وتَجوزُ الجَعَالَةُ.
(وتجوزُ الجَعَالةُ) على ذلك؛ لأنَّها أوسعُ من الإجارةِ، ولهذا جازتْ مع جهالةِ العملِ والمدةِ.
أو على رُقيةٍ (١). كما يجوزُ الأخذُ في الكلِّ بلا شرطٍ، وأخذُ رِزقٍ على مُتعدٍّ نفعُه، كقضاءٍ، وإمامةٍ، وتدريسٍ، كالوقفِ على مَن يقومُ بهذه المصالحِ.
قال الشيخُ: ما يُؤخذُ من بيتِ المالِ فليس عِوَضًا وأجرةً، بل رِزقٌ للإعانةِ على الطاعةِ، فمَن عمِلَ منهم للهِ أُثيبَ.
وحَرُمَ أخذُ رزقٍ وجُعلٍ وأجرةٍ على قاصرٍ، كصومٍ، وصلاةٍ خلفَه، وعبادتُه لنفسِه
وصحَّ استئجارٌ لبناءِ نحوِ مسجدٍ وقنطرةٍ، ولذبحِ أضحيةٍ وهدي، وتفرقتِهما، وتفرقةِ صدقةٍ، وحلقِ شعرٍ وتقصيرِه، وختانٍ، وقطعِ شيءٍ من جسدٍ، ولحاجةٍ، ولتعليمِ نحوِ خطٍّ وحسابٍ، وشعرِ مباحٍ، فإنْ نسيَه في المجلسِ، أعادَ تعليمه، وإلا فلا، ولحجمٍ وفصدٍ.
وكُرِه لحُرٍّ أكلُ أجرهِ، ولو أخذَه بلا شرطٍ، تنزيهًا له، ويُطعمُه رقيقًا وبهائمَ. وكذا أجرةُ كَسحِ كنيفٍ، وكسبُ ماشطةٍ وحمَّاميّ. انتهى (٢).
* * *
стр. 982
فَصْلٌ
وللمستَأجِرِ استيفَاءُ النَّفع بنَفسِه، وِبَمن يقومُ مَقَامَه، لكنْ بشَرطِ كونِهِ مِثلَهُ في الضَّررِ، أو دُونَه.
(فصلٌ)
(وللمستأجرِ استيفاءُ النفعِ) المعقودِ عليه (بنَفسِه، وبمَن يقومُ مَقَامَه، لكن بشَرطِ كونِه مثلَهُ في الضَّرِر، أو دُونَه) لا أكثرَ ضررًا منه؛ لأنَّه لا يستحقُّه. أو مخالِفٍ، كمَنْ استأجرَ لبناءٍ، فلا يغرسُ، وعكسُه. وكذا مَن استأجرَ فرسًا ليركبَها بسرجٍ، لم يجزْ عُريًا، وعكسُه.
ومَن أكترىَ أرضًا لزرعِ بُرٍّ، أو نوعٍ منه، فله زرعُ بُرٍّ وشعيرٍ وباقلَّاء؛ لأنَّه دونَه في الضررِ. ولا يجوزُ له زرعُ دُخنٍ وذُرةٍ وقطنٍ؛ لأنَّه أكثرُ ضررًا من البُرِّ. ولا غرسٌ، أو بناءٌ؛ لأنَّ ضررَهما أكثرُ من الزرعِ (١).
وإنِ استأجرَ أرضًا لأحدِهما، لا يملكُ الأخرَ؛ لاختلافِ ضررِهما. فالغرسُ يضرُّ بباطنِ الأرضِ، والبناءُ يضرُّ بظاهرِها.
وإنِ اكترَاها لغرسٍ، له الزرعُ؛ لأنَّه أقلُّ ضررًا.
وإنِ اكترَاها للبناءِ، لم يكنْ له الزرعُ، وإنْ كانَ أخفَّ ضررًا؛ لأنَّه ليسَ من جنسِه. وفيه وجهٌ، وجزمَ به في "الإقناع" (٢)
стр. 983
وعلى المُؤجِّر كلُّ ما جَرَت به العَادَةُ مِن آلةِ المَركُوبِ، والقَوْدِ والسَّوقِ، والشَّيلِ والحَطِّ، وتَرمِيمِ الدَّارِ بإصلاحِ المُنكَسِر وإقامَةِ المَائِل، وتَطييِنِ السَّطحِ، وتَنظيفِه من الثَّلجِ ونحوِه.
وعلى المُستَأجِرِ المَحْمِلُ
(وعلى المؤجرِ) مع إطلاقٍ (كلُّ ما جَرَتْ به العادةُ، من آلةِ المركوبِ) ليتمكَّنَ به من التصرُّفِ. (والقودِ والسَّوقِ) للدابَّةِ (والشَّيلِ والحطِّ) لمحمولٍ؛ لأنَّه العُرْفُ، وبه يتمكَّن المُكتري من الانتفاعِ.
وعلى مؤجرٍ تبريكُ بعيرٍ لامرأةٍ وشيخٍ ومريضٍ؛ لركوبٍ ونزولٍ. وكذا كلُّ مَن ضعُفَ عن الركوبِ والبعيرُ قائمٌ؛ لسِمَنٍ ونحوِه.
فإنْ أرادَ مكترٍ إتمامَ الصَّلاةِ، وطلبَه الجمَّالُ بقَصرِها، لم يلزمْه، بل تكونُ خفيفةً في تمامٍ.
(و) على مؤجرٍ ما يتمكَّنُ به مستأجرٌ من نفعٍ، كـ (ترميمِ الدارِ) المؤجرةِ (بإصلاحِ المنكسر (١)، وإقامةِ المائلِ) من حائطٍ، وسقفٍ، وبلاطٍ (وتطيينِ السَّطحِ، وتنظيفِه من الثلجِ ونحوِه) كإصلاحِ بركةِ دارٍ، وأحواضِ حمَّامٍ، ومجاري مياهِ، وسلاليمِ الأسطحةِ؛ لأنَّ بذلك وشبهِه يتمكَّنُ مستأجرٌ من النفعِ المعقودِ عليه (٢).
(و) يجبُ (على المستأجرِ) بمعنى أنَّه لا يلزمُ المؤجرَ، بل إنْ أرادهُ مكترٍ، فمن مالِه (المَحْمِلُ) قال في "القاموس": كمجلسٍ: شِقَّتانِ على البعيرِ، يُحملُ فيهما
стр. 984
والمِظلَّةُ، وتَفرِيغُ البالُوعَةِ والكَنيفِ، وكَنسُ الدَّارِ مِنَ الزِّبْلِ ونَحوِه، إنْ حَصَلَ بفعلِه.
العديلانِ (والمِظلَّةُ) بالكسرِ والفتحِ: الكبيرُ من الأخبيةِ. قالَهُ في "القاموس" (١).
(و) على مكتري دارٍ أو حمامٍ ونحوِه، (تفريغُ البالوعةِ والكنيفِ، وكنسُ الدارِ من الزِّبْلِ ونحوِه) كرمادٍ (إنْ حصلَ بفعلِه) أي: المستأجرِ، كما لو ألقَى فيها جِيفةً، أو ترابًا ونحوَه.
* * *
стр. 985
فَصْلٌ
والإجَارةُ عَقدٌ لازِمٌ ، لا تَنفَسِخُ بمَوتِ المُتعاقِدَينِ، ولا بتَلَفِ المَحمُولِ، ولا بوَقفِ العَينِ المُؤجَّرةِ، ولا بانتقَالِ المِلكِ فيها بنحوِ هِبَةٍ وبيعٍ. ولمُشتَرٍ لم يَعلَمْ: الفَسْخُ، أو الإمضَاءُ والأُجرَةُ له.
(فصلٌ)
(والإجارةُ عقدٌ لازمٌ) من الطرفينِ، ليسَ لأحدِهما فسخُها بلا موجبٍ؛ لأنَّها عقدُ معاوضةٍ، كالبيعِ
(لا تنفسخُ بموتِ المتعاقدينِ) أو أحدِهما، مع سلامةِ المعقودِ عليه؛ للزومِها (ولا) تنفسخُ (بتلفِ المحمولِ) كما لو استأجرَ دابَّةً ليحملَ عليها هذا القنطارَ القطنَ، فتلف، لم تنفسخْ. وله أنْ يحملَها من أي قطنٍ كانَ (١)
(ولا) تنفسخُ (بوقفِ العينِ المؤجرةِ)
(ولا) تنفسخُ (بانتقالِ المِلكِ فيها (٢) بنحوِ هبةٍ وبيعٍ) أو إرثٍ، أو وصيةٍ، أو نكاحٍ، أو خُلْعٍ، أو طلاقٍ، أو صلحٍ، أو جُعالةٍ. (ولمشترٍ لم يعلمْ) بذلك: (الفسخُ، أو الإمضاءُ) للبيعِ مجانًا. أي: بلا أرشٍ.
وفي "الرعاية": الفسخُ، أو الأرشُ. قال أحمدُ: هو عيبٌ (٣). (والأجرةُ) من حينِ الشراءِ (له) نصًّا.
стр. 986
وتَنفَسِخُ بتَلَفِ العَينِ المُؤجَّرةِ المُعيَّنةِ، وبمَوتِ المُرتَضِعِ، وهَدمِ الدَّارِ.
واستُشكِلَ: بكونِ المنافعِ مدةَ الإجارةِ غيرُ مملوكةٍ للبائعِ، فلا تدخلُ في عقدِ البيع، فكيف يكونُ عوَضُها - وهو الأجرةُ - للمشتري؟.
وأُجيبَ: بأنَّ المالكَ يملكُ عوضَها، وهو الأجرةُ، ولم تستقرَّ بعدُ، ولو انفسخَ العقدُ لرجعتِ المنافعُ إلى البائعِ. فإذا باعَ العينَ ولم يستثنِ شيئًا، لم تكنْ تلك المنافعُ ولا عوضُها مستحقًّا له؛ لشمولِ البيعِ للعينِ ومنافعِها، فيقومُ المشتري مقامَ البائعِ فيما كان يستحقُّه منها، وهو استحقاقُ عِوضِ المنافعِ مع بقاءِ الإجارةِ إنْ كان المشتري غيرَ المستأجرِ. فإنْ كان هو المستأجرُ، اجتمعَ عليه للبائعِ الأجرةُ والثمنُ؛ لأنَّ عقدَ البيعِ، لم يشملِ المنافعَ الجاريةَ في مِلكِه بعقدِ التآجرِ؛ لأنَّ شراءَ الإنسانِ لمِلكِ (١) نفسِه محالٌ (٢).
