة متنافرة، متناحرة، تسودها العداوات، والبغضاء، والأحقاد، والشحناء، القوي يأكل الضعيف، والغني يستعبِد الفقير، كانوا يتقاتلون على موارد الشاء والإبل، وتقوم بينهم الحروب لأتفه الأسباب، بسبب قتل كلب، أو نحو ذلك، وتدوم سنين طويلة، كما في حرب داحس والغبراء، والحروب بين الأوس والخزرج، وغير ذلك. فجاء الإسلام فألَّف بينهم، وجمَّع كلمتهم، ووحَّد صفهم فأصبحوا بنعمة الله إخوانًا، قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٣]، وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. الوقفة الثالثة تحريم العصبية القبلية، وذمها حرَّم الإسلام العصبية القبلية، وحذَّر منها، وذمَّها في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية المطهرة؛ قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]. وقال ﷺ : «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنِّياحة على الميت» (١).

стр. 479

وقال ﷺ : «أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة» (١). ولما سمع ﷺ أحد الأنصار ينادي: يا للأنصار! وأحد المهاجرين ينادي: يا للمهاجرين، قال: «ما بال دعوى الجاهلية؟» قالوا: يا رسول الله، كسَعَ رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار. فقال: «دعوها فإنها مُنتِنة» (٢). ولما عيَّر أبو ذر ﵁ بلالًا ﵁ بأمه، قال ﷺ لأبي ذر ﵁: «أعيرتَه بأمه؟ إنك امرُؤٌ فيك جاهلية» (٣). وقال ﷺ : «إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد» (٤). وعن جُندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن قُتل تحت رايةٍ عِمِّيَّة، يدعو عصبية، أو ينصر عصبيةً، فقِتلةٌ جاهلية» (٥). وقال ﷺ : «من قاتل تحت رايةٍ عِمِّية، يغضب لعصبية، أو يدعو إلى عصبية، أو ينصر عصبية، فقتل، فقِتلة جاهلية» (٦).

стр. 480

ويكفي أن أول المتعصبين لأصله إبليس لعنه الله تعالى، حيث قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]. فالحذرَ الحذرَ من هذا المسلك الجاهلي المُشين. الوقفة الرابعة الكرم، والعزة، والفخر بالإيمان والإسلام والتقوى قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]. وقال ﷺ : «المسلم أخو المسلم، لا يَحقِره، ولا يظلِمه .... » (١). وقال ﷺ : «لا فضل لعربيٍّ على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأبيضَ على أسودَ، ولا لأسودَ على أبيضَ إلا بالتقوى» (٢). فدين الإسلام جمع بين صُهيب الرومي، وبلال الحَبَشي، وسلمان الفارسي، وأبي بكر الصديق القُرَشي العربي ﵃ تحت أعظم راية، وأقوى رابطة؛ راية ورابطة الإسلام والإيمان والتقوى. قال الشاعر: أبي الإسلامُ لا أبَ لي سواهُ … إذا افتخروا بقَيسٍ أو تَميمِ

стр. 481

بدعوى الجاهليةِ لم أُجبْهم … ولا يدعو بها غيرُ الأثيمِ دعيُّ القومِ ينصر مدَّعيه … فيُلحِقُه بذي النسبِ الصميمِ وما كرمٌ ولو شرُفت جُدودٌ … ولكنَّ التقيَّ هو الكريمُ (١) وقال الآخر: لَعَمْرُكَ ما الإنسانُ إلا بدينِه … فلا تتركِ التقوى اتكالًا على النسَبْ فقد رفعَ الإسلامُ سَلمانَ فارسٍ … وقد وضع الشركُ الشريفَ أبا لهَبْ (٢) وقال الآخر: أنا مسلمٌ وأقولُها مِلءَ الوَرَى … وعقيدتي نور الحياةِ وسُؤْدَدِي إن العقيدةَ في قلوب رِجالها … من ذرة أقوى وألف مُهنَّدِ (٣) وقال الآخر: ألا إنما التقوى هي العزُّ والكرَمْ … وحبُّك للدنيا هو الذلُّ والعَدَمْ وليس على عبدٍ تقيٍّ نقيصةٌ … إذا صحح التقوى وإن حاك أو حَجَمْ (٤) ولو كان النسب ينفع لاستطاع الأنبياء ﵈ وهم خيرة خلق الله- أن ينفعوا أبناءهم وآباءهم وأقاربهم، فلم ينفع نوح ﵊ ابنه، قال تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٥ - ٤٧]. ولم ينفع إبراهيم ﵊ خليل الرحمن أباه، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]. وما نفع محمد ﷺ سيد البشرية كلها قرابته، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ

