← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 800

مراقي العزة ومقومات السعادة

سليمان اللاحم

Полный текст (723 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

١١٩ الحث على الاستقامة. ١٢٠ الحث على التحلي بالصبر؛ بأقسامه الثلاثة. ١٢١ الحث على الإكثار من ذكر الله تعالى، وملازمة الاستغفار والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، وأوراد الصباح والمساء. ١٢٢ الترغيب في ملازمة الدعاء، وبيان ضرورة العبد الى سؤال ربه؛ بتيسير أمر دينه ودنياه وأخراه، وبيان أوقات الإجابة؛ آخر الليل، وحال السجود، وبين الأذان والإقامة، وبعد التشهد، وساعة الاستجابة يوم الجمعة، وعند الفطر، وفي السفر، وغير ذلك. ١٢٣ الحث على الصبر عند المصيبة، وبيان فضله. ١٢٤ الحث على التحلي بالحكمة والعقل والرشد، والبعد عن الجهل والسفه. ١٢٥ الحث على الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ ، وبخاصة يوم الجمعة، وبيان فضلها. ١٢٦ الحث على لزوم الصدق؛ فهو منجاة لصاحبه، والتحذير من الكذب. ١٢٧ تفسير سورة الفاتحة. ١٢٨ تفسير بعض الآيات؛ كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٨]. ١٢٩ تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: ٧١] وغير ذلك من الآيات. ١٣٠ تفسير قصار المفصل؛ من سورة الضحى إلى سورة الناس، وغير ذلك من السور والآيات. ١٣١ بيان معاني الحروف المقطعة في أوائل بعض السور القرآنية. ١٣٢ الأخذ بصفات أولي الألباب كما جاءت في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ الآيات [١٩٠ - ١٩٥].

стр. 527

١٣٣ الأخذ بصفات عباد الرحمن، كما جاءت في سورة الفرقان الآيات [٦٣ - ٧٧]. ١٣٤ شرح حديث النزول الإلهي في ثلث الليل الآخر. ١٣٥ شرح حديث: «إنما الأعمال بالنيات». ١٣٦ شرح حديث الثلاثة الذين أُطبقت عليهم الصخرة. ١٣٧ شرح الحديث في قصة جريج العابد. ١٣٨ شرح حديث النفر الثلاثة: الأبرص والأقرع والأعمى. ١٣٩ شرح حديث النبي ﷺ عندما صعِد المنبر فقال: (آمين، آمين، آمين) وغير ذلك من الأحاديث. ١٤٠ الحث على التصور التام للهدف الذي خُلق له الإنسان، والسلامة من الخواء الرُّوحي الذي هو سبب تزجية الأوقات، وضياع الأعمار. ١٤١ طيب الكسب، والبعد كل البعد عن الحرام والمتشابه. ١٤٢ التحذير من الإسراف والتبذير. ١٤٣ الحث على الاعتراف بالنعم وشكرها؛ من نعمة المال، والصحة، والخيرات كلها، والتحذير من كفرها؛ فهو سبب زوالها، والتحذير من المباهاة؛ بتصوير بعض المأكولات ونشرها، والمفاخرة بها، فالفضل لله ، وليس ذلك من شكرها. ١٤٤ قلة الشاكرين من العباد، وكثرة الكافرين منهم. ١٤٥ الأخذ بالحزم والعزم وبمعالي الأمور، والصدق مع النفس في تزكيتها وإعتاقها، والحذر من العجز والكسل، ومن دسها وإيباقها. ١٤٦ حفظ اللسان والقلم والبنان عما لا يجوز من الغِيبة والنميمة والزور والباطل، وما يضر ولا ينفع. ١٤٧ التفاؤل دائمًا في جميع الأحوال؛ سرائها وضرائها، وبيان فضله وعظيم أثره. ١٤٨ التعامل مع النت، وشبكة المعلومات، ووسائل التواصل الاجتماعي بحكمة،

стр. 528

وعقل، وتمييز، وحذر، وإيجابية تبني ولا تهدِم. ١٤٩ حفظ الفرج، وغض البصر، ولزوم الحياء. ١٥٠ التحذير من المسكرات، ومن التدخين، وبيان مضارها. ١٥١ التحذير من الانغماس في الغناء، واستماع آلات اللهو، ونحو ذلك مما يشغل القلب عن ذكر الله تعالى، وعن القرآن الكريم. ١٥٢ التحذير من السهر وآثاره السيئة على الصحة، والدين، والحياة الاجتماعية. ١٥٣ الترغيب في قيام الليل، وبيان فضله، وسنة الرسول ﷺ في ذلك. ١٥٤ الترغيب في صوم النفل كالاثنين والخميس، وأيام البيض، وغير ذلك. ١٥٥ بيان فضل (لا حول ولا قوة إلا بالله) وأنها من كنوز الجنة. ١٥٦ بيان فضل الجلوس في المسجد بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، وقراءة الورد من القرآن، ومن ثم صلاة الضحى. ١٥٧ بيان وجوب متابعة الإمام في الصلاة، والتحذير من مسابقته أو مخالفته. ١٥٨ الحرص على تشجيع الصغار بعد التمييز على الصلاة، وعلى الصلاة في المسجد. ١٥٩ رعاية حقوق العمال من الخدم، والسائقين، وغيرهم، وتعليمهم أمور دينهم. ١٦٠ التنبيه على آداب المساجد من عدم رفع الصوت بالقراءة والدعاء، ومن إزعاج المصلين بنغمات الجوالات، ومن التمخط في المسجد، ومن الروائح الكريهة كالبصل والثُّوم والدُّخَان، وروائح البهائم. ١٦١ التعاون بين الإمام والمؤذن وجماعة المسجد على نصح من يتخلف عن صلاة الجماعة، ووعظه، وتوجيهه، فذاك مسؤولية الجميع. ١٦٢ وجوب العناية بنظافة بيوت الله المساجد، وتطييبها وتبخيرها، وفرشها، وتكييفها، وتهيئتها للمصلين، والقضاء على ما قد يحصل من أسباب النزاع حول ذلك. ١٦٣ التنبيه على الحفاظ على المرافق العامة؛ كالحدائق، ودورات مياه المساجد،

стр. 529

والطرقات العامة، وعلى المنتزهات في البر وعلى الطرق السريعة، وغيرها. إلى غير ذلك من الموضوعات الكثيرة التي لا يمكن حصرها، التي قد يكون بعضها أهم مما ذُكر، فالمقصود التمثيل، لا الاستقصاء، وذكرها بهذا التسلسل ليس مرادًا به ترتيبها حسب أهميتها. تنبيه: جملة من هذه الموضوعات جاء الكلام فيها في هذه الوقفات في هذا الكتاب.

