← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 803

شرح دليل الطالب - عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

Полный текст (1 686 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

فَصْلٌ والمودَعُ أمينٌ ، لا يضمَنُ إلَّا إن تعدَّى، أو فرَّطَ، أو خَانَ. ويُقبَل قولُه بيمينِه في عَدَمِ ذلِكَ، وفي أنَّها تَلِفَت، أو: أنَّكَ أذِنْتَ لي في دَفْعِها لفُلانٍ، وفَعْلتُ. (فصلٌ) (والمودَعُ أمينٌ) لأنَّ اللهَ تعالى سمَّاها أمانةً، بقولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النِّساء: ٥٨]. (لا يضمنُ إلا إنْ تعدَّى، أو فرَّط، أو خانَ) في الوديعةِ (ويُقبلُ قولُه) أي: المودَعِ (بيمينِه في عدمِ ذلك) أي: التعدِّي والتفريطِ والخيانةِ؛ لأنَّه أمينٌ، والأصل براءتُه. (و) يُقبل قولُه (في: أنها تلِفَت (١)، أو: أنكَ أَذِنتَ لي في دفعِها لفلانٍ، وفَعَلتُ) أي: دفعتُها له، مع إنكارِ مالكِها الإذنَ. نصًّا؛ لأنَّه ادَّعى دفعًا يبرأ به من ردِّ الوديعةِ، أشبَه ما لو ادَّعى الردَّ إلى مالكِها. ولا يلزمُ المدَّعى عليه للمالكِ غيرُ اليمينِ، ما لم يُقرَّ بالقبضِ. وكذا إنِ اعترفَ المالك بالإذنِ في الدفعِ له، وأنكرَ أنْ يكونَ دفَعَ له، إن كانَ المدفوعُ إليه وديعًا، وإنْ كانَ دائنًا، فقدْ تقدَّمَ في الضمانِ ما فيه. وذكر الأزجيُّ: إنِ ردَّ إلى رسولِ موكِّلٍ ومودِع، فأنكرَ الموكِّلُ، ضمِنَ؛ لتعلُّقِ

стр. 1052

وإن ادَّعَى الردَّ بعدَ مَطلِه بِلا عُذرٍ، أو ادَّعى ورَثته الردَّ، لم يُقبل إلَّا ببيِّنةٍ، وكَذَا كلُّ أمينٍ. وحَيثُ أخَّرردَّها بعدَ طَلَبٍ بلا عُذرٍ، ولم يَكُن لحَملِها مَؤُنَةٌ، ضَمِنَ. وإنْ أكِرهَ على دفعِها لغيرِ ربِّها، لم يَضمَن. الدَّفعِ بثالثِ. ويحتملُ: لا (١). (وإن ادَّعى الردَّ بعدَ مطلِه) أي: تأخيرِ دفعِها إلى مستحقِّه (٢) (بلا عذرٍ) في تأخيرٍ (أو ادَّعى ورثتُه الردَّ) أي: ورثةُ مودَعٍ، منهم أو من مورِّثِهم (لم يُقبلْ) ذلك (إلا ببيِّنةٍ) لأنَّهم غيرُ مؤتمنينَ عليها من قِبَلِ مالكِها. (وكذا كلُّ أمينٍ) أي: من يُقبلُ قولُه بيمينِه (وحيثُ آخَّرَ ردَّها بعدَ طلبِ بلا عُذرٍ) من نحوِ أكلٍ، ونومٍ، وهضمِ طعامٍ، وصلاةٍ، وطهارةٍ، ومطَرٍ (٣) كثيرٍ. (ولم يكنْ لحملِها مَؤُنةٌ) أو في وقتٍ لا يمكنُ دفعُها إليه، لبُعْدِها، ولمخافةٍ في طريقِها، أو للعجزِ عن حملِها، أو غيرِ ذلك، لم يكنْ متعدِّيًا بتركِ تسليمِها ولم يضمنها، لعدمِ عدوانِه (٤). وإن كان بخلاف ذلك (ضمنَ) إن تلِفَتْ أو نقصتْ، كالغاصبِ. (وإنْ أُكْرِه) المودَعُ (على دفعِها) أي: الوديعةِ (لغيرِ ربِّها) كما لو أخذها منه قهرًا؛ لأنَّ الإكرَاه عذر يبيحُ له دفعُها (لم يضمنِ) الوديعةَ.

стр. 1053

وإن قالَ: له عِندي ألفٌ وديعةً، ثم قالَ: قبَضَهَا، أو: تَلِفَت قبلَ ذلِكَ، أو: ظَننتُها باقيةً ثمَّ عَلِمتُ تلَفَها، صُدِّقَ بيَمينِه، ولا ضَمَان. وإن قالَ: قَبضْتُ منه ألفًا وديْعَةً، فتَلِفَت، فقالَ: بل غَصْبًا، أو: عَاريةً، ضَمِنَ. (وإنْ قالَ: له عندي ألفٌ وديعةً. ثمَّ قال: قبضَها، أو: تلفِتَ قبلَ ذلك، أو: ظننتُها باقيةً ثمَّ علمتُ تلَفها، صُدِّقَ بيمينِه، ولا ضمانَ) خلافًا لصاحبِ " الإقناع". وقال القاضي: يُقبلُ. ومشىَ عليه المصنِّفُ هنا، وفي "الغاية" (١). (وإنْ قالَ: قبضتُ منه ألفًا وديعةً، فتلِفتُ، فقال: بل غصْبًا، أو: عاريةً، ضمِنَ) أو خلطَها بغيرِ متميِّزٍ، كدراهمَ بدراهمَ، وزيتٍ بزيتٍ، في مالِه أو غيرِه، فضاعَ الكلُّ، ضمن (٢) الوديعةَ؛ لتعدِّيه. وإن ضاعَ البعض ولم يدرِ أيَّهما ضاعَ، ضمِنَ أيضًا. وإنْ أخذَ درهمًا من غيرِ مَحرَزِه، ثمَّ ردَّه، فضاعَ الكلُّ، ضمِنَه وحدَه. وإنْ ردَّ بدلَه غيرَ متميِّزٍ (٣)، ضمِنَ الجميعَ (٤).

стр. 1054

بابُ إحيَاءِ المَوَاتِ وهيَ: الأَرضُ الخَرَابُ الدَّارِسَةُ التي لم يَجرِ عَليهَا مِلكٌ لأحَدٍ، ولم يُوجَد فِيهَا أَثرُ عِمَارَةٍ، أو وُجِدَ بهَا أثَرُ مِلْكٍ وعِمَارَةٍ، كالخِرَبِ التي ذهبَت أنهَارُها، واندَرَسَت (بابُ إحياءِ المواتِ) قال في "القاموس": المُوَاتُ، كغُرابٍ: الموت. وكسَحابٍ: ما لا روحَ فيه، وأرضٌ لا مالكَ لها. والمَوَتان، بالتَّحريك: خلافُ الحيوانِ، أو أرضٌ لم تُحيَ بعدُ. وبالضمِّ: مَوتٌ يقعُ بالماشيةِ، ويُفتحُ. وفي "المغني": المَوَاتُ، هو: الأرضُ الخرابُ الدَّارسةُ. وتُسمَّى ميتةً، ومواتًا، وموتانًا، بفتح الميم والواو. والمُوتانِ، بضمِّ الميم (١) وسكونِ الواوِ: الموتُ الذريعُ. ورجلٌ مَوْتان القلبِ -بفتح الميمِ وسكونِ الواوِ -يعني: عميُّ القلبِ لا يفهمُ (٢). (و) المَوَاتُ اصطلاحًا: (هي: الأرضُ الخرابُ الدَّارسةُ التي لم يَجرِ عليها مِلكٌ لأحدٍ، ولم يُوجدْ فيها أثرُ عِمَارةٍ) قال في "المغني" (٣): بغيرِ خلافٍ نعلمُه بين القائلينَ بالإحياءِ (أو وُجِدَ بها) أي: بالأرضِ (أثرُ مِلكٍ) غيرِ جاهليٍّ (كالخَرِبِ) بفتحِ الخاءِ وكسرِ الراءِ، وهي: ما تهدَّمَ من البُنيانِ (التي ذهبتْ أنهارُها، واندرسَتْ

стр. 1055

آثارُهَا، ولم يُعلَم لَهَا مالِكٌ. فمَنْ أحيَا شَيئًا مِنْ ذَلِكَ، ولو كان ذِميًّا، أو بِلا إذنِ الإمَامِ، ملكَهُ بما فيه مِنْ مَعدِنٍ جَامِدٍ، كذَهَبٍ، وفِضَّةٍ، وحَدِيدٍ، وكُحْلٍ -ولا خَرَاجَ عليه، إلَّا إنْ كانَ ذِميًّا- لا ما فيهِ منْ معْدِنٍ جارٍ، كنِفْطٍ وقَارٍ. آثارُها، ولم يُعلمْ لها مالك) الآن، مُلِكَ بإحياءٍ، سواءٌ كانت بدارِ الإسلامِ أو الحربِ. وصحَّحَ الحارثيُّ، وتبِعَه في "الإنصاف": التفرقةَ بينهما، وتبِعَهما في "الإقناع" (١). (فمَنْ أحيا شيئًا من ذلك) ممَّا يجوزُ إحياؤُه، (ولو كانَ) المُحيي (ذِمِّيًا، أو) كان الإحياءُ (بلا إذنِ الإمامِ، ملكَهُ) محييه (بما فيه من مَعدِنٍ جامدٍ) باطنٍ (كذهبٍ، وفضَّةٍ، وحديدٍ، وكُحْلٍ) ونحاسٍ، ورَصاصٍ (ولا خَرَاجَ عليه) أي: على مْن أحيا مَواتَ العَنْوةِ، (إلا إنْ كان ذِميَّا) فعليه الخَرَاجُ؛ لأنَّ الأرضَ للمسلمين، فلا تُقرُّ في يدِ غيرِهم بدونِ الخَرَاجِ، كغيرِ المواتِ. وهل يملكُه مع ذلك؟ عبارةُ "الإنصاف" أولًا: تقتضي أنَّه يملكُه. وثانيًا: صريحَةٌ في أنه لا يملكُه، بل يقرُّ بيدِه بالخراجِ (٢). و (لا) يملكُ (ما فيه من معدِنٍ جارٍ) أي: كلَّما أُخِذَ منه شئٌ خلفَه غيرُه (كنِفْطٍ وقَارٍ)، أو ظهرَ فيه كَلأٌ أو شجرٌ، فهو أحقُّ به، ولا يملِكُه.