стр. 482

آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]: فما نفع عمه أبا لهب، قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [سورة المسد]. وما نفع عمه أبا طالب الذي كفله، وأحاطه بعنايته ورعايته، ومنع المشركين من الوصول إليه وأذيته؛ فقد جاء ﷺ إلى عمه أبي طالب لما حضرته الوفاة، وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال: «يا عمِّ، قلْ: لا إله إلا الله، كلمة أُحاجُّ لك بها عند الله»، وأبو جهل وعبد الله بن أبي أمية يقولان له: قل: بل على ملة عبد المطلب. فقال: بل على ملة عبد المطلب. وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فحزِن النبي ﷺ على ذلك (١)، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ حين أنزل الله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قال: «يا معشر قريش- أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أُغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مَناف، لا أُغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أُغني عنك من الله شيئًا، ويا صفيةُ عمةَ رسول الله لا أُغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئتِ من مالي، لا أغني عنكِ من الله شيئًا» (٢). فلا نسب ولا حسب ينفع عند الله تعالى، قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الممتحنة: ٣]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان: ٤١].

стр. 483

وقال تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا﴾ [المعارج ١٠ - ١٥]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٤ - ٣٧]. الوقفة الخامسة أسباب العصبية القبلية أسباب العصبية القبلية كثيرة، منها ما يلي: ١ ضعف الإيمان، واليقين. ٢ الجهل، وهو داء قاتل، قال الشاعر: وفي الجهلِ قبلَ الموتِ موتٌ لأهلِه فأجسامُهم قبلَ القبورِ قُبورُ ٣ خواء الروح، وخلوها من التعلق بالله تعالى، وعبادته، وذكره، والعناية بما خلق العباد له، مما يولِّد فراغًا عند الإنسان فيملؤه بما يضره، كما قيل: أتاني هواها قبل أن أعرِف الهوى فصادفَ قلبًا خاليًا فتمكَّنا والنفس إذا ما شَغَلَها الإنسانُ بالخير، شغلتْه بالباطل! ٤ عمل بعض البيوت، والأسر، والقبائل على إذكائها بشتى الوسائل، وترسيخ مفهومها. ٥ وجود كثير من القنوات الفضائية اليوم، والمواقع الإلكترونية، ووسائل التواصل التي تتبنى الدعوة لها بما تبُثه من الأشعار، والقصائد التي تربي الناس على التعصب المذموم، والمنافسات، والمسابقات في ذلك. ٦ الاجتماعات، والمناسبات القبلية التي يكون التركيز فيها غالبًا على تمجيد القبيلة، وذكر مفاخرها، بدلًا من التركيز على الإحسان، وصلة الرحم، والتكافل الاجتماعي،

стр. 484

والدعوة إلى الخير. ٧ استغلال أعداء الإسلام لها؛ للتفريق بين المسلمين، وضرب بعضهم ببعض؛ ليكون لهم موطئُ قدم في بلاد المسلمين، يمتصون من خلاله خيرات بلاد المسلمين، ويشككونهم في دينهم. الوقفة السادسة مفاسد العصبية القبلية، وأضرارها على الفرد والمجتمع مفاسد العصبية القبلية وأضرارها كثيرة جدًّا، من أخطرها ما يلي: ١ أنها من أعظم أسباب ضلال كثير من الخلق، وتكذيب الرسل، ورد ما جاؤوا به من الحق، كما قال الملأ الذين كفروا من قوم نوح ﵇: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤]. وقال المكذبون من قوم نوح، وعاد، وثمود، ومن بعدهم لرسلهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم: ١٠]. وقال قوم صالح ﵇ له: ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: ٦٢]. وقال قوم شعيب ﵇: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود: ٨٧]. وقال تعالى عن إبراهيم ﵇ وقومه: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء ٥٢ - ٥٤]، وفي سورة الشعراء: ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٧٤]. وقال فرعون وملؤه: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٧٨]، وقالوا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [القصص: ٣٦].

