← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 800

مراقي العزة ومقومات السعادة

سليمان اللاحم

Полный текст (723 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الديون وغيرها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ لأن الإنسان لا يدري متى يباغته الأجل، ونفس المؤمن معلقة بدينه حتى يُقضى عنه، كما جاء في الحديث (١). ومن صدق الثقة بموعود الله وجزيل ثوابه أن يعفوَ الإنسان عما له من حقوق عند الآخرين، من دم أو عرض أو مال ونحو ذلك ما أمكنه ذلك، قال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]. فاحرص أخي المسلم بارك الله فيك على أن تقدم على ربك وليس لأحد من الخلق عليك حق ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، وتأمل خطورة الأمر، وتذكر قول الناصح الأمين ﷺ لأصحابه: «أتدرون من المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: «إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار» (٢). واحرص أخي المسلم على مسامحة إخوانك المسلمين والعفو عن هفواتهم، واعلم أنك كما تدين تدان، فإن كنت تحب أن يعفو الله عن ذنوبك وهفواتك فاعف عن الآخرين، وكن من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣، ١٤٣]. نسأل الله الكريم من فضله. واحذر أن يكون في نفسك حقد أو عداوة أو ضغينة أو حسد لأحد من المسلمين،

стр. 597

حتى وإن أساء إليك، واعلم أنه قل من يسلم من ذلك، واعلم أن هذا مركب صعب وعقبة كؤود، وصدق الله العظيم: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤، ٣٥]. واعلم أخي المسلم أنك لن تهدأ، ولن تنام قرير العين ولن تذوق طعم السعادة حتى تجعل العفو والتسامح ديدنك، وما إخالك ترضى بالدون، وأنت تجد ما هو أعظم وأوفى منه، فإن من كان شعاره العفو والتسامح فأجره على العفو الكريم، بلا حد ولا عد: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]. فعالج قلبك، والعاقبة للمتقين ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]، عسى أن تلقى الله وقد تخلصت مما عليك من الحقوق فلا أحد يطالبك بشيء، وعفوت عما لك من الحقوق فيكافئك عن ذلك صاحب العفو والفضل والإحسان بكرمه وجوده، وما أراك تعدل بهذا شيئًا. وتأمل وفقك الله مدى الفرق الشاسع والبون الواسع بين من يأتي غدًا يطلب حقوقه عند الآخرين من أقاربه وجيرانه وإخوانه وغيرهم فيقتطع له من أعمالهم بقدر حقه ولو كان مثقال ذرة، وبين من يقال له بلسان الحال أو المقال: أنت سامحت أصحاب الحقوق التي لك، والله أولى منك بالمسامحة، فخذ ما شئت من الأجر والفضل بلا حد ولا عد، شتان بين هذا وهذا، وبين الثرى والثريا! الأمر الثالث: مما ينبغي أن يستعد به للقاء الله تعالى: كتابة وصيته، وما عليه من حقوق، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» (١).

стр. 598

والوصية واجبة بالاتفاق إذا كان الإنسان عليه أو له حقوق يجب بيانها وكتابتها، كأن يكون عليه دَين لله؛ من زكاة أو كفارة أو نذر أو غير ذلك، أو عليه ديون للناس، أو له عليهم ديون؛ ليؤدَّى ما عليه من حقوق من تركته، ولأن الحقوق التي له على الناس تعد من تركته. وجمهور العلماء على أنها مستحبة إذا لم يكن عليه حقوق يجب بيانها فيستحب أن يوصي بشيء من ماله. وذهب بعض أهل العلم: إلى أنها واجبة. ومما ينبغي أن يعلم من أحكام الوصية أمران، وهما من الأهمية بمكان: الأول: مقدارها: اعلم أخي المسلم- بارك الله فيك- أن الوصية جائزة في الثلث وما دونه؛ لقوله ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁: «الثلث» (١). ويستحب أن تكون الوصية دون الثلث، لقوله ﷺ لسعد: «والثلث كثير». والأفضل أن تكون بالخمس؛ كما اختار ذلك جمع من السلف؛ منهم: أبو بكر وعلي وابن عباس ﵃، وغيرهم. الأمر الثاني: مصرفها: اعلم أخي- بارك الله فيك- أن الوصية ينبغي أن توجه للأفضل من أعمال البر، وأن تكون مطلقة في وجوه البر كلها يُقدّم الأهم فالأهم؛ كبناء المساجد، وتعليم القرآن الكريم والسنة المطهرة، ومساعدة الفقراء والمساكين، وحفر الآبار، وفتح الطرق، وبناء المستشفيات والمراكز لغسيل الكلى وعلاج الأورام وغيرها، ودور الرعاية الاجتماعية،

стр. 599

وغير ذلك من جهات البر مما يحتاجه المسلمون في مصالحهم العامة والخاصة. وأن يجعل للموصي والناظر عليها تقديم الأولى والأحوج منها حسب الظروف والأحوال. كما أن مما يستحب أن يوصي أهله ومن خلفه: بتقوى الله ، والصلاة، وحقوق من تحت أيديهم، فعن علي ﵁ قال: كان آخر كلام رسول الله ﷺ : «الصلاة الصلاة، واتقوا الله فيما ملكت أيمانكم» (١). وعن أنس ﵁ قال: كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضرته الوفاة وهو يغرغر بنفسه: «الصلاة، وما ملكت أيمانكم» (٢). وفي حديث أم سلمة ﵂: «فما زال يقولها حتى ما يفيض بها لسانه» (٣). وعن عائشة ﵂: أنه ﷺ أخذ يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات» (٤)، وعنها ﵂: أنه كان يقول: «اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى» (٥). هذا، وقد استحب بعض أهل العلم أن يكتب في صدر الوصية ما رواه محمد بن سيرين عن أنس بن مالك قال: «كانوا يكتبون في صدور وصاياهم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به فلان، إنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا

стр. 600

عبده ورسوله ﷺ ، وأن الجنة حق، وأن النار حق ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٧]، وأوصى من تركه من أهله أن يتقوا الله، ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصى إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]» (١). وأخيرًا، وعودًا على بدء أقول: إن من الاستعداد للقاء الله والدار الآخرة- مع ما سبق ذكره- أن يكون الإنسان كلما تقدم به العمر أكثر تنظيمًا لأحواله وتفرغًا لعبادة ربه، فإن الله في هذه السورة العظيمة سورة النصر آذن رسوله ﷺ بقرب وفاته، وبانتهاء مهمته في هذه الحياة، وأمره بالتوجه إلى الله والتفرغ لتسبيح الله وحمده واستغفاره، كما قال تعالى في سورة الانشراح: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الانشراح: ٧، ٨]. ولن يتيسر ذلك للإنسان إلا إذا اكتفى من التعلق بالدنيا بما تدعو الحاجة إليه، وهو نصيبه من الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]. وأنت- أخي المسلم- أحد رجلين: إما منعَّم موسع عليه في رزقه، وإما مبتلى مضيَّق عليه في ذلك، كما ذكر الله (٢). فإن كنت ممن ابتُلي بضيق الحال، وقلة ذات اليد، وتحتاج إلى الكد والعمل الساعات الطويلة للسعي في طلب الرزق، لإعفاف نفسك وأهل بيتك، مما لا تستطيع معه التفرغ للعبادة، فالزم أداء الفرائض واجتناب النواهي مع القيام بما قدرت عليه من النوافل، وأبشر بالخير فإنك مثاب مأجور على طلب الرزق لإعفاف نفسك بإذن الله ؛ فإن السعي لطلب الرزق من طاعة الله تعالى وعبادته. فإن الإنسان يؤجر حتى على ما يجعل