стр. 530

وقفات ست في: التفاؤل قال الله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧] الوقفة الأولى معنى التفاؤل التفاؤل: مأخوذ من الفأل، وهو الكلمة الطيبة، كما قال ﷺ : «الفأل الكلمة الطيبة» (١). وهو التيمن والاستبشار، ضد التشاؤم والتطير. قال ابن الأثير (٢): «التفاؤل: مثل أن يكون رجل مريضًا، فيتفاءل بما يسمع من كلام، فيسمع آخر يقول: يا سالم، أو يكون طالب ضالة فيسمع آخر يقول: يا واجد، فيقع في ظنه أنه يَبْرَأ من مرضه، ويجد ضالته». والفرق بين التفاؤل والتشاؤم: أن التفاؤل مبني على حسن الظن بالله ، وهو أمر محمود، والتشاؤم والتطير مبني على سوء الظن، وهو أمر مكروه. والتفاؤل من الله، وهو وليد الإيمان بالله تعالى، والتشاؤم من الشيطان، وهو وليد الكفر، قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ [البقرة: ٢٦٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦] فوعد أن مع العسر يسرًا، ولم يقل: إن بعد العسر يسرًا؛ لبيان شدة قرب اليسر من العسر؛ ليزداد ﷺ والمؤمنون تفاؤلًا وطمأنينة.

стр. 531

وقال تعالى في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء» (١). والمراد بالتفاؤل: التفاؤل النافع، الذي يقترن بالجد والعمل، والسعي، والمثابرة، وإلا كان مجرد أمانيّ كاذبة، وأحلام، وضرب من الأوهام؛ لأن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضةً. قال الشاعر: ومن طلب العلا من غير كَدٍّ … أضاع العمر في طلب المحال (٢) وقال الآخر: ومن طلب العلوم بغير كد … سيُدركها متى شاب الغُراب (٣) وقال الآخر: ومن زرع الحبوب وما سقاها … تأوه نادمًا يوم الحصادِ (٤) الوقفة الثانية مبنى التفاؤل، وأساسه التفاؤل يقوم على ركنين عظيمين، ودعامتين قويتين، وأساسين متينين: الأول: حسن الظن بالله . والثاني: التوكل على الله تعالى، كما قال : ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣].

стр. 532

الوقفة الثالثة حكم التفاؤل، وفضله التفاؤل أمر محمود، ومندوب إليه، وهو من أفضل الأعمال. عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يعجبني الفأل الصالح؛ الكلمة الحسنة» (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يتفاءل، ولا يتطير، ويعجبه الاسم الحسن» (٢). وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يعجبه الفأل الحسن، ويكره الطِّيَرة (٣). ولما جاء «حَزْن» جد سعيد بن المسيَّبِ رسولَ الله ﷺ ، قال له: «ما اسمك؟» قال: اسمي حزن. قال: «أنت سهل» (٤). وعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ سمع كلمة فأعجبته، فقال: «أخذنا فألك من فيك» (٥). وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يعجبه إذا خرج لحاجته أن يسمع: يا راشد، يا نجيح (٦).

стр. 533

وإنما كان التفاؤل من أفضل الأعمال؛ لأنه يقوم على حسن الظن بالله، والتوكل عليه، والثقة بما عنده أوثق مما في يد الإنسان نفسه. وعن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إن الله يقول: أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن خيرًا فله، وإن ظن شرًّا فله» (١). وعن جابر بن عبد الله ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسِن الظن بالله » (٢). الوقفة الرابعة نماذج من تعليم الله تعالى لعباده التفاؤل من ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. ومن ذلك أنه عاتب المؤمنين بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦]. ثم فتح لهم باب الرجاء والتفاؤل في الآية بعدها، فقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد: ١٧]، أي: اعلموا أن الله القادر على إحياء الأرض بعد موتها، قادر على تليين قلوبكم وجعلها تخشع لذكر الله وما نزل من الحق، فأبشروا وأمِّلوا خيرًا. ومن ذلك أنه نهى المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 534

الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١]. ولا شك أن معاداة الأقربين من الوالدين والأولاد والإخوة والأزواج وغيرهم من ذوي القرابة من أشق الأشياء وأصعبها على النفوس؛ ولهذا قال بعد ذلك: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ٧]، ففتح للمؤمنين في هذه الآية باب الرجاء والتفاؤل بجعل المودة بينهم وبين الذين عادوا من أقاربهم بسبب كفرهم، وذلك بأن يؤمن هؤلاء الأقارب فتعود المودة بينهم، وهذا وعد منه ، وهو كالبلسم على القلوب والنفوس، وهكذا وقع؛ فقد آمن كثير منهم، وعادت المودة والأخوة بينهم بفضل الله كما وعدهم سبحانه. الوقفة الخامسة نماذج من تفاؤل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام التفاؤل من أخص صفات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، حتى في أشد الظروف، وأضيق الأحوال، وأقساها. ١ فهذا نبي الله موسى ﵊ والمؤمنون معه، لما لحق بهم فرعون وجنوده، وتراءى الجمعان، وصار البحر أمامهم، والعدو خلفهم، وقال له أصحابه بنو إسرائيل: إنا لمدرَكون، قال ﵊ مقالة المتفائل الواثق بربه، المتوكل عليه تمام التوكل: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]. ٢ ويعقوب ﵊ بعد ما جرى ليوسف وأخيه ﵉ على يدي إخوتهما، وبعد مرور السنين والأعوام الطويلة، قال لأبنائه: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ

стр. 535

رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. ٣ ونبينا محمد ﷺ كان سيد المتفائلين، فعن عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أُحُد؟ فقال: «لقد لقِيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة؛ إذ عرضتُ نفسي على ابن عبد ياليل، فلم يجبني إلى ما أردتُ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفِق إلا بقرن الثعالب، فرفعتُ رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرتُ فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك مَلَكَ الجبال لتأمره بما شئت فيهم. قال: فناداني ملك الجبال، وسلَّم عليَّ، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، قد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت، إن شئت أن أُطْبِقَ عليهم الأخْشَبَيْنِ» (١)، فقال النبي ﷺ : «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا» (٢). وعن تميم الداري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو ذل ذليل، عزًّا يُعِز الله به الإسلام، وذلًّا يذل الله به الكفر» (٣). وعن عَدِي بن حاتم ﵁ أنه وفد على النبي ﷺ ، فقال له: «أتعرف الحِيرة؟» قال: لم أعرفها، لكن قد سمعت بها. قال: «فوالذي نفسي بيده لَيُتِمَّنَّ الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار

стр. 536

أحد، ولتُفتحن كنوز كِسرى بن هُرمز». قلت: كسرى بن هُرمز؟ قال: «نعم، كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد». قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة؛ لأن رسول الله ﷺ قد قالها (١). وقد حصل هذا في عهد عمر بن عبد العزيز ﵁. وعن أُبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بشِّر الأمة بالسَّناء، والرفعة، والدين، والنصر، والتمكين في الأرض» (٢). وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها» (٣). وعن خَبَّابِ بنِ الأرَتِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «واللهِ ليُتِمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاءَ إلى حضرموتَ لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» (٤). وفي حديث الهجرة قوله ﷺ لأبي بكر ﵁ وهما في الغار، لما وقف المشركون على باب الغار، وقال له أبو بكر ﵁: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه، فقال ﷺ : ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. وقال ﷺ : «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (٥).

стр. 537

وعن سُراقة بن مالك ﵁، أنه لما لحق بالنبي ﷺ وبصاحبه أبي بكر ﵁ في طريق هجرته ﷺ إلى المدينة؛ ليأخذ جائزة قريش التي جعلتها لمن يأتي بمحمد ﷺ ، فلما اقترب من النبي ﷺ وصاحبه ساختْ يدا فرسه في الأرض، فلم تستطع أن تتحرك (١). فقال له ﷺ وهو في تلك الحال الشديدة متفائلًا: «كأنِّي بك قد لبِستَ سِوَارَيْ كِسْرَى» (٢). وهكذا حصل بفضل الله تعالى. ويوم الأحزاب حين أحاطت الأحزاب بالمدينة، كما قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]. واجتمع على المسلمين في ذلك اليوم من الشدائد ما تَنُوءُ بحمله الجبال؛ من الخوف، والتعب، والجوع، والبرد، نزل ﷺ حين استعصى على الصحابة ﵃ حجر كبير، وهم يحفرون الخندق، فأخذ المِعوَل فقال: «باسم الله». فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر وقال: «الله أكبر، أُعطيتُ مفاتيح الشأْمِ، واللهِ إني لأُبصِرُ قُصُورَها الحُمْر من مكاني هذا». ثم قال: «باسم الله». وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر، فقال: «الله أكبر، أُعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأُبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا». ثم قال: «باسم الله». وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر، فقال: «الله أكبر، أُعطيت مفاتيحَ اليمن، والله إني لأُبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا» (٣). ولما كان ﷺ يفاوض قريشًا في صلح الحُديبيَة، وقدم سهيل بن عمرو، قال ﷺ

стр. 538

لأصحابه: «لقد سهَّل لكم من أمركم» (١). ٤ ومن التفاؤل ما حصل من أم إسماعيل هاجر عندما تركها إبراهيم ﵇ في مكة مع ابنها ﵍، وليس بمكة داعٍ ولا مجيب، ولا شجر ولا ماء، ووضع عندها جِرابًا فيه تمر، وسِقاء فيه ماء، ثم مضى إبراهيم منطلقًا، فتبعته أم إسماعيل، فقالت: إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا جن؟! فقالت ذلك مِرارًا، وجعل لا يلتفت إليها. فقالت: «آلله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يُضَيِّعنا (٢). ٥ ومن ذلك قول خديجة ﵂، لما نزل الوحي على النبي ﷺ ، ورجع إليها خائفًا يقول: «زمِّلوني زملوني، لقد خشِيتُ على نفسي». فقالت ﵂: كلا، والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتُكسِب المعدوم، وتَقرِي الضيف، وتُعين على نوائب الحق» (٣). الوقفة السادسة فوائد التفاؤل، وآثاره للتفاؤل فوائد جمة، وآثار عظيمة، منها ما يلي: ١ أنه يدفع صاحبه إلى العمل، وإلى المضي قُدُمًا إلى الأمام، وإلى استشراف المستقبل المشرق، والثقة بالله ، بتحويل الشدة إلى الرخاء، والضراء إلى سراء، والعسر إلى يسر، كما قال تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧]، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦].

стр. 539

قال عمر بن الخطاب ﵁: «لن يغلب عسر يسرين» (١)؛ أي: أن كل عسر معه يسران من الله . وكان ﷺ إذا زار مريضًا قال: «لا بأس طَهور إن شاء الله» (٢). قال علي ﵁ (٣): وكل الحادثاتِ إذا تناهَتْ … فموصولٌ بها الفرَجُ القريبُ وقال الآخر: ولرُبَّ نازلةٍ يَضِيقُ بها الفَتَى … ذَرْعًا وعندَ اللهِ منها المَخرَجُ ضاقتْ فلما استَحْكَمَتْ حَلقاتُها … فُرِجَت وكان يَظُنُّها لا تُفرَجُ (٤) وقال الآخر: اصبِرْ لكل مصيبةٍ وتَجَلَّدِ … واعلَمْ بأن المرءَ غيرُ مُخلَّدِ واصبِرْ كما صَبَرَ الكِرامُ فإنها … نُوَبٌ تَنُوبُ الآنَ تُفْرَج من غدِ (٥) وقال الآخر: وكم لله من لُطفٍ خفيِّ … يَدِقُّ خفاه عن فهمِ الذكيِّ وكم يسرٍ أتى من بعدِ عُسرٍ … وفرَّج لوعةَ القلبِ الشجيِّ وكم همٍّ تُساءُ به صَباحًا … فتَعقُبُهُ المَسَرَّةُ في العَشِيِّ إذا ضاقتْ بك الأحوالُ يومًا … فثِقْ بالواحدِ الأحدِ العليِّ (٦) وقال الآخر:

стр. 540

أُعَلِّلُ النفسَ بالآمالِ أَرْقُبُها … ما أضيقَ العيشَ لولا فُسحةُ الأملِ (١) ٢ أنه سبب لانشراح الصدر، وطمأنينة القلب، والسرور، وذهاب الهم والحزن، والسلامة بإذن الله تعالى من أمراض القلب الحسية، والأمراض النفسية والبدنية، تغمر صاحبَه السعادةُ في حال السراء والضراء، كما قال ﷺ : «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْه سَرَّاءُ شَكَر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراءُ صبر، فكان خيرًا له» (٢). والمتفائل تُرفرف نفسه بين السماء والأرض، كما ترفرف الطيور بأجنحتها، رجاؤه في الله وأمله، وثقته به ، لا تزحزحها شمُّ الجبال، لو اندكت عليه. لسان حاله ومقاله، كما قال الشاعر: سأعيش رغمَ الداءِ والأعداءِ … كالنَّسرِ فوقَ القمةِ الشَّمَّاءِ النورُ في جنبي وبينَ جَوانحي … فعلامَ أخشى السيرَ في الظَّلماءِ؟! (٣) ولهذا يجب الحذر كل الحذر من مصاحبة المتشائمين، المرجِفين، المثبِّطين، المُخَذِّلين، ممن يقولون: «هلك الناس». قال ﷺ : «من قال: هلك الناسُ فهو أهلَكُهم» (٤). وقال الشاعر: احفَظْ لسانَكَ أن تقول فتُبتلى … إن البلاءَ مُوكَّلٌ بالمَنطِقِ (٥) وقد قيل: «تفاءلوا بالخير تجدوه».