стр. 485

وقال تعالى عن مشركي هذه الأمة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان: ٢١]، وقال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢، ٢٣]. وقال تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠]، وقالوا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ [سبأ: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٦٩، ٧٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ [الأعراف: ٢٨]. ولقد كانت العصبية القبلية سببًا لموت أبي طالب عم النبي ﷺ على الكفر، والذي كانت له الأيادي البيضاء في كفالة الرسول ﷺ ، والدفاع عنه، ومنع المشركين من الوصول إليه، وأذيته في حياته، فهو يقول: ولقد علِمتُ بأن دين محمدٍ … من خيرِ أديانِ البَرِيَّةِ دِينَا لولا الملامةُ أو حِذار مَسَبَّة … لوجدتني سمحًا بذاك مُبينَا (١) ويقول: لقد علِموا أن ابنَنَا لا مكذَّبٌ … لدينا ولا يُعنى بقولِ الأباطلِ فو الله لولا أن أجيءَ بسُبةٍ … تجرُّ على أشياخِنا في المحافل لكنَّا اتبعناه على كل حالةٍ … من الدهرِ جدًّا غير قول التهازُل (٢)

стр. 486

٢ ضعف الإيمان، وضعف الولاء لله ولرسوله، وللمؤمنين؛ لانشغال القلب عن ذلك بالعصبية، وبما لا يغني. ٣ الوقوع في الظلم؛ لأن التعصبَ غالبًا يدفَع صاحبه إلى استباحة حقوق الآخرين وظُلمهم. ٤ ازدراء الآخرين، واحتقارهم، وتنقُّصهم، والحطُّ من قدْرِهم، وقد قال ﷺ : «المسلم أخو المسلم، لا يَحقِرُه، ولا يَظلِمه» (١)، وقال ﷺ : «بحسْبِ امرِئٍ من الشرِّ أن يَحقِرَ أخاه المسلمَ، كل المسلمِ على المسلمِ حرام؛ دَمُه ومالُه وعِرضُه» (٢). ٥ إيجاد العداوة، والبغضاء، والأحقاد بين المسلمين، ولأجلها رُفعت شعارات الشيطان، مِصداق قوله ﷺ : «إن الشيطان قد يئِس أن يعبُدَه المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريشِ بينهم» (٣)، وقد قال ﷺ : «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عبادَ الله إخوانًا» (٤). ٦ تفرق كلمة المسلمين، وتأخُّرُهم، وتخلُّفُهم عن ركْب الحضارة والتقدم، بسبب نشوء النعرات العرقية، والقبلية، والقومية، والجغرافية، والحزبية، والمذهبية، والطائفية، والسياسية، وغيرها. ٧ نشوب الحروب والفِتَن بين المسلمين، وتعطيل مصالح الأمة الكبرى؛ الدينية، والدنيوية. ٨ ضعف الأمة، وذهاب ريحها، وتسلط الأعداء عليها، مع الجهل، والفقر، والمرض.