(وتنفسخُ) الإجارةُ (بتلفِ العينِ المؤجرةِ المعيَّنةِ) كدابةٍ وعبدٍ ماتا؛ لأنَّ المنفعةَ زالتْ بالكليةِ. وإنْ كانَ التلفُ بعدَ مضي مدةٍ لها أجرةٌ، انفسختْ فيما بقي، ووجبَ للماضي القسطُ (٣).
(و) تنفسخُ الإجارةُ أيضًا (بموتِ المرتضعِ) أو امتناعِه من الرضاعِ منها؛ لتعذُّرِ استيفاءِ المعقودِ عليه؛ لأنَّ غيرَه لا يقومُ مقامَه في الارتضاعِ؛ لاختلافِ المرتضعَينِ فيه. وقد يدِرُّ اللبنُ على واحدٍ دونَ آخرَ. وكذا إنْ ماتتْ مرضعةٌ.
(و) تنفسخُ الإجارةُ بـ (هدمِ الدَّارِ) قبلَ انقضاءِ مدةِ الإجارةِ، انفسختْ فيما بقيَ
стр. 987
ومتَى تعذَّر استيفَاءُ النَّفعِ - ولو بَعضِه - مِنْ جِهَةِ المؤجِّر، فلا شَيءَ لَه، ومِنْ جِهَةِ المُستَأجِرِ، فعَلَيه جَميعُ الأُجرَة.
من المدَّةِ؛ لتعطُّلِ (١) النفعِ فيه.
ويُخيَّرُ مستأجرٌ فيما انهدمَ بعضُه، كدارٍ انهدمَ منها بيتٌ، بين فسخٍ وإمساكٍ للعيبِ. فإنْ أمسكَ، فبالقسطِ من الأجرةِ؛ لأنَّه رضيَ به ناقصًا، فأشبَه ما لو رضيَ بالمبيعِ معيبًا. ذكرَهُ ابنُ عقيلٍ (٢).
(ومتى تعذَّرَ استيفاءُ النفعِ) من العينِ المؤجرةِ (ولو بعضِه) أي: بعضِ النفعِ؛ بأنْ سلَّمه العينَ، ثمَّ حوَّلَه قبلَ انقضاءِ المدةِ (من جهةِ المؤجرِ) أي: بفعلِه (فلا شيءَ له) من الأجرةِ؛ لأنَّه لم يسلم له ما تناولَه عقدُ الإجارةِ، فلمْ يستحقَّ شيئًا (٣)
(ومن جهةِ المستأجرِ، فعليه جميعُ الأجرةِ) بأنْ لمْ يَسكُنْ مستأجرٌ في مؤجَّرَةٍ؛ لعذُّرٍ يختصُّ به أوَّلًا، فعليه الأجرةُ.
أو تحوَّلَ مستأجرٌ منها في أثناءِ المدَّةِ، فعليه الأجرةُ؛ لاقتضاءِ الإجارةِ تمليكَ المؤجرِ الأجرَ، والمستأجرِ النفعَ، فإذا تركَهُ مستأجرٌ اختيارًا منه، لم تنفسخِ الإجارةُ، ولم يزلْ مِلكُه عن المنافعِ، كمَن اشترى شيئًا وقبضَه وتركَهُ.
ولا يجوزُ لمؤجِّرٍ تصرُّفٌ فيها. فإنْ فعلَ، ويدُ مستأجرٍ عليها؛ كأنْ سكنَ الدارَ، أو أجَّرَها لغيرِ مستأجرٍ، فعليه أجرةُ المثلِ لمستأجِرٍ، وعلى المستأجرِ الأجرةُ المعقودُ عليها له.
وإنْ تصرَّفَ قبلَ تسليمِها، أو امتنعَ منه حتى انقضتِ المدةُ، انفسختِ الإجارةُ (٤).
стр. 988
وإن تَعذَّرَ بغَيرِ فِعلِ أحَدِهما، كشُرُودِ المؤجَّرَةِ، وهَدمِ الدَّارِ، وجَبَ من الأُجرَةِ بقَدْرِ ما استُوفِيَ.
وإن هَرَبَ المُؤجِّر وتَرَكَ بهائِمَهُ، وأَنفَقَ عليها المُستَأجِرُ بنيَّةِ الرُّجُوع، رَجَعَ؛ لأنَّ النفقَةَ علَى المُؤجِّرِ، كالمُعِيرِ.
وإنْ سلَّمَه له في أثنائِها، انفسختْ فيما مضى، ووجبَ أجرُ الباقي بالحصَّةِ.
(وإنْ تعذَّرَ) استيفاءُ النفعِ (بغيرِ فعلِ أحدِهما) أي: المؤجرِ والمستأجرِ، (كشُرُودِ) الدابَّةِ (المؤجَّرةِ، وهدمِ الدَّارِ) المؤجرةِ (وجبَ من الأجرةِ بقدرِ ما استُوفِيَ) من النفعِ قبلَ ذلك؛ لعذرِ كلٍّ منهما.
(وإنْ هربَ المؤجِّرُ) للعينِ، أو ماتَ جمالٌ أو حمَّارٌ أو بغَّالٌ (وتركَ بهائمَه) التي أكراها. (وأنفقَ عليها المستأجرُ) بدُونِ إذْنِ حاكِمٍ (بنيةِ الرُّجوعِ، رجعَ) على مالِكها بما أنفقَهُ، سواءٌ قدرَ على استئذانِ الحاكمِ، أو لا، أشهدَ على نيةِ رجوعِه؛ بأنْ قالَ: اشهدوا أنَّ ما أنفقتُه على هذه البهائمِ بنيةِ الرجوعِ، أو لا؛ لقيامِه عنه بواجبٍ.
وإنْ اختلفا فيما أنفقَه، وكانَ الحاكمُ قدَّرَه، قُبلَ قولُ المستأجرِ في ذلك دونَ ما زادَ. وإنْ لم يقدِّرْه، قُبلَ قولُه في قدرِ النفقةِ بالمعروفِ. قالَه في "المبدع" (١) (لأنَّ النفقةَ على المؤجِّرِ) أي: على مالِكها (كالمعيرِ) فإنَّ نفقتَها على مالكِها.
فإذا انقضتِ الإجارةُ، باعَها - أي: البهائمَ - حاكمٌ، ووفَّاه ما أنفقَه على البهائمِ؛ لأنَّ فيه تخلُّصًا لذمةِ الغائبِ.
* * *
стр. 989
فَصْلٌ
والأَجِيرُ قِسمَانِ:
خَاصٌّ: وهو من قُدِّرَ نفعُه بالزَّمَنِ.
ومُشتَركٌ: وهو من قُدِّرَ نفعُه بالعَمَلِ.
فالخَاصُّ لا يضمَنُ ما تَلِفَ بيَدِه، إلَّا إنْ فَرَّط.
(فصلٌ)
(والأجيرُ قِسمانِ):
الأوَّلُ: (خاصُّ: وهو مَن قُدِّرَ نفعُه بالزَّمَنِ) بأن استُؤجِرَ لخدمةٍ أو عملٍ، في بناءٍ أو خياطةٍ، يومًا أو أسبوعًا ونحوَه.
(و) الثاني: (مشترَكٌ: وهو مَنْ قُدِّر نفعُه بالعملِ) كخياطةِ ثوبٍ، وبناءِ حائطٍ، وحملِ شيءٍ إلى مكانٍ معيَّنٍ، أو على عملٍ في مدَّةٍ لا يستحقُّ نفعَه في جميعِها، كالطبيبِ والكحَّالِ
(فـ) ــالأجيرُ (الخاصُّ لا يضمنُ ما تَلِفَ بيدِه) نصًّا. كما لو انكسرتْ منه الجرَّةُ التي يستقي بها، أو الآلةُ التي يحرثُ بها، أو المكيلُ الذي يكيلُ به، ونحوُه؛ لأنَّ عملَه غيرُ مضمونٍ عليه، فلمْ يضمنْ ما تلفَ به، كسرايةِ القصاصَ والحدَّ (١). إلا أنْ يتعمدَ إتلافًا، فيضمنُ، لإتلافِه مالَ غيرِه على وجهِ التعدَّي
(إلا إنْ فرَّطَ): أي: قصَّرَ في الحفظِ، فيضمنُ، كسائرِ الأمناءِ
стр. 990
والمُشتَرَكُ يَضمَنُ ما تَلِفَ بفِعلِه مِنْ تَخرِيقٍ، وغَلَطٍ في تَفصِيلٍ، وبزَلَقِهِ، وبسُقُوطٍ عن دابَّتِهِ، وبانقِطَاعِ حَبلِه،
(و) الأجيرُ (المُشترَكُ يضمنُ ما تَلِفَ بفعلِه) أي: المشتركِ (من تخريقِ) قصَّارٍ الثَّوبَ بدقِّه، أو مدِّه، أو عصرِه، أو بسطِه (وغَلَطِ) خيَّاطٍ (في تفصيلٍ). وكذا طباخٌ، وحائكٌ، وخبّازٌ، وملَّاحٌ، فيضمنُ ما تَلِفَ من يدِه أو جدفِه، أو ما يعالجُ به السفينةَ، سواءٌ كان ربُّ المتاعِ معه، أو لا (١).
(و) يضمنُ حاملٌ ما تلِفَ (بزَلَقِه) أو عثرتِه وسقوطِه عنه كيف كان
(و) يضمنُ ما تلفَ (بسقوطِ) الحِمْلِ (عن دابَّتِه) أو رأسِه (و) ما تلفَ (بانقطاعِ حَبْلِه) الذي يشدُّ به حِمْلَه.
ويضمنُ ما نقصَ بخطئِه في فعلِه، كصبَّاغٍ أُمرَ بصبغِ ثوبٍ أصفرَ، فصبغَهُ أسودَ، وخياطٍ أُمرَ بتفصيلِه قَبَاءً، ففصَّلَهُ قميصًا، أو ثوبَ رجلٍ، فقطعَه قميصَ امرأةٍ؛ لأنَّ عملَ الأجيرِ المشتركِ مضمونٌ عليه، فما تولَّدَ منه يجبُ أنْ يكونَ مضمونًا عليه، كالعدوانِ بقطعِ عضوٍ (٢).
ودليلُ ضمانِ عمله عليه: أنَّه لا يستحقُّ الأجرَ، إلا بالعملِ، وأنَّ الثوبَ لو تلفَ في حرزِه بعد عملِه، لا أجرَ له عليه، بخلافِ الخاصِّ، وسواءٌ حضرَهُ ربُّ المالِ أو لا؛ لأنَّ وجوبَ الضمانِ عليه، لجنايةِ يدِه، كالعُدوان.
