← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 803

شرح دليل الطالب - عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

Полный текст (1 686 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والطَّواف، ومَسُّ المُصحَفِ وسواءٌ الفرضُ (١) والنفلُ، وسجودُ التلاوةِ والشكرِ، وصلاةُ الجنازةِ. ولا يكفرُ مَنْ صلَّى محدِثًا. وحكى النوويُّ وابنُ حزمٍ عن بعضِ العلماءِ: جوازَ الصَّلاةِ على الجنازةِ بغيرِ وضوءٍ، ولا تيمُّمٍ. وقال المصنِّفُ في متنِ "غاية المنتهى" (٢): يحرُمُ بحدثٍ صلاةٌ، حيثُ لا عذرَ، ولا كفر (٣). (و) يحرُمُ (الطوافُ) فرضًا كان أو نفلًا؛ لقولِه ﵇: "الطوافُ بالبيتِ صلاةٌ، إلا أنَّ اللهَ أباحَ فيه الكلامَ". رواه الشافعيُّ (٤). (و) يحرُمُ (مسُّ المصحفِ) وبعضِه، ولو من صغيرٍ، لقولِه تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقِعَة: ٧٩] ولحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ حزمٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه: أنَّ النبيَّ ﷺ كتبَ إلى أهلِ اليمنِ كتابًا وفيه: "ولا يمسُّ القرآنَ إلا طاهرٌ". رواه الأثرمُ، والنسائيُّ والدارقطنيُّ (٥). واحتجَّ به أحمدُ.

стр. 142

ببشَرتِه بلا حَائلٍ. ويزيدُ من عَليهِ غُسلٌ بقِراءةِ القُرآنِ، حتى جلدَهُ، وحواشِيهِ، وما فيه من ورقٍ أبيضَ؛ لأنَّه يشملُه اسمُ المصحفِ، ويدخلُ في بيعِه. (ببثسَرَتِه) أي: ببدنِه (بلا حائلٍ) فإن كان بحائلٍ، لم يحرمْ. والمرادُ بالحائلِ: الذي لا يتبعُه في البيعِ، أما الحائلُ الذي يتبعُه فيه؛ كجلدٍ، وورقٍ أبيضَ متصلٍ به، فإنَّه لا يجوزُ مسُّه. لا حملُه بعِلاقَةٍ، وفي كيسٍ، وصندوقٍ. (ويزيدُ) على ذلك (مَنْ عليه غسلٌ بقراءةِ القرآنِ)، ولو آيةً؛ لما روَى عليٌّ رضي الله تعالى عنه، أنَّه ﷺ لمْ يكنْ يحجبُه -أو لا يحجزُه- عن قراءةِ القرآنِ شيءٌ ليس الجنابةُ. رواه ابنُ خزيمةَ، والحاكمُ والدارقطنيُّ (١) وصحَّحاه. ولا يُمنعُ من بعضِها، ولو كرَّرَ قراءةَ البعضِ، ما لم يتحيَّلْ على قراءةٍ تحرمُ؛ كقراءةِ آيةٍ فأكثرَ؛ لما يأتي: أنَّ الحيلَ غيرُ جائزةٍ في شيءٍ من أمورِ الدينِ. وللجنبِ تهجِّيه؛ لأنَّه ليس بقراءةٍ. وتبطلُ الصَّلاةُ به، لخروجِه عن نظمِه وإعجازِه. قال المنقِّحُ (٢): ويمتنعُ عليه قراءةُ بعضِ آيةٍ طويلةٍ، كآيةِ الدَّينِ. وله قراءةُ ما وافقَ قرآنًا من الأذكارِ، ولم يقصدْه. أي: القرآنَ. كالبسملةِ،

стр. 143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وآيةِ الاسترجاعِ والركوبِ. فإنْ قصدَه، حرُمَ، وكذا لو قرأَ ما لا يوافقُ ذكرًا، ولم يقصدْه. وله النظرُ في المصحفِ، وله الذكرُ؛ لحديثِ مسلمٍ (١) عن عائشةَ ﵂: كان النبيَّ ﷺ يذكر اللهَ على كلِّ أحيانِه. ولا يحرُمُ مسُّ تفسيرٍ ونحوِه، ككتبٍ ورسائلَ فيها آياتٌ من القرآنِ. وكذا المأثورُ عن اللهِ تعالى، والتوراةُ والإنجيلُ. ولا يحرُمُ حملُ رُقىً وتعاويذَ، وحملُ دراهمَ فيها قرآنٌ، وثوبٌ رُقِمَ فيه قرآنٌ. ولا يحرُمُ مسُّ صغيرٍ لوحًا فيه قرآنٌ، فلا يحرُمُ مسُّ اللَّوحِ من المحلِّ الخالي من الكتابةِ؛ للمشقَّةِ. ويحرُمُ مخالفةُ خطِّ عثمانَ بنِ عفَّانَ رضي اللهُ تعالى عنه، في رسمِ واوٍ، وياءٍ، وألفٍ، وغيرِ ذلك، كمدِّ التاءِ، وربطِها، نصًّا؛ لقولِه ﵇: "عليكم بسنتي وسنةِ الخلفاءِ بعدي". الحديث (٢). ويُكره مدُّ الرِّجلين إلى جهةِ المصحفِ، واستدباره (٣)، وتخطِّيه، ورميُه إلى الأرضِ بلا وضعٍ، ولا حاجةٍ. وجعلُه عندَ القبرِ منهيٌّ عنه، ولو جُعِلَ للقراءةِ هناك. ويحرُمُ السفرُ به إلى دارِ الحربِ. وتُكره تحليتُه بذهبٍ أو فضةٍ، ويحرُمُ في كتبِ علمٍ أنْ تحلَّى؛ لتضييقِ النقدين.

стр. 144

واللُّبثِ في المسجدِ بلا وُضوءٍ. ويُباحُ تطيبُه، وجعلُه على كرسيٍّ. ويُباحُ أنْ يُجعل في كيسٍ حريرٍ. وقال ابنُ الزَّاغوني: يحرمُ كتبُه بذهبٍ؛ لأنَّه من زخرفةِ المصاحفِ. ويؤمرُ بحكِّه. وإنْ (١) كان يجتمعُ منه ما يُتموَّلُ، زكَّاه (٢). ويُباحُ استفتاحُ الفألِ فيه، فعلَه أبو عبدِ اللهِ عبيدُ اللهِ بنُ بطةَ. ويُباحُ تقبيلُه. وقال شيخُ الإسلامِ تقي الدين ابن تيمية: إذا اعتادَ الناسُ قيامَ بعضِهم لبعضٍ، فقيامُهم لكتابِ اللهِ أحقُّ؛ إجلالًا وتعظيمًا. قال ابنُ الجوزيِّ: إنَّ تركَ القيامِ كان في أولِ الأمرِ، ثمَّ لما كان تركُ القيامِ كالإهوان بالشخصِ، استحبَّ لمَنْ يصلحُ له القيامُ. ويباحُ كتابةُ آيتينِ إلى الكفارِ، وتضمينُه الشعر؛ لصحةِ القصدِ، وسلامةِ الوضعِ. وأما تضمينُه لغيرِ ذلك، فظاهرُ كلامِ ابنِ القيمِ: التحريمُ، كما يحرُمُ جعلُ القرآنِ بدلًا من الكلامِ. ويجوزُ التسميةُ في الرسائلِ والحجج (٣). (و) يحرُمُ (اللبثُ في المسجدِ بلا وضوءٍ) أي: لا يجوزُ لجنبٍ، وحائضٍ ونفساءَ انقطعَ دمُهما، لبثٌ فيه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النِّساء: ٤٣] وهو الطريقُ. وعن جابرٍ: كان أحدُنا يمرُّ (٤) في المسجدِ جنبًا مُجتازًا. رواه سعيدُ بنُ منصورٍ (٥). وسواءٌ كان لحاجةٍ أو لا. ومن الحاجةِ كونُه طريقًا قصيرًا، لكنْ كرِهَ أحمدُ اتخاذَه طريقًا.

стр. 145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإن توضَّؤوا، جازَ لهم اللُّبثُ فيه، لما روى سعيدُ بنُ منصورٍ، والأثرمُ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ قال: رأيتُ رجالًا من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، يجلسون في المسجدِ وهم مجنبون إذا توضئوا وضوءَ الصَّلاةِ. إسنادُه صحيحٌ. قاله في "المبدع" (١). قال الشيخ تقيُّ الدينِ: وحينئذٍ فيجوزُ أن ينامَ في المسجدِ، حيثُ ينامُ غيرُه. فإن تعذرَ الوضوءُ على الجنبِ، واحتيجَ للبثِ في المسجدِ ابتداءً، أو دوامًا؛ لحبسٍ، أو خوفٍ على نفسِه أو مالِه، ونحوِه، جازَ له اللُّبثُ بلا تيمُّمٍ، نصًّا. وتيمَّمَ جنبٌ ونحوُه للبثٍ لغُسلٍ فيه، إذا تعذرَ عليه الوضوءُ والغسلُ عاجلًا، وإنْ لمْ يحتجْ للبثٍ، خلافًا لابنِ قندس؛ لأنَّه إذا احتاجَ إليه، جازَ بلا تيمُّمٍ، نصًّا. والأوْلى أن يتيمَّمَ. ولا يُكره غُسلٌ في المسجدِ، ولا وضوءٌ فيه، ما لم يوذِ بهما. أي: بماءِ الغسلِ والوضوءِ. ومصلَّى العيدِ، لا مصلَّى جنائزَ، مسجدٌ. وأما صلاةُ الجنائزِ فليستْ ذاتَ ركوعٍ ولا سجودٍ، بخلافِ العيدِ. ويُمنعُ منه مجنونٌ وسكرانُ، ومَنْ عليه نجاسةٌ تتعدَّى. ويُكره تمكينُ صغيرٍ. قال في "الآداب" (٢): والمرادُ: صغيرٌ لا يميزُ لغيرِ فائدةٍ. وقال: يُباحُ غَلقُ أبوابِه؛ لئلا يدخلَه مَنْ يُكره دخولُه إليه، نصَّ عليه.