стр. 1056

ومن حَفَرَ بئرًا بالسَّابِلَةِ ليرتَفِقَ بِها، كالسَّفَّارةِ لشُربهم ودوابِّهم، فهم أحقُّ بمائِها ما أقامُوا، وبعدَ رحيلِهم تكونُ سَبِيلًا للمُسلِمِينَ، فإن عَادُوا، كانُوا أحقَّ بِهَا. (ومَن حفرَ بئرًا بالسَّابلةِ) أي: بالطريقِ (ليَرتَفِقَ بها كالسَّفَّارَةِ لشُربِهم، و) شربِ (دوابِّهم، فهم) أي: الحافِرونَ لها (أحقُّ بمائِها) أي: البئرِ التي حفروها، (ما أقاموا) عليها، ولا يملكونها؛ لجَزْمِهم بانتقالِهم عنها وتركِها لمن ينزلُ منزِلَهم، بخلافِ المتملِّكِ (١). (وبعدَ رحيلِهم) أي: الحافرين (٢) لها (تكونُ سبيلًا للمسلمين) لعدمِ أولويَّةِ أحدٍ من غيرِ الحافرين على غيرِه. (فإنْ عادُوا) أي: الحافرونَ لها (كانوا أحقَّ بها) من غيرِهم؛ لأنَّهم إنَّما حفروها لأنفسِهم، ومَن عادتُهم الرحيلُ والرجوعُ، فلا تزولُ أحقيتُهم به (٣).

стр. 1057

فَصْلٌ ويحصُلُ إحياءُ الأَرضِ المَواتِ: إمَّا بحائِطٍ مَنيعٍ، أو إجرَاءِ مَاءٍ لا تُزرَعُ إلَّا به، أو غَرسِ شَجَرٍ، (فَصلٌ) (١) (ويحصلُ إحياءُ الأرضِ المَواتِ): (إمَّا بحائطٍ مَنيعٍ) سواءٌ أرادَها لبناءٍ، أو زرعٍ، أو حظيرةٍ لغنمٍ أو خشبٍ، أو غيرِهما، لحديثِ جَابرٍ مرفوعًا: "مَن أحاطَ حائطًا على أرضٍ، فهي له". رواه أحمدُ، وأبو داودَ (٢). ولأنَّ الحائطَ حاجزٌ منيعٌ، ولا اعتبارَ للقصدِ، بدليلِ ما لو أرادَها حظيرةً، فبناها بجصٍّ وآجُرِّ، وقسَّمَها بيوتًا. وقولُه: "منيعٌ" أي: يمنعُ مَن وراءَه. ولا يُعتبرُ مع ذلك تسقيفٌ، ولا تركيبُ بابٍ؛ لأنَّه لم يُذكرْ في الخبرِ. (أو إجراءِ ماءٍ) بأن يسوقَه إليها من نهرٍ أو بئرٍ (لا تُزرعُ إلا به) أي: بالماءِ المسبوقِ إليها (أو غرسِ شجرٍ) بأنْ كانتْ لا تصلُحُ لغرسٍ، لكثرةِ أحجارِها ونحوِها، فينقِّيها ويغرسُها؛ لأنَّه يُرادُ للبقاءِ، كبناءِ الحائطِ. ولا يحصلُ إحياءٌ بحرثٍ وزرعٍ.

стр. 1058

أو حَفْرِ بئرًا فيها. فإن تحَجَّر مَواتًا؛ بأنْ أدارَ حولَه أَحجَارًا، أو حَفَر بئرًا لم يصِل ماءَها، أو سَقَى شجَرًا ضباحًا كزيتونٍ ونحوه، أو أصلَحَه ولم يُرَكِّبْه، لم يملِكْهُ، لكنَّه أحقُّ بهِ مِن غَيرِه، ووارِثه بعدَه، فإن أعطَاهُ لأحَدٍ، كان له. (أو حَفْرِ بئرًا (١) فيها) أي: المواتِ، أو نهرًا. نصًّا. ويصلُ إلى ماءِ البئرِ. (فإنْ تحجَّرَ مواتًا) أي: شرعَ في إحيائِه من غيرِ أن يُتمَّه؛ (بأنْ أدارَ حولَه أحجارًا) أو ترابًا، أو شوكًا، أو حائطًا غيرَ منيعٍ، لم يملكْه (أو حفرَ بئرًا لم يصلْ ماءَها) لم يملكْها. نصًّا. (أو سقَى شجرًا مباحًا، كزيتونٍ ونحوِه) كخَرنُوبٍ (أو أصلَحِه، ولم يُرَكِّبْه) أي: يُطَعِّمْه (لم يملِكْه) فإنْ طَعَّمَهُ، ملكَه بذلك (لكنَّه أحقُّ به من غيرِه) لحديثِ: "مَن سبقَ إلى ما لم يسبقْ إليه مسلمٌ، فهو له" (٢). (و) كذا (وارثُه بعدَه) أحقُّ به؛ لحديثِ: "مَن تركَ حقًّا، أو مالًا، فلورثتِه" (٣). ولأنَّه حقٌّ للمورِّثِ، فقامَ فيه وارثُه مقامَه، كسائرِ حقوقِه. (فإنْ أعطاه لأحدٍ، كان له) فيكونُ أحقَّ به من غيرِه؛ لأنَّ مَن له الحقُّ أقامَه مقامَه فيه. وليس له، أي: المتحجِّرِ، أو وارثِه، أو مَن انتقلَ إليه بَيعُه؛ لأنَّ لم يملِكْه. وشرطُ المبيعِ: أنْ يكونَ مملوكَا.

стр. 1059

ومن سَبَقَ إلى مُباحٍ، فَهوَ له، كصيدٍ، وعَنْبَرٍ، ولؤُلؤٍ، ومَرجَانٍ، وحَطَبٍ، وثَمَرٍ، ومنبوذٍ؛ رغبةً عنه. "فائدةٌ": ومَن نزلَ عن وظيفةٍ من إمامةٍ، أو خطابةٍ، أو تدريسٍ، ونحوِه، لزيدٍ، وهو لها أهلٌ، لم يتقرَّرْ غيرُه فيها. فإنْ قُرِّرَ هو، أي: قرَّرَه مَن له الولايةُ، كالناظرِ، تمَّ الأمرُ له، وإلا؛ بأنْ لمْ يقرِّرْه مَن له ولايةُ التقريرِ، فهي -أي: الوظيفةُ- للنازلِ؛ لأنَّه لم تحصلْ له رغبةٌ مطلقةٌ عن وظيفتِه. وقال الشيخُ: لا يتعيَّنُ المنزولُ له، ويُولِّي مَن له الولايةُ مَن يستحقُّها شرعًا. وقال الموضِّحُ: مُلخَّصُ كلامِ الأصحاب: يستحقُّها منزولٌ له إنْ (١) كانَ أهلًا، وإلا فلناظرٍ توليةُ مستحقِّها شرعًا. وممَّا يُشبهُ (٢) النزولَ عن الوظائفِ: النزولُ عن الإقطَاعِ، فإنَّه نزولٌ عن استحقاقٍ يختصُّ (٣) به؛ لتخصيصِ الإمامِ له استغلالَه، أشبَه مُستحِقَّ الوظيفَةِ، وأخذُ العوضِ عن ذلك قريبٌ من الخُلعِ، كما قالَه ابنُ نصرِ اللهِ، وغيرُه. قلتُ: وإنْ لمْ يتم النزولُ، فله الرجوعُ بما بذلَه من العِوضِ؛ لأنَّ البدَل لم يسلمْ له. قالَهُ الشيخُ منصورٌ في "شرحه" على "الإقناع" (٤). (ومَن سبقَ إلى مباحٍ، فهو له، كصيدٍ، وعنبرٍ، ولؤلؤٍ، ومَرْجَانٍ، وحطَبِ، وثمَرٍ، ومنبوذٍ) أي: مطروحٍ. (رغبةً عنه) كالنِّثارِ في الأعراسِ، ونحوِها. وما يتركُه حصَّادٌ ونحوُه، من زرعٍ وثمرٍ؛ رغبةً عنه، وكِسْرَةٍ، ولحمٍ على شيءٍ من عظمٍ،

стр. 1060

والمِلكُ مقصُورٌ فيه على القَدْرِ المَأخوذِ. فيملكُه بأخذِه، مسلمًا كان أو ذِمِّيًّا، ويُقسمُ بين عددٍ بالسويِّةِ؛ لاستوائِهم في السببِ، وإمكانِ القسمةِ (١) (والمِلكُ مقصور فيه على القدرِ المأخوذِ) فلا يملِكُ ما لمْ يحُزْه، ولا يمنعُ غيرَه منه. "فرعٌ": ومَن جَلَسَ في نحوِ جامعٍ لفتوى، أو إقراءٍ، فهو أحقُّ بمكانِه ما دامَ، أو غابَ لعذرٍ وعادَ قريبًا. ومَن سبقَ إلى رِباطٍ، أو نزلَ فقيهٌ بمدرسةٍ، أو صوفيٌّ بخانَقَاه (٢)، لم يبطلْ حقُّه بخروجِه منه لحاجةٍ (٣).

