← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 803

شرح دليل الطالب - عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

Полный текст (1 686 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فَصْلٌ وسُننُه ثَمانيةَ عشرَ: استقبالُ القبلةِ، والسواك، وغَسْلُ الكفِّين ثلاثًا، ويَصُبُّ الماءَ بيُمنى يديه على كِلتا رِجليه، ويغسلُهما باليسرى، ندبًا. والأَوْلى تركُ الكلامِ على الوضوءِ. وظاهرُ كلامِ الأكثرِ: لا يُكره السلامُ، ولا ردُّه. (فصلٌ) (وسنَنُه): جمعُ سنةٍ، وهي: ما يثابُ على فعلِهِ، ولا يعاقبُ على تركِه (ثمانيةَ عَشَرَ) أي: سننُ الوضوءِ. وسُمِّيَ وضوءًا؛ لتنظيفِه المتوضِّئَ، وتحسينِه: أحدُها: (استقبالُ القبلةِ) أي: أن يستقبلَ القبلةَ في الوضوءِ. قال في "الفروع" (١): وظاهرُ ما ذكرَهُ بعضُهم: يستقبلُ القبلةَ. ولا تصريحَ بخلافِه، وهو متجهٌ في كلِّ طاعةٍ، إلا لدليلٍ. (و) الثاني: (السواكُ) وتقدَّمَ الكلامُ عليه. (و) الثالثُ: (غسلُ الكفين ثلاًثا) لأن عثمانَ بنَ عفانَ، وعليًّا، وعبدَ اللهِ بنِ زيدٍ رضي الله تعالى عنهم، وصفوا وضوءَ النبيِّ ﷺ ، وذكروا أنه غسلَ كفيه ثلاثًا (٢). ولأنَّهما آلةُ نقلِ الماءِ إلى الأعضاءِ، ففي غسلِهما احتياطٌ.

стр. 107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ويجبُ غسلُهما للقيامِ من نومِ ليلٍ ناقضٍ لوضوءٍ؛ تعبَّدًا، بنيَّةٍ شُرطتْ، وبتسميةٍ وجَبَتْ. وعلى الصحيحِ: لا تجزئُ نيةُ الوضوءِ عن نيةِ غسلِهما على المذهبِ المشهورِ. ولأنَّها طهارةٌ مفردةٌ، لا من الوضوءِ (١). ويسقطُ غسلُهُما والتسميَةُ سهوًا. وقيل: غسلُهما معلَّلٌ بوهمِ النجاسةِ، كجعلِ العلَّةِ في النومِ استطلاقَ الوكاءِ بالحدثِ، وهو مشكوكٌ فيه. وقيل: غسلُهما معللٌ بمبيتِ يدِه ملابِسةً للشيطانِ. فعلى هذا: يكونُ غسلُهما لمعنًى فيهما، فلو استعملَ الماءَ ولم يُدخلْ يدَه في الإناءِ، لم يصحَّ وضوؤُه، وفسدَ الماءُ؛ لأنَّ المعنى الذي فيهما (٢) غيرُ مقصودٍ. قال الشيخُ منصورٌ في "حاشيته على الإقناع" (٣): الظاهرُ: أنَّ (٤) التقييدَ بالوضوء جريٌ على الغالبِ، فلا مفهومَ له. ويقاسُ عليه: الغسلُ، وإزالةُ النجاسةِ؛ إذ عدمُ صحةِ الوضوءِ؛ لفسادِ الماءِ، وإذًا لا فرقَ بينه وبينهُما. وظاهرُ كلامِهم هنا: فسادُ الماءِ، وإن لم يحصلْ في جميعِ اليدِ. لكنْ لو كان الماءُ كثيرًا، وتوضَّأ (٥)، أو اغتسلَ، أو أزالَ به نجاسةً، بحيث لم يحصلْ في اليدين ماءٌ قليلٌ، فالطهارةُ صحيحةٌ؛ لعدمِ تأثيرِ غمسهِما في الماءِ الكثيرِ. قال في "الشرح" (٦): فإنْ

стр. 108

والبداءةُ قبلَ غسلِ الوجهِ بالمضمضةِ والاستنشاقِ، توضَّأَ القائمُ من نومِ اللَّيلِ من ماءٍ كثير، أو اغتَسلَ منه بغَمسِ أعضائِه فيه، ولم ينوِ غَسلَ اليدِ من نومِ الليل، فعندَ من أوجبَ النيةَ لا (١) يرتفعُ حدثُه، ولا يجزئُ عن غسلِ اليدِ من النَّومِ؛ لأنَّه لم ينوه. انتهى. وفي "المستوعب" (٢): إنْ كان وضوؤُه من ماءٍ قليلٍ أدخلَ كفَّيه فيه قبلَ غسلِهما، لم يصحَّ وضوؤُه؛ لما بيَّنا أنَّ ذلك الماءَ يصيرُ غيرَ مطهِّرٍ. وإنْ كان وضوؤُه من ماءٍ أكثر من قلتين، أو (٣) من ماءٍ قليلٍ لم يُدخلْ يدَه فيه؛ بأنْ صبَّ على وجهه (٤) بإناءٍ، أو صَمَدَ لأُنبوبٍ، فجرى على وجهِه، فوضوؤهُ صحيحٌ. (و) الرابعُ: (البداءةُ قبل غسلِ الوجهِ بالمضمضةِ والاستنشاقِ) بيمينِه. واستنثارٍ بيسارِه؛ لما رُوي عن عليٍّ رضي الله تعالى عنه: أنَّه دعا بوَضوءٍ فتمضمضَ واستنشقَ واستنثرَ بيدِه اليُسرى، ففعلَ هذا ثلاثًا، ثُمَّ قال: "هذا وضوءُ نبيِّ اللهِ ﷺ ". رواه أحمدُ والنسائيُّ (٥). قال في "الإنصاف" (٦): يستحبّ تقديمُ المضمضةِ على الاستنشاقِ، على الصحيحِ من المذهبِ.

стр. 109

والمبالغةُ فيهما لغيرِ الصائم، والمبالغةُ في سائرِ الأعضاء مطلقا، وإنما قدمتْ المضمضةُ؛ لأنَّ الفمَ أشرفُ من الأنفِ؛ ولكونِ الفم محلَّ القراءةِ والذِّكرِ. وإنما لم يجبْ تقديمُهما على غسلِ الوجهِ؛ لأنَّ الفمَ والأَنفَ منه. (و) الخامسُ: (المبالغةُ فيهما) أي: في المضمضةِ والاستنشاقِ (لغيرِ الصائمِ) لقولِه ﵇ في حديثِ لقيطِ بنِ صَبِرةَ: "وبالغْ في الاستنشاقِ، إلا أنْ تكودنَ صائمًا". رواه الخمسةُ (١)، وصحَّحه الترمذيُّ. وعن ابنِ عباسٍ مرفوعًا: "استنثروا مرتين بالغَتَين، أو ثلاثًا". رواه أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجه (٢). وتُكره لصائمٍ. فالمبالغةُ في المضمضةِ: إدارةُ الماءِ بجميعِ الفمِ. والمبالغةُ في الاستنشاقِ: جذبُ الماءِ إلى أقصى أنفٍ. والواجبُ في الاستنشاقِ: جذبُ الماءِ إلى باطنِ أنفٍ، وإن لم يبلغْ أقصاهُ أو أكثرَهُ. وله بلعُه؛ لأنَّ الغَسلَ حصلَ، كإلقائِه. (و) السادسُ: (المبالغةُ في سائرِ الأعضاءِ مطلقًا) أي: في الوضوءِ والغُسلِ، ومع الصومِ والفطرِ. والمبالغةُ في بقيةِ الأعضاءِ: دلكُ، أي: عركُ، ما يَنبو (٣) عنه الماءُ، أي: لا يطمئنُّ إليه.

стр. 110

والزيادةُ في ماءِ الوجه، وتخليلُ اللِّحية الكثيفةِ، وتخليلُ الأصابعِ، (و) السابعُ: (الزيادةُ في ماءِ الوجهِ) ليعمَّ جميعَه. (و) الثامنُ: (تخليلُ اللحيةِ الكثيفةِ) بكفٍّ من ماءٍ يضعُه من تحتها بأصابعِه مشتبكةً؛ لحديثِ أنسٍ مرفوعًا: كان إذا توضَّأَ، أخذَ كفًّا من ماءٍ، فجعلَه تحتَ حنكِه، وخلَّلَ به لحيتَه، وقال: "هكذا أمرني ربي". رواه أبو داودَ (١). أو يضعُه من جانبيها، ويعرُكُ لحيتَه. قال في "الإنصاف" (٢): ويكونُ ذلك عندَ غسلِها، وإن شاءَ إذا مسحَ رأسَه. نصَّ عليه. وكذا عَنْفَقَةٌ (٣)، وشاربٌ، وحاجبانِ، ولحيةُ أُنثى وخُنثى، يسنُّ تخليلُها إذا كثفت. (و) التاسعُ: (تخليلُ الأصابعِ) من اليدين والرجلين؛ لحديثِ لقيطِ بنِ صَبِرةَ (٤): "وخَلِّلْ بينَ الأصابعِ". قال في "الشرح" (٥): وهو في الرِّجلينِ آكدُ. قال القاضي وغيرُه: بخنصرِ اليُسرى. ويَبدأُ من الرجلِ اليُمنى بخنصرِها، واليسرى بالعكسِ؛ ليحصلُ (٦) التيامنُ في التخليلِ. زادَ بعضُهم: من أسفلِ الرِّجلِ.

