← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 800

مراقي العزة ومقومات السعادة

سليمان اللاحم

Полный текст (723 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وراثة مُصحَفٍ ورِباط ثَغْرٍ … وحفر البئرِ أو إجراء نَهرِ وبيت للغَريبِ بناه يأوِي … إليه أو بناء محلِّ ذِكْرِ (١) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ذو قُدرة إلا وقف» (٢). وقد ذُكر أن رجلًا جاء إلى العلامة عبد الرحمن بن ناصر السِّعدي ﵀، فسأله: أيهما أفضل: الصدقة حال الحياة أو الوصية؟ فقال له: أيهما أفضل: أن يكون أمامك سراج واحد، أو أن يكون خلفك سراجان؟ فقال الرجل: بل الأفضل أن يكون أمامي سراج واحد، فقال: إذن فتصدَّقْ وأنت حيٌّ. أو كما قال ﵀. وذُكر أيضًا أن رجلًا جاء إلى سماحة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد ﵀ فسأله: أيهما أفضل: الوقف والصدقة، أو الوصية؟ فقال له ﵀: أيهما أفضل إذا أردت أن تسافر: أن تحمل زادك معك، أو تقول لأولادك: اتبعوني بالزاد؟ قال: بل الأفضل أن أحمله معي، فقال: إذن فالوقف والصدقة في الحياة أفضل، أو كما قال ﵀. ب- مصارف الوقف: مصارف الوقف الخاص هي ما نص عليه الواقف: أما مصارف الوقف العام المطلق في وجوه الخير والبر والإحسان كلها فيجب على الناظر على الوقف أن يجتهد في النظر في الأَوْلى والأحوج من وجوه البر في كل وقت وحال؛ من مساعدة الفقراء، والمساكين، أو تعليم القرآن والسنة، والإنفاق على طلاب العلم، أو بناء المساجد والمدارس، والمستشفيات، أو دور الرعاية، أو كفالة الأيتام،

стр. 562

والأرامل، أو حفر الآبار، أو إجراء الأنهار، أو فتح الطرق، أو غير ذلك. ولا مانع أن يصرف غلة الوقف في مصرف واحد عند اشتداد الحاجة، كما إذا حل بالناس مجاعة وقحط وجدب فيجعله كله في إطعام المحتاجين، وإنقاذهم من الموت. ومثله إذا احتاج الناس لبناء مسجد، أو حفر بئر، أو غير ذلك، كما أنه لا مانع أن يجعله هذه السَّنةَ في مَصرِف، والتي بعدها في مصرف آخر، وهكذا، لكن عليه الاجتهاد في صرفه فيما هو أولى وأحق وأحوج حسب طاقته وقدرته. ج- وصيتي لأصحاب الأموال: أوصي أصحاب الأموال من رجال الأعمال وغيرهم بأمرين: الأمر الأول: أن يتأمل كل منهم قول الله : ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧]، وقوله : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١]، وقوله : ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١٨]. وقوله ﷺ : «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (١). الأمر الثاني: أن يبادر كل منهم إلى تخصيص قسط من ماله، وجعله وقفًا ومَبَرة خيرية يديرها بنفسه، ويضع أسسها وينظم عملها في حياته، ويطمئن إلى بقائها واستمرارها بعد وفاته، وحبذا كونها في بلده؛ ليستفيد منها أقاربه وجيرانه، وأهل الحاجة في بلده، فالأقربون أولى بالمعروف. والملاحَظ أن كثيرًا من الأوقاف تتعثر بعد وفاة الواقف لأسباب عدة، لكن إذا أسسها الإنسان بنفسه في حياته، ونظمها بدءًا بأصولها، وانتهاء بثمرتها، ومخرجاتها، ومصارفها، فهذا بإذن الله تعالى من أسباب ضمان استمرارها وبقائها.

стр. 563

قال ﷺ : «وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لبِستَ فأبليتَ، أو تصدقتَ فأمضيتَ» (١). وفي رواية: «وما سِوى ذلك فذاهبٌ وتاركه للناس» (٢).

стр. 564

وقفة في: العدل والإنصاف من النفس قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾ [المطففين: ١ - ٣] العدل هو: الحكم بالحق، وقول الحق، ضد الجور والظلم، والكذب، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]، أي: بالعدل، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢] والإنصاف: قول الإنسان الحق، والحكم به على نفسه، أي: إعطاء الآخرين من نفسه كالذي يستحقه لنفسه، أي: العدل بأخذ الحق، وإعطاء الحق (١). وأكثر ما يُستعمل الإنصاف في الإنصاف من النفس، فهو أخص من العدل، كما يُستعمل بمعنى العدل بمعناه العام. أما العدل فهو عام في العدل في الأمور كلها، مع النفس، ومع جميع الخلق، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] وهو عام في أداء جميع حقوق الله تعالى، وحقوق الخلق. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨].

стр. 565

وقال ﷺ : «إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولزوجك عليك حقًّا، ولزَوْرِك عليك حقًّا، فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه» (١). وأساس العدل التوحيد، وهو عام في أداء جميع حقوق الله تعالى، وحقوق الخلق. والأدلة الدالة على وجوب العدل، والنهي عن ضده، من الجور والظلم دالة على وجوب الإنصاف من النفس من باب أولى؛ لأن أعدل العدل الإنصاف من النفس، وقول الحق على النفس ولو كان مرًّا. والإنصاف من النفس مركب صعب، لا يستطيعه، ولا يلقاه إلا ذو حظ عظيم، اختاره الله تعالى، واصطفاه ووفقه. فكم من إنسانٍ يستطيع قيام الليل، وصيام النهار، وإنفاق الأموال في أعمال البر، والقيام بكثير من الطاعات، لكنه يقف عاجزًا عن الإنصاف من نفسه، وإن ادعى ذلك، فهو كما قيل (٢): وكلٌّ يَدَّعي وصلًا بليلى … وليلى لا تُقِرُّ لهم بِذَاكَا وصدق القائل (٣): ومن قلةِ الإنصافِ أنك تَبتغي الـ … مهذبَ في الدنيا ولستَ المهذبا عن المَعرور بن سُويد ﵁ قال: لقِيتُ أبا ذر بالرَّبَذَة، وعليه حُلة، وعلى غلامه حلة، فسألتُه عن ذلك، فقال: إني ساببتُ رجلًا فعيرتُه بأُمه، فقال لي النبي ﷺ : «يا أبا ذرٍّ، أعيرتَه بأُمِّه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خَوَلُكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فلْيطعمه مما يَطعَم، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم من الأعمال ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» (٤).