стр. 1061

بَابُ الجَعَالَةِ وهي: جَعلُ مالٍ مَعلُومٍ لمن يَعمَلُ له عَملًا مُباحًا، ولو مَجهُولًا، كقَولِه: مَنء رَدَّ لُقَطَتي، أو بَنَى محب هَذَا الحائِطَ، أو أذَّنَ بهذا المَسجِدِ شَهرًا، فله كَذَا. فمن فَعَلَ العَملَ بعدَ أن بلَغَه الجُعْلُ، (بابُ الجَعَالةِ) بتثليثِ الجيمِ. ذكرَه ابنُ مالكٍ. مشتقٌ مِن الجَعْلِ، بمعنى: التسميةِ؛ لأنَّ الجاعلَ يُسمِّي الجُعلَ للعاملِ. أو مِن الجَعلِ، بمعنى: الإيجابِ، يُقالُ: جَعلتُ له كذا. أي: أوجئتَ. ويُسمَّى ما يُعطاه الإنسانُ على أمرٍ يفعلُه: جُعلًا، وجَعَالةً، وجَعيلةً. قالَه ابنُ فارسٍ (١). ويَدلُّ لمشروعيتِها: قولُه تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يُوسُف: ٧٢]. (وهي) شرعًا: (جعلُ مالٍ (٢) معلومٍ) فلا يصحُّ: مَن رَدَّ عبدي، فله نصفُه. ونحوُه (لمن يعملُ) مُتعلِّقٌ بـ"جَعْلُ" (له) أي: الجاعلِ (عَمَلًا مباحًا) بخلافِ نحوِ زمرٍ وزِنًا، (ولو) كان العملُ (مجهولًا، كقولِه: مَن ردَّ لُقَطَتي، أو: بنَى لي هذا الحائطَ، أو: أذَّنَ بهذا المسجدِ شهرًا، فلَه كذا). (فمَن فعلَ العملَ) أي: العملَ المسمَّى عليه الجعلُ (بعدَ أنْ بلغَه الجُعلُ،

стр. 1062

استحقَّه كلَّه، وإن بلَغَهُ في أثناءِ العَمَلِ، استحقَّ حِصَّةَ تمامِهِ، وبَعدَ فَراغِ العَمَلِ، لم يستَحِقَّ شَيئًا. وإن فَسَخَ الجَاعِلُ قَبْلَ تمَامِ العَمَلِ، لَزِمَهُ أُجرَةُ المِثْلِ، وإن فَسَخَ العَامِلُ، فلا شيءَ له. اسْتحقَّه كلَّه) لأنَّ العقدَ استقرَّ بتمامِ العملِ، فاستحقَّ ما جُعِلَ له، كالربحِ في المضاربةِ. (وإنْ بلغَه) الجُعلُ (في أثناءِ العملِ، استحقَّ) مِن الجُعلِ (حِصَّةَ تمامِه) أي: بقسطِ ما عمِلَه بعدَ بلوغِه (١) (و) مَن بلغَه (بعدَ فراغِ العملِ) أي: تمامِه (لم يستحقَّ شيئًا) أي: مِن الجُعلِ؛ لأنَّه مُتبرِّعٌ بعملِه. (وإن فَسَخَ الجاعِلُ قبلَ تمامِ العملِ، لزِمَه أُجرةُ المثلِ) لأنَّه عمِلَ بعِوضٍ لم يُسلَّمْ له، فكان له (٢) أَجرةُ عملِه، ولا شيءَ له لما يعمله بعدَ الفسخِ؛ لأنَّه غيرُ مأذونٍ فيه. وإنْ زادَ الجاعلُ، أو نقصَ مِن الجُعلِ قبلَ الشروعِ في العملِ، جازَ، وعُمِلَ به؛ لأنَّها عقدٌ جائزٌ، فجازَ فيه ذلك، كالمضاربةِ. (وإنْ فسخَ العاملُ) قبلَ تمامِ عملِه، (فلا شيءَ له) لإسقاطِه حقَّ نفسِه، حيثُ لمْ يوفِّ ما شُرِطَ عليه (٣).

стр. 1063

ومن عَمِلَ لِغَيرِه عَمَلًا بإذنه، من غيرِ أُجرَةٍ وجَعَالَةٍ، فلهُ أُجرة المِثلِ، وبغَيرِ إذنِه، فلا شَيءَ له، إلَّا في مسأَلتَين: إحداهُما: أن يُخلِّصَ مَتَاعَ غَيرِه مِنْ مَهلَكَةٍ، فلَهُ أُجرَة مِثلِه. الثَّانِيَةُ: أن يَرُدَّ رَقيقًا آبِقًا لسيِّدِه، (ومَن عملَ لغيرِه عملًا بإذنِه، مِن غيرِ أُجرةٍ وجَعَالةٍ، فله أجرةُ المثلِ) لدِّلالةِ العُرفِ على ذلك. (وبغيرِ إذنِه، فلا شيءَ له) لتبرُّعِه بعملِه، حيثُ بذلَه بلا عوضٍ. ولئلا يلزمَ الإنسانَ ما لم يلتزمْه، ولم تطبْ به نفسُه (إلا في مسألتين): (إحداهما) أي: إحدى (١) المسألتين: (أن يخلِّصَ متاعَ غيرِه مِن مَهلَكَةٍ) أي: مِن بحرٍ، أو فمِ سَبُعٍ، أو فلاةٍ، يُظنُّ هلاكُه في تَركِه. وكذا لو انكسرتِ السفينةُ، فخلَّصَ قومٌ الأموالَ مِن البَحرِ، فتجبُ لهم الأجرةُ على المُلَّاكِ؛ لأنَّ فيه حثًّا وترغيبًا في إنقاذِ الأموالِ مِن الهلكةِ، فإنَّ الغوَّاصَ إذا عَلِمَ أنَّ له الأجرةَ غرَّرَ (٢) بنفسِه، وبادرَ إلى التخليصِ، بخلافِ ما إذا عَلِمَ أنَّه لا شيءَ له (٣) (فله أجرةُ مثلِه) وإن لم يأذنْ له ربُّه؛ لأنَّه يُخشَى هلاكُه وتلفُه على مالكِه. المسألةُ (الثانيةُ: أنْ يرُدَّ رَقيقًا) مِن قِنٍّ، ومُدبَّرٍ، وأمِّ ولدٍ (آبقًا لسيِّدِه) ما لم يمُتْ سيِّدُ مدبَّرٍ خرجَ مِن الثلثِ، أو أمِّ ولدٍ قبلَ وصولٍ، فيعتُقا، ولا شيءَ له لم يَتِمَّ؛

стр. 1064

فله ما قدَّره الشَّارِعُ، وهو دِينَارٌ، أو اثنَا عشَرَ دِرهَمًا. إذ العتيقُ لا يُسمَّى آبقًا. أو يهرُبُ الآبقُ مِن واجِدِه قبلَ وصولِه؛ لأنَّه لم يردَّ شيئًا (فله ما قدَّرَه الشارعُ) سواءٌ ردَّه من المصرِ أو خارجَه، قَربُتِ المسافةُ أو بعُدتْ. ولو كانَ الرادُّ زوجًا للرقيقِ، أو ذا رحِمٍ في عيالِ المالكِ. وسواءٌ كان الآبقُ يساوي المقدارَ الذي قدَّرَه الشارعُ، أوْ لا (١). "تنبيه": يُقال: أبقَ العبدُ: إذا هرَبَ (٢) من سيِّده، بفتحِ الباءِ، يأبِقُ، بكسرِها وضمِّها، فهو آبِقٌ. وقال الثعالبيُّ في "سرِّ اللغة": لا يقالُ للعبدِ: آبقٌ، إلا إذا كان ذهابُه من غيرِ خوفٍ، ولا كدٍّ في العملِ، وإلَّا فهو هاربٌ (٣). (وهو): ما قدَّرَه الشارعُ: (دينارٌ، أو اثنا عشرَ درهمًا) رُويَ عن عمرَ، وعليٍّ، وابن مسعودٍ (٤). وروىَ ابنُ أبي ملكية، وعمرُو بنُ دينارٍ، مرسلًا: أنَّ النبيَّ ﷺ جعلَ (٥) في ردِّ الآبقِ إذا جاءَ به خارجًا من الحرمِ دينارًا (٦). والمعنى فيه: الحثُّ على حفظِه على سيِّدهِ، وصيانةِ العبدِ عمَّا يُخافُ من لحاقِه (٧) بدارِ الحربِ، والسعي في الأرضِ بالفسادِ.

стр. 1065

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ونقلَ ابنُ منصورٍ: سُئِلَ أحمدُ عن جُعْلٍ الآبقِ؟ فقال: لا أدري، قد تكلَّمَ الناسُ فيه، لم يكنْ عندي (١) فيه حديثٌ صحيحٌ. وعلى الأوَّلِ: فإن ردَّه الإمامُ، فلا شيءَ له في ردِّه. نصًّا؛ لانتصابِه للمصالحِ، وله حقٌّ في بيتِ المالِ على ذلك (٢).

