← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 800

مراقي العزة ومقومات السعادة

سليمان اللاحم

Полный текст (723 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الوصية الحادية عشرة ليدخل كل منَّا على ربه من باب الضعف والافتقار والذل والخضوع، جامعًا بين الخوف والرجاء، ولا يغتر بعمله، فلا أحد يدخل الجنة بعمله، ولكن برحمة أرحم الراحمين وفضله ، كما ﷺ (١). الوصية الثانية عشرة ليكن كلٌّ منَّا رحيمًا عطوفًا على الفقراء والمساكين واليتامى والأرامل وذوي الحاجات، محبًّا للمساكين، رفيقًا بالحيوان، «فإنما يرحم الله من عباده الرحماء» (٢)، «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (٣). الوصية الثالثة عشرة بأن ينظم المرء وقته: فينام مبكرًا ويقوم مبكرًا، يبارك الله له في عمره وفي أهله وولده، ولنحذر من سهر الليل؛ فإنه السبب الأول للتقصير في حقوق الله تعالى وحقوق الخلق، وفي

стр. 632

فقدان السعادة والبركة في العمر والرزق، وسبب للقلق والأمراض النفسية وغير ذلك. الوصية الرابعة عشرة ليعلم الجميع أن وجود ولاة الأمر في الأمة من أعظم نعم الله تعالى على العباد، بهم يأمن الناس على دمائهم وأعراضهم وأموالهم، وبهم تقوم شعائر الدين، وتنتظم مصالح المسلمين، وتقوى شوكتهم وتعظم هيبتهم. وطاعة ولاة الأمر بالمعروف واجبة، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. وقال ﷺ : «على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكرِه ما لم يُؤمَر بمعصية، فإن أُمر بمعصيةٍ فلا سمعَ ولا طاعة» (١). ومن طاعة ولاة الأمر: الالتزام بتطبيق الأنظمة التي يضعونها لحفظ الأمن، وحفظ مصالح المسلمين؛ كنظام المرور، وتنظيم الحج، وغير ذلك. ومن حق ولاة الأمر: الدعاء لهم، والنصيحة لهم، والتعاون معهم في مصلحة الأمة، والحذر من جعلهم عرضة للطعن في المجالس العامة والخاصة، وفي وسائل التواصل، فإن ذلك إنما يخدم أعداء الأمة المتربصين بها من كل جانب، فحذارِ حذارِ من ذلك! قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «يجب أن يُعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس». ثم ذكر الحديث: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمِّروا أحدهم»، ثم قال:

стр. 633

«فأوجب ﷺ تأمير الواحد في الاجتماع العارض في السفر؛ تنبيهًا بذلك على سائر أنواع الاجتماع، ولأن الله أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه الله في الجهاد والعدل وإقامة الحج والجُمَع والأعياد، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود، ولا تتم إلا بالقوة والإمارة، ولهذا رُوي: «إن السلطان ظل الله في الأرض»، ويقال: «ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان»، والتجرِبة تبين ذلك، ولهذا كان السلف كالفضيل بن عياض والإمام أحمد بن حنبل وغيرهما يقولون: لو كان لنا دعوة مستجابة لَدَعَونا بها للسلطان» (١). الوصية الخامسة عشرة اعلم أن الدين النصيحة: فكن ناصحًا لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. قال ﷺ : «الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (٢). وقال جرير بن عبد الله ﵁: «بايعتُ رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم» (٣). الوصية السادسة عشرة لا تنس أن مستقبلك الحقيقي بعد الموت ، فاجتهد لتأمين ذلك المستقبل، واربط حياتك بلقاء ربك، ومن بيده مستقبلك.

стр. 634

قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٣، ٢٤]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] ولكن هيهات! وقال تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [سبأ: ٣٣]. قال الشاعر: سوفَ ترى إذا انجلى الغبارُ أفرسٌ تحتك أم حِمارُ (١) الوصية السابعة عشرة اعرف قيمة حياتك وعمرك، وأن الأيام والليالي خزائن للأعمال، فاملَأْها بالأعمال الصالحة، واحذَرْ من ملئها بالأعمال السيئة، واعلم أنها لن تأتيَ خاليةً فارغة. الوصية الثامنة عشرة اعلم أن رأس مال الإنسان في هذه الدنيا أمران: علم نافع وعمل صالح ، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣، والفتح: ٢٨، والصف ٩]. أي: بالعلم النافع والعمل الصالح، فنافس في ذلك فما زال الباب مفتوحًا، والسوق رابحة، فاليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل، فخذ نصيبك من ربك، من

стр. 635

الباقيات الصالحات، وتزود من التقوى فإنها خير زاد، واحذر كل الحذر أن تأتي غدًا مغبونًا، فلا أحد يرضى الغبن لنفسه. الوصية التاسعة عشرة احفظِ الله يحفظْك ؛ احفظ الله بأداء حقوقه، وفعل أوامره واجتناب نواهيه، وأداء حقوق خلقه. يحفظك في دينك ودنياك وأخراك، وأهلك وولدك ومالك. واحترز من الذنوب والمعاصي، فهي السبب الأول لمصائب الدين والدنيا والآخرة، وهي السبب لكل بليَّة، والجالبة لكل رزيَّة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]. وقال ﷺ : «إن الرجل ليُحرَم الرزق بالذنب يصيبه» (١). وقال عمر بن الخطاب ﵁: «واحترزوا من الذنوب فإنها أشد عليكم من عدوكم» (٢). الوصية العشرون اعلم أنك لن تذوق طعم السعادة الحقيقية في حياتك حتى تذوق حلاوة الإيمان ، وتلتذ بالطاعة والأعمال الصالحة، وينشرح صدرك بذلك، فتستغني بذلك عن فضول

стр. 636

المباحات والملذات. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. وقال ﷺ : «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» (١). الوصية الحادية والعشرون أحسن الظن بإخوانك المسلمين، واحذر من سوء الظن، ومن انتقاد الآخرين ، فلان فيه كذا، وفلان يقول كذا، وكن ناصحًا لجميع المسلمين، وداعيةَ خير، واعمل للإصلاح ما استطعت، وانشغل بعيوبك عن عيوب غيرك. فإن من الناس من يرى القَذاة في عين أخيه، ولا يرى الجِذع في عينه. قال الشاعر: قبيحٌ من الإنسانِ يَنسَى عُيوبَه … ويذكر عيبًا في أخيه قدِ اخْتَفَى ولو كان ذا عقلٍ لما عاب غيرَه … وفيه عيوبٌ لو رآها به اكتفى (٢) الوصية الثانية والعشرون احذر من عثرات اللسان، والقلم والبنان، وسلبياتها في المنتديات ووسائل التواصل وغيرها، قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨].

