← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 803

شرح دليل الطالب - عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

Полный текст (1 686 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

كِتابُ الغَصبِ وهو: الاستِيلاءُ عُرفًا على حَقِّ الغَيرِ عُدوَانًا. (كتابُ الغصبِ) وما في مَعنى ذَلكَ مِن الإتلافَاتِ وهو لغةً: أخذُ الشيءِ ظلمًا. وهو حرامٌ بالإجماعِ. (وهو) أي: الغصبُ: مصدرُ غَصَبَ الشيءَ يغصِبُه - بكسرِ الصادِ - غصْبًا، واغتصبَه يَغْتصِبُه اغْتِصابًا. والشيءُ مغصوبٌ. وشرْعًا: (الاستيلاءُ) من (١) غيرِ حربيٍّ (عرفًا) أي: فعلٌ يُعدّ استيلاءً عُرْفًا (على حقِّ الغيرِ) مالًا كان أو اختصاصًا (عُدْوانًا) أي: قهرًا بغير حقٍّ. فعُلِمَ منه: أنَّ الغَصْبَ لا يحصلُ بغيرِ الاستيلاءِ، وأنَّ استيلاءَ (٢) الحربيِّ على مالِنا ليس غصبًا؛ لأنَّه يَملِكُه بذلك، كما تقدَّمَ في الغنيمةِ، وأن السرقةَ، والنهبَ، والاختلاسَ، ليست غصبًا؛ لعدمِ القهرِ فيها، وأنَّ استيلاءَ الوليِّ على مالِ مولِّيهِ، ليس غصْبًا؛ لأنَّه بحقٍّ. قيلَ: "قهرًا"؛ زيادةً في الحدِّ؛ لأنَّ الاستيلاءَ يدلُّ عليه. قال في "المبدع": وفيه نظرٌ؛ لأنَّه لا يستلزمُه، مع أنَّه يخرجُ بقيدِ القهرِ ما تقدَّمَ (٣) من المسروقِ والمنتهَب والمختلَسِ.

стр. 1017

ويلزَم الغَاصِبَ ردُّ ما غَصَبه بنمائِه، ولو غَرِمَ على ردِّهِ أضعافَ قيمَتِهِ. وإن سَمَرَ بالمَسَامِيرِ بابًا، قلَعَها وردَّها. وإن زَرَعَ الأَرضَ، فليسَ لربِّها بعدَ ودخلَ في الحدِّ: ما يُؤخذُ من الأموالِ بغيرِ حقٍّ، كالمكوسِ (١). (ويلزمُ الغاصبَ ردُّ ما غصبَه بنمائِه) المتَّصلِ، كقِصَارَةِ ثوبٍ، وسِمَنِ حيوانٍ، وتعلُّمِ قنٍّ صنعةً. وبنمائِه المنفصلِ، كولدِ بهيمةٍ. وكذا ولدِ أمةٍ، حيثُ لا يحكمُ بحريَّتِه (٢) (ولو غرِمَ على ردِّه) (٣) المغصوبَ (أضعافَ قيمتِه) أي: المغصوبِ؛ لأنَّه هو المتعدِّي، فلم ينظرْ إلى مصلحتِه، فكانَ أَوْلى بالغرامةِ؛ لقولِه ﵇: "على اليدِ ما أخذتْ حتى تؤدِّيَه". رواه أبو داودَ، والترمذيُّ، وابنُ ماجه (٤)، وحسَّنَه الترمذيُّ. (وإنْ سَمَرَ) غاصبٌ (بالمساميرِ) المغصوبةِ (بابًا) أو غيرَه، (قعلها) وجوبًا (وردَّها) لربِّها؛ للخبرِ المتقدِّمِ. ولا أثرَ لضرَرهِ؛ لأنَّه بتعدِّيه، كما لو غصَبَ فصيلًا وأدخلَه دارَه، فكبُرَ وصارَ لا يمكنُ إخراجُه؛ لضيقِ بابِها عليه، فإنَّه ينقضُ مجَّانًا، ويخرجُ الفصيلُ (٥) (وإنْ زرعَ) الغاصبُ (الأرضَ، فليس لربِّها) أي: الأرضِ إذا رُدَّتْ (بعدَ

стр. 1018

حَصدِه إلَّا الأُجرَة، وقَبلَ الحَصدِ: يُخيَّرُ بينَ تَركِه بأُجرَتِه، أو تَملُّكِهِ بنَفقَتِه - وهَى مِثلُ البَذْر - وعِوَضِ لواحِقِه. وإن غَرَسَ أو بَنَى في الأرضِ، أُلزِمَ بقَلعِ غَرسِه وبنائِه، حتَّى ولو كانَ أحدَ الشَّريكَين وفَعَلَه بغيرِ إذنِ شَريكِهِ. حصدِه) أي: الزرعِ (إلا الأجرةُ) أي: أجرةُ المثلِ، من وضعِ يدِه على الأرضِ إلى ردِّها، وليس له تملُّكُ الزرعِ بعدَ حصادِه؛ لأنَّه انفصلَ عن ملكِه (١) (وقبلَ الحصدِ يُخيَّرُ) ربُّ أرضٍ قدَرَ عليها من غاصبٍ (بين تركِه) أي: الزرعِ في أرضِه غلى الحصادِ (بأجرتِه) أي: أجرةِ مثلِه، (أو تملُّكِه) أي: الزرعِ (بنفقتِه - وهي مثلُ البَذْرِ - وعِوضِ لواحِقِه) من حرثٍ، وسقيٍ، ونحوِهما. (وإنْ غرسَ) غاصبُ أرضٍ فيها (أو بنىَ في الأرضِ، أُلزِمَ بقلعِ غرسِه وبنائِه) لحديثِ: "ليس لعِرْقٍ ظالمٍ حقٌّ". رواه الترمذيُّ (٢) وحسَّنَه. ولزِمَه أرشُ نقصِها وتسويةُ الأرضِ، وأجرتُها إلى تسليمِها؛ لتلفِ منافعِها تحتَ يدِه العادية. وكذا لو لمْ ينتفعْ بها، لزِمَه أجرتُها وأرشُ نقصِها إنْ نقصتْ بتركِ زرعِها ذلك العامِ (٣) (حتى ولو كان) الغاصبُ (أحدَ الشَّريكينِ) في الأرضِ (وفعلَه بغيرِ إذنِ شريكِه) للتعدِّي. * * *

стр. 1019

فَصْلٌ وعلى الغَاصِب أَرشُ نَقصِ المَغصُوبِ، وأُجرتُه، مُدَّةَ مَقَامِه بِيَدِهِ. فإن تَلِفَ، ضُمِنَ المِثليُّ بمِثلِه، (فصلٌ) (وعلى الغاصبِ أرشُ نقصِ المغصوبِ) لحصولِه بتعدِّيه على مِلكِ غيرِه (وأُجرتُه) أي: أجرةُ مثلِ المغصوبِ (مدَّةَ مَقَامِه بيدِه) إلى وقتِ التسليمِ (فإنْ تَلِفَ) مغصوبٌ، كحيوانٍ قتلَه غاصبٌ أو غيرُه، أو ماتَ حتفَ أنفِه، ولو غصبَه مريضًا فماتَ من مرضِه، وكثوبٍ أحرقَه شخصٌ، أو احترق (١) بصاعقةٍ ونحوِه (٢) (ضُمِنَ) مغصوبٌ (المثليُّ) وهو كلُّ مكيلٍ من حبٍّ وتمرٍ ومائعٍ وغيرِها، أو موزونٍ كحديدٍ ونُحاسٍ ورَصاصٍ وذهبٍ وفِضَّةٍ وحريرٍ وكَتَّانٍ وقُطْنٍ ونحوِها. لا صِناعةَ فيه: أي: المكيلِ (٣)، بخلافٍ نحوِ هريسةٍ. أو الموزونِ، بخلافِ حُليٍّ وأسطالٍ ونحوِها. مباحةً: خرجَ: أواني الذهبِ والفضةِ، فتُضمنُ بوزنِها؛ لتحريمِ صناعتِها. يصحُّ السَّلَمَ فيه: بخلافِ نحوِ جوهرٍ، ولُؤْلُؤٍ (بمثلِه) متعلِّقٌ بـ"ضمِنَ"؛ لأنَّ المثلَ (٤) أقربُ إليه من القيمةِ؛ لمماثَلته (٥) له من

стр. 1020

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . طريقِ الصورةِ والمشاهدةِ والمعنى، بخلافِ القيمةِ فإنَّها تُماثلُ من طريقِ الظنِّ والاجتهادِ. وسواءٌ تماثلت أجزاءُ المثليِّ (١)، أو تفاوتتْ، كالأثمانِ - ولو دراهمَ مغشوشةً رائجةٍ - والحبوبِ والأدهانِ، ونحوِها. وفي رُطبٍ صارِ تمرًا، وسمسمٍ صارَ شَيرَجًا، يُخيَّرُ مالِكُه، فيُضمِّنُه أيَّ المِثلينِ أحبَّ. وأمَّا مباحُ الصناعةِ، كمعمولِ حديدٍ ونحاسٍ وصوفٍ وشعَرٍ مغزولٍ، فيُضمَنُ بقيمتِه؛ لتأثيرِ صناعتِه في قيمتِه، وهي مختَلفة، والقيمةُ فيه أحصرُ. فإنْ أعوزَ المِثليُّ (٢)، لعدمٍ أو بُعْدٍ أو غلاءٍ، فالواجبُ قيمةُ مثلِه يومَ إعوازِه، أي: المثليِّ؛ لوجوبِ القيمة في الذمةِ حينَ انقطاعِ المثلِ، كوقتِ تلفِ المتقوَّمِ. ودليلُ وجوبِها إذنْ، أنَّه يستحقُّ طلبَها. ويجبُ على الغاصبِ أداؤُها، ولا يبقى وجوبُ المِثلِ؛ للعجزِ عنه، ولأنَّه لا يستحقُّ طلبَه ولا استيفاءَه. فإنْ قدَرَ مَنْ وجبَ عليه المِثلُ قبلَ دفعِ القيمةِ، لا بعدَ أخذِها، وجبَ المِثلُ؛ لأنَّه الأصلُ، وقدْ قدَرَ عليه قبلَ أداءِ البدلِ، ولو بعدَ الحكمِ عليه بالقيمةِ، كمَن عَدمَ الماء، ثمَّ قدَرَ عليه قبلَ انقضاءِ الصَّلاةِ. فإنْ أخذَ المالكُ القيمةَ عنه، استقرَّ حكمُها، ولم تردَّ، ولا طلَبَ بالمثلِ إذنٌ؛ لحصولِ البراءةِ بأخذِها (٣).