стр. 1066

بَابُ اللُّقَطَةِ وهي ثَلاثَةُ أقسَامٍ: أحدُها: ما لا تتبعُهُ هِمَّة أوسَاطِ النَّاسِ، كسَوطٍ، ورَغيفٍ، ونَحوِهِما. (بابُ اللُّقَطَةِ) بضمِّ اللامِ وفتحِ القافِ. ويُقالُ: لُقاطةٌ، بضمِّ اللَّامِ، و: لَقَطةٌ، بفتحِ اللَّامِ والقافِ. وعُرْفًا: مالٌ كنقدٍ ومتاعٍ، أو مختصٌّ كخمرِ خلَّالٍ (١)، ضائعٌ كساقطٍ بلا علمٍ، أو في معناه -أي: الضائعِ- كمتروكٍ قصدًا لمعنًى يقتضيه، ومدفونٍ منسيٍّ. لغير حربيٍّ، فإنْ كانَ لحربيٍّ، فلآخذِهِ، كما لو ضلَّ الحربيُّ الطريقَ، فلآخذه هو وما معه. (وهي) أي: اللقطةُ (ثلاثةُ أقسامٍ) بالاستقراءِ: (أحدُها: ما لا تتبَعُه همِّهُ أوساطِ الناسِ) أي: لا يهتمُّونَ في طلبِه (كسوطٍ): ما يُضربُ به. وفي "شرح المهذب": هو فوقَ القضيبِ، ودونَ العصا (٢) (ورغيفٍ ونحوِهما) (٣)، كالخرقةِ، والحبلِ، والكسرةِ، والتَّمرةِ، والعصا، وكلِّ ما لا خَطَرَ له.

стр. 1067

فهذا يملَكُ بالالتِقَاطِ، ولا يَلزَمُ تعريفهُ، لكِنْ إنْ وجَدَ ربَّه، دفَعَهُ، إنْ كانَ باقِيًا، وإلَّا لم يَلزمْهُ شَيءٌ. ومَنْ تركَ دابَّتَهُ تَزكَ إياسٍ بمَهلَكَةٍ أو فَلاةٍ، لانِقطَاعِها، أو لعَجْزِه عَنْ عَلَفِها، مَلَكَها آخِذُها، قال في "المبدع": والمعروفُ في المذهبِ تقيدُه بما لا تتبعُه همةُ أوساطِ الناسِ، ولو كثُرَ. ونصَّ في روايةِ أبي بكرِ بنِ صدقةَ: أنَّه يعرِّفُ الدِّرهمَ. وقال ابنُ عقيلَ: لا يجبُ ما تعريفُ الدَّانقِ. وحملَهُ في "التلخيص" على دانقِ الذهب؛ نظرًا لعُرْفِ العراقِ (١) (فهذا يُملكُ (٢) بالالتقاطِ) ويُباحُ الانتفاعُ به. نصًّا. (ولا يلزمُ تعريفُه) لأنَّه من قبيل المباحاتِ. (لكنْ إنْ وجدَ ربَّه، دفعَه، إن كانَ باقيًا) أي: موجودًا (وإلا) أي: بأنْ لمْ يكنْ باقيًا (لم يلزمْه شيءٌ) أي: لم يلزمْه بدلُه (ومَنْ تركَ دابَّتَه) أي: لا عبدَه أو متاعَه (ترْكَ إياسٍ بمهلكةٍ أو فلاةٍ؛ لانقطاعِها) أي: عجزِها عن المشي (أو) تركَها (لعجزِه عن علفِها، ملكَها آخذُها) لحديثِ الشعبيِّ مرفوعًا: "من وجدَ دابَّةً قد عجزَ عنها أهلُها فسيَّبوها، فأخذَها فأحياها، فهي له" (٣). وفي القولِ بملكِها: إحياؤُها وإنقاذُها؛ ولأنَّها تُركتْ رغبةً عنها، أشبَه سائرَ ما يُتركُ رغبةً عنه

стр. 1068

وكَذَا ما يُلقَى في البَحرِ خَوفًا من الغَرقِ. الثَّانِي: الضَّوالُّ التي تمتَنِعُ من صِغَارِ السِّباع، كالإبلِ والبَقرِ والخَيلِ والبِغَالِ والحَميرِ والظِّباء. فيحرُم التِقاطُها، وتُضمَنُ كالغَصْبِ، ولا يَزولُ الضَّمانُ إلَّا بدَفعِها للإمَامِ أو نائِبهِ، أو بردِّها إلى مكانِها بإذِنه. (وكذا ما يُلقى) من سفينةٍ (في البحرِ؛ خوفًا من الغرقِ) فيملكُه آخذُه، لإلقاءِ صاحبِه له اختيارًا فيما يتلفُ بتركِه، أشبَه ما ألقاه رغبةً عنه. القسمُ (الثاني: الضَّوالُّ): جمعُ ضالةٍ، اسمٌ للحيوانِ خاصةً دونَ سائرِ اللقطةِ. ويُقالُ لها: الهوامي، والهوافي، والهواملُ (التي تمتنعُ من صغارِ السِّباعِ) كذئبٍ، وثعلبٍ، وابنِ آوى، وأسدٍ صغيرٍ. وامتناعُها إمَّا لكبرِ جُثَّتِها (كالإبلِ، والبقرِ، والخيلِ، والبغالِ، والحميرِ، والظِّباءِ) (فيحرمُ التقاطُها) لقوله ﵇: "ما لَكَ ولها (١)، فإنَّ معها حذاءها وسقاءَها، تَرِدُ الماءَ وتأكلُ الشجرَ حتى يجدَها ربُّها" (٢). ولحديثِ: "لا يُؤوي الضَّالةَ إلا ضالٌّ". رواه أحمدُ، وأبو داودَ، وابن ماجه (٣). (وتُضمنُ كالغصبِ) لعدمِ إذنِ الشارعِ فيه. (ولا يزولُ الضَّمانُ إلا بدفعِها للإمامِ أو نائبِه) لأنَّ له نظرًا في مالِ الغائبِ (أو بردِّها) (٤) إلى مكانِها المأخوذةِ منه

стр. 1069

ومن كتَمَ شيئًا مِنها فَتَلِفَ، لزِمَه قِيمَتُه مرَّتَين. وإنْ تَبعَ شَيءٌ مِنهَا دوابَّهُ فطَرَدَه، أو دَخَلَ دارَهُ فأخرَجَه، لم يضمَنْهُ حيثُ لم يأخُذْهُ. الثَّالِثُ: كالذَّهب، والفِضَّةِ، والمتَاع، وما لا يَمتَنِعُ من صِغارِ السِّباع، كالغَنم، والفُصْلانِ، والعَجَاجِيلِ، والأَوْزِ، والدَّجَاجِ. (بإذنِه) أي: الإمامِ، أو نائبِه. فإنْ ردَّه بغيرِ إذنِه فتلفَ، ضمِنَه، كالمسروقِ والمغصوبِ (١). (ومَن كتمَ شيئًا منها) عن ربِّه، ثمَّ ثبتَ ببيِّنةٍ أوإقرارٍ (فتلفَ، لزِمَه قيمتُه مرَّتينِ) لربِّه. نصًّا؛ لحديث: "في الضالَّةِ المكتومةِ غرامتُها، ومثلُها معها" (٢) قال أبو بكرٍ في "التنبيه": وهذا حكمُ رسولِ اللهِ ﷺ . (وإنْ تبعَ شيءٌ منها دوابَّه فطردَه، أو دخلَ دارَه، فأخرجَه، لم يضمنْه، حيثُ لمْ يأخذْه) ولم تثبتْ يدُه عليها. القسمُ (الثالثُ): ما عدَهُما، أي: القسمين السابقينِ (كالذهبِ، والفضةِ، والمتاعِ) كثيابٍ، وكتبٍ، وفُرُشٍ، وأوانٍ، وآلالتِ حِرَفٍ، ونحوِها، (ومما لا يمتنعُ من عغارِ السِّباعِ، كالغنمِ، والفُصلانِ) بضمِّ الفاءِ وكسرِها، جمعُ فصيلٍ: ولدُ الناقةِ إذا فُصلَ عن أمِّه (والعجاجيلِ) جمعُ عجلٍ: ولدُ البقرةِ (والأوْزِ، والدَّجاجِ) ونحوِ ذلك، كخشَبَةٍ صغيرةٍ، وقطعةِ حديدٍ أو نحاسٍ أو رصاصٍ - والمريضُ من

стр. 1070

فَهذِه يجُوزُ التقَاطُها لمِنَ وَثِقَ مِنْ نفسِه الأمانَةَ، والقدرَةَ على تَعرِيفِها، والأفضَلُ معَ ذلِكَ تركُها. فإنْ أخذَهَا، ثمَّ ردَّها إلى مَوضِعِها، ضَمِنَ. كبارِ الإبلِ ونحوِها، كالصغيرِ - وجحاشِ الحمير (١) (فهذه يجوزُ التقاطُها لمن وثِقَ مِن نَفسِه الأمانةَ) أي: الحفظَ (والقدرةَ على تعريفها) فإنْ عجَزَ عن تعريفِها، فليسَ له أخذُها. وإنْ أخذَها بنيةِ الأمانةِ، ثمَّ طرأَ قصدُ الخيانةِ، فاختيارُ الموفَّقِ: لا يضمنُ. وصححَّه الحارثيُّ. ويحرمُ على ملتقطٍ لا يأمنُ نفسَه عليها أخذُها، ويضمنُها إنْ تلِفتْ، فرَّطَ أو لا؛ لأنَّه غيرُ مأذونٍ فيه، أشبَه الغاصبَ. ولم يملكْها مَن لا يأمنُ نفسَه (٢) عليها (٣) (والأفضلُ مع ذلك) أي: لمن أمِنَ نفسَه عليها، وقويَ على تعريفِها (تركُها) أي: اللُّقطةِ، فلا يتعرَّضُ لها. رُويَ عن ابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ (٤) (فإنْ أخذَها) أي: اللقُّطةَ (ثمَّ ردَّها إلى موضِعها) أو فرَّطَ فيها، فتلِفتْ (ضمِنَها)؛ لأنَّها أمانةٌ حصلتْ (٥) في يدِه، فلزِمَه حفظُها، كسائرِ الأماناتِ. وتركُها والتفريطُ فيها تضييعٌ لها.