стр. 637

وقال ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقلْ خيرًا أو ليصمت» (١). وقال ﷺ : «من حسن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه» (٢). وقال ﷺ : «دعْ ما يَريبك إلى ما لا يَريبك» (٣). قال الشاعر: احذَرْ لسانَك أيها الإنسانُ … لا يَلدغَنَّك إنه ثُعبانُ (٤) وقال الآخر: وما من كاتبٍ إلا سيفنى … ويبقى الدهرَ ما كَتبتْ يَداهُ فلا تكتبْ بكفِّك غيرَ شيء … يَسُرُّك في القيامةِ أن تَراه (٥) الوصية الثالثة والعشرون اتقِ الظلم واعلم أن الظلم ظلمات يوم القيامة ، كما قال ﷺ (٦). واعلم أن الله حرَّمه على نفسه وجعله بين العباد محرمًا (٧)، فهو من أكبر الكبائر، وعاقبته وخيمة، ونهايته أليمة، مما يوجب الحذر منه كل الحذر. وقد قيل: «إذا دعتْك قُدرتُك إلى ظلم الناس فاذكرْ قدرة الله عليك». وقال الشاعر: لا تظلمنَّ إذا ما كنتَ مُقتدِرًا … فالظلمُ يرجع عقباه إلى الندمِ تنام عينُك والمظلومُ مُنتبِهٌ … يدعو عليك وعينُ اللهِ لم تَنَمِ (٨)

стр. 638

وقال الآخر: وما من يدٍ إلا يد الله فوقها … ولا ظالم إلا سيُبلى بظالم (١) وقال الشافعي ﵀: إلى ديَّان يوم الدين نمضي … وعند اللهِ تَجتمع الخصومُ ستعلَمُ في الحساب إذا التقينا … غدًا عند الإلهِ مَنِ الظلومُ (٢) واعلم أن من أشد أنواع الظلم ما يلي: - ظلم الزوج لزوجته: قال ﷺ : «اتقوا الله في النساء فإنهن عَوَانٌ- أي: أسيرات- عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فُرُوجَهنَّ بكلمة الله». - ظلم اليتامى بالاعتداء عليهم وأكل أموالهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]. وقال ﷺ : «إني أحرِّج حق الضعيفين: المرأة واليتيم» (٣). ومثل المرأة واليتيم: الضعفاء والمساكين ونحوهم ممن لا حول لهم ولا طَول، فظلمهم من أشد الظلم. - ظلم ذوي القربى؛ لأن حقهم المساعدة لهم والدفاع عنهم، فكيف يقع الظلم من بعضهم على بعض؟! فهذا من أشد الظلم وقعًا على النفوس، كما قال الشاعر: وظُلم ذوي القربى أشدُّ مَضاضةً على النفسِ من وقعِ الحُسامِ المهنَّدِ (٤) - ظلم العمال المكفولين بأكل حقوقهم أو تأخيرها أو إلزامهم بأعمال غير ما استُقدموا له، أو ضربهم، أو إهانتهم، أو منعهم من الاتصال بذويهم، أو تعريضهم للهلاك بسبب الجوع والعطش، أو الحر والبرد، وغير ذلك.

стр. 639

- ظلم البهائم بمنعها الطعام والشراب، أو عدم حلبها، أو تحميلها ما لا تُطيق، ونحو ذلك، فقد دخلت امرأة النار بسبب هرة حبستها حتى ماتت، لا هي أطعمتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خَشاش الأرض (١). الوصية الرابعة والعشرون كن سباقًا للسلام على كل من لقِيت من المسلمين، ممن تعرف وممن لا تعرف ، واحذر من قصر السلام على من تعرف أو البخل بالسلام. سلم عند دخول المسجد والبيت والأماكن العامة والخاصة، وفي الطرقات ماشيًا أو راكبًا، وعند الإشارات الضوئية، وغير ذلك. قال ﷺ : «وخيرهما من يبدأ بالسلام» (٢). وقال ﷺ : «أبخل الناس الذي يبخل بالسلام» (٣). واجمَعْ بين السلام والمصافحة ما أمكنك ذلك، قال أنس بن مالك ﵁: «كانت المصافحةُ في أصحابِ رسول الله ﷺ » (٤). الوصية الخامسة والعشرون تبسم في وجه مَن لقِيت من إخوانك المسلمين ، فقد قال جرير بن عبد الله ﵁: «ما حَجَبَني رسول الله ﷺ منذ أسلمتُ، ولا رآني إلا تبسمَ في وجهي» (٥).

стр. 640

وقال ﷺ : «تبسُّمك في وجه أخيك صدقة» (١). وقال ﵊: «لا تحقِرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلْق» (٢). فاحرص- بارك الله فيك- على التخلق بهذا الخلق الكريم، أُسوة بالنبي ﷺ ، واحذر أن يخدعك الشيطان فيفوت عليك هذا الأجر العظيم. الوصية السادسة والعشرون احذر من التعصب بكل أشكاله وأنواعه وألوانه؛ من التعصب لمذهب أو حزب أو قبيلة، أو موطن، أو غير ذلك، فليس في ذلك فائدة إلا ذهاب العمر بلا فائدة، مع التبِعات التي لا تُحمد عُقباها، وتأمل أحوال من قضَوا أعمارهم وراء ذلك، وماذا جَنَوا! الوصية السابعة والعشرون اعلم أن الانتصارالحقيقي للأمة هو الانتصار بدينها وأخلاقها ، كما قال الشاعر: وإنما الأممُ الأخلاقُ ما بقِيت فإنْ همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا (٣) فمتى انتصرت الأمة بأخلاقها، حصلت لها القوة المعنوية، وتقدمت بسياستها واقتصادها، وصارت بإذن الله تعالى في قوة ومنعة من أعدائها.

стр. 641

الوصية الثامنة والعشرون كن دقيقًا في حساب زكاة مالك، قليلًا كان أو كثيرًا، وحدد وقتًا لإخراج الزكاة، سواء في رمضان أو في المحرَّم، بداية السنة أو في غير ذلك. واعمل على أنه إذا جاء الوقت المحدد عندك لإخراجها أن تزكي كل ما عندك من المال بغض النظر عن كون بعضه ما تم عليه الحول، ولم تجب زكاته، فهذا أيسر لك وأسهل، وإن حددت لكل ما يدخل عليك من مال بداية حوله من حين دخوله إلى أن يحول عليه الحول، فهذا هو الأصل، لكن قد يكون فيه مشقة عليك. واعلم أنه لا مانع من تعجيل الزكاة لحول أو حولين عند الحاجة إذا كان المال موجودًا عندك كما تعجل ﷺ زكاة عمه العباس ﵁ (١). فمتى رأيت بأحد حاجة أو جاءك تعطيه من زكاة مالك، وإن كان لم يتم عليه الحول. وفيه توسعة ولله الحمد. الوصية التاسعة والعشرون اقدر لشهر رمضان المبارك قدره، واجتهد في حفظ صيامه من المفطرات الحسية والمعنوية، وفي حفظ قيامه بالقيام مع الإمام حتى ينصرف، يُكتب لك قيام كل الشهر.