стр. 487

الوقفة السابعة العصبية للوطن؛ من بلد أو منطقة، أو مدينة، أو محافظة، أو قرية، أو هجرة، أو غير ذلك كلٌّ يحب موطنه الذي وُلد وعاش فيه، أو عاش فيه أجداده، وهذا أمر جِبِلي طبيعي فِطري، حتى عند الحيوانات. وقد أحب النبي ﷺ بلده مكة، كما أحب المدينة، وقد قيل: «حب الوطن من الإيمان». وقال الشاعر: بلادي وإن جارتْ عليَّ عزيزةٌ وأهلي وإن ضنُّوا عليَّ كرامُ وكون الإنسان يحب بلده، ويدافع عنه بحق، ويعمل على جلب الخير له، وتطويره بما لا يشغله عن أمر دينه، وبما ليس فيه مباهاة ولا مفاخرة، ولا مكاثرة بالتراب والطين، ولا اعتداء على حقوق الآخرين، أو أذية لهم، فهذا كله لا بأس به. لكن الذي لا يجوز أن يتحول الولاء للبلد ومحبته إلى عصبيةٍ تترتب عليها الموالاة والمعاداة، أو المباهاة والمفاخرة والمكاثرة بالتراب والطين، أو التعالي على الآخرين، من أهل البلدان الأخرى، من الجيران، وغيرهم، أو أذيتهم، أو الاعتداء على حقوقهم، أو احتقارهم وانتقاصهم، أو تعييرهم بالألقاب، التي يكتبها سفهاء القوم على الجدران، وطاولات المدارس، وعلى اللوحات في الطرقات العامة، والشوارع، وطمس اللوحات الإرشادية التي تضعها الجهات المختصة، ونحو ذلك. وكل هذا مما يولد العداوة، والبغضاء، والأحقاد بين المسلمين، ولا يعود على صاحبه إلا بالخيبة والخسران، مع التفريط في حق الله تعالى، حيث تضيع كثير من أعمار مَنِ ابتُلوا بهذا التعصب، ركضًا وراء ذلك، فلا دنيا حصلوا ولا دينًا حفظوا.

стр. 488

الوقفة الثامنة الأولاد أمانة عظيمة، يجب النأي بهم عن مَزالق العصبية كلها الأولاد ذكورهم وإناثهم أمانة عظيمة في رقاب والديهم، يجب تربيتهم على مبادئ الإسلام الكريمة، ومُثُله العليا، وخصاله الحميدة، وآدابه الفاضلة، وأخلاقه النبيلة الجميلة. يجب تربيتهم على تعظيم ربهم، وطاعته، وطاعة رسوله ﷺ ، وسلوك صراطه المستقيم المفضي بهم إلى جنات النعيم، مع الذين أنعم الله عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. يجب تعليمهم أن العزة بالإسلام، وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]. يجب تعليمهم أن العز والفخر، والكرم والشرف، والسؤدد والعظمة، والسعادة في الدنيا والآخرة بتقوى الله تعالى، وطاعته، وطلب مرضاته، وجنته. كما يجب النأي بهم عن مزالق العصبية القبلية وغيرها، وعن كل ما يبعدهم عن سلوك الصراط المستقيم، ويعرضهم لسلوك سبل الضالين والجاهلين، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وليعلم الآباء أن الأمر خطير جد خطير، قال ﷺ : «كل مولودٍ يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» (١). فإن ضلال كثير من الأولاد بسبب آبائهم، الذين ربوهم على غير الفطرة من العصبية، أو غير ذلك، أو أهملوهم (٢).

стр. 489

الوقفة التاسعة ليس من العصبية ١ التمسك، والاعتزاز بشيم وعادات القبيلة الطيبة الحسنة؛ من الجُود والكرم والشجاعة، والشهامة وحسن الجوار، ونصرة المظلوم، وإكرام الضيف، وغير ذلك. فقد جاء الإسلام وهذه الشيم والعادات موجودة عند العرب، فشجع عليها، وحافظ عليها؛ ولهذا قالت خديجة ﵂ للنبي ﷺ لما جاء فزِعًا، بعد نزول جبريل ﵇ عليه بالوحي، وهو في الغار، يقول: «زمِّلوني، زمِّلوني، دثِّروني … لقد خشِيت على نفسي» قالت ﵂: «كلا، أبشر، والله لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتَقرِي الضيف، وتحمِل الكَلَّ، وتُعين على نوائب الحق» (١). ٢ الاعتناء بالأنساب، والمحافظة عليها، قال ﷺ : «تعلَّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم» (٢). ٣ طلب الكفاءة في النكاح. ٤ الخُيَلاء والفخر بالعشيرة والبلد في مواطن قتال الكفار، ونُصرة الدين؛ ولهذا كان ﷺ يقول: «أنا النبي لا كَذِب، أنا ابن عبدِ المطَّلِب» (٣). ٥ محبة الإنسان لعشيرته، وقبيلته، ولبلده محبةً معتدِلةً، لا تحمله على ظلم الآخرين، ولا احتقارهم، ولا توقعه في التفريط في حق الله تعالى، ولا يترتب عليها مفسدة ظاهرة، من العداء للقبائل، أو البلدان الأخرى، أو هضم حقوقها، أو التعدي عليها، أو محبة الشر لها، ونحو ذلك، فقد كان ﷺ يحب قومه وعشيرته وبلده، وهو أُسوتنا وقدوتنا ﷺ .