стр. 541

وقفات خمس في: حسن الخلق قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤] الوقفة الأولى في: معنى حسن الخلق، ومصادره أ- معنى حسن الخلق: حُسن الشيء: زينته، وجماله، وفضله، ونحو ذلك، وهو ضد القُبح، ونقيضه (١). و «الخلق»: الدين والطبع، والسَّجية والعادة (٢). وجمعه: أخلاق. وهو نوعان: خلق محمود، حسن جميل، وخلق مذموم، سيئ قبيح. قال الحسن البصري، وعبد الله بن المبارك: «حسن الخلق: بسط الوجه، وبذل الندى، والاحتمال، وكف الأذى» (٣). ورُوي عن علي ﵁: «حسن الخلق في ثلاث خصال: اجتناب المحارم، وطلب الحلال، والتوسعة على العيال» (٤). لكن حسن الخلق أعم من هذا كله وأوسع، فهو التخلق بالقرآن. ويقال: الخلق: صورة الإنسان الباطنة؛ لأن الإنسان له صورتان: صورة باطنة، وصورة ظاهرة. فالصورة الظاهرة: هي شكل خلقته التي جعل الله البدن عليها، كما قال تعالى:

стр. 542

﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤، والتغابن: ٣]. والصورة الباطنة: خُلُقُه الذي طُبع عليه، أو اعتاده. والقول بأن الخلق صورة الإنسان الباطنة لا يعني أن آثار الأخلاق لا تظهر على الجوارح، بل إنها لو لم تظهر آثارها على الجوارح ما سُميت خلقًا. ب- مصادر حسن الخلق «الأخلاق الحسنة»: مصادر الأخلاق الحسنة مأخوذة من مصدر التشريع: الكتاب والسنة، فهما مصدرا الأخلاق الإسلامية كلها، بما يؤخذ منهما من أحكام، وأخلاق، وآداب، وغير ذلك. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. ولهذا لما سئلت عائشة ﵂ عن خلق النبي ﷺ قالت: «كان خلقه القرآن» (١). وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. وقال : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وقال ﷺ : «إنما بُعثت لأتمم صالح الأعمال» (٢). قال إبراهيم الحربي: «ينبغي لمن سمع شيئًا من آداب النبي ﷺ أن يتمسك به» (٣).

стр. 543

فالأخلاق الحسنة هي الأخلاق الإسلامية التي أمر الله بها في القرآن الكريم، أو أثنى على الاتصاف بها، أو وعد من اتصف بها بالجزاء والأجر في الدنيا والآخرة، ودخول الجنة، والنجاة من النار، أو توعد من خالفها بضد ذلك، ونحو ذلك. وكذا ما أمر به الرسول ﷺ في السنة النبوية، أو أثنى على من اتصف بها، أو وعده بالجزاء من الله تعالى، أو توعد من خالفه بالعقوبة من الله تعالى. قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في: «الأخلاق الإسلامية» (١): «الأخلاق الإسلامية بيَّنها الله في كتابه العظيم، وبيَّنها الرسول ﷺ ، أساسها: توحيد الله، والإخلاص له، هذا هو أصل الأخلاق الكريمة وأساسها، وأعظمها، وأوجبها، وهو توحيد الله، والإخلاص له، وترك الإشراك به، ثم يلي ذلك: الصلوات الخمس، فهي أعظم الأخلاق، وأهمها، بعد التوحيد، وترك الإشراك بالله ، ومن تدبر القرآن الكريم، واعتنى به، وأكثر من تلاوته يريد فهم هذه الأخلاق، ويريد العلم بها وجد ذلك». الوقفة الثانية في: حقيقة حسن الخلق، ومقوماته، وأركانه حقيقة حسن الخلق: الاستقامة على دين الله ، وتقواه، بفعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى الله عنه ورسوله، وله مقومات وأركان أربعة يقوم عليها. أ- الأركان الأساسية لحسن الخلق: قال ابن القيم: «الدين كله خُلُق، فمن زاد عليك في الخُلُق زاد عليك في الدين. وحسن الخلق يقوم على أربعة أركان، لا يُتصور قيام ساقه إلا عليها: الصبر، والعفة، والشجاعة، والعدل.

стр. 544

فالصبر: يحمله على الاحتمال، وكظم الغيظ، وكف الأذى، والحلم والأناة، والرفق، وعدم الطيش، والعجلة. والعفة: تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح؛ من القول والفعل، وتحمله على الحياء، وهو رأس كل خير، وتمنعه من الفحشاء، والبخل، والكذب، والغيبة والنميمة. والشجاعة: تحمله على عزة النفس، وإيثار معالي الأخلاق والشيم، وعلى البذل والندى الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب، ومفارقته، وتحمله على كظم الغيظ، والحلم. والعدل: يحمله على اعتدال أخلاقه، وتوسطه فيها بين طرفي الإفراط والتفريط، فيحمله على خلق الجود والسخاء، الذي هو توسط بين التبذير والبخل، وعلى خلق الشجاعة الذي هو توسط بين الجبن والتهور، وعلى خلق الحلم الذي هو توسط بين الغضب والمهانة، وسقوط النفس. ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة هذه الأربعة. ومنشأ جميع الأخلاق السافلة وبناؤها على أربعة أركان: الجهل، والظلم، والشهوة، والغضب. فالجهل: يريه الحسن في صورة القبيح، والقبيح في صورة الحسن، والكمال نقصًا، والنقص كمالًا. والظلم: يحمله على وضع الشيء في غير موضعه، فيغضب في موضع الرضا، ويرضى في موضع الغضب، ويجهل في موضع الأناة، ويبخل في موضع البذل، ويبذل في موضع البخل، ويُجحم في موضع الإقدام، ويقدم في موضع الإحجام، ويلين في موضع الشدة، ويشتد في موضع اللين، ويتواضع في موضع العزة، ويتكبر في موضع التواضع. والشهوة: تحمله على الحرص، والشح، والبخل، وعدم العفة، والنهمة، والجشع، والذل، والدناءات كلها.