стр. 642

واحذر كل الحذر من نوم النهار أو أكثره، وتفويت صلاة الجماعة، أو تأخير الصلاة عن وقتها، فما صام من فعل ذلك. واحذر من أن تذهب لصلاة التراويح خلف إمام بعينه فتفوتك صلاة الجماعة مع الإمام، فتكون كمن يعمر قصرًا، ويهدِم مِصرًا، وتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فلا شيء من النوافل يعوض عن صلاة الجماعة مع الإمام. واحرص على أداء صلاة التراويح في مسجدك، وشجع الإمام والمؤذن وجماعة الحي، وتعهد أولادك وأهلك، فهو خير لك وأعظم أجرًا، وأفضل من البحث عن مسجد آخر. واعلم أن شهر رمضان هو شهر القرآن، فأكثِر فيه من قراءة القرآن الكريم. واعلم أن القرآن الكريم هو الزاد والمزاد لك في دينك ودنياك وأخراك، اقرأه بتدبر لألفاظه ومعانيه وأحكامه ومواعظه، واعمل به، اختمه على الأكثر في كل شهر، أو في عشرين، أو في عشر، أو في سبع، أو في ثلاث، ولا تزد على ذلك، كما قال النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ (١)، ولقوله ﷺ : «لا يفقه من قرأ القرآن بأقل من ثلاث» (٢). واعلم أن من قرأه في ثلاث أفضل ممن قرأه كل ليلة؛ لأن من قرأه في ثلاث أخذ بالسنة، ويمكنه تدبر ما يقرأ، أما من قرأه في أقل من ذلك فإنه لم يأخذ بالسنة، ولا يفقه ما يقرأ، وشق على نفسه، وربما ضيع حقوقًا أخرى لنفسه وأهله وولده وغيرهم، والمُنبَتُّ لا أرضًا قَطَع ولا ظهرًا أبقَى (٣). وقد قال ﷺ : «إن هذا الدين يُسر، ولن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا» (٤).

стр. 643

وقد رد ﷺ على المتبتلين تبتلهم الذين قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أُفطر، وقال آخر: أنا أعتزِل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأُفطر، وأصلي وأرقُد، وأتزوج النساء، فمن رغِب عن سنتي فليس منِّي» (١). خذ المصحف باليمين، وناوِلْه باليمين، واحمِلْه باليمين، وقلِّب صفحاته باليمين، وجنبه اليسار ما استطعتَ تكريمًا وتوقيرًا له واحترامًا، ولك أجر ذلك كله إن شاء الله. احمله أثناء القراءة إن استطعتَ بيدِك فهو أفضل، احرص على القراءة بالمصحف فهو أجمع للفكر والتدبر وأولى، وأسلم من المشوِّشات في الجوال. الوصية الثلاثون احرص على تطبيق كل ما ثبت بالسنة، فذلك أفضل . في الرواتب: صلِّ تارَةً عشْر ركَعات، وتارَةً اثنتي عشرة ركعةً، فهذا أولى وأفضل من المداومة على الاثنتي عشْرةَ ركعةً وحدَها، أو على العشر وحدها. والأمر واسع. في قيام الليل: تنام نصف الليل، وتقوم ثلثه، وتنام سدسه، كما كان قيامه ﷺ ، فهذا أولى وأفضل من قيام الليل كله، اللهم إلا في العشر الأواخر من رمضان؛ فقد كان النبي ﷺ يحيي الليلَ كلَّه (٢). في الصوم: صُمْ يومًا وأفطِر يومًا كما كان صيام داود ﵊ (٣). في ختم القرآن الكريم: اختِمْه في كل شهر، أو في عشرين، أو في عشر، أو في سبع، أو في ثلاث، ولا تزِدْ على ذلك، كما تقدم بيانُه.

стр. 644

الوصية الحادية والثلاثون اعلم أن العمرة في رمضان من أفضل الأعمال؛ لقوله ﷺ : «عمرة في رمضان تَقضي حجة» أو «حجة معي» (١). فاغتنِم هذا الشهر لأداء العمرة ما أمكنك ذلك. وإن كنت من ذوي المسؤوليات في الأمة وقد أديت العمرة الواجبة عمرة الإسلام، وتتأثر مسؤوليتك بذهابك للعمرة، فأجرك في القيام بمسؤوليتك، والله يكتب لك أجر العمرة إذا كنت إنما تركتها التزامًا بمسؤوليتك، كإمامة الناس في الصلاة، أو خدمة للمسلمين يُحتاج إلى قيامك بها، أو القيام على والد أو مريض من ولد أو أخ أو قريب أو صديق، أو أخ في الله يحتاج لقيامك عليه، أو لعمل في الدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو غير ذلك. وكذلك إن حال بينك وبينها مرض أو سفر، ونحو ذلك، قال ﷺ : «إذا مرض العبد أو سافر كُتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا» (٢). ومثل العمرة في رمضان في كونها من أفضل الأعمال العمرة في ذي القَعدة؛ لأن النبي ﷺ اعتمر أربع مرات كلها في ذي القَعدة (٣)، ولنا به أسوة صلوات الله وسلامه عليه في أقواله وأفعاله.

стр. 645

الوصية الثانية والثلاثون اجتهد في العشر الأواخر من رمضان؛ فإن النبي ﷺ كان إذا دخل العشر شدَّ مِئزَره وأحيا ليلَه، وأيقَظَ أهله (١)، وكان يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها (٢). والتمِس ليلة القدر في جميع ليالي العشر، فهي ليالٍ قليلة محدودة معدودة، وكلها تُرجى فيها ليلة القدر، كما جاءت الأحاديث بذلك. إضافة إلى أن ليلة القدر على الصحيح من أقوال أهل العلم تنتقل، وليست ثابتة في ليلة واحدة (٣). الوصية الثالثة والثلاثون زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين يوم العيد وليلته، وهي صاع من طعام، من بُرٍّ أو شعير أو تمر أو زبيب أو أقِط؛ كما قال ابن عمر ﵄: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من بُرٍّ أو شَعير أو تمر أو زبيب أو أَقِط» (٤). ولا يجوز إخراجها من القيمة على الصحيح من أقوال أهل العلم؛ لحديث ابن عمر ﵄، وينبغي أن يتولاها الإنسان بنفسه؛ لأنها عبادة فيخرجها عن نفسه وأهل بيته، من زوج أو ولد أو مملوك، ممن وُلد قبل غروب الشمس ليلة العيد أو مُلِك، وتجب بغروب