стр. 490

وقفات خمس في: فضيلة اللسان، وخطورته، ووجوب حفظه قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] الوقفة الأولى في: فضيلة اللسان، وشرفه اللسان من أعظم الجوارح التي منحها الله تعالى للإنسان وأفضلها وأشرفها؛ فقد امتن الله على الإنسان بها، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٨ - ٩]. وهو نعمة عظيمة من الله تعالى لمن وفقه الله ، به يُدخِل الإنسان في الإسلام، وينطق بأعظم كلمة؛ كلمة التوحيد؛ شهادة أنْ لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤]. به يلهج المسلم بذكر ربه، وشكره، ويرتِّل آياته، ويدعوه، ويسبحه، ويهلله، ويكبره، ويحمده، ويثني عليه. به يقول الحق، ويدعو إليه، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويرغِّب في الخير، ويحذِّر من الشر. وبه يستعين على جميع أمور دينه، ودنياه، وأخراه. وبه يختم المؤمن الموفَّق حياته بقوله: لا إله إلا الله. وبه يجيب المَلَكين في قبره بقوله: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ . وبه يلهج أهل الجنة بذكر الله، وشكره، وتسبيحه، وتحميده، وتهليله، وتكبيره.

стр. 491

وكم هو الفرق الشاسع، والبون الواسع في مقدار النعمة، وعظيم المِنة، بين من منحه الله تعالى في هذه الحياة لسانًا ناطقًا فصيحًا، وبين مَنِ ابتُلي بالبكم، وعدم النطق، لكن كما قيل: «الصحة تاج على رؤوس الأصحاء، لا يراه إلا المرضى»، ولا يعرف قدر النعمة إلا مَن فقدها! الوقفة الثانية: اللسان بين النفع والضرر اللسان ذو حدين؛ فهو- كما سبق- نعمة عظيمة لمن وفقه الله تعالى لاستعماله بالقول الحسن والسديد، وفيما يُرضِي الله ، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]. وقال ﷺ : «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يُلقي لها بالًا، يرفعه الله بها درجات» (١). وعن بلالٍ المُزَني ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما كان يظن أن تَبلُغَ ما بَلَغَتْ، يكتب الله له بها رضوانَه إلى يوم يلقاه» (٢). قال الشاعر:

стр. 492

عوِّد لسانَكَ قولَ الصدقِ تَحْظَ به … إن اللسانَ لما عودتَ مُعتادُ (١) وهو نقمة عظيمة لمن خذله الله تعالى، يكفر بسببه بقوله كلمة الكفر، كما قال تعالى عن المنافقين: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤]، وذلك باستهزائهم بالله، وآياته، ورسوله ﷺ . وقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]. وبسببه يقع الكثيرون في الموبِقات، والكبائر، وغيرها من المعاصي؛ من قول الزور، وشهادة الزور، والغِيبة، والنميمة، واللعن، والسب، والشتم، وغير ذلك. ولهذا حذر النبي ﷺ من خطر اللسان وعثراته، فقال لمعاذ ﵁: «كُفَّ عليك هذا» قال معاذ: فقلت: يا نبي لله، وإنا لمؤاخَذون بما نتكلم به؟ فقال: «ثكِلتك أمُّك يا معاذُ، وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم- أو على مَناخِرِهم- إلا حصائدُ ألسنتهم» (٢). وفي حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم، قال: «وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَطِ الله، لا يُلقي لها بالًا، يَهوي بها في جهنم» (٣). وفي حديث بلال ﵁ السابق قال: «وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما يظن أن تبلغ ما بَلَغَتْ، يكتب الله عليه بها سَخَطَهُ إلى يوم يَلقاه» (٤). وقال ﷺ : «من يضمن لي ما بين لَحْيَيْهِ وما بين رِجليه أضمَن له الجنة» (٥).