стр. 601

في في امرأته (١). وإن كنت ممن نعَّمه الله ووسع له في رزقه، فاحذر أن تبطرك النعمة وتلهيك الدنيا عن طاعة الله ، وفرغ نفسك بعض الوقت لعبادة ربك والاستزادة من نوافل العبادة، واحرص على ذلك كلما تقدم بك العمر، وخذ أكبر نصيب من ربك، واحفظ دينك، وقدم مالك وقاية لدينك، فإن كان لك أموال تشغلك إدارتها؛ من تجارة، أو زراعة، أو صناعة، أو غير ذلك فشجع أولادك على مساعدتك، بل وعلى النيابة عنك لتتفرغ لما هو أهم وهو عبادة ربك، ولا تبخل على أولادك في هذا ولو شاطرتهم بعض مالك، فالمال إن بخلت به عنهم شغلك عن طاعة الله حتى آخر لحظة من عمرك، ثم تركته وانتقل بعدك إليهم، بل لا تبخل بمالك على من تقيمه يدير أعمالك وإن لم يكن من أولادك ما دام أنه يكفيك إدارة تلك الأموال؛ لتتفرغ لعبادة ربك بقلب حاضر خاشع منيب. واعلم أن الدنيا بما فيها لا قيمة لها إذا أضعت نصيبك من ربك. وختامًا أقول: أخي المسلم، تذكر أن المفازة بعيدة، وأن السفر طويل، وأن العقبة كؤود، فأعدَّ للأمر عدته. بكى أبو هريرة ﵁ لما حضرته الوفاة، ثم قال ﵁: «والله ما أبكي على دنياكم هذه، وإنما أبكي على طول سفري وقلة زادي» (٢). وبكى بعض السلف عند وفاته، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: «أبكي إذا صلى المصلون ولست فيهم، وإذا صام الصائمون ولست فيهم، وإذا ذكر الذاكرون ولست فيهم» (٣).

стр. 602

وإن مما يثير العجب: أن الواحد منا إذا أراد سفرًا من الأسفار؛ كالسفر للحج أو العمرة أو غير ذلك، فإنه يعد للأمر عدته ويتجهز لذلك بإعداد الزاد والمزاد والراحلة واختيار الرفقة، ويتفقد السيارة ومحركاتها وعجلاتها ونحو ذلك. بل إن بعض الناس إذا هم بسفر من الأسفار ظل طول ليله يدخل ويخرج، يرقب الصباح، ولم تذق عينه غمضًا اهتمامًا وتحفزًا لهذا السفر، فأين هذا السفر من السفر للقاء الله والدار الآخرة؟! اللهم ألهمنا رشدنا ووفقنا للاستعداد لما أمامنا، ووفقنا للإخلاص والسداد في القول والعمل، ولا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين ولا أقل من ذلك.

стр. 603

وقفتان في: الحسد الوقفة الأولى في: أسباب تحريم الحسد حرم الله تعالى الحسد، ونهى عنه، وأمر بالاستعاذة من شر الحاسد لأسباب عدة، منها ما يأتي: أولًا: أن الحسد فيه اعتراض على قضاء الله وقدره وحكمته في تقسيمه الأرزاق بين عباده. ثانيًا: أنه سبب لرد الحق، وعدم قَبوله، كما ذكر الله عن أهل الكتاب، قال : ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]. قال أبو حاتم: «على العاقل مجانبة الحسد على الأحوال كلها، فإن أهون خصال الحسد ترك الرضا بالقضاء، وإرادة ضد ما حكم الله جل وعلا لعباده، ثم انطواء الضمير على إرادة زوال النعم عن المسلم، والحاسد لا تهدأ روحه ولا يستريح بدنه إلا عند رؤية زوال النعمة عن أخيه» (١). ثالثًا: أنه من نواقض عرى الإيمان الموجبة لمحبة الخير لأخيه المسلم، وقد قال ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٢). رابعًا: أن فيه اعتداءً على المحسود بغير جرم منه، إلا أن الله أعطاه من فضله، وقد

стр. 604

قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨]. خامسًا: أنه لا يعود على الحاسد إلا بالهم والكمد والأسى، قال علي بن أبي طالب ﵁: «لله در الحسد ما أعْدَلَه! بدأ بصاحبه فقتله» (١). وقال أبو الليث السمرقندي: «يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل حسده إلى المحسود: أولاها: غم لا ينقطع، الثانية: مصيبة لا يؤجر عليها، الثالثة: مذمة لا يحمد عليها، الرابعة: سخط الرب، الخامسة: يغلق عنه باب التوفيق» (٢). وقال الشاعر: دع الحسود وما يلقاه من كمدِهْ يكفيك منه لهيب النار في كبدِهْ (٣) سادسًا: أن الحاسد مبغض ممقوت عند الله وعند الناس؛ لأنه عدو نعمة الله، وعدو عباد الله. قال ابن القيم (٤): «فالحاسد عدو نعمة الله وعدو عباده، وممقوت عند الله وعند الناس، ولا يسود أبدًا، ولا يواسى، فإن الناس لا يسودون عليهم إلا من يريد الإحسان إليهم، فأما عدو نعمة الله عليهم فلا يسودونه باختيارهم أبدًا، إلا قهرًا يعدونه من البلاء والمصائب التي ابتلاهم الله بها فهم يبغضونه وهو يبغضهم». سابعًا: أن الحاسد بدل أن يسعى ويعمل ينشغل بمتابعة ما عند الآخرين، وما أعطاهم الله من فضله، والواجب عليه أن يبذل السبب في السعي والعمل، ويسأل الله من فضله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]. ثامنًا: أن الحسد سبب لإيقاع العداوة والبغضاء بين الناس؛ لأنه يحمل الحاسد على