стр. 646

الشمس ليلة العيد، والأولى إخراجها يوم العيد قبل الصلاة، ويجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين. ويجوز لمن أُعطيت له إخراجها زكاة عن نفسه وعن أهل بيته. الوصية الرابعة والثلاثون اختم صيام رمضان وقيامه بالتكبير ليلة العيد ويومه إلى خروج الإمام لصلاة العيد ، تكبيرًا وتعظيمًا لله تعالى على هدايته وشكرًا له على ما يسر من إكمال عدة شهر رمضان وصيامه وقيامه، وقراءة القرآن، وغير ذلك من صالح الأعمال: «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد» (١). الوصية الخامسة والثلاثون صلاة العيد سنة مؤكدة، ويرى بعض أهل العلم وجوبها، فاشهدها مع المسلمين، واذهب إليها من طريق، وارجع من طريق آخر اقتداء بالنبي ﷺ (٢). وافرح بالعيد ووسع فيه على أهلك، فهو «يوم أكل وشرب وذكر لله تعالى» (٣).

стр. 647

الوصية السادسة والثلاثون أتبِعْ صيام رمضان بصيام ستٍّ من شوال، تكن كمن صام الدهر (١). واحرِصْ على المبادرة بصيامها بعد العيد مباشرة؛ فهو أَولى وأفضل. لا تقدم صيامها على صيام ما عليك من قضاء، بل قدِّمْ صيام القضاء فهو أولى وآجر، وأسرِع في إبراء الذمة، والواجب مقدَّم على السنة. واعلم- أخي المسلم وأختي المسلمة- أن من لم يتمكن من صيام الست بسبب كثرة ما عليه من القضاء، أو بسبب مرض أو سفر لم يتمكن معه من صيامها، وكان من عادته أن يصومها فإن الله يكتب له أجر صيامها تامًّا؛ لقوله ﷺ : «إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا» (٢). وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. الوصية السابعة والثلاثون اغتنم أيام عشر ذي الحِجَّة بالأعمال الصالحة كلها . واعلم أن العمل الصالح فيها من أحب الأعمال إلى الله تعالى وأفضلها (٣).

стр. 648

ومما يتأكد في هذه الأيام العشر من الأعمال الصالحة ما يلي: أولًا: التكبير والتهليل والتحميد، وهي من أفضل الأعمال الصالحة في هذه الأيام العشر، وهي شعارها؛ لقوله ﷺ : «فأكثروا فيهن من التكبير والتهليل والتحميد» (١). وكان أبو هريرة وابن عمر ﵄ يخرجان في الناس فيكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما (٢). وكان عمر ﵁ يكبر في قبته بمنًى فيسمعه أهل المسجد، فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج مِنًى تكبيرًا. وكان ابن عمر ﵄ يكبر بمنًى تلك الأيام، وخلف الصلوات، وعلى فراشه، وفي فسطاطه ومجلسه، وممشاه تلك الأيام جميعًا (٣). والتكبير منه المطلَق الذي يبدأ من دخول شهر ذي الحِجة، وحتى غروب الشمس من اليوم الثالث عشر منه، آخر أيام التشريق. ومنه التكبير المقيَّد بأدبار الصلوات، ويبدأ من فجر يوم عرفة لغير الحاج إلى عصر آخر أيام التشريق. فإذا سلَّم من الفريضة، وقال: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركتَ يا ذا الجلال والإكرام، شَرَعَ في التكبير، فقال: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، ويكررها ثلاث مرات، ثم يكمِل بقية الأذكار الواردة بعد الصلاة. والتكبير يكون بأي صيغة من صيغ التكبير الثابتة عن النبي ﷺ . وينبغي الحرص على إظهار هذا الشعار العظيم لهذه الأيام العشر بالتكبير والتهليل

стр. 649

والتحميد في المساجد والبيوت والأسواق والأماكن العامة والخاصة، ولا نخجل؛ فإن هذا من إظهار شعائر الإسلام، ومن الأعمال المتعدي نفعها والتذكير بها إلى الآخرين، ومن الدعوة إلى الله تعالى، وقد يفوق العمل على نشره وإظهاره كثيرًا من الأعمال القاصرة على الشخص نفسه. ثانيًا: الحج، وهو واجب في حق من لم يحج حجة الإسلام، يجب أن يبادر إليه على الفور ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وهو سنة في حق من حج فرضه، ومندوب إليه. وعلى مَن أراد الحج الالتزام بالأنظمة التي وُضعت لتنظيم الحج، وعدم مخالفتها. وبإمكان من كان صادق الرغبة في أن يُكتب له أجر حجة كل سنة أن يدفع قيمة الحج لمن لا يستطيعون الحج من الفقراء من العمالة وغيرهم، بل بإمكانه أن يدفع لأكثر من شخص فيحصل على عدة حجج في سنة واحدة، وفضل الله واسع. ثالثًا: صيام يوم عرفة، قال ﷺ : «صيام يوم عرفة أحتسِب على الله أن يكفِّر السنة الماضية والباقية» (١). رابعًا: صلاة العيد، وهي سنة مؤكدة لا ينبغي للمسلم أن يدعها، بل قال بعض أهل العلم بوجوبها (٢). خامسًا: الأُضحِيَّة، وهي سُنة مؤكدة لا ينبغي لمن كان قادرًا أن يتركها، بل أوجبها بعض أهل العلم، وتكون عن الشخص نفسه وعن أهل بيته الأحياء، ومن أراد من الأموات. والأَولى أن يتولى ذبحها بنفسه؛ لأنها عبادة ونسيكة، ويكون ذلك في بيته وبين أهله وأولاده ليتعلموا ذلك، ولهذا لا يحسن أن يعطيَها للجهات الخيرية تتولى ذبحها، سواء في الداخل أو الخارج. وعلى المسلم أن يجتهِد في فعل ما استطاع من صالح الأعمال في هذه الأيام العشر؛

стр. 650

من الصلاة وقيام الليل، والصدقة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والدعوة إلى الله تعالى، وإصلاح ذات البين، والصيام، والذكر، وقراءة القرآن، وغير ذلك. قال ابن باز ﵀ (١): «وصيامها لا بأس به، وفيه أجر؛ لعموم قوله ﷺ : «ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيهن أحبُّ إلى الله من هذه الأيام العشر» قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجِع من ذلك بشيء» (٢). أما النبي ﷺ فرُوي عنه أنه كان يصومها، ورُوي أنه لم يكن يصومها، ولم يثبت في ذلك شيء من جهة صومه لها أو تركه لذلك. الوصية الثامنة والثلاثون احرص على صيام يوم عاشوراء، وهو العاشر من شهر الله المحرَّم؛ فإنه يكفر السنة الماضية، وصُم التاسع قبله؛ اتباعًا للسنة، أو الحادي عشر. واعلم أن «أفضل الصيام بعد رمضان صيام شهر الله المحرَّم»؛ كما قال ﷺ (٣). قال ابن باز ﵀ (٤): «وصيام يوم عاشور سُنة، والأفضل أن يصوم معه يومًا قبله أو بعده، سواءٌ التاسع أو الحادي عشر، أو يصومهما جميعًا معه، وهذا هو الأفضل، وإن صام الشهر كله- شهر المحرم- فهو سُنة؛ لقوله ﷺ : «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم».