стр. 146

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ويحرُمُ تكسُّبٌ بصنعةٍ فيه؛ لأنَّه لم يُبْنَ لذلك. واستثنى بعضُهم الكتابةَ؛ لأنَّها نوعُ تحصيل لعلمٍ. ويحرُمُ فيه أيضًا البيعُ والشراءُ، ولا يصِحَّانِ. وإنْ عمِلَ لنفسِه نحوَ خياطةٍ، لا لتكسُّبٍ، فاختارَ الموفقُ وغيرُه: الجوازَ. وقال ابنُ البَنَّا: لا يجوزُ. * * *

стр. 147

بابُ ما يوجبُ الغُسْلَ وهو سَبَعةٌ: أحدُهما: انتِقالُ المنيِّ. (بابُ ما يوجبُ الغُسلَ) بالضم: الاغتسالُ. والماءُ يُغْتسلُ به. وبالفتحِ: مصدرُ غَسَلَ. وبالكسرِ: ما يُغْسلُ به الرأسُ من خِطميِّ وغيرِه. وهو في اللغةِ: عبارةٌ عن سيلانِ الماءِ على الشيءِ مطلقًا. وشرعًا: استعمالُ ماءٍ طهورٍ مباحٍ في جميعِ بدنِه على وجهٍ مخصوصٍ يأتي بيانُه. والأصلُ في مشروعيتِه: قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المَائدة: ٦]. وسُمِّيَ جنبًا، لنهيه أن يقربَ مواضعَ الصَّلاةِ، أو لمجانبتِه الناسَ حتى يتطهر، أو لأنَّ الماءَ جانبَ محلَّه. ويطلقُ على الواحدِ فما فوقَه جُنُبٌ. وقد يقالُ: جُنُبانِ، وجُنبون. (وهو) أي: الذي يوجبُ الغسلَ باعتبارِ أنواعِه (سبعة) أيها (١) وُجِدَ كان سببًا لوجوبهِ: (أحدُها) أي: الأولُ: (انتقالُ المنيِّ) فيجبُ الغسلُ بمجردِ إحساسِ الرَّجلِ بانتقالِ منيِّهِ عن صُلْبِه، والمرأةِ بانتقالِهِ عن ترائِبها؛ لأنَّ الجنابةَ تباعدُ الماءِ عن

стр. 148

فلو أحسَّ بانتقالِه فحَبسَه، فلم يخرُج، وجبَ الغُسْلُ. فلو اغتسَل له، ثمَّ خرجَ بلا لذَّةٍ، لم يُعِدِ الغُسْلَ. الثاني: خُروجُه من مَخرجِه ولو دمًا. مواضعِه، وقد وُجِدَ ذلك. ولأنَّ الغُسلَ يُراعى فيه الشهوةُ، وقد وُجدتْ بانتقالِهِ. والمنيُّ: بتشديد الياء. وحُكي عن ابنِ الأعرابيِّ: تخفيفُه. وسُمىَ بذلك؛ لأنَّه يَمني. أي: يَصُبُّ. والمنيُّ: ماءٌ غليظٌ، يخرجُ عند اشتدادِ الشهوةِ. ومنيُّ المراُةِ أصفرُ رقيقٌ. (فلو أحسَّ بانتقالِه فحبسَه، فلم يخرجْ، وجبَ الغُسلُ) لأنَّ الجنابةَ أصلُها البُعدُ، لقولِه تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النِّساء: ٣٦] أي: البعيدُ. ومع الانتقالِ قد باعدَ الماء (١) محلَّه، فصدقَ عليه اسمُ الجنبِ. وأنكرَ أحمدُ أن يكونَ الماءُ يرجعُ (٢). (فلو اغتسلَ له، ثُمَّ خرجَ بلا لذَّةٍ، لم يُعدِ الغُسلَ) لأنَّ الوجوبَ تعلَّقَ بالانتقالِ، أو الإحساسِ، وقدْ اغتسلَ له، فلم يجبْ عليه غُسلٌ ثان (٣)، كبقيَّةِ منيٍّ خرجتْ بعدَ الغسلِ، وليس عليه إلا الوضوءُ، بالَ أو لم يَبُلْ. وقولُه: "بلا لذةٍ" فإنْ خرجَ بلذةٍ، وجبَ إعادته. (الثاني) أي: من موجباتِ الغسلِ: (خروجُه من مخرجِه) المعتادِ (ولو) كان (دمًا) وهو أن يكونَ لونُه أحمرَ. والمخرجُ: ذكَرُ الرَّجلِ، وفرجُ المرأةِ، وقُبُلي الخُنثى المشكَّلِ.

стр. 149

ويشرَط أن يكونَ بلذَّةٍ، واحترزَ بخروجِه من مخرجِه: عما لو ضربَ على صلبِه، أو نحوِه، فخرجَ المنيُّ منه، أو استدخلتْ المرأةُ في فرجِها منيَّ الرَّجلِ بقُطنةٍ، فلا غسلَ بذلك. وكذا لو وطئَ دونَ الفرجِ فدبَّ ماؤُه لفرجِها، أو دبَّ منيُّ امرأةٍ بفرجِ أخرَى؛ لتساحقهما، ثمَّ خرجَ، فلا غسلَ عليها بدونِ إنزالِها. قال الشيخُ منصورٌ في "حاشيته" (١) من عدِّ المصنِّفِ الخروجَ بعد الانتقالِ موجبًا: فيه نظرٌ واضحٌ؛ إذ الغسلُ وجبَ بالانتقالِ، لا بالخروجِ، على المذهبِ. وهذه الطريقةُ في عدِّ الموجباتِ، انفردَ بها المصنِّفُ عن الأصحابِ، فإنَّهم عدُّوها ستةً، أو سبعةً بالولادةِ، على أحدِ القولينِ: خروجُ المنيِّ. وفي أثناءِ الكلامِ عليه بينوا أن الموجبَ هو الانتقالُ، حتى لو انتقلَ، ولم يخرجْ، وجبَ الغسلُ. وقد تقدمتِ الإشارةُ إليه. وظاهرُ كلامِهم: طهارتُه (٢)، حيثُ أطلقوا أنَّ المنيَّ طاهرٌ، وهذا منيٌّ؛ لوجوبِ (٣) الغُسل بِخروجِه (٤). "فائدةٌ": المنيُّ يُخلقُ منه الحيوانُ، لخروجِه من جميعِ البدنِ، وينقصُ به جزءٌ منه، ولهذا يُضعفُ بكثرتِه، فجُبِرَ بالغُسلِ (٥). (ويشترطُ أن يكونَ بلذةٍ) أي: يعتبرُ وجودُها. فإنْ خرجَ بغيرِ لذةٍ، كمرضٍ أو

стр. 150

ما لم يكنْ نائمًا، ونحوَه. بردٍ أو كسرِ ظهرٍ، لم يجبِ الغسلُ (ما لمْ يكنْ نائمًا، ونحوَه) كمغمًى عليه، وسكرانَ، ومجنونٍ، فإنه لا تُعتبرُ اللَّذةُ في هذه الحالةِ، فيجبُ الغسلُ. ويلزمُ من وجودِ اللذةِ أن يكونَ دَفْقًا، فلهذا استغنينا عن ذكرِ الدَّفقِ باللَّذةِ. فلو خرجَ المنيُّ من غير (١) مخرجِه، أو من يقظانَ لغيرِ لذةٍ، لم يجبِ الغسلُ، وهو نجسٌ، كما في "الرعاية". وإن انتبه بالغٌ، أو مَنْ يمكنُ بلوغُه كابنِ عشرٍ، وبنتِ تسعٍ، من نومٍ ونحوِه، ووجدَ بللًا ببدنِه أو ثويه، وجَهِلَ كونَه منيًّا، بلا سببٍ تقدَّمَ نومَه من بردٍ، أو نظرٍ، أو فكرٍ، أو ملاعبةٍ، أو انتشارٍ، وجبَ الغسلُ، كتيقنّه منيًّا، وغسلُ ما أصابَه من بدنٍ وثوبٍ، احتياطًا. قال في "المبدع": ولا يجبُ (٢). وإنْ تقدَّمَ نومَه سببٌ من بردٍ، أو نظرٍ، أو فكرٍ، أو ملاعبةٍ، أو انتشارٍ، لم يجبِ الغسلُ؛ لعدمِ تيقنِ الحدثِ، والأصلُ: بقاءُ الطهارةِ. قال الشيخُ منصورٌ في "شرحِه" (٣): قلتُ: والظاهرُ: وجوبُ غسلِ ما أصابَه من ثوبٍ أو بدنٍ، لرجحانِ كونِه مذيًا، بقيامِ سببِه إقامةَ الظنِّ مقامَ اليقينِ، كما لو وجدَ في نومِه حلمًا، فإنَّا نوجبُ الغسلَ؛ لرجحانِ كونِه منيًا (٤)؛ لقيامِ سببِه. وقال الشريفُ أبو جعفرٍ: لا يجسبُ غسلُ الثوبِ ولا البدنِ جميعًا؛ لترددِ الأمر فيهما. نقلَه عنه ابنُ رجبٍ في ترجمتِه في "الطبقاتِ"، وقال: هذه المسألةُ تشْبِهُ مسألةَ الرَّجلينِ

стр. 151

الثالثُ: تَغييبُ الحشَفَةِ إذا وجدا على فراشِهما منيًّا، ولم يعلما مَنْ خرجَ منه. ثم قالَ: لكنْ ليسَ له أن يصلِّيَ بحالِه في الثوبِ؛ لأنَّا نتيقنُ بذلك حصولَ المفسدِ لصلاتِه؛ وهو إمَّا الجنابةُ، وإمَّا النجاسةُ. أو تيقَّنَه: أي: البللَ، مذيًا. لم يجبْ غسلٌ، بل يغسلُ ما أصابَهُ وجوبًا. ولا يجبُ الغسلُ بحلمٍ بلا بللٍ، فإن انتبَه مَنْ احتلمَ، ثمَّ خرجَ المنيُّ، وجبَ الغسلُ من حينِ الاحتلامِ. وإنْ وجدَ منيًّا في ثوبٍ لا ينام فيه غيرُه: قال أبو المعالي والأزْجيُّ: لا بظاهرِه؛ لجوازِه من غيرِه. قال في "الإنصاف": وهو الصحيحُ، وهو مرادُ الأصحابِ فيما يظهرُ. فعليه الغسلُ، لوجودِ موجبِه. وإعادةُ المتيقنِ من الصَّلاةِ، وهو -أي (١): المنيُّ- فيه، أي: في الثوبِ. وإن كان ينامُ هو وغيرُه في الثوبِ، ووجدَ به المنيَّ، وكانا من أهلِ الاحتلامِ، فلا غسلَ عليهما؛ لأنَّ كلًّا منهما متيقنٌ الطَّهارةَ، شاكٌّ في الحدثِ. فائدةٌ: قال في "الهدي" نقلًا عن ابنِ ماسويه: مَنْ احتلمَ فلمْ يغتسلْ حتى وطئَ أهلَه، فولدتْ مجنونًا، أو مختلًّا، فلا يلومَنَّ إلا نفسَه (٢). (الثالثُ) من موجباتِ الغسلِ: (تغييبُ الحشفةِ) الأصليةِ، فلا غسلَ بتغييبِ حشفةٍ، زائدةٍ، أو من خنثى مشكل، لاحتمالِ الزيادةِ. أي: إدخالُها فيه، لقولِه ﵇: "إذا جلسَ بينَ شُعَبِها الأربعِ، ثمَّ جهَدَها، فقد وجبَ الغسلُ" (٣).