فإن تبرَّع قصَّارٌ ونحوُه بعَمَله، لم يَضمَن جِنايَةَ يَدِه (٣)، نصًّا؛ لأنَّه أمينٌ محضٌ.
стр. 991
لا ما تَلِفَ بحِرزِه، أو غَيرِ فِعلِه، إن لَمْ يُفرِّطْ.
ولا يَضْمَنُ حجَّامٌ، وختَّانٌ، وبَيطَارٌ - خاصًا كان أو مُشتَرَكًا - إن كَانَ حاذِقًا، ولم تَجنِ يَدُهُ، وأَذِنَ فيه مُكلَّفٌ، أو وليُّه.
فإنِ اختلفا في أنَّه أجيرٌ أو متبرِّعٌ، فقولُ قصَّارٍ أو نحوِه؛ لأنَّ الأصلَ براءتُه.
و (لا) يضمنُ أجيرٌ (ما تلفَ بحرزِه، أو) بسببٍ (غيرِ فعلِه)؛ لأنَّه عينٌ مقبوضةٌ بعقدِ الإجارةِ، لم يتلفْها بفعلِه، أشبَه المستأجرةَ، ولأنَّه قبضها بإذنِ مالِكها لنفعٍ يعودُ عليهما، أشبَه المضاربَ (إنْ لمْ يفرِّطْ) أو يتعدَّى الأجيرُ. فإن تعدَّى أو فرَّط، ضمِنَ، كسائرِ الأمناءِ.
(ولا يضمنُ حجَّامٌ، وختَّانٌ، وبيطَارٌ) وطبيبٌ، وكحالٌ (خاصًّا كان أو مشترَكًا) بشرطِ:
(إن كان حاذقًا) أي: عارفًا في صناعتِه؛ لأنَّ إذا لم يكنْ كذلك، لم تحلَّ له مباشرةُ الفعلِ، فيضمنُ سرايتَه، كما لو تعدَّى به، وأن لا يتجاوزَ بفعلِه له ما لا ينبغي تجاوزُه (١).
(ولم تجنِ يدُه) فإنْ تجاوزَ بالختانِ إلى الحشفةِ، أو بقطعِ السِّلعةِ، أو نحوِها محلَّ القطعِ، أو قطعَ في وقتٍ لا يصلُحُ فيه القطعُ، أو بآلةٍ كالَّةٍ ونحوِها، ضمِنَ؛ لأنَّه إتلافٌ لا يختلفُ ضمانُه بالعمدِ والخطأ، كإتلافِ المالِ
(وأذِنَ فيه) أي: الفعلِ (مكلَّفٌ) وقعَ الفعلُ به (أو) أَذِنَ فيه (وليُّه) أي: الصغيرِ والمجنونِ، وقعَ فيه الفعلُ. فإن لم يؤذنْ فيه، ضمِنَ؛ لأنَّه فعلٌ غيرُ مأذونٍ فيه، وعليه يُحملُ ما روي أنَّ عمرَ قضىَ في طفلةٍ ماتتْ من الختانِ بديتِها على عاقلةِ خاتنتِها (٢).
стр. 992
ولا رَاعٍ لم يتَعدَّ أو يُفرِّط بنَومٍ، أو غَيبَتِها عنه. ولا يصِحُّ أن يرعَاها بجُزءٍ من نَمائِها.
(ولا) ضمانَ على (راعٍ لم يتعدَّ أو يفرِّطْ بنومٍ أو غيبتِها) أي: الماشيةِ (عنه) ونحوِه، كإسرافٍ في ضربٍ، أو سلوكِه موضعًا يتعرَّضُ لتلَفِها به؛ لأنَّه أمينٌ على حفظِها، فلا يضمنُها بدون ما ذُكرَ، كالمؤجرةِ. فإنْ تعدَّى أو فرَّطَ، ضمِنَ، كالوديعِ.
فإنِ اختلفا في تعدٍّ أو تفريطٍ، فقولُ راعٍ؛ لأنَّه أمينٌ. وإنْ فعل فعلًا واختلفا في أنَّه تعدٍّ، رُجعَ إلى أهلِ الخبرةِ.
وإنِ ادَّعى راعٍ موتًا لها أو لبعضِها، قُبِلَ قولُه بيمينِه، ولو لم يُحضِرْ جِلْدًا ولا غيرَه منها؛ لأنَّه أمينٌ (١).
(ولا يصحُّ أنْ يرعاها بجزءٍ من نمائِها) وفي "الفصول": يلزمُ الراعي توخِّي، أي: تحرِّي أمكنَةِ المرعىَ النافعِ، وتوقِّي النباتِ المضرِّ، ويلزمُه ردُّها عن زرعِ الناسِ، ويلزمُه إيرادُها الماءَ إذا احتاجتْ إليه على الوجهِ الذي لا يضرُّها شربُه، ودفعُ السِّباعِ عنها، ومنعُ بعضِها عن بعضٍ قتالًا ونطاحًا، فيردُّ الصائلةَ عن الموصولِ عليها، والقرناءَ عن الجمَّاءِ، والقويةَ عن الضعيفةِ. فإذا جاءَ المساءُ وجبَ عليه إعادتُها إلى أربابِها (٢).
ويجوزُ عقدُ الإجارةِ على رعي ماشيةٍ معيَّنةٍ؛ بأنْ يقولَ: استأجرتُك لترعَى هذه
стр. 993
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الماشيةَ. وعلى رعي جنسٍ موصوفٍ في الذِّمَّةِ؛ بأنْ يقولَ: استأجرتُك لرعي إبلٍ، أو بقرٍ، أو غنمٍ، ويصفُها، يرعاها مدَّةً معلومةً.
فإنْ كانتِ الإجارةُ على ماشيةٍ معيَّنةٍ، تعيَّنتْ، فلا يبدِلُها المستأجرُ بغيرِها، كالمبيعِ المعيَّنِ. ويبطلُ العقدُ فيما تلفَ منها. ويسقطُ من الأجرةِ قسطُ ما تلفَ، وله أجرُ ما بقيَ بالحصَّةِ. ونماؤُها في يدِه أمانةٌ لا يضمنُه إذا تلفَ، إن لمْ يتعدَّ أو يفرِّطْ.
وإنْ عقدَ على رعي شيءٍ موصوفٍ في الذمَّةِ، ذكرَ جنسَه، ونوعَه، فيقولُ: إبلًا، أو بقرًا، أو غنمًا. ويقولُ في الإبل: بخاتي، أو عِراب، وفي البقرِ: بقرًا، أو جواميسَ، وفي الغنمِ: ضأنًا، أو معزًا. ويذكرُ كبرَه وصغرَه، وعددَه، وجوبًا؛ لأنَّ الغرضَ يختلفُ باختلافِ ذلك، فاعتُبرَ العلمُ به؛ إزالةً للجهالةِ.
ولا يلزمُه، أي: الراعي، رعيُ سخالِها، سواءٌ كانتْ على معيَّنةٍ، أو موصوفةٍ؛ لأنَّ العقدَ لمْ يتناولْها، فإن أطلقَ ذِكرَ البقرِ، وذِكرَ الإبلِ، لمْ يتناولْ العقدُ الجواميسَ والبخاتيَّ؛ حملًا على العُرْفِ، ذكرَه في "الإقناع" (١).
* * *
стр. 994
فَصْلٌ
وتَستَقِرُّ الأُجرةُ بفراغِ العَمل، وبانتِهَاءِ المُدَّةِ، وكذا ببَذْلِ تَسليمِ العَينِ إذا مَضَت مدَّةٌ يمكِنُ استيفاءُ المنفَعَةِ فيها، ولم تُستَوفَ.
(فصلٌ)
(وتستقرُّ الأجرةُ) أي: تثبتُ الأجرةُ كاملةً بذمَّةِ مُستأجرٍ، كسائرِ الديونِ (بفراغِ العملِ) هكذا في "التنقيح". والمرادُ: إنْ كانَ الأجيرُ يعمل ببيتِ المستأجرِ، وإلا فبتسليمِه معمُولًا، الضمانُ عليه (١)
(و) تستقرُّ الأجرةُ (بانتهاءِ المدَّةِ) حين سُلِّمتْ إليه العينُ التي وقعتِ الإجارةُ عليها، ولا حاجزَ له عن الانتفاعِ، ولو لمْ ينتفعْ؛ لأنَّ المعقودَ عليه تلفَ تحتَ يدِه، وهو حقُّه، فاستقرَّ عليه بدلُه، كثمنِ المبيعِ إذا تلفَ في يدِ المشتري.
(وكذا) تُستحقُّ الأجرةُ كاملةً (ببذلِ تسليمِ العينِ) معيَّنةً كانتْ في العقدِ، أو موصوفةً في الذمَّةِ لمستأجرٍ؛ لأنَّ تسليمَ العينِ يجري مجرى تسليمِ نفعِها (٢) (إذا مضتْ مدةٌ يمكنُ استيفاءُ المنفعةِ فيها، ولم تُستَوف) (٣) كما لو قالَ: اكتريتُ منكَ هذه الدابَّةَ لأركبَها إلى بلدِ كذا بكذا، ذهابًا وإيابًا، وسلَّمَها إليه المؤجرُ، ومضتْ مدَّةُ يمكنُ ذهابُه إلى ذلك البلد، ورجوعُه على العادةِ، ولم يفعلْ. نقلَ ذلك في "المغني" عن الأصحابِ؛ لأنَّ المنافعَ تلِفتْ تحتَ يدِه باختيارِه، فاستقرَّ (٤)
стр. 995
ويَصِحُّ شَرطُ تَعجِيلِ الأُجَرة، وتأخِيرِهَا.
وإن اختَلَفا في قَدرِهَا، تحالَفَا وتفَاسَخَا.
الضمانُ عليه (١)
(ويصحُّ شرطُ تعجيلِ الأجرةِ) كما لو استأجرَ سنةَ تسعٍ في سنةِ ثمانٍ، وشرطَ عليه تعجيلَ الأجرةِ يومَ العقدِ.
(و) يصحُّ شرطُ (تأخيرِها) أي: الأجرةِ؛ بأنْ تكونَ مؤجَّلةً بأجلٍ معلومٍ، كالثمنِ (٢)
(وإنِ اختلفا) أي: المؤجرُ والمستأجرُ، أو اختلفَ ورثتُهُما (٣) (في قدرِها) أي: الأجرةِ، ولا بيَّنةَ لواحدٍ منهما (تحالفا) أي: حلفَ أولًا مؤجرٌ، ثم مستأجرٌ (و) إنْ لمْ يرضَ أحدُهما بقولِ الآخرِ بعد التحالفِ (تفاسَخَا) وقيلَ: ينفسخُ بنفس (٤) التحالفُ.