стр. 566

وفي هذا أروع الأمثلة في الإنصاف، فرضي الله عنك يا أبا ذرٍّ وأرضاك. وقد أعجبني موقف لأحد أعمامي ﵀ جاء يخطب لابنِه ابنةَ خالٍ له ﵀، فقال له خاله: يا أبا محمد، هل تشير بولدك؟ يعني: هل تنصحني أن أزوجه؟ فقال ﵀: لا والله يا خال، ما أشير به. يعني: لا أنصحك بتزويجه. وكان ﵀ لاحظ على ابنه أمرًا يسيرًا لا يمنع من تزويجه- اللهم اغفر له وارحمه-. جاء يخطب لولده، وأشار على والد البنت ألا يزوجه لما استشاره! ما أصعبَ هذا وأشدَّه على النفوس! اللهم وفقنا للإنصاف من أنفسنا، وقول الحق وقبوله، وإن كان علينا، اللهم آمين، يا رب العالمين.

стр. 567

وقفة في: فضل عشر ذي الحجة، وفضل الأعمال الصالحة فيها، والأعمال التي تتأكد مشروعيتها فيها قال الله تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١] أ- فضل عشر ذي الحجة، وفضل الأعمال الصالحة فيها: عشر ذي الحجة من أفضل الليالي والأيام، أقسم الله بها، فقال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١، ٢]، وقال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٧]. وهي أيام العشر، وأيام التشريق. والعمل الصالح في هذه الأيام العشرِ من أحب الأعمال إلى الله تعالى، وأفضلها، فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من أيام العملُ الصالحُ فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر». قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسِه وماله، ولم يرجع من ذلك بشيء» (١). والعمل الصالح يشمل الواجب والمندوب. وأحب الأعمال إلى الله تعالى، وأفضلها في هذه الأيام العشر- كما هو في غيرها-المحافظة على الفرائض؛ على الصلاة في وقتها، وعلى صلاة الجماعة، وأداء حقوق الله تعالى، وحقوق الخلق، كما قال تعالى في الحديث القدسي: «وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء

стр. 568

أحب إليَّ مما افترضتُه عليه» (١). كما يُستحب الإكثار فيها من نوافل العبادات من الصلاة، والصدقة، والصيام، والذكر، وقراءة القرآن، والدعوة إلى الخير، وغير ذلك من الأعمال الصالحة، مع الكف عن المحرمات، وما لا ينبغي. ب- الأعمال التي تتأكد مشروعيتها في عشر ذي الحجة: كل الأعمال الصالحة مشروعة في هذه الأيام العشر، كما دل على ذلك حديث ابن عباس ﵄ وغيره. لكن هناك أعمال خمسة تتأكد مشروعيتها أكثر من غيرها، وهي كما يلي: أولًا: التكبير، وهو شعار هذه الأيام العشر، ومن أفضل الأعمال فيها؛ عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من أيام أعظم عند الله، ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل، والتكبير، والتحميد» (٢). وقد ثبت عن ابن عمر وأبي هريرة ﵄ أنهما كانا يخرجان إلى السوق فيكبران، فيكبر الناس بتكبيرهما (٣). فينبغي أن يعج الناس بالتكبير في مساجدهم، وبيوتهم، ومحلات عملهم، وأسواقهم: «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد» وبغير ذلك من صيغ التكبير الثابتة. وينبغي إحياء سنة التكبير في مجامع الناس تعليمًا لهم، ودعوة، وتذكيرًا؛ فإن من

стр. 569

احتسب وخرج يكبر في مجامع الناس، في الأسواق، وأماكن العمل، والأماكن العامة، وغير ذلك، فإن له أجور مَنِ اقتدوْا به، وقد يفوق بعمله هذا عمل من يقوم الليل، ويصوم النهار؛ لأن عمله هذا من الأعمال المتعدية، التي يتعدى نفعها إلى المسلمين، ومن الدعوة إلى الله، ونشر الخير. وقد كان هذا هو دأب السلف ﵏ إلى عهد قريب. والتكبير منه: التكبير المطلق الذي يبدأ بدخول شهر ذي الحجة، ويستمر إلى عصر آخر أيام التشريق، ويكون في جميع الأوقات. ومنه التكبير المقيد بأدبار الصلوات الخمس، الذي يبدأ من فجر يوم عرفة، إلى عصر آخر أيام التشريق. ووقته: بعد أن يسلم من الصلاة، يستغفر الله ثلاثًا، ثم يقول: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام»، ثم يشرع في التكبير (١). فيقول: «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد» أو غير ذلك من صيغ التكبير الثابتة، ويستحب أن يكرر التكبير ثلاثًا، ثم يكمل بقية الأذكار الواردة بعد الصلاة. جاء في: «مجموع فتاوى ابن باز» ﵀ (٢): «سائل يسأل عن التكبير المطلق والمقيد في عيد الأضحى؟ الجواب: الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما التكبير في الأضحى فمشروع من أول الشهر إلى نهاية اليوم الثالث عشر من شهر

стр. 570

ذي الحجة؛ لقول الله سبحانه: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ الآية، وهي أيام العشر، وقوله : ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ الآية، وهي أيام التشريق؛ ولقول النبي ﷺ : «أيام التشريق أيام أكلٍ وشربٍ وذِكر الله »؛ رواه مسلم في «صحيحه» (١)، وذكر البخاري في «صحيحه» تعليقًا عن ابن عمر وأبي هريرة ﵄ أنهما كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما (٢). وكان عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ﵄ يكبران في أيام منًى في المسجد وفي الخيمة ويرفعان أصواتهما بذلك حتى ترتجَّ منًى تكبيرًا (٣). ورُوي عن النبي ﷺ وعن جماعة من الصحابة ﵃ التكبير في أدبار الصلوات الخمس من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم الثالث عشر من ذي الحجة (٤)، وهذا في حق غير الحاج، أما الحاج فيشتغل في حال إحرامه بالتلبية حتى يرميَ جمرة العقبة يوم النحر، وبعد ذلك يشتغل بالتكبير، ويبدأ التكبير عند أول حصاةٍ من رمي الجمرة المذكورة، وإن كبر مع التلبية فلا بأس؛ لقول أنس ﵁: «كان يلبي الملبي يوم عرفة فلا ينكَر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه»، ولكن الأفضل في حق المحرم هو التلبية، وفي حق الحلال هو التكبير في الأيام المذكورة».

стр. 571

وبهذا تعلم أن التكبير المطلق والمقيد يجتمعان في أصح أقوال العلماء في خمسة أيام، وهي: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق الثلاثة. وأما اليوم الثامن وما قبله إلى أول الشهر فالتكبير فيه مطلق لا مقيد؛ لما تقدم من الآية والآثار، وفي المسند عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ، أنه قال: «ما من أيامٍ أعظمُ عند الله ولا أحبُّ إليه العملُ فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثِروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد»، أو كما قال ﵊». ثانيًا: الحج: مما تتأكد مشروعيته في هذه الأيام الحج، لمن تيسر له ذلك، ويجب على من لم يحج فرضه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. وقال ﷺ : «إن الله كتب عليكم الحج، فحُجوا» (١). وقال ﷺ : «من حج ولم يرفُث، ولم يفسُق، رجع من ذنوبِه كيومَ وَلَدَتْه أُمه» (٢). وقال ﷺ : «الحج المبرورُ ليس له جزاء إلا الجنة» (٣). وعلى المسلم ألا يجعل الحج لزامًا كل عام، ويرتكب من أجل ذلك كثيرًا من المخالفات؛ من مخالفة أنظمة الحج، والدخول حيلة، وبدون إحرام، وأذية رجال الأمن والقائمين على تنظيم الحج، وليعلم أن ما عند الله لا يُنال بهذه الوسائل الملتوية. وبإمكان من يريد أن يُكتب له ثواب الحج: أن يبحث عمن لم يحج ممن لا يستطيعون ذلك ماليًّا، فيدفع له تكلفة الحج، ويفعل ذلك كل سنة، فمن جهز غازيًا فقد غزا، وبإمكانه أن يتصدق بذلك على أهل الفقر والحاجة، فذلك أولى من ارتكاب المخالفات.