стр. 111

وأخذُ ماءٍ جديدٍ للأذنين، وتقديمُ اليُمنى على اليُسرى، ومجاوزةُ محلِّ الفَرض، والغسلةُ الثانيةُ والثالثةُ، (و) العاشرُ: (أخذُ ماءٍ جديدٍ للأذنينِ) لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ: أنَّه رأى رسولَ اللهِ ﷺ يتوضَّأُ، فأخذَ لأذنيهِ ماءً خلافَ الذي لرأسِه. رواه البيهقيُّ (١) وصحَّحه. (و) الحادي عشر: (تقديمُ اليُمنى على اليُسرَى) ليحصلَ التيامنُ. قال القاضي والشيخُ عبدُ القادرِ: وإذا أرادَ أن يناولَ (٢) إنسانًا توقيعًا أو كتابًا، فليَقصِد يمينَهُ. وتَناولُ الشيءِ من يدِ غيرِه باليُمنى. ذكرَه ابنُ عقيلٍ من المستحسناتِ (٣). ولا يُكره بيسارِه مطلقًا. أي: مع القدرة وعدمِها. (و) الثاني عشرَ: (مجاوزةُ محلِّ الفرضِ) لقولِه ﵇: "إنَّ أمتي يأتون يومَ القيامةِ غرًّا محجلين من أثرِ الوضوءِ، فمَنِ استطاعَ منكمْ أنْ يطيلَ غرَّتَه فليفعلْ". متفقٌ عليه (٤). (و) الثالث عشرَ: (الغسلةُ الثانيةُ والثالثةُ) لحديثِ عليٍّ: أنَّه ﵇، توضَّأَ ثلاثًا ثلاثًا. رواه أحمدُ، والترمذيُّ (٥)، وقال: هذا أحسنُ شيءٍ في البابِ وأصحُّ. وليس ذلك بواجبٍ، لحديثِ ابنِ عباسٍ: توضَّأَ النبيُّ ﷺ ، مرَّةً مرَّةً. رواه

стр. 112

واستصحابُ ذِكر النية إلى آخرِ الوضوء، والإتيانُ بها عند غَسل الكفَّين، الجماعةُ (١) إلا مسلمًا. ولو غسلَ بعضَ أعضاءِ الوضوءِ أكثرَ من بعضٍ، لم يُكره. ويُكره فوقَ الثلاث (٢)؛ لما روى عمرُو بنُ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: جاءَ أعرابيٌّ إلى النبيِّ ﷺ يسألُه عن الوضوءِ، فأراه ثلاثًا ثلاثًا. وقال: " هذا الوضوءُ، فمن زادَ على هذا فقدْ أساءَ وتعدَّى وظلمَ". رواه أحمدُ، والنسائيُّ، وابنُ ماجه (٣). (و) الرابعَ عشرَ: (استصحابُ ذكرِ النيةِ إلى آخرِ الوضوءِ) أي: بأنْ يستحضرَها في جميعِ الطهارةِ؛ لتكونَ أفعالُها كلُّها مقترنةً بالنيةِ. ويجزئُ استصحابُ حكمِها؛ بأن لا ينويَ قطعَها، فإن عزبتْ من خاطرِه، لم يؤثرْ ذلك في الطهارةِ، كما لا يؤثرُ في الصَّلاةِ. ويجبُ تقديمها (٤) على الواجبِ من العباداتِ؛ لأنَّ النيةَ شُرطتْ لصحةِ واجباتِها، فيعتبرُ كونُها كلُّها بعد النيةِ، فلو فَعَلَ شيئًا من الواجباتِ قبلَ وجودِ النيةِ، لم يعتدَّ به. ولا يضرُّ تقدمُها بزمنٍ يسيرٍ، ويضرُّ (٥) بزمنٍ كثيرٍ عُرْفًا (٦). (و) الخامسَ عشرَ: (الإتيانُ بها عندَ غَسلِ الكفينِ) وهو أوَّلُ مصنونٍ وُجِدَ قبلَ

стр. 113

والنُّطقُ بها سِرًّا. وقول: أشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، مع رفعِ بصرِه إلى السماء بعدَ فراغِه واجبٍ، وهو التسميةُ، كما في "التنقيح" و"الإقناع". فعلى هذا: يكونُ أولُ المسنوناتِ استقبالَ القبلةِ، لا غَسلَ الكفينِ لغيرِ القائمِ من نومِ الليلِ. فتأَمَّلْ. (و) السادسَ عشرَ: (النطقُ بها سرًّا) ليوافقَ لسانُه قلبَه. قال العلامةُ الشيخُ تقيُّ الدينِ: واتفقَ الأئمةُ على أنَّه لا يُشرعُ الجهرُ بها وتَكريرُهَا، بل مَنْ اعتادَهُ ينبغي تأديبُهُ. وكذا بقيَّةُ العباداتِ .. قال: ويُعزَلُ عن الإمامةِ، إن لم ينتهِ. (و) السابعَ عشرَ: (قولُ: أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه، مع رفعِ بصرِه إلى السماءِ بعدَ فراغِه) من وضوئِه. قال في "الفائق": وغُسلٌ، لحديثِ عمرَ مرفوعًا: "ما منكم من أحدٍ يتوضَّأُ، فيُبلغُ أو يُسبغُ الوضوءَ، ثم يقولُ: أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، إلا فتحتْ له أبوابُ الجنةِ الثمانيةُ، يدخلُ من أيِّها شاءَ". رواه مسلمٌ، والترمذيُّ (١)، وزادَ: "اللهمَّ اجعلْني من التوابين، واجعلْني من المتطهرين". رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ (٢). وزادَ في " الإقناع" (٣): "سبحانَك اللهمَّ وبحمدِك، أشهدُ أن لا إلهَ إلا أنتَ، أستغفرُك وأتوبُ إليك". لحديثِ النسائيِّ (٤) عن أبي سعيدٍ.

стр. 114

وأن يتولى وضوءَه بنفسِه من غَيرِ مُعاونَةٍ. (و) الثامنَ عشرَ: (أنْ يتولى وضوءَه بنفسِه من غيرِ معاونةٍ) ويباحُ مُعينٌ، وسُنَّ كونُه عن يسارِه. ولا يصحُّ وضوؤُه أو غسلُه إنْ أُكره فاعلٌ بغيرِ حقٍّ، أما إنْ أُكْره بحقِّ، كما لو أَكره قِنَّه على ذلك، فإنه يَصحُّ. ويباحُ تنشيفٌ. وتركُهما (١) أفضلُ. وكُرِه نفضُ ماءٍ. وقد يجبُ معينٌ ولو بأجرةِ مثلٍ في حقِّ نحوِ أقطعَ. وقال العلامةُ الشيخُ مرعي (٢): ويتجه: وجوبُ تنشيفٍ لمتيمِّمٍ لضيقِ وقتٍ. قال ابنُ القيمِ: والأذكارُ التي تقولُها العامةُ على الوضوء (٣) عند كلِّ عضوٍ، لا أصلَ لها عنه ﷺ ، ولا عن أحدٍ من الصحابةِ، والتابعين، والأئمةِ الأربعةِ، وفيه حديثٌ كذبٌ عليه ﷺ .

стр. 115

بابُ مسحِ الخُفَّين يجوزُ بشروطٍ سبعة: لُبسهُما بعد كمالِ الطهارةِ بالماءِ، (بابُ مسحِ الخفينِ) أعقبه للبابِ (١) الذي قبلَه؛ لأنَّ مسحَ الحائلِ بدلٌ عن مسحِ ما تحتَهُ. والمسحُ عليهما من خصائصِ هذه الأمةِ، وأجمعَ أهلُ السنةِ على جوازِه، وخالفَ فيه الشيعةُ. قال الإمامُ أحمدُ: ليس في قلبي من المسحِ على الخفين شيءٌ؛ فيه أربعون حديثًا عن النبيِّ ﷺ . وقال الحسنُ: حدَّثَني سبعون من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ أنَّه مسحَ على الخفين. وما في معناهما: أي: معنى الخفين؛ كالجوربين والجرموقين (٢)، وكذا العمامةُ والخمارُ (٣). وهو رخصةٌ. والمسحُ أفضلُ من الغَسلِ. (يجوزُ) المسحُ على الخفين (بشروطٍ سبعةٍ): أحدُها: (لبسُهما بعد كمالِ الطهارةِ بالماءِ) لحديثِ المغيرةِ بنِ شعبةَ قال: كنتُ مع النبيِّ ﷺ ذاتَ ليلةٍ في سيرٍ، فأَفْرغتُ عليه من الإداوةِ (٤)، فغسلَ وجهَه،

стр. 116

وسترُهما لمحلِّ الفرضِ ولو بربطِهما، وغسلَ ذراعيه، ومسحَ برأسِه، ثمَّ أهويتُ لأنزِعَ خفَّيه. فقال: "دعْهما؛ فإنِّي أدخلتُهما طاهرتين". فمسحَ عليهما. متفقٌ عليه (١). وعنه أيضًا قال: قلنا: يا رسولَ اللهِ، أيمسحُ أحدُنا على الخفينِ؟ قال: "نعمْ، إذا أدخلَهما وهما طاهرتانِ". رواه الحميديُّ في "مسندِه" (٢). فلو لبسَه على طهارةِ تيمُّمٍ، لم يصحَّ المسحُ عليه -ووجهُ المذهبِ: أنَّ التيممَ لا يرفعُ الحدثَ، فقد صدقَ عليه أنَّه غسلَه وهو محدثٌ -أو غسَلَ رجلًا، ثم أدخلَها الخفَّ، ثم الثانيةَ، ثم أدخلَها إياه، أو لبسَ الخفين محدثًا، ثم توضأَ، وغسلَ رجليه داخلَ الخفينِ، أو لبسَهما متطهرًا، فأحدثَ قبلَ أن تصلَ القدمُ إلى موضعِها، أو نوى جنبٌ رفعَ حدثيه، وغَسَلَ رجليه ثمَّ أدخلَهما في خفَّيه، ثمَّ أتمَّ طهارتَه، خلعَ، ثُمَّ لبسَ قبلَ الحدثِ، وإلا لم يمسحْ. وكذا تفصيلُ عمامةٍ ونحوِها. (و) الثاني: (سترُهما لمحلِّ الفرضِ ولو بربطِهما) فلو ظهرَ منه شيءٌ وجبَ الغسلُ، ولم يجزِ المسحُ؛ إذ لا يُجمعُ بينَ البدلِ والمُبدَلِ في محلٍّ واحدٍ، وكما لو غسلَ إحدى الرِّجلين، فيجبُ غسلُ الأخرى. ولو كان السترُ بمخرَّقٍ أو مفتَّقٍ، وينضَمُّ بلُبسِه، أو كان القَدَمُ يبدو بعضُه لولا شدُّه، أي: ربطُه. أو شَرَجُهُ، بالشين المعجمة والجيم. فلا يشترطُ في الساترِ كونه صحيحًا. والمشرجُ: كالزَّرْبُولِ له ساقٌ وعُرًى، يدخلُ بعضُها في بعضٍ، فيسترُ محلَّ الفرضِ، فيصحُّ المسحُ عليه؛ لأنَّه ساترٌ يمكنُ متابعةُ المشيِ فيه، أشبهَ غيرَ ذي