стр. 545

والغضب: يحمله على الكبر، والحقد، والحسد، والعداوات، والسفه» (١). ب- مراتب حسن الخلق: يمكن تقسيم مراتب حسن الخلق إلى مرتبتين: المرتبة الأولى: وهي المرتبة الكبرى والعظمى، وهي: حسن الخلق في معاملة الخالق ، وذلك بتصديق أخباره، وتلقي أحكامه بالقَبول والتسليم، وتلقي أقداره بالصبر والرضا، بالإيمان به ، وتوحيده بإثبات ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، وصرف جميع أنواع العبادة له وحده، والإخلاص له، وخوفه وخشيته، ورجاؤه، وتعظيمه، ومحبته، والإيمان بأركان الإيمان الستة، وبكل ما أوجب الإيمان به، والإسلام والانقياد له، وطاعته، واتباع شرعه، والرضا بقدره، والتسليم لأمره، وغير ذلك. المرتبة الثانية: حسن الخلق في التعامل مع الخلق، بمعاملتهم بالمعروف، وأداء حقوقهم الواجبة والمستحبة؛ من كف الأذى، وبذل الندى، وطلاقة الوجه، والإحسان، والعفو، وغير ذلك، وهذه المرتبة داخلة في المرتبة الأولى؛ لأن من حق الله تعالى: أداء حقوق عباده. والناس في هذا على أقسام: منهم من يوفَّق للقيام بحقوق الله تعالى، وحقوق عباده، وهذا هو الموفَّق حقًّا، وهو في المرتبة الأولى، ومنهم من يقوم بحقوق الله تعالى، ويفرط في حقوق عباده، أو يفرط في حقوق الله تعالى، ويقوم بحقوق عباده، وهذا مُفرط حقًّا، وأشد منه من يفرط في حقوق الله تعالى، وحقوق عباده. الوقفة الثالثة في: فضل حسن الخلق يعد حسن الخلق من أنبل الصفات، وأعظمها، وأفضلها، وأشرفها، ويكفي في ذلك وصف الله نبينا محمدًا ﷺ بذلك، وامتداحه به في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

стр. 546

[القلم: ٤]، فهو غاية الفضل، وأعلى الخصال، وأكمل الشمائل؛ لأن حقيقته الاستقامة التامة على دين الله ، وتقواه، وامتثال أمره للنبي ﷺ بقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وقد رغب ﷺ في حسن الخلق في أحاديث كثيرة، تدل على فضل حسن الخلق، وعلو مكانته، سبق ذِكر كثيرٍ منها. وعن النوَّاس بن سَمْعان ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم؟ فقال: «البِر: حسن خلق، والإثم: ما حاك في صدرك، وكرِهت أن يطلِع عليه الناس» (١). وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل المؤمنين إيمانًا: أحسنهم خُلقًا، وإن حسن الخلق ليبلغ درجة الصوم والصلاة» (٢). وعن أسامة بن شَريك ﵁، أن رسول الله ﷺ سئل: من أحب عباد الله إلى الله؟ قال: «أحسَنُهم خُلقًا» (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخِل الناس الجنة؟ قال: «تقوى الله وحُسن الخلق» (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مر رجل بغصن شجرة على طريق، فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين؛ لا يؤذيهم. فأُدخل الجنة» (٥).

стр. 547

وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله كريم، يحب الكرم، ومعاليَ الأخلاق، ويُبغِض سَفْسَافَها» (١). وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تَحقِرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلْقٍ» (٢). وعنه ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «تبسُّمك في وجه أخيك صدقة» (٣). وقال ﷺ لأشجِّ عبدِ القيس: «إن فيك خَصلتينِ يُحبهما الله: الحِلم والأناة» (٤). وعن ابن عباس ﵄ أن عُيينة بن حِصن بن حُذيفة دخل على عمر ﵁، فقال: هِي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجَزْلَ، ولا تحكم بيننا بالعدل. فغضِب عمر حتى هم أن يُوقِع به، فقال له الحرُّ بن قيس ابن أخي عُيينة: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وإن هذا من الجاهلين. فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافًا عند كتاب الله (٥). وكما رغَّب الإسلام في حسن الخلق، وحث عليه، وبيَّن فضله، فقد حذر من ضده، وهو سوء الخلق، بجميع مظاهره من الكفر، والفسوق، والعصيان، والكذب، والفجور، وقسوة القلوب، وجميع الشرور. قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ

стр. 548

لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣]. وقال تعالى محذِّرًا المؤمنين من أن يطول عليهم الأمر فتقسو قلوبهم كأهل الكتاب: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦]. وعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء» (١). قال حافظ إبراهيم (٢): فإذا رُزِقتَ خليقةً محمودةً فقد اصطفاك مقسِّمُ الأرزاقِ فالناس هذا حظُّه مال، وذا علم، وذاك مكارم الأخلاقِ وقال الآخر: أحبُّ مكارمَ الأخلاق جهدي وأكرَهُ أن أَعيبَ وأن أُعابا وأُعرِضُ عن سِبابِ الناسِ جَهدي وشرُّ الناس من يَهوَى السِّبابا (٣) الوقفة الرابعة في: الأسباب المعينة على حسن الخلق الأسباب المعينة على التحلي بحسن الخلق كثيرة جدًّا، من أهمها ما يلي: ١ التوفيق من الله تعالى للعبد، واصطفاؤه لهذا الخلق العظيم. ٢ الإخلاص لله تعالى، واتباع شرعه، والصدق في طلب النجاة.