стр. 572

ثالثًا: صيام يوم عرفة، فعن أبي قتادة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «صيام يوم عرفة، أحتسِب على الله أن يكفر السنةَ التي قبله، والسنة التي بعده» (١). ويوم عرفة من أفضل الأيام، فينبغي الإكثار فيه من الدعاء؛ لأنه يوم تتنزل فيه الرحمة، ويتجاوز الله فيه عن الذنوب العظام، كما في حديث طلحة بن عبيد الله بن كَريز (٢). رابعًا: صلاة العيد: أجمع العلماء على أن صلاة العيدين مشروعة؛ لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]؛ أي: فصلِّ صلاة العيد، وانحر أُضحِيَّتَك، وهذه الآية في صلاة عيد الأضحى بدلالة قوله: ﴿وَانْحَرْ﴾. ومن أهل العلم من قال: هذه الآية عامة، وليست خاصة بصلاة العيد، ونحر الأضحية؛ أي: أفرد ربك بالصلاة والذبح، فهي كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]. فلا دلالة في الآية على مشروعية صلاة العيد، ولا على وجوبها. وعن أم عطية ﵂ قالت: أمرنا رسول الله أن نخرجهن في الفطر، والأضحى: العواتق (٣) والحُيَّض، وذوات الخُدُور (٤). فأما الحيَّض فيعتزِلن الصلاة، ويشهَدن الخير، ودعوة المسلمين. قلت: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جِلباب؟ قال: «لِتُلْبِسْها أختها

стр. 573

من جلبابها» (١). وقد اختلف أهل العلم في حكم صلاة العيدين- بعد إجماعهم على مشروعيتها- على أقوال ثلاثة: القول الأول: أنها سنة مؤكدة، وبهذا قال الإمام مالك (٢)، والإمام الشافعي (٣) -رحمهما الله-، وهو رواية عن أبي حنيفة (٤)، وأحمد (٥) -رحمهما الله-، وهو قول أكثر أهل العلم من السلف والخلف (٦). واستدلوا على كونها سنةً مؤكدةً بحديث أم عطيةَ ﵂. وأجابوا عن الآية: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] بأن المراد بها: إفراد الله تعالى بالصلاة والذبح عمومًا، وليست خاصة بصلاة العيد ونحر الأضحية، كما سبق ذكره. كما استدلوا على عدم وجوب صلاة العيدين بحديث طلحة بن عبيد الله ﵁، وقوله ﷺ فيه للأعرابي، لما سأله عن الإسلام، قال: «خمس صلوات في اليوم والليلة». فقال الأعرابي: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تَطَوَّع» (٧). واستدلوا بحديث الإسراء، أن الله فرض عليه، وعلى أمته خمس صلوات، وقال: «هي خمسٌ وهي خمسون» (٨)، فلو كان هناك صلاة واجبة غيرهن لذكرها.

стр. 574

كما استدلوا بحديث ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن، فقال: «ادعهم إلى شهادة أنْ لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلِمْهم أن قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة» (١)، ولو كان هناك صلاة واجبة غيرهن لذكرها. القول الثاني: أنها فرض كفاية، وبهذا قال الإمام أحمد ﵀ (٢)، وبعض الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥). واستدلوا بأدلة القول الأول، وأنها تدل على فرض الكفاية. القول الثالث: أنها واجبة على الأعيان، ومن تركها من غير عذرٍ فهو آثِم، وبهذا قال الإمام أبو حنيفة ﵀ (٦)، وقال به ابن حبيب من المالكية (٧)، وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀ (٨). واستدلوا على هذا بالآية: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، وبحديث أم عطية ﵂، وبمواظبة النبي ﷺ عليها. واختار هذا جمْعٌ من المحققين، منهم: ابن تيمية (٩)، وابن القيم (١٠)، والصنعاني (١١)، والشوكاني (١٢)، وابن باز (١٣)، وابن عثيمين (١٤) ﵏.

стр. 575

خامسًا: الأضحية، وهي مشروعة بإجماع أهل العلم؛ لما ثبت أن النبي ﷺ ضحى بكبشين أَملَحينِ أقرنينِ (١). وعن أم سلمة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا دخلتِ العشر، وأراد أحدُكم أن يضحيَ، فلا يمَسَّ من شعرِه وبَشَرِه شيئًا» (٢). واختلف العلماء في حكم الأُضحيةِ على قولين: القول الأول: أنها سُنة مؤكَّدة، وليست بواجبةٍ. وبهذا قال الشافعي (٣)، وأحمد (٤) -رحمهما الله-، وهو المشهور عند المالكية (٥)، وهو قول للحنفية (٦)، وبه قال أكثرُ أهل العلم، قال ابن قُدامة (٧): «أكثرُ أهل العلم يَرَون الأُضحيَّةَ سنةً مؤكدةً، غير واجبة، رُوي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وبلال، وأبي مسعود البدري ﵃، وبه قال سُويد بن غَفَلة، وسعيد بن المسيَّب، وعلقمة، والأسود، وعطاءٌ، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثَور، وابن المنذر». واستدلوا على أنها سُنة مؤكدة بكونه ﷺ كان يضحي؛ كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة. كما استدلوا بفعل الصحابة ﵃، فقد كانوا يضحون في حياته ﷺ ، وبعد وفاته. كما استدلوا على عدم وجوبها بقوله ﷺ في حديث أم سلمة ﵂: «وأراد أن يضحي» فتفويض الأمر إلى الإرادة دليل على عدم الوجوب، وهذا ظاهر.