стр. 605

الاعتداء على المحسود، ومنع حقه، وجحد فضله، مما يوغر الصدور، ويشعل نار العداوة بين الناس. قال معاوية بن أبي سفيان ﵄: «كل الناس أستطيع أن أرضيه إلا حاسد نعمة، فإنه لا يرضيه إلا زوالها» (١). تاسعًا: أنه كبيرة من كبائر الذنوب، ومن صفات إبليس لعنه الله، فهو الذي حسد آدم لشرفه، وأبى أن يسجد له حسدًا وكبرًا، وهو من صفات اليهود المغضوب عليهم. عاشرًا: أنه مرض قلبي، من أخطر أمراض القلوب، ومحبط للأعمال، قال ﷺ : «دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء، وهي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين» (٢)، وفي الحديث: «إياكم والحسد؛ فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب»، أو قال: «العشب» (٣). الوقفة الثانية في: الأسباب التي بها يندفع شر الحاسد بإذن الله - يندفع شر الحاسد عن المحسود بعشَرة أسبابٍ؛ ذكرها ابن القيم ﵀ (٤): أُلخصها فيما يأتي: أحدها: التعوذ بالله من شره، والتحصن به واللجوء إليه، وهو المقصود من سورة الفلق. السبب الثاني: تقوى الله وحفظه عند أمره ونهيه، فمن اتقى الله تولى الله حفظه ولم يكله إلى غيره، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ

стр. 606

شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]. وقال النبي ﷺ لعبد الله بن عباس ﵄: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك» (١). فمن حفظ الله حفظه ووجده أمامه أينما توجه، ومن كان الله حافظه وأمامه فممن يخاف؟ وممن يحذر؟ السبب الثالث: الصبر على عدوه، وألا يقاتله، ولا يشكوه، ولا يحدث نفسه بأذاه أصلًا، فما نصر على حاسده وعدوه بمثل الصبر عليه، والتوكل على الله، ولا يستطل تأخيره وبغيه، فإنه كلما بغى عليه كان بغيه جندًا وقوة للمبغي عليه المحسود، يقاتل به الباغي نفسه، وهو لا يشعر، فبغيه سهام يرميها من نفسه إلى نفسه، ولو رأى المبغي عليه ذلك لسره بغيه عليه، ولكن لضعف بصيرته لا يرى إلا صورة البغي، دون آخره ومآله، وقد قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]. السبب الرابع: التوكل على الله، فمن يتوكل على الله فهو حسبه، والتوكل على الله من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم، وهو من أقوى الأسباب في ذلك، فإن الله حسبه، أي: كافيه، ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع لعدوه، فلو توكل العبد على الله حق توكله وكادته السموات والأرض ومن فيهن لجعل له ربه مخرجًا من ذلك وكفاه ونصره. السبب الخامس: فراغ القلب من الاشتغال به والفكر فيه، وأن يقصد أن يمحوه من باله كلما خطر له، فلا يلتفت إليه، ولا يخافه، ولا يملأ قلبه بالفكر فيه، وهذا من أنفع الأدوية، ومن أقوى الأسباب المعينة على اندفاع شره، فإن هذا بمنزلة من يطلبه عدوه ليمسكه ويؤذيه، فإذا لم يتعرض له، ولا تماسك هو وإياه، بل انعزل عنه، لم يقدر عليه، فإذا تماسكا وتعلق كل منهما بصاحبه حصل الشر، هكذا الأرواح سواء.

стр. 607

السبب السادس: الإقبال على الله، والإخلاص له، وجعل محبته ورضاه والإنابة إليه محل خواطر نفسه وأمانيها، قال تعالى حكاية عن إبليس: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩، ١٠٠]. وقال عن يوسف الصديق ﵇: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]. السبب السابع: تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]. فما سلط على العبد من يؤذيه إلا بذنب يعلمه أو لا يعلمه، وما لا يعلمه العبد من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها، وما ينساه مما عمله أضعاف ما يذكره، وفي الدعاء: قوله ﷺ : «قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم» (١). فما يحتاج العبد إلى الاستغفار منه مما لا يعلمه أضعاف أضعاف ما يعلمه، فما سلط عليه مؤذ إلا بذنب. ولقي بعض السلف رجل فأغلظ له، ونال منه، فقال له: قف حتى أدخل البيت، ثم أخرج إليك، فدخل فسجد لله وتضرع إليه وتاب، وأناب إلى ربه، ثم خرج إليه، فقال له: ما صنعت؟ فقال: تبت إلى الله من الذنب الذي سلطك به عليّ. وليس في الوجود شر إلا الذنوب وموجباتها، فإذا عوفي العبد من الذنوب عوفي من موجباتها. فليس للعبد إذا بُغي عليه، وأُوذي، وتسلط عليه خصومه شيء أنفع من التوبة النصوح.

стр. 608

وعلامة سعادته: أن يعكس فكره ونظره على نفسه وذنوبه وعيوبه، فيشتغل بها، وبإصلاحها، وبالتوبة منها، فلا يبقى فيه فراغ لتدبر ما نزل به، بل يتولى هو التوبة، وإصلاح عيوبه، والله يتولى نصرته وحفظه والدفع عنه ولا بد، فما أسعده من عبد! وما أبركها من نازلة نزلت به! وما أحسن أثرها عليه! ولكن التوفيق والرشد بيد الله، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، فما كل أحد يوفق لهذا، لا معرفة به، ولا إرادة له، ولا قدرة عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. السبب الثامن: الصدقة والإحسان ما أمكنه، فإن لذلك تأثيرًا عجيبًا في دفع البلاء، ودفع العين، ودفع الحسد، ولو لم يكن في هذا إلا تجارِب الأمم قديمًا وحديثًا لكفى به، فما تكاد العين والحسد والأذى يتسلط على محسن متصدق، وإن أصابه شيء من ذلك كان معاملًا فيه باللطف والمعونة والتأييد، وكانت له فيه العاقبة الحميدة، فالمحسن المتصدق في خفارة إحسانه وصدقته، عليه من الله جنة واقية، وحصن حصين. وبالجملة: فالشكر حارس النعمة من كل ما يكون سببًا لزوالها، فما حرس العبد نعمة الله عليه بمثل شكرها، ولا عرضها للزوال بمثل العمل فيها بمعاصي الله، وهو كفران النعمة، وهو باب إلى كفر المنعم. فالمحسن المتصدق يستخدم جندًا وعسكرًا يقاتلون عنه وهو نائم على فراشه. السبب التاسع: وهو من أصعب الأسباب على النفس وأشقها عليها، ولا يوفق له إلا من عظم حظه من الله، وهو إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه، فكلما ازداد أذًى وشرًّا وبغيًا وحسدًا ازددتَّ له إحسانًا، وله نصيحة، وعليه شفقة، وما أظنك تصدق بأن هذا يكون، فضلًا عن أن تتعاطاه، فاسمع الآن قول الله : ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٦]. وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾

стр. 609

[القصص: ٥٤]. وكان ﷺ يسلت الدم عنه، ويقول: «رب اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون» (١). فجمع في هذه الكلمات الأربع مقامات من الإحسان، قابل بها إساءتهم العظيمة إليه، أحدها: عفوه عنهم، والثاني: استغفاره لهم، والثالث: اعتذاره عنهم بأنهم لا يعلمون، والرابع: استعطافه لهم بإضافتهم إليه فقال: «رب اغفر لقومي». وكما تحب أن يعفو الله عن تقصيرك وإساءتك فاعف أنت عمن قصّر في حقك، وآذاك، وأساء إليك، فكما تدين تدان، وكما تفعل مع عباد الله يفعل الله معك. وفي هذا نزل في شأن الصديق ﵁: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. وفي الحديث: «وليأت للناس الذي يحب أن يؤتى إليه» (٢). فمن تصور هذا وشغل به فكره هان عليه الإحسان لمن أساء إليه، مع ما يحصل له من نصر الله ومعيته الخاصة، كما قال ﷺ للذي شكا إليه قرابته، وأنه يحسن إليهم وهم يسيئون إليه، قال: «لا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك» (٣). هذا مع ما يتعجله من ثناء الناس عليه، ويصيرون كلهم معه على خصمه، فإن كل من سمع أنه محسن إلى ذلك الغير وهو مسيء إليه وجد قلبه ودعاءه وهمته مع المحسن على المسيء، وذلك أمر فطري، فطر الله عليه عباده، فهو بهذا الإحسان قد استخدم عسكرًا لا يعرفهم ولا يعرفونه، ولا يريدون منه إقطاعًا، ولا خبزًا.

стр. 610

هذا مع أنه لا بد له من عدوه وحاسده من إحدى حالتين: إما أن يملكه بإحسانه فيستعبده وينقاد إليه ويذل له … وإما أن يفتت كبده، ويقطع دابره إن أقام على إساءته إليه، فإنه يذيقه بإحسانه أضعاف ما ينال منه بانتقامه، ومن جرب هذا عرفه حق المعرفة. السبب العاشر: وهو الجامع لذلك كله، وعليه مدار هذه الأسباب، وهو تجريد التوحيد، والترحل بالفكر في الأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [الأنعام: ١٠٧]. وقال النبي ﷺ لابن عباس ﵄: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك» (١). فإذا جرد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه، وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله، وتجرد لله محبة وخشية وإنابة وتوكلًا واشتغالًا به عن غيره والله يتولى حفظه والدفع عنه، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا، وبحسب إيمان العبد يكون دفع الله عنه، فإن كمل إيمانه دفع الله عنه أتم دفع، وإن مزج مزج له، وإن كان مرة ومرة فالله له مرة ومرة. كما قال بعض السلف: «من أقبل على الله بكليته أقبل الله عليه جملة، ومن أعرض عن الله بكليته أعرض الله عنه جملة، ومن كان مرة ومرة فالله له مرة ومرة». فالتوحيد حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين. قال بعض السلف: «من خاف الله خافه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه كل شيء». قال ابن القيم (٢) ﵀ بعد أن ذكر هذه الأسباب: «هذه عشَرة أسباب يندفع بها شر الحاسد والعائن والساحر، وليس له أنفع من التوجه إلى الله، وإقباله عليه وتوكله عليه وثقته به، وألا يخاف معه غيره، بل يكون خوفه منه وحده، ولا يرجو سواه، بل يرجوه

стр. 611

وحده، فلا يعلق قلبه بغيره، ولا يستغيث بسواه، ولا يرجو إلا إياه، ومتى علق قلبه بغيره ورجاه وخافه وكل إليه، وخذل من جهته، فمن خاف شيئًا غير الله سُلِّط عليه، ومن رجا شيئًا سوى الله خذل من جهته، وحرم خيره، هذه سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلًا».

стр. 612

وقفة في: وسوسة الشيطان للإنسان على أنواع ومراتب أ- أنواع وسوسة الشيطان للإنسان: وسوسة الشيطان للإنسان أنواع كثيرة، منها ما يأتي: تزيين الكفر والشرك؛ قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣]، وقال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨]. ومنها: تزيين المعاصي؛ قال تعالى عن الأبوين ﵉: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٠ - ٢٢]، وقال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]. وقد جعل الله للشيطان سلطانًا على قلوب أهل الكفر والنفاق، كما جعل له نفوذًا على أهل الغفلة والمعاصي، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]. وقال ﷺ : «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» (١).

стр. 613

ومنها: ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته» (١). وفي رواية: أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله، إن أحدنا ليجد في نفسه ما أن يكون حممة أحب إليه من أن يتكلم به. قال: «الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة» (٢). ومنها: أن يشغل القلب بحديثه ووساوسه فيوقعه في نسيان ما أراد فعله أو قوله من أمر ديني أو دنيوي، كما قال تعالى حكاية عن صاحب موسى ﵇ أنه قال: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]، وتقدم في الحديث: «أنه يخطر بين المصلى وبين قلبه، فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى لا يدري أثلاثًا صلى أم أربعًا» (٣). ومنها: أنه يوهم الإنسان ويخوفه من الأمور المستقبلة، ويحمله على التشاؤم دائمًا، ويجعل الحياة مظلمة في عينيه فتنتابه المخاوف على المستقبل، والمخاوف من الأعداء، ومن العين، ومن المرض، ومن الموت، ونحو ذلك، وكل ذلك من الشيطان أخزاه الله. وعلاج ذلك قوة الإيمان بالله والتوكل عليه واطراح هذه الوساوس، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١]. ومنها: أن يوحي إلى أعوانه من شياطين الإنس بأن يقول أحدهم أو يفعل ما فيه

стр. 614

ضرر على العبد المسلم، فكم دبر الشيطان من مكيدة للمؤمنين على أيدي أعوانه من شياطين الإنس بسفك دم، أو انتهاك عرض، أو شتم وسب، أو مقالة سوء، أو نجوى، يريد بها الشيطان إلحاق الضرر والأذى والحزن بالمؤمنين ونحو ذلك، كما قال : ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٠]. وخلاصة القول: أن وسوسة الشيطان على أنواع لا تكاد تحصى كثرة، وهي سبب لكل بلية ولكل معصية تقع في الأرض؛ من ترك للواجبات أو انتهاك للمحرمات وهي على مراتب (١): ب- مراتب وسوسة الشيطان للإنسان: يأتي الشيطان أولًا إلى الإنسان فيدعوه إلى الكفر والشرك ومعاداة الله ورسوله؛ ليكون من جنده ومن أعوانه على الشر. فإن أيس منه، وكان ممن سبق له الإسلام في بطن أمه دعاه إلى المرتبة الثانية من الشر، والتي هي باب من الكفر والشرك، وهي البدعة، وحببها إليه لعظم ضررها في الدين، وكون ضررها متعديًا، وشدة تمسك صاحبها بها لا يكاد يتوب عنها، كما دلت على ذلك الآثار، وكما هو حال أهل البدع. فإن عجز عن إيقاعه في هذه المرتبة، وكان ممن وفق إلى السنة ومعاداة أهل البدع والضلال، دعاه إلى المرتبة الثالثة من الشر؛ وهي: الوقوع في الكبائر على اختلاف أنواعها. فإن عجز عنه دعاه إلى المرتبة الرابعة؛ وهي: الوقوع في الصغائر والاستهانة بها، وهي إذا اجتمعت أهلكت صاحبها، وفي الحديث: «إياكم ومحقرات الذنوب؛ فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه» (٢). وقال ﷺ : «يا عائشة، إياك ومحقرات الذنوب؛ فإن لها من الله طالبًا» (٣).