стр. 651

واعلم أن النبي ﷺ كان يصوم شعبان كله، وربما صامه إلا قليلًا منه (١)، فصيامه أو بعضه سنة لكن دون تخصيص اليوم الخامس عشر بالصوم، فذلك من البِدع. الوصية التاسعة والثلاثون اعلم أن كسوف الشمس وخسوف القمر مما يخوِّف الله تعالى به العباد، فعن أبي موسى ﵁ قال: خَسَفَتِ الشمسُ، فقام النبي ﷺ فزِعًا، يخشى أن تكون الساعةَ، فأتى المسجد فصلى بأطول قيام وركوع وسجود رأيته قط يفعله، وقال: «هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحدٍ ولا لحياته، ولكن يخوِّف الله به عباده، فإذا رأيتم شيئًا من ذلك فافزَعوا إلى ذِكرِه ودعائه واستغفاره» (٢). فلا يجوز تفسير ذلك تفسيرًا طبيعيًّا فقط، وتناسي الحكمة في ذلك، وأنه مما يخوِّف الله تعالى به عباده؛ لأن الله لو شاء ما وقع ذلك. قال ﷺ : «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يَنخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فصلُّوا وادعوا حتى ينكشِفَ ما بكم» (٣). وفي رواية: «فادعوا وكبِّروا وصلوا وتصدقوا» (٤). فالمشروع عند الكسوف: الصلاة والدعاء والتكبير والصدقة والاستغفار. وصلاة الكسوف سنة مؤكدة، وهي أربع ركوعات في ركعتين، وصفتها: يستفتح

стр. 652

ويقرأ الفاتحة وآيات طويلة، ثم يركع ويطيل الركوع ثم يرفع، ويقرأ الفاتحة وآيات طويلة دون الأولى، ثم يركع ثم يرفع، ثم يسجد، ويكمل بقية الركعة ثم يقوم ويصلي الركعة الثانية كالأولى لكن أخف منها، ثم يتشهد ويسلم، وإذا انجلى الكسوف وهم فيها أتموها خفيفة. ومثل صلاة الكسوف في مشروعيتها صلاة الاستسقاء، وهي سنة مؤكدة، إذا أجدبت الأرض وقحط المطر تُصلَّى بعد ارتفاع الشمس قِيدَ رُمحٍ، وصفتها كصفة صلاة العيد، ويخطب بعدها خطبة واحدة يحث فيها على التوبة والاستغفار وسؤال الله إنزالَ الغيث، وينبغي أن يحرص المسلم على حضورها؛ إذ لا أحد في غنى عن الله وسؤاله. الوصية الأربعون سلِّم لقضاء الله تعالى وقَدَره وارضَ به، واعلم أنه لن يصيبك إلا ما كتب الله لك ، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١]. واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا، كما قال ﷺ في وصيته لابن عباس ﵄ (١). وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦].

стр. 653

قال بعض السلف: «لن يغلب عسرٌ يُسرين» (١). الوصية الحادية والأربعون اعلم أن الشيطان تسبب في إخراج أبينا آدم ﵇ من الجنة، وهو العدو الأول لآدم وذريته، فاستعذ بالله منه، ومن همزاته، وتزيينه الشر ونَزَغاته، وكن قويَّ الإيمان راسخ العقيدة، معتمدًا على الله ، حَذِرًا كل الحذر من وساوس الشيطان وتوهيمه. الوصية الثانية والأربعون اعلَمْ أن الخيرةَ- بعد فعل الأسباب- فيما يختاره الله تعالى لك ؛ من صحة وغنًى، أو مرض وفقر، أو ذرية أو عقم، أو غير ذلك. فكم من صحيحٍ غني كان ذلك سبب بُعده عن الله تعالى وطغيانه وهلاكه! وكم من مبتلًى بالفقر والمرض كان ذلك سببًا لقربه من الله تعالى وتضرعه إليه ونجاته! وكم من مرزوقٍ بالذرية والأولاد كانوا سبب شقائه وهلاكه! وكم من محرومٍ من الذرية والأولاد كان ذلك سبب سعادته ونجاته، وسخر الله تعالى له وعوضه خيرًا من ذلك، وكم، وكم، وكم! قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]. وقال تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا﴾ [النساء: ١٩]. قال الشاعر:

стр. 654

قد ينعم الله بالبَلوَى وإنْ عَظُمتْ … ويَبتلي اللهُ بعضَ القومِ بالنِّعَمِ (١) وقال الآخر: لعل عتبَك محمودٌ عواقبُه … وربما صَحَّتِ الأجسامُ بالعِلَلِ (٢) فافعل الأسباب، وسلِّم أمرك لله تعالى، واقنع بما آتاك وقدره لك، وتوكل عليه، فمن توكل عليه كفاه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. الوصية الثالثة والأربعون كن الرجل الراحلة الذي يسد مكانه ويملأ فراغه في الأمة ، في المسجد والبيت والعمل، واحذر من السلبية؛ فقد قال ﷺ : «الناسُ كإبِلٍ مئةٍ؛ لا يوجد فيها راحلة» (٣). قال الشاعر: والناس ألفٌ منهمُ كواحدٍ … وواحدٌ كالألفِ إن أمرٌ عنَا (٤) الوصية الرابعة والأربعون اعلم أن الإنسان خُلق في كَبَد، وأن الحياة طُبعت على كَدَر، وأن السعادة والسلامة والصفاء بعد دخول الجنة . نسأل الله من فضله. قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤]؛ أي: في نصب ومكابدة ومجاهدة في جميع

стр. 655

أطوار حياته. وقال الشاعر: ومَن عاش في الدنيا فلا بدَّ أن يَرى … منَ العيشِ ما يَصفُو وما يَتَكَدَّرُ (١) وقال الآخر: طُبعتْ على كَدَرٍ وأنت تُريدُها … صَفْوًا منَ الأقذاءِ والأقذارِ ومُكلِّف الأيام ضِدَّ طِباعِها … مُتَلَمِّسٌ في الماءِ جَذوةَ نَارِ وإذا رجوتَ المستحيلَ فإنما … تَبني الرجاءَ على شَفير هارِ (٢) الوصية الخامسة والأربعون اعلَمْ أن المصيبة العظمى، والكسر الذي لا ينجبر، والجرح الذي لا يندمِل: أن يصاب الإنسان في دينه، فكل مصيبةٍ تهون دون المصيبة في الدين. قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر]. قال الشاعر: وكل كسرٍ فإن الله جابِرُه … وما لكسر قناة الدينِ جُبرانُ (٣) الوصية السادسة والأربعون تدارك ما فات من عُمُرك بما بقي منه ، واجعل يومك أحسن من أمسك، واعزم على