стр. 117

وإمكانُ المشيِ بهمَا عُرفًا، وثبوتُهما بنفسِهما، وإباحتُهما، وطهارةُ عينِهِما، الشَّرَجِ. فإن لم ينضمَّ بلبسِه ولا غيرِهِ، لم يصحَّ المسحُ عليه، كبيرًا كان الخرق (١) أو صغيرًا، من محلِّ الخرز (٢) أو غيرِه. (و) الثالثُ: (إمكانُ المشي بهما عرفًا) لا كونه يمنعُ نفوذَ الماءَ، أو معتادًا، فيصحُّ على خفٍّ من جلدٍ، ولبدٍ، وخشبٍ، وحديدٍ، وزجاجٍ لا يصفُ البشرةَ، ونحوِه، حيثُ أمكنَ المشيُ فيه؛ لأنَّه يمكنُ متابعة المشيِ فيه ساترًا لمحلِّ الفرضِ، أشبهَ الجلدَ. وقد يحتاجُ إلى بعضِها في بعضِ البلادِ، ولا يضرُّ عدمُ الحاجةِ في غيرِه (٣). (و) الرابعُ: (ثبوتُهما بنفسِهما) فإنْ لم يثبتْ إلا بشدِّه، لم يجزِ المسحُ عليه؛ لفقدِ شرطِه. (و) الخامسُ: (إباحتُهما) فلا يصحُّ على مغصوبٍ، ولا حريرٍ لرجلٍ، أي: مع الضرورةِ وعدمِها، فلا يصحُّ. وإن خافَ بنزعِه سقوطَ أصابعه من بردٍ؛ لأنَّ المسحَ رخصةٌ فلا تستباحُ بالمعصيةِ، كما لا يستبيحُ المسافرُ الرخصَ بسفرِ المعصيةِ. وسواءٌ كان خفًّا، أو عمامةً، أو خمارًا، أو جبيرةً. ومُذَهَّبٌ ونحوُه. (و) السادسُ: (طهارةُ عينِهما) أي: الممسوحِ. فلا يصحُّ على نجسِ العينِ، خفًّا كان أو جبيرةً، أو غيرَهما. ولو في ضرورةٍ. ويتيمم (٤) مَنْ لبسَ ساترًا نجسًا مع الضرورةِ بنزعِه. ويعيدُ ما صلَّى به؛ لحملِه الشماسةَ.

стр. 118

وعدمُ وصفِهما البَشَرةَ. فيمسحُ المقيمُ، والعاصِي بسَفَرِهِ، مِنْ الحدثِ بعدَ اللُّبسِ يومًا وليلةً، والمسافرُ ثلاثةَ أيامٍ بليالِيهنَّ. فلو مسح في السفرِ ثم أقامَ، (و) السابعُ: (عدمُ وصفِهما البشرةَ) لصفائِه، أو خفتِه. (فيمسحُ المقيمُ) ولو كان عاصيًا بإقامتِه، كمَن أمره سيِّدُه بسفرٍ، ثُمَّ أقامَ. والمسافرُ دونَ المسافةِ (و) يمسحُ (العاصي بسفرِه من الحدثِ بعد اللُّبسِ يومًا وليلةً) كما لو سافرَ لأخذِ مَكْسٍ، أو قطعِ طريقٍ. أها العاصي في السفرِ المباحِ، كشربِ الخمرِ، مثلًا، فإنَّه يمسحُ مسحَ مسافرٍ؛ لأنَّ سفرَه ليسَ معصيةً، فجازَ له الرخص. (و) يمسحُ (المسافرُ ثلاثةَ أيامٍ بلياليهنَّ) لمَنْ بسفرِ قصرٍ لم يعصِ به. أي: بالسفرِ؛ بأنْ كانَ غيرَ محرَّمٍ ولَا مَكروه، ولو عصَى فيه؛ لقولِه ﵇: "للمسافرِ ثلاثةُ أيامٍ ولياليهنَّ، وللمقيمِ يومٌ (١) وليلةٌ". رواه أحمدُ، ومسلمُ، والنسائيُّ، وابنُ ماجه (٢)، من حديثِ عائشةَ. (فلو مسحَ في السفرِ، ثمَّ أقامَ) قبلَ مضىِّ مدتِه، أتمَّ مسحَ مقيمٍ، إنْ بقَي منه، وإلا خلعَ في الحالِ. ولو مسحَ في السفرِ أكثرَ من يومٍ وليلةٍ، ثمَّ دخلَ في الصَّلاةِ، فنوَى الإقامةَ في أثنائِها، بطلَتْ (٣).

стр. 119

أو في الحضَرِ ثمَّ سافرَ، أو شكَّ في ابتداءِ المَسحِ، لم يَزِد على مسحِ المُقيم. ويجبُ مسحُ أكثرِ أعلَى الخفِّ، ولو تلبَّسَ بالصَّلاةِ في سفينةٍ، فدخلَ البلدَ في أثنائِها، بطلتْ. قال الشيخُ مرعي (١): إقامةً تمنعُ القصرَ. (أو في الحضرِ، ثمَّ سافرَ) لم يزدْ على مسحِ مقيمٍ، تغليبًا للحضرِ (أو شكَّ في ابتداءِ المسحِ) بأن لمْ يدرِ أمسحَ مقيمًا أو مسافرًا؟ لأنَّ الأصلَ الغَسلُ، والمسحُ رُخصةٌ، فإذا شكَكنَا في شَرطِها رجعْنا إلى الأصلِ. فإنْ كان قد صلَّى بعدَ اليومِ والليلة مع الشك، ثم (٢) تيقَّن، فعليه إعادة ما صلى مع الشك؛ لأنَّه صلى مع طهارةٍ لم يكنْ له أنْ يصلِّيَ بها، فهو كما لو صلَّى معتقدًا أنَّه محدثٌ؛ ثم ذكرَ أنه متطهرٌ، فإنَّ وضوءَه صحيحٌ، ويلزمُه إعادةُ الصَّلاةِ (٣). (لم يزدْ على مسحِ مقيمٍ) لأنَّه اليقينُ، وما زادَ عليه لم يتحققْ شرطُه، والأصلُ عدمُه. (ويجبُ مسحُ أكثرِ أعلى الخفِّ) أي: أكثرِ ظاهرِ أعلى ذلك، فلا يجزئُ مسحُ باطنِه. والمجزئُ: أن يكونَ خِططًا بالأصابعِ. وقال الشافعيُّ: يجبُ ما يُسمَّى مسحًا. وقال أبو حنيفةَ: قدرَ ثلاثِ أصابعَ. وقال مالكٌ: كل الأعلى (٤). وعُلمَ منَ المتنِ: أنَّه لا يجزئ مسحُ النصفِ فأقلَّ مِن الأعلى؛ لأنَّ الأصلَ أن البدلَ على حكمِ الأصلِ، لكن تركناه هنا للنصوصِ في ذلك، وأقمْنا الأكثرَ مقامَه،

стр. 120

ولا يجزئُ مسحُ أسفلِه وعقِبهِ، ولا يُسَنُّ. فإنَّه أقربُ. وقد أقيمَ الأكثرُ مقامَ الكلِّ في كثيرٍ من الأحكامِ. وسُنَّ المسحُ بأصابعِ يدِه، من أصابعِ رجليه إلى ساقِه؛ يمسَحُ رجلَه اليمنى بيدِه اليمنى، ورجلَه اليسرى بيدِه اليسرى؛ لحديثِ المغيرةِ بنِ شعبةَ في صفةِ وضوءِ النبيِّ ﷺ قال: ثمَّ توضَّأَ، ومسحَ على الخفين، فوضعَ (١) يدَه اليمنى على خُفِّه الأيمن، ووضعَ يدَه اليسرَى على خفِّه الأيسر، ثم مسحَ أعلاهما مسحةً واحدةً، حتى كأني أنظرُ إلى أثر (٢) أصابعِه على الخفين. رواه الخلَّالُ (٣). ورُوي عن عمرَ: أنه مسحَ حتى رُؤي أثرُ أصابعِه على خفيه خطوطًا. والمستحبُّ أن يَفرِجَ أصابعَه. قاله في "الشرح" (٤). (ولا يجزئُ مسحُ أسفلِه) أي: أسفلِ الخفِّ (وعَقِبِه) إن اقتصرَ عليهما. قال في "الإنصاف" (٥): قولًا واحدًا. (ولا يُسنُّ) مسحُهما مع أعلى الخفِّ. قال في "الإنصاف": على الصحيحِ من المذهبِ؛ لقولِ عليِّ: لو كان الدينُ بالرأي، لكان أسفلُ الخفِّ أولى بالمسحِ من ظاهرِه، وقد رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يمسح ظاهر خفَّيه. رواه أحمدُ، وأبو داودَ (٦). وأما (٧) حديثُ المغيرةِ: أنَّه ﵇ مسحَ

стр. 121

ومتى حصلَ ما يُوجِبُ الغُسلَ، أو ظَهَرَ بعضُ محَلِّ الفرضِ، أو انقَضَتِ المدَّةُ، بطَلَ الوضوءُ. أعلى الخفِّ وأسفلَه (١). فقال الترمذيُّ: إنَّه معلولٌ. وقال: سألتُ أبا زرعةَ ومحمدًا عنه؟ فقالا: ليسَ بصحيحٍ. وقال أحمدُ: إنه من وجهٍ ضعيفٍ. (ومتى حصلَ ما يوجبُ الغسلَ، أو ظهرَ بعضُ محلِّ الفرضِ) بأن ظهرَ بعضُ قَدَمٍ، من نحوِ خفٍّ مسح عليه، استأنفَ الطهارةَ. أو ظهرَ من عمامةٍ ممسوحةٍ بعضُ رأسٍ، وفحُشَ، استأنفَ الطهارةَ؛ لأنَّ مسحَ العمامةِ قامَ مقامَ مسحِ الرأسِ، ومسحَ الخفِّ أُقيمَ مقامَ غسلِ الرِّجلين، فإذا زالَ الساترُ الذي جعلَ بدلًا، بطلَ حكمُ طهارتِه، كالمتيممِ يجدُ الماءَ. ولو انكشَطتْ ظِهارةُ (٢) الخفِّ، وبقيتْ بطانتُه، لم يضرَّ. أو انتقضَ بعضُ العمامةِ الممسوحةِ، ولو كَورًا، استأنف الطهارة؛ لأنَّه كنزعها لزوالِ الممسوحِ عليه. أو انقطعَ دمُ مستحاضةٍ ونحوِها، كمن به سلسُ بولٍ أو قروحٌ سيَّالةٌ، استأنفَ الطهارةَ؛ لأنَّ طهارتَه إنَّما صحَّتْ للعذرِ، فإذا زالَ العذرُ بطلتْ على الأصلِ، كمن تيمَّمَ لمرضٍ، وعُوفي منه. (أو انقضتْ المدةُ، بطلَ الوضوءُ)، أي: مدةُ المسحِ؛ لأنَّ طهارتَهُ مؤقتةٌ، فبطلت (٣) بانتهاءِ وقتِها، كخروجِ وقتِ الصَّلاةِ في حقِّ المتيممِ. وعلى أنَّ الحدثَ