стр. 615

وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: «لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار» (١). فإن عجز عن إيقاعه في هذه المرتبة دعاه إلى المرتبة الخامسة؛ وهي: الانشغال بالمباحات؛ من المآكل والمشارب وتزجية الأوقات بالنزه في المصايف والاستراحات والسياحة هنا وهناك إيثارًا للشهوات ورغبات النفس، وبهذا ضاعت كثير من أعمار الخلق. بل أدى ذلك بالكثيرين إلى التقصير في الواجبات، والتفريط في حق الله وحقوق الخلق؛ كالوالدين والأزواج والأولاد والأقارب والجيران، وحقوق الأمة؛ بل أدى إلى التفريط في حق النفس، وعدم أخذها بالحزم في أداء الواجبات، والبعد عن المنهيات، والنظر في كتاب الله، وفي سنة رسوله ﷺ الذي هو الغذاء الروحي للنفس، والذي لا حياة للقلوب إلا به. ولعمر الله! لقد خرج الناس بهذه المباحات عن الحد حتى ضاعت أعمار وأعمال وأموال، ونسي كثير من الناس أن الدنيا مزرعة للآخرة، وأن الحياة ميدان مسارعة، ومسابقة ومنافسة للفوز بتلك الدار، وأن الأيام والليالي خزائن للأعمال. فكم من حقوق لله ضيعت وفرطت فيها؛ كالصلاة وغيرها؛ بسبب الركض وراء هذه المباحات! وكم من حقوق للخلق وللأمة أهدرت بسبب ذلك! فكم من والد مقعد على أحر من الجمر يتمنى أن يرى أولاده معه على مائدة طعام، أو أن يكون بجانبه أحد أولاده لتهيئة القهوة له أو لضيوفه ولكن هيهات! فالأولاد كلهم مشغولون بلا شغل في الفلوات والخلوات والاستراحات والذهاب يمينًا وشمالًا وهنا وهناك، والمحصلة صفر. والله المستعان. وكم من زوجة تنتظر زوجها بفارغ الصبر إلى ساعة متأخرة من الليل ولو حرك الهواء أحد الأبواب أو مرّ بها قط وهي غافلة طار عقلها خوفًا وفزعًا وزوجها مشغول

стр. 616

خارج البيت بلا شغل، ولو جاء وهي نائمة لأوسعها سبًّا وشتمًا، إن لم يضربها أو يهددها بالضرب والطلاق! وكم من أولاد- هم فلذات الأكباد- ليس لهم نصيب من جلوس والدهم بينهم وتربيته لهم وحنانه عليهم، بل ربما ليس لهم نصيب من رؤيته إلا النزر القليل يأتي إلى البيت وهم نائمون ويخرج في الصباح إلى العمل، وإذا جاء من العمل تناول غداءه على وجه السرعة ثم انطلق خارج البيت إلى هَوِىٍّ من الليل وهكذا! وكم من أقارب وجيران وأخوات وإخوان أضحت حقوقهم في خضم النسيان بسبب ما ذكر! وكم من مسؤوليات عامة أو خاصة ضُيعت وفرط فيها بسبب هذه الأحوال! وكم من شخص صار قلبه خواء مظلمًا خربًا لخلوه من الغذاء الروحي؛ من الذكر وقراءة القرآن والسنة وتدبر ما فيهما من المعاني والأحكام بسبب انغماسه في هذه الأوحال وانشغاله بها! وصدق الله العظيم: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. فإن عجز الشيطان عن شغل العبد بالمباحات دعاه إلى المرتبة السادسة؛ وهي: الاشتغال بالمفضول عما هو أفضل منه؛ ليفوت عليه ثواب العمل الفاضل، ويزيح عنه الفضيلة ويقلل من فضله وثوابه، فيظن أن هذا الداعي من الله لاعتقاده أن هذا خير، وأن الشيطان لا يأمر بخير، فيقول: هذا الداعي من الله. قال ابن القيم (١): «ولم يصل علمه إلى أن الشيطان يأمر بسبعين بابًا من أبواب الخير، إما ليتوصل إلى باب واحد من الشر، وإما ليفوت بها خيرًا أعظم من تلك السبعين بابًا وأجل وأفضل .. ».

стр. 617

وقفة في: ما يعتصم به الإنسان من الشيطان ذكر ابن القيم ﵀ (١) قاعدة نافعة فيما يعتصم به العبد من الشيطان ويستدفع به شره ويحترز به منه، وذلك عشَرة أسباب، ألخصها فيما يأتي: ١ الحرز الأول: الاستعاذة بالله من الشيطان، كما قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦]. وعن سليمان بن صرد ﵁ قال: «استب رجلان عند النبي ﷺ ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه مغضبًا قد احمر وجهه، فقال النبي ﷺ : «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي ﷺ ، فقال: «إني لست بمجنون» (٢). ٢ الحرز الثاني: قراءة المعوذتين؛ فقد كان النبي ﷺ يتعوذ بهما في كل ليلة، وقال ﷺ : «ما تعوذ متعوذ بمثلهما» (٣)، وأمر عقبة بن عامر أن يقرأ بهما دبر كل صلاة (٤). وقال ﷺ لعبد الله بن خبيب ﵁: «قل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين حين تمسي، وحين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيء» (٥). وقد تقدم ذكر كلام ابن القيم في أن حاجة الإنسان إلى التعوذ بهاتين السورتين أشد

стр. 618

من حاجته إلى الطعام والشراب والنفس واللباس فتأمل هذا. ٣ الحرز الثالث: قراءة آية الكرسي، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: «وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتى آت، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث إلى أن قال: فقال رسول الله ﷺ : «إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح» (١). ٤ الحرز الرابع: قراءة سورة البقرة، كما في حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، وإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان» (٢). ٥ الحرز الخامس: قراءة خاتمة سورة البقرة، كما في حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» (٣). وعن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، فلا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان» (٤). ٦ الحرز السادس: قراءة أول سورة: «حم المؤمن» إلى قوله: «إليه المصير» مع آية الكرسي؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ: حم المؤمن إلى: «إليه المصير»، وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حفظ

стр. 619

بهما حتى يصبح» (١). ٧ الحرز السابع: قول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»، مائة مرة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي. ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر من ذلك» (٢). ٨ الحرز الثامن: كثرة ذكر الله ، وهو من أنفع الحروز وبه طمأنينة القلب، كما قال : ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. ٩ الحرز التاسع: الوضوء والصلاة، قال ابن القيم: «وهذا من أعظم ما يُتحرز به، ولا سيما عند توارد قوة الغضب والشهوة، فإنها نار تغلي في قلب ابن آدم … والوضوء يطفئها، والصلاة إذا وقعت بخشوعها والإقبال فيها على الله أذهبت أثر ذلك كله. وهذا أمر تجربته تغني عن إقامة الدليل عليه» (٣). ١٠ الحرز العاشر: الإمساك عن فضول النظر والكلام والطعام ومخالطة الأنام، فإن الشيطان إنما يتسلط على ابن آدم وينال منه غرضه من هذه الأبواب الأربعة. ويا صعوبة التخلص منها إلا على من وفقه الله. فإن فضول النظر يدعو إلى الاستحسان ووقوع صورة المنظور إليه في القلب، والاشتغال به، والفكرة في الظفر به. وفي الأثر: «إن النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، من تركها مخافتي أبدلته إيمانًا يجد حلاوته في قلبه» (٤).