ووجهُ المذهبِ: أنَّه عقدٌ صحيحٌ، فلم ينفسخْ باختلافِهما وتعارضِهما في الحجَّةِ، كما لو أقامَ كلٌّ منهما بينةً.
وعُلِمَ ممَّا تقدمَ: أنَّ الفسخَ لا يفتقرُ إلى حكمِ حاكمٍ لاستدراكِ الظلامةِ، أشبَه ردَّ المعيبِ. وقيل: يفتقرُ.
وعلى المذهبِ: ينفسخُ العقدُ بفسخِ أحدِهما بعدَ التحالفِ ظاهرًا وباطنًا؛ لأنَّه
стр. 996
وإن كانَ قد استَوفَى ما لَهُ أُجرَةٌ، فأُجرَةُ المِثلِ.
والمُستَأجِرُ أمينٌ لا يَضمَنُ - ولو شَرَطَ على نفسِه الضَّمَانَ - إلَّا بالتَّفرِيطِ، ويُقبَلُ قولُه في أنَّه لمْ يُفرِّط، أو أنَّ ما استأجَره أَبَقَ، أو شَرَدَ، أو مَرِضَ، أو مَاتَ.
وإن شَرَطَ عليه أن لا يَسِيرَ بها
فسخٌ لاستدراكِ الظِّلامةِ (١)، فتعدُّ ظاهرًا وباطنًا، أشبَه الردَّ بالعيبِ، أو يُقالُ: فسخٌ بالتحالفِ فوقعَ ظاهرًا وباطنًا.
(و) إذا تحالفا - المؤجرانِ - أو ورثتُهما، وفُسختِ الإجارةُ فـ (إنْ كانَ قد استوفى) من العينِ المؤجرةِ (مما له أجرةٌ، فأجرةُ المثلِ) لمدَّةِ بقائها في يدِه (٢)
(والمستأجرُ أمينٌ لا يضمنُ - ولو شرَطَ على نفسِه الضَّمانَ - إلا بالتفريطِ) أو التعدِّي. وإنْ شرطَ المؤجرُ على المستأجرِ ضمانَ العينِ، فالشرطُ فاسدٌ (ويُقبلُ قولُه في أنَّه لمْ يُفرِّطْ) أي: يُقصِّرْ في الحفظِ (أو أنَّ ما استأجرَه أَبَقَ، أو شَرَدَ، أو مرِضَ، أو ماتَ) في مدَّةِ الإجارةِ أو بعدَها، قُبِلَ قولُه بيمينِه؛ لأنَّه مؤتَمنٌ. والأصلُ عدمُ انتفاعِه، وسواءٌ أجابَه صحيحًا، أو لا. وكذا لو صدَّقَه مالكٌ على وجودِ نحوِ إباقٍ، واختلَفا في وقتِه، ولا بيَّنةَ لمالكٍ، فقولُ مستأجرٍ فيه؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ العلمِ، ولأنَّه حصلَ في يدِه، وهو أعلمُ بوقتِه (٣).
(وإنْ شرطَ) المؤجرُ (عليه) أي: على المستأجرِ (أنْ لا يسيرَ بها) المستأجرُ
стр. 997
في اللَّيل، أو وَقتَ القَائِلَةِ، أو لا يتأَخَّرَ بها عن القَافِلَةِ، ونَحوِ ذلِكَ ممَّا فيه غَرَضٌ صَحِيحٌ، فخالَفَ، ضَمِنَ.
ومتَى انقَضَت الإجَارةُ، رفَعَ المستأجِرُ يدَه، ولم يَلزَمْهُ الردُّ، ولا مَؤنَتُه كالمُودَعِ.
(في الليلِ، أو) أنْ لا يسيرَ بها (وقتَ القائلةِ، أو لا يتأخَّرَ بها (١) عن القافلةِ، ونحو ذلك) وهو أن لا يجعلَ سيرَه في آخرِها، وأشباه هذا (٢) (ممَّا فيه غرضٌ، فخالفَ) المستأجر (ضمن) لمخالفته الشرط الصحيح، كما لو شرط عليه ألَّا يحمِّلَها إلا قفيزًا، فحمَّلَها قفيزَين.
(ومتى انقضتْ) مدَّةُ (الإجارةِ، رفعَ المستأجرُ (٣) يدَه) عن مؤجَّرةٍ، (ولم يلزَمْه الردُّ، ولا مؤنَتُه، كالمُودَعِ) لأنَّه عقدٌ لا يقتضي الضمانَ، فلا يقتضي ردَّه ومؤْنَتَه، بخلافِ العاريةِ.
"فائدةٌ": وتصحُّ إجارةُ وقفٍ، فإنْ ماتَ المؤجرُ، انفسختِ الإجارةُ، إنْ كانَ المؤجرُ الموقوفُ عليه ناظرًا بأصلِ الاستحقاقِ، وهو مَنْ يستحقُّ النظرَ؛ لكونِه موقوفًا عليه، ولم يَشرُطْ الواقفُ ناظرًا؛ بناءً على أنَّ الموقوفَ عليه يكونُ له النظرُ إذا لمْ يَشرُطْ الواقفُ ناظرًا، وهو المذهبُ
ووجهُ انفساخِها إذنْ: أنَّ البطنَ الثاني يستحقُّ العينَ بجميعِ منافعِها تلقيًا من الواقفِ بانقراضِ الأوَّلِ، بخلافِ الطِّلْقِ، فإنَّ الوارثَ يملكُه من جهةِ الموروثِ، فلا
стр. 998
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يملكُ إلا ما خلَّفَه، وحقُّ المورِّثِ المؤجِّرِ لمْ ينقطعْ عن ميراثِه بالكليةِ، بل آثارُه باقية فيه، ولهذا تُقضَى منه ديونُه، وتنفذُ وصاياه.
وإنْ جَعلَ (١) للموقوفِ عليه الواقفُ النَّظرَ؛ بأنْ قال: والنظرُ لزيدٍ، أو للأرشدِ فالأرشدِ، ونحوِه، أو تكلَّمَ بكلامٍ يدلُّ عليه. أي: على جعلِ النظرِ للموقوفِ عليه (٢)، فله النظرُ بالاستحقاقِ والشرطْ. ولا تبطلُ الإجارةُ بموتِه؛ لأنَّ إيجارَه هنا بطريقِ الولايةِ، ومَنْ يلي (٣) بعدَه إنَّما يملكُ التصرُّفَ فيما لمْ يتصرَّفْ فيه الأوَّلُ - وهذه الصورةُ الثانيةُ - فيرجعُ مستأجرٌ عجَّل (٤) الأجرةَ على مؤجِّرٍ قابضٍ للأجرةِ في تركتِه، حيثُ قلنا: تنفسخُ - في الصورةِ الأولى - بموتِه؛ لأنَّه تبيَّنَ عدمُ استحقاقِه لها، فإنْ تعذَّرَ أخذُها، فظاهرُ كلامِهم: أنَّها تسقطُ. قالَه في "المبدع".
وإنْ كانَ المؤجِّرُ للوقفِ الناظرَ العامَّ، وهو الحاكمُ، أو مَن شرَطَ له الواقفُ النظرَ، وكان أجنبيًّا أو من أهلِ الوقفِ، لمْ تنفسخِ الإجارةُ بموتِه، ولا بعزلِه في أثناءِ المدَّةِ أو قبلَها، كما لو أجَّرَ سنةَ خمسٍ في سنةِ أربعٍ ومات، أو عزلَ قبلَ دخولِ سنةِ خمسٍ؛ لما مرَّ من أنَّه أجَّرَ بطريقِ الولايةِ، ومن يلي النظرَ بعدَه، إنَّما يملكُ التصرُّفَ فيما لمْ يتصرَّفْ هو فيه، وكملكِه الطِّلقِ إذا أجَّرَه، ثمَّ ماتَ، فإنَّ الإجارةَ لا تبطلُ بموتِه.
стр. 999
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال في "الإقناع": والذي يتوجَّهُ: أنَّه لا يجوزُ للموقوفِ عليهم أنْ يستسلفوا الأجرةَ؛ لأنَّهم لمْ يملكوا المنفعةَ المستقبلةَ، ولا الأجرةَ عليها، فالتسلفُ لهم قبضُ ما لا يستحقُّونَه، بخلافِ المالكِ. وعلى هذا: فللبطنِ الثاني أنْ يطالبَ بالأجرةِ المستأجرةِ الذي سلَّفَ المستحقِّينَ؛ لأنَّه لمْ يكنْ له التسليفُ، ولهم أن يطالبوا الناظرَ إنْ كانَ هو المُسلِفَ. ذكرَه في "الاختيارات" (١).
اعلمْ أنَّه تخلَّص ممَّا تقدَّمَ من الصورِ الثلاثِ: أنَّ المؤجرَ للوقفِ لا يخلو: إمَّا أنْ يكونَ غيرَ مستحقٍّ في الوقفِ، كالناظرِ الأجنبيِّ، والحاكمِ، أو يكونَ مستحقًّا، والمستحقُّ إمَّا أنْ يكونَ شُرِطَ له النظرُ بسببِ الاستحقاقِ فقطْ، أو بالاستحقاقِ والشرطِ معًا، أو لا. ففي الأُوْلَى: لا تنفسخُ، قولًا واحدً. وفي الثانيةِ: تنفسخُ على الصحيحِ. وفي الثالثةِ: إنْ ألحقناه بالأوَّلِ، وهو الأجنبيُّ، لمْ تنفسخْ قولًا واحدًا، وهو الذي جزمَ به في "الإقناع" و"المنتهى". وإنْ ألحقناه بالثاني، وهو المستحقُّ للنظرِ باستحقاقِه الوقفَ، لا بالشرطِ، ففيه خلافٌ.
فظهرَ أنَّه لا تنفسخُ إجارةُ الوقفِ بموتٍ المؤجِّرِ إلا في صورةٍ واحدةٍ، على الصحيح، وهي ما إذا كان المؤجرُ مستحقًّا للنظرِ بسببِ استحقاقه للوقف لا بالشرط، فإنَّ الوقفَ يُعمَلُ فيه بشرطِ واقِفِه، فإذا شرطَ في الوقفِ: أنْ لا يؤجَّرَ أبدًا، أو إلا مدَّة كذا ونحوه، وجبَ العملُ بشرطِه، فلا تصحُّ إجارةٌ على خلافِ ما شرطَه، إلا عندَ الضرورةِ، فيزادُ حينئذٍ بحسبها.