стр. 1021

والمتَقوَّمُ بقيمَتِه يومَ تَلفِه في بَلَدِ غَصبهِ. ويَضمَنُ مُصَاغًا مُباحًا، من ذَهبٍ أو فِضَّة، بالأكثَرِ من قِيمَتِه أو وَزنِه، والمُحرَّمَ بوزنِه. (و) ضُمِنَ (المتقوَّمُ) إذا تلِفَ (بقيمتِه يومَ تلفِه) لحديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: "مَن أعتقَ شِرْكًا له في عبدٍ، قُوِّمَ عليه قيمةَ العدْلِ" متفقٌ عليه (١). فأمرَ بالتقويمِ في حصَّةِ الشريكِ؛ لأنَّها مُتلَفةٌ بالعِتْقِ، ولم يأمرْه بالمثلِ. ولأنَّ غيرَ المثلي لا تتساوى أجزاؤُه، وتختلفُ صفاتُه، فالقيمةُ فيه أعدلُ وأقربُ إليه. وتعتبرُ قيمتُه (في بلدِ غَصْبِه) من نقدِ بلدِ الغَصْبِ؛ لأنَّه موضعُ الضمانِ بمقتضى التعدِّي، فإنْ تعدَّدَ نقدُ بلدِ غصبِه؛ بأنْ كانَ فيه نقودٌ، فالقيمةُ من غالبِه رَواجًا؛ لانصرافِ اللفظِ إليه فيما لو باعَ بنقدٍ مطلقٍ (ويَضمنُ مُصاغًا مباحًا) أي: فيه صناعةٌ مباحةٌ، كمعمولٍ (من ذهبٍ، أو فضةٍ) من أساورَ، وخلاخيلَ، ودَمالجَ (٢) ونحوِها (بالأكثرِ من قيمتِه، أو وزنِه) فإنْ كانَ المصوغُ من أحدِ النقدينِ، قُوِّمَ بالآخرِ؛ لئلا يؤدِّي إلى الرِّبا، فيقوَّمُ حليُّ الذهبِ بالفضةِ، وحليُّ الفضةِ بالذهبِ، أو كان المغصوبُ محلَّىً بأحدهما، قومه بغير جنسه. وإن كان المغصوب محلَّىً بهما معًا، قوَّمَه بما شاءَ منهما؛ للحاجةِ إلى التقويمِ بأحدِهما؛ لأنَّهما قيمُ المتلفاتِ، وليس أحدُهما أَوْلى من الآخرِ. (والمحرَّمُ) صناعتُه، كأواني ذهبٍ وفضةٍ، وحليٍّ محرَّمٍ، كسرجٍ وركابٍ، ضمِنَه الغاصبُ (بوزنِه) فقط؛ لأنَّ الصناعةَ المحرَّمةَ لا قيمةَ لها شرعًا.

стр. 1022

ويُقبَلُ قولُ الغَاصِبِ في قِيمَةِ المَغصُوبِ، وفي قَدرِه. وفي "الانتصار" و"المفردات": لو حكمَ حاكمٌ بغيرِ المثلِ في المثليِّ، وبغيرِ القيمةِ في المتقوَّمِ، لمْ ينفذْ حكْمُه، ولم يلزمْ قبولُه. واقتصرَ عليه في "المبدع" وغيرِه (١). (ويُقبلُ قولُ الغاصبِ) بأنِ اختلفَ المالكُ والغاصبُ (في قيمةِ المغصوبِ) بأنْ تَلِفَ. (وفي قدرِه) وفي حدوثِ عيبِه، وفي صناعةٍ فيه؛ بأنَّ قالَ مالكُه: كان كاتبًا، وأنكرَه غاصبٌ. أو اختلفا في مِلكِ ثوبٍ على مغصوبٍ، أو اختلفا في مِلكِ سرجٍ عليه، فالقولُ قول الغاصبِ بيمينِه، حيثُ لا بيِّنةَ للمالكِ؛ لأنَّه منكرٌ، والأصلُ براءتُه من الزائدِ، وعدمُ الصناعةِ فيه، وعدمُ ملكِ الثوبِ، أو السرجِ عليه. وإنِ اختلفا في ردِّه، أو في وجودِ عيبٍ فيه؛ بأنْ قالَ الغاصبُ: كانَ العبدُ أعورَ، أو أعرجَ، أو يبولُ في فراشِه، ونحوِه، فقولُ مالكٍ بيمينِه على نفي ذلك؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الردِّ والعيب (٢). "فرعٌ": ومَن بيدِه غُصوبٌ لا يعرِفُ ربَّها (٣). وعنه: أو عَرَفَه وشقَّ دفعُه إليه، وهو يسيرٌ، كالحبَّةِ. أو كان بيدِه رهونٌ لا يعرِفَ أربابَها. ونقلَ أبو الحارثِ: أو عَلِم المرتهنُ ربَّ المالِ، لكنَّه أيسَ منه. أو بيدِه أماناتٌ من ودائعَ وغيرِها، لا يعرفَ أربابَها، أو عرَفَهم وفُقِدُوا، وليس لهم ورثةٌ. فسلَّمَ الغصوبَ، أو الرُّهونَ، أو الأماناتِ التي لا يعرِفُ أربابَها، إلى حاكمٍ -

стр. 1023

ويضمَنُ جِنايَتَه وإتلافَه بالأقلِّ من الأَرْشِ أو قيمَتِه. وإن أطعَمَ الغَاصِبُ ما غَصَبَه، حتَّى ولو لِمَالكِه، ولم يَعلَم، لمْ يَبْرأ الغَاصِبُ ويلزمُ الحاكمَ قبولُها - برِئَ من عهدتِها؛ لقيامِ قبضِ الحاكمِ لها مقامَ قبضِ أربابِها. ولمَنْ بيدِه الغصوبُ، أو الرهونُ، أو الأمانات (١)، إنْ لمْ يدفعْها لحاكمٍ، الصدقةُ بها عنهم بلا إذنِ حاكمٍ. ونقلَ المرُّوذيُّ (٢): على فقراءِ مكانِه، أي: الغَصْبِ. بشرطِ ضمانِها لأربابِها؛ لأنَّ الصدقةَ بها عنهم بدونِ ضمانٍ إضاعةٌ لها، لا إلى بَدَلٍ، وهو غيرُ جائزٍ. ويسقطُ عن الغاصبِ أو السارقِ ونحوِه، إثمُ الغصبِ أو السرقةِ ونحوِها؛ لأنَّه معذورٌ بعجزِه عن الردِّ؛ لجهلِه بالمالكِ. وثوابُها لأربابِها. وفي الصدقةِ بها عنهم جمعٌ بين مصلحةِ الغاصبِ بتبرئةِ ذمَّتِه، ومصلحةِ المالكِ بتحصيل الثوابِ له. وإذا حضروا بعدَ الصدقةِ بها، خُيِّروا بين الأجرِ والأخذِ من المتصدِّقِ، فإنْ رجعوا عليه، فالأجرُ له. نصًّا (٣). (ويضمنُ) الغاصبُ (جنايتَه) أي: جنايةَ المغصوبِ، أو (٤) إتلافَ المغصوبِ (وإتلافه بالأقلِّ من الأرشِ) أي: أرشِ النقصِ (أو قيمةِ) التالفِ (وإنْ أطعمَ الغاصبُ ما غصبَه، حتى ولو لمالكِه) أي: مالكِ المغصوبِ (ولمْ يعلمْ) المالكُ، أو غيرُه (لم يبرأْ الغاصبُ) من عهدتِه، واستقرَّ الضمانُ عليه. وقال

стр. 1024

وإن عَلِمَ الآكِلُ حقيقَةَ الحَالِ، استقرَّ الضَّمانُ عليه. ومن اشترَى أرضًا، فغَرَسَ أو بَنى فِيهَا، فخَرَجَت مُستَحقَّةً للغَيرِ، وقُلِعَ غَرسُه وبناؤُه، رَجَعَ على البَائِعِ بجَميعِ ما غَرِمَه. جماعةٌ: وكذا إذا أطعمَه لعبدِه، أو دابَّتِه غيرَ عالمٍ به (١). (وإنْ عَلِمَ الآكلُ) من مالكٍ وغيرِه (حقيتةَ الحالِ) أي: بأنَّه مغصوبٌ (استقرَّ الضمانُ عليه) لأنَّه أتلفَ مالَ غيرِه بغيرِ إذنِه، عالمًا، من غيرِ تغريرٍ. وللمالكِ تضمينُ الغاصبِ؛ لأنَّه حالَ بينَه وبينَ مالِه، والآكلِ؛ لأنَّ التلفَ حصلَ في يدِه. فإنْ ضمِنَ الغاصبُ، رجعَ على الآكلِ، وإن (٢) ضمِنَ الآكلُ، فهدرٌ. قالَه في "المبدع" (٣). (ومَن اشترى أرضًا، فغرسَ) فيها (أو بنىَ فيها، فخرجتْ مستحقَّةً للغيرِ) أي: لغيرِ بائعِها (وقُلِعَ غرسُه وبناؤُه) أي: المشتري؛ لأنَّه وُضِعَ بغيرِ حقٍّ (رجعَ) مشترٍ (على البائع (٤) بجميعِ ما غرِمَه) من ثمنٍ أقبضَه، وأجرةِ غارسٍ وبانٍ، وثمنِ مؤنٍ مستهلكةٍ، وأرشِ نقصٍ بقلعٍ، وأجرةٍ، ونحوِه؛ لأنَّه غَرَّه ببيعِه، وأوهمَه أنَّها مِلكُه، وذلك سببُ بنائِه وغرسِه. وعُلِمَ منه: أنَّ لمستحقِّ الأرضِ قلعَ الغراسِ والبناءِ بلا ضمانِ نقصٍ؛ لوضعِه في مِلكِه بغيرِ إذنِه، كالغاصبِ (٥).