стр. 122

فَصْلٌ وصاحبُ الجَبيرةِ إنْ وضعَها على طهارةٍ، ولم تتجاوزْ محلَّ الحاجةِ، غَسَلَ الصَّحيحَ ومسحَ عليها بالماءِ، وأجزأ، إلَّا وجبَ، مع الغَسلِ، أنْ يتيمَّم لها. ولا مَسْحَ لا يتبعَّضُ في النقضِ، فإذا خلعَ، عادَ الحدثُ -أي: النقفق- إلى العضوِ الذي مسحَ الحائلَ عنه، فيسري إلى بقيةِ الأعضاءِ، فيستأنفُ الوضوءَ، وإن قرُبَ الزمنُ. قال أبو المعالي وغيرُه: إنَّ هذا هو (١) الصحيحُ من المذهبِ عندَ المحققين. (فصلٌ) (وصاحبُ الجبيرةِ) وهي: ما يُشدُّ على كَسرٍ أو جُرحٍ، أو نحوِهما، من خشبٍ وخرقٍ ونحوِهما (٢). (إنْ وضعَها على طهارةٍ، ولم تتجاوزْ محلَّ الحاجةِ) أي: لم تتجاوزْ محلَّ الحاجةِ، وهو موضعُ الكسرِ، أو الجرحِ، وما أحاطَ به، مما لا يمكنُ الشدُّ إلا به (غسلَ الصحيحَ) بالماءِ (ومسحَ عليها) أي: على الجبيرةِ (بالماءِ، وأجزأَ) ذلك (وإلَّا) بأنْ تجاوزتْ محلَّ الحاجةِ، ووضعتْ على غيرِ طهارةٍ (وجبَ مع الغسلِ، أن يتيمَّمَ لها (٣). ولا مسحَ) أي: فلا يصحُّ المسحُ إنْ لم ينزعْها؛ لأنَّه يكونُ تاركًا

стр. 123

ما لَم تُوضَع على طهارةٍ وتتجاوزِ المَحلَّ، فَيَغسِلُ، ويمسحُ، ويتيمم. غسلَ ما يمكنُه غسلُه من غيرِ ضررٍ. ومحلُّ الحاجةِ: هو محلُّ الكسرِ، أو الجرحِ، وما لابدَّ من وضعِها عليه؛ لأنَّها لا توضعُ إلا على طرفي صحيحٍ. وفي "شرح الهداية": وقد يتجاوزُ بها إلى جُرحٍ، أو ورَمِ، أو شيءٍ يُرتجى به البرءُ أو سرعتُه، وقد يُضطرُّ إلى الجبرِ بعظمٍ يكفيه أصغرُ منه، لكنْ لم يجدْ سواه (١). وعُلِمَ من هذا: إن تجاوزَ شدُّها محلَّ الحاجةِ، نزعَها، فإنْ خافَ الضررَ، تيمَّمَ لزائدٍ على محلِّ الحاجةِ. فيغسلُ الصحيحَ، ويمسحُ من الجبيرةِ على ما حاذى محلَّ الحاجةِ، ويتيمَّمُ لزائدٍ. وإنْ مسحَها كلَّها مع التيمُّمِ، فلا بأسَ. ولهذا أشارَ إليه بقولِه: (ما لمْ توضعْ على طهارةٍ، وتتجاوزِ المحلَّ)، أي: محلَّ الحاجةِ، (فيَغسِلُ) الصحيحَ، (ويمسحُ) على الجبيرةِ، (ويتيمَّمُ) للزائدِ الذي جاوزَ محلَّ الحاجةِ. ويحرمُ الجبرُ بجبيرةٍ نجسةٍ، كجلدِ الميتةِ، والخرقةِ النجسةِ، وبمغصوبٍ. والمسحُ على ذلك باطلٌ. قاله في "الإقناع" (٢). "فائدةٌ": إذا كانت الجبيرةُ في محلِّ أعضاءِ التيممِ؛ بأنْ كانتْ في الوجهِ واليدين، فإنَّه يكفيه المسحُ عليها بدلَ التيمُّمِ، فيمسحُ على الجبيرةِ التي على الوجهِ واليدينِ. فلو عمَّتْ بعضَ أعضاء التيمُّمِ، كيدٍ واحدةٍ، أو الوجهِ، فهلْ يمسحُ عليه، ويتيممُ في الباقي، أر يتيممُ للجميعِ؟ الظاهرُ: أنَّهم لم يخصوا، إلا إذا عمتْ محلَّ التيمُّمِ كلَّه، فيبقى ما عداه داخلٌ في طلبِ التيممِ. ذكرَهُ الشيخُ يوسفُ الفتوحي في هامشِ متنِ "المنتهى".

стр. 124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "تنبيهٌ": عُلِمَ مما تقدَّمَ: أنَّ الجبيرةَ تفارقُ الخفَّ في أشياء: منها: أنَّه يجبُ مسحُ جميعِها، بخلافِ الخفِّ ومنها: عدمُ توقيتِ الجبيرةِ بمدةٍ، بخلافِه. ومنها: أنه لا يمسحُ عليها في الطهارةِ الكبرى، بخلافِه. ومنها: أنَّ المسحَ عليها مخصوصٌ بحالِ الضرورة، بخلافِه. ومنها: أنَّ المسحَ عليها عزيمةٌ، بخلافِه. ومنها: أنه يجوزُ المسحُ فيها على الخرقةِ، بخلافِه. ومنها: أنه لا يشترط فيها سترُ محلِّ الفرضِ، بخلافِه. "فائدةٌ": ودواءٌ على البدنِ، ولو قارًّا في شَقِّ، وتضرَّرَ بقلعِه، كجبيرةٍ في المسحِ عليه، إنْ وضعَه على طهارةٍ، ومنعه إنْ لم يكنْ على طهارةٍ؛ لأنَّه في معناها. وكذا لو تألَّمَتْ إصبعُه فألقمَها مرارةً. وإذا كان بإصبعِه جرحٌ أو فصادٌ، وخافَ اندفاقَ الدمِ بإصابةِ الماء، جازَ المسحُ عليه، نصًّا. ذكرَه في "الإنصاف" (١) ملخصًا. "تتمةٌ": وزوالُ جبيرةٍ، ولو لم يبرأْ ما تحتها، كزوالِ خفٍّ، وكذا برؤُها؛ لأنَّ مسحَها بدلٌ عن غسلِ ما تحتَها. إلَّا أنها إذا مُسحَت في الطهارةِ الكبرى وزالَت، أجزأ غَسلُ ما تحتها (٢)؛ لعدمِ وجوبِ الموالاةِ في الطهارةِ الكبرى. والمرأةُ كالرجلِ في جوازِ المسحِ على الحوائلِ إلا العمامةَ. ولا مدخلَ لحائلٍ في طهارةٍ كبرى إلا الجبيرةُ.

стр. 125

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "فرعٌ": يُشرطُ في عمامةٍ ثلاثةُ شروطٍ: أحدُها: كونُها محنَّكةً، أي: مُدارًا منها تحتَ الحنكِ. كَورٌ -بفتح الكاف- أو كَورَان، سواءٌ كان لها ذؤابةٌ، أو لَا؛ لأنَّ هذه عمامةُ العربِ، وهي أكثرُ سترًا، ويشقُّ نزعُها. قال القاضي: سواءٌ كانتْ كبيرة أو صغيرةً، أو كونُها ذاتَ ذؤابةٍ -بضم المعجمة، وبعدها همزة مفتوحة- هي: طرفُ العمامةِ المرخيُّ؛ مجازًا. وأصلُها الناصيةُ، أو منبتُها من الرأسِ، وهو (١) شعرٌ في أعلى ناصيةِ الفرسِ. فإن لم تكنْ محنَّكةً، ولا ذاتَ ذؤابةٍ، لم يجزْ المسحُ عليها؛ لعدمِ المشقةِ في نزعِها، ولأنها تشبِهُ عمائمَ أهلِ الذمةِ، وقد نهي عن التشبهِ بهم. قال الشيخُ تقيُّ الدينِ: المحكيُّ عن أحمدَ: الكراهةُ. والأقربُ: أنها كراهةٌ لا ترتقي إلى التحريمِ، ومثلُ هذا لا يمنعُ الترخصَ، كسفرِ النزهةِ. والثاني: كونُها على ذكرٍ. فلا تمسحُ امرأةٌ ولا خنثى على عمامةٍ، ولو لحاجةِ بردٍ. والثالث: سترُ العمامةِ من الرأسِ غيرِ ما العادَةُ كشفُه، كمقدَّمِ الرأسِ والأذنين، وجوانبِ الرأسِ، فيعفى عنه، بخلافِ خرقِ الخفِّ؛ لأنَّ هذا جرت العادةُ به، ويشقُّ التحرزُ منه. ولا يجبُ مسحُه، أي: ما جرتْ العادةُ بكشفِه معها، أي العمامةِ؛ لأنها نابَتْ عن الرأسِ، فانتقلَ الفرضُ إليها، وتعلَّقَ الحكمُ بها، لكنه مستحبُّ. قال في "الشرح": نصَّ عليه. ويجبُ مسحُ أكثرِها، أي العمامةِ؛ لأنها أحدُ الممسوحين على وجهِ البدلِ، فأجزأَ مسحُ بعضِه كالخفِّ.