قال في "شرح الإقناع": ولم يزلْ عملُ القضاةِ في عصرِنا وقبلَه عليه. قال:
стр. 1000
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأفتَى به شيخُنا المرداويُّ - وهو العلَّامةُ الشيخُ محمدٌ، جدُّنا من قِبلِ الوالدةِ، ﵀ قال الشيخُ منصورٌ: ولم نزلْ نُفتي به، إذْ هو أَوْلى مَن بيعِه إذنْ. انتهى (١).
وتجوزُ إجارةُ الإقطاعِ، كالوقفِ، فلو أجرَه المُقْطَعُ، ثمَّ استحقَّتْ الأقطاعُ لآخرَ، فالصحيحُ أنَّ الإجارةَ تنفسخُ بانتقالِه عنه. وإنْ كانتْ الأقطاعُ عُشْرًا. قال الشيخُ منصورٌ: أو خَرَاجًا؛ بأنْ أقطعَه عُشرَ الخارجِ من الأرضِ، أو خراجها دونَ الأرضِ، لمْ تصحَّ إجارتُها؛ لأنَّه لا يملكُ الأرضَ ولا منفعتَها، كتضمينِه، أي: كما أنَّ تضمينَ العُشرِ والخراجَ بقدرٍ معلومٍ باطلٌ (٢).
"تتمَّةٌ": كلُّ مَن قبضَ العينَ لحظِّ نفسِه، كمُرتهنٍ، وأجيرٍ، ومُشترٍ، وبائعٍ، وغاصبٍ، ومُلتقطٍ، ومُقترضٍ، ومُضاربٍ، وادَّعَى الردَّ لمالكٍ، فأنكرَه، لمْ يُقبلْ بلا بيِّنةٍ. وكذا مُودِعٌ، ووكيلٌ، ووصِيٌ، ودلَّالٌ، وناظرُ وقفٍ، وعاملُ خراجٍ، لا زكاةَ، أي: لأنَّ الزكاةَ عبادةٌ، فقولُ مدَّعيها بجُعلٍ وبدونِه يُقبلُ قولُه بيمينِه. ودعوى التلفِ تُقبلُ من كلِّ أمينٍ بيمينٍ. انتهى.
* * *
стр. 1001
بَابُ المُسَابَقَةِ
وهي جَائزِةٌ في السُّفُنِ، والمَزارِيقِ، والطُّيُورِ، وغَيرِها،
(بابُ المسابقةِ)
هو بتحريكِ الباءِ: العِوضُ الذي يُسابَقُ عليه، وبسكونِها: المسابقةُ: أي: المجاراةُ بين حيوانٍ وغيرِه.
والسَّبَقُ - بفتحِ الباءِ -: الشيءُ الذي يُسابقُ عليه. والسبَقَةُ: الجُعلُ يُتسابَقُ عليه.
(وهي) أي: المسابقَةُ (جائزةٌ في السُّفُنِ، والمزارِيقِ) جمعُ مِزرَاقٍ، وهو: الرمحُ القَصيرُ (والطيورِ) حتى بحَمَامٍ، خِلافًا للآمديِّ (١) (وغيرِها) كالرِّماحِ، والأحجارِ تُرمَى باليَدِ، أو المقاليعِ، أو المجانيق.
قال في "الوسيلة": يُكرَهُ الرقصُ واللعبُ كلُّه، ومجالسُ الشعرِ. وذكرَ ابنُ عقيلٍ وغيرُه: يُكرَهُ لعِبُه بأُرْجُوحةٍ، ونحوِها (٢).
وأطلقَ في "الفروع" في كراهةِ اللعبِ الغيرِ المُعِينِ على عدوٍّ، وجهين. قال في "تصحيح الفروع" و"الإنصاف": أحدُهما: يكره. قلتُ: وهو الصوابُ، اللهمَّ إلا أنْ يكونَ له فيه قصدٌ حسنٌ.
قال في "الفروع": وذكر شيخُنا: يجوزُ ما قدْ يكونُ فيه منفعةٌ بلا مضرَّةٍ.
стр. 1002
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وظاهرُ كلامِه: لا يجوزُ اللعبُ المعروفُ بالطَّابِ (١) والنقيلةِ (٢). وقال: كلُّ فعلٍ أفضىَ (٣) إلى المحرَّمِ كثيرًا، حرَّمَه الشارعُ إذا لمْ يكنْ فيه مصلحةٌ راجحةٌ. وقال: ما شغلَ أو ألهَى عمَّا أمرَ اللهُ به، فهو منهيٌّ عنه، وإن لمْ يحرُمْ جنسُه، كبيعٍ وتجارةٍ ونحوِهما.
ويُستحبُّ بآلةِ حربٍ. قال جماعةٌ: والثِّقافُ (٤). نقلَ أبو داودَ: لا يُعجبني أن يتعلَّمَ بسيفِ حديدٍ، بل بسيفِ خشبٍ (٥).
وليس من اللهوِ تأديبُ فرسِه، وملاعبةُ أهلِه، ورميُه عن قوسِه. وفي "الإقناع" (٦): يُكرَهُ لمَن عَلِمَ الرميَ أن يتركَه، كراهةً شديدةً. وتجوزُ المصارعةُ، ورفعُ الأحجارِ لمعرفةِ الأشدِّ.
وأمَّا اللعبُ بالنردِ، والشِّطْرَنجِ، ونِطاحِ الكباشِ، ونِقارِ الدُّيوكِ، فلا يُباحُ بحالٍ، وهي بالعِوَضِ أشدُّ حرمةً.
стр. 1003
وعلى الأقدَامِ، وبكُلِّ الحَيَوانَاتِ.
لكِنْ لا يَجوزُ أخذُ العِوضِ إلَّا في مسابقة الخَيلِ والإبِلِ والسِّهام،
بشُروطٍ خَمسَةٍ:
أحدُها: تعيين المَركُوبَيَن، أو الرامِييَنِ بالرُّؤيَةِ.
الثَّانِي: اتِّحادُ المَركُوبين، أو القَوسَين بالنَّوعِ.
(و) تجوزُ المسابقةُ (على الأقدامِ، وبكلِّ الحيواناتِ) كإبلٍ، وبغالٍ، وحميرٍ، وفيلةٍ (لكنْ لا يجوزُ أخذُ العِوضِ) أي: مالٍ لمَن سَبقَ (إلا في مسابقةِ الخيلِ والإبلِ والسِّهامِ) أي: نُشَّابٍ، ونبلٍ للرجالِ. قالَه في "الإقناع" (١).
(بشروطٍ خمسةٍ) متعلِّقٌ بـ"جائزةٍ":
(أحدُها: تعيينُ (٢) المركوبَيْنِ) في المسابقةِ (أو الراميينِ) (٣) في المناضلةِ (بالرؤيةِ) فيهما.
الشرطُ (الثاني: اتحادُ المركوبينِ) بالنوعِ في المسابقةِ، (أو) اتحادُ (القوسينِ بالنوعِ) في المناضلةِ؛ لأنَّ التفاوتَ بين النوعينِ معلومٌ بحكمِ العادةِ، أشبهَا الجنسينِ. فلا تصحُّ مسابقةٌ بين قوسٍ عربيةٍ - أي: قوسِ النبلِ. قال في "الصحاح": النبلُ: السِّهامُ العربيةُ، لا واحدَ لها من لفظِها - وقوسٍ فارسيةٍ. أي: قوسِ النُّشَّابِ. قالَهُ الأزهريُّ. ولا يُكرَهُ الرميُ بها.
стр. 1004
الثَّالِثُ: تَحدِيدُ المَسَافَةِ بما جَرَت به العَادَة.
فإنْ لمْ يُذكرْ أنواعُ القوسِ التي يرميانِ بها في الابتداءِ، لمْ يصحَّ.
الشرطُ (الثالثُ: تحديدُ المسافةِ) بالابتداءِ والغايةِ، وتحديدُ مدى رميٍ (بما جرتْ به العادةُ) أمَّا في المسابقَةِ (١): فلأنَّ الغرضَ معرفةُ الأسبقِ، ولا تحصلُ إلا بالتساوي في الغايةِ؛ لأنَّ من الحيوانِ ما يقصرُ في أوَّلِ عَدْوِه، ويُسرِعُ في انتهائِه (٢)، وبالعكسِ، فيحتاجُ إلى غايةٍ تجمعُ حاليه.
فإنِ استبقا بلا غايةٍ؛ ليُنظرَ أيَّهما يقفُ أولا (٣)، لمْ تجزْ؛ لأنَّه يؤدِّي إلى أن لا يقفَ أحدُهما حتى ينقطعَ فرسُه. ويتعذَّرُ الإشهادُ على السبقِ فيه.
وأمَّا في المناضلةِ: فلأنَّ الإصابةَ تختلفُ بالقربِ والبعدِ، فإنْ قُيِّدَ بمدىً تتعذَّرُ فيه الإصابةُ غالبًا، وهو ما زادَ على ثلاثمائةِ ذراعٍ، لمْ يصحَّ؛ لأنَّه يفوتُ به الغرضُ المقصودُ بالرمي. وقد قيلَ: إنَّه ما رمى في أربعمائةِ ذراعِ إلا عقبةُ بنُ عامرٍ الجهنيُّ (٤).
ولا يصحُّ تناضلُهما على أنَّ السبقَ لأبعدِهما رميًا؛ لعدمِ تحديدِ الغايةِ. قالَه في "الإقناع" (٥).
стр. 1005
الرَّابِعُ: عِلمُ العِوَضِ، وإباحَتُه.
الخَامِسُ: الخُروجُ عن شِبْهِ القِمَار؛ بأنْ يكُونَ العِوضُ من واحِدٍ.
فإن أخَرجَا معًا، لمْ يَجز إلَّا بمُحَلِّل لا يُخرِجُ شَيئًا.
الشرطُ (الرابعُ: علمُ العوض) (١) لأنَّه مالٌ في عقدٍ، فوجبَ العلمُ به، كسائرِ العقودِ.
ويعلمُ بالمشاهدةِ، أو الوصفِ. ويجوزُ حالًّا ومؤجَّلًا، وبعضُه حالًّا وبعضُه مؤجَّلًا، كالبيعَ (٢)
(وإباحتُه): أي: العوضِ؛ لما تقدَّمَ في البيعِ، فلا يصحُّ على خمرٍ ونحوِه. وهو تمليكٌ للسابقِ بشرطِ سبقِه.