стр. 1025

فَصْلٌ ومَنْ أتلَفَ - ولو سَهوًا - مالًا لغيرِه، ضَمِنَه. وإن أُكرِهَ على الإتلافِ، ضَمِنَ مَنْ أكرَهَهُ. (فصلٌ) (ومَن أتلفَ) من مكلَّفٍ أو غيرِه، إنْ لمْ يدفعْه ربُّه له (ولو سهوًا، مالًا) محترمًا (لغيرِه) بلا إذنِه، ومثلُه يضمَنُه، (ضمِنَه) أي: ما أتلفَه؛ لأنَّه فوَّتَه عليه، فوجبَ عليه الضمانُ، كما لو غصبَه فتلِفَ عندَه. وخرجَ بـ"المالِ": نحوُ سِرْجينٍ نجسٍ، وكلبٍ، ونحوِهما. وبـ"المحترمِ": نحوُ صنمٍ، وصليبٍ، وآلاتِ لهوٍ. وبقولِه: "لغيرِه": مالُ نفسِه. و: "بلا إذنِه": عما لو أذِنَ مالكُه المطلقُ التصرُّفِ في إتلافِه، فإنَّ المتلفَ حينئذٍ يكونُ وكيلًا عن مالكِه في الإتلافِ. وبقولِه: "ومثلُه يضمنُه": ما يتلفُه أهلُ العدلِ من مالِ أهلِ البغي، وعكسُه، حالَ الحربِ، وعمَّا يتلفُ المسلمُ من مالِ الحربيِّ، والحربيُّ من مالِ المسلمِ، وعمَّا يتلفُه الصغيرُ والمجنونُ من مالٍ دفعهَ إليهما مالكُه، وعمَّا يتلفُه الأبُ من مالِ ولدِه، وعمَّا يتلفُه دفعًا عن نفسِه، كما لو صالَ عليه رقيقٌ أو بهيمةٌ لمعصومٍ (١) (وإنْ أُكرِهَ) إنسانٌ (على الإتلافِ) أي: إتلافِ مالِ غيرِه المضمونِ (ضمِنَ مَن أكرَهَهُ) ولو أكرِه على إتلافِ مالِ نفسِه

стр. 1026

وإنْ فَتَحَ قفَصًا عن طائِرٍ، أو حَلَّ قِنًّا أو أسِيرًا أو حَيوانًا مربُوطًا، فذَهَبَ، أو حَلَّ وِكاءَ زِقٍّ فيهِ مَائِعٌ فاندَفَقَ، ضَمِنَهُ. ولو بَقِيَ الحيوانُ، أو الطَّائِرُ حتَّى نفَّرَه آخَرُ، ضَمِنَ المُنفِّرُ. (وإنْ فتحَ قَفَصًا عن طائرِ) مملوكٍ محترمٍ فيه، ففاتَ، أو أتلفَ شيئًا، ضمِنَه، أو فتحَ إصطبلَ حيوانٍ (أو حلَّ قنًّا) (١): قيدَ قنٍّ (أو أسيرًا، أو) حلَّ قيدَ (حيوانٍ، مربوطًا، فذهبَ) أي: الطائرُ، والعبدُ، والأسيرُ، ضمِنَ الفاتحُ والحالُّ (أو حلَّ وِكاءً) بكسرِ الواوِ، وهو الحبلُ الذي يُربطُ به القِرْبةُ (زِقِّ) دُهنٍ، بكسرِ الزاي، أي: ظرْفٌ (فيه مائعٌ) أو جامد، (فاندفقَ) أو حلَّ وكاءَ زِقٍّ حامدٍ فأذابتْهُ (٢) الشمسُ، فاندفقَ (ضمِنَه) المتعدِّي بذلك فإنْ قرَّبَ إليه شخصٌ نارًا فذَابَ بها، فقِياسُ مذهبِنَا: يضمنُه مَن قَرَّبَ النَّارَ، كالدَّافِعِ معَ الحافِرِ. قالَه المجدُ (٣). (ولو بقيَ الحيوانُ) الذي حَلَّ قيدَه (أو الطائرُ) الذي فَتَحَ قفصَه (حتى نفَّرَه آخرُ) بعد ذلك، فذهبا، (ضمِنَ المنفِّرُ) وحدَهُ؛ لأنَّ سبَبَه أخصُّ، فاختصَّ الضمانُ به. وكذا لو حلَّ حيوانًا وحرَّضَه آخرُ، فجنيَ، فضمانُ جنايتِه على المحرِّضِ. وإنْ وقعَ طائرُ على جدارٍ، فنفَّرَه شخصٌ، فذهبَ، لمْ يضمنْه؛ لامتناعِه قبلَه، فليس تنفيرُه بسببِ فواتِه، وإنْ رماه فقتلَه، ضمِنَه، كما لو رمَاه في هواءِ غيرِه.

стр. 1027

ومَنْ أوقَفَ دابَّةً بطَريقٍ - ولو واسِعًا - أو تَرَكَ بها نحوَ طِينٍ أو خَشَبةٍ، ضَمِنَ ما تَلِفَ بذلِكَ، لكِنْ لو كانَتِ الدَّابَّةُ بطَريقٍ واسِعٍ فضَرَبَها، فرفَسَتْهُ، فلا ضَمَانَ. ومن اقتنَى كَلبًا عَقُورًا، أو أسوَدَ بَهيمًا، أو أسَدًا، أو ذِئبًا، أو جَارِحًا، فأَتلَفَ شيئًا، (ومَن أوقفَ دابَّةً) له، أو لغيرِه (بطريقٍ، ولو) كان الطريقُ (واسعًا) نصًّا. (أو تركَ بها) أي: الطريقِ، ولو واسعًا (نحوَ طينٍ، أو خشبةٍ) أو عمودٍ، أو حجرٍ، أو كيسِ دراهمَ، أو أسندَ خشبةً إلى حائطٍ (ضمِنَ ما تَلِفَ بـ) سببِ (ذلك) الفعلِ؛ لتعدِّيه به؛ لأنَّه ليس له في الطريقِ حقٌّ، وطبْعُ الدابَّةِ الجنايةُ بفمِها، أو رِجْلِها، فإيقافُها في الطريقِ، كوضعِ الحجرِ، ونصبِ السكينِ فيه (١). (لكن لو كانت الدابَّةُ بطريقٍ واسعٍ، فضربَها فرفَسَتْهُ، فلا ضمانَ) أو نفحَتْ (٢) دابَّةٌ بطريقٍ ضيقٍ مَن ضرَبَها، ضمِنَ. المرادُ: أنَّ ضربَها لا يمنعُ الضمانَ، حيثُ كانت بطريقٍ ضيقٍ. ولعلَّ المرادَ: إذا ضربَها ليمرَّ، أمَّا إنْ ضربَها عبثًا، فنفحتْه، فماتَ، فالأظهرُ: عدمُ الضمانِ. (ومَن اقتنَى كلبًا عقورًا) بأنْ يكونَ له عادةٌ بالعقرِ، (أو) اقتنى كلبًا (أسودَ بهيمًا، أو) اقتنى (أسدًا، أو ذئبًا، أو جارحًا) أو كبشًا معلَّمًا النِّطاحَ، أو اقتنَى هرًّا تأكلُ الطيورَ، وتقلِبُ القُدورَ، مع علمِه بحالِها؛ بأنْ تقدَّمَ للهرِّ عادةٌ بذلك - ويجوزُ قتلُه حينئذٍ - أو نحوَ دبٍّ، وقردٍ، وصقرٍ، وبازٍ (٣) (فأتلفَ شيئًا) بمنزلهِ، أو خارجِه

стр. 1028

ضَمِنَه، لا إنْ دَخَلَ دارَ ربِّه بلا إذنِه. (ضمِنَه) مقتنيها؛ لأنَّه متعدِّيًا باقتنائِها. ولا فرق في ضمانٍ إتلافِ ما لا يجوزُ اقتناؤُه ممَّا تقدَّمَ بين الإتلافِ في الليلِ والنهارِ؛ لأنَّه للعدوانِ. بخلافِ البهائمِ من إبلٍ وبقرٍ وغنمٍ ونحوِها، إلا أنْ يكونَ المخروقُ ثوبُه أو نحوُه، دخلَ منزلَه بغيرِ إذنِه، أو دخلَ بإذنِه، ونبَّهه ربُّ المنزلِ؛ لأنَّه إذا دخلَ بغيرِ إذنِه، فهو المتعدِّي (١) بالدخولِ، وإن كان بإذنِه، ونبَّهه على أنَّه عقورٌ، أو غيرُ موثوقٍ، فقدْ أدخلَ الضرَّرَ على نفسِه على بصيرةٍ (٢)، وإليه أشارَ بقولِه: (لا إنْ دخلَ دارَ ربِّه بلا إذنِه) ولا يضمنُ مقتني المذكوراتِ، من الكلبِ العقورِ ونحوِه، ما أفسدتْ بغيرِ ذلك المذكورِ من عَقرٍ، أو خَرقِ ثوبٍ؛ بأنْ أفسدتْ ببولٍ، أو ولوغٍ في إناءٍ؛ لأنَّ هذا لا يختصُّ بالكلبِ العقورِ ولو حصلَ عندَه كلبٌ عقورٌ، أو سِنَّورٌ ضارٌّ، أي: له عادةٌ بأكلِ الطيورِ، وقَلبِ القدورِ، من غيرِ اقتناءٍ، ومن غيرِ اختيارٍ، فأفسدَ شيئًا، لمْ يضمنْ ما أفسدَه؛ لأنَّه لا تعدِّي منه، ولا تسبُّبَ إذ لمْ يقتنْه وإنِ اقتنَى حمَامًا، أو غيرَه من الطيرِ، فأرسلَهُ نهارًا، فلقطَ حبًّا للغيرِ، ضمِنَ المقتني، خرَّجَه في "الآداب" على مسألةِ الكلبِ العقورِ. وإنْ قلنا: يحرُمُ الاقتناءُ؛ وإلا ففيه نظرٌ. وبَعُدَ الجزمُ بعدمِ الضمانِ. وفي "المغني": لا ضمانَ. وكذا نقلَهُ في "الإنصاف" عن الحارثيِّ، واقتصرَ عليه (٣).

стр. 1029

ومن أجَّج نارًا بمِلكِه، فتعدَّت إلى مِلكِ غَيرِه بتَفرِيطِه، ضَمِنَ، لا إنْ طَرأَتْ ريحٌ. ومَن اضطَجَع في مَسجِدٍ، أو في طَريقٍ، (ومن أجَّجَ نارًا بملكِه) بأنْ أوقدَ النارَ حتى صارتْ تلتهبُ في دارِه، أو على سطحِه، أو سقى أرضَه لشجرٍ أو زرعٍ بها، أو ليزرَعَها (فتعدَّتْ): ما ذُكِرَ من النارِ والماءِ (إلى مِلكِ غيرِه) أي: الفاعلِ، فأتلَفَ شيئًا (بتفريطِه) بأنْ تركَ النارَ موجَّجَةً، والماءَ مفتوحًا، ونامَ ونحوه؛ لتعدِّيه أو تقصيرِه، كما لو باشرَ إتلافَه (١) (ضمِنَ) ما أتلفَته. قال في "الرعاية": قلتُ: بأنْ كانَ المكانُ مغصوبًا، ضمِنَ مطلقًا، يعني: سواءٌ فرَّطَ، أو أسْرَفَ، أو لا. وجزمَ بمعناه في "الإقناع" (٢). (لا إنْ طرأَتْ ريحٌ) بعدَ أنْ لمْ تكنْ؛ لعدمِ تفريطِه. قال في "عيون المسائل": لو أجَّجَها (٣) على سطحِ دارٍ، فهبتْ الريحُ، فأطارتِ الشررَ لمْ يضمنْ؛ لأنَّه في مِلكِه، ولم يفرِّطْ. وهبوبُ الريحِ ليسَ من فعلِه (ومَن اضطجَعَ في مسجدٍ، أو) اضطجعَ، أو قامَ (في طريقٍ) واسعٍ، لا ضيِّقٍ، فعثرَ به حيوانٌ، لمْ يضمنْ تلفَه، ولا نقصَه؛ لأنَّه فعَلَ مباحًا لمْ يتعدَّ به على أحدٍ، في مكانٍ له فيه حقٌّ، أشبَه ما لو فعلَه بملكِه. ويضمنُ إنْ كان الفعلُ محرَّمًا، كالجلوسِ مع الحيضِ والجنابةِ في المسجدِ، أو مع ضررِ المارَّةِ في الطريقِ. قالَه في "شرح المنتهى".