стр. 152

كلِّها، أو قَدرِها -بلا حائلٍ- في فَرجٍ، ولو دُبُرًا لميتٍ، أو بهيمةٍ أو طَيرٍ. واحترزَ بالتغييبِ: عما لو مسَّ الذكرُ الفرجَ من غيرِ إيلاجٍ، أو وطِئَ دونَ الفَرجِ، أو تساحقَ امرأتان أو مجنونان من غيرِ إنزالٍ، فإنَّه لا غسلَ عليهم. وعما لو غيَّبَ بعضَ الحشفةِ. أو قُطعَ الذكرُ، وكان الباقي دون الحشفةِ، فعنه: لا غسلَ عليه أيضًا بدون إنزالٍ. والمرادُ: تغييبُ الحشفةِ المتصلةِ، فلا غسلَ بتغييبِ المقطوعةِ في الفرجِ. واحترزَ بتغيبِها في الفرجِ: عمَّا لو غيبَها في ثقبٍ فوقَ المعدةِ، أو تحتها، سواءٌ كان الفرجُ مسدودًا أو مفتوحًا، فلا غسلَ عليه، ما لم ينزلْ. انتهى. (كلِّها أو قدرِها) أي: الحشفةِ من مَقطوعِها. (بلا حائلٍ) لانتفاءِ التقاءِ الختانين مع الحائلِ؛ لأنَّه هو الملاقي للختانِ (في فرجٍ) أصليٍّ. متعلًّقٌ بـ"تغييب"، فلا غسلَ بتغييبِ حشفةٍ أصليةٍ في قُبُلٍ زائدٍ، أو قبلِ خنثى مشكلٍ؛ لاحتمالِ زيادتِه، (ولو) كان الفرجُ الأصليُّ (دبرًا)؛ لأنَّه فرجٌ أصليٌّ، أو كان الفرجُ الأصليُّ (لميِّتٍ) لعمومِ الخبرِ، (أو) كان لـ (بهيمةٍ) حتى سمكةٍ. قاله في "التعليق"؛ لأنَّه فرجٌ أصليٌّ أشبَه الآدميةَ. وطيرٍ حيٍّ أو ميتٍ، وأشارَ إليه (١) المصنِّفُ بقولِهِ: (أو طيرٍ) لعمومِ ما سبقَ. ولو لمْ يجدْ حرارةً، خلافًا لأبي حنيفةَ. ولو كان ذو الحشفةِ الأصليةِ مجنونًا، أو نائمًا، أو مغمًى عليه؛ بأن (٢) أدخلتْها في فرجِها، فيجبُ الغسلُ على النائمِ والمجنونِ والمغمى عليه، كهي. أي: كما يجبُ على المجامَعَةِ؛ لأنَّ موجبَ الطهارةِ لا يشترطُ فيه القصدُ، كسَبقِ الحدَثِ.

стр. 153

لكن لا يجبُ الغُسلُ إلَّا على ابنِ عَشرٍ وبنتِ تِسعٍ. وإن استدخلتْها، أي: الحشفةَ من ميتٍ، أو من بهيمةٍ، وجبَ عليها الغسلُ دون الميتِ، فلا يُعادُ غسلُه. ولا فرقَ فيما تقدمَ بينَ العالمِ والجاهلِ (لكن لا يجبُ الغسل (١) إلا على ابنِ عشرٍ وبنت تسعٍ) قال الإمامُ: يجبُ على الصغيرِ إذا وطئَ، والصغيرةِ إذا وُطِئَتْ. فيلزمُه غُسلٌ ووضوءٌ إذا أرادَ ما يتوقفُ على غسلٍ فقط، كقراءةِ القرآنِ، أو على وضوءٍ، كصلاةٍ، وطوافٍ، ومسِّ مصحفٍ. وليس معنى وجوبِ الغسلِ أو الوضوءِ في حقِّ الصغيرِ: التأثيم (٢) بتركِه؛ لأنَّه غيرُ مكلَّفٍ. بل معناه: أنه شرطٌ لصحةِ الصَّلاةِ أو الطوافِ، أو لإباحةِ مسِّ المصحفِ، أو قراءةِ القرآنِ (٣). "فوائدٌ": الأولى: مما يتعلقُ بتغييبِ الحشفةِ من الأحكامِ أربعمائةِ حكمٍ إلا ثمانيةً: وجوبُ العدَّةِ، والحدِّ، والغسلِ، وتكميلِ المهرِ، وإحصانِ الزوجينِ، وحِلُّها لمطلِّقِها ثلاثًا، ولحوقُ النسبِ، وزوالُ العِنَّةِ، وإفسادُ الصومِ والحجِّ والعمرةِ والاعتكافِ، ووجوبُ الكفارةِ بإفسادِ الحجِّ والعمرةِ وصومِ رمضانَ، وكونُ الأَمَةِ صارتْ فراشًا للسيدِ، وتحريمُ المصاهرةِ، وتحريمُ أختِ أَمَتِه، وعمَّتِها، وخالتِها، وقطعُ تتابعِ صيامِ الكفارةِ، وتقريرُ كفارةِ الظهارِ، وكفارةُ وطءِ الحائضِ .. إلى غيرِ ذلك. ذكرَهُ ابنُ القيمِ في "تحفة المودود في أحكام المولود" (٤). ومَنْ تتبعَ ما يأتي

стр. 154

الرابعُ: إسلامُ الكافر، ولو مرتدَّا. يظفرُ بأكثرِها. الثانيةُ: لو وطئَ الخنثى بذكَرِه امرأةً، وجامَعَه رجلٌ في قُبُلِه، فعلى الخنثى الغسلُ، وأما الرجلُ والمرأةُ فيلزمُ أحدَهما الغسلُ، لا بعينِه. ولو وطئَ الخنثى امرأةً في قُبُلِها، ووطئَ رجلٌ الخنثى في قبلِه، لزمَ الخنثى الغسلُ، ولم يلزمِ الرَّجلَ ولا المرأةَ. ولو تواطأ رجلٌ وخنثى في دُبُرَيْهِما، فعلى كلِّ الغسلُ؛ لأنَّ الرَّجلَ وطئَ الخنثى في دُبُرِه، والخنثى موطوءٌ لرجلٍ في الدُّبُرِ. الثالثةُ: لو قالتْ امرأةٌ: بي جنيٌّ يجامعُني كالرجلِ، فعليها الغسلُ، خلافًا لأبي المعالي. وفيه نظرٌ. قال ابنُ الجوزيِّ في قولِه تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرَّحمن: ٥٦] الآية. فيه دليلٌ على أنَّ الجنيَّ يغشى المرأةَ كالإنسيِّ. زادَ في "المبدع": وفيه نظرٌ؛ لأنَّه لا يلزمُ من الغشيانِ الإيلاجَ؛ لاحتمالِ أن يكونَ إيلاجُه عن ملابسةٍ ببدنِه خاصةً (١). (الرابعُ) من موجباتِ الغسلِ: (إسلامُ الكافرِ) ذكرًا أو أنثى أو خنثى؛ لحديثِ قيسِ بنِ عاصمٍ: أنَّه أسَلَمَ، فأمرَهُ النبيُّ ﷺ أن يغتسلَ بماءٍ وسدرٍ. رواه أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجه، والترمذيُّ (٢) وحسنَه. (ولو) كان (مرتدًّا) لمساواتِه الأصليَّ في المعنى، وهو الإسلامُ، فوجبَ مساواتُه له في الحكمِ. وسواءٌ وجدَ في كفره ما

стр. 155

الخامسُ: خروجُ الحيض. السادسُ: خروجُ دَمِ النِّفاسِ. يوجبُ الغسلَ أو لا. وسواءٌ اغتسلَ قبلَ إسلامِه أو لا. وقال الشافعيُّ: لا يجبُ عليه الغسلُ، إلا إذا كان في كفرِه ما يوجبُه. "فائدتان": الأولى: لو اغتسلَ في كفرِه لموجبٍ، أعادَ؛ لعدمِ صحتِه. إلا الحائضَ والنفساءَ إذا اغتسلتا لزوجٍ أو سيدٍ مسلمٍ في حالِ كفرِهما، فلا يلزمُهما إعادتُه إذا أسلمتا؛ لصحتِه منهما. وعدمُ اشتراطِ النيةِ فيه؛ للعذرِ، بخلافِ ما لو اغتسلَ الكافر لجنابةٍ، ثمَّ أسلمَ، وجبَ عليه إعادتُه؛ لعدمِ صحتِه منه (١). (الخامسُ) من موجباتِ الغسلِ: (خروجُ الحيضِ) لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢] أي: من الحيضِ. ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢] أي: اغتسلْنَ. وجهُ الدلالةِ: أنَّ اللهَ أوقفَ حقَّ الزوجِ من الوطءِ الواجبِ له على اغتسالِها، فدلَّ على وجوبِه عليها؛ الأنَّ ما لا يتمُّ الواجبُ إلَّا به واجبٌ. لقولِه ﵇ لفاطمةَ بنتِ أبي حبيشٍ: "إذا اقبلتِ الحيضةُ، فدعي الصَّلاةَ، وإذا أدبرَتْ فاغتسلي وصلِّي". رواه البخاريُّ (٢). "فائدةٌ": لا يلزمُ الحائضَ أن تغتسلَ من الجنابةِ، حتى ينقطعَ الحيضُ، فإذا فعلتْ، صحَّ. قال في "الإقناع" (٣): بل يُستحبُّ، ويزولُ حكمُ الجنابةِ. (السادسُ) من موجباتِ الغسلِ: (خروج دمِ النفاس) لاُنَّه دمُ حيضٍ مجتمعٌ،

стр. 156

السابع: الموتُ؛ تَعبُّدًا. وانقطاعُه شرطٌ لصحةِ الغسلِ، فلا يجبُ غسلٌ بولادةٍ عرتْ عنه. أي: الدَّمِ. ولا يحرُمُ بها وطءٌ، ولا يفسدُ صومٌ، ولا بإلقاءِ علقةٍ أو مضغةٍ؛ لأنَّه لا نصَّ فيه، ولا هو في معنى المنصوصِ عليه. والولدُ طاهرٌ، ومع الدَّمِ يجبُ غَسلُه. (السابعُ) من موجباتِ الغسلِ: (الموتُ؛ تعبَّدًا) لا عن حدثٍ؛ لأنَّه لو كان عنه، لم يرتفعْ مع بقاءِ سببِه. ولا عن نجسٍ، وإلا لما طهرَ مع بقاءِ سببِه للتنجيسِ، وهو الموتُ. غيرَ شهيدِ معركةٍ، أو مقتولٍ ظلمًا، فلا يغسَّلانِ، بل يُكره، ما لمْ يكنْ عليهما غسلٌ قبل الموتِ، من حيضٍ أو نفاسٍ، أو غيرِ ذلك، فيجبُ غسلُهما. قال العلَّامةُ الشيخُ مرعي في "غاية المنتهى" (١): ويتَّجه: زيادةُ ثامنٍ، وهو: خروجُ نجاسةٍ بعد غَسلِ ميتٍ، قبل سبعٍ ووضعٍ بكفنٍ.