стр. 1071

فَصْلٌ وهذا القِسمُ الأخيرُ ثلاثَةُ أنواعٍ: أحدُها: ما التقَطَهُ مِنْ حَيوانٍ. فيلزَمُهُ خَيرُ ثَلاثَةِ أُمورٍ: أكلُهُ بقيمَتِهِ، أو بيعُهُ وحِفْظُ ثَمنِهِ، أو حِفظُه، ويُنفِقُ عليهِ مِنْ مالِه، (فصلٌ) (وهذا القسمُ الأخيرُ ثلاثةُ أنواعٍ): (أحدُها) أي: أحدُ الأنواعِ الثلاثةِ: (ما التقطَه من حيوانٍ) مأكولٍ، كفصيلٍ، وشاةٍ، ودجاجةٍ (فيلزمُه) أي: الملتقطَ (خيرُ ثلاثةِ أمورٍ) أي: فعلُ الأصلحِ (١) لمالكِه: (أكلُه بقيمتِه) في الحالِ؛ لحديثِ: "هي لكَ، أو لأخيكَ، أو للذئبِ" (٢). فسوَّى بينَه وبين الذئبِ، والذئبُ لا يَستَأني بأكلِها، ولأنَّ في أكلِ الحيوانِ في الحالِ إغناءً عن الإنفاقِ عليه، وحراسةً لماليَّتِه على صاحبِه إذا جاءَ، فإنَّه يأخذُ قيمتَه بكمالِها. ومتى أرادَ أكلَه، حَفِظَ صِفَتَه، فمتى جاءَ صاحبُه فوصفَه، غرمَ قيمتَه له (٣) (أو بيعُه) أي: الحيوانِ (وحفظُ ثمنِه) ولو بلا إذنِ إمامٍ (أو حفظُه، وينفقُ) ملتقِطٌ (عليه من مالِه) ليحفظَه لمالكِه. فإنْ تركَه بلا إنفاقٍ

стр. 1072

وله الرُّجوعُ بما أنَفَقَ إن نواه. فإن استَوتِ الثَّلاثَةُ، خُيِّر. الثَّانِي: ما يُخشَى فَسادُه. فيلزُمُه فِعلُ الأصلَحِ من بَيعِهِ، أو أكلِهِ بِقيمَتِه، أو تَجفِيفِ ما يُجفَّفُ. فإن استَوتِ الثَّلاثَةُ، خُيِّر. عليه، فتلِفَ، ضمِنَه؛ لتفريطِه (وله الرجوعُ) أي: الملتقطِ على ربِّه، إنْ وجدَه (بما أنفقَ) عليه (إنْ نواه) أي: الرجوعَ. نصًّا؛ لأنَّه أنفقَ عليه لحفظِه، فكانَ من مالِ صاحبِه، كمؤنةِ تجفيفِ عنبٍ ورُطبٍ (فإنِ استوتِ) الأمورُ (الثلاثةُ) في نظرِ ملتقطٍ، فلمْ يظهرْ له أنَّ أحدَهما أحظُّ، (خُيِّرَ) بين الثلاثةِ؛ لعدمِ المرجِّحِ (١). النوع (الثاني: ما يُخشىَ فسادُه) بإبقائه، كخضرواب ونحوِها (فيلزمُه) أي: الملتقطَ (فعلُ الأصلحِ) أي: الأحظِّ لمالكِه: (من بيعِه) بقيمتِه، وحفظِ ثمنِه، بلا إذنٍ حاكمٍ (أو أكلِه بقيمتِه) قياسًا له على الشاةِ. ولحفظِ ماليَّتِه على ربِّه (أو تجفيفِ ما يُجفَّفُ) كعنبٍ ورُطَبٍ؛ لأنَّه أمانة بيدِه، فتعيَّن عليه فعلُ الأحظِّ. فإنِ احتاجَ في تجفيفِه إلى مؤنةٍ، باعَ بعضَه فيه. (فإنِ استوتْ) الأمورُ (الثلاثَةُ، خُيِّرَ) ملتقطٌ بينها. فإن تركَها حتى تلِفتْ، ضمِنَه (٢).

стр. 1073

الثالِثُ: باقي المَال. ويلزَمُهُ التَّعِريفُ في الجَميعِ فَورًا نَهارًا، أوَّلَ كُلِّ يَومٍ مدَّةَ أُسبُوعٍ، ثم عادةً مدَّةَ حَولٍ. وتعريفُها: بأن ينادِيَ في الأسواقِ، وأبوابِ المساجِدِ: النوعُ (الثالثُ: باقي المالِ) المباحِ التقاطُه، من أثمانٍ ومتاعٍ، ونحوِهما. (ويلزمه) أي: الملتقطَ (التعريفُ في الجميعِ) من حيوانٍ وغيرِه، سواءٌ أرادَ تملُّكًا، أو حفظًا لربِّه؛ لأنَّه ﵇ أمرَ به زيدَ بن خالدٍ، وأبيَّ بن كعبٍ (١)، ولم يفرقْ، ولأنَّ حفظَها لربِّها إنَّما يفيدُ بإيصالِها إليه، وطريقُه التعريفُ (فورًا)؛ لأنَّه مقتضى الأمرِ، ولأنَّ صاحبَها يطلبُها عَقِبَ ضياعِها (٢). (نهارًا) لأنَّه مجمعُ الناسِ وملتقاهُم (أوَّلَ كلِّ يومِ) قبلَ اشتغالِ الناسِ بمعاشِهم (مدَّةَ أسبوعِ) أي: سبعةَ أيامٍ؛ لأنَّ الطلبَ فيه أكثرُ، (ثمَّ) يعرِّفُها (عادةً) أي: كعادةِ الناسِ في ذلكَ (مدَّةَ حولٍ) من التقاطٍ، رُوي عن عمرَ، وعليٍّ، وابنِ عباسٍ (٣)؛ لحديثِ زيدِ بنِ خالدٍ، فإنَّه ﵇ أمرَه بعامٍ واحدٍ، ولأنَّ السَّنَةَ لا تتأخَّرُ عنها القوافلُ، ويمضي فيها الزمانُ التي تُقصدُ فيه البلادُ من الحرِّ والبردِ، والاعتدالِ كمدةِ العِنِّينِ. (وتعريفُها؛ بأنْ يناديَ في الأسواقِ) عندَ اجتماعِ الناسِ (وأبوابِ المساجد) أوقات (٤) الصَّلواتِ؛ لأنَّ المقصودَ إشاعةُ ذكرِها. وإنْ كانَ في صحراءَ، عرَّفَها في

стр. 1074

مَنْ ضَاعَ مِنهُ شَيءٌ، أو نَفَقَةٌ. وأُجرَةُ المُنادِي على المُلتَقِطِ. فإذا عرَّفَها حَولًا، ولم تُعرَفْ، دخَلَت في مِلْكِه أقربِ البلادِ إليها. وكُرِهَ تعريفُها داخلَ المساجدِ: (مَن ضاعَ منه شيءٌ، أو:) مَن ضاعَ منه (نفقةٌ) قالَه في "المحرر". وفي "المغني" و"الشرح": فيقولُ: مَن ضاعَ منه ذهبٌ أو فضةٌ، أو دنانيرُ أو دراهمُ، أو ثيابُ، ونحوُ ذلك. (وأجرةُ المُنادي على الملتقطِ) نصًّا؛ لأنَّه سببٌ في العملِ، والتعريفُ واجبٌ على الملتقطِ، فأجرتُه عليه (١) (فإذا عرَّفَها حوْلًا) كاملًا (ولم تُعرَفْ) فيه، وهي ممَّا يجوزُ التقاطُه (دخلتْ في ملكِه) أي: الملتقطِ؛ غنيًّا كان أو فقيرًا، لقولِه ﵇ (٢) في حديثِ زيدِ بن خالدٍ: "فإنْ لَمْ تُعرَفْ، فاستَنفِقْها" (٣). وفي لفظٍ: "وإلَّا فهي كسبيلِ مالكٍ" (٤). وفي لفظٍ: "كُلْها" (٥). وفي لفظٍ: "فانتفعْ بها" (٦). وفي لفظٍ: "فشأنكَ بها" (٧).

стр. 1075

قَهرًا عليه، فيتصرَّفُ فيها بِما شاءَ، بِشَرطِ ضَمانِها. وفي حديثِ أبيِّ بنِ كعبٍ: "فاستنفقْها" (١). وفي لفظٍ: "فاستمتعْ بها" (٢). وهو حديثٌ صحيحٌ. (قهرًا عليه): أي: حكمنا بدخولِها في ملكِه، كالميراثِ. نصًّا، فلا يقفُ على اختيارِه، ولأنَّ الالتقاطَ والتعريفَ سببُ التملُّكِ، فإذا تمَّا، وجبَ أن يثبتَ المِلكُ حُكمًا، كالإحياءِ والاصطيادِ، فلا يقفُ على قولِه، ولا اختيارِه (٣) (فيتصرَّفُ فيها) أي: في اللُّقطةِ (بما شاءَ) من بيعٍ، أو وقفٍ، أو هبةٍ (بشرطِ ضمانِها) أي: مثلِها إنْ كانتْ مثليَّةً، وإلا فقيمتُها؛ لتعذُّرِ ردِّها (٤).