стр. 1030

أو وَضَعَ حَجَرًا بِطينٍ في الطَّريقِ؛ ليطأَ عليه النَّاسُ، لمْ يَضمَن. ومقتضى كلامِ الحارثيِّ: لا ضمانَ أيضًا؛ لأنَّ المنعَ لا لذاتِ الجلوس، بل لمعنىً قارنَه، وهو الجنابةُ أو الحيضُ، فأشبَه مَن جلسَ بملكِه بعدَ نداءِ الجمعةِ (١) (أو وضَعَ (٢) حجرًا بطينٍ في الطريقِ؛ ليطأَ عليه الناسُ، لمْ يضمنْ) لأنَّ فيه نفعًا للمسلمين، كإصلاحِها، وإزالةِ الماءِ والطينِ منها، وحفرِ هَدَفَةٍ (٣) فيها، وقلعِ حجرٍ يضرُّ بالمارَّةِ. وإنْ أحدثَ بركةً للماءِ، أو كنيفًا، أو مستحمًّا، فنَزَّ إلى جدارِ جارِه، فأوهاه وهدمَه، ضمِنَه؛ لأنَّ هذه الأسبابَ تتعدَّى. ذكرَه في "الفصول"، و "التلخيص" قالا (٤): وللجارِ منعُه من ذلك، إلا أنْ يبنيَ حاجزًا محكمًا يمنعُ النَّزَّ. زادَ ابن عقيلٍ، أو يَبعُدُ، بحيثُ لا يتعدَّى النَّزُّ إلى جدارِ جارِه. وقال أيضًا: الدَّقُّ الذي يهدُّ الجدارَ مضمونُ السرايةِ؛ لأنَّه عدوانٌ محضٌ (٥). * * *

стр. 1031

فَصْلٌ ولا يَضمَنُ ربُّ بهيَمةٍ غَيرِ ضَارِيَةٍ ما أتلَفَتهُ نَهارًا من الأَموالِ والأبدَانِ، ويضمَنُ راكِبٌ وسَائِقٌ وقَائِدٌ قادِرٌ على التَصرُّفِ فيها. (فصلٌ) (ولا يضمنُ ربُّ بهيمةٍ غيرِ ضاريةٍ) (١) أي: معروفةٍ بالصَّوْلِ (ما أتلفتْه نهارًا من الأموالِ والأبدانِ) إن لمْ تكنْ يدُه عليها، ولو كان المتلَفُ صيدًا بالحرمِ؛ لحديثِ: "العجماءُ جُرْحُها جُبَارٌ". متفقٌ عليه (٢). يعني: هَدَرًا. فإنْ كانتْ ضاريةً، أو من الجوارحِ وشِبْهِها، ضمِنَ. قال الشيخُ تقيُّ الدينِ فيمَنْ أمرَ رجلًا بإمساكهِا، أي: الضاريةِ: ضمِنَه إن لمْ يُعْلِمْه بها. وفي "الانتصار": البهيمةُ الصائلةُ يلزمُ مالِكَها وغيرَه إتلافُها (٣) (ويضمَنُ راكبٌ، وسائقٌ، وقائدٌ قادرٌ على التصرُّفِ فيها) جنايةَ يدِها، وفمِها، وولدِها، ووطءٍ برجلِها؛ لحديثِ النعمانِ بنِ بشيرٍ مرفوعًا: "مَن أوقفَ (٤) دابَّةً في سبيلٍ من سُبُلِ المسلمين، أو في سوقٍ من أسواقِهم، فأوطأَتْ (٥) بيدٍ أو رِجلٍ، فهو ضامنٌ". رواه الدارقطنيُّ (٦). ولأنَّ فعلَها منسوبٌ إلى مَن هي معه إذا كان يمكنُه

стр. 1032

وإن تعدَّدَ راكِبٌ، ضَمِنَ الأوَّلُ، أو مَنْ خَلفَه إن انفَرَدَ بتدبِيرِهَا، وإن اشتَرَكَا في تَدبِيرِها، أو لمْ يَكُنْ إلَّا قائِدٌ وسَائِقٌ، اشتَركَا في الضَّمان. حفظُها. ولا يضمنُ مَن بيدِه دابَّةٌ جنايةَ ذَنَبِها؛ لأنَّه لا يمكنُ التحفُّظُ منه (وإنْ تعدَّدَ راكبُ) دابَّةٍ؛ بأنْ كانَ عليها اثنانِ فأكثرُ (ضمِنَ الأوَّلُ) ما يضمنُه المنفردُ؛ لأنَّه المتصرِّفُ فيها، والقادرُ على كفِّها (أو) أي: ويضمنُ (من خلفَه إنِ انفردَ بتدبيرِها) لصغرِ الأوَّلِ، أو مرضِه، أو عماه (وإنِ اشتركا) أي: الراكبانِ (في تدبيرِها، أو لمْ يكنْ) معها (إلا قائدٌ وسائقٌ، اشتركا في الضمانِ) لأنَّ كلًّا منهما لو انفردَ لضَمِنَ، فإذا اجتمعا، ضمنا (١). ويشارك راكبٌ معهما، ومع أحدِهما، من سائقٍ وقائدٍ. وإبلٌ مُقطَرَةٌ (٢)، كواحدةٍ في الضمانِ. وبِغالٌ أيضًا مُقطَرَةٌ، كواحدةٍ في الضمانِ على قائدٍ؛ لأنَّ الجميعَ يسيرُ بسيرِ الأوَّلِ، ويقفُ بوقوفِه، ويطأُ بوَطئِه، وبذلك يمكنُه حفظُ الجميعِ عن الجنايةِ. وإنْ كانَ مع القائدِ سائقٌ، شاركَ السائقُ القائدَ في ضمانِ الأخيرِ فقطَ، إنْ كان السائقُ في آخرِها؛ لأنَّهما اشتركا في التصرُّفِ في الأخيرِ، ولا يشاركُ السائقُ القائدَ فيما قبلَ الأخيرِ؛ لأنَّه ليسَ سائقًا له ولا تابعًا لما يسوقُه. وإنْ كانَ سائقٌ فيما عدا الأوَّلِ من المُقطَرَةِ، شاركَ السائقُ القائدَ في ضمانِ ما

стр. 1033

ويَضمَنُ ربُّها ما أتلَفَتهُ ليلًا، إن كانَ بتفرِيطِه. وكَذَا مُستَعيرُهَا ومستأجِرُهَا، ومَنْ يحفَظُها. باشرَ سوقَه، وفي ضمانِ ما بعدَه، فيختصُّ به السائقُ، دونَ ما قبلَه؛ لأنَّه ليس بسائقٍ له، ولا تابعٍ لما يسوقُه، فانفردَ به القائدُ. وسواءٌ كان السائقُ والقائدُ مالكًا، أو أجيرًا، أو مستأجِرًا، أو مستعيرًا، أو موصى له بنفعِها. ولو انفلتتْ دابَّةٌ ممَّنْ هي بيدِه، وأفسدتْ، فلا ضمانَ. نصًّا. فلو استقبلَها إنسانٌ فردَّهَا، فقياسُ قولِ الأصحابِ: الضمانُ. قالَهُ الحارثيُّ (١) (ويضمنُ ربُّها) أي: مالكُ الدابَّةِ (ما أتلفتْه) من زرعٍ، وشجرٍ، وثوبٍ خرقتْه، أو مضغتْه، أو وَطِئَتْ عليه (ليلًا) فقطْ. نصًّا (إن كان بتفريطه) في حفظِها؛ بأنْ لمْ يضمَّها، بحيثُ لا يمكنُها الخروجُ. فإنْ فعلَ (٢)، فأخرجَها غيرُه، أو فتحَ عليها بابَها، فعليه الضمانُ، دونَ مالكِها؛ لتسبُّبِه. ولا يضمنُ ما أفسدتْ نهارًا إلا غاصبُها، فيضمنُ ما أفسدتْ نهارًا أيضًا؛ لتعدِّيه بإمساكِها (٣) (وكذا) أي (٤): ويضمنُ (مستعيرُها، ومستأجرُها، ومَن يحفظُها) أي: مَن استؤجرَ لحفظِها.

стр. 1034

ومَنْ قَتلَ صَائِلًا عليِه، ولو آدميًّا؛ دَفْعًا عن نفسِه أو مالِه. أو أتلف مِزمَارًا، أو آلةَ لَهوٍ، أو كَسَرَ إناءَ فِضَّةٍ أو ذَهَبٍ، أو فيهِ خَمرٌ مأمورٌ بإراقَتِهَا، أو كَسَرَ (ومن قَتَلَ) حيوانًا (صائلًا) أي: واثبًا (عليه، ولو) كان الصائلُ (آدميًا) صغيرًا أو كبيرًا، عاقلًا أو مجنونًا، حرًّا أو عبدًا (١)، أو غيرَه من البهائمِ والطيورِ (٢) (دفعًا عن نفسِه أو مالِه) لمْ يضمنْه. ولو دفعَ إنسانٌ الصائلَ عن غيرِه - غيرَ ولده (٣)، ونسائِه، كزوجتِه، وأُمِّه، وأختِه، وعمَّتِه، وخالتِه - بالقتلِ، ضمِنَه. وفي "الفتاوى الرجبيات" عن ابنِ عقيلِ، وابنِ الزاغونيِّ: لا ضمانَ عليه أيضًا (٤). قال العلَّامةُ الشيخُ يوسفُ الفتوحيُّ في "حاشيتِه على المنتهى": ومحلُّه: إنْ لمْ يندفعْ إلا بالقتلِ، وإلا ضمِنَه. ولو دفعَه عن أجنبيٍّ فقُتِلَ، ضمِنَه (أو أَتلَفَ) بكسرٍ، أو خرقٍ، أو غيرِهما، ولو كان - ما يأتي - مع صغيرٍ حالَ إتلافِه (مِزمارًا، أو آلةَ لهوٍ) كطنبورٍ، أو عودٍ، أو طبلٍ، أو دُفٍّ بصُنُوجٍ، أو حِلَقٍ، أو نَرْدٍ، أو شِطْرَنج، أو أتلفَ صليبًا (٥) (أو كسَرَ إناءَ فِضَّةٍ أو) إناءَ (ذهبٍ، أو) كسرَ، أو شقَّ إناءً (فيه خمرٌ مأمورٌ بإراقتِها) وهي ما عدا خمر الخلَّالِ وَالذمِّي المُستَتِرِ

