← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 803

شرح دليل الطالب - عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

Полный текст (1 686 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ويحرُم بروثٍ، وعظمٍ، وطعامٍ، ولو لبهيمة، فإن فَعَل، لمْ يجزِئْهُ بعدَ ذلك إلا الماء، كما لو تعدَّى الخارجُ مَوضِعَ العادة. يُعتبرُ قربُه منها، كما لو كان في بيتٍ (١). ولو (٢) كان الحائلُ كمُؤْخِرَةِ رَحلٍ؛ لحصولِ السترِ به (٣). (ويحرُمُ بروثٍ)، أي: الاستجمارُ، ولو لمأكولٍ (و) يحرُمُ بـ (عظمٍ) ولو من مذكّى؛ لحديثِ مسلمٍ (٤) عن ابنِ مسعودٍ مرفوعًا: "لا تستنجُوا بالرَّوثِ ولا بالعظامِ، فإنَّه زادُ إخوانِكم من الجنِّ". والنهيُ يقتضي الفسادَ، وعدمَ الإجزاءِ (و) يحرُمُ (بطعامٍ، ولو) كان الطعامُ (لبهيمةٍ)؛ لأنَّه ﵇، علَّلَ النهيَ عن الرَّوثِ والعظمِ بأنه زادُ الجنِّ، فزادُنا وزادُ دوابِّنَا أَوْلى؛ لأنَّه أعظمُ حرمةً. وبذي حُرمةٍ، ككُتُبِ فقهٍ وحديثٍ. وحرُمَ أيضًا بمتصلٍ بحيوانٍ، كذنَبِ البهيمةِ، وما اتصلَ بها من نحوِ شعرٍ وصوفٍ؛ لأنَّ له حرمةً، فهو كالطعامِ، وبجلدِ سمكٍ، أو حيوانٍ مذكَّى، أو حشيشٍ رطبٍ، أو ذهبٍ وفضةٍ، ومتنجسٍ. (فإنْ فعلَ، لمْ يجزئْه بعدَ ذلك) أي: ما تقدَّمَ. (إلَّا الماءُ، كما لو تعدَّى الخارجُ موضعَ العادةِ) بأن انتشرَ شيءٌ من الخارجِ على شيءٍ من الصَّفْحةِ، أو امتدَّ إلى الحشفةِ امتدادًا غيرَ معتادٍ؛ لأنَّ الاستجمارَ في المحلِّ المعتادِ رخصةٌ لأجل (٥)

стр. 72

ويجبُ الاستنجاءُ لكلِّ خارجٍ إلَّا الطاهرَ، والنجِسَ الذي لمْ يلوِّثِ المحلَّ. المشقَّةِ في غسله؛ لتكرارِ (١) النجاسةِ فيه، بخلافِ غيرِه، كما لو تعدَّتْ لنحوِ يدِه أو رجلِه، فيتعينُ الماءُ لما تعدَّى، ويُجزئ الحجرُ في الذي في محلِّ العادةِ. قال في "الفروعِ": وظاهرُ كلامِهم: لا يمنعُ القيامُ الاستجمارَ ما لمْ يتعدَّ الخارجُ، خلافًا للشافعيِّ، ولا يجبُ الماءُ لغيرِ المتعدي. نصَّ عليه. وقيل: بلى. ويتوجَّه: مع اتصالِه. ولا (٢) للنادرِ، خلافًا لمالكٍ (٣). وإن شكَّ في انتشارِ الخارجِ، لمْ يجبْ الغَسلُ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُه. (ويجبُ الاستنجاءُ) بماءٍ، أو نحوِ حجَرٍ. (لكلِّ خارجٍ) من سبيلٍ، ولو نادِرًا كالدودِ؛ لعمومِ الأحاديثِ (إلا الطاهرَ) كالمنيِّ والريحِ، (و) إلا الخارجَ (النجسَ الذي لمْ يُلوِّثِ المحلَّ) قطعَ به في "التنقيح"، خلافًا لما في "الإنصاف"؛ لأنَّ الاستنجاءَ إنَّما شُرِعَ لإزالةِ النجاسةِ، ولا نجاسةَ هنا (٤). "فائدةٌ": قال في "الإنصاف" (٥): لو كانتْ النجاسةُ على غيرِ السبيلين، أو على السبيلين غيرَ خارجةٍ منهما، صحَّ الوضوءُ قبل زوالِها، على الصحيحِ من المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطعَ به أكثرُهم.

стр. 73

فَصْلٌ يُسنُّ لداخلِ الخَلاءِ تقديمُ اليُسرى، وقولُ: بسم اللَّه، أعوذُ باللهِ من الخُبْثِ والخَبائِثِ. قال في "الحاشية" (١): فإن كانت النجاسةُ على غيرِ السبيلِ، أو عليه غيرَ خارجةٍ منه، صحَّ الوضوءُ والتيممُ قبل زوالِها. انتهى. (فصلٌ) (يُسنُّ لداخلِ الخلاءِ): بالمدِّ وفَتحِ الخاءِ. وأصلُه: المكانُ الخالي، سُمِّيَ به موضعُ الحاجةِ؛ لخلائِه في غيرِ وقتِها. وقال الجوهريُّ: سُمِّيَ بذلك لكونِه يُتخلَّى فيه. أي: ينفردُ. وقال أبو عبيدٍ: يقالُ لموضعِ الغائطِ: الخلاءُ، والمذهبُ، والمرفقُ، والمرحاضُ (٢). (تقديمُ اليسرَى) أي: رجلِه اليسرَى دُخولًا. أي حالَ دخولِه الخلاءَ. وكذا في دخولِ الحمامِ والمغتَسَلِ ونحوِهما، كالسوقِ، ومكانِ المعصيةِ، ولمريدِ قضاءِ الحاجةِ بالصحراءِ. (وقولُ: بسمِ اللهِ أعوذُ باللهِ من الخُبْثِ والخبائثِ) الخُبْثُ: بإسكانِ الباءِ. قالَه أبو عبيدةَ. وذكرَ القاضي عياض: أنه أكثرُ رواياتِ الشيوخِ، وفسَّرَه بالشرِّ. والخبائثُ: الشياطينُ. فكأنَّه استعاذَ من الشرِّ وأهلِه.

стр. 74

وإذا خرجَ قدَّم اليُمنى، وقالَ: غفرانَكَ، وقال الخطابيُّ: هو بضمِّ الباءِ، وهو: جمعُ خبيثٍ، والخبائثُ: جمعُ خبيثةٍ. فكأنَّهُ استعاذَ من ذُكرانِ الشياطينِ وإناثِهم. وقيل: الخبثُ: الكفرُ. والخبائثُ: الشياطينُ. (وإذا خرجَ قدَّمَ اليُمنى) لأنَّها أحقُّ بالتقديمِ إلى الأماكنِ الطيبةِ. وكذا في خروجِه من الحمَّامِ والمُغْتَسلِ ونحوِهما. وفي غيرِ البنيانِ يقدِّمُ يسراه إلى موضعِ جلوسِه، ويمناه عند منصرفِه، مع ما (١) تقدُّمٍ. قاله في "الإقناع" (٢). وعكسُه: مسجدٌ، وانتعالٌ، ومنزلٌ، ولبسُ نحوِ قميصٍ وخفٍّ وسراويلَ. فيقدِّمُ الأيمنَ على الأيسرِ؛ لما روى الطبرانيُّ في "المعجم الصغير" (٣) عن أبي هريرةَ رضي الله تعالى عنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "إذا انتعلَ أحدُكم فليبدأْ باليمنَى، وإذا خلعَ فليبدأ باليسرَى". (وقالَ: غفرانَك) أي: ويُسنُّ قولُ الخارجِ من خلاءٍ ونحوِه (٤): غفرانَك؛ لحديثِ عائشةَ: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا خرجَ من الخلاءِ قال: "غفرانَك". رواه الترمذيُّ (٥) وحسنَه. وهو منصوبٌ على المفعوليةِ، أي: أسألُك غفرانَك، من:

стр. 75

الحمد لله الذي أذهَب عنِّي الأذَى وعافاني. ويُكرهُ في حالِ التَّخلِّي استقبالُ الشمسِ والقمرِ، ومَهَبِّ الرِّيحِ، والكلامُ، الغَفْرِ، وهو: السَّتْرُ. فلمَّا خَلَصَ مما يُثقلُ البدنَ، سألَ الخلاصَ مما يُثقلُ القلبَ، وهو الذَّنْبُ، لتكْمُلَ الراحةُ. وسُنَّ له أيضًا أن يقولَ: (الحمدُ للهِ الذي أذهبَ عني الأذى وعافاني) لحديثِ أنسٍ: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا خرجَ من الخلاءِ يقولُه. رواه ابنُ ماجَه (١). وفي "مصنَّفِ عبدِ الرزاقِ" (٢): أنَّ نوحًا ﵇، إذا خرجَ من الخلاءِ كانَ يقولُ (٣): الحمدُ للهِ الذي أذاقني لذتَه، وأبقى فيَّ منفعتَه، وأذهبَ عني أذاه. (ويُكرَهُ في حالِ التخلي استقبالُ الشمسِ والقمرِ) لما فيهما من نورِ اللهِ تعالى، وقد روي أنَّ معهما ملائكةً، وأن أسماءَ اللهِ مكتوبةٌ عليهما. (و) يُكره له استقبالُ (مهبِّ الريحِ) لئلا (٤) يَرُدَّ عليه البولَ فينجسَه. أي: مع عدمِ الحائلِ في الجميعِ. (و) يُكره (الكلامُ) أي: في الخلاءِ ونحوِه، مطلقًا، سواءٌ كان مباحًا في غيرِه كسؤالٍ عن شيءٍ، أو مستحبًّا كإجابةِ مؤذنٍ، أو واجبًا كردِّ سلامٍ. نصًّا، لقولِ ابنِ

стр. 76

والبول في إناءٍ، عمرَ: مَرَّ بالنبيِّ ﷺ رجلٌ فسلَّمَ عليه وهو يبولُ، فلم يردَّ عليه. رواه مسلمٌ وأبو داودَ (١)، وقال: يُروى أنَّ النبيَّ ﷺ تيممَ ثم ردَّ على الرجلِ السلامَ (٢). وإنْ عطَسَ، حَمِدَ بقلبِه. وجزمَ صاحبُ "النظم" بتحريمِ القراءةِ في الحُشِّ وسطْحِه، وهو متجهٌ: على حاجتِه. وفي "الغنية": لا يتكلمُ ولا يذكرُ، ولا يزيدُ على (٣) التسميةِ، والتعوذِ. انتهى. لكن يجبُ تحذيرُ نحو ضريرٍ وغافلٍ عن هلكةٍ (٤). والمرادُ بكراهةِ الكلامِ في الخلاءِ: كراهتُه وهو على قضاءِ الحاجةِ، كما مرَّ في حديثِ ابنِ عمرَ بمعناه، لا بعدَهُ، وهو في الخلاءِ. (و) يُكره (البولُ (٥) في إناءٍ) بلا حاجةٍ، نصًّا. فإنْ كانتْ، لمْ يُكره؛ لقولِ أميمةَ (٦) بنتِ رُقيقةَ، عن أمِّها: كان للنبيِّ ﷺ قَدَحٌ من عَيْدانٍ تحتَ سريرِه، يبولُ فيه بالليلِ. رواه أبو داود (٧). والعَيدانُ، بفتحِ العينِ: طِوالُ النخلِ. ومن الحاجةِ أيضًا: كما لو كان في المسجدِ وقدْ أُغلقتْ أبوابُه، وليس به محلٌّ لقضاءِ الحاجةِ. ويحرمُ البولُ في المسجدِ في الإناءِ بلا حاجةٍ.

стр. 77

وشَقِّ، ونارٍ، ورَمَادٍ. ولا يكُره البولُ قائما. ويحرمُ استقبالُ القبلة واستدبارُها في الصحراء بلا حائلٍ، ويكفي إرخاءُ ذيلِهِ. (و) يُكره في (شَقٍّ) الشَّقُّ - بالفتحِ - هو الثقْبُ النازلُ المستطيلُ. (و) يُكره في (نارٍ، ورمادٍ) فإنَّ البولَ على النارِ يورِثُ السقمَ، ويؤذي برائحتِه. وكذا على الرَّمادِ. (ولا يُكره البولُ قائمًا) إنْ أمِنَ تلوثًا وناظرًا (ويحرُمُ استقبالُ القبلةِ واستدبارُها في الصحراءِ بلا حائلٍ، ويكفي إرخاءُ ذيلِهِ) أي: ويحرُمُ بفضاءٍ لا بنيانَ فيه، استقبالُ القبلةِ واستدبارُها ببولٍ أو غائطٍ؛ لقولِه ﵇: "شرِّقوا أو غرِّبوا". رواه الشيخان (١). ويجوزُ في البنيانِ، لما روَى الحسنُ بنُ ذكوانَ، عن مرْوانَ الأصفرِ قال: رأيتُ ابنَ عمرَ أناخَ راحلتَهُ، ثم جلسَ يبولُ إليها. فقلتُ: يا أبا عبد الرحمنِ، أليسَ قد نُهِي عن هذا؟ فقال: إنَّما نُهيَ عن هذا في الفضاءِ، أمَّا إذا كان بينَك وبينَ القبلةِ شيءٌ يسترُك، فلا. رواه أبو داود وابنُ خزيمةَ والحاكمُ (٢) وقال: على شرطِ البخاريِّ. والحسن بن ذكوان (٣) وإنْ كان جماعةٌ ضعَّفوه، فقد قوَّاه جماعةٌ (٤).

стр. 78

وأن يبولَ أو يتغوَّطَ بطريقٍ مسلوكٍ، وظلٍّ نافعٍ، وتحتَ شجرةِ عليها ثَمرٌ يُقصَدُ، وبين قبورِ المسلمين. وأن يلبثَ فوقَ حاجتِه. "ويكفي إرخاءُ ذيلِهِ": قاله في "الفروع" (١). وقد تقدَّمَ الإشارةُ إليه. ويتوجهُ: كسُترةِ صلاةٍ. (وأن يبولَ أو يتغوطَ) أي: يحرُمُ أن يبولَ أو يتغوطَ (بطريقٍ مسلوكٍ، وظلٍّ نافعٍ) وكذا مشمَسٌ زمنَ الشتاءِ، ومُتحدَّثُ الناسِ - قال الشيخُ في "غاية المنتهى" (٢): ويتجه: لا على حرامٍ (٣). يعني: لأنَّه يجوزُ البولُ والغائطُ - لحديثِ معاذٍ مرفوعًا: "اتَّقوا المَلَاعنَ الثلاثَ: البرازُ في المواردِ، وقارعةِ الطريقِ، والظِّلِّ" رواه أبو داود وابنُ ماجه (٤). وبالصَّفا والمروةِ، ومحلِّ الرَّمي. (و) يحرُمُ (تحتَ شجرةٍ عليها ثمرٌ يُقصدُ) أي: سواءٌ يؤكلُ أو لا؛ لأنَّه يُفسدُه، وتعافُه النَّفسُ. فإنْ لمْ يكنْ عليها ثمرٌ، لمْ يحرمْ، إن لمْ يكنْ لها ظلٌّ نافعٌ؛ لأنَّه يزولُ بالأمطارِ إلى مجيءِ الثمرةِ. (و) يحرمُ (بينَ قبورِ المسلمين) لأنَّه يحصلُ به تأذيةٌ، وأذيةُ المسلمِ حرامٌ، وحرمتُه باقيةٌ حيًّا وميتًا. (و) يحرمُ (أن يَلبثَ فوقَ) قدرِ (حاجتِهِ) أي: وهو على البولِ أو الغائطِ، لا في الخلاءِ بعد قيامِه، ولهذا علَّلوا المسألة: فإن فيه كشفَ عورةٍ بلا حاجةٍ. وقد قيل:

стр. 79

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إنه يُدمي الكبدَ، ويورثُ الباسورَ. وروى الترمذيُّ (١) عن ابنِ عمرَ مرفوعًا: إياكمْ والتَّعري، فإنَّ معكم من لا يُفارقكم إلا في الغائطِ، وحين يُفضي الرجلُ إلى أهلِه، فاسْتَحْيوهم وأكْرِموهم. "فائدةٌ": ويحرمُ منعُ المحتاجِ إلى الطَّهَّارةِ (٢)، ولو وُقِفَتْ على طائفةٍ معيَّنةٍ، كمدرسةٍ ورباطٍ، ولو في مِلكِه، ولا أجرةَ. وإن كان في دخولِ أهل الذمَّةِ طهَّارَةَ المسلمين تضييقٌ أو تنجيسٌ، أو إفسادُ ماء (٣) ونحوه، وجبَ منعُهم. قاله الشيخُ تقي الدين. قال الشيخ منصور (٤): وفي معناهم: من عُرِفَ - من نحو الرافضة - بالإفسادِ على أهلِ السنةِ، فيُمنَعُون من مطاهِرِهم. * * *