стр. 1076

فَصْلٌ ويحرُمُ تصرُّفُهُ فِيها حتَّى يَعرِفَ وعاءَها، ووِكَاءَها -وهو ما شُدَّ بهِ الوِعَاءُ- وعِفَاصَها -وهو صِفَة الشَّدِّ- ويعرِفَ قَدْرَهَا، وجِنْسَهَا، وصِفَتَهَا. (فصلٌ) (ويحرُمُ تصرُّفُه) أي: الملتقطِ (فيها) أي: الُّلقَطةِ (حتى يَعرِفَ وعاءَها) وهو ظرفُها، كيسًا كانَ أو غيرَه، كخرقةٍ مشدودةٍ فيها، وقِدْرٍ وزِقِّ فيه اللُّقطةُ المائعةُ، ولفافةٍ على ثيابٍ (و) حتى يعرفَ (وكاءَها) بالمدِّ، وهو: الخيطُ أو السيرُ الذي تُشدُّ به، وكونُ الخيطِ من إبريسَمٍ، أو قطنٍ، أو كَتَّانٍ. وإليه أشارَ بقولِه: (وهو ما شُدَّ به الوِعاءُ) ممَّا تقدمَ (و) حتى يعرفَ (عِفَاصَها) بكسرِ العينِ المهملةِ (وهو صفةُ الشَّدِّ) فيتعرَّفُ الربطَ (١): هل هو عِقدةٌ أو عِقدَتان، وأُنشُوطَةٌ (٢) أو غيزها. ويُطلقُ على وعاء النفقةِ، جلدًا أو خرقةً، أو غلافِ القارورةِ: الجلدُ يُغطَّى به رأسُها (و) حتى يعرِفَ (قدرَها) بكيلٍ، أو وزنٍ، أو عدٍّ، أو ذرعٍ (و) حتى يعرِفَ (جنسَها وصِفتَها) أي: نوعَها ولونَها؛ لحديثِ أبيِّ بنِ كعبٍ أنَّه قال: وجدتُ مائةَ دينارٍ، فأتيتُ بها النبيَّ ﷺ فقال: "عرِّفْها حَوْلًا". فعرَّفتُها

стр. 1077

ومتَى وصفَها طالِبُها يَومًا مِنَ الدَّهرِ، لَزِمَ دفعُها إليه بنمائِها المُتَّصِل، حَوْلًا، فلم تُعرفْ، فرجعتُ إليه، فقال: "اعرفْ عِدَّتَها، ووعاءَها، ووكاءَها، واخلطْها بمالِكَ، فإنْ جاءَ ربُّها فأدِّها إليه" (١). ولأنَّه حيثُ وجبَ دفعُها إلى ربِّها بوصفِها، فلا بدَّ من تعريفِها؛ لأنَّ ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به واجبٌ. (ومتى وصفهَا) أي: اللقطةَ (طالبُها يومًا من الدَّهر، لزِمَ دفعُها إليه بنمائها المتِّصلِ) مطلقًا؛ لقولِه ﵇: "فإنْ جاءَ طالبُها يومًا من الدَّهرِ، فأدِّها إليه" (٢). ولأنَّه يتعذُّرُ إقامةُ البيِّنةِ عليها غالبًا؛ لسقوطِها حالَ الغفلةِ أو السهوِ، فلو لم يجبْ دفعُها بالصفةِ، لما جاز التقاطُها. يعني: بلا بيِّنةٍ ولا يمينٍ، ولو لم يغلبْ على الظنِّ صِدْقُه. فإن لمْ يصفْها ولم يُقمْ بينةً، لم تُدفعْ إليه، ولو غلبَ على الظنِّ صِدْقُه. ويَضمَنُ إذًا إنْ جاءَ آخرُ ووصفَها، وله تَضمينُ مَن شاءَ منهما، وقرارُ الضمانِ على الآخذِ. وإن لم يأتِ أحدٌ، فللملتقطِ مطالبةُ آخذِها بها؛ لأنَّه لا يأمنُ مجيءَ صاحبِها، فيلزمُه بها، ولأنَّها أمانةٌ بيدِه. قال في "الشرح" و "المبدع": ويستحبُّ كتبُ صفاتِها؛ ليكونَ أثبت لها (٣)؛ مخافةَ نسيانِها (٤).

стр. 1078

وأمَّا المُنفَصِلُ بعدَ حَولِ التَّعريفِ، فلواجِدِهَا. وإن تَلِفَت، أو نَقَصَت في حَولِ التَّعرِيفِ، ولم يُفرط، لم يَضمَنُ، وبعدَ الحَولِ، يضمن مُطلَقًا. وإنْ أدرَكَهَا ربُّها بعدَ الحَولِ مَبيعَةً، أو مَوهُوبَةً، لم يكُنْ له إلَّا البَدَلُ. ومَنْ وجَدَ في حَيوانٍ نقدًا، (وأمَّا المنفصلُ بعدَ حَوْلِ التعريفِ، فلواجدِها) لأنَّه نماءُ ملكِه، ولأنَّه يضمنُ النقصَ (١) بعدَ الحولِ، فالزيادةُ له؛ ليكونَ الخراجُ بالضمانِ (وإنْ تلِفتْ) اللُّقطةُ (أو نقصتْ) أو ضاعَتْ (في حَوْلِ التعريفِ، ولم يُفرِّطْ، لم يضمنـ) ـــها؛ لأنَّها أمانةٌ بيدِه (٢)، كالوديعةِ. (و) إنْ تلِفتْ أو نقصتْ (بعدَ الحَوْلِ يضمنُـ) ــــــــها ملتقطٌ (مطلقًا) أي: فرَّطَ أو لا، لدخولِها في ملكِه، فتلفُها من مالِه، ومِلكُ الملتقطِ لها مراعىً، يزولُ بمجيء صاحبِها. ويضمنُ بدلَها إنْ تعذَّرَ ردُّها (٣) (وإنْ أدركها) أي: اللقطةَ (ربُّها بعدَ الحَوْلِ) والتعريفِ (مبيعةً، أو موهوبةً) بيدِ مَن انتقلتْ (٤) إليه، (لم يكنْ له) أي: ربِّها (إلا البدلُ) لصحَّةِ تصرُّفِ الملتقطِ فيها؛ لدخولِها في مِلكِه. (ومَن وجدَ في حيوانٍ نقدًا) كدراهمَ أو دنانيرَ وجدَها في بطنِ شاةٍ ذبحَها، فلقطةٌ (أو) وجدَ فيه (دُرَّةً) أو عنبرةً (فلقطة) قال في "الفروع" (٥): وإنْ وجدَ دُرَّةً

стр. 1079

أو دُرَّةً، فلُقَطَةٌ لواجِدِه، يلزَمُهُ تعرِيفُه. ومن استيقَظَ فوجَدَ في ثويه مالًا، لا يدرِي مَنْ صَرَّه، فهو لَه. ولا يبرأُ مَنْ أخذَ من نائِمٍ شيئًا، إلَّا بتسليِمِه له بعدَ انتباهِهِ. غيرَ مثقوبةٍ في سمكةٍ، فلصيادٍ؛ لأنَّ الظاهرَ ابتلاعُها من معدنِها. وتبِعَه في "المنتهى" و"الإقناع". فإنْ كانتْ مثقوبةً أو متصلةً بذهبٍ أو فِضَّةٍ ونحوِهما، فلقطةٌ، يعرِّفُها (١) ويبدأُ بالبائِعِ؛ لاحتمالِ أن يكونَ من مالِه (٢). فإنْ لم تُعرفْ (فلو أجده) نصًّا (يلزمُه تعريفُه) كسائرِ الأموالِ الضائعةِ (ومَن استيقظَ) من نومٍ أو إغماءٍ (فوجدَ في ثوبِه) أو كيسِه (مالًا) دراهمَ أو غيرَها (لا يدري مَن صرَّه) أو وضعَه في كيسِه أو جَيْبِه (فهو له) بلا تعريفٍ (ولا يبرأُ مَن أخذَ من نائمٍ شيئًا؛ إلا بتسليمِه له بعد انتباهِه) لتعدِّيه؛ لأنَّه (٣) إمَّا سارقُ أو غاصبٌ، فلا يبرأُ منَ عُهدتِه إلا بردِّه لمالكِه في حالٍ يصحُّ قبضُه له فيها. ومَن أُخِذَ متاعُه، كثيابٍ في حمَّامٍ، وتُرِكَ له بدَله، فلقطةٌ. أو أُخذَ مداسُه، وتُرِك بدلُه، فلقطةٌ، لا يملكُه بذلك؛ لأنَّ سارقَ الثيابِ ونحوِها، لم يجرِ بينَه وبين مالكِها معاوضة تقتضي زوالَ ملكِه عنها، فإذأ أخذَها فقد أخذَ مالَ غيرِه، ولا يعرِفُ صاحبَه، فيُعَرِّفُه كاللُّقطةِ. ويأخذُ ربُّ الثيابِ ونحوِها حقَّه منه، أي: ممَّا تُرِكَ له بعدَ تعريفِه من غيرِ رفعِه إلى حاكمٍ.

стр. 1080

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فلو كانتْ الثيابُ المتروكةُ أكثرَ قيمةً من المأخوذةِ، فإنَّما يأخذُ منها بقدرِ قيمةِ ثيابِه؛ لأنَّ الزائدَ فاضلٌ عمّا يستحقُّه، ولم يرضَ صاحبُها بتركِها عِوضًا عمَّا أخذَه، ويتصدَّقُ بالباقي (١). "تتمَّةٌ": قال في "الفروع" (٢): للرقيقِ أنْ يلتقطَ ويُعرِّفَ بلا إذنِ سيِّدِه، في الأصحِّ فيهما. "فائدةٌ": لو التقطَها اثنانِ فأكثرَ، فعرَّفَاها (٣) حَوْلًا، فلم تُعرفْ، ملَكَاها سوِّيةً. وإنْ رآها اثنانِ معًا، فبادرَ أحدُهما فأخذَها، أو رآها أحدُهما وأعلَمَ بها صاحبَه، فأخذَها، فهي لآخذِها؛ لأنَّ استحقاقَ اللُّقطةِ بالأخذِ، لا بالرؤيةِ، كالاصطيادِ. وإنْ قالَ أحدُهما لصاحبِه: هاتِها نعرفْها، نَظَرتَ في نيَّته، فإن أخذَهَا لِنَفسِه، فهي لهُ دُونَ الآمِرِ، وإن أخذَها للآمِرِ، فهي له، كما لو وكلَّه في الاصطيادِ (٤).