стр. 1035

حُلِيًّا مُحرَّمًا، أو أتلَفَ آلةَ سِحرٍ أو تَعزِيمٍ أو تنجيمٍ، أو صُوَر خَيالٍ، أو أتلَفَ كُتُبَ مبتَدِعَةٍ مُضِلَّةً، أو أتلَفَ كِتابًا فيه أحاديثُ رَديئةٌ، لمْ يضمَن في الجَميع. (أو كسرَ حُليًّا محرَّمًا) على ذكر، لمْ يستعملْه، أي: يتخذُه، يصلُحُ للنساءِ، لمْ يضمنْه؛ لعدمِ احترامِه. وأما إذا أتلفَه، فقدْ تقدَّمَ: أنَّ محرَّمَ الصناعةِ يُضمنُ بمثلِه وزنًا، وتُلغَى صناعتُه. قال في "الآداب الكبرى": ولا يجوزُ تخريقُ (١) الثيابِ التي عليها الصورُ، ولا الرُّقوم التي تصلُحُ بُسطًا ومَضَارِجَ (٢)، وتداسُ، ولا كسرُ الحليِّ المحرَّمِ على الرجالِ إنْ صلحَ للنساءِ. قال في موضعٍ آخرَ: ولم يستعملْه الرجالُ (٣) (أو أتلفَ آلةَ سحرٍ، أو) آلةَ (تعزيمٍ، أو) آلةَ (تنجيمٍ، أو) أتلفَ (صورَ خَيَالٍ، أو أتلفَ كتبَ مبتدِعَةٍ مُضِلَّةٍ، أو أتلف كتابًا فيه أحاديثُ رديئةٌ) أو أتلفَ كتبَ أكاذيبَ، أو سخائفَ لأهلِ الخلاعةِ والبطالةِ، أو أتلفَ كتبَ كُفرٍ، أو أحرقَ محزنَ خمرٍ. قال في "الهدى": يجوزُ تحريقُ أماكنِ المعاصي وهدُمها، كما أحرقَ عليه أفضلُ الصلاةِ والسلامِ مسجدَ الضرارِ، وأمرَ بهدمِه (٤) (لمْ يضمنْ في الجميعِ) ولا فرقَ بين كونِ المتلِفِ لما تقدَّمَ مُسلمًا، أو كافرًا. "فرعٌ": قال الشيخُ: للمظلومِ الدُّعاءُ على ظالمِه بقَدرِ ما يوجِبُه ألمْ ظلمِه، لا

стр. 1036

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . على مَن شتَمه. ولو كذَبَ عليه، لمْ يَفتَرِ عليه، بل يدعو عليه نظيرَه، وكذا إنْ أفسدَ عليه دينَه. قال أحمدُ: الدُّعاءُ قِصَاصٌ، ومَن دعَا على مَن ظلَمَه فما صَبرَ. يريدُ: أنَّه انتصرَ (١). * * *

стр. 1037

بابُ الشُّفعَةِ لا شُفعَةَ لكافِرٍ علَى مُسلِمٍ. (بابُ الشُّفعَةِ) بإسكانِ الفاءِ، من الشفعِ، وهو: الزَّوجُ؛ لأنَّ نصيبَ الشفيعِ كان منفردًا في مِلكِه، وبالشفعةِ يضمُّ المبيعَ إلى ملكِه، فيشفعُه به. أو من الشفاعةِ، أي: الزيادةِ؛ لأنَّ المبيعَ يزيدُ في مِلكِ الشفيعِ، أو لأنَّ الرجلَ كان إذا أرادَ بيعَ دارِه، أتاه شريكُه، أو جارُه، فتشفَّعَ له فيما باعَ، فشفَّعَه وجعلَه أوْلى به، أو لأنَّ طالبَها يُسمَّى شفيعًا؛ لمجيئِه تاليًا للمشتري، فهو ثانٍ بعدَ أوَّلٍ، فسُميِّ طلبُه: شُفْعةً. وهي شرعًا: استحقاقُ الشريكِ انتزاعَ شِقصِ شريكِه ممَّن انتقلَ إليه بعِوضٍ ماليٍّ إن كان مثلَه، أو دونَه. فـ (لا شفعةَ لكافرٍ) حالَ بيعٍ، أسلمَ بعدُ، أو لا، ولو كان كفرُه ببدعةٍ، كالدُّعاةِ بخلقِ القرآنِ، والغُلاةِ، كمعتقدٍ غلَطَ جبريلَ في الرسالةِ، فلا شفعةَ لهم (١) (على مسلمٍ) نصًّا؛ لقولِه ﵇: "لا شُفعةَ لنصرانيٍّ". رواه الدارقطنيُّ (٢) في كتاب "العلل". قال العلَّامةُ عمُّ والدي الشيخُ مرعي في "غاية المنتهى" (٣): ويتَّجِهُ (٤): ثبوتُها

стр. 1038

وتَثبُتُ للشَّريكِ فيما انتقَلَ عنهُ مِلْكُ شَريكِه، بشروطٍ خَمسةٍ: أحدُها: كونُه مَبيعًا، فلا شُفعَةَ فيما انتَقَلَ مِلكُهُ عنه بغَيرِ بيعٍ لمجوسيٍّ على كتابيٍّ، فالكفرُ هنا مِلَّةٌ. (وتثبتُ) الشفعةُ (للشريكِ فيما انتقلَ عنه مِلكُ شريكِه بشروطٍ خمسةٍ): (أحدُها) أي: أحدُ الشروطِ الخمسةِ: (كونُه) أي: الشِقصِ المنتقِلِ عن الشريكِ (مبيعًا) صريحًا، أو في معناه، كصلحٍ عن إقرارٍ بمالٍ، أو عن جنايةٍ توجبُه، وهبةٍ بعِوضٍ معلومٍ؛ لأنَّه بيعٌ في الحقيقةِ؛ لحديثِ جابرٍ: "هو أحقُّ بالثمنِ" (١). رواه الجوزجانيُّ. ولأنَّ الشفيعَ يأخذُه بمثلِ عِوضِه الذي انتقلَ إليه، ولا يمكنُ هذا في غيرِ المبيعِ (٢) (فلا شفعةَ فيما) أي: في شِقصٍ (انتقلَ مِلكُه عنه بغيرِ بيعٍ) بأنِ انتقلَ نصيبُ الشريكِ بغيرِ عِوضٍ، كالإرثٍ، والهبةِ بغيرِ ثوابٍ، والوصيةِ، أو كان عوضُه غيرَ ماليٍّ، بأن جُعلَ صداقًا، أو خلعًا، أو صلحًا عن دمٍ عمدٍ. ولأنَّ الخبرَ وردَ في البيعِ، وهذه ليست في معناه (٣). ولا شفعةَ أيضًا في ما أخذَه المنتقلُ إليه أجرةً، أو جعالةً، أو ثمنًا في سلَمٍ إنْ صحَّ جعلُ العَقارِ رأسَ مالِ السَّلَمِ، أو عِوضًا في كتابةٍ؛ لأنَّه لا يمكن الأخذُ بقيمةِ الشقصِ؛ لأنها ليست بعوضِه في المسائلِ الأربعِ، ولا (٤) بقيمةِ مُقابلِهِ من النفعِ والعينِ. وأيضًا الخبرُ واردٌ في البيعِ، وليست هذه في معناه.

стр. 1039

الثَّانِي: كونُه مُشَاعًا مِنْ عَقَارٍ، فلا شُفعَةَ للجَارِ، ولا فِيمَا ليسَ بعَقَارٍ، كشَجَرٍ وبناءٍ مُفْرَدٍ، ويُؤخَذُ الغِراسُ والبِنَاءُ تبعًا للأَرضِ. وردَّ الحارثيُّ ذلك، وصحَّحَ جريانَ الشفعةِ قولًا واحدًا (١) أو كان عِوضُه غيرَ مالٍ، كما لو اشتراه الذميُّ بخمرٍ أو خنزيرٍ؛ لأنَّهما ليسا بمالٍ. ولا تجبُ الشفعةُ بفسخٍ يرجعُ به الشقصُ إلى العاقدِ، كردِّه بعيبٍ، أو مقايَلةٍ (٢)، أو لغبنٍ، أو اختلافِ متبايعين في الثمنِ، أو خيارِ مجلسٍ، أو شرطٍ، أو تدليسٍ؛ لأنَّ الفسخَ رفعُ العقدِ، فليس بيعًا، ولا في معناه. الشرطُ (الثاني: كونُه) أي: الشقصِ المبيعِ (مُشَاعًا) أي: غيرَ مُفرَزٍ (٣) (من عقارٍ) بفتحِ العينِ (فلا شفعةَ للجارِ) في مقسومٍ محدودٍ؛ لحديثِ جابرٍ: قضى رسول الله ﷺ بالشفعةِ فيما لمْ يُقسَمْ، فإذا وقعتِ الحدودُ، وصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فلا شفعة. متفقٌ عليه (٤). (ولا) شفعةَ (فيما ليسَ بعقارٍ) أي: أرضٍ (كشجرٍ، وبناءٍ مفردٍ) وحيوانٍ، وجوهرٍ، وسيفٍ، وسفينةٍ، وزرعٍ، وثمرٍ، وكلِّ منقولٍ؛ لأنَّه لا يبقى على الدوامِ، ولا يدومُ ضررُه، بخلافِ الأرضِ. (ويُؤخذُ الغِراسُ والبناءُ) بالشفعةِ (تبعًا للأرضِ) قال في "المغني": بغيرِ

стр. 1040

الثَّالِثُ: طلَبُ الشُّفْعَةِ سَاعةَ يعلَمُ، فإن أخَّرَ الطَّلبَ لغيرِ عُذْرٍ، سَقَطَتْ. والجَهلُ بالحُكمِ عُذْرٌ. خلافٍ في المذهب (١). الشرطُ (الثالثُ: طلبُ الشفعةِ ساعةَ يعلمُ) بالبيعِ، إنْ لم يكنْ عذرٌ، وإلا بطلتْ. نصًّا؛ لحديثِ: "الشفعةُ كحلِّ العقالِ". رواه ابنُ ماجه (٢). وفي لفظٍ: "الشفعةُ كنشطِ العقالِ، إنْ قُيَّدتْ ثبتتْ، وإنْ تُركتْ فاللَّومُ على مَن تركَها" (٣). فإن لمْ يعلمْ بالبيعِ، فهو على شفعتِه، ولو مضى سُنون (٤) (فإنْ أخرَّ الطلبَ لغيرِ عذرٍ، سقَطَت) (٥) أمَّا إنْ كان لعذرٍ، كشدَّةِ جوعٍ، أو عطشٍ به، حتى يأكلَ ويشربَ، أو أخرَّه المحدثُ لطهارةٍ، أو حاقنٌ، أو حاقبٌ؛ ليقضيَ حاجتَه، أو مؤذِّنٌ ليؤذنَ أو يقيمَ الصَّلاةَ، أو لصلاةِ جماعةٍ يخافُ فوتَها، أو أخرَّه مَن عَلِمَ ليلًا حتى يُصبحَ، مع غيبةٍ مشترٍ في جميعِ هذه الصورِ؛ لأنَّه مع حضورِه يمكنه مطالبتُه بلا اشتغالٍ عن أشغَالِه. (والجهلُ بالحكمِ عذرٌ) لأنَّ الجهلَ ممَّا يُعذرُ به، أشبَه ما لو تركَها لعدمِ علمِه بها، بخلافِ ما لو تركَها جهلًا باستحقاقِه لها، أو نسيانًا للطلبِ أو البيعِ. فإنْ لمْ يكنْ مثلُه يجهلُه، سقطتْ شفعتُه.