стр. 80

بابُ السِّواكِ (بابُ السواكِ) اسمٌ للعودِ الذي يُتسوَّكُ به، وكذلك المِسواكُ، بكسر الميم. قال ابنُ فارسٍ: سُمِّيَ بذلك لكونِ الرجلِ يُردِّدُه في فيه ويحرِّكُه. يقالُ: جاءتْ الإبلُ تَسَاوكُ. إذا كانت أعناقُها تضطربُ من الهزالِ. وقيل: من ساكَ، إذا دلَكَ. وهو يُذكَّرُ ويُؤنَّثُ. وقيل: يُذكَّرُ فقط. وجمعُه: سُوُكٌ ككُتُب. ويقالُ: سُؤكٌ بالهمزِ. واشتقاقُه: قيل: هو مشتقٌّ من الدَّلكِ. وقيل: من التمايلِ، يقالُ: استاكتْ الإبلُ، إذا تمايلتْ، قال في "المطلع": والأوَّلُ أصحُّ. ويطلقُ السواكَ على الفعلِ (١). وهو شرعًا: استعمالُ العودِ في الأسنانِ؛ لإذهابِ التغير ونحوِه. وأوَّلُ من استاكَ إبراهيمُ الخليلُ ﵇. قاله الحجاويُّ في "الحاشية". قال في "الفروع" (٢): السواكُ باعتدالٍ يُطيِّبُ الفمَ والنَّكْهةَ، ويجلو الأسنانَ، ويُقوِّيها، ويَشدُّ اللِّثةَ، قال بعضُهم: ويُسمِّنُها، ويقطعُ البلغمَ، ويجلو البصرَ، ويمنعُ الحفرَ - أي: تقشرُ أصولِ الأسنانِ - ويذهبُ به، ويُصحُّ المعدةَ، ويُعينُ على الهضمِ، ويُشهِّي الطعامَ، ويصفِّي الصوتَ، ويسهِّلُ مجاري الكلامِ، وينشِّطُ، ويطردُ النومَ، ويخفِّفُ عن الرأسِ، وفمِ المعدةِ. انتهى.

стр. 81

يُسن بعودٍ رَطْبٍ لا يتفتَّت. وهو مسنونٌ مطلقًا، إلَّا بعدَ الزوالِ للصَّائم، فيكره، قال بعضُهم (١): وتغذية جائعٍ، ومُضاعفةُ أجرٍ، ورضا ربٍّ، وإرهابُ عدوٍّ، وإرغامُ الشيطانِ، وتذكيرُ الشهادةِ عندَ الموتِ. (يُسنُّ بعودٍ رطبِ) أي: ليِّن. ولو عَبَّر به "كالمقنع" وغيرِهِ، لكانَ أولى. فيشملُ اليابسَ المندَّى. قالهَ الشيخ منصورٌ في "شرحِه" (٢). (لا يتفتَّتُ) في الفمِ (وهو) أي: السواكُ (مسنونٌ) خبَرٌ لـ"السواك" (مطلقًا) جميع الأوقاتِ والأحوالِ؛ لحديثِ عائشةَ: "السواكُ مطهرةٌ للفمِ، مرضاةٌ للربِّ". رواه الشافعيُّ، وأحمدُ، وابنُ خزيمةَ، والبخاريُّ تعليقًا (٣). ورواه أحمدُ أيضًا عن أبي بكرٍ (٤) وابنِ عمرَ (٥). وروى مسلمٌ وغيرُه (٦) عن عائشةَ: أنه ﵇، كان إذا دخلَ بيتَه بدأَ بالسواكِ. (إلا بعدَ الزوالِ للصائمِ، فيُكره) لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "لَخُلُوفُ فمِ الصائمِ أطيبُ عندَ اللهِ من ريحِ المسكِ". متفقٌ عليه (٧). وهو إنَّما يظهرُ غالبًا بعدَ

стр. 82

ويُسنُّ له قبلَه بعُودٍ يابسٍ، ويباحُ برطْبٍ. الزوالِ. ولأنَّه أثر عبادةٍ مُستطابٌ شرعًا، فتستحبُّ إدامتُه، كدمِ الشَّهيدِ عليه. (ويُسنُّ له قبله بعودٍ يابسٍ) للصائمِ قبلَه؛ لقولِ عامرِ بنِ ربيعةَ: رأيتُ النبيَّ ﷺ ما لا أُحصي، يتسوَّكُ وهو صائمٌ. رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ (١). وعن عائشةَ مرفوعًا: "مِن خيرِ خصالِ الصائمِ: السواكُ". رواه ابنُ ماجه (٢). وهذان الحديثان محمولان على ما قبلَ الزوالِ؛ لحديثِ البيهقيِّ عن عليٍّ مرفوعًا (٣): "إذا صمتمْ فاستاكوا بالغداةِ، ولا تستاكوا بالعشيِّ". والرَّطبُ مَظنَّةُ التحلُّلِ منه، فلذلك أُبيحَ السواكُ به، بخلافِ اليابسِ، فيستحَبُّ كما تقدَّمَ (٤). (ويباحُ) السواكُ (بـ) عودٍ (رطبٍ): أي: ليِّن، كما عبَّرَ في "الوجيز" وغيرِه. فيشملُ الأخضرَ واليابسَ المندَّى. قال في "الهداية" "وشرحها" للمجد: ويكونُ يابسًا قد نُدِّي بالماءِ. قال: وذلك لخضرةٍ تتحلَّلُ منه أجزاءٌ، واليابسُ من غيرِ بللٍ ربَّما جَرَحَ. فينعكسُ مقصودُ التنظيفِ والتطهيرِ؛ والسواكُ إنَّما هو مطهرةٌ، كما جاءَ الخبرُ. انتهى. ولا فرقَ بينَ سائرِ الأعوادِ على المذهبِ. وفي "الرعاية الكبرى": من أراكٍ، أو زيتونٍ، أو عُرجُونٍ، واقتصرَ عليها كثيرٌ من الأصحابِ. وفي "الفروع" (٥): يُكره بقَصَبٍ كريحانٍ ورمَّانٍ وآسٍ ونحوِها. قال بعضُهم:

стр. 83

ولم يُصبِ السنَّة مَنِ استاكَ بغيرِ عُودٍ. ويتأكَّدُ عند وُضُوءٍ، وصلاةٍ، وقراءةٍ، ولا يتسوكُ بما يجهلُه؛ لئلا يكونَ من ذلك، أي: المذكور. "فائدةٌ": يستحبُّ غسلُ ما على السواكِ بسبب التسوكِ، وإن لمْ يغسلْه، ولم يكنْ عليه شيءٌ كثيرٌ، فلا بأسَ، وإن كان سواكَ غيرِه (ولم يصبِ السنَّةَ من استاكَ بغيرِ عودٍ) كمَن استاكَ بإصبعِهِ أو خرقةٍ؛ لأنَّه لا يحصلُ به الإنقاءُ كالعودِ. ولأنَّ الشرعَ لمْ يردْ به (ويتأكدُ عندَ وضوءٍ) لحديثِ أحمدَ، عن أبي هريرةَ مرفوعًا: "لأمرتهم بالسواكِ مع كلِّ وضوءٍ" وهو للبخاريِّ تعليقًا (١). (و) عندَ (صلاةٍ) لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: " لولا أن أشقَّ على أمتي [لأمرتهم بالسواكِ عند كل صلاة" رواه الجماعة (٢). وفي لفظ لأحمد] (٣): "لفرضتُّ عليهم السواكَ، كما فرضتُ عليهم الوضوءَ" (٤). قال الشافعيُّ: لو كان واجبًا لأمرَهم به، شقَّ أو لمْ يشقَّ. (و) عندَ (قراءةِ) قرآنٍ؛ تطييبًا للفم، حتى لا يتأذَّى الملَكُ عند تلقِّي

стр. 84

وانتباهٍ من نومٍ، وتغيُّر رائحةِ فَمٍ، وكذا عندَ دخولِ مسجدٍ ومنزلٍ، وإطالةِ سُكُوتٍ، وصُفْرة أسنَانٍ. ولا بأس أن يتسوَّك بالعودِ الواحدِ اثنان، فصاعِدًا. فَصْلٌ يُسنُّ حَلقُ العانِة ، القراءة (١) منه. (و) يتأكدُ عندَ (انتباهٍ من نوم) ليلٍ أو نهارٍ. (و) عند (تغيرِ رائحةِ فمٍ، وكذا عند (٢) دخولِ مسجدٍ ومنزلٍ، وإطالةِ سكوتٍ، وصُفرةِ أسنانٍ. ولا بأسَ أنَّ يتسوَّكَ بالعودِ الواحدِ؛ اثنان فصاعدًا) يعني: ويجوزُ أن يستاكَ بالعودِ الواحدِ، اثنان فأكثرَ. (فصلٌ) (يسنُّ حلقُ العانةِ) وهو: الشعرُ النابتُ حولَ الفَرجِ بالحَلقِ، وإن استعمَلَ النُّورَةَ (٣)، فحسنٌ. وله قصُّه (٤) وإزالتُه بما شاءَ. والتنويرُ في العورةِ وغيرِها، فعلَه أحمدُ، وكذا النبيُّ ﷺ . رواه ابنُ ماجه من حديثِ أمِّ سلمةَ (٥).