стр. 620

وقد قيل: كل الحوادث مبداها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة فتكت في قلب صاحبها فتك السهام بلا قوس ولا وتر (١) والإمساك عن فضول الطعام: فإن تتبع أطايب المأكولات وأنواعها سبب للغفلة عن ذكر الله وكون الإنسان بهيميًا همه بطنه، كما أن الإكثار من الأكل سبب للتخمة والكسل وثقل الجسم عن العمل. وفي الحديث: «ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه» (٢). والإمساك عن فضول الكلام: فإن الإكثار من الكلام فيما لا يعني سبب للوقوع فيما لا ينبغي، ولهذا أمر الإسلام بحفظ اللسان، قال تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. وفي حديث معاذ بن جبل ﵁، أنه قال: فقلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به أو فيما نقول بألسنتنا؟ قال: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم» (٣). والإمساك عن فضول مخالطة الأنام: فإن فضول مخالطة الأنام من أعظم أسباب الشرور والآثام، فيجب أن تكون مخالطة العبد للناس على قدر الحاجة.

стр. 621

والناس في هذا أربعة أقسام: القسم الأول: مَنْ مخالطته كالغذاء لا يُستغنى عنه في اليوم والليلة، وهم العلماء بالله وأمره، الناصحون لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. القسم الثاني: من مخالطته كالدواء يحتاج إليه عند المرض، فما دام الشخص صحيحًا فلا حاجة له في مخالطتهم، وهم من لا يستغنى عن مخالطتهم في مصلحة المعاش، فتكون مخالطتهم بقدر الحاجة. القسم الثالث: من مخالطتهم كالداء على اختلاف مراتبه وأنواعه، وقوته وضعفه، فمنهم من تكون مخالطته ضررًا عليك في دينك ودنياك فهم كمرض الموت المخوف، ومنهم من تكون مخالطته كوجع الضرس يشتد فإذا فارقك سكن الألم، ومنهم من تكون مخالطته حمى الروح، وهو الثقيل البغيض، الذي لا تستفيد منه ولا يستفيد منك، لا يحسن أن يتكلم فيفيدك، ولا يحسن أن ينصت فيستفيد منك، ولا يعرف نفسه فيضعها منزلتها، فمخالطة هذا النوع- وهم كل مخالف- حمى الروح، ومن نكد الدنيا على العبد أن يبتلى بواحد من هذا الضرب، وليس له بد من معاشرته ومخالطته فليعاشره بالمعروف، حتى يجعل الله له من أمره فرجًا ومخرجًا. القسم الرابع: من مخالطته الهلك كله بمنزلة أكل السم، كأهل البدع والضلال، الصادين عن سنة رسول الله ﷺ . فالحزم كل الحزم البعد عنهم، والحذر منهم، والتماس مرضاة الله تعالى ورسوله بإغضابهم. وكما قيل: لقد زادني حبًّا لنفسيَ أنني … بغيض إلى كل امرئ غير طائل (١)

стр. 622

مسك الختام في: وصايا مهمة، وفوائد وفرائد وحكم ومعانٍ شعرية مختارة أولًا: وصايا مهمة: هذه مئة وصية اخترتُها لتكون نِبراسًا لكل مسلمٍ ومسلمةٍ، في طريقه إلى الله تعالى، ومنهج حياته، مستخلصة من الكتاب والسنة؛ وبعضها خلاصة للوقفات السابقة. الوصية الأولى بتقوى الله تعالى ؛ فهي وصية الله للأولين والآخرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]. وتصَوُّر الهدف الذي خلقنا الله من أجله وهو عبادته، كما قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. فإن مصيبة كثير من المسلمين اليوم ضعف التصور لهذا الهدف والتأمل فيه، وما ينبغي له، بل غياب هذا الهدف تمامًا عند كثير منهم، مما يولِّد لدى الكثيرين الخواء الروحي الذي يكون سببًا في ضياع العمر، في اللهو والغفلات، وتزجية الأوقات في الأسفار والتنزهات، وعدم معرفة قيمة الوقت، وخسارة العمر والحياة، وقد قال الله : ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر].

стр. 623

الوصية الثانية بالإخلاص لله تعالى في العبادة والعمل ؛ قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]. قال الفُضيل بن عياض ﵀: «أي: أخلصه وأصوبه» (١). فالإخلاص لله تعالى أمر عظيم، ومطلب عزيز، قال بعض السلف: «ما جاهدتُ نفسي على شيءٍ ما جاهدتها على الإخلاص» (٢). فكم من عبادات وطاعات حبِطت بسبب الرياء والسمعة وفقدان الإخلاص! وكم من أعمال وأعمار ضاعت بسبب عدم استحضار النية والإخلاص في التعليم والقضاء، وفي الإمامة والأذان، وفي الإنفاق، وفي الأعمال الوظيفية، وغير ذلك! ينظر كثيرون إلى الجانب المادي فقط، ولم يخطر لهم ببال الاحتساب في ذلك، وطلب ما عند الله تعالى. وهذه مصيبة أكثر العاملين في الأمة إلا من رحم الله تعالى. وأشد من ذلك من ينظر فقط إلى كثرة أتباعه، وثناء الناس عليه، وامتداحهم له. وقد قال الله : ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]. وقال ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى» (٣).