الشرطُ (الخامسُ: الخروجُ بالعِوضِ عن شبهِ القمارِ) بكسرِ القافِ، يُقالُ: قامَرَهُ قِمارًا ومُقامرةً، فقمرَه: إذا راهنَه فغلَبَه
(بأنْ يكونَ العِوضُ من واحدٍ) بأنْ لا يُخرِجَ جميعُهم العِوضَ؛ لأنَّه إذا أخرجَه كلٌّ منهم، لمْ يَخْلُ عن (٣) أن يغنمَ أو يغرَمَ، وهو شِبْهُ القِمارِ.
(فإنْ أخرجَا) أي: المتسابقانِ (معًا، لمْ يجزْ) تساويًا، أو تفاضلًا؛ لأنَّه قِمارٌ، إذْ لا يخلو كلٌّ منهما عن أنْ يغنمَ أو يغرَمَ (٤) (إلا بمحلِّلٍ لا يُخرِجُ شيئًا) لما روى أبو هريرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَنْ أدخَلَ فرسًا بين فرسينِ، وهو لا يأمنُ أنْ يُسبقَ، فليس
стр. 1006
ولا يجوزُ أكثرُ من واحِدٍ يُكافِئُ مركُوبُهُ مَركوبَيهِما، أو رميُهُ رَميَيهِمَا.
فإنْ سَبَقَا مَعًا أحرَزا سبقَيهِما، ولم يأخُذَا من المُحلِّل شيئًا، وإن سَبَقَ أحدُهُما، أو سَبَقَ المحلِّلُ، أحرَزَ السَّبقَين.
والمُسابقَة جَعَالَةٌ، لا يُؤخَذ بِعِوَضِها رَهنٌ، ولا كَفيلٌ.
قِمارًا، ومَنْ أدخلَ فرسًا بين فرسينِ، وهو آمِنٌ أنْ يسبق، فهو قِمارٌ". رواه أبو داودَ (١). فجعلَهُ قِمارًا؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يجوزُ أنْ يخلوَ من ذلك (٢).
(ولا يجوزُ) كونُ محلِّلٍ (أكثرُ من واحدٍ) لدفعِ الحاجةِ به، (يُكافِئُ مركوبُه) أي: المحلِّلِ (مركوبَيْهِما) في المسابقةِ، (أو) يُكافئٌ (رميُه رميَيهما) في المناضلةِ؛ لحديثِ أبي هريرةَ المتقدِّمِ.
(فإنْ سبقا معًا) أي: سبقَ المُخرِجانِ المحلِّلَ، ولم يَسبقْ أحدُهما الآخرَ (٣) (أحرزَا سبْقَيهما) أي: أحرزَ كلٌّ منهما سَبقَه؛ لأنَّه لا سابقَ منهما، ولا شيءَ للمحلِّلِ؛ لأنَّه لمْ يسبقْ أحدَهما (٤) (ولم يأخُذَا من المحلِّلِ شيئًا) لئلا يكونَ قِمارًا
(وإنْ سبَقَ أحدُهما) أي: المخرجينِ؛ صاحبَه والمحلِّلَ (أو سبَقَ المحلِّلُ) المُخرجينِ (أحرزَ السَّبَقَيْنِ) لأنَّهما جُعِلا لمَن سَبق.
(والمُسابقةُ جَعَالةٌ) لأنَّ الجُعلَ في نظيرِ عملِه، وسبْقِه (لا يُؤخذُ بعوضِها رهنٌ، ولا كفيلٌ) لأنَّه جُعلٌ على ما لا تتحققُ القدرةُ على تسليمِه، وهو السبْقُ أو
стр. 1007
ولكُلٍّ فسخُهَا، ما لمْ يَظهَرِ الفَضلُ لِصَاحِبه.
الإصابةُ، أشبَه الجُعلَ في ردِّ الآبَقِ.
(ولكلٍّ) من المتسابقينِ (فسخُها) كسائرِ الجَعالاتِ (ما لمْ يظهرِ الفضلُ لصاحبِه) فيمتنعُ عليه، أي: المفضولِ؛ بأنْ يسبقَه في بعضِ المسافةِ، أو أصابَ أكثرَ منه في أثناءِ الرمي؛ لئلا يفوتَ غرضُ المسابقةِ بفسخِ مَن ظهرَ له فضلُ صاحبِه. وأمَّا الفاضلُ فله الفسخُ (١).
"فرعٌ": كُرِهَ لمَن حضرَهما من أمينٍ وشهودٍ وغيرِهما مدحُ أحدِهما، أو مدحُ المصيبِ، وعيبُ المخطئ؛ لما فيه من كسرِ قلبِ صاحبِه وغيظِه. وحرَّمَه ابنُ عقيلٍ.
قال في "الفروع": ويتوَجَّه في شيخِ العلمِ وغيرِه مدحُ المصيبِ من الطلبةِ، وعيبُ غيرِه كذلك.
وفي "الإنصاف": قلتُ: إنْ كانَ مدحُه يفضي إلى تعاظُمِ الممدوحِ، أو كسرِ قلبِ غيرِه، قويَ التحريمُ، وإنْ كان فيه تحريضٌ على الاشتغالِ ونحوِه، قويَ الاستحبابُ (٢).
* * *
стр. 1008
كِتابُ العَاريَّةِ
وهي مُستَحبَّة، مُنعِقدَةٌ بكلِّ قولٍ أو فِعلٍ يدلُّ عليها،
(كتابُ العاريَّةِ)
بتخفيفِ الياءِ وتشديدِها. من عارَ الشيءُ، إذا ذهبَ وجاءَ. ومنه قيل للبطَّالِ: عَيَّارٌ، لتردُّدِه في بطالتِه. وعارَه وأعارَه لغتانِ، كأطاعَه وطاعَه.
أو من العُرْي، وهو: التجرُّدُ، لتجرُّدِها عن العِوضِ. أو من التعاورِ، وهو التناوبُ؛ لجَعْلِ المالكِ للمستعيرِ نوبةً في الانتفاعِ.
(وهي) أي: العاريةُ (مستحبَّةٌ) لأنَّها من البرِّ والمعروفِ، فلا تجبُ. قالَ تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢].
وقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧]: قال ابنُ عباسٍ وابنُ مسعودٍ: هي العواريُّ (١). وقولُه ﵇: "العاريَّةُ مُؤَدَّاةٌ" (٢). والمعنى: شاهدٌ بذلك، فهي كهبةِ الأعيانِ (٣)
(منعقدةٌ بكلِّ قولٍ أو فعلٍ يدلُّ عليها) أي: الإعارةِ، كـ: أعرتُكَ هذه الدابَّةَ، أو: اركبْها إلى محلِّ كذا، أو: استرحْ عليها، أو: خذْها تحتَكَ، ونحوه. وكدفعِه دابَّةً لرفيقِه عند تعبِه، وتغطيتِه بكسائِه لبردِه، كدفعِ الصدقةِ. فإذا ركبَ الدابَّةَ، أو
стр. 1009
بشُروط ثَلاثَةٍ:
كَونُ العَينِ منتفعًا بها معَ بَقائِهَا. وكَونُ النَّفعِ مُباحًا. وكَونُ المُعيرِ أهلًا للتبرُّعِ.
استبقَى الكساءَ عليه، كان قَبولًا (١).
وكذا لو سمِعَ من يقولُ: مَنْ يعيرُني كذا؟ فأعطَاه، كفَى؛ لأنَّه إباحةٌ لا عقدٌ.
قال في "الترغيب": يكفي ما دلَّ على الرِّضى من قولٍ أو فعلٍ (٢)
وذلك (بشروطٍ ثلاثةٍ):
(أحدُها: كونُ العينِ) المعارةِ (مُنتفعًا بها مع بقائِها) كدوابَّ، ورقيقٍ، ودورٍ، ولباسِ، وأوانٍ. بخلافِ ما لا يُنتفَعُ به إلا مع تَلَفِ عينِه، كأطعمةٍ وأشربةٍ. فإنْ أعطاها بلفظِ إعارةٍ، فقالَ ابنُ عقيلٍ: يحتملُ أنْ تكونَ إباحةُ الانتفاعِ على وجهِ الإتلافِ. نقلَه المجدُ في "شرحه"، واقتصرَ عليه (٣)
(و) الشرطُ الثاني: (كونُ النفعِ مباحًا) لمستعيرٍ؛ لأنَّ الإعارةَ لا تُبيحُ له إلا ما أباحَه الشرعُ.
فلا تصحُّ لغناءٍ أو زمرٍ ونحوِه، ولا إناءٍ من أحدِ النقدينِ، ولا حُلىٍّ (٤) محرَّمٍ ونحوِه، ولا أمةٍ ليطأَهَا، أو يقبِّلَها ونحوِه.
(و) الشرطُ الثالثُ: (كونُ المعيرِ (٥) أهلًا للتبرُّعِ) لأنَّها نوعُ تبرُّعٍ؛ إذ هي
стр. 1010
وللمُعِيرِ الرُّجوعُ في عَاريَّتِه أيَّ وقتٍ شَاءَ، ما لَم يُضِرَّ بالمُستَعير.
فمن أعَارَ سَفينةً لحَملٍ، أو أرضًا لدَفنٍ أو زَرعٍ، لمْ يَرجِعْ حَتَّى تُرسَى السَّفينَةُ، ويبلَى الميِّتُ، ويُحصَدَ الزَّرعُ، ولا أُجرَةَ منذُ رَجَعَ إلَّا في الزَّرع.
إباحةُ منفعةٍ.