стр. 549

٣ تدبر القرآن الكريم، وما جاء فيه من الترغيب والحث على حسن الخلق، وامتداح أهله، والثناء عليهم، وما فيه من الوعد والبشارة لهم في الدنيا والآخرة. ٤ التأمل في سيرة نبينا محمد ﷺ ، والاقتداء به، فلنا به أسوة صلوات الله وسلامه عليه، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]. ٥ التأمل في سنته ﷺ ، وما جاء فيها من الترغيب في حسن الخلق، وبيان فضله، وما أعد لأهله من الخير في الدنيا والآخرة. ٦ التأمل في سيرة السلف الصالح رضوان الله عليهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم، ومن بعدهم من أهل العلم والفضل، وما هم عليه من عظيم الأخلاق، وجليل الصفات. قال الشاعر: فتَشَبَّهوا إن لم تكونوا مِثْلَهم إن التشبهَ بالكرامِ فَلاحُ (١) ٧ صحبة الأخيار، ومجالسة الصالحين، فالمرء من جليسه، والصاحب ساحب، قال ﷺ : «المرء على دين خليله، فلينظرْ أحدكم من يُخالِل» (٢)، وقال ﷺ : «مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحاملِ المسكِ ونافخِ الكِير … » الحديث (٣). وقد قال الله : ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾

стр. 550

[الفرقان ٢٧ - ٢٩]. قال الشاعر: إذا ما صحِبتَ القومَ فاصحَبْ خِيارَهم … ولا تصحَبِ الأردَى فتَردَى مع الردِي عن المرءِ لا تسألْ وسَلْ عن قرينِه … فكلُّ قرينٍ بالمقارَنِ يَقتدي (١) وقال الآخر: عَدوَى البَليدِ إلى الجَليدِ سريعةٌ … والجمرُ يوضعُ في الرمادِ فيَخمُدُ (٢) وقال الآخر: اخترْ صديقَكَ واصطفيه تفاخُرًا … إن القرينَ إلى المقارَنِ يُنسَبُ (٣) ٨ دعاء الله ، والتضرع إليه بطلب الهداية إلى هذا الخُلق العظيم. قال ﷺ : «اهدني لأحسن الأخلاق؛ لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرِفْ عني سيئها؛ لا يصرف سيئها إلا أنت» (٤). وقال ﷺ : «اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق، والأعمال، والأهواء» (٥). وعن زيد بن أرقمَ ﵁، أن رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهمَّ آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خيرُ مَن زكاها، أنت وليُّها ومولاها» (٦). ٩ سلامة القلب من الحقد، والحسد، والغل على عباد الله تعالى، ومن الشح، والشحناء، والعداوة، والبغضاء.

стр. 551

قال الشاعر: مَن سالمَ الناسَ يَسلَم من غوائِلِهم … وعاش وهو قرين العين جَذلانُ (١) وقال الآخر: لما عفوتُ ولم أحقِدْ على أحد … أرحتُ نفسي من هم العَداواتِ (٢) وقال الآخر: لا يحمِلُ الحِقدَ مَن تعلو به الرُّتبُ … ولا ينال الرضا مَن طَبْعُه الغَضَبُ (٣) ١٠ مجاهدة النفس بالأخذ بمقومات حسن الخلق، وهي: الصبر، والعفة، والشجاعة، والعدل، فهذه أربعة هي أركان حسن الخلق، كما قال ابن القيم ﵀ (٤)، وهي التي بها مجاهدة النفس ومحاسبتها، حتى يكون حسن الخلق لها منهجًا وسلوكًا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وينبغي أن يعلم أن العلم بالتعلُّم، والحلم بالتحلُّم، والخلق بالتخلُّق، كما قال ﷺ : «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما العلم بالتعلم» (٥). وفي رواية عن أبي هريرة ﵁: «العلم بالتعلُّم، والحلم بالتحلُّم، ومن يتحرَّ الخير

стр. 552

يُعطَه، ومن يتوقَّ الشرَّ يُوقَه» (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملِك نفسه عند الغضب» (٢). وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: دُلَّني على عملٍ يُدخِلني الجنة. قال: «لا تغضَبْ» فردد مرارًا، قال: «لا تغضَب» (٣). قال الشاعر: بعلمٍ وحلمٍ سادَ في قومِه الفَتَى … وكونك إياه عليك يَسيرُ (٤) وقال الآخر: ولم أجد الأخلاق إلا تخلقًا … ولم أجد الأفضال إلا تفضلًا (٥) وقال الآخر: وما المرء إلا حيثُ يجعَلُ نفسَه … فكن طالبًا في الناسِ أعلى المَراتبِ (٦) وقال الآخر: وما المرءُ إلا حيثُ يجعَلُ نفسَه … ففي صالحِ الأعمالِ نفسَك فاجعَلِ (٧)

стр. 553

وقال المتنبي (١): على قدْرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ … وتأتي على قدْرِ الكِرامِ المَكارمُ وتعظُمُ في عينِ الصغيرِ صغارُها … وتصغُرُ في عينِ الكبيرِ العظائمُ وقال أيضًا (٢): وإذا كانتِ النفوسُ كِبارًا … تعِبتْ في مُرادِها الأجسامُ وقال الآخر: عوِّدْ لسانَكَ قولَ الصدقِ تَحظَ به … إن اللسانَ لما عودتَ يَعتادُ (٣) الوقفة الخامسة في: آثار حسن الخلق، ومنافعه، وثماره رتب الدين الإسلامي والشرع الحنيف على حسن الخلق آثارًا جليلة، ومنافع عظيمة، وثمارًا كثيرة، من أهمها ما يلي: ١ محبة الله تعالى لمن اتصف بحسن الخلق، وتوفيقه له، وثناؤه على المتصفين بذلك، وامتداحه لهم، وبشارته لهم، ووعدهم بالقبول. ٢ محبة الرسول ﷺ لأهل الخلق الحسن، وامتداحه لهم بكمال الإيمان والتقوى، والخيرية، والبر، وبشارته لهم بقربهم منه مجلسًا يوم القيامة. ٣ محبة المؤمنين لهم، وثناؤهم عليهم، ودعاؤهم لهم. ٤ سعادتهم في دنياهم، ومحبة الناس واحترامهم لهم وتقديرهم؛ لأن الأنفس جُبلت على حب من أحسن إليها، وحب من أحسن التعامل معها، ولو بكف شره وأذاه. ٥ كونهم دعاة إلى الإسلام بأخلاقهم، وتواضعهم، وأقوالهم، وأفعالهم، دون بذل

стр. 554

مال، أو غير ذلك، وقد قال الله للنبي ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وهكذا فتح الصحابة رضوان الله عليهم قلوب الناس للإسلام؛ بأخلاقهم، وتواضعهم، وأقوالهم، وأفعالهم الحسنة الحميدة. ٦ السلامة من نزغ الشيطان، وإفساده على المرء دينه، قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣]. قال عمر بن الخطاب ﵁ لقبيصة بن جابر: «إن الشاب يكون عنده عشرة أخلاق، تسعة منها حسنة، وخلق واحد سيئ، يفسد تلك التسعة، فإياك وعثرات الشباب!» (١). ٧ ثقل الموازين، والأجر العظيم، والظفر بخيري الدنيا والآخرة. ٨ دخول الجنة- نسأل الله من فضله-فقد سئل ﷺ : ما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: «تقوى الله، وحُسن الخلق» (٢). ٩ صلاح أمر العبد في دينه ودنياه وأخراه، وهذا مضمونُ ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وقد أحسن القائل: صلاحُ أمرِكَ للأخلاقِ مَرجِعُه … فقوِّمِ النفسَ بالأخلاقِ تَستقمِ (٣) وقال الآخر: كنِ ابنَ مَن شِئتَ واكتسِبْ أدبًا … يغنيك محمودُه عن النسَبِ إن الفتى من يقول: هأنذا … ليس الفتى مَن يقولُ: كان أبي (٤)