стр. 576

واستدلوا أيضًا على عدم الوجوب بأن أبا بكر، وعمر ﵄ لا يضحيان؛ كراهية أن يُقتدى بهما (١). قال ابن باز ﵀: «حكم الأضحية سنة مع اليسار، وليست بواجبةٍ؛ لأن النبي ﷺ كان يضحي بكبشين أملحين، وكان الصحابة يضحون في حياته ﷺ ، وبعد وفاته، وهكذا كان المسلمون بعدهم، ولم يرِد في الأدلة الشرعية ما يدل على وجوبها، والقول بالوجوب قول ضعيف» (٢). القول الثاني: أنها واجبة. وبهذا قال أبو حنيفة (٣)، ومالك (٤) -رحمهما الله-، وهو رواية عن أحمد ﵀ (٥)، وهو قول ربيعة، والليث، والنووي، والأوزاعي (٦)، ﵏. ومن أظهر ما استدلوا به قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]. قالوا: المراد بالآية صلاة العيد، ونحر الأضحية. وقد تقدم بيان أن أكثر أهل العلم على أن الآية عامة في الصلاة، وفي الذبح، وليس المراد بها صلاة العيد، ونحر الأُضحية. كما استدلوا بقوله ﷺ في حديث: «من ذبح قبل الصلاة فلْيذبح شاةً مكانها، ومن لم يكن ذبح فليذبح على اسم الله» (٧). قالوا: لو لم تكن الأضحية واجبةً؛ لما أمر من ذبح قبل الصلاة بذبح شاة مكانها.

стр. 577

وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، والشيخ محمد بن صالح العثيمين (٢) -رحمهما الله-. وبِناءً على هذا الاختلاف في حكم الأضحية، فالأَولى: عدم تركها لمن كان ذا سعة، أما من لم يكن ذا سعة، فلا ينبغي أن يشق على نفسه، فقد ضحى النبي ﷺ عمن لم يضحِّ من أمته صلوات الله تعالى وسلامه عليه. هذه الأعمال الخمسة: التكبير، والحج، وصيام عرفة، وصلاة العيد، والأضحية تتأكد مشروعيتها في هذه الأيام العشر. وينبغي للمسلم فيها- بعد المحافظة على الفرائض والواجبات، وترك المنهيات- الإكثار من الأعمال الصالحة؛ من النوافل، من الصلاة والصدقة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والصيام، والذكر، وقراءة القرآن، والدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإصلاح بين الناس، وغير ذلك من أعمال البر والخير. وأفضل الأعمال بعد الأعمال الخمسة التي تتأكد في هذه الأيام العشر: ما كان متعديًا نفعه إلى الآخرين؛ كالدعوة إلى الله تعالى، وتعليم القرآن الكريم والعلم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبر الوالدين، والصدقة، وصلة الأرحام، والإصلاح بين الناس، وغير ذلك من الأعمال التي يتعدى نفعها إلى المسلمين، التي هي أفضل من الأعمال التي لا يتعدى نفعها؛ مثل: الصيام والقيام ونحو ذلك. والموَفَّقُ من جمع بين هذا وهذا. وإذا كان الإنسان إذا صام لا يستطيع القيام بهذه الأعمال بسبب النوم أو غير ذلك، فالأولى ألا يصوم ويتفرغ لهذه الأعمال؛ فهي أفضل وأجل وأعظم. ومثل هذا يقال للمرأة التي تصوم وتقصر في خدمة زوجها وأولاده، بسبب النوم أو غير ذلك، فقيامها بخدمة زوجها وأولاده أولى لها، وأفضل من الصوم، بل أحق وأوجب.

стр. 578

وقد كانت عائشة ﵂ يكون عليها الصوم من رمضان فلا تقضي إلا في شعبان؛ مراعاة للنبي ﷺ ، كما قالت ﵂ (١).

стр. 579

وقفة في: التيمن قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)﴾ [البلد: ١٨] أ- معنى التيمن: قال ابن منظور (١): «التيمن: الابتداء في الأفعال باليد اليمنى، والرجل اليمنى، والجانب الأيمن». وعلى هذا فالتيمن والتيامن: الابتداء بعمل الأشياء كلها ومباشرتها باليمين. ب- فضل اليمين، ومشروعية التيمن وفضله: قدم الله في القرآن الكريم ذكر اليمين على الشمال، وأثنى على أصحاب اليمين وامتدحهم، وبين عِظم ما أعده لهم من الثواب، والأجر العظيم، فقال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ الآيات [الواقعة: ٢٧ - ٤٠]. وقال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٦ - ٣٨]، وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٣٨ - ٤٢]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [الإسراء: ٧١]، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩، ٢٠]، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾

стр. 580

[البلد: ١٧ - ٢٠]. وعن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعُّله، وترجُّله، وطهوره، وفي شأنه كله» (١). وعنها ﵂ قالت: «كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه، وما كان من أذًى» (٢). وفي رواية: أنه ﷺ يحب التيمن ما استطاعَ (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا نزع فليبدأ بالشمال، لتكن اليمين أولَهما تُنعل، وآخِرَهما تُنزع» (٤). وعن عمر بن أبي سلمة ﵁ قال: كنت في حَجْر رسول الله ﷺ ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال رسول الله ﷺ : «يا غُلام، سمِّ الله، وكلْ بيمينك، وكل مما يليك» فما زالتْ تلك طعمتي بعدُ (٥). وعن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل بدأ بيمينه، فصب عليها الماء فغسلها، ثم صب الماء على الأذى الذي به بيمينه، وغسل عنه بشماله، حتى إذا فرغ من ذلك، صب على رأسه» (٦). وعنها ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة بدأ بشِق رأسه

стр. 581

الأيمن» (١). وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرَب بيمينه؛ فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله» (٢). وعن سلمة بن الأكوع ﵁، أن رجلًا أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال له: «كل بيمينك»، قال: لا أستطيع، قال: «لا استطعتَ» ما منعه إلا الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه (٣). وعن أم عطية ﵂ أن النبي ﷺ قال لهن في تغسيل ابنته زينب ﵂: «ابدأنَ بمَيامنها ومواضع الوضوء منها» (٤). وفي حديث أنس ﵁ في حجة الوداع أن رسول الله ﷺ قال للحلاق: «خذ» وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر (٥). وفي حديث سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ أُتي بقَدَح، فشرِب منه، وعن يمينه غلام أصغر القوم، والأشياخ عن يساره، فقال: «يا غلام، أتأذَن لي أن أعطيه الأشياخ؟» قال: ما كنت لأُوثِرَ بفضلي منك أحد يا رسول الله، فأعطاه إياه (٦). وعن أنس ﵁: أنه ﷺ أُتي بلبن، وعن يمينه أعرابي، وعن يساره أبو بكر الصديق، فشرب ثم أعطى الأعرابي، وقال: «الأيمنَ فالأيمنَ» (٧).