стр. 656

أن يكون ما تستقبله من الأيام أحسن مما مضى، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩، ١٠]. وقال ﷺ : «كل الناس يغدو فبائعٌ نفسَه فمُعتِقها أو مُوبِقها» (١). فالحياة فرصة واحدة، فاحذر من تفويتها بما لا ينفعك غدًا، فكن في حفظها وحفظ وقتك أشدَّ من البخيل على درهمه وديناره إلا فيما يقرِّبك إلى الله . قال السِّعدي ﵀ في آخر كلامه على سورة المزمِّل (٢): «فوا أسفاه على أوقاتٍ مضت في الغفلات، وواحسرتاه على أزمانٍ تَقَضَّتْ في غير الأعمال الصالحات، ووا غوثاه من قلوب لم يؤثر فيها وعظ بارئها، ولم ينجَع فيها تشويق من هو أرحم بها من نفسها، فلك اللهم الحمد، وإليك المشتكَى، وبك المستغاث، ولا حول ولا قوة إلا بك». قال الشاعر: الموت بابٌ وكل الناسِ داخِلُه … يا ليتَ شِعري بعد الموتِ ما الدارُ؟ الدار جنةُ عدْن إن عمِلت بما … يُرضي الإلهَ وإنْ فرطتَ فالنارُ! هما محلان ما للناسِ غيرُهما … فاخترْ لنفسِك ماذا أنتَ تختارُ! (٣) الوصية السابعة والأربعون اعلم أن الوقف من أفضل الصدقات وأعظمها، رغَّب فيه الإسلام، وحث عليه، قال الله : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥]. وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١].

стр. 657

وقال ﷺ : «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (١). وقد ذُكر أنه جاء رجل إلى العلامة السِّعدي ﵀، فقال له: يا شيخ، أيهما أفضل: أتصدقُ الآن، أم أجعل ذلك في الوصيةِ؟ فقال له الشيخ ﵀: أيهما أفضل أن يكون أمامك سراج واحد، أو خلفك سراجان؟ فقال الرجل: سراج واحد أمامي أفضل، فقال له: إذن فتصدقِ الآن. أو كما قال ﵀. وجاء رجل إلى العلامة ابن حميد ﵀، فسأله نحوًا من ذلك؟ فقال له الشيخ ﵀: أيهما أولى إذا أردتَ أن تسافر: أن تحمل زادك معك، أو تقول لأولادك: اتبعوني بالزاد؟ فقال: الأولى أن أحمِله معي، قال: إذن فتصدق الآن. أو كما قال ﵀. الوصية الثامنة والأربعون ينبغي للمسلم ألا يَغفُل عن ذكر الموت؛ ليعينه ذلك بإذن الله تعالى على الاستعداد للقاء الله تعالى، قال ﷺ : «أكثِروا من ذِكر هاذم اللذاتِ الموت» (٢). وقال ﷺ : «ما لي وللدنيا إنما أنا كراكبٍ استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها» (٣). وأمسك ﷺ بمنكب ابن عمر ﵄ وقال: «كنْ في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، وكان ابن عمر ﵄ يقول: «إذا أمسيتَ فلا تنتظِرِ الصباح، وإذا أصبحتَ لا تنتظر المساء» (٤).

стр. 658

الوصية التاسعة والأربعون يجب على من كان عليه حقوق لله تعالى أو للخلق، أو له حقوق على الناس أن يكتب ذلك في وصيته، ويستحب لمن خلَّف مالًا كثيرًا ألا يتركَ الوصية، كما يُستحب لمن خلَّف مالًا قليلًا وخلفه ورثة محتاجون ترك الوصية. كما ينبغي أن يُعلم أن الوصية بالثلث جائزة، لكن الأولى أن تكون بالخمس، كما أوصى بذلك أبو بكر ﵁، واختاره جمعٌ من الصحابة ﵃، ومن أهل العلم ﵏. والأَولى أن تكون جهة صرف الوصية مفتوحة يستطيع الناظر عليها صرفها في الأحوج من جهات البر. الوصية الخمسون ينبغي أن يعلم أن حرمة المؤمن ميتًا كحرمته حيًّا، أو أشد، ومن حقه الإسراع في تجهيزه وغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، ولا يجوز لأحدٍ من أقاربه أو غيرهم تأخيره إلا لحاجة؛ لأن ذلك اعتداء على الميت، ولا ينبغي تأخيره، من أجل حضور فلان أو فلان من أقاربه أو غيرهم، ولا من أجل تكثير المصلين عليه، بل يكتفي بمن حضر. وقد قال ﷺ : «أسرِعوا بالجنازة؛ فإن كانت صالحةً فخيرٌ تقدِّمونها إليه … » الحديث (١). وينبغي الحذر كل الحذر مما استحدثه الناس في الجنائز (٢).

стр. 659

الوصية الحادية والخمسون يجب الإسراع في قسمة الميراث، وعدم تأخيره متى أمكن ذلك؛ لأنه حق للورثة يجب دفعه لهم، ولأن تأخير قسمة الميراث سبب لكثير من المشكلات والعداوات بين الأقارب. الوصية الثانية والخمسون اعلم أن الحياة جد، وأنك فيها كمن دخل معركة، فإن كان متدربًا متسلحًا انتصر بإذن الله تعالى، وإلا انهزم، أو كمن نزل في البحر فإن كان يجيد السباحة سلِم بإذن الله تعالى، وإلا غرِق، وما أكثر المنهزمين والغارقين! قال الشاعر: الأمر جدٌّ وهو غير مِزاح فاعمَلْ لنفسِك صالحًا يا صاحِ (١) وقال الآخر: قد رشحوك لأمرٍ لو فطِنتَ له فاربَأْ بنفسِك أن تَرعى مع الهَمَلِ (٢) الوصية الثالثة والخمسون اعلم أن ثمرة العلم العمل به، وإلا صار حجةً ووبالًا على صاحبه، فما نفع اليهود علمهم، فقد قال الله تعالى في وصفهم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥].