стр. 85

ونتفُ الإبطِ، وتقليمُ الأظفار، والنظرُ في المِرَآة، وأولُ من صُنِعَتْ له النورةُ ودخلَ الحمَّامَ: سليمانُ بنُ داودَ ﵉؛ وذلك أنه لما تزوجَ بلقيسَ قالتْ: لمْ يمسني حديدٌ قطٌّ. فقال سليمانُ للشياطينِ: انظروا إلى شيءٍ يَذهبُ بالشعرِ، فقالوا: النورةُ. فكانَ أولَ من صُنِعَتْ له (١) (و) يسنُّ (نتفُ الإبطِ) لحديث أبي هريرةَ مرفوعًا: "الفطرةُ خمسٌ: الختانُ، والاستحدادُ، وقصُّ الشاربِ، وتقليمُ الأظفارِ، ونتفُ الإبطِ". متفقٌ عليه (٢). ويستحبُّ دفنُ ما أخذَهُ من أظفارِه أو شعرِه. قال أحمدُ: كانَ ابنُ عمرَ يفعلُه. وهو بكسر الباء (٣). (و) يسنُّ (تقليمُ الأظفارِ) مخالِفًا، وغَسلُها بعدَه، يومَ الجمعةِ قبلَ الزوالِ. فيبدأُ بخِنصَرِ اليُمنى، ثم الوسطى، ثم الإبهامِ، ثم البِنصَرِ، ثم السبابةِ، ثم إبهامِ اليسرَى، ثم الوسطى، ثم الخنصرِ، ثم السبابةِ، ثم البنصرِ. وسُنَّ أن لا يحيفَ عليها في السفرِ والغزوِ. ويفعلُ ذلك كلَّ أسبوعٍ، ويُكره تَرْكُه فوقَ أربعين. (و) يسنُّ (النظرُ في المرآةِ) بكسرِ الميمِ مع المدِّ والهمزِ. ويسنُّ أن يقولَ عندَ نظرِه فيها: "اللهم كما حسَّنتَ خَلقي، فحسِّنْ خُلُقي، وحرِّمْ وجهي على النَّارِ" (٤).

стр. 86

والتطيُّبُ بالطِّيب، والاكتِحالُ كُلَّ ليلةٍ في كلِّ عينٍ ثلاثًا، وحفُّ الشارب، وإعفاءُ اللِّحية، وحرُم حلقُها، ولا بأس بأخذِ ما زادَ على القبضةِ منها. (و) يسنُّ (التطيُّبُ بالطِّيبِ) يسنَّ للرجلِ بما يَظهرُ ريحُه ويخفى (١) لونُه، وللمرأةِ في غيرِ بيتِها عكسُه؛ لحديثِ أبي أيوبَ مرفوعًا: "أربعٌ من سُننِ المرسلين: الحياءُ، والتعطرُ، والسواكُ، والنكاحُ". رواه أحمدُ (٢). (و) يسنُّ (الاكتحالُ كلَّ ليلةٍ، في كلِّ عينٍ ثلاثًا) قبلَ النومِ بإثمدٍ مُطيَّبٍ بمسكٍ؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ مرفوعًا: "كان يكتحلُ بالإثمدِ كلَّ ليلةٍ قبلَ أن ينامَ، وكان يكتحلُ في كلِّ عينٍ ثلاثةَ أميالٍ". رواه أحمدُ، والترمذيُّ، وابنُ ماجه (٣). (و) يسنُّ (حفُّ الشاربِ) أو قصُّ طرَفِه. وحفُّه أَوْلى، وهو المبالغةُ في قصِّهِ. ومنه السِّبالان، وهما طرَفاه؛ لحديثِ أحمدَ (٤): "قصُّوا سِبالاتِكم، ولا تشبَّهوا باليهودِ". سُمِّيَ بالشاربِ؛ لانغماسِه في الشرابِ (٥). (و) يسنُّ (إعفاءُ اللحيةِ، وحرُمَ حلقُها، ولا بأسَ بأخذِ ما زادَ على القبضةِ منها) ولا يُكره أخذُ ما زادَ على القبضةِ، وما تحتَ حلقِه. وأخَذَ أحمدُ من حاجبَيه وعارضَيه. نقلَهُ ابنُ هانئٍ.

стр. 87

والخِتانُ واجبٌ على الذَّكَرِ والأُنثى عند البلُوغ، وقبلَه أفضلُ. (والختانُ واجبٌ على الذَّكرِ والأنثى عندَ البلوغِ، وقبلَه أفضلُ) الختانُ: أخذُ جلدةِ الحشفةِ. وقال جمعٌ: إن اقتصرَ على أكثرِها، جازَ، هذا في الذكرِ. والأنثى: أخذُ جلدةٍ فوقَ محلِّ الإيلاجِ، تُشبه عَرْفَ الديكِ. ويسُتحبُّ أن لا تؤخذَ كلُّها. نصًّا؛ لحديثِ: "اخفضِي ولا تَنْهكي، فإنَّه أنضرُ للوجهِ، وأحظَى عندَ الزَّوجِ" رواه الطبرانيُّ، والحاكمُ (١)، عن الضحاكِ بنِ (٢) قيسِ مرفوعًا. وللرجلِ جبرُ زوجتِه المسلمةِ عليه. ودليلُ وجوبه: قولُه ﷺ لرجلٍ أسلمَ: "ألقِ عنك شعرَ الكفرِ، واختتنْ". رواه أبو داودَ (٣). وإن ترَكَ الختانَ من غيرِ ضرر (٤)، وهو يعتقدُ وجوبَه، فَسَقَ. قاله في "مجمع البحرين". ومَنْ وُلدَ ولا قُلفةَ له، سقطَ وجوبُه (٥). وقوله: "عند البلوغِ" متعلِّقٌ بـ: "يجبُ"؛ لأنَّه قبلَ ذلك ليس مُكلَّفًا. وزمنُ صغرٍ أفضلُ؛ لأنَّه أقربُ إلى البرءِ. قال في "الإنصاف" (٦): على الصحيحِ من المذهبِ. زادَ جماعةٌ كثيرةٌ من الأصحابِ: إلى التمييزِ. قال الشيخُ (٧): هذا المشهورُ. وقال في "الرعايتين"، "والحاويين": يُسنُّ ما بين سبعٍ إلى عشرٍ. فإن خافَ على نفسِه تلفًا أو ضررًا، سقطَ وجوبُه.

стр. 88

بابُ الوُضُوءِ (بابُ الوضوءِ) بضمِّ الواو: فِعلُ المتوضئِ من الوضاءَةِ، وهي: النظافةُ والحسنُ؛ لأنَّه ينظفُ المتوضئَ ويحسنُه. وبفَتحِها: الماءُ يُتوضَّأُ به. فُرِضَ مع الصَّلاةِ. رواه ابنُ ماجه. وذلك قبلَ الهجرةِ بسَنةٍ. وليس من خُصُوصيَّاتِ هذه الأمَّةِ، وإنما الخاصُّ بها الغرَّةُ والتحجيلُ. وشرعًا: استعمالُ ماءٍ طَهورٍ (١) في الأعضاءِ الأربعةِ: الوجهِ (٢)، واليدينِ، والرأسِ، والرجلينِ، على صفةٍ مخصوصةٍ يأتي بيانُها. ويجبُ بحدَثٍ أي: بسببِه. وفي "الانتصار": بإرادةِ الصَّلاةِ بعده. قال ابنُ الجوزيِّ: لا تجبُ الطهارةُ عن حدثٍ ونجسٍ قبل إرادةِ الصَّلاةِ، بل تُستحبُّ. قال في "الفروع": ويتوجَّهُ: قياسُ المذهبِ: بدخولِ الوقتِ؛ لوجوبِ الصَّلاةِ؛ إذ وجوبُ الشرطِ بوجوبِ المشروطِ. وبه جزَمَ في "الإنصاف" (٣). قال في "الفروع": ويتوجَّهُ مثلُه في غُسلٍ، قال الشيخُ تقي الدين: وهو لفظيٌّ. أي: والخلافُ لفظيٌّ، لا في المعنى، فلا يجبُ الوضوءُ ولا الغسلُ إلا بعد دخولِ الوقتِ وإرادةِ الصَّلاةِ.