стр. 157

فَصْلٌ وشُروطُ الغُسْلِ سَبعَةٌ: انقطاعُ ما يوجِبُه، والنيَّةُ، والإسلامُ، والعقلُ، والتمييزُ، والماءُ الطَّهورُ المباحُ، وإزالةُ ما يمنعُ وصولَه. وواجبُه: التسَّميةُ، (فصلٌ) (وشروطُ الغُسلِ سبعةٌ): الأوَّلُ: (انقطاعُ ما يوجبُه) من نحوِ حيضٍ ونفاسٍ. (و) الشرطُ الثاني: (النيةُ) أي: برفعِ الحدثِ الأكبرِ، أو استباحةِ ما شرطُ له الطَّهارةُ الكبرى، كقراءةِ القرآنِ، أو رفعِ الجنابةِ، أو الحيضِ، أو نحوِ ذلك. (و) الشرطُ الثالثُ: (الإسلامُ) فلا يصحُّ من كافرٍ؛ لعدمِ صحةِ النيةِ منه. (و) الشرطُ الرابعُ: (العقلُ) فلا يصحُّ من مجنونٍ. (و) الشرطُ الخامسُ: (التمييزُ) وهو (١) من بلغَ سبعَ سنينَ. (و) الشرطُ السادسُ: (الماءُ الطهورُ المباحُ) وقدْ تقدَّمَ. (و) الشرطُ السابعُ: (إزالةُ (٢) ما يمنعُ وصولَه) وقدْ تقدمَ. (وواجبُه) أي: الغسلِ: (التسميةُ) فيقولُ: بسمِ اللهِ. لا يقومُ غيرُها مقامَها.

стр. 158

وتسقُط سهوًا. وفرضُه: أن يعُمَّ بالماء جميعَ بدنِه، وداخِلَ فمِه وأنفِه، حتى ما يَظهَرُ مِن فَرجِ المرأةِ عِندَ القُعودِ لِحاجَتِها، وحتى باطِنَ شَعرِها. ويجسب نقضُه في الحَيضِ والنِّفاسِ، (وتسقطُ سهوًا) أي: التسميةُ. ولا يصحُّ تقديمُ التسميةِ على النيةِ، ولهذا قال في "الشرح" (١): أي: يقولُ: بسمِ اللهِ. بعدَ النيةِ. (وفرضُه) أي: الغسلِ: (أنْ يعُمَّ بالماءِ جميعَ بدنِه) أي: جسدِه؛ لقولِ عائشةَ: ثمَّ أفاضَ على سائرِ جسدِه (٢). (وداخلَ فمِه وأنفِه) أي: يتمضمضُ ويستنشقُ (حتى ما يظهرُ من فرجِ المرأةِ عندَ القعودِ لحاجتِها) وهو البولُ والغائطُ (وحتى باطِنَ شعرِها) خفيفٍ وكثيفٍ، من ذكرٍ وأنثى؛ لأنَّه جزءٌ من البدنِ، لا مشقَّةَ في غسلِه، فوجبَ كباقيه. ويتفقدُ أصولَ شعرِه، وغضاريفَ أذنيه، وتحتَ حلقِه وإبطيه، وعمقَ سُرَّتِه، وبين أَلْيتيه وطي ركبتيه. ولا يجبُ غسلُ داخلِ فرجٍ، وحشفةِ غيرِ مفتوقٍ من جنابةٍ. ويغسلُ باطنَ شعرِ اللحيةِ والرأسِ وغيرِهما، لقولِه ﵇: "تحتَ كلِّ شعرةٍ جنابةٌ، فاغسلوا الشعرَ، وأنقوا البشرةَ" (٣). ولا فرقَ بين كونِ الشعرِ خفيفًا أو كثيفًا، بخلافِ الوضوءِ، لتكررِه. (ويجبُ نقضُه في الحيضِ والنِّفاسِ) ولو تيقنتْ وصولَ الماءِ إلى باطنِ الشعرِ؛

стр. 159

لا الجنابَةِ. ويكفي الظنُّ في الإسباغ. لحديثِ عائشةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال لها: "إذا كنتِ حائضًا، خذي ماءَكِ وسدرَكِ، وامتشطي" (١). ولا يكونُ المشطُ إلا في شعرٍ غيرِ مضفورٍ. ولتتحقَّق وصولَ الماءِ إلى ما يجبُ غسلُه. وعُفي عنه في غُسلِ الجنابةِ؛ لأنَّه يكثرُ، فيشقُّ ذلك فيه، بخلافِ الحيضِ والنفاسِ. هذا إذا لم يكنْ على رأسِها ما يمنعُ وصولَ الماءِ، كالسدرِ ونحوِه، فإنْ كان، نُقِضَ في الجنابةِ. وكذا الرَّجلُ لا ينقضه لجنابةٍ؛ لتكررِه، فيشقُّ ذلك. (ويكفي الظنُّ في الإسباغِ) أي: وصولِ الماء إلى البشرة. قال في "الإنصاف": يَكتَفي في الإسباغ بغلبةِ الظنِّ، على الصحيحِ من المذهبِ (٢)، لحديثِ عائشةَ (٣): "ثم يخلِّلُ شعرَه بيدِه، حتى إذا ظنَّ أنَّه قد روَّى بشرتَه، أفاضَ عليه الماءَ ثلاثَ مراتٍ". أما لو شكَّ: هل عمَّ بدنَه أو لا؛ لزِمَه تعميمُ بدنِه يقينًا، ما لم يكنْ وسواسًا. قاله في "بدائع الفوائد" (٤). وقال بعضُ الأصحابِ: ويحرِّكُ خاتمَه في الغسلِ، ليتيقَّنَ وصولَ الماءِ.

стр. 160

وسُنَنُهُ: الوضُوءُ قبلَه، وإزالةُ ما لوَّثه من أذىً، وإفراغُه الماءَ على رأسِه ثلاثًا، وعلى بقيَّةِ جَصدِه ثلاثًا، والتيامُنُ، (وسننُه) أي: الغسلِ: (الوضوءُ قبلَه) أي: وضوءًا كاملًا. ويُكره له إعادتُه بعدَهُ، إلا أنْ يَنتقضَ بمسِّ فرجِه، أو غيرِ ذلك. قاله في "المستوعب" (١) (وإزالةُ ما لوَّثه) طاهرًا كالمنيِّ، أو نجسًا كالمذي. إلا أنْ يكونَ جافًّا يمنعُ وصولَ الماءِ، فيجبُ (من أذىً) لحديثِ عائشةَ (٢): "فيُفرِغُ بيمينِه على شمالِه، فيغسلُ فرجَه" وظاهرُه: لا فرقَ بين أن يكونَ على فرجِه، أو بقيةِ بدنِه. وسواءٌ كان نجسًا، كما صرَّحَ به في "المحرر" أو مستقذرًا طاهرًا، كالمنيِّ (٣). (وإفراغُه الماءَ على رأسِه ثلاثًا) أي: أصولِ شعرِ رأسِه؛ يحثي الماءَ عليه ثلاثَ حثياتٍ. (وعلى بقيةِ جسدِه ثلاثًا) بإفاضةِ (٤) الماءِ عليه، لما روتْ عائشةُ رضي الله تعالى عنها، قالتْ: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا اغتسلَ من الجنابةِ غسلَ يديه ثلاثًا، وتوضَّأَ وضوءَه للصَّلاةِ، ثمَّ يخلِّلُ شعرَهُ بيديه، حتى إذا ظنَّ روَّى بشرتَه، أفاضَ الماءَ عليه ثلاثَ مراتٍ، ثم غسلَ سائرَ جسدِه. متفقٌ عليه (٥). (والتيامنُ) أي: يبدأُ بميامنِه استحبابًا؛ لحديثِ عائشةَ، قالت: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا اغتسلَ من الجنابةِ، دعا بشيءٍ نحوَ الحِلابِ -بكسرِ الحاءِ، والمحلبة

стр. 161

والموالاةُ، وإمرارُ اليدِ على الجَسَدِ، وإعادةُ غَسلِ رِجلَيهِ بمكَانٍ آخَرَ. ومن نوى غُسْلًا مسنُونًا أو واجِبًا، أجزأ عن الآخَرِ. بكسر الميم وفتح اللام: إناءٌ يُحلبُ فيه. قال الخطابيُّ: إناء (١) يسعَ حلبَ الناقةِ -فأخذَ بكفيه فبدأَ بشقِّ رأسِه الأيمنِ، ثم الأيسرِ، ثم أخذَ بكفيه فقال بهما على رأسِه. متفقٌ عليه (٢). (والموالاةُ) بين غسلِ جميعِ أجزاءِ البدنِ (وإمرارُ اليدِ على الجسدِ) لأنَّه أنقى، وبه يَتيقنُ وصولَ الماءِ إلى مغابنه (٣) وجميعِ بدنِه. (وإعادةُ غسلِ رجليه بمكانٍ آخرَ) قال في "الإقناع" (٤): ولو كان في حمامٍ ونحوِه، مما لا طينَ فيه؛ لقولِ ميمونةَ: ثمَّ تنحَّى عن مقامِه، فغسلَ رجليه. رواه البخاريُّ (٥). (ومن نوَى غسلًا مسنونًا أو واجبًا، أجزأَ عن الآخرِ)؛ لأنَّهما عبادتان فتداخلتا في الفعلِ، كما تدخلُ العمرةُ في الحجِّ. أو نوَى رفعَ الحدثِ، وأطلقَ، فلم يقيدْه بالأكبرِ ولا الأصغرِ، أجزأَ عنهما؛ لشمولِ الحدثِ لهما. أو نوى استباحةَ الصَّلاةِ، أو نوى أمرًا لا يباحُ إلا بوضوء وغسلٍ، كمسِّ