стр. 624

الوصية الثالثة بالتوكل على الله تعالى وتمام الثقة به ؛ فمن توكل على الله تعالى كفاه، وحفظه ووقاه، قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]. وقال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١]. ولن يجد الإنسان السعادة والطمأنينة وراحة البال، حتى يتوكل على الله تعالى ويسلم أمره لله . قال الشاعر (١): سأعيشُ رغمَ الداءِ والأدواءِ كالنَّسرِ فوقَ القمةِ الشَّمَّاءِ النورُ في جَنبي وبينَ جَوانحي فعلامَ أَخشَى السيرَ في الظَّلماءِ؟! الوصية الرابعة بالمسارعة والمسابقة والمنافسة في طلب مغفرة الله تعالى وجنته، وما يقرب إليه ؛ قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ

стр. 625

آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠، ١١]. وقال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨، والمائدة: ٤٨]. وقال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]. وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩، ١٠]. وقال ﷺ : «كل الناس يغدو، فبائعٌ نفسَه فمُعْتِقها أو مُوبِقها» (١). فسارع وسابق ونافس في تعظيم الله ، والتقرب إليه بأداء حقوقه وحقوق خلقه، وإلى أعمال البر والخير والإحسان قولًا وفعلًا وبذلًا، واشغَل وقتك بذلك. قال الشاعر: وما المرءُ إلا حيثُ يجعَلُ نَفسَه … فكن طالبًا في الناسِ أعلى المراتبِ (٢) وقال الآخر: إذا غامرتَ في شَرَفٍ مَرُومٍ … فلا تَقنَعْ بما دونَ النُّجومِ (٣) وقال الآخر: الجَدُّ بالجِدِّ والحِرمانُ بالكسلِ … فانصَبْ تُصِبْ عن قريبٍ غايةَ الأملِ (٤) وقال الآخر: ومَن يَتَهَيَّب صعودَ الجبالِ … يَعِشْ أبدَ الدهرِ بينَ الحُفَرْ (٥)

стр. 626

الوصية الخامسة بالحرص كل الحرص على سلامة القلب من الغل والحسد والعداوة والحقد على أحدٍ من المسلمين ، ومعالجة القلب ومحاسبته ومراقبته على الدوام، وتأمُّل قول الله : ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]، أي: سليم بالإخلاص لله تعالى، وسليم من الغل والحسد والحقد على عباد الله. الوصية السادسة اعلم أن أعظم أسباب التوفيق والقبول، وأوسع أبواب الجنة: الصلاة، وبر الوالدين، وحسن الخلق . فاقدر لهذا الأمر قدْره، وذلك من خلال ما يلي: أولًا: التفرغ التام للصلاة عند دخول وقتها، وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ لأن من اختل أمر صلاته اختلت أمور دينه ودنياه وأخراه، وقد كان المصطفى ﷺ يردد وهو يَجُودُ بنفسه: «الصلاةَ، الصلاة، الصلاة، وما ملَكت أيمانُكم» (١). واعلم- أخي المسلم- أن قبول الله لصلاتك وأجرها بقدر عنايتك بها، بدءًا من متابعة المؤذن، والدعاء بعد الأذان، ثم الوضوء التام، وأخذ الزينة بأجمل اللباس وأتمه، والطيب والسواك، والأذكار أثناء الوضوء، وبعده، وفي الطريق إلى المسجد، وعند دخوله، وتقديم الرجل اليمنى، والقرب من الإمام، وأداء السنة قبلها، والخشوع في الصلاة، وأداء الأذكار والسنة بعدها، ثم تقديم الرجل اليسرى عند الخروج من المسجد، والذكر عند ذلك، وغير ذلك.

стр. 627

فاستحضِر هذه الأمور عند دخول وقت الصلاة، واجتهد فيها، واحذر من أحوال الذين لا يقيمون وزنًا لهذه المعاني، فيأتون إلى الصلاة مجرد عادة على أي هيئة كانوا، وبأي لباس ولو كان بقميص النوم، ولو ذهب أحدهم لأدنى مناسبة لتهيأ لذلك بأجمل لباس وأحسن هيئة، وأي مناسبة تفوق الوقوف أمام الله تعالى؟! مع عدم مراعاة القرب من الإمام ونقص في السنن، وضعف في الخشوع، وغير ذلك. وليس الكلام هنا في صحة الصلاة، وإنما الكلام في فوات الكثير من الأجر؛ مصداق قوله ﷺ : «إن الرجل ليصلي، ثم ينصرف ما كتب له إلا نصفها، ثُلُثها … عُشرها» (١). ثانيًا: الحرص كل الحرص على بر الوالدين، وألا يسبقك أحد في ذلك، تجد أثر ذلك توفيقًا لك في أمور دينك ودنياك وأخراك، وصلاحًا في أهلك وأولادك، وحياة طيبة، وأجرًا عظيمًا عند الله تعالى. أحسن إليهما غاية الإحسان، واشكرهما، واجلس معهما يوميًّا إن استطعت، وتفقد أحوالهما، وتلطف معهما، فحقهما كبير، وأجر برهما عظيم، وعقوقهما خطير، وعقابه وخيم. ثالثًا: اعلم أن أثقل شيء في ميزان العبد يوم القيامة حسن الخلق (٢)، وأنه كاد أن يذهب بخيريِ الدنيا والآخرة (٣)، وأن أهله أقرب الناس من النبي ﷺ مجلسًا يوم القيامة (٤)، فخُذْ

стр. 628

من ذلك بأكبر نصيب، واعلمْ أنه ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب (١). الوصية السابعة كن محسنًا: أولًا: في عبادة الله تعالى، بالإخلاص لله تعالى، ومتابعة الرسول ﷺ . وثانيًا: إلى عباد الله تعالى بأداء حقوقهم الواجبة والمستحبة من الأقارب والجيران وعامة الناس، وحتى البهائم. واعلم أن خلاصة المطلوب منك في القرآن والسنة إحسانان: إحسان في عبادة الله تعالى، وإحسان إلى عباد الله تعالى. الوصية الثامنة اعلم أن آية محبة الله تعالى وتعظيمه هي العمل بكتابه ، واتباع سنة رسوله ﷺ -: وأن محبة الرسول ﷺ ومناصرته وتوقيره تكون في اتباع سنته ﷺ ، والذب عنه وعن سنته، والإكثار من الصلاة والسلام عليه، وليست بالاحتفال بمولده أو الدعاء عند قبره، أو طلب الحاجات وتفريج الكربات منه، ولا بإحياء ليلة السابع والعشرين من رجب بزعم أنها ليلة الإسراء، ولا بإحياء ليلة النصف من شعبان بزعم أنها تُقَدَّر فيها المقادير والأعمال، فهذا كله من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان، ومن الشرك، فحذارِ حذارِ من ذلك.