стр. 89

تجِبُ فيه التسميةُ، وتسقُطُ سهوًا، لكن ناقَشَ فيه ابنُ نصرِ اللهِ، وابنُ قندسٍ في "حاشية الفروع" بغَسلِ الشَّهيدِ، وغُسلِ الحائضِ لجنابةٍ عليهِما قبله؛ إذ مقتضى ذلك: أنَّ الواجِبَ ثبَتَ بالحدثِ؛ إذ لو كان بإرادة (١) الصَّلاةِ أو بدخولِ الوقتِ، لما أوجبوه بدونهما. قلتُ: وهذا غيرُ واردٍ على كلامِ الأصحابِ، إذ هو في وضوءٍ أو غُسلٍ يُرادُ للصلاةِ؛ بدليلِ السِّياقِ. قال المصنِّفُ في "الغاية" (٢): "ويجبُ بحدثٍ عند إرادةِ ما يَتوقفُ على طهارةٍ" وهذه العبارةُ أحسنُ من غيرِها! أو أنَّه يجبُ وجوبًا موسَّعًا، ويتحتَّمُ بإرادةٍ الصَّلاةِ، أو بدخولِ الوقتِ. (تجبُ فيه التسميةُ) أي: قولُ: بسمِ اللهِ، لا يقومُ غيرُها مقامَها، كاسمِ الخالقِ، أو بسم الرحمنِ، أو القدوسِ، ونحوِه، أو اللهُ أكبرُ، لمْ يجزئه. ومحلُّها: اللِّسانُ؛ لأنها ذكرٌ. ومحلُّ كمالِها: عقبَ النيةِ؛ لتشملَ كلَّ مفروضٍ أو مسنونٍ. ومحلُّ الإجزاءِ: عندَ أوَّلِ واجبٍ. والدليلُ على وجوبِها: ما روى أبو هريرةَ رضي الله تعالى عنه، عن النبيِّ ﷺ : "لا صلاةَ لمن لا وضوءَ له، ولا وضوءَ لمن لمْ يذكرِ اسمَ اللهِ عليه". رواه أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجه (٣). (وتسقطُ سهوًا) نصًّا - قال الشيخُ في "الغاية" (٤): وتسقطُ جهلًا - لحديثِ:

стр. 90

وإن ذكَرها في أثنائهِ ابتدأ. وفروضُه ستَّة: "عُفي لأمتي عن الخطأِ والنسيانِ" (١). (وإن ذكرَها في أثنائِه ابتدأً) الوضوءَ؛ لأنَّه أمكنَه أن يأتيَ بها على جميعِه، فوجبَ، كما لو ذكرها في أوَّلِه. صحَّحه في "الإنصاف"، وحكاه في "الفروع" (٢). وقيل: يأتي بها حيثُ ذكرَها، ويَبني على وضوئِه. قطعَ به في "الإقناع" (٣). قال الشيخُ في "الغاية" (٤): ويتجه: ويَبني معَ ضِيقِ وقتٍ، أو قلَّةِ ماءٍ. وعنه: أنها فَرضٌ لا تَسقُطُ بحالٍ. وعُلمَ مما تقدَّمَ: أنه لو لمْ يذكرْها حتى فرَغَ من وضوئِه، لمْ يلزمْه إعادتُه. وتَكفي إشارةُ أخرسَ ونحوِه كالمعتَقَلِ لسَانُه بها؛ لأنَّ ذلك غَايةُ ما يمكِنُه. قال ابنُ نصرِ اللهِ: وقد يُلحقُ بذلك مَنْ توضأَ في مكانٍ يمتنعُ عليه ذكرُ اللهِ فيه. والإشارةُ إمَّا بالإصبَعِ، أو بالطَّرفِ، أو برأسِه. (وفروضُه ستةٌ) أي: الوضوءِ. جَمعُ فرضٍ، وهو: ما يترتبُ الثوابُ على فعلِه، والعقابُ على تركِه. وهو ستةٌ:

стр. 91

غَسلُ الوجه، ومنه المضمضةُ والاستنشاقُ، وغَسل اليدين مع المِرفقين، ومسحُ الرأس كلِّه، أحدُها: (غسلُ الوجهِ) لقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. (ومنه) أي: من الوجهِ (المضمضةُ والاستنشاقُ) للفمِ والأنفِ؛ لدخولِهما في حدِّه، وكونِهما في حكمِ الظاهرِ؛ بدليلِ غسلِهما من النجاسةِ، وفِطرِ الصائمِ بعَودِ القيءِ بعدَ وصولِ شيءٍ إليهما. (و) الثاني: (غَسلُ اليدين معَ المِرفَقين) لقولِه تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. وكلمةُ "إلى" تستعملُ بمعنى "مع" كقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]. فيجبُ إدخالُ المرفقين في الغَسلِ. والمرفق - بكسر الميم وفتح الفاء، وعكسه - سُمِّيَ به لأنَّه يُرتَفَقُ به في الإتِّكاءِ عليه. وقد روى الدارقطنيُّ (١) عن جابرٍ قال: كان النبيُّ ﷺ إذا توضَّأَ، أدارَ الماءَ على مرْفقيه. (و) الثالثُ: (مسحُ الرأسِ كلِّه) لقولِه تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] والباءُ فيه للإلصاقِ، فكأنَّه قال: امسحوا رؤوسَكم. قال ابنُ بَرهان: من زعمَ أن الباءَ للتبعيضِ، فقد جاءَ أهلَ (٢) اللغةِ بما لا يعرفونه. ولأنَّ الذين وصفوا وضوءَ النبيِّ ﷺ ذكروا أنَّه مسحَ رأسَه كلَّه. وما رُوي أنَّه ﵇ مسحَ مقدَّمَ رأسِه، فمحمولٌ على أن ذلك مع العمامة، كما جاء مفسَّرًا في حديثِ المغيرةِ بنِ

стр. 92

ومنه الأذنان، وغَسلُ الرجلين مع الكعبين، شعبةَ (١)، ونحن نقولُ به. وعَفَى في "المبهج"، و"المترجم" عن يسيرِه، للمشقَّةِ. وصوَّبه في "الإنصاف". قال الزركشي: وظاهرُ كلامِ الأكثرين بخلافِه (٢). (ومنه الأذنانِ) الأذُنُ: بضمِّ الهمزة معَ ضمِّ الذال المعجمة، وسكونها. لحديثِ ابنِ ماجه وغيرِه (٣) من غيرِ وجهٍ مرفوعًا: "الأذنانِ من الرأسِ". فيجبُ مسحُهُما. (و) الرابعُ: (غسلُ الرجلين معَ الكَعبين) لقولِه تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] قُرئ: أرجلَكم. بالنصب، وهي قراءةُ ابنِ عامرٍ، فتكونُ معطوفةً على المغسولِ. وقُرئ بالجرِّ؛ للمجاورةِ. كقولِه تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٦] بالمجاورةِ ليومٍ. مع أنَّه صفةٌ لعذابٍ، وهو منصوبٌ. ورُدَّ بأن الإعرابَ بالمجاورةِ شاذٌّ، فلا ينبغي حملُ الكتابِ العزيزِ عليه. وقيل: بل بالعطفِ على الممسوحِ، وأنَّ المرادَ: مسحُ الخفين، على قراءةِ الجرِّ، وغسلُ الرجلين على قراءةِ النصبِ. وإذا احتملتْ الأمرين: وجبَ الرجوعُ إلى فعلِه ﵇؛ لأنَّه مبيِّنٌ، إما بقولِه، وإما بفعلِه، وقد قال ﵇ في حديثِ عمرِو بنِ عبَسة (٤): ثم غسلَ

стр. 93

والترتيبُ، رجليه كما أمرَ اللهُ. فثبَتَ أنَّ اللهَ تعالى إنَّما أمرَ بالغَسلِ، لا بالمسحِ. ويَحتَمِلُ أنه أرادَ بالمسحِ: الغَسلَ الخفيفَ. قال أبو علي الفارسيُّ: العربُ تسمِّي خفيفَ الغَسلِ: مَسحًا. فيقولون: تمسَّحتُ للصَّلاةِ. أي: توضَّأتُ (١). وخُصَّتِ الأرجلُ بذلك دونَ بقيةِ الأعضاءِ؛ لأنها تُقصدُ بصبِّ الماءِ كثيرًا، فهي في مظنَّةِ الإسرافِ المنهيِّ عنه، فلذلك عطفتْ على الممسوحِ؛ تنبيهًا على الاقتصارِ في صبِّ الماءِ. وقيل: إلى الكعبين. ليزولَ وهْمُ مَنْ يظُنُّها ممسوحةً؛ إذ المسحُ لمْ يحددْ في كتابِ اللهِ تعالى، بخلافِ الغَسلِ (٢). وحينئذٍ معنى القراءتين واحدٌ؛ وهو الغَسلُ. والمرادُ بالكعبين (٣): قال الجوهري: الكَعبُ: العظمُ الناتئُ عند ملتقى الساقِ والقَدَمِ. وأنكرَ الأصمعيُّ قولَ الناسِ: إنه في ظَهرِ القَدمِ. قاله في "المطلع" (٤). (و) الخامسُ: (الترتيبُ) بين الأعضاءِ، كما ذكرَ اللهُ تعالى؛ لأنَّه أدخلَ ممسوحًا بين مغسولَينِ، وقطعَ النظير (٥) عن نظيرِه، وهذه قرينةُ إرادةِ الترتيبِ. وتوضَّأَ رسولُ اللهِ ﷺ مرتَّبًا، وقال: "هذا وضوءٌ لا يقبلُ اللهُ الصَّلاةَ إلا به" (٦) أي: بمثلِهْ