стр. 555

وقال الآخر: وهل ينفع الفتيانَ حسنُ وُجُوهِهم … إذا كانت الأخلاقُ غيرَ حِسانِ (١) ١٠ به رقي الأمم والشعوب، وتقدمها، قال أحمد شوقي: وإنما الأممُ الأخلاقُ ما بَقِيت … فإن همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذَهبوا (٢) وقال الآخر: وليس بعامرٍ بُنيانُ قومٍ … إذا أخلاقُهم كانت خَرابَا (٣) ١١ وأخيرًا فإن حسن الخلق غنيمة باردة لمن وفقه الله لذلك؛ قال ﷺ : «لا تحقرنَّ من المعروفِ شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلْق» (٤)، وقال ﷺ : «تبسُّمك في وجه أخيك صدقة» (٥). وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كلُّ سُلامى من الناس عليه صدقة» (٦)، وفي رواية قال: «أرأيت إن ضعفتُ عن بعض العمل؟ قال ﷺ : «تَكُفُّ شرَّك عن الناس؛ فإنها صدقةٌ منك على نفسك» (٧).

стр. 556

وقفتان في: مشروعية الوقف قال الله تعالى: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠] الوقفة الأولى معنى الوقف، وحكمه، وحكمته، وأقسامه أ- معنى الوقف: الوقف في اللغة: الحبس والمنع (١). وفي الشرع: تحبيس الأصل، وتسبيل الثمرة (٢). يقال: الوقف، والمراد به الموقوف. ب- حكم الوقف: الوقف مستحَبٌّ ومندوب إليه، وهو نوع من الصدقة التي تواترت الأدلة من الكتاب والسنة على الحث عليها والترغيب فيها، وسيأتي ذِكرُ بعضها. ج- الحكمة من مشروعية الوقف: الحكمة من مشروعية الوقف تتمثل في أمرين: الأول: حصول الواقف على الأجر العظيم في حياته، الذي يبقى ويستمر بعد وفاته، ولهذا فإن من شرط صحة الوقف الشرعي: أن يكون خالصًا لوجه الله تعالى، وأن يكون في سبل البر والخير، وفيما يجوز، لا فيما يحرُم. الثاني: تأمين مصدر اقتصادي لدعم جهات الخير والبر والإحسان في الأمة الإسلامية

стр. 557

من مساعدة الفقراء، والمساكين، والمحتاجين، وبناء المساجد والمدارس، ودور الرعاية، والمستشفيات، وحفر الآبار، وإجراء الأنهار، وفتح الطرق وتعبيدها، وغير ذلك. د- أقسام الوقف: ينقسم الوقف إلى أقسام ثلاثة: القسم الأول: الوقف الخاص، وهو الوقف على أناس معينين؛ كالذرية والأهل والأقارب، أو على الفقراء خاصة، أو على أي جهة؛ كبناء المساجد، أو غير ذلك، وهذا يجب فيه الأخذ بنص الواقف وشرطه، وصرفه فيما خصص له. القسم الثاني: الوقف العام على جهات الخير والبر والإحسان؛ من مساعدة الفقراء، والمساكين، والمحتاجين، وبناء المساجد، والمدارس، والمستشفيات، ودور الرعاية، وحفر الآبار، وإجراء الأنهار، وغير ذلك. القسم الثالث: الوقف المشترك وهو الذي يجمع فيه الواقف بين الوقف الخاص على أناس معينين؛ كالذرية ونحوهم، أو على جهات معينة؛ كالفقراء، أو بناء المساجد، أو غير ذلك، وبين الوقف العام على جهات الخير والبر والإحسان، وهذا أفضل. وينبغي أن يحرص الواقف على الجمع بين الحسنيين، فيجعل من الوقف نصيبًا خاصًّا على ذريته، وأقاربه، وخاصة المحتاجين منهم، ويجعل منه نصيبًا عامًّا على جهات الخير والبر والإحسان. وينبغي أن يجعل للناظر الحق في صرفه على ما يراه أولى من هذه الجهات. الوقفة الثانية فضل الوقف وأهميته، ومصارفه أ- فضل الوقف وأهميته: الوقف من أفضل أعمال الخير والبر والإحسان، وهو صدقة جارية، وقد توافرت

стр. 558

الأدلة من الكتاب والسنة على الأمر بفعل الخير والمسابقة إليه، وبيان فضل الصدقة، وعظيم أجرها، وجزيل ثوابها. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨، والمائدة: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ١١٠]. وقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥]. وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]. وقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، وقال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وقال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧]، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١]، وقال تعالى:

стр. 559

﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٨، ٩]. وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أصاب عمر أرضًا بخيبر، فأتى رسول الله ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضًا بخيبر لم أُصِبْ مالًا قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟ قال: «إن شئت حبستَ أصلها، وتصدقت بها». قال: فتصدق بها عمر، أنه لا يباع أصلها، ولا يبتاع، ولا يورث، ولا يوهب، قال: فتصدق عمر في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، ولا جناح على من وليها أن يأكل بالمعروف، أو يطعم صديقًا غير متمول فيه» (١). وجاء في رواية: «حبِّسْ أصْلَها، وسبِّلْ ثَمَرَتَها» (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، وإن الله يتقبَّلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فَلُوَّه، حتى تكون مثل الجبل» (٤).