стр. 162

وإن نوى رفعَ الحدثين، أو الحَدَثِ وأطلَقَ، أو أمرًا لا يُباح إلا بوُضوءٍ وغُسلٍ، أجزأ عنهُما. ويُسنُّ الوضُوءُ بِمُا، وهو رِطلٌ وثلثٌ بالعِراقيِّ، وأُوقيتانِ وأربعةُ أسباعٍ بالقُدسيِّ، والاغتسالُ بصَاعٍ، وهو خَمسةُ أرطالٍ وثُلثٌ بالعِراقيِّ، مصحفٍ وطوافٍ، أجزأَ عنهما، لاستلزام ذلك رفعَهُما، وأشارَ إلى ذلك بقولِه: (وإنْ نوَى رفعَ الحدثين، أو الحدثِ وأطلقَ، أو أمرًا لا يباحُ إلا بوضوءٍ وغسلٍ، أجزأَ عنهما) وفُهِمَ منه: سقوطُ الترتيبِ والموالاة في الوضوء. فلو اغتسل إلا أعضاء الوضوء، لم يجب الترتيب فيها؛ لأنَّ حكمَ الجنابةِ باقٍ. فلو غسلَ يديه، ثمَّ رجليه، ثمَّ أفاضَ الماءَ على رأسِه، أو غسلَ يديه أو رجليه، ثُمَّ غسلَ بقيةَ جسدِه، صحَّ إن أتى بنيةٍ أخرى لذلك الباقي؛ لانقطاعِ النيةِ الأولى. ولو نوى الطهارتين، ثُمَّ أحدثَ في أثناءِ غسلِه، أتمَّه ثمَّ توضَّأَ؛ لأنَّ الحدثَ الأصغرَ لا ينافي الغسلَ، فلا يؤثرُ وجودُه فيه. (ويُسنُّ الوضوءُ بمدٍّ) من ماءٍ، لحديثِ أنسٍ أنَّ النبيَّ ﷺ كان يتوضأُ بالمدِّ، ويغتسلُ بالصاعِ. متفقٌ عليه (١). (وهو) أي: المدُّ. زِنَتُه (رطلٌ وثلثٌ بالعراقيِّ) وما وافقَه من البلادِ. ورطلٌ وسبعُ رطلٍ، وثلثُ سبعِ رطلٍ مصريٍّ. وثلاثُ أواقٍ، وثلاثةُ أسباعِ أوقيةٍ بوزنِ دِمشق (وأوقيتان وأربعةُ أسباعٍ بالقدسيِّ) وما وافَقَه من البلادِ. (و) سُنَّ (الاغتسالُ بصاعٍ) لحديثِ أنسٍ. وهو أربعةُ أمدادٍ. (وهو خمسةُ أرطالٍ وثلث بالعراقيِّ) وبالمصَريِّ: أربعةُ أرطالٍ وخمسةُ أسباعِ رطلٍ، وثلثُ سبعِ رطلٍ. ورطلٌ وسبعُ رطلٍ (٢) دمشقي. (وعشرُ أواقٍ وسبعان بالقدسيِّ)

стр. 163

وعَشْرُ أواقٍ وسُبُعَانِ بالقُدسيِّ. ويُكره الإسرافُ، لا الإسباغُ بدُونِ ما ذُكِرَ. ويباح الغُسلُ في المسجدِ ما لم يُؤذِ بهِ، وفي الحمَّامِ إنْ أُمِنَ الوقوعُ في المحرَّم، وهذا ينفعُك هنا، وفي الفطرةِ، وفي الفديةِ، وفي الكفارةِ، ونذرٍ. (ويُكره الإسرافُ) في وضوءٍ وغسلٍ، ولو على نهرٍ جارٍ؛ لحديث ابنِ ماجه (١): أنَّ النبيَّ ﷺ مرَّ بسعدٍ، وهو يتوضَّأُ، فقال "ما هذا السرفُ؟ " فقال: أفي الوضوء إسرافٌ؟ قال: "نعمْ، وإن كنتَ على نهرٍ جارٍ ". و (لا) يُكره (الإسباغُ) في وضوءٍ وغسلٍ (بدونِ ما ذُكرَ) من الوضوءِ بالمدِّ، والغسلِ بالصاعِ؛ لحديث عائشةَ: كانت تغتسلُ هي والنبيُّ ﷺ من إناءٍ واحدٍ، يسَعُ ثلاثةَ أمدادٍ - أو قريبًا من ذلك. رواه مسلمٌ (٢). والإسباغُ: تعميمُ العضوِ بالماءِ، بحيثُ يجري عليه. فلا يكفي مسحُه، ولا إمرارُ الثلجِ عليه، ولو ابتلَّ به العضوُ، إن لم يذبْ ويجري عليه. (ويباحُ الغسلُ في المسجدِ) ولا يُكره (ما لم يؤذِ به) أي: بالغسلِ. وكذلك الوضوءُ ما لم يؤذِ به. وتُكره إراقةُ ماءيهما بالمسجدِ، وبما يداسُ؛ تنزيهًا للماءِ. (و) يُباحُ (في الحمَّامِ إن أمِنَ الوقوع (٣) في المحرَّمِ) بأنْ يسلمَ من النظرِ إلى عوراتِ الناسِ ومسِّها، ويسلمَ من نظرِهم إلى عورتِه ومسِّها؛ لما رُوي: أن ابنَ

стр. 164

فإنْ خِيفَ كُرِه، وإن عُلِمَ حَرُمَ. عباسٍ دخلَ حمامًا كان بالجحفةِ (١). ورُوي عنه ﵇ أيضًا. (فإن (٢) خيفَ) أي: الوقوعُ في محرمٍ بدخول (٣) الحمامِ (كُرِهَ) دخولُه. (وإن عُلِمَ) أي: الوقوعُ في محرمٍ (حَرُمَ) دخولُه، لحديثِ أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "من كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ، من ذكورِ أمتي، فلا يدخلِ الحمَّامَ إلا بمئزرٍ، ومَنْ كانتْ تؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فلا تدخلِ الحمَّامَ". رواه أحمدُ (٤). وأجود الحمَّاماتِ ما كان شاهقًا، عذبَ الماءِ، معتدلَ الحرارةِ، معتدلَ البيوتِ، قديمَ البناءِ. ويُكره بناءُ الحمَّامِ، وبيعُه، وشراؤُه، وإجارتُه، وكسبُه، وكسبُ البَلَّانِ (٥) والمزيِّنِ. قال الإمامُ أحمدُ في الذي يبني الحمَّامَ للنساءِ: ليس بعدل. وقال في رواية ابن الحكم: لا تجوز شهادة من بناه للنساء. وحرَّمه القاضي. وحملَهُ الشيخُ تقيُّ الدينِ على غيرِ البلادِ الباردةِ (٦) وينبغي غسلُ قدميه وإبطيه بماءٍ باردٍ عند دخولِه، وأن يلزمَ الحائطَ، ويقصدَ موضعًا خاليًا، ولا يدخلَ بيتًا حارًّا حتى يعرقَ في البيتِ الذي قبلَه، ويقلِّلَ الالتفاتَ،

стр. 165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولا يطيلَ المقامَ إلا بقدرِ الحاجةِ، ويغسلَ قدميه عند خروجِه بماءٍ باردٍ. قال في "المستوعب": فإنَّه يُذهبُ الصُّداعَ. ولا يُكره دخولُه قربَ الغروبِ، ولا بين العشاءين (١). ونقلَ عبدُ اللهِ: ما رأيتُ أبي أحمدَ بنَ حنبلٍ دخلَهُ قط، ولحقَتْه عِلةٌ، فوُصِفَ له. فقال: لي خمسون سنةً ما دخلتُه. يجوزُ أن لا أدخلَه الساعةَ. واختارَ أبو الفرجِ ابنُ الجوزيِّ، والشيخُ تقي الدين: أن المرأةَ إذا اعتادتِ الحمامَ وشقَّ عليها تركُ دخولِه إلا لعذرٍ: أنه يجوزُ لها دخولُه. وثمنُ الماءِ على الزوجِ. صحَّحه في "تصحيح الفروع" (٢). وأما الوضوءُ فهو كالجنابةِ. ذكرَهُ أبو المعالي. ولا بأسَ أن يغتسلَ عُريانًا من غيرِ كراهةٍ؛ لأنَّ موسى وأيوبَ اغتسلَا عُريانين. رواه البخاريُّ (٣). وقدَّمَ في "المبدع"، و"الإنصاف" وغيرِهما: يُكره. ومشى عليه صاحبُ "المنتهى". واختارَ صاحبُ "الإقناع": عدمَ الكراهةِ. ويُكره السَّلامُ فيه أبتداءً وردًّا. وقيلَ: لا يُكره ردُّه، بل يُباحُ. وجزَمَ به في "النظم" وتبعَه الشارحُ، وهو صاحبُ "المنتهى (٤) " فقال: والأَوْلى جوازُه.