стр. 493

وعن عُقبةَ بنِ عامر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، ما النجاة؟ قال: «املِكْ عليك لسانَك، ولْيَسَعْكَ بيتُك، وابكِ على خطيئتك» (١). وفي الحديث «أن رجلًا قال: والله لا يغفر الله لفلان. فقال الله : من الذي يتألَّى عليَّ ألا أغفر لفلان؟! فإني قد غفرتُ لفلان، وأحبطتُ عَمَلَك» (٢). وفي رواية: قال ﷺ : «فوالذي نفسُ أبي القاسمِ بيدِه لَتَكَلَّمَ بكلمةٍ أوبَقَتْ دُنياهُ وآخِرَته» (٣). فما أشدَّ خطر اللسان وضرره، فكم خرج أناس من الإيمان بسبب اللسان، وكم من أرواح أُزهقت، وحروب أُشعلت فأكلت الرطبَ واليابس؛ بسبب اللسان. قال نصر بن سيَّار (٤): وإن النار بالعودين تُذكَى … وإن الحربَ أولُها كَلامُ وكم زوجات طُلِّقت، وأُسَر شُرِّدت، وأطفال يُتِّمت؛ بسبب اللسان! وكم من عداوات وإِحَن وبَغْضاء وقعتْ بين الإخوان، والأقارب، والجيران، والأفراد، والجماعات؛ بسب اللسان! قال الشاعر: جِراحاتُ السِّنان لها التِئامٌ … ولا يَلتامُ ما جَرَحَ اللسانُ (٥) وقال الشافعي:

стр. 494

احذَرْ لسانَكَ أيها الإنسانُ … لا يَلْدَغنَّك إنه ثُعبانُ كم في المقابرِ مِن قتيلِ لسانهِ … كانت تهابُ لقاءَه الشجعانُ! (١) وقال صالح بن عبد القدوس: احذَرْ لسانَكَ أن تقولَ فتُبتلى … إن البلاءَ موكَّلٌ بالمنطقِ (٢) وقال علي بن أبي طالب ﵁ (٣): يموت الفتى من عثرةٍ بلسانِه … وليس يموتُ المرءُ من عثرةِ الرِّجْلِ فعثرتُه بالقولِ تُودي برأسِه … وعثرتُه بالرِّجْلِ تَبرا على مَهْلِ وقد قيل: «اللسان، عدو الإنسان». الوقفة الثالثة في: وجوب مراقبة اللسان وحفظه يجب على المسلم أن يراقب لسانه، ويحذر منه أشد الحذر، ويحترز منه أشد الاحتراز، ويحفظه عن كل ما يَشين؛ لأن كل ما يتلفظ به الإنسان، وما يصدر منه من قول أو فعل مسجل مكتوب عليه، كما قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]؛ أي: حاضر لا يمكن أن يغيب، ولا يفوته شيء، مستعد متهيئ لكتابة ما يصدر من الإنسان، من قول أو فعل. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣، ١٤]. وقد ذُكر عن الإمام أحمد ﵀: أنه كان يئن في مرضه، فبلغه عن طاوس أنه قال:

стр. 495

«يكتُب الملك كل شيءٍ حتى الأنين»، فلم يئنَّ ﵀ حتى مات (١). الوقفة الرابعة في: ما يجب حفظ اللسان منه يجب الحذر كل الحذر من آفات اللسان وعثراته وسقطاته، وحفظه عن كل ما يشين المرء ويضره في دينه، ودنياه، وأخراه، ومن أهم ذلك وأعظمه ما يلي: ١ حفظه من التكلم بكلمة الكفر؛ من الاستهزاء بالله، وآياته، ودينه، ورسوله، وبالمؤمنين، قال تعالى منكرًا على المنافقين: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]؛ والمراد: كلمة الكفر. ٢ حفظه من قول الزور، وشهادة الزور، والخوض بالباطل والكذب، ونحو ذلك، قال ﷺ : «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر»، ثلاثًا، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين»، وجلس وكان متكئًا فقال: «ألا وقول الزُّور»، قال: فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت! (٢). ٣ حفظه من السخرية، واللمز، والهمز، والتنابز بالألقاب؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]، وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ
следующие страницы →