стр. 560

وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يا ابن آدم، أنفِقْ أُنفِقْ عليك» (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من نفَّس عن مؤمنٍ كُربةً من كُرَب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسِرٍ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «في كل ذات كبِدٍ رطبةٍ أجر» (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خير الصدقة ما كان عن ظهر غِنًى، وابدأ بمَن تعول» (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علمًا علمه ونشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، يلحقه من بعد موته» (٥). قال السيوطي: إذا مات ابنُ آدمَ ليسَ يَجري … عليه من فعال غير عشرِ علوم بثَّها ودعاء نَجْلٍ … وغرس النخلِ والصدقات تَجري

стр. 561

وراثة مُصحَفٍ ورِباط ثَغْرٍ … وحفر البئرِ أو إجراء نَهرِ وبيت للغَريبِ بناه يأوِي … إليه أو بناء محلِّ ذِكْرِ (١) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ذو قُدرة إلا وقف» (٢). وقد ذُكر أن رجلًا جاء إلى العلامة عبد الرحمن بن ناصر السِّعدي ﵀، فسأله: أيهما أفضل: الصدقة حال الحياة أو الوصية؟ فقال له: أيهما أفضل: أن يكون أمامك سراج واحد، أو أن يكون خلفك سراجان؟ فقال الرجل: بل الأفضل أن يكون أمامي سراج واحد، فقال: إذن فتصدَّقْ وأنت حيٌّ. أو كما قال ﵀. وذُكر أيضًا أن رجلًا جاء إلى سماحة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد ﵀ فسأله: أيهما أفضل: الوقف والصدقة، أو الوصية؟ فقال له ﵀: أيهما أفضل إذا أردت أن تسافر: أن تحمل زادك معك، أو تقول لأولادك: اتبعوني بالزاد؟ قال: بل الأفضل أن أحمله معي، فقال: إذن فالوقف والصدقة في الحياة أفضل، أو كما قال ﵀. ب- مصارف الوقف: مصارف الوقف الخاص هي ما نص عليه الواقف: أما مصارف الوقف العام المطلق في وجوه الخير والبر والإحسان كلها فيجب على الناظر على الوقف أن يجتهد في النظر في الأَوْلى والأحوج من وجوه البر في كل وقت وحال؛ من مساعدة الفقراء، والمساكين، أو تعليم القرآن والسنة، والإنفاق على طلاب العلم، أو بناء المساجد والمدارس، والمستشفيات، أو دور الرعاية، أو كفالة الأيتام،

стр. 562

والأرامل، أو حفر الآبار، أو إجراء الأنهار، أو فتح الطرق، أو غير ذلك. ولا مانع أن يصرف غلة الوقف في مصرف واحد عند اشتداد الحاجة، كما إذا حل بالناس مجاعة وقحط وجدب فيجعله كله في إطعام المحتاجين، وإنقاذهم من الموت. ومثله إذا احتاج الناس لبناء مسجد، أو حفر بئر، أو غير ذلك، كما أنه لا مانع أن يجعله هذه السَّنةَ في مَصرِف، والتي بعدها في مصرف آخر، وهكذا، لكن عليه الاجتهاد في صرفه فيما هو أولى وأحق وأحوج حسب طاقته وقدرته. ج- وصيتي لأصحاب الأموال: أوصي أصحاب الأموال من رجال الأعمال وغيرهم بأمرين: الأمر الأول: أن يتأمل كل منهم قول الله : ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧]، وقوله : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١]، وقوله : ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١٨]. وقوله ﷺ : «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (١). الأمر الثاني: أن يبادر كل منهم إلى تخصيص قسط من ماله، وجعله وقفًا ومَبَرة خيرية يديرها بنفسه، ويضع أسسها وينظم عملها في حياته، ويطمئن إلى بقائها واستمرارها بعد وفاته، وحبذا كونها في بلده؛ ليستفيد منها أقاربه وجيرانه، وأهل الحاجة في بلده، فالأقربون أولى بالمعروف. والملاحَظ أن كثيرًا من الأوقاف تتعثر بعد وفاة الواقف لأسباب عدة، لكن إذا أسسها الإنسان بنفسه في حياته، ونظمها بدءًا بأصولها، وانتهاء بثمرتها، ومخرجاتها، ومصارفها، فهذا بإذن الله تعالى من أسباب ضمان استمرارها وبقائها.

стр. 563

قال ﷺ : «وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لبِستَ فأبليتَ، أو تصدقتَ فأمضيتَ» (١). وفي رواية: «وما سِوى ذلك فذاهبٌ وتاركه للناس» (٢).

стр. 564

وقفة في: العدل والإنصاف من النفس قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾ [المطففين: ١ - ٣] العدل هو: الحكم بالحق، وقول الحق، ضد الجور والظلم، والكذب، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]، أي: بالعدل، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢] والإنصاف: قول الإنسان الحق، والحكم به على نفسه، أي: إعطاء الآخرين من نفسه كالذي يستحقه لنفسه، أي: العدل بأخذ الحق، وإعطاء الحق (١). وأكثر ما يُستعمل الإنصاف في الإنصاف من النفس، فهو أخص من العدل، كما يُستعمل بمعنى العدل بمعناه العام. أما العدل فهو عام في العدل في الأمور كلها، مع النفس، ومع جميع الخلق، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] وهو عام في أداء جميع حقوق الله تعالى، وحقوق الخلق. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨].

стр. 565

وقال ﷺ : «إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولزوجك عليك حقًّا، ولزَوْرِك عليك حقًّا، فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه» (١). وأساس العدل التوحيد، وهو عام في أداء جميع حقوق الله تعالى، وحقوق الخلق. والأدلة الدالة على وجوب العدل، والنهي عن ضده، من الجور والظلم دالة على وجوب الإنصاف من النفس من باب أولى؛ لأن أعدل العدل الإنصاف من النفس، وقول الحق على النفس ولو كان مرًّا. والإنصاف من النفس مركب صعب، لا يستطيعه، ولا يلقاه إلا ذو حظ عظيم، اختاره الله تعالى، واصطفاه ووفقه. فكم من إنسانٍ يستطيع قيام الليل، وصيام النهار، وإنفاق الأموال في أعمال البر، والقيام بكثير من الطاعات، لكنه يقف عاجزًا عن الإنصاف من نفسه، وإن ادعى ذلك، فهو كما قيل (٢): وكلٌّ يَدَّعي وصلًا بليلى … وليلى لا تُقِرُّ لهم بِذَاكَا وصدق القائل (٣): ومن قلةِ الإنصافِ أنك تَبتغي الـ … مهذبَ في الدنيا ولستَ المهذبا عن المَعرور بن سُويد ﵁ قال: لقِيتُ أبا ذر بالرَّبَذَة، وعليه حُلة، وعلى غلامه حلة، فسألتُه عن ذلك، فقال: إني ساببتُ رجلًا فعيرتُه بأُمه، فقال لي النبي ﷺ : «يا أبا ذرٍّ، أعيرتَه بأُمِّه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خَوَلُكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فلْيطعمه مما يَطعَم، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم من الأعمال ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» (٤).
следующие страницы →