стр. 126

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإنْ كان تحتَ العمامةِ قَلَنسوةٌ يظهرُ بعضُها، فالظاهرُ: جوازُ المسحِ عليهما، لأنَّهما صارا كالعمامةِ الواحدةِ. قالَهُ في "المغني" (١). "تنبيهٌ": لو زالَ حنكُ العمامةِ، ففي بطلانِ المسحِ وجهانِ. قال في "الغاية" (٢): ومتى ظهرَ بعضُ رأسٍ وفحُشَ، أو انتقضَ بعضُ عمامةٍ، ولو كَورًا واحدًا، ولو في نحوِ صلاةٍ، بطلتْ، واستأنفَ الطهارةَ. "فوائدٌ": الأولى: الأفضلُ في الذؤابةِ أنْ تكونَ قدرَ شبرٍ، فلو كانتْ أكثرَ، فلا بأسَ. رُوي أن ذؤابةَ ابنِ الزبير كانتْ تبلغُ سرَّتَه، أو وسطَه. وأما محلُّها: فالسنةُ أن تكونَ خلفَه، وأما ما يفعلُه بعضُ الناسِ من إخراجِ طرفِ العمامةِ عند انتهاءِ لفِّها قدرَ الإصبعِ، فليسَ بذؤابةٍ، فلا يُخرِجُ به العمامةَ عن الصمَّا، ولو جعلَ في عمامتِه خرقةً، فأرخاها ذؤابةً، فقال ابرتُ عبد الهادي: ظاهرُ كلامِهم: لا فرقَ. الفائدةُ الثانيةُ: السُّنةُ في العمامةِ أن تكونَ بيضاءَ، ويجوزُ أن تكونَ خضراءَ، أو سوداءَ. وأما العمامةُ الزرقاءُ والحمراءُ والصفراءُ، فيُكره لبسُها؛ لأنَّ ذلك زيُّ اليهودِ والنصارى والسَّامرةِ، ولبسُ الطائفةِ الأحمديةِ العمامةُ الحمراءُ؛ لأنَّه إنما هو طارئٌ، يمنعُ كونُه زيَّ مَن ذُكِرَ. الثالثة: لبسُ العمامةِ في حقِّ الرجلِ أفضلُ من كشفِ رأسِه، ومِن لبسِ الطاقيةِ من غيرِ عمامة. ولبسُ الطاقيةِ أفضلُ من كشفِ الرأسِ. انتهى. قاله الشيخُ يوسفُ في "حاشيته على المنتهى".

стр. 127

بابُ نواقِضِ الوُضوءِ وهي ثمانيةٌ: أحدُها: الخارجُ من السَّبيلين، قليلًا كان أو كثيرًا، طاهرًا أو نَجِسًا. الثاني: خروجُ النجاسةِ من بقيَّة البدَنِ. فإن كان بولًا أو غائِطًا، نَقَضَ مطلقًا. (بابُ نواقضِ الوضوءِ) النواقضُ: جمعُ ناقضةٍ، لا ناقض؛ لأنَّ فاعلًا وصفًا لا يُجمعُ على فواعلَ إلا مؤنثًا. وشذَّ: فوارسُ، جمعُ فارسٍ. وقيلَ ذلك في العاقلِ، وأما غيرُه فيُجمَعُ كلٌّ منهما على فواعلَ، كما ذكرَهُ ابنُ مالكٍ وغيرُه. واستعمالُ النقضِ في إفسادِ الوضوءِ مجازٌ؛ لأنَّ النقضَ يُستعملُ حقيقةً في البناءِ، ومجازًا في المعاني، ومنه: نقضُ الوضوءِ، ونقضُ العلةِ، وعلاقتُه الإبطالُ. (وهي) أي: النواقضُ (ثمانيةٌ): (أحدُها: الخارجُ) ولو كان نادرًا كالريحِ من القبلِ، والدودِ والحصى من الدُبُرِ. (من السَّبيلين) وهو: مخرجُ البولِ والغائطِ. فينقضُ ما خرجَ من السبيلين (قليلًا كان أو كثيرًا) من بولٍ وغائطٍ (طاهرًا أو نجسًا) أي: كالمنيِّ، وكالريحِ من الدُبُرِ، وكالولدِ العاري عن الدمِ. (الثاني) من النواقضِ: (خروجُ النجاسةِ من بقيةِ البدنِ) أي: غيرِ السبيلين، كقيءٍ وغيرِه. (فإن كان بولًا أو غائطًا، نقضَ مطلقًا) أي: كثيرًا كان البولُ أو الغائطُ، أو

стр. 128

وإن كان غيرَهُما، كالدَّمِ والقيءِ، نَقَضَ إنْ فحُش في نفسِ كلِّ أحدٍ بحَسَبِه. الثالثُ: زوالُ العقلِ، يسيرًا. (وإن كانَ غيرَهما) أي: غيرَ البولِ والغائطِ (كالدَّمِ، والقيءِ) والقيحِ، والصَّديدِ (نقَضَ إن فحُشَ في نفسِ كلِّ أحدٍ بحسبِه) رُوي نحوُه عن ابنِ عباسٍ. قال الخلَّالُ: الذي استقرتْ عليه الروايةُ: أنَّ الفاحِشَ: ما يَستفحشُه كلُّ إنسانٍ بحسبِه، أي: في نفسِه؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : "دعْ ما يريبُكَ إلا ما لا يريبُكَ" (١). ولأنَّ اعتبارَ حالِ الإنسانِ بما يستفحشُه غيرُه حرجٌ، فيكونُ منفيًّا. وبالنقضِ بخروجِ النجاسةِ الفاحشةِ من غيرِ السبيلِ قال (٢) ابنُ عباسٍ وابنُ عمرَ. ولحديثِ (٣) معدانَ بنِ أبي طلحةَ، عن أبي الدرداءِ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قاءَ فتوضَّأَ. قال: فلقيتُ ثوبانَ في مسجدِ دِمشق، فسألتُه؟ فقال: صدقتَ، أنا سكبتُ له وضوءَه. رواه الترمذيُّ (٤)، وقال: هذا أصحُّ شيءٍ في هذا البابِ. قيل لأحمدَ: حديثُ ثوبانَ ثبتَ عندَك؟ قال: نعمْ. فلا ينقض وضوءُ القصَّابينَ، فإنَّ الكثيرَ عندَنا يسيرٌ عندَهم. (الثالثُ) من النواقضِ: (زوالُ العقلِ) كحدوثِ جنونٍ أو بِرسامٍ (٥)، كثيرًا كان

стр. 129

أو تغطِيتُه بإغماءٍ أو نومٍ، ما لم يكُنِ النومُ يسيرًا عُرفًا من جالسٍ أو قليلًا، إجماعًا. (أو تغطيتُه بإغماءٍ) أو بسُكرٍ، أو شُربِ دواءٍ (أو نومٍ) هو: غشيةٌ ثقيلةٌ تقعُ على القلبِ، تمنعُ المعرفةَ بالأشياءِ. وقال البيضاويُّ (١): هو حالٌ يعرضُ للحيوانِ من استرخاءِ أعصابِ (٢) الدِّماغِ من رطوباتِ الأبخرةِ المتصاعدةِ، بحيثُ تقفُ الحواسُّ الظاهرةُ عن الإحساسِ رأسًا. لحديثِ عليٍّ مرفوعًا: "العينُ وِكاءُ السَّه، فمنْ نامَ فليتوضَّأْ". رواه أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجه (٣). والسَّهُ: حَلَقَةُ الدُبُرِ. (ما لم يكنِ النومُ يسيرًا عُرْفًا من جالسٍ) لحديثِ أنسٍ: كان أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ، على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ينتظرون العشاءَ الآخرةَ، حتى تخفقَ رؤوسُهم، ثمَّ يصلُّونَ ولا يتوضئون. رواه أبو داودَ (٤). ولأنَّه يكثرُ وقوعُه من منتظرِي الصَّلاةِ، فعُفِي عنه للمشقَّةِ. وإنْ رأى رؤيا، فهو كثيرٌ. وعنه: لا. وهو أظهرُ. وإن خطَرَ ببالِه شيءٌ لا يدري: أرؤيا، أو حديثُ نفسٍ؟ فلا نقضَ. ومرجعُ اليسيرِ إلى العرفِ، كما في المتنِ. قال في "الشرح الكبير" (٥): قال شيخُنا: الصحيحُ: أنه (٦) لا حدَّ له. فمتى وُجِدَ ما يدلُّ على الكثرةِ، مثلَ سقوطِ المتمكِّنِ، نقضَ، وإلا فلا.

стр. 130

وقائمٍ. الرابعُ: مسُّه بيدِه وقال الزركشيُّ (١): فمن سمِعَ كلامَ غيرِهِ وفِهمَه، فليس بنائمٍ، فإنْ سمِعَه ولم يفهمْه فيسيرٌ، أو حديث نفسٍ، فلا وضوءَ عليه. وإن شكَّ في وجودِ النومِ، أو غلَبَتِه على عقلِه، فلا نقضَ؛ لأنَّ الأصلَ الطهارةُ، فلا يزولُ عن اليقينِ بالشكِّ. (و) اليسير عُرفًا من (قائمِ) لحديث ابنِ عباسٍ، لما باتَ عند خالتِه ميمونةَ. رواه مسلمٌ (٢). ولأنه يشبِهُ الجالسً في التحفظِ واجتماعِ المخرجِ، وربما كان القائمُ أبعدَ عن الحدثِ. أما المضطجعُ والراكعُ والسَّاجدُ، فينقضُ النومُ اليسيرُ إذا حصلَ منهم، وكذلك المستنِدُ والمتكئُ والمحتبي. قال الزركشيُّ: وإذا سقطَ الساجدُ عن هيئته (٣)، أو القائمُ عن قيامِه، ونحو ذلك، بطلتْ طهارتُه؛ لأنَّ أهلَ العُرْفِ يعدُّونَ ذلك كثيرًا. وعُلِمَ منه: أنَّ النومَ الكثيرَ من الجالسِ والقائمِ ناقضٌ كالمضطجعِ؛ لأنَّ النقضَ بالنومِ معلَّلٌ بإفضائِه إلى الحدثِ، ومع الكثرةِ لا يحسُّ بما يخرجُ منه، بخلافِ اليسيرِ. (الرابعُ) من النواقضِ: (مسُّه) أي: فرجِ الآدمىِّ (بيدِه) متعلِّقٌ بمس. فلا نقضَ