стр. 1041

الرَّابِعُ: أخذُ جميعِ المَبيعِ، فإن طَلَبَ أَخْذَ البَعضِ معَ بقاءِ الكُلِّ، سَقَطَت. والشُّفعةُ يينَ الشُّفعَاءِ على قَدْرِ أملاكِهم. الخامِسُ: سَبقُ مِلْكِ الشَّفيعِ لرَقَبةِ العَقَارِ، فلا شُفعَةَ لأحدِ اثنَين اشتَريَا عَقَارًا معًا. الشرطُ (الرابعُ: أخذُ جميعِ) الشقصِ (المبيعِ) دفعًا لضررِ المشتري بتبعيضِ الصفقةِ في حقِّه (١) بأخذِ بعضِ المبيعِ، مع أنَّ الشفعةَ على خلافِ الأصلِ؛ دفعًا لضررِ الشركةِ. فإذا أخذَ البعضَ، لمْ يندفعِ الضررُ (٢). (فإنْ طلبَ) الشفيعُ (أخذَ البعضِ) أي: بعضِ المبيعِ (مع بقاءِ الكلِّ) أي: كلِّ المبيعِ (سقطتْ) شفعتُه (والشفعةُ بين الشفعاءِ على قدرِ أملاكهم) فيما منه الشقصُ المبيعُ؛ لأنَّها حقٌّ يُستفادِ بسببِ المِلكِ، فكانتْ على قدرِ الأملاكِ، كالغلَّةِ. فدارٌ بين ثلاثةٍ: لواحدٍ نصفٌ، ولآخرَ ثلثٌ، ولآخرَ سدسٌ. باعَ صاحبُ الثلثِ نصيبَه، فأصل المسألةِ من ستةٍ، مخرَج الكُسُورِ، الثلثُ بينهُما، أي: بين صاحبِ النصفِ والسدسِ على أربعةٍ، بسطُ نصفٍ ثلاثةٌ، وبسطُ السدسِ واحدٌ، فلصاحبِ النصفِ ثلاثةٌ، ولربِّ السدسِ واحدٌ (٣). الشرطُ (الخامسُ: سبقُ مِلكِ الشفيعِ لرقبةِ العقارِ، فلا شفعةَ لأحدِ اثنينِ اشتريا عقارًا معًا) أىِ: صفقةً واحدةً؛ لأنَّه لا مزيةَ لأحدِهما على الآخرِ؛

стр. 1042

وتَصرُّفُ المُشتَرِي بعدَ أخذِ الشَّفيعِ بالشُّفعَةِ باطِلٌ، وقبلَه صَحيحٌ. ويَلزَمُ الشَّفِيعَ أن يدفَعَ للمُشتَرِي الثَّمنَ الذي وقَعَ عليهِ العَقدُ، فإنْ كانَ مِثليًّا فمِثلُه، أو مُتقوَّمًا فقيمتُه. لاستوائِهما في البيعِ في زمنٍ واحدٍ (وتصرُّفُ المشتري) في شقصٍ مشفوعٍ (بعدَ أخذِ الشفيعِ بالشفعةِ، باطلٌ) لانتقالِ المِلكِ للشفيعِ بالطلبِ، كما تقدَّمَ (و) تصرُّفُ مشتري (قبلَه) أي: الطلبِ بالشفعةِ بوَقفٍ على معيَّنٍ، أو هبةٍ، أو صدقةٍ، أو جَعلِه عوضًا في عتقٍ، أو طلاقٍ، أو خلعٍ، أو صلحٍ عن دمِ عمدٍ، ونحوِه ممَّا لا شفعةَ فيه ابتداءً، صحيحٌ. وتسقطُ الشفعةُ؛ لما فيه (١) من الإضرارِ بالموقوفِ والموهوبِ له ونحو ذلك؛ لأنَّه ملكُه بغيرِ عِوضٍ؛ لأنَّ الثمنَ إنَّما يأخذُه المشتري، والضررُ لا يزولُ بالضررِ. (ويلزمُ الشفيعَ أنْ يدفعَ للمشتري الثمنَ الذي وقَعَ عليهِ العَقدُ، فإن كانَ (٢) مِثليًا فمثلُه) كدراهمَ، ودنانيرَ، وحبوبٍ، وأدهانٍ من جنسِه؛ لأنَّه مثلُه من طريقِ الصورةِ والقيمةِ، فهو أولى به ممَّا سواه، ولأنَّ الواجبَ بذلُ الثمنِ مكانَ مثلِه، كبذلِ قرضٍ ومتلَفٍ (٣) (أو متقوَّمًا، فقيمتُه) من حيوانٍ، أو ثيابٍ، ونحوِها؛ لأنَّها بدلُه في الإتلافِ. وتعتبرُ وقتَ الشراءِ؛ لأنَّه وقتُ استحقاقٍ الأخذٍ، سواءٌ زادتْ أو نقصتْ بعدُ، وإنْ

стр. 1043

فإن جُهِلَ الثَّمنُ -ولا حِيلَةَ- سَقَطَت الشُّفعَةُ، وكَذَا إن عَجَزَ الشَّفيعُ، ولو عن بَعضِ الثَّمَنِ، وانتُظِرَ ثلاثَةَ أيَّامٍ ولم يأَتِ به. كانَ ثمَّ خيارٌ، اعتبرتْ عندَ لزومِه؛ لأنَّه وقتُ استحقاقِ الأخذِ (١) (فإنْ جُهِلَ الثمنُ) أي: قدرُه، كصبرةٍ تلفتْ، أو اختلطتْ بما لا تتميَّزُ منه، (ولا حيلةَ) في ذلك على إسقاطِ الشفعةِ، (سقطتْ الشفعةُ) لأنَّها لا تُستحقُّ بغيرِ بدَلٍ، ولا يمكِنُ أن يُدفَعَ إليه ما لا يدَّعِيه، وكما لو عُلِمَ قدرُ الثَّمنِ عندَ الشراءِ، ثمَّ نُسِيَ. (وكذا) تسقطُ الشفعةُ (إنْ عجزَ الشفيعُ) عن ثمنِ شقصٍ مشفوعٍ (ولو) كان عجزُه (عن بعضِ الثمنِ، وانتُظِرَ ثلاثةَ أيامٍ) من حينِ أخذِه بالشفعةِ، حتى يتبيَّنَ عجزُه. نصًّا، ولأنَّه قدْ يكونُ معه نقدٌ، فيُمهلُ بقدرِ ما يُعِدُّه فيه، والثلاثُ يمكنُ الإعدادُ فيها غالبًا (ولم يأتِ به) سقطتِ الشفعةُ، فلو أتى الشفيعُ برهنٍ، أو ضمينٍ، لم يلزمْ المشتري قبولُهما، ولو كان الرَّهنُ مُحرَزًا، والضمينُ مليئًا؛ لما (٢) على المشتري من الضررِ بتأخيرِ الثمنِ، والشفعةُ شُرِعتْ لدفعِ الضررِ، فلا تثبتُ معه. أو بذَلَ الشفيعُ عِوضًا عن الثمنٍ؛ بأنْ كانَ نقدًا، فدفعَ عنه عَرْضًا، لم يلزمْ المشتري قبولُه. والأخذُ بالشفعةِ نوعُ بيعٍ، لكنْ لا خيارَ فيه، أي: في الأخذِ بالشفعةِ؛ لأنَّه قهريٌّ (٣).

стр. 1044

بابُ الودِيعَةِ يُشتَرَطُ لِصِحَّتِها: كَونُهَا مِنْ جائزِ التَّصرُّفِ لمثلِه. (بابُ الوديعةِ) وهي فعيلةٌ، من ودَعَ الشيءَ: إذا تركَه؛ لتركِها عندَ المودَعِ، أو من الدَّعةِ، فكأنَّها عندَه غيرُ مبتذلةٍ للانتفاعِ بها. أو من أودعَ: إذا سكَنَ واستقرَّ، فكأنَّها ساكنةٌ عندَ المودَعِ. قال الأزهريُّ: سُمِّيتْ وديعةً -بالهاءِ- لأنَّهم ذهبوا بها إلى الأمانةِ. وأجمعوا على جوازِ الإيداعِ، لقولِه تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البَقَرَة:٢٨٣]. وحديثِ أبي هريرةَ رضي اللهُ تعالى عنه مرفوعًا: "أدِّ الأمانةَ إلى مَن ائتمنَكَ، ولا تخنْ من خانَك". رواه أبو داودَ، والترمذيُّ (١) وحسَّنَه. ولحاجةِ الناسِ إليها (٢). وشرْعًا: المال المدفوعُ إلى مَن يحفظه بلا عِوضٍ. ويُستحبُّ قبولُها لمن عَلِمَ أنَّه ثقةٌ قادرٌ على حفظِها. ويُكرَهُ لغيرِه، إلا برضا ربِّها (يشترطُ لصحتِها: كونُها من جائزِ التصرُّفِ لمثله) (٣) وهو البالغُ الرشيدُ. ويُعتبرُ لها أركانُ الوكالةِ. قال الشيخ موسى الحجاويُّ في "حاشيته": أركان الوكالةِ: الموكِّلُ، والوكيلُ، والموكَّل فيه. وأركانُ الوديعةِ: المودِعُ، المودَعُ، والوديعةُ.