стр. 629

الوصية التاسعة احرص على إتْباعِ القولِ بالعمل: فقد أنكر الله على الذين يقولون ولا يفعلون، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣]. ولنعلم أن العمل لنصرة الإسلام إنما يكون بالتمسك به قولًا وعملًا والدعوة إليه، والدفاع عنه، وليس بالحماس الأجوف الذي ابتُلي به كثير من المسلمين اليوم، وهو الاكتفاء بالتباكي على واقع الأمة دون العمل في إصلاح نفسه وأهل بيته وأقاربه وجيرانه وأهل مسجده وأهل حيه، ومن حوله، ونحوهم. فالتباكي على واقع الأمة لا يجدي شيئًا، ولا تبرأ به الذمة أمام الله تعالى، بل هو انهزام وتخذيل للأمة يصب في مصلحة أعدائها، وما أكثرَ المتباكين، وما أقل العاملين! ليس العمل للإصلاح بكثرة القيل والقال في المجالس العامة والخاصة، وفي المنتديات، والمواقع ووسائل التواصل ونقل الأخبار والشائعات وكثرة التحليلات، فهذا ليس فيه إلا مساعدة أهل الباطل في ترويج باطلهم، وقد قال ﷺ : «إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلَكُهم» (١). ولهذا رُوي عن عمر ﵁ أنه قال: «إن لله عبادًا يُمِيتُونَ الباطل بهَجْرِه، ويُحيُون الحق بذِكرِه» (٢). وليعلم الجميع أن طريق الصلاح والإصلاح والربح والفوز والفلاح قد رسمه الله بقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا

стр. 630

بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر] فالزم هذا الطريق ولا تَحِدْ عنه، وأبشر بالخير. الوصية العاشرة احرص على ملازمة الأوراد اليومية في الصباح والمساء، وعلى قراءة جزء أو حزب من القرآن الكريم أو أكثر: لأن حاجة الإنسان إلى ذلك أشد من حاجته إلى الطعام والشراب والنفس. والإكثار من الأذكار؛ فإن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأرضها قِيعان، وغِراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر (١). والإكثار من الاستغفار والتوبة، قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩]. وقال للمؤمنين: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]. وقال ﷺ : «إني لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة» (٢)، وفي رواية: «مئة مرة» (٣).

стр. 631

الوصية الحادية عشرة ليدخل كل منَّا على ربه من باب الضعف والافتقار والذل والخضوع، جامعًا بين الخوف والرجاء، ولا يغتر بعمله، فلا أحد يدخل الجنة بعمله، ولكن برحمة أرحم الراحمين وفضله ، كما ﷺ (١). الوصية الثانية عشرة ليكن كلٌّ منَّا رحيمًا عطوفًا على الفقراء والمساكين واليتامى والأرامل وذوي الحاجات، محبًّا للمساكين، رفيقًا بالحيوان، «فإنما يرحم الله من عباده الرحماء» (٢)، «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (٣). الوصية الثالثة عشرة بأن ينظم المرء وقته: فينام مبكرًا ويقوم مبكرًا، يبارك الله له في عمره وفي أهله وولده، ولنحذر من سهر الليل؛ فإنه السبب الأول للتقصير في حقوق الله تعالى وحقوق الخلق، وفي

стр. 632

فقدان السعادة والبركة في العمر والرزق، وسبب للقلق والأمراض النفسية وغير ذلك. الوصية الرابعة عشرة ليعلم الجميع أن وجود ولاة الأمر في الأمة من أعظم نعم الله تعالى على العباد، بهم يأمن الناس على دمائهم وأعراضهم وأموالهم، وبهم تقوم شعائر الدين، وتنتظم مصالح المسلمين، وتقوى شوكتهم وتعظم هيبتهم. وطاعة ولاة الأمر بالمعروف واجبة، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. وقال ﷺ : «على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكرِه ما لم يُؤمَر بمعصية، فإن أُمر بمعصيةٍ فلا سمعَ ولا طاعة» (١). ومن طاعة ولاة الأمر: الالتزام بتطبيق الأنظمة التي يضعونها لحفظ الأمن، وحفظ مصالح المسلمين؛ كنظام المرور، وتنظيم الحج، وغير ذلك. ومن حق ولاة الأمر: الدعاء لهم، والنصيحة لهم، والتعاون معهم في مصلحة الأمة، والحذر من جعلهم عرضة للطعن في المجالس العامة والخاصة، وفي وسائل التواصل، فإن ذلك إنما يخدم أعداء الأمة المتربصين بها من كل جانب، فحذارِ حذارِ من ذلك! قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «يجب أن يُعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس». ثم ذكر الحديث: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمِّروا أحدهم»، ثم قال:

стр. 633

«فأوجب ﷺ تأمير الواحد في الاجتماع العارض في السفر؛ تنبيهًا بذلك على سائر أنواع الاجتماع، ولأن الله أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه الله في الجهاد والعدل وإقامة الحج والجُمَع والأعياد، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود، ولا تتم إلا بالقوة والإمارة، ولهذا رُوي: «إن السلطان ظل الله في الأرض»، ويقال: «ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان»، والتجرِبة تبين ذلك، ولهذا كان السلف كالفضيل بن عياض والإمام أحمد بن حنبل وغيرهما يقولون: لو كان لنا دعوة مستجابة لَدَعَونا بها للسلطان» (١). الوصية الخامسة عشرة اعلم أن الدين النصيحة: فكن ناصحًا لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. قال ﷺ : «الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (٢). وقال جرير بن عبد الله ﵁: «بايعتُ رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم» (٣). الوصية السادسة عشرة لا تنس أن مستقبلك الحقيقي بعد الموت ، فاجتهد لتأمين ذلك المستقبل، واربط حياتك بلقاء ربك، ومن بيده مستقبلك.

стр. 634

قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٣، ٢٤]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] ولكن هيهات! وقال تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [سبأ: ٣٣]. قال الشاعر: سوفَ ترى إذا انجلى الغبارُ أفرسٌ تحتك أم حِمارُ (١) الوصية السابعة عشرة اعرف قيمة حياتك وعمرك، وأن الأيام والليالي خزائن للأعمال، فاملَأْها بالأعمال الصالحة، واحذَرْ من ملئها بالأعمال السيئة، واعلم أنها لن تأتيَ خاليةً فارغة. الوصية الثامنة عشرة اعلم أن رأس مال الإنسان في هذه الدنيا أمران: علم نافع وعمل صالح ، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣، والفتح: ٢٨، والصف ٩]. أي: بالعلم النافع والعمل الصالح، فنافس في ذلك فما زال الباب مفتوحًا، والسوق رابحة، فاليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل، فخذ نصيبك من ربك، من

стр. 635

الباقيات الصالحات، وتزود من التقوى فإنها خير زاد، واحذر كل الحذر أن تأتي غدًا مغبونًا، فلا أحد يرضى الغبن لنفسه. الوصية التاسعة عشرة احفظِ الله يحفظْك ؛ احفظ الله بأداء حقوقه، وفعل أوامره واجتناب نواهيه، وأداء حقوق خلقه. يحفظك في دينك ودنياك وأخراك، وأهلك وولدك ومالك. واحترز من الذنوب والمعاصي، فهي السبب الأول لمصائب الدين والدنيا والآخرة، وهي السبب لكل بليَّة، والجالبة لكل رزيَّة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]. وقال ﷺ : «إن الرجل ليُحرَم الرزق بالذنب يصيبه» (١). وقال عمر بن الخطاب ﵁: «واحترزوا من الذنوب فإنها أشد عليكم من عدوكم» (٢). الوصية العشرون اعلم أنك لن تذوق طعم السعادة الحقيقية في حياتك حتى تذوق حلاوة الإيمان ، وتلتذ بالطاعة والأعمال الصالحة، وينشرح صدرك بذلك، فتستغني بذلك عن فضول
следующие страницы →