стр. 582

وفي حديث عائشة: «إن الله وملائكته يصلون على مَيامِن الصفوف» (١). وفي حديث السبعة الذين يُظِلُّهم الله في ظله: «ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شمالُه ما تُنفِق يمينُه» (٢). وشُرع للمؤذن الالتفات في الحيعلتينِ؛ الأُولى إلى اليمين (٣). وكل هذه النصوص من الكتاب والسنة تدل على فضل اليمين على الشمال، كما تدل على مشروعية التيمن وفضله في شأن المسلم كله. ج- حكم التيمن: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن التيمن سنة مؤكدة، فيُكره تركه، وقيل: إنه واجب. والصحيح أن التيمن من حيث العمومُ سنة مؤكدة، يُكره تركه؛ لما في ذلك من تفويت السنة، وفوات الأجر. لكن يُخص من ذلك الأكل والشرب، فالتيمن فيهما واجب؛ لما جاء في حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أكل أحدُكم فليأكلْ بيمينه، وإذا شرِب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله» (٤). وفي حديث سلمة بن الأكوع ﵁ أن رجلًا أكل عند رسول الله ﷺ بشماله. فقال له: «كلْ بيمينِك». قال: لا أستطيع، قال: «لا استطعتَ» ما منعه إلا الكبر، قال: فما

стр. 583

رفعها إلى فيه (١). فالأمر في قوله: «فليأكل بيمينه» وفي قوله: «فلْيشرب بيمينه» للوجوب، ويؤكد ذلك قوله بعده: «فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله»؛ لأن كل ما كان من عمل الشيطان يجب اجتنابه. والأمر في حديث سلمة ﵁ بقوله ﷺ : «كل بيمينك» أيضًا للوجوب، ويؤكد على هذا ويؤيده أن رسول الله ﷺ دعا عليه بقوله: «لا استطعتَ»، فلو كان الأكل باليمين مستحبًّا غير واجب، لما دعا عليه بقوله: «لا استطعت». وفي حديث عمر بن أبي سلمة ﵁ أنه ﷺ قال له: «وكُلْ بيمينك» (٢). أقول: ليت قومي يعلمون، وليت كثيرًا من المسلمين الذين يتهاونون في الأكل والشرب بالشمال، فيقعون في المحظور، ويفوت عليهم كثير من الأجور، ليتهم يتأملون هذا ويعرفونه جيدًا! د- المواضع التي يُشرع فيها التيمن: أولًا: ما يجب فيه التيمن، وهو الأكل والشرب: يجب التيمن في الأكل والشرب، كما سبق بيانه؛ لأن النبي ﷺ أمر بالتيمن فيهما، والأمر في الأصل للوجوب، ولأنه ﷺ بين أن الشيطان يأكل ويشرب بشماله، فالواجب مخالفة الشيطان، ولأنه ﷺ دعا على الذي أبى أن يأكل بيمينه تكبرًا، وقال: «لا أستطيع». فقال ﷺ : «لا استطعتَ»، فشَلَّت يدُهُ فما رفعها إلى فيه. ولو كان الأكل باليمين غير واجب لما دعا عليه النبي ﷺ . فمن أكل أو شرب بشماله فقد ترك أمرًا واجبًا، وخالف سنة المصطفى ﷺ ، وتشبه بالشيطان، واتبعه بفعله، وهذا أمر محرَّم لا يجوز. وشتَّان بين من اقتفى أثر الرسول ﷺ واتبع سنته، وبين من آثر الهوى، واتبع

стр. 584

الشيطان، وعمل عمله، فمن أكل وشرب بيمينه اجتمع له طاعة الرسول ﷺ ، وحصول الأجر، والسلامة من التشبه بالشيطان وحصول الوزر، ومن أكل وشرب بشماله اجتمع فيه معصية الرسول ﷺ ، وفوات الأجر، والتشبه بالشيطان، وحصول الوزر. ومن المؤسف أن ترى كثيرًا من المسلمين، وخاصة الشباب، يشرب أكثرهم بشماله، وهذا مما يوجب على الوالدين والمعلمين والمربين وخطباء الجمعة، وغيرهم من أهل العلم توجيه الناس، وإرشادهم في هذا؛ لأنه إذا كان هناك من يفعل ذلك تكبرًا- وذلك أشد تحريمًا- فإن أكثر الناس يجهل خطورة الأمر، فيقع في المحذور من حيث لا يدري، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. ثانيًا: ما يُستحب فيه التيمن: يستحب للمسلم التيمن في شأنه كله، من باب التشريف والتكريم، ومن ذلك: ١ الوضوء؛ لقول عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وفي طهوره، وفي شأنه كله»، فيقدم في الوضوء غسل اليد اليمنى على اليد اليسرى، وغسل الرجل اليمنى على الرجل اليسرى. ٢ الغُسل، فيقدم الشق الأيمن من البدن على الشق الأيسر. ٣ عند لُبس النعلين، فيقدم في لبس النعل الرجل اليمنى على الرجل اليسرى. ٤ في ترجيل شعر الرأس، والوجه، وتسريحه ودُهنه، فيقدم الشق الأيمن من الرأس والوجه على الشق الأيسر. ٥ في تناول المصحف، وحمله، ومباشرته، وتقليب صفحاته. ٦ عند دخول المسجد، فيقدم فيه الرجل اليمنى. قال أنس بن مالك ﵁: «من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى» (١).

стр. 585

٧ في صلاة الجماعة، فالأفضل أن يكون عن يمين الإمام. ٨ في المصافحة. ٩ في استلام الحجر الأسود، والركن اليماني. ١٠ عند دخول المنزل، فيقدم فيه الرجل اليمنى. ١١ في الالتفات في الحيعلتين، يلتفت المؤذن أولًا إلى اليمين. ١٢ في لُبس الثياب والسراويل. ١٣ عند الاكتحال يبدأ بالعين اليمنى. ١٤ في حلق الرأس، وقص الشارب، ونتف الإِبْط، وتقليم الأظفار، يبدأ باليمين منها. ١٥ عند أخذ الأشياء ومناولتها، يأخذها باليمين، ويناولها باليمين. ١٦ عند النوم، ينام على شقه الأيمن، كما جاء في الحديث أنه ﷺ كان ينام على شقه الأيمن (١). ١٧ أن يعطي الإنسان الإناء عند شربه من يجلس عن يمينه، ولو كان الجالس عن يساره أعلى وأكبر منزلة. ١٨ عند الخروج من الخلاء، ودورات المياه، ونحو ذلك. إلى غير ذلك من المواضع التي يُستحب فيها تقديم اليمين على الشمال تكريمًا وتشريفًا. هـ- المواضع التي يُستحب فيها التياسر: كل ما كان من المواضع والأشياء غير المستحسنة، فالأولى تقديم اليسار فيها.

стр. 586

قال النووي في «شرح مسلم» (١): «قاعدة الشرع المستمرة أن ما كان من باب التكريم والتزيين، استُحب فيه التيمن، وما كان بضدها استحب فيها التياسر». ومما يستحب فيه التياسر ما يلي: ١ خلع النعلين ونحوهما، قال ﷺ : «وإذا نزع فليبدأ بالشمال» (٢). ٢ دخول الخلاء، ودورات المياه، فيقدم الرجل اليسرى. ٣ الخروج من المسجد أو من المنزل. ٤ الاستنجاء، عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه» (٣). وفي حديث عائشة ﵂: «وكانت يده ﷺ اليسرى لخلائه، وما كان من أذى» (٤). ٥ الامتخاط، وتنظيف الأنف، والاستنثار؛ فعن علي ﵁ أنه كان إذا استنشق نثر بيده اليسرى. وقال: «هذا طهور نبي الله ﷺ » (٥). ٦ خلع الثياب والسراويل ونحو ذلك. إلى غير ذلك من المواضع التي يُستحب فيها تقديم اليسار تنزيهًا لليمين عنها.