وذكرَ صاحبُ الأصلِ (١) شرطًا رابعًا، وهو: كونُ المستعيرِ أهلًا للتبرُّعِ له. فلا تصحُّ إعارةُ عبدٍ مسلمٍ لكافرٍ، لخدمتِه
(وللمعيرِ الرجوعُ في عاريَّتِه أيَّ وقتٍ شاءَ) مطلقةً كانتْ أو مؤقتةً (ما لمْ يُضِرَّ) الرجوعُ (بالمستعيرِ)
(فـ) مثالُ ذلك: (مَن أعارَ سفينةً لحملٍ، أو) أعارَ (أرضًا لدفنِ) ميِّتٍ (أو لزرعٍ، لمْ يرجعْ) في الإعارةِ حتى (تُرسى السفينةُ، ويَبْلى الميِّتُ، ويُحصدَ الزرعُ) عندَ أوانِه. وليس لمعيرٍ تملُّكُ زرعِه بقيمتِه. نصًّا؛ لأنَّ له وقتًا (٢) ينتهي إليه
(ولا أجرةَ) على مستعيرٍ لمعيرٍ (منذُ رجعَ) أي: من حينِ رجعَ المعيرُ إلى حينِ زوالِ الضررِ، بحيثُ كانَ الرجوعُ يضرُّ بالمستعيرِ، ولا إذا أعارَ لغرسٍ أو بناءٍ، ثمَّ رجعَ إلى تملُّكِه بقيمتِه أو قلعِه، مع ضمانِ نقصِه؛ لأنَّ بقاءَ ذلك بحكمِ الإعارةِ؛ لأنَّه لا يملكُ الرجوعَ في المنفعةِ في حالٍ تضرُّ بالمستعيرِ، فلا يملكُ طلبَ بدلِها، كالعينِ الموهوبةِ، ولأنَّه إذا أبَى أخْذَ الغراسِ أو البناءِ بقيمتِه أو قلعِه وضمانِ نقصِه، فإبقاؤُه في الأرضِ من جهتِه، فلا أجرةَ له، كما قبلَ الرجوعِ
(إلا في الزرعِ) أي: إذا أعارَه للزرعِ، وزرَعَ، ثمَّ رجعَ المعيرُ قبلَ أوانِ حصدِه،
стр. 1011
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا يُحصدُ قصيلًا، فلَه أجرةُ مثلِ الأرضِ من رجوعِه إلى الحصادِ؛ لوجوبِ تبقيتِه فيها قهرًا عليه؛ لأنَّه لمْ يرضَ بذلك بدليلِ رجوعِه، ولأنَّه لا يملكُ أخذَ الزرعِ بقيمتِه؛ لأنَّ له أمدًا (١) ينتهي إليه، وهو قصيرٌ بالنسبةِ إلى الغرسِ، فلا داعيَ إليه، ولا إلى قلعِه وضمانِ نقصِه؛ لأنَّه لا يمكنُ نقلُه إلى أرضِ أخرى، بخلافِ الغِراسِ وآلاتِ البناءِ. والمستعيرُ إذا اختارَ قلعَ زرعِه، ربَّما يفوِّتُ على المالكِ الانتفاعَ بأرضِه ذلك العامِ، فيتضرَّرُ به، فتعيَّنَ إبقاؤُه بأجرتِه إلى حصادِه، جمعًا بين الحقَّينِ.
* * *
стр. 1012
فَصْلٌ
والمستعيرُ - في استيفَاءِ النَّفعِ - كالمُستَأجِرِ، إلَّا أنَّه لا يُعيرُ ولا يُؤجِّرُ إلَّا بإذنِ المَالِك.
(فصلٌ)
(والمستعيرُ في استيفاءِ النفعِ) من عينٍ معارةٍ، (كالمستأجر) (١) فله أن ينتفعَ بنفسِه ومَن يقومُ مقامَه؛ لمِلكِه التصرُّفَ فيها بإذنِ مالِكها
فإذا أعارَه أرضًا لغرسٍ أو بناءٍ: فله أنْ يزرعَ فيها ما شاءَ. وصحَّحَ الحارثيُّ: إذا أعارَه للبناءِ، لا يزرعُ.
وإن استعارَها لزرعٍ: لمْ يغرسْ، ولم يَبْنِ. ولغرسٍ: لا يبني. ولبناءٍ: لا يغرسُ؛ لأنَّ ضررَهما مختلِفٌ. ولا إنْ استعارَها مدَّةً لزرعٍ: أنْ يزرعَ أكثرَ منها. ولا إنْ استعارَها لزرع شعيرٍ: أنْ يزرعَها حنطةً (٢)
(إلا أنَّه) أي: المستعيرَ (لا يُعيرُ) ما استعارَه، (ولا يُؤجِرُ) لعدمِ ملكِه منافعَه، بخلافِ المستأجرِ (إلا بإذنِ المالك) (٣): مُعيرِه. فإنْ أذنَ، جازَ. ولا يضمن مستأجرٌ من مستعيرٍ، وعكسُه، تلفَ عينٍ (٤) عندَه بلا تعدِّ ولا تفريطٍ (٥).
стр. 1013
وإذا قَبَضَ المُستَعِيرُ العَارِيَّةَ، فَهيَ مَضمُونَةٌ عليهِ بمِثلِ مِثِليٍّ، وقِيمَةِ مُتقَوَّمٍ يومَ تَلَفٍ، فرَّطَ أو لا.
لكِنْ لا ضَمَان في أربعِ مَسَائل إلَّا بالتَّفرِيطِ:
فيمَا إذَا كانت العَاريَّةُ وقفًا، ككُتُبِ عِلمٍ، وسِلاحٍ. وفيمَا إذا أعارَهَا المستَأجِرُ.
أو بَلِيتَ فيما أُعِيرَت له.
(وإذا قبضَ المستعيرُ العاريَّةَ، فهي مضمونةٌ عليه) بكلِّ حالٍ. نصًّا (بمثلِ مِثليٍّ) كصَنجَةٍ (١) من نُحاسٍ لا صناعةَ بها؛ استعارَها ليزِنَ بها، فتلِفَتْ، فعليه مثلُ وزنِها من نوعِها. (وقيمةِ مُتقوَّمٍ يومَ تلفٍ) لأنَّه يومُ تحقُّقِ فواتِها (فرَّطَ أو لا) أي: فرَّطَ أو لمْ يفرِّطْ. ويلغو شرطُ عدمِ ضمانِها؛ لأنَّ مقتضى العقدِ في العاريَّةِ الضمانُ.
(لكنْ لا ضمانَ في أربعِ مسائلَ إلا بالتفريطِ) والتعدِّي:
المسألةُ الأُوْلى: (فيما إذا كانت العاريَّةُ وقفًا، ككتبِ علمٍ، وسلاحٍ) كدروعٍ (٢) موقوفةٍ على غُزاةٍ
(و) الثانيةُ: (فيما إذا أعارَها المستأجرُ) فتلفتْ عندَه بلا تفريطٍ، فلا ضمانَ؛ لقيامِه مقامَ المستأجرِ في استيفاءِ المنفعةِ. فحكمُه حكمُه في عدمِ الضمانِ (٣).
والثالثةُ: التي أشارَ إليها بقولِه: (أو بَلِيتَ) العاريَّةُ (فيما أُعيرتْ له) لأنَّ الإذنَ
стр. 1014
أو أركَبَ دابَّته مُنقَطِعًا لله تعالى، فتَلِفَت تَحتَه.
في الاستعمالِ تضمَّنَ الإذنَ في الإتلافِ الحاصلِ به، وما أُذنَ في إتلافِه لا يُضمنُ، كالمنافعِ.
قال أبنُ نصرِ اللهِ: فعلى هذا: لو تلِفَتْ بالانتفاعِ بالمعروفِ، فلا ضمانَ.
وعُلِمَ من قولِه: "بمعروفٍ": أنَّه لو حَمَلَ في الثوبِ ترابًا، فتلِفَ، ضمِنَه؛ لتعدِّيه بذلك (١).
قال في "الإقناع" (٢): وليسَ له أنْ يستعملَ ما استعارَه في غيرِ ما يُستعملُ فيه مثلُه، مثلَ أن يحشوَ القميصَ قطنًا، كما يُفعَلُ بالجَوالِقِ (٣)، أو يَحملَ فيه ترابًا، أو يستعملَ المناشِفَ والطَّنافِسَ في ذلك، أو يستظلَّ بها من الشمسِ، أو نحوه. فإنْ فعلَ، ضمِنَ ما نقصَ من أجزائِها بهذه الاستعمالاتِ؛ لتعدِّيه بها.
فإنِ اختلفَا، أي: المعيرُ والمستعيرُ، فيما ذهَبتْ به أجزاؤُها، فقال المستعيرُ: ذهبتْ بالاستعمالِ المعهودِ - أي: المعتادِ - وقال المعيرُ: ذهبتْ بغيرِه. ولا بيِّنةَ، فقولُ مستعيرٍ مع يمينِه، ويبرأُ من ضمانِها؛ لأنَّه منكرٌ، والأصلُ براءتُه.
والرابعةُ: التي أشارَ إليها بقولِه: (أو أركبَ دابَّتَه) شخصًا (منقطعًا للهِ تعالى، فتلِفَتْ) الدَّابَّةُ (تحتَه) أي: المنقطعِ، لمْ يضمنْها؛ لأنَّها غيرُ مقبوضةٍ؛ لأنَّها بيدِ صاحِبها، وراكبُها لمْ ينفردْ بحفظِها، أشبَه ما لو غطَّىَ ضيفَه بلحافٍ، فتلِفَ عليه، لمْ يضمنْه.
стр. 1015
ومن استَعَارَ ليرَهَنَ، فالمُرتَهِنُ أمينٌ، ويَضمَنُ المُستَعِيرُ.
ومن سَلَّم لشَريكِه الدابَّة ولم يَستَعمِلْها، أو استَعمَلَها في مُقابَلَةِ عَلَفِهَا بإذنِ شَريكِه، وتَلِفَت بلا تَفرِيطٍ، لمْ يَضمَن.
(ومَن استعارَ ليرهنَ) بإذنِ ربِّه، فيصحُّ الرَّهنُ إذًا (فالمرتهنُ أمينٌ) فلا ضمانَ بغيرِ تفريطٍ (ويضمنُ المستعيرُ) لأنَّ العاريَّةَ مضمونةٌ مطلقًا
(ومن سلَّمَ لشريكِه الدَّابةَ) المشتركةَ؛ ليحفظَها (ولم يستعملْها، أو استعملَها في مُقابلةِ عَلَفِها بإذنِ شريكِه، وتلفَت بلا تفريطٍ) أو تعدٍّ (لم يضمنْ) كما لو سُرقتْ من حرزِ مثلِها. أمَّا لو وضعَها في غيرِ حرزِ مثلِها (١)، أو تعدَّى فيها؛ بأنْ ساقَها فوقَ العادةِ، أو ضرَبها فوقَ العادةِ، فإنَّه يضمنُها. وسواءٌ تسلَّمها أمانةً، أو بإجارةٍ صحيحةٍ أو فاسدةٍ؛ كأنْ أَذِنَ له أنْ يركبَها بعلَفِها. أمَّا إنْ أَذِنَ له في الركوبِ مجانًا، فإنَّه يضمنُ مطلقًا، وكذا لو وضعَ يدَه عليها بغيرِ إذنِ شريكِه (٢).
* * *
стр. 1016
كِتابُ الغَصبِ
وهو: الاستِيلاءُ عُرفًا على حَقِّ الغَيرِ عُدوَانًا.