стр. 166

فَصْلٌ في الأغسَالِ المُستحبَّةِ وهي ستةَ عشرَ: آكدُها: لصلاةِ جمُعةٍ في يومِها لِذَكَرٍ حَضَرَها، (فصلٌ في الأغسالِ المستحبةِ) (وهي) أي: الأغسالُ المستحبةُ (ستةَ عشرَ): (آكدُها): الغسلُ (لصلاةِ جمعةٍ) لحديثِ أبي سعيدٍ مرفوعًا: "غسلُ الجمعةِ واجبٌ على كلِّ محتلمٍ" (١). وقولُه ﵇: "مَنْ جاءَ منكم الجمعةَ فليغتسلْ" (٢). متفقٌ عليهما. وقولُه: واجبٌ. أي: متأكدُ الاستحبابِ. ويدلُّ لعدمِ وجوبِه: ما روى الحسنُ، عن سمرةَ بنِ جندبٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "من توضَّأَ يومَ الجمعةِ فبها ونعمتْ، ومن اغتسلَ فالغسلُ أفضلُ". رواه أحمدُ وأبو داودُ والترمذيُّ (٣). (في يومِها) أي: الجمعةِ. فلا يجزئُ الاغتسالُ قبلَ طلوعِ فجرِه. والغسلُ للصَّلاةِ، لا لليومِ. (لذَكَرٍ حضرَها) أي: الجمعةَ؛ لقولِه ﵇: "من جاءَ منكم الجمعةَ

стр. 167

ثمَّ لِغَسلِ ميِّتٍ، ثمَّ لعيدٍ في يومِه، ولِكُسُوفٍ، واستِسقاءٍ، فليغتسلْ" (١). ولو لم تجبْ عليه الجمعةُ، كالعبدِ والمسافرِ، إن صلَّى. والاغتسالُ عندَ المضيِّ إليها أفضلُ؛ لأنَّه أبلغُ في المقصودِ. وعن جماعٍ أفضلُ (ثمَّ) يليه الغصلُ (لغَسلِ ميِّتِ) كبير أو صغير، ذكر أو أنثى، حرٍّ أو عبد، مسلم أو كافر. وظاهرُه: ولو في ثوبٍ؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "مَنْ غسَّلَ ميِّتًا، فليغتسلْ، ومَنْ حملَهُ فليتوضَّأَ". رواه أحمدُ وأبو داودَ، والترمذيُّ (٢) وحسنَه. (ثُمَّ) يليه الغسلُ (لعيدٍ في يومِه) لحاضرِها، أي: الصَّلاةِ، لحديثِ ابنِ عباسٍ والفاكهِ بنِ سعدٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يغتسلُ يومَ الفطرِ والأضحَى. رواه ابنُ ماجه (٣). ولو صلَّى منفردًا، بعدَ صلاةِ الإمامِ؛ لأنَّ الغسلَ للصَّلاةِ، كالجمعةِ. فلا يشرع (٤) لمنْ لم يصلِّ، ولا قبلَ طلوعِ الفجرِ. (و) الرابعُ: (لكسوفٍ) أي: لصلاتِه (و) الخامسُ: (استسقاء) لأنَّهما صلاتان تجتمعُ لهما الناسُ، فاستُحِبَّ الغسلُ لهما، كصلاةِ الجمعةِ والعيدينِ. قال في "الإنصاف" (٥): هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطعَ به كثيرٌ منهم. وقيل: لا يُستحبُّ الغسلُ لهما. ذكرَهُ في "التبصرة".

стр. 168

وجُنُونٍ، وإغماءٍ، ولاسْتِحَاضَةٍ لكلِّ صلاة، ولإحرامٍ، ولدخولِ مكةَ (و) السادسُ: (جنونٌ) أي: من الأغسالِ المستحبَّةِ. (و) السابعُ: (إغماءٌ) لا إنزالٌ باحتلامٍ أو غيرِه، فيهما، أي: الجنونِ والإغماءِ؛ لأنَّه ﵇، اغتسلَ للإغماءِ. متفقٌ عليه (١). ولأنَّه لا يأمنُ أن يكونَ احتلمَ ولم يشعرْ. والجنونُ في معناه، بل أبلغُ. فإنْ أنزلَ، وجبَ الغسلُ. فلو وجدَ المجنونُ بللًا، ولم يذكرِ احتلامًا، فصرَّحَ الزركشيُّ بأنَّه يُستحبُّ الغسلُ. وعللَّه بأنَّه يحتملُ أن يكونَ لغيرِ شهوةٍ، أو عن المرضِ المزيلِ للعقلِ. فإن قيل: إذا وُجدَ الإنزالُ واغتسلَ له، هل يجزئُه عن المستحبِّ أم لا؟ لم أرَ فيه نصًّا، فلينظرْ. (و) الثامنُ: (لاستحاصْةٍ لكلِّ صلاةٍ) فيُسنُّ أن تغتسلَ لكلِّ صلاةٍ؛ لأمرِه ﵊ به لأمِّ حبيبةَ لما استُحيضَتْ، فكانتْ تغتسلُ لكلِّ صلاةٍ. متفقٌ عليه (٢). (و) التاسعُ: الغسلُ (لإحرامٍ) بحجِّ أو عمرةٍ، لحديثِ زيدِ بنِ ثابتٍ أنَّه رأى النبيَّ ﷺ تجرَّدَ لإهلالِه، واغتسلَ. رواه الترمذيُّ (٣) وحسَّنَه. وحتى حائضٍ ونُفساءَ، فيسنُّ لهما الغسلُ للإحرامِ. كما صرَّحَ به في "المنتهى" (٤). (و) العاشرُ: (لدخولِ مكةَ) قال في "المستوعب": حتى لحائضٍ. قال الشيخُ

стр. 169

وحرمِها، ووقوفٍ بعرفَةَ، وطوافِ زِيارةٍ، وطَوافِ وداعٍ، ومَبيتٍ بمزدلِفةَ، ورميِ جِمَارٍ. منصورٌ في "شرحه" (١): قلتُ: ونفساءَ، قياسًا على الإحرامِ. وظا هرُه: ولو بالحرمِ، كمَنْ بمنًى إذا أرادَ مكةَ، سُنَّ له الغسلُ لدخولِها. (و) الحادي عشرَ: (حرمِها) أي: مكةَ. نصَّ عليه في روايةِ صالحٍ. (و) الثاني عشرَ: (وقوف بعرفةَ) رواه مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ (٢). ورواه الشافعيُّ عن عليِّ (٣). ورواه ابنُ ماجه (٤) مرفوعًا. (و) الثالثَ عشرَ: لـ (طوافِ زيارةٍ (٥)) وهو طوافُ الإفاضةِ. (و) الرابعَ عشرَ: لـ (طوافِ وداعٍ)؛ لأنَّها أنساكٌ يجتمعُ لها الناسُ ويزدحمون فيعرقون، فيؤذي بعضُهم بعضًا، فاستحبَّ كالجمعةِ. وظاهرُه: أنَّه لا يُسنُّ لطوافِ القدومِ. (و) الخامسَ عشرَ: لـ (مبيتٍ بمزدلفةَ). (و) السادسَ عشرَ: لـ (رميِ جمارٍ) ولأنَّ هذه كلَّها أنساكٌ يجتمعُ لها الناسُ، فاستُحبَّ لها الغسلُ، كالإحرامِ، ودخولِ مكةَ. ووقتُ الغسلِ لصلاةِ الاستسقاءِ: عندَ إرادةِ الخروجِ إليها. والكسوفِ والخسوفِ: عند وقوعِهما. وفي الحجِّ: عند إرادةِ النسك الذي يُسنُّ له قريبًا منه.

стр. 170

ويُتيمَّمُ للكُلِّ لحاجَةٍ، ولِمَا يُسنُّ له الوُضُوءُ، إنْ تعذَّرَ. وعُلِمَ مما سبَقَ: أنَّه لا يُستحبُّ الغسلُ لغيرِ المذكوراتِ، كالحجامةِ، ودخولِ طيبةَ، وكلِّ مجتمَعٍ. فإن قيلَ: هل يجزئُه غسلٌ واحدٌ لرميِ الجمراتِ كلِّها، أم بلْ (١) لكلِّ يومٍ غسلٌ عند رميِهِ؟ فتأملْ. قال العلَّامةُ الشيخُ مرعي في "غاية المنتهى" (٢): ويتجه: زيادةُ: مَنْ ولدتْ بلا دمٍ، مراعاةً لخلافِ من أوجبَهُ. (ويُتيَمَّمُ) استحبابًا (للكلِّ). أي: كلِّ ما يستحبُّ له الغسلُ (لحاجةٍ) تبيحُ التيمَّمَ؛ لتعذرِ الماءِ لعدمٍ، أو مرضٍ، ونحوِه. (و) يتيمَّمُ أيضًا استحبابًا (لما يسنُّ له الوضوءُ) من قراءةٍ، وأذانٍ، وشكٍّ، وغضبٍ، ونحوِها مما تقدَّمَ (إن تعذَّرَ)، أي: الوضوءُ لحاجةٍ.

стр. 171

بابُ التيمُّمِ يصِحُّ بشُروطٍ ثَمانيةٍ: النيةُ، والإسلامُ، والعَقلُ، والتَّمييزُ، والاستِنْجاءُ أو الاستجمَار. السَّادِسُ: دخولُ وقتِ الصلاةِ، فلا يَصِحُّ التيمُّم لصلاةٍ قبل وقِتِها، (بابُ التيمُّمِ) لغةً: القصدُ. قالَ تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٦٧]. وقال: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النِّساء: ٤٣]. فُرِضَ في السنةِ السادسةَ عشرَ من الهجرةِ. وهو من خصائصِ هذه الأمةِ؛ توسعةً عليها؛ لأنَّ اللهَ تعالى لم يجعلْه طهورًا لغيرها. وشرعًا: استعمالُ ترابٍ مخصوصٍ لوجهٍ ويدين، على وجهٍ مخصوصٍ. وهو عزيمةٌ، ويجوزُ بسفرِ المعصيةِ. ولا (يصحُّ) إلا (بشروطٍ ثمانيةٍ): أحدُها: (النيةُ). (و) الثاني: (الإسلامُ). (و) الثالثُ: (العقلُ). (و) الرابعُ: (التمييزُ)، (و) الخامسُ: (الاستنجاءُ أو الاستجمارُ). و (السادسُ: دخولُ وقتِ الصَّلاةِ) الذي يريدُ التيمُّمَ لها. (فلا يصحُّ التيمُّمُ لصلاةٍ) حاضرةٍ، ولا لصلاةِ عيدٍ (قبلَ وقتِها). أي: فلا يصحُّ قبلَه، لقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المَائدة: ٦] الآية. والقيامُ إليها إنما هو بعدَ دخولِ وقتِها. خرجَ الوضوءُ بالدليلِ، بقي التيمُّمُ على ظاهرِه. ولأنَّه