стр. 587

وقفة تأمل في: معاني سورة العصر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ أخي المسلم: قف عند كل آية من آيات هذه السورة العظيمة بل عند كل كلمة منها، بل عند كل حرف وتأمل فيها. تأمل وتفكر، لماذا أقسم المولى بالعصر؟ وماهية العصر؟ وما حقيقة الخسارة؟ وما حقيقة الربح؟ واعلم أن الله أقسم بالعصر تنبيهًا وتذكيرًا وإشارة ودلالة على أهمية العصر وعظيم قيمته ووجوب حفظه، والعصر هو الزمن، وهو عمر الإنسان، الذي لا يقدر بثمن عند من عرف أن الأمر جد، ليس بالهزل، كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]، وكما قيل: قد رشحوك لأمر لو فطنت له … فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل (١) وقال الآخر: الأمر جد وهو غير مزاح … فاعمل لنفسك صالحًا يا صاح (٢) وعند من عرف قدر الحياة، وأنها ميدان التنافس والتسابق والمسارعة للأعمال الصالحة التي فيها السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة، كما قال : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ

стр. 588

مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١]. وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠، ١١]، وقال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]. ونعمت المسابقة والمسارعة والمنافسة والله المستعان. وقد أحسن القائل: ولم أجد الإنسان إلا ابن سعيه فمن كان أسعى كان بالمجد أجدرَا فلم يتأخر من أراد تقدمًا ولم يتقدم من أراد تأخرَا (١) أخي في الله لا يغرك ما عليه كثير من الناس من المنافسة على أمور الدنيا الفانية، والزهد فيما دعاهم الله إليه من المنافسة والمسارعة والمسابقة فيما فيه سعادة الدارين من الأعمال الصالحة، وتأمل قول الله : ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]. قال بعض السلف: «لا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين، ولا تستوحش من الحق لقلة السالكين» (٢). فخذ أخي في الله نفسك بالجد والمنافسة والمسابقة والمسارعة في الخير، ولا تنس نصيبك من الدنيا، واعلم أن الغبطة حقًّا في العمل الصالح، الذي هو صمام الأمان وسر السعادة في الدنيا والآخرة، فاجعل منافستك في ذلك. قال بعض السلف: «إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا، فنافسه في الآخرة» (٣).

стр. 589

كن سباقًا إلى المساجد، وإلى أداء الواجبات؛ من حقوق الله وحقوق الخلق، كن ورعًا مبتعدًا عن محارم الله. وإذا رأيت من ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة. واعلم وفقك الله أن الغبن في هذا ليس باليسير، بل لا يكاد يوصف، وفرق ما بين الثرى والثريا، وكما قيل: سوف ترى إذا انجلى الغبار أفرسٌ تحتك أم حمارُ (١) واعلم أن الخسارة في هذا لا تشبهها خسارة، فالخسارة الكبرى والمصيبة العظمى، والكسر الذي لا يمكن جبره أن يصاب الإنسان في دينه فيخسر دنياه وآخرته ونفسه وأهله وولده وماله وكل شيء، كما قال : ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥]. واعلم أن الربح في هذا لا يقدر ولا يحد، بل هو سعادة الدنيا والآخرة، نسأل الله تعالى من فضله التوفيق للإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر. فهذا غاية الربح، وهذا تمام النعمة الذي عناه الله بقوله تعالى: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]، وبقوله تعالى: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]. وهو طريق الذين أنعم الله عليهم النعمة الحقيقية، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٦٩، ٧٠]. وهو الهداية المنشودة لعباد الله بقولهم: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]. فقف أخي- بارك الله فيك- على مفترق هذين الطريقين وتأمل ببصيرة وحضور قلب، وقارن وقلّب الفكر والنظر عسى أن يظهر لك ويتبين البون الشاسع والفرق الواسع فتجتنب طريق أهل الخسران، وتلزم طريق أهل الربح والسعادة والإنعام وما أراك تعدل به طريقًا. وفقك الله.

стр. 590

واعلم- أخي الكريم- أن الربح والسعادة مطلب لكل أحد، فكل يسعى بحثًا عن ذلك، لكن المؤسف حقًّا: كم هم الذين عرفوا طريق السعادة حقًّا؟ سؤال يطرح نفسه، وجوابه باختصار: أن السواد الأعظم من الناس جهلوا طريق السعادة، بل طلبوها في غير مظانها فصدق فيهم قول الشاعر: ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس (١) ففئام من الناس حسبوا الربح والسعادة بالسعي لتحقيق شهوات النفس، وإرخاء العنان لها في ذلك، ولو كان بما حرم الله، كالفجور وشرب الخمور والغناء والمجون ونحو ذلك، وأين لهؤلاء الربح والسعادة، وقد طلبوهما بما يحقق الخسران والشقاوة؟! وفئام من الناس حسبوا الربح والسعادة في الانهماك بالمباحات فهم يلهثون وراء جمع المال، وتنويع المآكل والمشارب، واختيار الملابس الأنيقة، والفرش الوثيرة، والمساكن المزخرفة، والمراكب الفاخرة والموضات والموديلات والمخترعات والأسفار والتنقلات بين الدول والبلدان بحثًا عن الأجواء اللطيفة المعتدلة، والحدائق الغناء والمناظر الجميلة والآثار القديمة والملاعب والملاهي، وهؤلاء أيضًا أخطؤوا طريق السعادة وحرموا منها، فلم يذوقوا لها طعما. وأقول لأولئك وهؤلاء ولنفسي ولكل من يطلب الربح والسعادة حقًّا: أبى الله أن يكون الربح والسعادة إلا بالإيمان والعمل الصالح تحت مظلة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٤]. قال بعض السلف: «مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا ألذَّ ما فيها!»، قيل: وما ألذّ ما فيها؟ قال: معرفة الله والأنس به» (٢).