стр. 660

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجلٌ استشهد، فأُتي به فعرَّفه نِعَمَه فعَرَفَها، قال: فما عمِلت فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتى استشهدت، قال: كذبتَ، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار، ورجل تعلمَ العلمَ وعلَّمه وقرأ القرآن، فأُتي به فعرفه نعمه فعرفها … » إلى آخر الحديث (١). قال الشاعر: وعالم بعِلمِه لم يَعملَنْ … مُعذَّبٌ مِن قبلِ عُبَّادِ الوَثَنْ (٢) الوصية الرابعة والخمسون اشكرِ الله على ما أولاك من نعمة الإيمان والإسلام، والأمن والعافية والرزق والأهل والولد وغير ذلك، وتأمل قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤، والنحل: ١٨]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]. وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. وقوله ﷺ : «من أصبح آمنًا في سِربِه، معافًى في بدنِه، عنده قُوت يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا» (٣). قال الشاعر: إذا كنتَ في نعمةٍ فارْعَها … فإنَّ المعاصيَ تُزيلُ النِّعَم وحافِظْ عليها بشكرِ الإلهِ … فإن الإلهَ سَريعُ النِّقَم (٤)

стр. 661

واعلمْ أن العبد لا يستطيع شكر الله تعالى حق شكره، ولهذا قال ﷺ : «سبحانك لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسِك» (١). قال الشاعر: إذا كان شكري نعمةَ الله نعمةً … عليَّ له في مِثلِها يجبُ الشكرُ فكيف بلوغُ الشكرِ إلا بفضلِه … وإن طالتِ الأيامُ واتصَلَ العُمرُ! إذا عمَّ بالسراءِ عم سُرُورها … وإن خص بالضراءِ أعقَبها الأجرُ (٢) الوصية الخامسة والخمسون لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله تعالى (٣)، وأكثِر من الدعاء والتضرع إلى الله ، بسؤاله الهداية للصراط المستقيم، والثبات عليه، والعلم النافع والعمل الصالح، والسعادة في الدنيا والآخرة، والحياة الطيبة على الإسلام، والوفاة على الإيمان، واللطف بالقضاء والقدر، وحسن الختام ودخول الجنة والنجاة من النار. ادعُ بذلك لنفسك ووالديك، وأهلك وأولادك، وأقاربك وجيرانك، وأحبتك وأصدقائك، ولكل من كان لهم حق عليك، ولجميع المسلمين، واعلم أن هناك ملكًا يؤمِّن على دعائك ويقول: «ولك بمِثل» (٤).

стр. 662

الوصية السادسة والخمسون أكثِر من الصلاة على النبي ﷺ على الدوام، وخاصةً يومَ الجمعة . قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. وقال ﷺ : «من صلى عليَّ واحدةً صلى الله عليه بها عشرًا» (١). وقال ﷺ : «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خُلِق آدم، وفيه قُبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثِروا عليَّ فيه من الصلاة؛ فإن صلاتكم معروضة عليَّ» (٢). قال ابن باز ﵀ (٣): «أما الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ فهي من أفضل القربات، ومن الأعمال الصالحات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. وقال ﷺ : «من صلى عليَّ واحدةً صلى الله عليه بها عشرًا»، وهي مشروعة في جميع الأوقات، ومتأكدة في آخر كل صلاة، بل واجبة عند جمعٍ من أهل العلم في التشهد الأخير من كل صلاة. وسُنة مؤكدة في مواضع كثيرة، منها بعد الأذان، وعند ذكره ﵊، ويوم الجمعة وليلتها؛ كما دلت على ذلك أحاديثُ كثيرة».

стр. 663

الوصية السابعة والخمسون اعلَمْ أن الإنصاف من النفس من أشق الأمور على النفس، وهو مُركب صعب لا يستطيعه ولا يلقاه إلا ذو حظ عظيم، اختاره الله تعالى واصطفاه ووفقه. فكم من إنسان يستطيع قيام الليل، وصيام النهار، وإنفاق الأموال في أعمال البر، والقيام بكثير من الطاعات، لكنه يقف عاجزًا عن الإنصاف من نفسه، وإن ادَّعى ذلك. عن المعرور بن سُويد ﵁ قال: لقِيت أبا ذرٍّ في الرَّبَذة، وعليه حُلة وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك، فقال: إني ساببتُ رجلًا فعيرتُه بأمه، فقال لي النبي ﷺ : «يا أبا ذرٍّ، أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خَوَلُكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فلْيُطعمه مما يَطعَم، ولْيُلبسه مما يَلبَس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» (١). فأنصِفْ من نفسك وقلِ الحق ولو كان مرًّا، عساك تنجو، وما إخالك ناجيًا إلا برحمة الله تعالى وفضله. الوصية الثامنة والخمسون تأمل في عظيم فضل الله وكرمه وجوده على من تاب إليه وآمن وعمل صالحًا ، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ٦٨ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ? مُهَانًا ٦٩ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].

стр. 664

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١، والجمعة: ٤]. فأقبِل على ربك وتعلق به واطمع فيما عنده، وتقرب إليه بالأعمال الصالحة، وأكثرمن الاستغفار، وتب إليه من جميع الذنوب، تجده توابًا غفورًا رحيمًا، واستغنِ به سبحانه عن الخلق كلهم تفز وتفلح، قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]. الوصية التاسعة والخمسون احرص على بذل الصدقة والإحسان والبذل في سبل الخير كلها، فالصدقة برهان على الإيمان، وعلى الصدق مع الله تعالى في طلب النجاة ودخول الجنة، وتطفئ غضب الرب كما يطفئ الماء النار (١)، وكل إنسان غدًا تحت ظل صدقته، وليس لك من مالك إلا ما تصدقت فأمضيت. قال ﷺ : «يقول ابن آدم: مالي، مالي. قال: وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لبِست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس» (٢). وقال ﷺ : «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملَكان ينزلان، يقول أحدهما: اللهم أعطِ منفِقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسِكًا تلفًا» (٣).

стр. 665

قال الشاعر: المالُ كالماء إن تحبِس سواقيَه … يَأْسِن وإن يجرِ يَعْذُب منه سَلْسَالُ فاللهُ أعطاك فابذُلْ من عَطِيَّتِه … فالمالُ عاريةٌ والعمرُ رحَّالُ (١) تفقد أحوال من حولك ومن تعرف من الفقراء والمساكين والأرامل والأيتام والضعفاء والمرضى، وامسح دموعهم بشيءٍ مما أعطاك الله تعالى تجدْه غدًا ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠]. اجعل في جيبك نحو مئتي ريال فئة عشرة، فإذا رأيت محتاجًا فأعطه ما تيسر، وسيمر عليك شهور عدة ما نَفِدَ ما في جيبك، واحذرْ أن تكون ممن إذا رأى هؤلاء المساكين قال: هؤلاء فيهم كذا وكذا، واعلم أن الناس فيهم حاجة، وفي الحديث: «تُصُدِّقَ على غنيٍّ وعلى سارقٍ وعلى زانيةٍ» (٢). وقد قيل: حالُ المُقِلِّ ناطقٌ … عَمَّا خفى من عَيبِه فإنْ رأيتَ عارِيًا … فلا تسألْ عن ثَوبِه (٣) الوصية الستون استحضر مراقبة الله تعالى في جميع أحوالك ، فيما تقول وتفعل، وتسمع وتبصر، وفي خَطَرات قلبك، كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