стр. 131

-لا ظُفره- فرجَ الآدميِّ المتَّصلَ بلا حائلٍ، إذا مسَّه بغَيرِها، لحديثِ أحمدَ، والدارقطنيِّ (١): "من أفضَى بيدِه إلى ذكرِه" ولأنَّ غيرَ اليدِ ليسَ بآلةِ اللَّمسِ. ولو كانتْ زائدةً، ولا فرقَ بينَ بطنِ الكفِّ وظهرِها وحرْفِها؛ لأنَّه جزءٌ منها، أشبَهَ بطنَها. والمرادُ باليدِ: إلى الكوعِ؛ لأنَّها المرادُ عندَ الإطلاقِ، كما في التيمُّمِ والسَّرِقةِ. قال ابنُ قندسٍ في "حاشية المحرر": والفقهاءُ يستعملون غالبًا المصرَّ باليدِ فقط، واللَّمسَ بجميعِ البدنِ، فيقولون غالبًا: مسَّ الذكرَ بيدِه، ولمَصرَ المرأةَ؛ لأنَّ لمسَ المرأةِ ليس مقيدًا باليدِ، بلْ يدخلون فيه اللمسَ باليدِ وبغيرِها. ولهذا يقولون: لمسَ الرجلُ المرأةَ ببشرتِه. وبعضُهم يستعملُ المسَّ باليدِ وبغَيرِها، وكذلك اللَّمسُ، إلَّا أنَّ أكثرَ استعمالِهم على الأوَّلِ. فعلى هذا: يكونُ اللمسُ أعمَّ من المسَّ؛ لأنَّ اللَّمسَ يدخلُ فيه اليدُ وغيرُها، والمسَّ مقيدٌ باليدِ. انتهى. (لا ظفرِه) فلا ينقضُ مسُّه بالظفرِ؛ لأنَّه في حكمِ المنفصلِ (فرجَ الآدميِّ) دون سائرِ الحيواناتِ. تعمَّدَهُ، أو لا، ذكرًا أو أنثَى، صغيرًا أو كبيرًا. (المتصلَ) أي: فلا نقضَ بمسِّ الفرجِ البائنِ، كالذكَرِ المقطوعِ؛ لأنَّه لا يترتَّبُ عليه أحكامُ المتصلِ من وجوبِ الغسلِ، والحدِّ، وغيرِ ذلك. وهو صفةٌ لـ"فرجٍ". (بلا حائلٍ) متعلِّقٌ بـ"مسِّ"؛ لقولِه ﵇: "مَنْ أفضى بيدِه إلى ذكره (٢)، ليس دونَه سترٌ، فقد وجبَ عليه الوضوءُ". رواه أحمدُ والدارقطنيُّ. فإنْ مسَّ

стр. 132

أو حَلْقَةَ دُبر، لا مسُّ الخِصْيتينِ، بحائلٍ، فلا نقضَ. (أو حلقةَ دُبُرِهِ) منه أو من غيرِه. وعنه: لا. قال في "الفروع" (١): وهو أظهرُ. أما مسُّ الذكرِ؛ فلحديثِ بسرةَ بنتِ صفوانَ مرفوعًا: "مَنْ مسَّ ذكرَه فليتوضَّأْ". رواه مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ. وصحَّحه الترمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ. وابنُ ماجه (٢). وصحَّحه ابنُ معينٍ. وقال البخاريُّ: أصحُّ شيءٍ في هذا البابِ حديثُ بسرةَ. وعن جابرٍ مثلُه، رواه ابنُ ماجه (٣). وأما مسُّ غيرِ الذكرِ فلعمومِ قولِه ﵇: "مَنْ مسَّ فرجَه فليتوضَّأْ". رواه ابنُ ماجه (٤)، والأثرمُ، وصحَّحه أحمدُ وأبو زرعةَ. ولحديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: "أيما امرأةٍ مسَّتْ فرجَها فلتتوضَّأْ". رواه أحمدُ (٥). وإذا نقضَ بمسِّ فرجِ نفسِه مع دعاءِ الحاجةِ إليه وجوازِه، فمسُّ فرجِ غيرِه أولى. وفي بعضِ ألفاظِ حديثِ بُشرةَ: "مَنْ مسَّ الذكرَ، فليتوضَّأْ" فيشملُ كلَّ ذكرٍ. (لا مسُّ الخِصيتيْنِ) فلا نقضَ بمسِّ الخِصيتيْنِ وما حولَهما إلا بشهوةٍ. والظاهرُ: أنَّ المرادَ باعتبارِ النقضِ حيثُ اعتبرتْ بأنْ مسَّ ذلك الذكَر من الأنثى، أو عكسُه. ولا بمسِّ شُفْرَي الفرجِ مطلقًا.

стр. 133

ولا مسُّ مَحلِّ الفرجِ البائِنِ. الخامسُ: لَمسُ بشرَةِ الذَّكرِ الأنثى، أو الأنثى الذَّكَرَ، لشهوةٍ (ولا مسُّ محلِّ الفرجِ البائنِ) لأنَّه ليس بفرجٍ. وكذا مسَّ البائنِ؛ لذهابِ حرمتِه. (الخامسُ) من النواقضِ: (لمسُ بشرةِ الذكَرِ الأنثى، أو الأنثى (١) الذكرَ؛ لشهوةٍ) لقولِه تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النِّساء: ٤٣]. إذ اللَّمسُ أعمُّ من الجماعِ؛ لأنَّ اللفظَ لا يُحملُ على بعضِ محتملاتِه إلا بدليلٍ، ولا دليلَ على إرادةٍ، فيُحملُ على عمومِه. واشتُرطتْ الشهوةُ؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: القبلةُ من اللَّمسِ وفيها الوضوءُ (٢). فتخصيصُه القُبلةَ بذلك قرينةُ الشهوةِ (٣). أما وضوءُ الرَّجلِ والمرأةِ فلا يَنتَقِض بمسِّهما الخُنثى المشكَّلِ لشهوةٍ. ولا وضوءُ الخنثى المشكَّلِ بمحرِّ رجلٍ أو امرأةٍ لشهوةٍ، على المذهبِ. قال في "الإنصاف" (٤): وعليه (٥) جماهيرُ الأصحابِ. وعنه: لا ينقضُ مطلقًا، اختارَه الشيخ تقيُّ الدينِ في "فتاويه"، وصاحب "الفائق"، ولو باشرَ مباشرةً فاحشةٍ. وقيل: إنْ انتشرَ نقَضَ، وإلا فلا. وعنه: ينقضُ مطلقًا.

стр. 134

مِنْ غيرِ حائلٍ، ولو كان الملموسُ ميِّتًا، أو عجُوزًا، أو مَحْرَمًا. وأمَّا كونُ اللَّمس لا ينقضُ إلا إذا كان لشهوةٍ، فللجمعِ بين الآيةِ والأخبارِ؛ لأنَّه قد رُوي عن عائشةَ رضي الله تعالى عنها، أنها قالتْ: فقدْتُ رسولَ اللهِ ﷺ ليلةً من الفراشِ، فالتمسْتُه، فوقعتْ يدي على بطنِ قَدَمِه، وهو في المسجدِ، وهما منصوبتان. رواه مسلمٌ (١). ونصبُهما دليلٌ على أنَّه يصلِّي. ورُوي عنها أيضًا أنَّها قالتْ: كنتُ أنامُ بينَ يدي رسولِ اللهِ ﷺ ورجلاي في قِبلتِه، فإذا سجدَ غمزَني، فقبضتُ رِجلي. متفقٌ عليه (٢). والظاهرُ: أنَّ غمزه رجليها كان من غير حائلٍ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُه. ولأنَّ اللَّمسَ ليس بحدَثٍ، وإنما هو داعٍ إليه، فاعتُبرتْ الحالُ التي تدعو فيها إليه، وهي حالُ الشهوةِ. وقيسَ عليه مسُّ المرأةِ الرجلَ، ومتى لم ينقضْ مسُّ أنثى، استحبَّ الوضوءُ، نصًّا. (من غيرِ حائلٍ) متعلِّقٌ بـ"لمس". فإنْ كان بحائلٍ لم ينقضْ؛ لأنَّه لم يلمسِ البشرةَ، أشبَهَ لمسَ الثيابِ. والشهوةُ بمجردِها لا توجبُ الوضوءَ، كما لو وجدتْ من غيرِ لمسٍ. (ولو كان الملموسُ ميتًا)؛ للعمومِ، وكما يجبُ الغُسلُ بوطءِ الميتِ، (أو) كان الملموسُ (عجوزًا أو مَحرَمًا) لعمومِ لفظِ الآيةِ. ولأنَّ ذلك معتبرٌ بوجودِ الشهوةِ، فإذا وجدتْ، فلا فرقَ بين كونِ الملموسِ مظنةَ الشهوةِ، أو لا. وقال الشافعيُّ: لا نقضَ بلمسِ ذاتِ المحرمِ. وهو قولٌ عن الإمامِ، قدَّمه في "الرعاية الصغرى".

стр. 135

لا لمسُ مَنْ دُونَ سَبعٍ، ولا لمسُ سِنٍّ وظُفرٍ وشعرٍ، ولا اللَّمسُ بذلك. ولا ينتقضُ وضوءُ الممسُوسِ فرجُه، أو الملموسِ بدنُه، ولو وَجَدَ شهوةً. (لا لمسُ مَن دونَ سبعٍ) أي: لا ينقضُ مسُّ مَنْ دونَ سبعِ سنين، من ذكرٍ أو أنثى، لاُنَّه ليس محلًّا للشهوةِ. (ولا) ينقضُ (لمسُ (١) سنٍّ، وظُفرٍ، وشَعرٍ) أي: ولا نَقضَ بلمسِ سنٍّ وظفرٍ وشعرٍ؛ لأنَّ ذلك لا يقعُ الطلاقُ بإيقاعِه عليه، ولا الظهارُ، ولا العتقُ؛ لكونِه ينفصلُ في حالِ السَّلامةِ، أشبَهَ لمسَ الدمعِ. قال في "الفروع" (٢): ولا لمسُ سنٍّ وشعرٍ وظفرٍ، في الأصحِّ، خلافًا لمالكٍ. وقال بعضُهم: وكذا اللَّمسُ به. وهو متوجِّهٌ. وأشارَ إليه بقولِه: (ولا اللَّمسُ بذلك) أي: بالسنِّ والشعرِ والظفرِ. ولا نقضَ بلمسِ رجلٍ لأمردَ؛ وهو الشابُّ الذي طرَّ شاربُه ولم تنبتْ لحيتُه. قاله في "القاموس". ولو لشهوةٍ، وكذا مسّ امرأةٍ امرأةً، ولو لشهوةٍ، لعدمِ تناولِ النصِّ له. (ولا ينتقضُ وضوءُ الممسوسِ فرجُه، أو (٣) الملموسِ بدنُه، ولو وجَدَ شهوةً) يعني: لا ينتقضُ وضوءُ ممسوسٍ فرجُه، وإنْ وجدتْ منه شهوةٌ، ولا وضوءُ ملموسٍ بدنُه لشهوةٍ، وإن وجدتْ منه شهوةٌ. بل يختصُّ النقضُ بالماسِّ واللامسِ؛ لعدمِ تناولِ النصِّ لهما.