стр. 94

والموالاةُ. وما رُوي عن عليٍّ: ما أُبالي إذا أتممت (١) وضوئي بأيِّ أعضائي بدأتُ (٢). قال أحمدُ: إنَّما عَنَى به اليُسرى قبلَ اليمنى؛ لأنَّ مخرجَهما في الكتابِ واحدٌ. وروى أحمدُ بإسنادِه: أنَّ عليًّا سُئِلَ، فقيل له: إنَّ أحدَنا يستعجلُ فيغسلُ شيئًا قبل شيءٍ؟ فقالَ: لا، حتى يكونَ كما أمرَ اللهُ تعالى. وما رُويَ عن ابنِ مسعودٍ ﵁: لا بأسَ أن تبدأَ برجليك قبلَ يديك في الوضوءِ (٣). فلا يُعرفُ له أصلٌ. والواجبُ الترتيبُ، لا عدمُ التنكيس. فلو وضَّأه أربعةٌ في حالةٍ واحدةٍ، لمْ يجزئْه. ولو انغمسَ في ماءٍ راكدٍ أو جارٍ، ينوي رفعَ الحدثِ، لمْ يرتفعْ، حتى يخرجَ مرتبًا مع مسحِ رأسِه في محلِّه، على ما تقدَّمَ: أنَّ الجاري كالراكدِ، خلافًا لما ذكرَه جمعٌ هنا. وإن نكَّسَ وضوءَه، لمْ يحتسبْ بما غسلَه قبلَ وجهِه. وإنْ توضَّأَ منكسًا أربَع مراتٍ، صحَّ وضوؤه إذا كان متقاربًا يحصلُ له من كلِّ وضوءٍ غسلُ عضوٍ (٤). ولو غسلَ أعضاءَه دُفعةً واحدةً لمْ يصحَّ، إلَّا غَسلُ وجهِه. (و) السادسُ: (الموالاةُ) لحديثِ خالدِ بنِ معدانَ: أنَّ النبيَّ ﷺ رأى رجلًا يصلِّي وفي ظهرِ قَدَمِه لُمعةٌ قدرَ الدرهمِ ولم يصبْها الماءُ، فأمرَه أن يعيدَ الوضوءَ. رواه أحمدُ وأبو داودَ (٥)، وزادَ: "والصَّلاة". وفي إسنادِه بقيَّةُ، وهو ثقةٌ، روى له

стр. 95

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مسلمٌ. ولو لمْ تجبْ الموالاةُ، لأمر بغسلِ اللُّمْعَةِ فقط. ولأنَّ الوضوءَ عبادةٌ يفسدُها الحدثُ، فاشترطت (١) لها الموالاةُ، كالصَّلاةِ. ولم يُنقلْ عن النبيِّ ﷺ أنَّه توضَّأَ إلا متواليًا. ولم يُشترطْ في الغُسلِ ترتيبٌ ولا موالاةٌ؛ لأنَّ المغسولَ فيه بمنزلةِ عضوٍ واحدٍ. وهي: أن لا يؤخِّرَ غَسلَ عضوٍ حتى يجفَّ ما قبله بزمنٍ معتدلٍ، أو قدرِه - أي: قدرِ الزمنِ المعتدلِ - من غيرِه، أي: غيرِ المعتدلِ؛ بأن كان حارًّا أو باردًا. قال العلامةُ الشيخُ مرعي في "غاية المنتهى" (٢): الاعتبارُ في المعتدلِ بما بين ليلٍ ونهارٍ. وتفوتُ الموالاةُ إن جفَّ عضوٌ، أو بعضُه قبلَ غسلِ ما بعدَهُ، أو بقيَّتِه؛ لاشتغالٍ بتحصيلِ ماءٍ يُتَمِّمُ به وضوءَه، أو إسرافٍ، أو إزالةِ نجاسةٍ، أو إزالةِ وسَخٍ ونحوِه، كجبيرةٍ حلَّها لغيرِ طهارةٍ، بأن كان ذلك في غيرِ أعضاءِ الوضوءِ، فإن (٣) كان فيها، لمْ يؤثِّرْ؛ لأنَّه إذنْ من أفعالِ الطهارةِ. ولا يضرُّ اشتغالُه بسنَّةٍ من سننِ الوضوءِ، كتخليلِ لحيةٍ، أو إسباغِ الماءِ، أي: إبلاغِه مواضعَه من الأعضاءِ؛ بأن يوفِّىَ كلَّ عضوٍ حقَّه. وإزالةِ شكٍّ، وإزالةِ وسوسةٍ؛ لأنها شكٌّ في الجملةِ.

стр. 96

وشروطُه ثمانية: انقطاعُ ما يوجبُه، والنيةُ، ولما انهى (١) الكلامَ على فروضِ الوضوءِ، شرعَ في شروطِه، فقال: (وشروطُه) وهي (ثمانيةٌ): (انقطاعُ ما يوجبُه) مِن سبيلٍ، أو غيرِه كقيءٍ. وهذا التعبيرُ أَوْلى من قولِ صاحبِ الأصلِ: "وفراغُ خروجِ خارجٍ" إذ لا يَشملُ نحوَ لمسٍ ونحوِه. (و) الثاني: (النيةُ) لخبرِ: "إنَّما الأعمالُ بالنياتِ" (٢) أي: لا عملَ جائزٌ ولا فاضلٌ إلا بها. ولأنَّ النصَّ دلَّ على الثوابِ في كلِّ وضوءٍ، ولا ثوابَ في غيرِ منويٍّ إجماعًا. قالَه في "الفروع" (٣). ولأنَّ النيةَ للتمييزِ. ولأنَّه عبادةٌ، ومن شرطِها النيةُ. وأما استقبالُ القبلةِ وسترُ العورةِ، فنيةُ الصَّلاةِ تضمَّنتْهُما؛ لوجودِهما فيها حقيقةً، بخلافِ الوضوءِ فإن الموجودَ منه في الصَّلاةِ حُكمُه، وهو ارتفاعُ الحدثِ، لا حقيقتُه. ولذلك لو حلَفَ لا يتوضَّأُ، وكان متوضِّئًا، ودامَ على ذلك، لمْ يحنثْ، بخلافِ السترةِ والاستقبالِ. إنَّما اشتُرِطتْ النيةُ لطهارةِ الحدثِ دون طهارةِ الخبثِ؛ لأنَّ طهارةَ الحدثِ بابُها الفعلُ، فأشبهتْ الصَّلاةَ، وطهَارةُ الخبثِ بابُها التركُ، فأشبهتْ تركَ الزنى. سِوى غُسلِ كِتابيةٍ لزوجٍ أو سيدٍ مسلم (٤) من حيضٍ أو نفاسٍ. وسوى مسلمةٍ

стр. 97

والإسلامُ، والعقلُ، والتمييزُ، والماءُ الطهور المُباح، وإزالةُ ما يمنعُ وصولَه، والاستنجاء. ممتنعةٍ من غُسلِ لزوجٍ مِن حيضٍ، حتى إنه لا يطؤها ما دامَت (١) كذلك. فتُغسَّل قَهرًا من أجلِ حقِّ الزوجِ، ويباحُ له وطؤُها. ولا نيةَ مُشتَرطةٌ هنا؛ للعذرِ. والصحيحُ: لا تصلِّي به، ذكرَهُ في "النهاية". ويُنوىَ الغُسلُ عن ميتٍ ومجنونةٍ غُسِّلا؛ لتعذّرِ النيةِ منهُما (٢). (و) الثالثُ: (الإسلامُ). (و) الرابعُ. (العَقلُ) سِوى ما تقدَّمَ، وهو: الكتابيةُ والمجنونةُ، إذا اغتَسلتا من نحوِ حيضٍ. (و) الخامسُ: (التمييزُ) لأنَّه أدنى سنٍّ يعتبرُ قصدُ الصغيرِ فيه شرعًا، فلا يصحُّ وضوءٌ ولا غسلٌ ممَّنْ لم يميِّزْ. (و) السادسُ: (الماءُ الطهورُ المباحُ) أي: إباحةُ الماءِ. فلو توضَّأَ أو اغتسلَ بمغصُوبٍ، أو ماءٍ عقدُهُ فاسدٌ، أو وقفٌ للشربِ، أو مِن الآبارِ المحرَّمةِ الاستعمال؛ كآبارِ دِيارِ ثمودَ، غيرِ بئرِ الناقةِ، لم يصحَّ. والظاهرُ: أن المرادَ إن كان عالمًا ذاكرًا، كما صرحوا به في الصَّلاةِ والحجِّ، وإلا فيصحُّ؛ لعدمِ الإثمِ إذنْ. (و) السابعُ: (إزالةُ ما يمنعُ وصولَه) أي: الماءِ إلى البَشَرةِ؛ ليحصُلَ الإسباغُ المأمورُ به. (و) الثامنُ: (الاستنجاءُ) أو الاستجمارُ. وتقدَّمَ بيانُهُ.