стр. 666

إذا ما خلوتَ الدهرَ يومًا فلا تقلْ: … خلوتُ، ولكن قل: عليَّ رَقيبُ ولا تحسِبنَّ اللهَ يَغفُلُ ساعةً … ولا أن ما يَخفَى عليه يَغيبُ (١) الوصية الحادية والستون حاسِبْ نفسك على تقصيرها في حقوق الله تعالى، وفي حقوق خلقه ، وكن ذا قلبٍ حي يقِظ، عساك تنجو. قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]. قال عمر ﵁: «حاسبوا أنفسَكم قبل أن تحاسَبوا» (٢). الوصية الثانية والستون لا تنسَ استحضارَ النية الطيبة الصالحة في جميع أعمالك وأقوالك، وأحوالك في عباداتك، وفي أكلك وشربك، ونزهتك ونومك وراحتك وجِماع زوجتك، تُؤجَر على ذلك كله. واعلم أن الموفَّقين عاداتهم عبادات، وأن المخذولين عباداتهم عادات، وشتان بين

стр. 667

الفريقين؛ فريق يُثاب على أكله وشربه ونزهته ونومه ونحو ذلك، وفريق يدخل المسجد ويُهَمْهِم، ويخرج من الصلاة ما كُتب له إلا ربعها أو عشرها أو أقل من ذلك، قلبه سارح في مَزابل الدنيا، وشهواتها، وهذا والله غاية الغُبن. الوصية الثالثة والستون اعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا (١)، فاجعل الصبر سلاحك ومركبك، صبرًا على طاعة الله تعالى، وصبرًا عن معصية الله تعالى، وصبرًا على أقداره المؤلمة، فهو يحب الصابرين، وهو معهم بتوفيقه وعونه لهم، فالصبر سبب للخيرية والعقبى الحسنة في الدنيا والآخرة ومضاعفة الأجر، قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]. وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقال تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. الوصية الرابعة والستون تخلق بالحلم وكظم الغيظ، وبادر إلى العفو والصفح ، فقد جعل الله ذلك من أخص صفات المتقين المسارعين إلى مغفرته وجنته، فقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣، ١٣٤]. وقال ﷺ لأشجِّ عبدِ القيس: «إن فيك خَصلتينِ يحبهما الله: الحِلم والأناة» (٢).

стр. 668

وقال ﷺ : «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملِك نفسه عند الغضب» (١). ويكفي في فضل العفو والصفح قوله : ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]. نسأل الله من فضله. الوصية الخامسة والستون احرِص على التيمُّن في طهورك وتنعلك، وترجلك ولباسك وفي شأنك كله ، فقد كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله (٢). وأمر ﷺ بالأكل والشرب باليمين، وحذَّر من الأكل والشرب بالشمال، فقال: «فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» (٣). وأكل رجل عنده بشماله، فقال له ﷺ : «كلْ بيمينك»، فقال: لا أستطيع، فقال ﷺ : «لا استطعتَ»، ما منعه إلا الكِبر، قال: فما رَفَعها إلى فيه (٤). فالأكل والشرب باليمين واجب، والأكل والشرب بالشمال محرَّم؛ لأن ذلك فعل الشيطان؛ ولأن الرسول ﷺ دعا على من أبى الأكل بيمينه تكبرًا فشَلَّت يدُه، ولو كان ذلك غير واجب لما دعا عليه ﷺ . الوصية السادسة والستون اجعل لك جلسةً يوميًّا مع أهلك وأولادك تعلمهم وتوجههم وتتفقد أحوالهم وتؤانسهم، واحذر كل الحذر أن تنشغِل عنهم بأي شاغل، فهم أمانة في عُنقك ستُسأل

стр. 669

عنهم يوم القيامة. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. وعن مَعقِل بن يَسَارٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من راعٍ يَسترعيه الله رعيةً يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيتِه إلا حرَّم الله عليه الجنةَ» (١). الوصية السابعة والستون اخترْ من الجُلساء والأصدقاء مَن يكون عونًا لك على تقوى الله ، واحذَرْ كلَّ الحذر من جُلساء السوء ومجالس السوء التي هي بمثابة مصائد للشيطان، ولضياع الأعمال والأعمار، فوقتك نَفيس وعُمُرك غالٍ. قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر]. وقال ﷺ : «لا تزول قَدَمَا عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيم أفناه، وعن عِلمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمِه فيم أبلاه» (٢). فتخفف من فضول المجالس ما استطعتَ، واحفَظْ وقتَك، واجعل وقتك بين المسجد والبيت والعمل، والترويح عن النفس بما لا يُخل بتنظيم وقتك، ومع من تنتفع بالجلوس معهم. قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩].

стр. 670

اختر صديقًا كمَن رثاه صديقه بقوله: أخ كان لي نعمَ المُعينِ على التُّقَى … به تَنجلي عني الهمومُ وتَذهَبُ فَطَورًا بأخبارِ الرسولِ وصَحبِه … وطورًا بآدابٍ تلِذُّ وتعذُبُ على ذا مضى عُمري كذاك وعُمرُه … صَفِيَّينِ لا نجفو ولا نتعتبُ (١) وما إخالك واجدًا مثل هذا! الوصية الثامنة والستون اقنَع من الدنيا بما تيسر، وخذ نصيبَك منها مَتاعًا وبُلغةً ، وكنْ حذِرًا منها أشدَّ من حَذَرِك من الفقر، قال ﷺ : «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُفتح عليكم الدنيا كما فُتحت على من قبلكم، فتنافَسوها كما تنافَسوها فتُهلِككم كما أهلكتهم» (٢). وقال ﷺ : «من أصبح آمنًا في سِربه، معافًى في بدنه، عنده قُوتُ يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا» (٣). ونام ﷺ على حَصير، فقام وقد أثَّر في جنبه، فقال ابن مسعود ﵁: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وِطاءً، فقال ﷺ : «ما لي وللدنيا، إنما أنا كراكبٍ استظلَّ تحت شجرةٍ، ثم راح وتَرَكها» (٤). وقال ﷺ : «من كانت الدنيا أكبر همه فرَّق الله شَملَه، وجعل فَقرَه بين عينيه، ولم يأتِهِ منها إلا ما قُسم له، ومن كانت الآخرة أكبر همِّه، جمع الله شمله، وأتتْه الدنيا وهي راغمة» (٥).
следующие страницы →