стр. 1045

فلو أودَعَ مالَه لصَغيرٍ أو مجنونٍ أو سَفيهٍ، فأتلفَه، فلا ضَمَانَ. وإن أودَعَهُ أحدُهُم، صارَ ضامِنًا، ولم يَبرأْ إلَّا بردِّهِ لوليِّهِ. ويلزمُ المُودَعَ حِفظُ الودِيعَةِ في حِرزِ مِثِلها بنفسِه، أو بمَن يقومُ مقامَه، كزوجَتِه وعَبدِه. وإن دفعَها -لعُذرٍ- إلى أَجنبيٍّ، لم يَضْمَن. ومرادُهم: أنَّ حكمَها حكمُ الوكالةِ، لا تعدادَ الأركانِ، ولهذا قال الشارحُ: فتبطلُ بما يبطلُ الوكالةَ، إلا إذا عزَلَه ولم يعلمْ بعزلِه. وإنْ عزلَ نفسَه فيه أمانةٌ بيدِه، كثوبٍ أطارتْهُ الريحُ إلى دارِه، يجبُ ردُّه إلى مالكِه (فلو أودعَ) جائزُ التصرُّفِ (مالَه لصغيرٍ) وديعةً (أو مجنونٍ، أو سفيهٍ، فأتلفَه، فلا ضمانَ) بتلفِه في يدِ قابضِه (وإنْ أودعَه أحدُهم) أي: الصغيرُ، أو المجنونُ، أو السَّفيهُ (صارَ ضامنًا) للوديعةِ (ولم يبرأْ إلا بردِّه لوليِّه) في مالِه، كدينِه الذي له عليه. ويضمنُها قابضُها من الصغيرِ إنْ تلفتْ، لتعدِّيه بأخذِها، ما لم يكنْ الصغيرُ مأذونًا له في الإيداعِ، أو يَخَفْ قابضُها من الصغيرِ هلاكَها معه إنْ تركَها، كضائعٍ وموجودٍ في مهلكَةٍ، فلا ضمانَ عليه بأخذِه، لقصدِه به التخلصَّ من الهلاكِ، فالحظُّ فيه لمالكِه (١) (ويلزمُ المودَعَ حفظُ الوديعةِ في حِرزِ مثلِها) عُرْفًا (بنفسِه، أو بمَن يقومُ مقامَه، كزوجتِه وعبدِه) وخازنِه. (وإن دفعَها لعذرٍ) كمَن حضرَه الموتُ، أو أرادَ سفرًا (إلى أجنبيٍّ) أو حاكمٍ (لم يضمنْ) وإن لم يكنْ له عذرٌ حينَ دفعَها إلى الأجنبيِّ، ضمِنَ؛ لتعدِّيه؛ لأنَّه ليسَ

стр. 1046

وإنْ نهَاهُ مالِكُها عن إخراجِهَا؛ من الحِرزِ، فأخرَجَها لطَرَيَانِ شيءٍ الغَالِبُ مِنا الهلاكُ، لم يضمَن، وإن ترَكَها ولم يُخرِجْها، أو أخْرَجَهَا لغيرِ خَوفٍ، ضَمِنَ. فإن قَالَ له: لا تخرِجْهَا ولو خِفتَ عليها، فحَصَل خَوفٌ وأخرَجَها، أو لا، لم يضمَن. له أنْ يودِعَ بلا عذرٍ (١). (وإنْ نهاه مالكُها) أي: ربُّها (عن إخراجِها) من مكانٍ عيَّنَه لحفظِها (من الحرزِ) أي: في كلِّ مالٍ بحسَبِه (فأخرجَها) وديعٌ منه (لطريانِ) أي: وجودِ (شيءٍ الغالبُ منه الهلاكُ) كحريقٍ، ونهبٍ، فتلفت (لم يضمنْ) ما تلِفَ بنقلِها (وإنْ تركها) إذَنْ بمكانٍ مع طَرَيانِ ما الغالبُ معهُ الهلاكُ (ولم يخرجْها) فتلِفَتْ، ضمِنَ، لتفريطِه، ويحرُمُ. (أو أخرَجَها) من حرزٍ نهاه مالكُها عن إخراجِها منه (لغيرِ خوفٍ) فتلتفَتْ بالأمرِ المخوفِ أو غيرِه (ضمِنَ) سواءٌ أخرجَها إلى مثلِه، أو أحرزَ منه، لمخالفةِ ربِّها بلا حاجةٍ (٢) (فإنْ قالَ له) مالكُها: (لا تخرِجْها، ولو خفتَ عليها، فحصلَ خوفٌ وأخرجَها) خوفًا عليها (أو لا) أي: أو لم يخرجْها مع الخوفِ، فتلِفَتْ مع إخراجِها، أو تركِه، (لم يضمنْـ) ها؛ لأنَّه إنْ تركَها فهو ممتثلٌ أمرَ صاحبِها؛ لنهيه عن إخراجِها مع الخوفِ، كما لو أمرَ بإتلافِها. وإنْ أخرجَها بلا خوفٍ، فتلتفَتْ ضمِنَ، كما تقدَّمَ.

стр. 1047

وإن ألقَاهَا عندَ هجومِ ناهِبٍ ونحوِه؛ إخفاءً لها، لم يَضمَن. وإن لم يَعلِفِ البَهيمَةَ حتَّى ماتَت، ضمِنَها. (وإنْ ألقاهَا) وديعٌ (عندَ هجومِ ناهبِ ونحوُه)، كقاطِعِ طريقٍ (إخفاءً لها، لمْ يضمنْ) لأنَّه عادةُ الناسِ في حفظِ أموالِهَم. وإنْ أمرَه بحفظِها، وأطلقَ، فشدَّها على وسطِه، فهو أحرزُ لها. وكذا إن تركَها ببيتِهِ (١) في حرزِها، وإنْ أمرَه بحفظِها في صندوقٍ وقال: لا تُقفِلْ عليها، ولا تنمْ فوقَها، فخالفَه في ذلك. أو قال: لا تُقفِلْ عليها إلا قُفلًا واحدًا، فجعلَ عليها قُفلَينِ، فلا ضمانَ عليه، ذكرَه القاضي (٢) (وإنْ لم يَعلِفْ) وديعٌ (البهيمةَ) (٣) أو يسقِهَا (حتى ماتتْ) جوعًا، أو عطشًا (ضمِنَها) لأنَّ علفَها وسقيَها من كمالِ الحفظِ الذي التزمَه بالاستيداعِ، بل هو الحفظُ بعينِه؛ إذِ الحيوانُ لا يبقىَ عادةً بدونِهما، ويلزمانِه.

стр. 1048

فَصْلٌ وإن أرادَ المُودَعُ السَّفَرَ، ردَّ الوديعَةَ إلى مالِكِها ، أو إلَى من يَحفَط مالَه عادَةً. فإن تعذَّرَ، ولم يَخَفْ عليهَا معة في السَّفر، سافرَ بها، ولا ضَمَان. فإن خَافَ عليهَا، دفعَها إلى الحاكم، (فصلٌ) (وإنْ أرادَ المودَعُ السفرَ، ردَّ الوديعةَ إلى مالكِها) أو لم يُرِدْ سفرًا، بل خافَ عليها عندَه من نهبٍ، أو غرقٍ ونحوِهما، ردَّها إلى مالكِها (أو إلى مَن يحفظُ مالَه) أي: مالَ ما لكِها (عادةً) كزوجتِه، وعبدِه (١) (فإنْ تعذَّرَ) الردُّ، أي: لئم يجدْ مَن يردُّها عليه منهم، أي: من المالكِ، أو مَن يحفظُ مالَه، ووكيلِه، (ولم يخفْ عليها معه في السفرِ) بأنْ كانَ السفرُ أحفظَ لها، ولم ينْهَهُ ربّها عن السفرِ بها (٢) (سافرَ بها)، أي: بالوديعةِ (ولا ضمانَ) على المستودَعِ إذا سافرَ بها، مع كونِه أحفظَ، ولم ينهَهُ (٣) (فإنْ خافَ) المستودَعُ (عليها) أي: الوديعةِ إذا سافرَ بها، ولم يجدْ المستودَعُ مالكَها، ولا مَنْ يحفظُ مالَه عادةً، ولا وكيلَه في قبضِها، (دفعَها) المستودَعُ (إلى الحاكمِ) المأمونِ؛ لأنَّ في السفرِ بها غررًا؛ لأنَّه عُرْضةٌ للنهبِ وغيرِه، ولأنَّ الحاكمَ يقومُ مقامَ صاحبِها عندَ غيبتِه.

стр. 1049

فإن تعذَّرَ فَلِثِقَةٍ. ولا يَضْمَنُ مسافِرٌ أُودِعَ فسافَرَ بها، فتَلِفَت بالسَّفر. وإن تعدَّى المُودَعُ في الودِيعَةِ؛ بأن رَكِبَها لا لِسَقيِهَا، أو لَبِسَهَا لا لِخَوفٍ من عُثٍّ، أو أخرَجَ الدَّراهِمَ ليُنِفقَها، أو لينظُرَ إليها، ثمَّ ردَّها، وظاهرُه: أنَّه إذا أودعَها مع قدرتِه على الحاكمِ أنَّه يضمنُها. (فإنْ (١) تعذَّرَ ذلك) أي: دفعُها إلى الحاكمِ المأمونِ، أوفى عَهِا المستودَعُ (ثِقَةً) لفعلِه ﵇ لما أرادَ أن يهاجرَ، أودعَ الودائعَ التي كانتْ عندَه لأمِّ أيمنَ رضيَ الله تعالى عنها، وأَمَرَ عليًّا ﵁ أنْ يردَّها إلى أهلِها (٢). (ولا يضمنُ مسافرٌ أُودِعَ) وديعةً في سَفَرِه (فسافرَ بها، فتلِفَتْ بالسفرِ) لأنَّ إيداعَه في هذه الحالِ يقتضي الإذنَ في السفرِ بها. (وإنْ تعدَّى المودعُ في الوديعة) (٣) كأنْ كانتْ دابَّةً؛ (بأنْ ركِبَها، لا لسَقيِها) أو عَلْفِها. وله الاستعانةُ بالأجانبِ في ذلك، وفي الحَملِ والنقلِ. (أو) كانتْ ثيابًا فـ (لبِسَها، لا لخوفٍ) عليها (من عُثٍّ) - بضمِّ العينِ المهملةِ، جمعُ عُثَّةٍ: سوسةٌ تلحَسُ الصوفَ- ونحوِه، كافتراشِ فرشٍ، لا لخوفٍ من عُثٍّ، وكاستعمالِ آلةِ صناعةٍ من خشبٍ، لا لخوفٍ من الأرضةِ. (أو أخرجَ الدارهمَ) أو الدنانيرَ المودَعةَ، (لينفقَها، أو لينظرَ إليها، ثمَّ ردَّها)

стр. 1050

أو حَلَّ كيسَها فقط، حَرُمَ عليه، وصارَ ضامِنًا، ووجَبَ عليه ردُّها فَورًا، ولا تعودُ أمانةً بغَيرِ عَقدٍ متجدِّدٍ. وصَحَّ: كلَّما خُنتَ، ثمَّ عُدتَ إلى الأمانَةِ، فأنتَ أمينٌ. إلى وِعائِها، ولو بنيَّةِ الأمانةِ، (أو حلَّ كِيسَها) بلا إخراجٍ، ضمِنَها، لهَتكِ الحرزِ بتعدِّيه. أو كَسَرَ خَتمَهَا، أو كانت مَشدُودَةً، فحَلَّ الوَديعُ الشدَّ، أو كانت مَصرُورَةً في خِرقةٍ، ففتحَ الوديعُ الصّرَّةَ (فقط، حرُمَ عليه، وصارَ ضامنًا) لما فيه من هتكِ الحرزِ. (ووجبَ عليه ردُّها) أي: الوديعةِ، حيثُ بطلَتْ (فورًا) أي: الوديعةِ؛ لأنَّها أمانةٌ محضةٌ، وقد زالتْ بالتعدِّي (١) (ولا تعودُ أمانةً) أي: وديعةً (بغيرِ عقدٍ متجدِّدٍ) لبطلانِ الاستئمانِ بالعدوانِ، و (صحَّ) قولُ مالكٍ لمودَع: (كلَّما خُنْتَ، ثمَّ عُدْت إلى الأمانةِ، فأنتَ أمينٌ) لصحةِ تعليق الإيداعِ على الشرطِ، كالوكالَةِ. وإنْ خلطَ إحدى وديعَتيْ زيدٍ بالأُخرى بلا إذنٍ، وتعذَّرَ التمييزُ، فوجهانِ. ذكرَه في "الرعاية". وإنِ اختلطتِ الوديعةُ بلا فعلِه، ثمَّ ضاعَ البعضُ، جُعِلَ من مالِ المودَعِ في ظاهرِ كلامِه. ذكرَه المجدُ في "شرحه" (٢).