стр. 172

ولا لِنافلةٍ وقتَ نَهيٍ. السَّابِعُ: تعذُّرُ استعمالِ الماءِ، إما لعدَمِه، أو لخَوفِه باستعمَالِه الضَّررَ. ويَجبُ بذلُه للعطشَانِ مِنْ آدميٍّ أو بهيمة. يحتملُ وجودُ الماءِ، وزوالُ العذرِ في الوقتِ، فهو غيرُ متحققٌ، لعدمِ الماءِ ووجودِ العذرِ في الوقتِ (ولا) يصحُّ التيمّمُ (لنافلةٍ وقتَ نهيٍّ). أي: لا يصحًّ التيمُّمُ للنفلِ الممتنعِ فعلُه وقتَ نهي، لا مطلقَ النفلِ، فيصحُّ نحو (١) ركعتي طوافٍ، وسنَةِ فجرٍ قبلَها. (السابعُ: تعذرُ استعمالِ الماءِ، إما لعدمِه) أي: عدمِ الماءِ. (أو لخوفِه) أي: المريضِ القادرِ على الوضوءِ بنفسِه أو غيرِه (باستعمالِه الضررَ) في بدنِه، من جرحٍ، أو بردٍ شديدٍ، ولم يجدْ ما يسخِّنُ به الماءَ. أو خوفِه باستعمالِه فوتَ رفقةٍ، أو مالِه. أو عَطَشَ نفسِه، أو غيرِه من آدميِّ أو بهيمةٍ محترميْنِ. أو احتياجَه لعجنٍ أو طبخٍ. فمَنْ خافَ شيئًا من ذلك، أُبيحَ له التيمُّمُ، دفعًا للضررِ والحرجِ عن نفسِه، ومالِه، ورفيقِه. قال ابنُ المنذرِ (٢): أجمعَ كلُّ مَنْ يحفظُ عنه من أهلِ العلمِ، على أنَّ المسافرَ إذا كان معَه ماء، فخشيَ العطشَ، أنَّه يُبْقي ماءَه للشُّرْبِ، ويتيمَّمُ. (ويجبُ بذلُه للعطشانِ) ولو كان الماءُ نجسًا؛ لأنَّه إنقاذٌ من مهلكةِ (من آدميٍّ أو بهيمةٍ) محترميْنِ.

стр. 173

ومن وَجَدَ ماءً لا يكِفي لطهارته، استعمَلَهُ فيما يَكفِي وجُوبًا، ثم تيمَّمَ. وإنْ وصَلَ المسافرُ إلى الماءِ وقد ضَاقَ الوقتُ، (ومن وجَد ماءً لا يكفي لطهارتِه، استعملَه فيما يكفي وجوبًا، ثمَّ تيممُ) لحديثِ: "إذا أمرتُكمْ بأمرٍ، فأتوا منه ما استطعْتُمْ" (١). فإنْ تيمَّمَ قبلَ استعمالِه، لَمْ يصحَّ؛ لمفهومِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النِّساء: ٤٣] وإنْ وجدَ ترابًا لا يكفيه، استعملَه وصلَّى، ويُعيدُ إذا وجدَ ما يكفيه من ماءٍ أو ترابٍ. قاله في "الرعاية". واقتصرَ عليه في "الإنصاف". قال الشيخُ منصورٌ في "شرحه" (٢): قلتُ: مقتضى ما يأتي: لا يزيدُ على ما يجزئُ، ولا إعادةَ. وإن وجدَ جنبٌ ما يكفي أعضاءَ وضوئه فقط، استعملَه فيها ناويًا رفعَ الحدثيْنِ. ومَنْ ببدنِه نجاسةٌ، وهو محدثٌ، والماءُ يكفي أحدَهما، غسلَ به النجاسةَ، ثمَّ تيمَّمَ للحدثِ، نصًّا. قالَ المجدُ: إلا أنْ تكونَ النجاسةُ في محلِّ يصحُّ تطهيرُه من الحدثِ، فيستعملُه فيه عنهما. وكذا إنْ كانتْ النجاسةُ في ثوبِهِ أزالَها به، ثمَّ تيمَّمَ. (وإنْ وصلَ المسافرُ إلى الماءِ وقد ضاقَ) حالٌ من فاعلِ "وصلَ" أي: وصلَ المسافرُ في حالِ ضيقِ (الوقت) عن الطهارةِ به، والصَّلاةِ في الوقتِ. قال في "شرح المحرر": ويُفهمُ من قولِهِ: "إذا وصلَ مسافرٌ إلى الماءِ وقد ضاقَ الوقتُ": أنَّه صارَ عندَه بحيث تصلُ يدُه، ويمكنُه استعمالُه! وليس كذلك، بلْ يُحملُ قولُه: أنَّه صارَ قريبًا، بحيثُ لو تمادَى حتى يصلَ إليه، خرج الوقت. فهو كمن عدِم الماءَ في الوقت، وتيقَّنَ وصولَه إليه في وقتِ صلاةٍ

стр. 174

أو عَلِمَ أنَّ النَّوبةَ لا تَصِلُ إليه إلَّا بعدَ خرُوجِه، عَدَلَ إلى التيمُّمِ، وغَيرُه لا، ولو فاتَه الوقتُ. أخرى؛ لأنَّه متى كان بحيث يمكنُه استعمالُه، لم يجزْ له التيمُّمُ؛ لأنَّه واجدٌ للماءِ. قال ابنُ قندس في "حاشية المحرر": واعلئم أنَّ المُصنِّفَ أرادَ بهذه المسألةِ: ما إذا كان باقيًا من الوقتِ ما لا يسَمعُ الصَّلاةَ إلَّا (١) بالتيمُّمِ فقط، وأما إذا كان قد بقي من الوقت ما لا يسمع الصلاةَ، بلْ يخرجُ الوقتُ وهو فيها. فالقولُ بأنَّه يصلي بالتيمُّمِ، لا يظهرُ صحتُهُ؛ لأنَّه يكونُ مأمورًا لصلاةٍ تؤولُ إلى البطلانِ. وعُلِمَ من قولِه: "وقد ضاقَ الوقتُ": أنَّه لو وصلَ إليه متمكنًا من استعمالِه، فأخَّرَ الوضوءَ لسهوٍ أو شغلٍ، حتى ضاقَ الوقتُ، فهو كالحاضِرِ، فلا يصحُّ تيمُّمُه؛ لأنَّ قدرتَه قد تحقَّقتْ، فلا يبطلُ حكمُها بتأخيرِه (أو عَلِمَ) أي: المسافرُ. أما الحاضرُ فلا يجوزُ له التيممُ إذا عَلِمَ ذلك (أنَّ النوبةَ لا تصلُ إليه) ليستعملَه (إلا بعدَ خروجِهِ) فيتيمَّمُ، لعدمِ قدرتِه على استعمالِه في الوقتِ. فاستصحبَ حالَ عدمِهِ له، بخلافِ مَنْ وصلَ إليه، وتمكَّنَ من الصَّلاةِ به في الوقتِ، ثمَّ أخَّرَ حتى ضاقَ، فكحاضرٍ؛ لتحققِ قُدرتِه. وعلمَ منه: أنَّه إنْ توقَّعَ حصولَ النوبةِ له في الوقتِ، لزِمه الانتظارُ، ولا يجوزُ له التيمُّمُ. (عدَلَ إلى التيمُّمِ) ولا إعادةَ. (وغيرُه) أي: وغيرُ المسافرِ إذا كان الماءُ قريبًا، ودلَّه عليه ثقةٌ، أو علمَه قريبًا وخافَ فوتَ الوقتِ قبلَ وصولِهِ إليه في الطهارةِ به، (لا (٢)) يجوزُ التيمُّمُ (ولو فاتَه الوقتُ).

стр. 175

ومَنْ في الوقت أراقَ الماءَ، أو مرَّ بهِ وأمكنه الوضوءُ، ويعلمُ أنَّه لا يجدُ غيرَه، حرُم، ثمَّ إنْ تيمَّم وصلَّى، لم يُعِدْ. وكذا لا يصحُّ التيمُّمُ مع قربِ ماءٍ لخوفِ (١) فوتِ صلاةِ جنازةٍ، أو خوفِ فوتِ صلاةِ فرضٍ. "تنبيهٌ": مَنْ عجزَ عن استعمالِ الماءِ؛ لعدمِ موضِّئٍ، وخافَ فوتَ الوقتِ بانتظارِه، وهو الوقتُ المختارُ، جازَ له التيمُّمُ. وعُلِمَ منه: أنَّه إذا لمْ يخفْ خروجَ الوقتِ بانتظارِه، أنَّه لا يجوزُ له التيمُّمُ، ويجبُ انتظارُهُ. وهذه الصورةُ الرابعةُ التي يجوزُ فيها التيمُّمُ؛ لخوفِ خروجِ الوقتِ. والبقيةُ: أحدُها: ما في المتنِ. والثانيةُ والثالثةُ: وهي فيما إذا علِمَهُ -أو دلَّهُ عليه ثقةٌ - قريبًا، وخافَ بقصدِه فوتَ الوقتِ، تيمَّمَ، كعدمِ تمكُّنِه من استعمالِه في الوقتِ، فأشبَهَ عادمَهُ، ولا إعادةَ عليه، وليس له تأخيرُ الصَّلاةِ. (ومَنْ في الوقتِ أراقَ الماءَ، أو مرَّ به) أي: الماءِ (وأمكنَهُ الوضوءُ) منه، ولم يفعلْ، (ويعلمُ أنه لا يجدُ غيرَهُ) أو باعَهُ أو وهبَهُ في الوقت لغير من يلزم بذله له. أما لو أراقه قبل الوقت، أو باعه، أو وهبه قبلَه، فإنَّه لا يحرمُ عليه ذلك، ويصحُّ العقدُ مطلقًا. وكذا لو كانَ يعلمُ -أي: يغلبُ على ظنِّه- وجودَ غيرِه في الوقتِ، ولو لم يجدْه فيه، بخلافِ لو علمَ أنَّه لا يجدُ غيرَه، (حرُمَ) عليه ذلك (ثمَّ إن تيمَّمَ وصلَّى، لم يعدْ) لأنَّه عادمٌ للماءِ حالَ التيمُّمِ، أشبَهَ ما لو فعلَ ذلك قبلَ الوقتِ.