стр. 98

فَصْلٌ فالنيةُ هُنا: قصدُ رَفعِ الحَدَثِ . أو قَصدُ ما تجِبُ له الطهارةُ، كصلاةٍ، وطوافٍ، ومَسِّ مُصحَفٍ. أو قصدُ ما تُسَنُّ له، كقراءةٍ، وذكرٍ، وأذانٍ، ونومٍ، ورفع شكٍّ (فصلٌ) (فالنيةُ هنا: قصدُ رفعِ الحدثِ): فالنيةُ المعتبرةُ في الوضوءِ: قصدُ رفعِ الحدثِ أي: الوصفِ القائمِ بالبدنِ، المانعِ من الصَّلاةِ ونحوِها. قال في "المبدع" (١): والمرادُ رفعُ حكمِه، وإلا فالحدثُ إذا وقعَ لا يرتفعُ. قلتُ: هذا إذا أُريدَ بالحدثِ نفسُ الناقضِ، وأمَّا إذا أُريدَ به الوصفُ المذكورُ، فإنَّه يرتفعُ، فلا حاجةَ إلى هذا التقديرِ. "تنبيهٌ": لا يضرُّ مع الإتيانِ بالنيةِ المعتبرةِ نيةُ التبردِ، أو ما لا تشرعُ له الطهارةُ كالبيعِ. وإن نوى صلاةً معينةً لا غَيرَها، ارتفعَ مطلقًا، وإن فرَّقَ النيةَ على أعضاءِ الوضوءِ، جازَ (٢). (أو قَصْدُ ما) أي: فعلٍ كصلاةٍ، أو قولٍ كقراءةٍ (تجِبُ له الطهارةُ) أي: الوضوءُ أو الغسلُ (كصلاةٍ، وطوافٍ، ومسِّ مُصحفٍ) فإنَّ الطهارةَ واجبةٌ في هذه الصورِ. (أو قصدُ ما تُسنُّ له) الطهارةُ من قولٍ أو فعلٍ (كقراءةِ) قرآنٍ (وذكرِ) اللهِ تعالى (وأذانٍ، ونومٍ، ورفعِ شكٍّ) والمرادُ بالشكِّ: مطلقُ التردُّدِ، لا ما زعَمَ الأصوليون

стр. 99

وغضبٍ، وكلامٍ محرَّمٍ، وجلوسٍ بمسجدٍ، وتدريسِ علمٍ، وأكل. فمتى نَوَى شيئًا من ذلِكَ، ارتفعَ حدَثُه. ولا يَضرُّ سَبقُ لِسانِه بغَيرِ ما نَوى، ولا شكُّه في النِّية، أو في فَرضٍ، بعد فراغِ كلِّ عبادة. وإن شكَّ فيها في الأثناء، استأنف. أنه: ما استوى طرفاه من إثباب ونفيٍ. (وغَضَبِ، وكلامِ محرمٍ) أي: لغيبةٍ أو قذفٍ (وجلوسٍ بمسجدٍ، وتدريسٍ علمٍ) وقيل: وكَتابةٍ. (وَأكلٍ) وشربٍ لجُنُبٍ. وفي "النهاية": وزيارةِ قبرِ النبيِّ ﷺ (١). قالَه في الأصلِ (٢). (فمتى نوَى شيئًا من ذلك) أي: ما تجبُ له الطهارةُ، أو تُسنُّ، (ارتفعَ حدثُه) أي: الوصفُ القائمُ به. (ولا يَضرُّ سَبقُ لسانِه بغيرِ ما نوى) أي: عندَ تلفظِه بالنيةِ، كقولِ مَنْ أرادَ الوضوءَ: نويتُ الصومَ. لأنَّ النيةَ محلُّها القلبُ، لا اللِّسان. (ولا) يضرُّ (شكُّه في النيةِ، أو في فرضٍ بعد فراغِ كلِّ عبادةٍ) أي: لا يضرُّ شكٌّ في النيةِ أو الطهارةِ بعدَ الفراغِ. وكذا لو شكَّ في غسلِ عضوٍ أو مسحِه بعده. أما قبل الفراغَ فكمَنْ يأتي بما شكَّ فيه، إلا أنْ يكونَ وهمًا كالوسواسِ، لم يلتفتْ إليه. وكذا سائرُ العباداتِ؛ عملًا باليقينِ. (وإن شكَّ فيها)، أي: في الطهارةِ، أو النيةِ (في الأثناءِ: استأنفَ). أي: لزمَهُ استئنافُها، كما لو شكَّ في نيةِ الصَّلاةِ، وهو فيها؛ لأنَّ النيةَ هي القصدُ. وإن غسلَ

стр. 100

فصلٌ في صفة الوُضوءِ وهي (١): أن ينوي، ثم يُسمِّيَ، ويغسلَ كفَّيهِ، ثم يتمضمضُ ويستنشِقُ، ثم يغسِلُ وجهَهُ مِنْ منابتِ شعرِ الرأسِ المعتادِ، بعضَ أعضائِه بنيةِ الوضوءِ، وبعضَها بنيةِ التبرُّدِ، ثم أعادَ ما غسلَه بنيةِ التبردِ بنيةِ الوضوءِ، أجزأَ، ما لم يطلِ الفصلُ. وعُلِمَ مما تقدَّمَ: أنَّه لو أبطلَ النيةَ في أثناءِ طهارتِه، بطلَ ما مضى منها. قال في "الإنصاف": على الصحيحِ من المذهبِ. اختارَه ابنُ عقيلٍ، والمجدُ في "شرحِه"، وقدَّمه في "الرعايتين" و"الحاويين". وقيل: لا يَبطلُ ما مَضَى منها. جزمَ به المصنِّفُ في "المغني". انتهى (١). (فصلٌ في صفةِ الوضوءِ) أي: كيفيتِه الكاملةِ (وهي: أن يَنوي) رفعَ الحدثِ، أو (٢) استباحةَ نحوِ صلاةٍ، أو الوضوءَ لها (ثم يُسمِّيَ) فيقولُ: بسمِ اللهِ. لما تقدَّمَ. وعُلمَ منه: أنه يجبُ تقديمُ النيةِ على التسميةِ، فلو قَدَّمَ التسميةَ، لَمْ يُعتدَّ (بها ويغسلَ كفَّيه) ثلاثًا. (ثم يتمضمضُ) ثلاثًا (ويستنشقُ (٣)) ثلاثًا (ثمَّ يَغسلُ وجهَه) ثلاثًا. وحَدُّه: (مِن منابتِ شعرِ الرأسِ المعتادِ) غالبًا، فلا عِبرةَ بالأفرعِ، بالفاء: الذي ينبتُ شعرُه في

стр. 101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بعضِ جبهتِه، ولا بالأجلحِ: الذي انحسرَ شعرُه عن مقدَّمِ رأسِه، إلى النازلِ مِن اللَّحيينِ -بفتح اللام وكسرها، وهما: عظمانِ في أسفلِ الوجهِ- والذَّقَنِ، وهو: مجمعُ اللحيةِ. طولًا. فيجبُ غسلُ ذلك مع مُستَرسِلِ شعرِ اللِّحيةِ طولًا، وما خرجَ منه عن حدِّ الوجهِ عرضًا؛ لأنَّ اللحيةَ تشاركُ الوجهَ في معنى التوجُّهِ والمواجهةِ، بخلافِ ما نزلَ من الرأسِ. وحَدُّ الوجهِ عرضًا: من الأُذنِ إلى الأذنِ. وهو ما بينَ الأذنين، وهما ليسا منه. وأمَّا إضافتُهما إليه في قولِه ﷺ : "سجدَ وجهي للذي خلقَهُ وصوَّرَه، وشقَّ سمعَه وبصرَه". رواه مسلمٌ (١). فللمجاورةِ. ولم يُنقلْ عن أحدٍ ممَّنْ يُعتدُّ به أنَّه غسلَهُما مع الوجهِ فيدخلُ فيه عِذارٌ، وهو: شعرٌ نابتٌ على عظمِ الذقنِ ناتيءٍ يحاذي صِماخَ الأذنين. ويدخلُ فيه (٢) عارضٌ، وهو: ما تحتَ العِذارِ إلى الذَّقنِ. قال الأصمعيُّ: ما جاوزَتْه الأذنُ: عارضٌ. ولا يدخلُ فيه صُدغٌ، بضم الصاد، وهو: ما فوقَ العِذارِ يحاذي رأسَ الأذنِ، وينزلُ عنه قليلًا. ولا تحذيفٌ، وهو: الخارجُ إلى طرفي الجبينِ في جانبيِ الوجهِ بينَ النَّزَعَةِ: ومنتهَى العِذارِ.