стр. 591

نعم والله إننا مساكين، فما أكثر الذين خرجوا ويخرجون من الدنيا وما ذاقوا هذه اللذة! وقال الحسن ﵀: «تفقدوا حلاوة الإيمان في ثلاث: في الصلاة، وذكر الله، وقراءة القرآن، فإن لم تجدوها فاعلموا أن الباب مغلق» (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢): «إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة». فليت شعري من ذاق منا تلك اللذّة، لذة الإيمان، ومن دخل منا تلك الجنة جنة التنعم بتلقي أوامر الديان وخدمته، والتلذذ بمناجاته وعبادته، والتوكل عليه، فهذا غاية الربح ومنتهى السعادة، نسأل الله الكريم من فضله. فَتَذَوَّق أخي لذة الإيمان، وتنعم بجنة الدنيا بالانقياد للملك الديان وأسلم وجهك له، وسلِّم أمرك إليه، كما قال : ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، فإن أخذت بهذا، فأبشر فأنت ولدت الآن! هنا تجد في نفسك محبة الله تعالى ومحبة رسوله ﷺ ومحبة الخير وأهله، ومحبة المسارعة لأداء الواجبات من حقوق الله وحقوق الخلق، وأعمال البر كلها، والورع عن المحرمات. هنا تجد في الله تعالى عوضًا عن كل ما فاتك من الدنيا، ولا تأس على شيء منها، وإنما تحزن على فوات نصيبك من ربك. هنا تجد قلبك معلقًا بالمساجد، تجد أحلى صوت تسمعه: الله أكبر. هنا تجد أسعد اللحظات في عمرك وقوفك مصليًا تناجي ملك الملوك، أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، المولى العزيز الرحيم. هنا تجد القناعة في نفسك، تجدك لا تشعر بالفراغ النفسي لامتلاء قلبك بحب الله وما

стр. 592

يقربك إليه. إن طلب الناس السعادة في المساكن والمراكب والمنتزهات وأنواع الشهوات والملذات، فاطلبها أنت في مناجاة الله، وتدبرِ كلامه والقيامِ بطاعته وأمره، وهذا قمة السعادة. هنا تجد الأمن، تجد الطمأنينة، تجد الرضا بما قسم الله لك، تجد البركة في العمر ولو كان قصيرًا، تجد البركة في الرزق وإن كان مضيقًا، تجد تيسير الله لأمورك، وتسخيره الخلق لك، بلا درهم منك لهم ولا دينار، وصدق الله العظيم حيث قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «من أراد السعادة الأبدية، فليزم عتبة العبودية» (١). وختامًا: فإن من لم يجد السعادة بتلقي أوامر الله وتنفيذها، والحذر من نواهيه والبعد عنها وإسلام الوجه لله، وتسليم الأمر له والتوكل عليه فلن يجد للسعادة طعمًا ولو حيزت له الدنيا بحذافيرها.

стр. 593

وقفة في: الاستعداد للقاء الله تعالى الاستعداد للقاء الله يكون بأمور عدة؛ من أهمها ما يأتي: الأمر الأول: تقوى الله ؛ بفعل أوامره واجتناب نواهيه: وهي رأس الأمر كله، ومن أعظم ما يعين على ذلك ما يأتي: أولًا: التفكر في عظمة الله ، وما له من صفات الكمال والجلال، مما جاء في الكتاب والسنة، ودلت عليه الآيات الكونية، قال : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]. ثانيًا: التفكر في نعم الله على العباد، التي لا تحصى، وثمرة شكرها وآثار كفرها، كما قال : ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤، والنحل: ١٨]، وقال : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، وقال : ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. ثالثًا: التفكر في حقارة الدنيا، ودنو منزلتها، وكيف وصفها الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ [الحديد: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥، والحديد: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨]. وقال ﷺ : «لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء» (١).

стр. 594

وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: نام رسول الله ﷺ على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا يا رسول الله، لو اتخذنا لك وطاءً، فقال: «ما لي وما للدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها» (١). وعن ابن عمر ﵄، قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي، فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، وكان ابن عمر يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك» (٢). ويا لله! ما مدى بركة عمر من وفقه الله لهذا التصور، ثم أعطاه من العمر ما أعطاه! ويا لله! ما أقل بركة عمر معمر غاب عنه هذا التصور، وعاش غافلًا لاهيًا حتى فاجأه الأجل! ولقد أحسن القائل (٣): فما نحن في دار المنى غير أننا … شغفنا بدنيا تضمحل وتذهب فحثوا مطايا الارتحال وشمروا … إلى الله والدار التي ليس تخرب رابعًا: التفكر في عظمة الآخرة وعلو مكانتها ورفعة منزلتها، وأنها دار القرار ودار الحياة الحقيقية، إما نعيم أبدي، نسأل الله من فضله، أو عذاب سرمدي، نسأل الله السلامة، كما قال : ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. خامسًا: أن يتفكر الإنسان في ضعفه، فهو من أضعف المخلوقات، إن لم يكن أضعفها، وعمره بالنسبة لأعمار من سبق من الأمم لا يساوي شيئًا. قال ﷺ : «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك» (٤).

стр. 595

فيستمد قوته من القوي المتين سبحانه، ويستمد بركة العمر من الحي القيوم الذي لا يموت. سادسًا: أن يكون فراق هذه الدنيا والرحيل منها دائمًا منه على بال، وأن يكثر من ذكر هاذم اللذات «الموت»؛ كما قال ﷺ : «أكثروا من ذكر هاذم اللذات» (١). فمن وفقه الله للتفكر في هذه الأشياء كان ذلك- بإذن الله من أكبر العون له على تقوى الله. فمن عظم الله وقدره دعاه ذلك إلى الفرار إليه واللجوء إليه ومحبته وخوفه ورجائه، ومن تفكر في نعمه على العباد دعاه ذلك إلى شكره، ومن تفكر في حقارة الدنيا دعاه ذلك إلى عدم الاغترار بها، ومن تفكر في عظمة الآخرة دعاه ذلك إلى الإقبال عليها والتزود لها، ومن تفكر في ضعفه دعاه ذلك إلى استمداد القوة من القوي المتين، ومن تفكر في قصر عمره دعاه ذلك إلى الحرص على استغلاله بالخير والعمل الصالح، ومن تذكر الموت والرحيل من هذه الدار دعاه ذلك إلى المبادرة بالعمل الصالح أيام الحياة، والاستعداد للدار الآخرة. الأمر الثاني: مما يستعد به للقاء الله والدار الآخرة: أداء ما عليه من حقوق لله تعالى، أو للخلق، والخروج منها كلها وبخاصة حقوق الخلق؛ من الدماء والأعراض والأموال وغير ذلك، فإن حقوق الخلق مبنية على المشاحة، فأمك وأبوك وولدك كل منهم سيطالبك بحقه إن كان له حق عندك: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧]. بل إن العاقل اللبيب ليحرص كل الحرص على عدم تحمل أي حق للخلق من

стр. 596

الديون وغيرها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ لأن الإنسان لا يدري متى يباغته الأجل، ونفس المؤمن معلقة بدينه حتى يُقضى عنه، كما جاء في الحديث (١). ومن صدق الثقة بموعود الله وجزيل ثوابه أن يعفوَ الإنسان عما له من حقوق عند الآخرين، من دم أو عرض أو مال ونحو ذلك ما أمكنه ذلك، قال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]. فاحرص أخي المسلم بارك الله فيك على أن تقدم على ربك وليس لأحد من الخلق عليك حق ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، وتأمل خطورة الأمر، وتذكر قول الناصح الأمين ﷺ لأصحابه: «أتدرون من المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: «إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار» (٢). واحرص أخي المسلم على مسامحة إخوانك المسلمين والعفو عن هفواتهم، واعلم أنك كما تدين تدان، فإن كنت تحب أن يعفو الله عن ذنوبك وهفواتك فاعف عن الآخرين، وكن من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣، ١٤٣]. نسأل الله الكريم من فضله. واحذر أن يكون في نفسك حقد أو عداوة أو ضغينة أو حسد لأحد من المسلمين،