стр. 1051

فَصْلٌ والمودَعُ أمينٌ ، لا يضمَنُ إلَّا إن تعدَّى، أو فرَّطَ، أو خَانَ. ويُقبَل قولُه بيمينِه في عَدَمِ ذلِكَ، وفي أنَّها تَلِفَت، أو: أنَّكَ أذِنْتَ لي في دَفْعِها لفُلانٍ، وفَعْلتُ. (فصلٌ) (والمودَعُ أمينٌ) لأنَّ اللهَ تعالى سمَّاها أمانةً، بقولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النِّساء: ٥٨]. (لا يضمنُ إلا إنْ تعدَّى، أو فرَّط، أو خانَ) في الوديعةِ (ويُقبلُ قولُه) أي: المودَعِ (بيمينِه في عدمِ ذلك) أي: التعدِّي والتفريطِ والخيانةِ؛ لأنَّه أمينٌ، والأصل براءتُه. (و) يُقبل قولُه (في: أنها تلِفَت (١)، أو: أنكَ أَذِنتَ لي في دفعِها لفلانٍ، وفَعَلتُ) أي: دفعتُها له، مع إنكارِ مالكِها الإذنَ. نصًّا؛ لأنَّه ادَّعى دفعًا يبرأ به من ردِّ الوديعةِ، أشبَه ما لو ادَّعى الردَّ إلى مالكِها. ولا يلزمُ المدَّعى عليه للمالكِ غيرُ اليمينِ، ما لم يُقرَّ بالقبضِ. وكذا إنِ اعترفَ المالك بالإذنِ في الدفعِ له، وأنكرَ أنْ يكونَ دفَعَ له، إن كانَ المدفوعُ إليه وديعًا، وإنْ كانَ دائنًا، فقدْ تقدَّمَ في الضمانِ ما فيه. وذكر الأزجيُّ: إنِ ردَّ إلى رسولِ موكِّلٍ ومودِع، فأنكرَ الموكِّلُ، ضمِنَ؛ لتعلُّقِ

стр. 1052

وإن ادَّعَى الردَّ بعدَ مَطلِه بِلا عُذرٍ، أو ادَّعى ورَثته الردَّ، لم يُقبل إلَّا ببيِّنةٍ، وكَذَا كلُّ أمينٍ. وحَيثُ أخَّرردَّها بعدَ طَلَبٍ بلا عُذرٍ، ولم يَكُن لحَملِها مَؤُنَةٌ، ضَمِنَ. وإنْ أكِرهَ على دفعِها لغيرِ ربِّها، لم يَضمَن. الدَّفعِ بثالثِ. ويحتملُ: لا (١). (وإن ادَّعى الردَّ بعدَ مطلِه) أي: تأخيرِ دفعِها إلى مستحقِّه (٢) (بلا عذرٍ) في تأخيرٍ (أو ادَّعى ورثتُه الردَّ) أي: ورثةُ مودَعٍ، منهم أو من مورِّثِهم (لم يُقبلْ) ذلك (إلا ببيِّنةٍ) لأنَّهم غيرُ مؤتمنينَ عليها من قِبَلِ مالكِها. (وكذا كلُّ أمينٍ) أي: من يُقبلُ قولُه بيمينِه (وحيثُ آخَّرَ ردَّها بعدَ طلبِ بلا عُذرٍ) من نحوِ أكلٍ، ونومٍ، وهضمِ طعامٍ، وصلاةٍ، وطهارةٍ، ومطَرٍ (٣) كثيرٍ. (ولم يكنْ لحملِها مَؤُنةٌ) أو في وقتٍ لا يمكنُ دفعُها إليه، لبُعْدِها، ولمخافةٍ في طريقِها، أو للعجزِ عن حملِها، أو غيرِ ذلك، لم يكنْ متعدِّيًا بتركِ تسليمِها ولم يضمنها، لعدمِ عدوانِه (٤). وإن كان بخلاف ذلك (ضمنَ) إن تلِفَتْ أو نقصتْ، كالغاصبِ. (وإنْ أُكْرِه) المودَعُ (على دفعِها) أي: الوديعةِ (لغيرِ ربِّها) كما لو أخذها منه قهرًا؛ لأنَّ الإكرَاه عذر يبيحُ له دفعُها (لم يضمنِ) الوديعةَ.

стр. 1053

وإن قالَ: له عِندي ألفٌ وديعةً، ثم قالَ: قبَضَهَا، أو: تَلِفَت قبلَ ذلِكَ، أو: ظَننتُها باقيةً ثمَّ عَلِمتُ تلَفَها، صُدِّقَ بيَمينِه، ولا ضَمَان. وإن قالَ: قَبضْتُ منه ألفًا وديْعَةً، فتَلِفَت، فقالَ: بل غَصْبًا، أو: عَاريةً، ضَمِنَ. (وإنْ قالَ: له عندي ألفٌ وديعةً. ثمَّ قال: قبضَها، أو: تلفِتَ قبلَ ذلك، أو: ظننتُها باقيةً ثمَّ علمتُ تلَفها، صُدِّقَ بيمينِه، ولا ضمانَ) خلافًا لصاحبِ " الإقناع". وقال القاضي: يُقبلُ. ومشىَ عليه المصنِّفُ هنا، وفي "الغاية" (١). (وإنْ قالَ: قبضتُ منه ألفًا وديعةً، فتلِفتُ، فقال: بل غصْبًا، أو: عاريةً، ضمِنَ) أو خلطَها بغيرِ متميِّزٍ، كدراهمَ بدراهمَ، وزيتٍ بزيتٍ، في مالِه أو غيرِه، فضاعَ الكلُّ، ضمن (٢) الوديعةَ؛ لتعدِّيه. وإن ضاعَ البعض ولم يدرِ أيَّهما ضاعَ، ضمِنَ أيضًا. وإنْ أخذَ درهمًا من غيرِ مَحرَزِه، ثمَّ ردَّه، فضاعَ الكلُّ، ضمِنَه وحدَه. وإنْ ردَّ بدلَه غيرَ متميِّزٍ (٣)، ضمِنَ الجميعَ (٤).

стр. 1054

بابُ إحيَاءِ المَوَاتِ وهيَ: الأَرضُ الخَرَابُ الدَّارِسَةُ التي لم يَجرِ عَليهَا مِلكٌ لأحَدٍ، ولم يُوجَد فِيهَا أَثرُ عِمَارَةٍ، أو وُجِدَ بهَا أثَرُ مِلْكٍ وعِمَارَةٍ، كالخِرَبِ التي ذهبَت أنهَارُها، واندَرَسَت (بابُ إحياءِ المواتِ) قال في "القاموس": المُوَاتُ، كغُرابٍ: الموت. وكسَحابٍ: ما لا روحَ فيه، وأرضٌ لا مالكَ لها. والمَوَتان، بالتَّحريك: خلافُ الحيوانِ، أو أرضٌ لم تُحيَ بعدُ. وبالضمِّ: مَوتٌ يقعُ بالماشيةِ، ويُفتحُ. وفي "المغني": المَوَاتُ، هو: الأرضُ الخرابُ الدَّارسةُ. وتُسمَّى ميتةً، ومواتًا، وموتانًا، بفتح الميم والواو. والمُوتانِ، بضمِّ الميم (١) وسكونِ الواوِ: الموتُ الذريعُ. ورجلٌ مَوْتان القلبِ -بفتح الميمِ وسكونِ الواوِ -يعني: عميُّ القلبِ لا يفهمُ (٢). (و) المَوَاتُ اصطلاحًا: (هي: الأرضُ الخرابُ الدَّارسةُ التي لم يَجرِ عليها مِلكٌ لأحدٍ، ولم يُوجدْ فيها أثرُ عِمَارةٍ) قال في "المغني" (٣): بغيرِ خلافٍ نعلمُه بين القائلينَ بالإحياءِ (أو وُجِدَ بها) أي: بالأرضِ (أثرُ مِلكٍ) غيرِ جاهليٍّ (كالخَرِبِ) بفتحِ الخاءِ وكسرِ الراءِ، وهي: ما تهدَّمَ من البُنيانِ (التي ذهبتْ أنهارُها، واندرسَتْ

стр. 1055

آثارُهَا، ولم يُعلَم لَهَا مالِكٌ. فمَنْ أحيَا شَيئًا مِنْ ذَلِكَ، ولو كان ذِميًّا، أو بِلا إذنِ الإمَامِ، ملكَهُ بما فيه مِنْ مَعدِنٍ جَامِدٍ، كذَهَبٍ، وفِضَّةٍ، وحَدِيدٍ، وكُحْلٍ -ولا خَرَاجَ عليه، إلَّا إنْ كانَ ذِميًّا- لا ما فيهِ منْ معْدِنٍ جارٍ، كنِفْطٍ وقَارٍ. آثارُها، ولم يُعلمْ لها مالك) الآن، مُلِكَ بإحياءٍ، سواءٌ كانت بدارِ الإسلامِ أو الحربِ. وصحَّحَ الحارثيُّ، وتبِعَه في "الإنصاف": التفرقةَ بينهما، وتبِعَهما في "الإقناع" (١). (فمَنْ أحيا شيئًا من ذلك) ممَّا يجوزُ إحياؤُه، (ولو كانَ) المُحيي (ذِمِّيًا، أو) كان الإحياءُ (بلا إذنِ الإمامِ، ملكَهُ) محييه (بما فيه من مَعدِنٍ جامدٍ) باطنٍ (كذهبٍ، وفضَّةٍ، وحديدٍ، وكُحْلٍ) ونحاسٍ، ورَصاصٍ (ولا خَرَاجَ عليه) أي: على مْن أحيا مَواتَ العَنْوةِ، (إلا إنْ كان ذِميَّا) فعليه الخَرَاجُ؛ لأنَّ الأرضَ للمسلمين، فلا تُقرُّ في يدِ غيرِهم بدونِ الخَرَاجِ، كغيرِ المواتِ. وهل يملكُه مع ذلك؟ عبارةُ "الإنصاف" أولًا: تقتضي أنَّه يملكُه. وثانيًا: صريحَةٌ في أنه لا يملكُه، بل يقرُّ بيدِه بالخراجِ (٢). و (لا) يملكُ (ما فيه من معدِنٍ جارٍ) أي: كلَّما أُخِذَ منه شئٌ خلفَه غيرُه (كنِفْطٍ وقَارٍ)، أو ظهرَ فيه كَلأٌ أو شجرٌ، فهو أحقُّ به، ولا يملِكُه.
следующие страницы →