стр. 176

وإن وَجَدَ مُحدِثٌ -ببدَنِه وثَويه نجاسَةٌ- ماءً لا يكفي، وجَبَ غَسلُ ثَوبِه، ثمَّ إنْ فَضَلَ شيءٌ غَسَل بدنَه، ثم إنْ فَضَلَ شيءٌ تطهَّر، وإلَّا تيمَّم. ويصحُّ التيمُّم لكلِّ حدثٍ، وللنَّجاسة على البدن بعد تخفيفها ما أمكن، فإن تيمَّم لها قبل تخفيفِها، لم يصحَّ. (وإنْ وجدَ محدثٌ) حدثًا أكبرَ أو أصغرَ (-ببدنِه وثوبِه نجاسةٌ- ماءً لا يكفي، وجبَ غَسلُ ثوبِهِ، ثمَّ إنْ فضلَ شيءٌ غسلَ بدنَهُ، ثمَّ إنْ فضَلَ شيءٌ تطهَّرَ، وإلَّا): إنْ لمْ يفضلْ شيءٌ، (تيمَّمَ) (ويصحُّ التيمُّمُ لكلِّ حدثٍ) أصغرَ أو أكبرَ؛ لحديثِ عمرانَ بنِ حصينٍ، قال: كنَّا مع رسولِ اللهِ ﷺ في سفرٍ، فصلَّى بالنَّاسِ، فإذا هو برجلٍ معتزلٍ، فقال: "ما يمنعُك أن تصلِّيَ؟ " فقال: أصابتْني جنابةٌ، ولا ماءَ. قال: "عليك بالصَّعيدِ، فإنَّه يكفيكَ". متفقٌ عليه (١). وحائضٌ ونفساءُ كجنبٍ. (وللنجاسةِ على البدنِ) أي: نجاسةٍ غيرِ معفوٍّ عنها. "فائدةٌ": قال في "الرعاية": ولا يتيمَّمُ لغَسلِ يديه من نومِ ليلٍ أو نهارٍ. وإنْ وجبَ غسلُ ذكَرِه وأنثييه من المذي، جازَ التيمُّمُ لهما بشَرطِه. ولا يجبُ لنجاسةِ استحاضةٍ تعذرتْ إزالتُها، ولا لنجاسةٍ عُفيَ عنها (بعدَ تخفيفِها ما أمكنَ، فإنْ تيمَّمَ لها (٢) قبلَ تخفيفِها، لم يصحَّ) التيمُّمُ. وسواءٌ كانتْ بمحلٍّ صحيحٍ أو جريحٍ؛ لعمومِ قولِهِ ﵇: "الصعيدُ الطيبُ

стр. 177

الثامنُ: أن يكون بتُرابٍ طَهورٍ مُباحٍ غَيرِ محتَرِقٍ، له غُبارٌ يَعلَقُ باليَدِ. طهورُ المسلمِ" (١). وعُلِمَ منه: أنَّه لا يتيمُّمُ لنجاسةٍ بغيرِ بدنٍ. (الثامنُ) من شروطِ التيممِ: (أن يكونَ بترابٍ): فلا يصحُّ تيمُّمٌ برملٍ، أو نُورةٍ، أو جِصٍّ، أو نحتِ حجارةٍ ونحوِه. والمرادُ به: ترابُ الحرثِ (طهورٍ) بخلافِ ما تناثرَ من المتيممِ؛ لأنَّه استُعْمِلَ في طهارةٍ أباحت الصَّلاةَ، أشبَهَ الماءَ المستعملَ في طهارةٍ واجبةٍ. وإنْ تيمَّمَ جماعةٌ من موضعٍ واحدٍ، صحَّ، كما لو توضَّئوا من حوضٍ يغْترفون منه (مباحٍ) فلا يصحُّ بمغْصوبٍ، كالوضوءِ به. قال في "الفروع" (٢): ولو ترابَ مسجدٍ. ولعلَّه غيرُ مرادٍ، فإنَّه لا يُكره بترابِ زمزمَ، مع أنَّه مسجدٌ (غيرِ محترقٍ) فلا يصحُّ مما دقَّ من نحوِ خزَفٍ؛ لأنَّ الطبخَ أخرجَه عن أنْ يقعَ عليه اسمُ الترابِ (له غبارٌ يعلَقُ باليدِ) لقولِه تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المَائدة: ٦] وما لا غبارَ له لا يُمسحُ بشيءٍ منه، فلو ضربَ على نحوِ لِبْدٍ، أو بساطٍ، أو حصيرٍ، أو صخرةٍ، أو بَرذَعَةٍ (٣)، أو شعيرٍ، ونحوِه مما عليه غبارٌ طهورٌ لِعلَقُ بيدِه، صحَّ تيمُّمُه، بخلافِ مسبخةٍ لا غبارَ لها

стр. 178

فإن لم يَجِدْ ذلِكَ، صلَّى الفرضَ فقط على حَسَبِ حالِه، ولا يزيدُ في صَلاتِه على ما يُجزئُ، ولا إعادةَ. (فإن لم يجدْ ذلك) أي: الترابَ الطهورَ المباحَ (صلَّى الفرضَ فقط على حسَبِ حالِه) لأنَّ الطَّهارةَ شرطٌ، فلمْ تؤخرْ الصلاة عندَ عدمِه، كالسترةِ. قال العلَّامةُ الشيخُ مرعي في "الغاية" (١): ويتجِّهُ تيمّمُه عندَ عدمِ الترابِ بكلِّ ما تصاعدَ على الأرضِ، من نحوِ رملٍ، وجِصٍّ، ونُورةٍ، أولى من صلاتِه على حسبِ حالِه؛ خروجًا مَنْ خلافِ من أوجَبَهُ. انتهى. (ولا يزيدُ في صلاِتهِ) أي: مَنْ عدمَ الماءَ والترابَ (على ما يجزئُ) أي: فلا يقرأ زائدًا على الفاتحةِ، ولا يسبِّحُ أكثرَ من مرةٍ، ولا يزيدُ على ما يجزئ في طمأنينةِ ركوعٍ وسجودٍ وجلوسٍ بين السَّجدتين، وإذا فرغَ من الفاتحِة، ركَعَ في الحالِ. قالَه في "الإنصاف". وظاهرُهُ: لا فرقَ بين الجنبِ وغيرِه. قال الشيخُ منصورٌ: وتقييدُه في "شرح المنتهى" للمصنِّف بالجنبِ، غيرُ ظاهرٍ؛ لأنَّه وإنْ اتضحَ من حيثُ القراءةُ، لم يتضحْ بالنسبةِ إلى غيرِها (٢). ولا يجوزُ أن يقرأ خارجَ الصَّلاةِ إن كان جنبًا. (ولا إعادةَ) على مَنْ عدمَ الماءَ والترابَ، وصلَّى على حسبِ حالِهِ؛ لأنَّه أتى بما أُمِرَ به، فخرجَ من عهدَتِهِ.

стр. 179

فَصْلٌ واجبُ التيمُّم: التَّسميَةُ ، وتسقُط سَهوًا. وفُروضُهُ خمسَةٌ: مسحُ الوجهِ، ومسحُ اليدينِ إلى الكُوعَين. (فصلٌ) و (واجبُ التيممِ: التسميةُ) وهو أنْ يقولَ: بسمِ اللهِ. لا غير. وظاهرُهُ: ولو عن نجاسةٍ ببدنٍ كالنيةِ. (وتسقطُ سهوًا) وإنْ ذكرَها في بعضِه، ابتدأَ. (وفروضُه خمسةٌ) في الجملةِ: أحدُها: (مسحُ الوجهِ) ومنه اللِّحيةُ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [النِّساء: ٤٣]، سوى ما تحتَ شعرٍ، ولو كان خفيفًا، وسوى داخلِ فمٍ وأنفٍ، ويُكره ذلك. والثاني: (مسحُ اليدين إلى الكوعين) والكوعُ: طرفُ الزندِ الذي يلي (١) الإبهامَ. لقولِه تعالى: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النِّساء: ٤٣]، وإذا عُلِّقَ حكمٌ بمطلقِ اليدين، لم يدخلْ فيه الذراعُ، كقطعِ السارقِ، ومسِّ الفرجِ. ولحديثِ عمارٍ قال: بعثَني النبيُّ ﷺ في حاجةٍ، فأجنبتُ، فلم أجدِ الماءَ، فتمرغتُ في الصعيدِ، كما تتمرَّغُ الدابةُ، ثمَّ أتيتُ النبيَّ ﷺ ، فذكرتُ (٢) ذلك له، فقال: "إنَّما كان يكفيكَ أن تقولَ بيديك

стр. 180

الثالثُ: الترتيبُ في الطهارةِ الصُّغرى. فيلزمُ مَنْ جُرحُه ببَعضِ أعضَاءِ وضوئِه -إذا توضَّأ- أنْ يتيمَّمَ له عِندَ غَسلِه لو كانَ صَحِيحًا. هكذا". ثمَّ ضربَ بيديه الأرضَ ضربةً واحدةً، ثمَّ مسحَ الشِّمالَ على اليمينِ، وظاهرَ كفيه، ووجهَهُ. متفقٌ عليه (١). (الثالثُ) من فروضِ التيمُّمِ: (الترتيبُ في الطَّهارةِ الصغرَى) دونَ الكبرَى، وفى ونَ نجاسةٍ على بدنٍ؛ لأنَّ التيمَّمَ مبنئ على طهارةِ الماءِ، وهو فرضٌ في (٢) الوضوءِ دون ما سواه، وذلك بأنْ يمسحَ وجهَهُ، ثمَّ يديه. فإنْ عكسَ، لَمْ يصحَّ. (فيلزمُ مَنْ جَرْحُه ببعضِ أعضاءِ وضوئِه، إذا توضَّأَ) ترتيبٌ؛ لوجوبِه في الوضوءِ (أنْ يتيمَّمَ له) أي: للعضوِ الجريحِ ونحوِه (عندَ غسلِه لو كان صحيحًا) فإنْ كان الجرحُ ونحوُه في الوجهِ، وعمَّه، تيمَّمَ أولًا، ثمَّ أتمَّ وضوءَهُ. وإن كان في بعضِه، خُيِّرَ بينَ أن يغسلَ صحيحَه، ثمَّ يتيمَّمَ لجريحِه، وعكسُه، ثمَّ يتمُّ وضوءَه. وإنْ كان في عضوٍ آخرَ، لزِمَه غسلُ ما قبلَهُ، ثمَّ كان فيه على ما ذكرَ في الوجهِ. وإنْ كان في وجهِه ويديه ورجليه، احتاجَ في كلِّ عضوٍ إلى تيمُّمٍ في محلِّ غَسلِهِ؛ ليحصلَ الترتيبُ. فإنْ غسلَ صحيحٌ وجهَه، ثمَّ تيمَّمَ له وليديه تيمَّمًا واحدًا، لَمْ يجزئُه؛ لأدائِهِ إلى سقوطِ الترتيبِ بين الوجهِ واليدين. وأما التيمُّمُ عن جملةِ الطَّهارةِ، فالحكمُ له دونَها.
следующие страницы →