стр. 597

حتى وإن أساء إليك، واعلم أنه قل من يسلم من ذلك، واعلم أن هذا مركب صعب وعقبة كؤود، وصدق الله العظيم: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤، ٣٥]. واعلم أخي المسلم أنك لن تهدأ، ولن تنام قرير العين ولن تذوق طعم السعادة حتى تجعل العفو والتسامح ديدنك، وما إخالك ترضى بالدون، وأنت تجد ما هو أعظم وأوفى منه، فإن من كان شعاره العفو والتسامح فأجره على العفو الكريم، بلا حد ولا عد: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]. فعالج قلبك، والعاقبة للمتقين ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]، عسى أن تلقى الله وقد تخلصت مما عليك من الحقوق فلا أحد يطالبك بشيء، وعفوت عما لك من الحقوق فيكافئك عن ذلك صاحب العفو والفضل والإحسان بكرمه وجوده، وما أراك تعدل بهذا شيئًا. وتأمل وفقك الله مدى الفرق الشاسع والبون الواسع بين من يأتي غدًا يطلب حقوقه عند الآخرين من أقاربه وجيرانه وإخوانه وغيرهم فيقتطع له من أعمالهم بقدر حقه ولو كان مثقال ذرة، وبين من يقال له بلسان الحال أو المقال: أنت سامحت أصحاب الحقوق التي لك، والله أولى منك بالمسامحة، فخذ ما شئت من الأجر والفضل بلا حد ولا عد، شتان بين هذا وهذا، وبين الثرى والثريا! الأمر الثالث: مما ينبغي أن يستعد به للقاء الله تعالى: كتابة وصيته، وما عليه من حقوق، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» (١).

стр. 598

والوصية واجبة بالاتفاق إذا كان الإنسان عليه أو له حقوق يجب بيانها وكتابتها، كأن يكون عليه دَين لله؛ من زكاة أو كفارة أو نذر أو غير ذلك، أو عليه ديون للناس، أو له عليهم ديون؛ ليؤدَّى ما عليه من حقوق من تركته، ولأن الحقوق التي له على الناس تعد من تركته. وجمهور العلماء على أنها مستحبة إذا لم يكن عليه حقوق يجب بيانها فيستحب أن يوصي بشيء من ماله. وذهب بعض أهل العلم: إلى أنها واجبة. ومما ينبغي أن يعلم من أحكام الوصية أمران، وهما من الأهمية بمكان: الأول: مقدارها: اعلم أخي المسلم- بارك الله فيك- أن الوصية جائزة في الثلث وما دونه؛ لقوله ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁: «الثلث» (١). ويستحب أن تكون الوصية دون الثلث، لقوله ﷺ لسعد: «والثلث كثير». والأفضل أن تكون بالخمس؛ كما اختار ذلك جمع من السلف؛ منهم: أبو بكر وعلي وابن عباس ﵃، وغيرهم. الأمر الثاني: مصرفها: اعلم أخي- بارك الله فيك- أن الوصية ينبغي أن توجه للأفضل من أعمال البر، وأن تكون مطلقة في وجوه البر كلها يُقدّم الأهم فالأهم؛ كبناء المساجد، وتعليم القرآن الكريم والسنة المطهرة، ومساعدة الفقراء والمساكين، وحفر الآبار، وفتح الطرق، وبناء المستشفيات والمراكز لغسيل الكلى وعلاج الأورام وغيرها، ودور الرعاية الاجتماعية،

стр. 599

وغير ذلك من جهات البر مما يحتاجه المسلمون في مصالحهم العامة والخاصة. وأن يجعل للموصي والناظر عليها تقديم الأولى والأحوج منها حسب الظروف والأحوال. كما أن مما يستحب أن يوصي أهله ومن خلفه: بتقوى الله ، والصلاة، وحقوق من تحت أيديهم، فعن علي ﵁ قال: كان آخر كلام رسول الله ﷺ : «الصلاة الصلاة، واتقوا الله فيما ملكت أيمانكم» (١). وعن أنس ﵁ قال: كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضرته الوفاة وهو يغرغر بنفسه: «الصلاة، وما ملكت أيمانكم» (٢). وفي حديث أم سلمة ﵂: «فما زال يقولها حتى ما يفيض بها لسانه» (٣). وعن عائشة ﵂: أنه ﷺ أخذ يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات» (٤)، وعنها ﵂: أنه كان يقول: «اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى» (٥). هذا، وقد استحب بعض أهل العلم أن يكتب في صدر الوصية ما رواه محمد بن سيرين عن أنس بن مالك قال: «كانوا يكتبون في صدور وصاياهم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به فلان، إنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا

стр. 600

عبده ورسوله ﷺ ، وأن الجنة حق، وأن النار حق ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٧]، وأوصى من تركه من أهله أن يتقوا الله، ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصى إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]» (١). وأخيرًا، وعودًا على بدء أقول: إن من الاستعداد للقاء الله والدار الآخرة- مع ما سبق ذكره- أن يكون الإنسان كلما تقدم به العمر أكثر تنظيمًا لأحواله وتفرغًا لعبادة ربه، فإن الله في هذه السورة العظيمة سورة النصر آذن رسوله ﷺ بقرب وفاته، وبانتهاء مهمته في هذه الحياة، وأمره بالتوجه إلى الله والتفرغ لتسبيح الله وحمده واستغفاره، كما قال تعالى في سورة الانشراح: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الانشراح: ٧، ٨]. ولن يتيسر ذلك للإنسان إلا إذا اكتفى من التعلق بالدنيا بما تدعو الحاجة إليه، وهو نصيبه من الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]. وأنت- أخي المسلم- أحد رجلين: إما منعَّم موسع عليه في رزقه، وإما مبتلى مضيَّق عليه في ذلك، كما ذكر الله (٢). فإن كنت ممن ابتُلي بضيق الحال، وقلة ذات اليد، وتحتاج إلى الكد والعمل الساعات الطويلة للسعي في طلب الرزق، لإعفاف نفسك وأهل بيتك، مما لا تستطيع معه التفرغ للعبادة، فالزم أداء الفرائض واجتناب النواهي مع القيام بما قدرت عليه من النوافل، وأبشر بالخير فإنك مثاب مأجور على طلب الرزق لإعفاف نفسك بإذن الله ؛ فإن السعي لطلب الرزق من طاعة الله تعالى وعبادته. فإن الإنسان يؤجر حتى على ما يجعل
следующие страницы →