стр. 1081

بابُ اللَّقِيطِ وهوَ: طِفلٌ يُوجَدُ لا يُعْرَفُ نَسَبُه ولا رِقُّهُ. والتقاطُه، والإنْفَاقُ عليهِ فَرضُ كِفايَةٍ. ويُحكَمُ بإسلامِه، وحُريَّتِهِ. ويُنفَقُ عليهِ ممَّا معَه (بابُ اللَّقيطِ) فعيلٌ بمعنى مفعول. (وهو) شرعًا: (طفلٌ يُوجدُ) مطروحًا في شارعٍ أو غيرِه (لا يُعرفُ نسبُه، ولا) يُعرفُ رِقُّه (والتقاطُهُ، والانفاقُ عليه، فرضُ كفايةٍ) لقولِه تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المَائدة: ٢] ولأنَّ فيه إحياءَ نفسٍ، فكان واجبًا، كإطعامِه إذا اضطرَّ، وإنجائَه من نحوِ غرقٍ. فإنْ تركَه جميعُ مَن رآهُ، أَثِمُوا. (ويُحكَمُ بإسلامِه) أي: اللقيطِ إنْ وُجِدَ بدارِ إسلامٍ فيه مسلمٌ أو مسلمةٌ يمكنُ كونُه منه؛ لظاهرِ الدارِ، وتغليبًا للإسلامِ، فإنَّه يعلُو ولا يُعلَى عليه. (و) يُحكمُ بـ (حريِّتِه) لأنَّها الأصلُ في الآدميينَ، فإنَّ اللهَ خلقَ آدمَ وذريَّتَه أحرارًا، والرقُّ لعارضٍ. والأصلُ عدمُه (وينفقُ عليه) أي: اللقيطِ (ممَّا معه) أي: من مالِه، بلا حكمِ حاكمٍ؛ لولايتِه عليه، كالوصيِّ. ولأنَّه من الأمرِ بالمعروفِ، والأَوْلى: بإذنِه؛ احتياطًا. بخلافِ مَن غابَ وله وديعةٌ ونحوُها، وأولادٌ، فلا ينفقُ عليهم منها إلا بإذنِ حاكمٍ. وينفقُ على اللَّقيطِ واجدُهُ بالمعروفِ، كوليِّ اليتيمِ، فإنْ بلغَ واختلفا في قدرِ ما

стр. 1082

إن كانَ، فإن لَمْ يَكُنْ، فمِنْ بَيتِ المَالِ، فإنْ تَعذَّرَ، اقتَرَضَ عليه الحَاكِمُ، فإن تَعذَّرَ، فعَلَى مَنْ عَلِمَ بحَالِه. والأحقُّ بحضَانَتِه واجِدُه، أُنفِقَ، أو في التفريطِ في الإنفاقِ، فقولُ منفِقٍ؛ لأنَّه أمينٌ (إن كانْ، فإنْ لمْ يكنْ) معه شيءٌ (فـ) ينفقُ عليه (من بيتِ المالِ) لما روى سعيدٌ عن سنينِ (١) أبي جميلةَ، قال: وجدتُ ملقُوطًا، فأتيتُ به عمرَ، فقال عريفي: يا أميرَ المؤمنين، إنَّه رجلٌ صالحٌ. فقال عمز: كذلك هو؟ قال: نعمْ. قال: فاذهبْ، فهو حرٌّ، ولك ولاؤُه، وعلينا نفقتُه. وفي لفظٍ: علينا رَضاعُه (٢). (فإنْ تعذَّرَ) أخذُ نفقتِه من بيتِ المالِ؛ لكونِ البلدِ ليس به بيتُ مالٍ (٣)، أو به ولا مالَ به، ونحوه (اقترضَ عليه الحاكمُ) أي: على بيتِ المالِ. وإنَ اقترضَ الحاكمُ ما أنفقَ عليه، ثمَّ بانَ رقيقًا، أو له أبٌ موسرٌ، رجع عليه، فإن لم يظهرْ له أحدٌ، وفَّى من بيتِ المالِ (فإنْ تعذَّرَ) الاقتراضُ عليه أو الأخذُ منه؛ لنحوِ منعٍ مع وجودِ المالِ فيه (٤) (فعلى من عَلِمَ بحالِه) من ملتقطٍ وغيرِه. (والأحقُّ بحضانتِه) أي: اللقيطِ (واجدُه) لأنَّه سبقَ إليه، فكانَ أَوْلى به. وأَوْلى الناسِ بحفظِ ماله واجِدُه

стр. 1083

إنْ كانَ حُرًّا، مُكلَّفًا، رَشِيدًا، أَمينًا، عدلًا، ولو ظَاهرًا. (إن كان حرًّا) تامَّ الحريةِ؛ لأنَّ منافعَ القِنِّ، والمدبَّرِ، والمعلَّقِ عتقُه بصفةٍ، وأمِّ الولد، مستحقَّةٌ لسيِّدِه، فلا يُذهِبُها في غيرِ نفعِه إلا بإذنه. وكذا المكاتبُ، ليس له التبرُّعُ بمنافعِه إلا بإذنِ سيِّدِه. وكذا المبعَّضُ، لا يتمكَّنُ من استكمالِ الحضانةِ. فإنْ أذِنَ السيِّدُ لرقيقِه، أُقِرَّ بيدِه؛ لأنَّه يصيرُ كأنَّ السيِّدَ التقطَه واستعانَ برقيقِه في حضانتِه. قال ابنُ عقيلٍ: إنْ أَذِنَ له السيِّدُ، لثم يكنْ له الرجوعُ بعدَ ذلك، وصارَ كما لو التقطَه. (مكلَّفًا)؛ لأنَّ غيرَ المكلَّفِ لا يلي أمرَ نفسِه، فغيرُه أَوْلى (رشيدًا) فلا يقر غيرُ المكلَّفِ مع سفيهٍ؛ لأنَّه لا ولايةَ له على نفسِه، فعلى غيرِه أَوْلى (أمينًا، عدْلًا، ولو) أنَّه عدلٌ (ظاهرًا) كولايةِ النكاحِ؛ لأنَّ عمرَ ﵁ أقرَّ اللقيطَ في يدِ أبي جميلةَ حينَ قالَ له عريفُه: إنَّه رجلٌ صالحٌ (١).

стр. 1084

فَصْلٌ وميراثُ اللَّقِيطِ ودِيتُه -إن قُتِلَ- لبيتِ المَالِ. وإن ادَّعاهُ مَنْ يُمكِنُ كونُه مِنهُ مِنْ ذَكَرٍ أو أُنثَى، أُلحِقَ به ولو مَيِّتًا، وثَبتَ نسبُه، وإرثُه. (فصلٌ) (وميراثُ اللَّقيطِ، ودِيتُه -إنْ قُتِلَ- لبيتِ المال) إنْ لمْ يكنْ له وارثٌ، كغيرِ اللَّقيطِ. فإنْ كان له زوجةٌ، فلها الربعُ، والباقي لبيتِ المالِ. وإن كان له بنتٌ، أو ذو رحِمٍ، كبنتِ بنتٍ، أخذَ الجميعَ. ولا يرتُه ملتقطهُ، لحديثِ: "الولاءُ لمَنْ أعتقَ" (١). وذكرَ ابنُ أبي موسى في "الإرشاد": أنَّ بعضَ شيوخِه حكى روايةً عن أحمدَ: أنَّ الملتقطَ يرثُه. واختارَهُ الشيخُ تقيُّ الدينِ ونصرَه، وصاحبُ "الفائق". قال الحارثيُّ: وهو الحقُّ (٢) (وإن ادَّعاه مَنْ يُمكِنُ كونُه مِنهُ مِنْ ذَكرٍ أو أُنثَى، أُلحِقَ به، ولو مَيِّتًا، وثَبتَ نسبُه، وإرثُه) (٣).

стр. 1085

وإن ادَّعاه اثنانِ فأكثرُ معًا، قُدِّم من لَه بيِّنة، فإن لم تَكُن، عُرِضَ على القَافَةِ، فإن ألحَقَتْهُ بواحِدٍ، لَحِقَه، وإن ألحَقَتْهُ بالجَميعِ، لَحِقَهم، وإن أشكَلَ أمرُهُ، ضَاعَ نسبُه. (وإن ادَّعاهُ) أي: اللَّقيطَ (اثنانِ فأكثرُ معًا)، فإن ادَّعاهُ أحدُهما بعدَ الآخرِ، لحِقَ بالأوَّلِ، إلا أنْ تلحقَه القافةُ بالثاني، فيلحقُ به، وينقطعُ نسبُه من الأوَّلِ (قُدِّمَ مَن له بيِّنةٌ) لأنَّها علامةٌ واضحةٌ على إظهارِ الحقِّ (فإن لم تكنْ) لواحدٍ منهما بيِّنةٌ بدعواه (عُرِضَ) اللقيطُ (على القافةِ): وهم قومٌ يعرفون الأنسابَ بالشَّبَهِ، ولا يختصُّ ذلك بقبيلةٍ معيَّنةٍ، بل مَنْ عُرفتْ منه معرفةُ ذلك، وتكرَّرتْ منه الإصابةُ، فهو قائفٌ (فإنْ ألحقتْهُ) القافةُ (بواحدٍ) أو باثنين، لحِقَ نسبُه بهما؛ (لحِقَه) بقضاءِ عمرَ، ولم يُنكَرْ، فكانَ إجماعًا. (وإنْ ألحقتْه) القافةُ (بالجميعِ، لحِقَهم) وإنْ كثُروا؛ لأنَّ المعنى الذي لأجلِه أُلحِقَ باثنينِ موجودٌ فيما زادَ عليه، فيقاسُ عليه. وإذا جازَ أن يُخلقَ من اثنينِ، جازَ أن يُخلقَ من أكثرَ (وإنْ أشكلَ أمرُه) و على القافةِ، فلم يظهرْ لهم فيه شيءٌ، أو اختلفَ فيه قائفانِ، فألحقَه أحدُها بواحدٍ، والآخرُ بآخرَ، أو اختلفَ قائفانِ اثنانِ وثلاثةٌ من القافةِ؛ بأنْ قالَ اثنان منهم: هو ابنُ زيدٍ. وثلاثةٌ: وهو ابنُ عمرو (ضاعَ نسبهُ) لتعارضِ الدليلِ ولا مرجِّحِ لبعضِ مَن يدِّعيه، أشبه من لئم يُدَّعَ نسبُه. ولا يُرجَّحُ أحدُهما بذكرِ علامةٍ في جسِده. وإن ادَّعى نسبَ اللقيطَ رجلٌ وامرأةٌ، ألحِقَ بهما جميعًا؛ لعدمِ التنافي؛ لأنَّه