стр. 136

السادسُ: غَسلُ الميِّت أو بعضِهِ. والغاسلُ هو مَنْ يُقلِّبُ الميِّتَ ويُباشِرُه، لا مَنْ يصُبُّ الماءَ. السابعُ: أكلُ لحم الإبِلِ، ولا نقضَ أيضًا بانتشارٍ بفكرٍ، أو تكرارِ نظرٍ. (السادسُ) من نواقضِ الوضوءِ: (غسلُ الميتِ، أو بعضِه) مسلمًا كان أو كافرًا، صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى؛ لأنَّ ابنَ عمرَ وابنَ عباسٍ كانا يأمرانِ غاسلَ الميتِ بالوضوءِ (١). ولم يُعلمْ لهما مخالفٌ من الصَّحابةِ. ولأنَّ الغاسلَ لا يسلمُ غالبًا من مسِّ عورةِ الميتِ، فأقيمَ مقامَه، كالنومِ مع الحدثِ. ولو في قميصٍ. وهو: من يُقلِّبُه ويباشرُه، ولو مرَّةً، لا مَن يصبُّ الماءَ ونحوَه. وإليه أشارَ بقولِه: (والغاسلُ: هو مَنْ يقلِّبُ الميتَ ويباشِرُه، لا مَنْ يصبُّ الماءَ) ولا ينتقضُ وضوءُ مَنْ يمَّمَه. (السابعُ) من النواقضِ: (أكلُ لحمِ الإبلِ) علِمَه أو جهِلَه، نيئًا كان أو مطبوخًا، وسواءٌ عَلِمَ بالحديثِ الوراد فيه، أو لا؛ لحديثِ البراءِ بنِ عازبٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ: أنتوضأُ من لحومِ الإبلِ؟ قال: "نعمْ" قيل: أنتوضأ من لحومِ الغنمِ؟ قال: "لا". رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ (٢). قال الخطابيُّ (٣): ذهبَ إلى هذا عامةُ

стр. 137

ولو نَيئًا. فلا نقضَ ببقيَّةِ أجزائِها، كَكَبِدٍ، وقلبٍ، وطِحَالٍ، وكَرشٍ، وشَحمٍ، وكُليةٍ، ولسانٍ، ورأسٍ، وسَنَام، وكوا عَ، ومُصرانٍ، ومَرَقِ لحمٍ. ولا يحنثُ بذلِكَ مَنْ حَلَفَ: لا يأكلُ لحمًا. أصحابِ الحديثِ. ودعوى النسخِ، أو أنَّ المرادَ بالوضوءِ غسلُ اليدينِ، مردودٌ. و"إبل" بكسرتين، وتسكَّن الباءُ. قال في "القاموس": واحدٌ يقعُ على الجمعِ، وليس بجمعٍ، ولا اسمَ جمعٍ، وجمعُه: آبال. وقيل: الوضوءُ منه معلَّلٌ بأنَّها من الشياطينِ، إذْ كلُّ عاتٍ متمرِّدٍ شيطانٌ، فالكلبُ الأسودُ شيطانُ الكِلابِ. والإبلُ شياطينُ الأنعامِ، فالأكلُ منها يورِّثُ حالًا شيطانيةً، والشيطانُ يطفئُه باردُ الماءِ (١). (ولو نَيئًا. فلا نقضَ ببقيَّةِ أجزائِها) أي: الإبلِ (ككبدٍ، وقلبٍ، وطِحالٍ، وكرشٍ، وشحمِ، وكليةٍ، ولسانٍ، ورأسٍ، وسنامِ، وكوارعَ، ومُصرانٍ، ومرقِ لحمٍ) لأنَّ الأخَبارَ الصحيحةَ إنما وردتْ في اللَّحَمِ، والحكمُ فيه غيرُ معقولِ المعَنَى، فاقتصرَ فيه على موردِ النصِّ، فإنَّه أمرٌ تعبديٌّ، فلا يتعدَّى إلى غيرِه (ولا يحنثُ بذلك مَنْ حلفَ: لا يأكلُ لحمًا) أي: لا يحنثُ مَنْ حلفَ: لا يأكلُ لحمًا، فأكلَ من بقيةِ أجزائِها، وهو ما تقدَّمَ، فإنَّه لا يحنثُ، فإنه لا يُسمى لحمًا عندَ الإطلاقِ.

стр. 138

الثامن: الردَّة. وكلُّ ما أوجبَ الغُسلَ، أوجبَ الوضوءَ، غَيرَ الموتِ. (الثامنُ) من نواقضِ الوضوءِ: (الرِدَّةُ) لقولِه تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزُّمَر: ٦٥] وقولِه ﵇: "الطُّهورُ شطرُ الإيمانِ" (١). والردَّةُ تُبْطلُ الإيمانَ، فوجبَ أن تُبطلَ ما هو شطرُه. وقال القاضي: لا معنى لجعلِها من النواقضِ، مع وجوبِ الطهارةِ الكبرى -يعني: إذا عادَ إلى الإسلامِ- إذ وجوبُ الغسلِ ملازمٌ لوجوبِ الوضوءِ، كما ذكرَ بقولِه: (وكلُّ ما أوجبَ الغُسلَ، أوجبَ الوضوءَ، غيرَ الموتِ) كإسلامٍ، وانتقالِ منيٍّ، وحيضٍ، ونفاسٍ. وأما الميتُ فلا يجبُ وضوؤُه، بل يُسنَّ. وعُلِمَ مما سبقَ: أنه لا نقضَ بنحوِ كذبٍ، وغيبةٍ، ورَفَثٍ، وقذفٍ، نصًّا. ولا بقهقهةٍ، ولا بأكلٍ ممَّا مسَّتْهُ النارُ. لكن يُسنُّ الوضوءُ من كلامٍ محرَّمٍ، ومن مسَّ المرأةِ؛ حيثُ قلنا: لا يوجبُ الوضوءَ. وحديثُ الأمرِ بإعادةِ الوضوءِ والصَّلاةِ من القهقهةِ، ضعَّفه أحمدُ، وعبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، والدارقطنيُّ، وهو من مراسيلِ أبي العاليةِ. قال ابنُ سيرينَ: لا تأخذوا بمراسيلِ الحسنِ وأبي العاليةِ، فإنهما لا يباليانِ عَمَّنْ أخذا. والقهقهةُ: أن يضحكَ حتى يحصلَ من ضحكِه حرفان. ذكرَهُ ابنُ عقيلٍ. ولا نقضَ بإزالةِ شعير ونحوِه كظفرٍ؛ لأنَّه ليس بدلًا عمَّا تحتَه، بخلافِ الخفِّ. وقدْ تقدمَ.

стр. 139

فَصْلٌ من تيقَّن الطَّهارةَ وشَكَّ في الحدَثِ، (فصلٌ) في مسائلَ من الشكِّ في الطهارةِ، وما يحرمُ بحدثٍ (مَنْ تيقَّنَ الطهارةَ، وشكَّ في الحدثِ) اليقينُ: ما أذعنَتِ النفسُ للتصديقِ به، وقطعتْ به، وقطعتْ بأنَّ قطعَها صحيحٌ. والشكُّ: خلافُ اليقينِ. وعندَ الأصوليين: إنْ تساوى الاحتمالان، وإلا فالراجحُ ظنٌّ، والمرجوحُ وهمٌ. وقال في "الكشاف" (١): اليقينُ هو إتقانُ العلمِ بانتفاءِ الشكِّ والشبهةِ عنه. وقال البيضاويُّ (٢): هو إتقانُ العلمِ بنفيِ الشكِّ والشبهةِ عنه بالاستدلالِ. ولذلك لم يوصفْ به علمُ الباري، ولا العلومُ الضروريةُ. وقال الفخرُ الرازي (٣): هو العلمُ بالشيءِ بعدَ أنْ كان صاحبُه شاكًّا فيه. قال: ولهذا لا يُوصفُ اللهُ به. انتهى. لكَن يقتضي كلامُه: دخولَ الظنِّ في حدِّ اليقينِ؛ لانتفاءِ الشكِّ. قال ابنُ نصرِ اللهِ: في تسميةِ ما هنا يقينًا بعد ورودِ الشكِّ عليه، نظرٌ! نعمْ كان

стр. 140

أو تيقَّن الحدثَ وشكَّ في الطَّهارةِ، عَمِلَ بما تيقَّن. ويحرمُ على المُحدِثِ: الصلاةُ، يقينًا، ثم صارَ الآنَ شكًّا، فاعتبرتْ صفتُه السابقةُ، وقدِّمتْ على صفتِه اللاحقةِ (١) (أو تيقنَ الحدثَ، وشكَّ). أي: تردَّدَ. قال في "القاموس": الشكُّ خلافُ اليقينِ (في الطهارةِ، عملَ بما تيقَّنَ) لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، شُكِي إلى النبيِّ ﷺ : الرجلُ يُخيَّلُ إليه أنَّه يجدُ الشيءَ في الصَّلاةِ؟ فقال: "لا ينصرفُ حتى يسمعَ صوتًا، أو يجدَ ريحًا". متفقٌ عليه (٢). ولمسلمٍ معناه مرفوعًا من حديثِ أبي هريرةَ، ولم يذكرْ فيه: "وهو في الصَّلاة" (٣). ولأنه تعارضَ عنده الأمرانِ بالشكِّ، فوجبَ سقوطُهما، كبيِّنَتَين تعارضَتَا، فيرجعُ إلى اليقينِ، سواءٌ غلبَ على ظنِّه أحدُهما، أو لا؛ لأنَّ غلبةَ الظنِّ إذا لم يكنْ لها ضابطٌ في الشرعِ، لم يُلتفتْ إليها، كظنِّ صدقِ أحدِ المتداعيين، بخلافِ القِبلةِ. فعُلِمَ من هذا: أنَّه في الصورةِ الأولى باقٍ على طهارتِه؛ لأنَّه متيقنٌ الطهارةَ. وفي الصورةِ الثانيةِ فهو محدثٌ؛ لأنَّه متيقنٌ الحدثَ، والطهارةُ مشكوكٌ فيها، فعمِلَ باليقينِ. (ويحرمُ على المحدثِ: الصَّلاةُ) حدثًا أكبرَ أو أصغرَ، مع قدرةٍ على طهارةِ صلاةٍ، لحديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: "لا يقبلُ اللهُ صلاةً بغيرِ طُهُورٍ، ولا صدقةً من غُلُولٍ". رواه الجماعةُ إلا البخاريَّ (٤).