(كتابُ الغصبِ)
وما في مَعنى ذَلكَ مِن الإتلافَاتِ
وهو لغةً: أخذُ الشيءِ ظلمًا. وهو حرامٌ بالإجماعِ.
(وهو) أي: الغصبُ: مصدرُ غَصَبَ الشيءَ يغصِبُه - بكسرِ الصادِ - غصْبًا، واغتصبَه يَغْتصِبُه اغْتِصابًا. والشيءُ مغصوبٌ.
وشرْعًا: (الاستيلاءُ) من (١) غيرِ حربيٍّ (عرفًا) أي: فعلٌ يُعدّ استيلاءً عُرْفًا (على حقِّ الغيرِ) مالًا كان أو اختصاصًا (عُدْوانًا) أي: قهرًا بغير حقٍّ.
فعُلِمَ منه: أنَّ الغَصْبَ لا يحصلُ بغيرِ الاستيلاءِ، وأنَّ استيلاءَ (٢) الحربيِّ على مالِنا ليس غصبًا؛ لأنَّه يَملِكُه بذلك، كما تقدَّمَ في الغنيمةِ، وأن السرقةَ، والنهبَ، والاختلاسَ، ليست غصبًا؛ لعدمِ القهرِ فيها، وأنَّ استيلاءَ الوليِّ على مالِ مولِّيهِ، ليس غصْبًا؛ لأنَّه بحقٍّ.
قيلَ: "قهرًا"؛ زيادةً في الحدِّ؛ لأنَّ الاستيلاءَ يدلُّ عليه.
قال في "المبدع": وفيه نظرٌ؛ لأنَّه لا يستلزمُه، مع أنَّه يخرجُ بقيدِ القهرِ ما تقدَّمَ (٣) من المسروقِ والمنتهَب والمختلَسِ.
стр. 1017
ويلزَم الغَاصِبَ ردُّ ما غَصَبه بنمائِه، ولو غَرِمَ على ردِّهِ أضعافَ قيمَتِهِ.
وإن سَمَرَ بالمَسَامِيرِ بابًا، قلَعَها وردَّها.
وإن زَرَعَ الأَرضَ، فليسَ لربِّها بعدَ
ودخلَ في الحدِّ: ما يُؤخذُ من الأموالِ بغيرِ حقٍّ، كالمكوسِ (١).
(ويلزمُ الغاصبَ ردُّ ما غصبَه بنمائِه) المتَّصلِ، كقِصَارَةِ ثوبٍ، وسِمَنِ حيوانٍ، وتعلُّمِ قنٍّ صنعةً. وبنمائِه المنفصلِ، كولدِ بهيمةٍ. وكذا ولدِ أمةٍ، حيثُ لا يحكمُ بحريَّتِه (٢) (ولو غرِمَ على ردِّه) (٣) المغصوبَ (أضعافَ قيمتِه) أي: المغصوبِ؛ لأنَّه هو المتعدِّي، فلم ينظرْ إلى مصلحتِه، فكانَ أَوْلى بالغرامةِ؛ لقولِه ﵇: "على اليدِ ما أخذتْ حتى تؤدِّيَه". رواه أبو داودَ، والترمذيُّ، وابنُ ماجه (٤)، وحسَّنَه الترمذيُّ.
(وإنْ سَمَرَ) غاصبٌ (بالمساميرِ) المغصوبةِ (بابًا) أو غيرَه، (قعلها) وجوبًا (وردَّها) لربِّها؛ للخبرِ المتقدِّمِ. ولا أثرَ لضرَرهِ؛ لأنَّه بتعدِّيه، كما لو غصَبَ فصيلًا وأدخلَه دارَه، فكبُرَ وصارَ لا يمكنُ إخراجُه؛ لضيقِ بابِها عليه، فإنَّه ينقضُ مجَّانًا، ويخرجُ الفصيلُ (٥)
(وإنْ زرعَ) الغاصبُ (الأرضَ، فليس لربِّها) أي: الأرضِ إذا رُدَّتْ (بعدَ
стр. 1018
حَصدِه إلَّا الأُجرَة، وقَبلَ الحَصدِ: يُخيَّرُ بينَ تَركِه بأُجرَتِه، أو تَملُّكِهِ بنَفقَتِه - وهَى مِثلُ البَذْر - وعِوَضِ لواحِقِه.
وإن غَرَسَ أو بَنَى في الأرضِ، أُلزِمَ بقَلعِ غَرسِه وبنائِه، حتَّى ولو كانَ أحدَ الشَّريكَين وفَعَلَه بغيرِ إذنِ شَريكِهِ.
حصدِه) أي: الزرعِ (إلا الأجرةُ) أي: أجرةُ المثلِ، من وضعِ يدِه على الأرضِ إلى ردِّها، وليس له تملُّكُ الزرعِ بعدَ حصادِه؛ لأنَّه انفصلَ عن ملكِه (١) (وقبلَ الحصدِ يُخيَّرُ) ربُّ أرضٍ قدَرَ عليها من غاصبٍ (بين تركِه) أي: الزرعِ في أرضِه غلى الحصادِ (بأجرتِه) أي: أجرةِ مثلِه، (أو تملُّكِه) أي: الزرعِ (بنفقتِه - وهي مثلُ البَذْرِ - وعِوضِ لواحِقِه) من حرثٍ، وسقيٍ، ونحوِهما.
(وإنْ غرسَ) غاصبُ أرضٍ فيها (أو بنىَ في الأرضِ، أُلزِمَ بقلعِ غرسِه وبنائِه) لحديثِ: "ليس لعِرْقٍ ظالمٍ حقٌّ". رواه الترمذيُّ (٢) وحسَّنَه. ولزِمَه أرشُ نقصِها وتسويةُ الأرضِ، وأجرتُها إلى تسليمِها؛ لتلفِ منافعِها تحتَ يدِه العادية. وكذا لو لمْ ينتفعْ بها، لزِمَه أجرتُها وأرشُ نقصِها إنْ نقصتْ بتركِ زرعِها ذلك العامِ (٣) (حتى ولو كان) الغاصبُ (أحدَ الشَّريكينِ) في الأرضِ (وفعلَه بغيرِ إذنِ شريكِه) للتعدِّي.
* * *
стр. 1019
فَصْلٌ
وعلى الغَاصِب أَرشُ نَقصِ المَغصُوبِ، وأُجرتُه، مُدَّةَ مَقَامِه بِيَدِهِ. فإن تَلِفَ، ضُمِنَ المِثليُّ بمِثلِه،
(فصلٌ)
(وعلى الغاصبِ أرشُ نقصِ المغصوبِ) لحصولِه بتعدِّيه على مِلكِ غيرِه (وأُجرتُه) أي: أجرةُ مثلِ المغصوبِ (مدَّةَ مَقَامِه بيدِه) إلى وقتِ التسليمِ
(فإنْ تَلِفَ) مغصوبٌ، كحيوانٍ قتلَه غاصبٌ أو غيرُه، أو ماتَ حتفَ أنفِه، ولو غصبَه مريضًا فماتَ من مرضِه، وكثوبٍ أحرقَه شخصٌ، أو احترق (١) بصاعقةٍ ونحوِه (٢) (ضُمِنَ) مغصوبٌ (المثليُّ) وهو كلُّ مكيلٍ من حبٍّ وتمرٍ ومائعٍ وغيرِها، أو موزونٍ كحديدٍ ونُحاسٍ ورَصاصٍ وذهبٍ وفِضَّةٍ وحريرٍ وكَتَّانٍ وقُطْنٍ ونحوِها. لا صِناعةَ فيه: أي: المكيلِ (٣)، بخلافٍ نحوِ هريسةٍ. أو الموزونِ، بخلافِ حُليٍّ وأسطالٍ ونحوِها. مباحةً: خرجَ: أواني الذهبِ والفضةِ، فتُضمنُ بوزنِها؛ لتحريمِ صناعتِها. يصحُّ السَّلَمَ فيه: بخلافِ نحوِ جوهرٍ، ولُؤْلُؤٍ
(بمثلِه) متعلِّقٌ بـ"ضمِنَ"؛ لأنَّ المثلَ (٤) أقربُ إليه من القيمةِ؛ لمماثَلته (٥) له من
стр. 1020
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طريقِ الصورةِ والمشاهدةِ والمعنى، بخلافِ القيمةِ فإنَّها تُماثلُ من طريقِ الظنِّ والاجتهادِ.
وسواءٌ تماثلت أجزاءُ المثليِّ (١)، أو تفاوتتْ، كالأثمانِ - ولو دراهمَ مغشوشةً رائجةٍ - والحبوبِ والأدهانِ، ونحوِها. وفي رُطبٍ صارِ تمرًا، وسمسمٍ صارَ شَيرَجًا، يُخيَّرُ مالِكُه، فيُضمِّنُه أيَّ المِثلينِ أحبَّ.
وأمَّا مباحُ الصناعةِ، كمعمولِ حديدٍ ونحاسٍ وصوفٍ وشعَرٍ مغزولٍ، فيُضمَنُ بقيمتِه؛ لتأثيرِ صناعتِه في قيمتِه، وهي مختَلفة، والقيمةُ فيه أحصرُ.
فإنْ أعوزَ المِثليُّ (٢)، لعدمٍ أو بُعْدٍ أو غلاءٍ، فالواجبُ قيمةُ مثلِه يومَ إعوازِه، أي: المثليِّ؛ لوجوبِ القيمة في الذمةِ حينَ انقطاعِ المثلِ، كوقتِ تلفِ المتقوَّمِ. ودليلُ وجوبِها إذنْ، أنَّه يستحقُّ طلبَها. ويجبُ على الغاصبِ أداؤُها، ولا يبقى وجوبُ المِثلِ؛ للعجزِ عنه، ولأنَّه لا يستحقُّ طلبَه ولا استيفاءَه.
فإنْ قدَرَ مَنْ وجبَ عليه المِثلُ قبلَ دفعِ القيمةِ، لا بعدَ أخذِها، وجبَ المِثلُ؛ لأنَّه الأصلُ، وقدْ قدَرَ عليه قبلَ أداءِ البدلِ، ولو بعدَ الحكمِ عليه بالقيمةِ، كمَن عَدمَ الماء، ثمَّ قدَرَ عليه قبلَ انقضاءِ الصَّلاةِ.
فإنْ أخذَ المالكُ القيمةَ عنه، استقرَّ حكمُها، ولم تردَّ، ولا طلَبَ بالمثلِ إذنٌ؛ لحصولِ البراءةِ بأخذِها (٣).