стр. 1086

ويكفي قائِفٌ واحِدٌ، وهو كالحَاكِمِ، فيَكفِي مُجرَّدُ خَبَرِه، بشَرطِ كونِه مُكلَّفًا، ذَكَرًا، عَدلًا، حُرًّا، مُجرَّبًا في الإصَابَةِ. يمكنُ كونُه منهما بنكاحٍ بينهما، أو وطءِ شُبهةٍ. (ويكفي قائفٌ واحدٌ) في إلحاقِ النسبِ (وهو كالحاكمِ، فيكفي مجرَّدُ خبرِه) لأنَّه ينفُذُ ما يقولُه، بخلافِ الشاهدِ. فإنْ ألحقَّه بواحدٍ، ثمَّ ألحقَه بآخرَ، كان لاحقًا بالأوَّل فقط؛ لأنَّ إلحاقَه جرى مجرى حكمِ الحاكمِ، فلا يُنقضُ بمخالفةِ غيرِه له. وكذا لو ألحقَه بواحدٍ، ثمَّ عادتْ فألحقتْه بآخرَ. وإنْ أقامَ الآخرُ بيِّنةً أنَّه ولدُه، حُكمَ له به، وسقطَ قولُ القائِفِ لأنَّهُ بدلُه، فيسقُطُ بوجُودِ الأصلِ، كالتيمُّمِ معَ الماءِ (بشرط كونِه): (مكلَّفًا، ذكرًا) لأنَّ القيافةَ حكمٌ، مُستنَدُها النظرُ والاستدلالُ، فاعتبرتْ فيه الذكورةُ، كالقضاءِ (عدْلًا) لأنَّ الفاسقَ لا يُقبلُ خبرُه. وعُلِمَ منه: اشتراطُ إسلامِه بالأَوْلى. (حرًّا) لأنَّه كحاكمٍ. قال في "الإقناع" (١): ولا تشترطُ حريتُه (مُجرَّبًا في الإصابةِ) أي: كثيرُ الإصابةِ، فَمَنْ عرفَ مولودًا بين نسوةٍ، ليس فيهنَّ أمُّه، ثمَّ وهي فيهنَّ، فأصابَ كلَّ مرَّةٍ، فقائفٌ. وقال القاضي: يُتركُ الصبيُّ بين عشرةِ رجالٍ غيرَ مدَّعيه، فإنْ ألحقَه بأحدِهم، سقطَ قولُه، وإن نفاهُ عنهم، تركَ مع عشرين، منهم مُدِّعيه، فإن ألحقَه به، عُلمتْ إصابتُه وإلا فلا. وهذه التجربةُ عندَ عرضِه على القائفِ للاحتياطِ في معرفةِ إصابتِه، ولو لم نجرِّبه

стр. 1087

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بعدَ أنْ يكونَ مشهورًا بالإصابةِ وصحةِ المعرفةِ في مرَّاتٍ كثيرةٍ، جازَ. وقضيةُ إياسِ ابنِ معاويةَ في ولدِ الشريفِ من جاريةٍ شاهدةٌ بذلك (١). "فائدةٌ": لو ولدتِ امرأةٌ ذكرًا، وأخرى أنثى، وادَّعتْ كلُّ واحدةٍ أنَّ الذَّكرَ ولدها دون الأنثى، ففي "المغني": يحتملُ وجهين: أحدُهما: أنْ يُرَى المرأتانِ مع الولدينِ القافةَ. قال الحارثيُّ عنه: وهو المذهبُ على ما مرَّ من نصِّه. الثاني: أن يعرضَ لبنُهما على أهلِ الطبِّ والمعرفةِ، فإنَّ لبنَ الذكرِ يخالفُ لبنَ الأنثى في طبعِه وزِنَتِه. وقد قيلَ: إنَّ لبنَ الابنِ ثقيلٌ، ولبنَ البنتِ خفيفٌ. فإن لم توجدْ قافةٌ، اعتبرَ باللبنِ خاصَّةً (٢). وإن تنازَعا أحدَ الولدينِ، وهما ذكرانِ أو أنثيانِ، عُرِضوا على القافةِ، كما ذكرنا (٣). قال الحارثيُّ عن الثاني، وهو اعتبارُ اللبنِ: إنْ كان مطَّرِدًا في العادةِ غيرَ مختلفٍ، فهو إنْ شاءِ اللهُ تعالى أظهرُ من الأوَّلِ، فإنَّ أصولَ السنَّةِ (٤) قدْ تخفَى على القائفِ (٥).

стр. 1088

كتابُ الوَقفِ يحصُلُ بأحدِ أمرينِ: بالفِعلِ مَعَ دَليلٍ يَدُلُّ عليه، كأنْ يَبْنيَ بُنيانًا على هَيئَةِ مَسجدٍ، وَيأذنَ إذنًا عَامًا بالصَّلاةِ فيه، أو يَجعَلَ أرضَه مقبَرَةً، ويأذَنَ إذنًا عامًا بالدَّفنِ فيها. (كتابُ الوقفِ) يُقالُ: وقَّفَ الشيءَ، وحبَّسَه، وأحبسَه، وسبَّلَه، بمعنًى واحدٍ. وأوقفَه لغةٌ شاذَّةٌ. وهو مما اختصَّ به المسلمون. قال الشافعيُّ: لم يحبِّس أهلُ الجاهليةِ، وإنما حبَّسَ أهلُ الإسلامِ (١). (يحصلُ الوقفُ بأحدِ أمرينِ): (بالفعلِ مع دليلٍ يدلُّ عليه) أي: الوقفِ؛ (كأنْ يبنيَ بنيانًا على هيئةِ مسجدٍ (٢)، ويأذنَ إذنًا عامًا بالصَّلاةِ فيه) ولو بفتحِ الأبوابِ؛ أو التأذينِ، أو كتابةِ لوحٍ بالإذنِ أو الوقفِ. قالَهُ الحارثيُّ. وكذا لو دخلَ بيتَه في المسجدِ، وأذنَ فيه، ولو نوى خلافَه. نقلَه أبو طالبٍ. أي: لا أثرَ لنيَّته خلافَ ما دَلَّ عليه الفِعلُ (٣) (أو يجعلَ أرضَه مقبرةً، ويأذنَ) للناسِ (إذنًا عامًا بالدَّفنِ فيها) بخلافِ الإذنِ الخاصِّ، فقد يقعُ على غيرِ الموقوفِ، فلا

стр. 1089

وبالقَولِ، وله صَريحٌ وكِنَايَةٌ. فصَرِيحُه: وَقفْتُ، وحَبَّستُ، وسَبَّلتُ. وكنايتُه: تصدَّقتُ، وحرَّمتُ، وأبَّدتُ. فلابدَّ فِيها مِن نيَّةِ الوَقفِ، يفيدُ دلالةَ الودفِ. قالَه الحارثيُّ (١). وأشارَ إلى الصفةِ القوليهَ بقولِه: (و) يحصلُ (بالقولِ)، وكذا إشارةٌ مفهومةٌ من أخرسٍ. (وله) أي: القولِ (صريحٌ، وكنايةٌ). (فصريحُه) أي: القولِ: (وقَّفتُ، وحبَّستُ، وسبَّلتُ) فمتى أتى بكلمةٍ من هذه الثلاث (٢)، صحَّ بها الوقفُ؛ لعدمِ احتمالِ غيرِه بعُرفِ الاستعمالِ المنضَمِّ إليه عرفُ الشرعِ (٣). (وكنايتُه: تصدَّقتُ، وحرَّمتُ، وأبَّدتُ) لعدمِ خلوصِ كلَّ منها عن الاشتراكِ. فالصدقةُ: تستعملَ في الزكاةِ، وهي ظاهرةٌ في صدقةِ التطوعِ. والتحريمُ: صريحٌ في الظهارِ. والتأبيدُ: يستعملُ في كلِّ ما يُرادُ تأبيدُه، من وقفٍ وغيرِه. (فلا بدَّ فيها) أي: في الكنايةِ (من نيةِ الوقفِ) فمتى أتى بإحدى هذه الكناياتِ، واعترَفَ أنَّه نوىَ بها الوقفَ، لزِمَه في الحكمِ؛ لأنَّها بالنيةِ صارتْ ظاهرةً فيه. وإنْ قالَ: ما أردتُ بها الوقفَ. قُبِلَ قولُه؛ لأنَّه أعلمُ بضميرِه؛ لعدمِ

стр. 1090

ما لَمْ يقلْ: على قَبيلَةِ كَذا، أو طَائِفَةِ كَذا. الاطلاعِ على ما في الضمائرِ (ما لم يقلْ): تصدَّقتُ بداري (على قبيلةِ كذا، أو) على (طائفةِ كذا) لأنَّ ذلك كلَّه لا يُستعملُ في غيرِ الوقفِ، فانتفتِ الشركةُ. وكذا: تصدَّقتُ بأرضي، أو داري على زيدٍ، والنظرُ لي في أيامِ حياتي. أو: ثمَّ من بعدِ زيدٍ على عمرٍو، أو: على ولدِه، أو: على مسجدِ كذا ونحوِه (١). * * *
следующие страницы →