стр. 141

والطَّواف، ومَسُّ المُصحَفِ وسواءٌ الفرضُ (١) والنفلُ، وسجودُ التلاوةِ والشكرِ، وصلاةُ الجنازةِ. ولا يكفرُ مَنْ صلَّى محدِثًا. وحكى النوويُّ وابنُ حزمٍ عن بعضِ العلماءِ: جوازَ الصَّلاةِ على الجنازةِ بغيرِ وضوءٍ، ولا تيمُّمٍ. وقال المصنِّفُ في متنِ "غاية المنتهى" (٢): يحرُمُ بحدثٍ صلاةٌ، حيثُ لا عذرَ، ولا كفر (٣). (و) يحرُمُ (الطوافُ) فرضًا كان أو نفلًا؛ لقولِه ﵇: "الطوافُ بالبيتِ صلاةٌ، إلا أنَّ اللهَ أباحَ فيه الكلامَ". رواه الشافعيُّ (٤). (و) يحرُمُ (مسُّ المصحفِ) وبعضِه، ولو من صغيرٍ، لقولِه تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقِعَة: ٧٩] ولحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ حزمٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه: أنَّ النبيَّ ﷺ كتبَ إلى أهلِ اليمنِ كتابًا وفيه: "ولا يمسُّ القرآنَ إلا طاهرٌ". رواه الأثرمُ، والنسائيُّ والدارقطنيُّ (٥). واحتجَّ به أحمدُ.

стр. 142

ببشَرتِه بلا حَائلٍ. ويزيدُ من عَليهِ غُسلٌ بقِراءةِ القُرآنِ، حتى جلدَهُ، وحواشِيهِ، وما فيه من ورقٍ أبيضَ؛ لأنَّه يشملُه اسمُ المصحفِ، ويدخلُ في بيعِه. (ببثسَرَتِه) أي: ببدنِه (بلا حائلٍ) فإن كان بحائلٍ، لم يحرمْ. والمرادُ بالحائلِ: الذي لا يتبعُه في البيعِ، أما الحائلُ الذي يتبعُه فيه؛ كجلدٍ، وورقٍ أبيضَ متصلٍ به، فإنَّه لا يجوزُ مسُّه. لا حملُه بعِلاقَةٍ، وفي كيسٍ، وصندوقٍ. (ويزيدُ) على ذلك (مَنْ عليه غسلٌ بقراءةِ القرآنِ)، ولو آيةً؛ لما روَى عليٌّ رضي الله تعالى عنه، أنَّه ﷺ لمْ يكنْ يحجبُه -أو لا يحجزُه- عن قراءةِ القرآنِ شيءٌ ليس الجنابةُ. رواه ابنُ خزيمةَ، والحاكمُ والدارقطنيُّ (١) وصحَّحاه. ولا يُمنعُ من بعضِها، ولو كرَّرَ قراءةَ البعضِ، ما لم يتحيَّلْ على قراءةٍ تحرمُ؛ كقراءةِ آيةٍ فأكثرَ؛ لما يأتي: أنَّ الحيلَ غيرُ جائزةٍ في شيءٍ من أمورِ الدينِ. وللجنبِ تهجِّيه؛ لأنَّه ليس بقراءةٍ. وتبطلُ الصَّلاةُ به، لخروجِه عن نظمِه وإعجازِه. قال المنقِّحُ (٢): ويمتنعُ عليه قراءةُ بعضِ آيةٍ طويلةٍ، كآيةِ الدَّينِ. وله قراءةُ ما وافقَ قرآنًا من الأذكارِ، ولم يقصدْه. أي: القرآنَ. كالبسملةِ،

стр. 143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وآيةِ الاسترجاعِ والركوبِ. فإنْ قصدَه، حرُمَ، وكذا لو قرأَ ما لا يوافقُ ذكرًا، ولم يقصدْه. وله النظرُ في المصحفِ، وله الذكرُ؛ لحديثِ مسلمٍ (١) عن عائشةَ ﵂: كان النبيَّ ﷺ يذكر اللهَ على كلِّ أحيانِه. ولا يحرُمُ مسُّ تفسيرٍ ونحوِه، ككتبٍ ورسائلَ فيها آياتٌ من القرآنِ. وكذا المأثورُ عن اللهِ تعالى، والتوراةُ والإنجيلُ. ولا يحرُمُ حملُ رُقىً وتعاويذَ، وحملُ دراهمَ فيها قرآنٌ، وثوبٌ رُقِمَ فيه قرآنٌ. ولا يحرُمُ مسُّ صغيرٍ لوحًا فيه قرآنٌ، فلا يحرُمُ مسُّ اللَّوحِ من المحلِّ الخالي من الكتابةِ؛ للمشقَّةِ. ويحرُمُ مخالفةُ خطِّ عثمانَ بنِ عفَّانَ رضي اللهُ تعالى عنه، في رسمِ واوٍ، وياءٍ، وألفٍ، وغيرِ ذلك، كمدِّ التاءِ، وربطِها، نصًّا؛ لقولِه ﵇: "عليكم بسنتي وسنةِ الخلفاءِ بعدي". الحديث (٢). ويُكره مدُّ الرِّجلين إلى جهةِ المصحفِ، واستدباره (٣)، وتخطِّيه، ورميُه إلى الأرضِ بلا وضعٍ، ولا حاجةٍ. وجعلُه عندَ القبرِ منهيٌّ عنه، ولو جُعِلَ للقراءةِ هناك. ويحرُمُ السفرُ به إلى دارِ الحربِ. وتُكره تحليتُه بذهبٍ أو فضةٍ، ويحرُمُ في كتبِ علمٍ أنْ تحلَّى؛ لتضييقِ النقدين.

стр. 144

واللُّبثِ في المسجدِ بلا وُضوءٍ. ويُباحُ تطيبُه، وجعلُه على كرسيٍّ. ويُباحُ أنْ يُجعل في كيسٍ حريرٍ. وقال ابنُ الزَّاغوني: يحرمُ كتبُه بذهبٍ؛ لأنَّه من زخرفةِ المصاحفِ. ويؤمرُ بحكِّه. وإنْ (١) كان يجتمعُ منه ما يُتموَّلُ، زكَّاه (٢). ويُباحُ استفتاحُ الفألِ فيه، فعلَه أبو عبدِ اللهِ عبيدُ اللهِ بنُ بطةَ. ويُباحُ تقبيلُه. وقال شيخُ الإسلامِ تقي الدين ابن تيمية: إذا اعتادَ الناسُ قيامَ بعضِهم لبعضٍ، فقيامُهم لكتابِ اللهِ أحقُّ؛ إجلالًا وتعظيمًا. قال ابنُ الجوزيِّ: إنَّ تركَ القيامِ كان في أولِ الأمرِ، ثمَّ لما كان تركُ القيامِ كالإهوان بالشخصِ، استحبَّ لمَنْ يصلحُ له القيامُ. ويباحُ كتابةُ آيتينِ إلى الكفارِ، وتضمينُه الشعر؛ لصحةِ القصدِ، وسلامةِ الوضعِ. وأما تضمينُه لغيرِ ذلك، فظاهرُ كلامِ ابنِ القيمِ: التحريمُ، كما يحرُمُ جعلُ القرآنِ بدلًا من الكلامِ. ويجوزُ التسميةُ في الرسائلِ والحجج (٣). (و) يحرُمُ (اللبثُ في المسجدِ بلا وضوءٍ) أي: لا يجوزُ لجنبٍ، وحائضٍ ونفساءَ انقطعَ دمُهما، لبثٌ فيه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النِّساء: ٤٣] وهو الطريقُ. وعن جابرٍ: كان أحدُنا يمرُّ (٤) في المسجدِ جنبًا مُجتازًا. رواه سعيدُ بنُ منصورٍ (٥). وسواءٌ كان لحاجةٍ أو لا. ومن الحاجةِ كونُه طريقًا قصيرًا، لكنْ كرِهَ أحمدُ اتخاذَه طريقًا.

стр. 145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإن توضَّؤوا، جازَ لهم اللُّبثُ فيه، لما روى سعيدُ بنُ منصورٍ، والأثرمُ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ قال: رأيتُ رجالًا من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، يجلسون في المسجدِ وهم مجنبون إذا توضئوا وضوءَ الصَّلاةِ. إسنادُه صحيحٌ. قاله في "المبدع" (١). قال الشيخ تقيُّ الدينِ: وحينئذٍ فيجوزُ أن ينامَ في المسجدِ، حيثُ ينامُ غيرُه. فإن تعذرَ الوضوءُ على الجنبِ، واحتيجَ للبثِ في المسجدِ ابتداءً، أو دوامًا؛ لحبسٍ، أو خوفٍ على نفسِه أو مالِه، ونحوِه، جازَ له اللُّبثُ بلا تيمُّمٍ، نصًّا. وتيمَّمَ جنبٌ ونحوُه للبثٍ لغُسلٍ فيه، إذا تعذرَ عليه الوضوءُ والغسلُ عاجلًا، وإنْ لمْ يحتجْ للبثٍ، خلافًا لابنِ قندس؛ لأنَّه إذا احتاجَ إليه، جازَ بلا تيمُّمٍ، نصًّا. والأوْلى أن يتيمَّمَ. ولا يُكره غُسلٌ في المسجدِ، ولا وضوءٌ فيه، ما لم يوذِ بهما. أي: بماءِ الغسلِ والوضوءِ. ومصلَّى العيدِ، لا مصلَّى جنائزَ، مسجدٌ. وأما صلاةُ الجنائزِ فليستْ ذاتَ ركوعٍ ولا سجودٍ، بخلافِ العيدِ. ويُمنعُ منه مجنونٌ وسكرانُ، ومَنْ عليه نجاسةٌ تتعدَّى. ويُكره تمكينُ صغيرٍ. قال في "الآداب" (٢): والمرادُ: صغيرٌ لا يميزُ لغيرِ فائدةٍ. وقال: يُباحُ غَلقُ أبوابِه؛ لئلا يدخلَه مَنْ يُكره دخولُه إليه، نصَّ عليه.
следующие страницы →