стр. 102

ولا يُجزئُ غَسلُ ظاهرِ شعرِ اللِّحيةِ، إلَّا أنْ لا يصفَ البشرةَ، ثم يغسِلُ يديه مع مِرفَقَيه، ولا يضُّرُ وسخٌ يسيرٌ تحتَ ظُفرٍ ونحوِه، ولا يدخلُ النزعتان، وهما: ما انحسرَ عنه الشعرُ من جانبيِ الرأس (١)، أي: جانبي مقدَّمِه. "تتمةٌ": يُستحبُّ تعاهدُ المَفْصِلِ بالغَسلِ، وهو: ما بينَ اللِّحيةِ والأذنِ. نصًّا. (ولا يجزئُ غسلُ ظاهرِ شعرِ اللحية إلا أن) يكونَ الشعرُ كثيفًا (لا يصفُ البشرةَ) فيجزئُه غسلُ ظاهرِه، لحصولِ المواجهةِ به دون البشرةِ تحتَه، فتعلَّقَ الحكمُ به. وفي "الرعاية": يُكرَهُ غسلُ باطنِها. وصحَّحه في "الإنصاف"، وتبعَه في "الإقناع" (٢). تتمةٌ: إن كان بعضُ الشعرِ كثيفًا، وبعضُه خفيفًا، وجبَ غسلُ بشرةِ الخفيفةِ، وظاهرِ الكثيفِ. قاله في "الشرح" (٣). قال في "الغاية" (٤): ولا يَغسِلُ داخلَ عينٍ، بل يُكره. ولا يجبُ من نجاسةٍ، ولو أَمِنَ الضررَ. ويتَّجهُ احتمالٌ: ودَمعُه طاهرٌ. قاله العلامةُ الشيخُ مرعي. (ثم يغسلُ يديه مع مرفقيه) ثلاثًا (ولا يضرُّ وسخٌ يسيرٌ تحتَ ظفرٍ ونحوِه) كداخلِ أنفِه؛ لأنَّ هذا مما (٥) يكثرُ وقوعُه عادةً، فلو لمْ يصحَّ معه الوضوءُ لبيَّنه ﵊؛ إذ لا يجوزُ تأخيرُ البيانُ عن وقتِ الحاجةِ.

стр. 103

ثم يمسحُ جميعَ ظاهِرِ رأسِهِ من حدِّ الوجه إلى ما يُسمَّى قَفًا، والبياضُ فوقَ الأذُنين منهُ وألحقَ به الشيخُ (١): كلَّ يسيرٍ مَنَعَ الماءَ، كدمٍ وعجينٍ، في أي عضوٍ كان -ومَنْ خُلقَ بلا مِرفقٍ غَسلَ إلى قدرِه في غالبِ الناسِ- قال الشيخُ منصورٌ في "حاشيتِه على المنتهَى" (٢): ومِثلُه: ما يعلقُ بأصولِ الشعرِ من قَملٍ ونحوِه، وما يكونُ بشقُوقِ الرِّجل من الوسَخِ. وممَّنْ (٣) يشقُّ التحرزُ منه، كأربابِ الصنائعِ والأعمالِ الشاقَّةِ من الزراعةِ وغيرِها. اختارَهُنَّ في "التلخيص"، وأطلَقَهُنَّ في "الفروع". (ثمَّ يمسحُ جميع (٤) ظاهرِ رأسِه) بالماءِ، فلو مسحَ البشرةَ، لم يجزئ، كما لو غسلَ باطنَ اللحيةِ. ولا يمسحُ المسترسلَ، ولا يجزئُ ولو (٥) ردَّه وعقَدَه على رأسِه؛ لأنَّه ليس منه. ومعَ فقدِ شعرٍ تُمسَحُ بشرةٌ، ومع فقدِ بعضٍ يُمسَحَانِ، وإن نزلَ عن مَنبَتِه ولم ينزلْ عن محلِّ فرضٍ فمسحَ عليه، أجزأَه، ولو كان ما تحته محلوقًا. ولا يُعفى عن تركِ شيءٍ من الرأسِ بلا مسحٍ، ولو للمشقَّةِ (٦). وقال الكعبريُّ في كتابِه "المنهج": وعفَى بعضُهم عن تركِ بعضِه للمشقَّةِ. وتبعَه في "الإقناع". وهو (مِن حدِّ الوجهِ إلى ما يُسمَّى قفَا، والبياضُ فوقَ الأذنين منه) يُمِرُّ ندْبًا

стр. 104

ويُدخِلُ سبَّابتيه في صِماخِ أذُنيه، ويمسحُ بإبهاميه ظاهرَهُما، يديه من مقدَّمِه إلى قفَاه، واضعًا طرفَ إحدى (١) سبَّابتيه على طرفِ الأُخرى، وإبهامَيه على صُدغَيه، ثمَّ يَردُّهما، ولو خافَ نشرَ شعرٍ، بماءٍ واحدٍ. مشَى عليه في "الإقناع"، وتبعَه في "الغاية" (٢). "فائدةٌ": لو مسحَ رأسَه، ثم حلقَه، أو غسلَ عضوًا، ثم قَطعَ منه جُزءًا أو جلدةً، لم يؤثِّرْ؛ لأنَّه ليس ببدلٍ عمَّا تحتَه. وإن تطهَّرَ بعدَ ذلك، غسَلَ ما ظهرَ. وإن مسَحَ على معقوصٍ بمحلِّ الفرضِ، ولولا العقصُ (٣) لنزلَ عنه، لم يجزئْه، لعروضِ العقصِ. ذكرَهُ المجدُ. وكذا لو مسحَ على مخضوبٍ بما يمنعُ وصولَ الماءِ إليه. (ويُدخلُ سبَّابتيه في صِماخِ أذنيه، ويمسحُ بإبهاميه ظاهرَهُما) لما في النسائيِّ (٤)، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ مسحَ برأسِه وأذنيه، باطنَهما بالسبابتين، وظاهرَهما بإبهاميه. قال في "الشرح" (٥): ولا يجبُ مسحُ ما استترَ بالغضاريفِ؛ لأنَّ الرأسَ الذي هو الأصلُ لا يجبُ مسحُ ما استترَ منه بالشعرِ، فالأُذُنُ أَوْلَى. انتهى

стр. 105

ثم يَغسِلُ رجليه مع كعبيه، وهما العظمان الناتئان. والغضاريفُ: جمعُ غضروفٍ، وهو داخلُ قُوفِ (١) الأُذنِ -بضم القاف- أي: أعلاها. أو مستدارُ سَمِّها. أي: خَرقِها. "تنبيهٌ": لا يُسنُّ مسحُ العنقِ. قال في "الإنصاف" (٢): وهو الصحيحُ من المذهبِ. وعنه: يُسنُّ. اختارَهُ في "الغنية"، وأبو البقاءِ، وابنُ الصيرفيِّ، وابنُ رزينٍ. وفاقًا لأبي حنيفةَ. ويجزئُ المسحُ للرأسِ والأُذنِ على أيِّ كيفيةٍ، بيدِه، وبحائلٍ. قال في "الإنصاف" (٣): والصحيحُ من المذهبِ: أنَّ المسحَ بحائلٍ يجزئُ مطلقًا. فيَدخُلُ في ذلك: المسحُ بخشبةٍ أو بخرقةٍ مبلولتين ونحوِهما. ولا يجزئُ من غيرِ مسحٍ، ولا يجزئُ أيضًا غسلُهما من غيرِ مسحٍ. ولا يُستحبُّ تكرارُ مسحٍ. (ثم يغسِلُ رجليه مع كعبيه) ثلاثًا، (وهما: العظمانِ الناتئانِ) أي: المرتفعانِ، اللذان في أسفلِ الساقِ من جانبي القدمِ. قال أبو عبيدٍ: الكعبُ: هذا الذي في أصلِ القدمِ مُنتهى الساقِ، بمنزلة كعابِ القنا (٤). وقوله تعالى: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المَائدة: ٦] حجةٌ لذلك. أي: كلُّ رِجل تُغسَلُ إلى الكعبين. ولو أرادَ جميعَ الأرجلِ لذكره بلفظ الجمعِ، كما قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المَائدة: ٦]

стр. 106

فَصْلٌ وسُننُه ثَمانيةَ عشرَ: استقبالُ القبلةِ، والسواك، وغَسْلُ الكفِّين ثلاثًا، ويَصُبُّ الماءَ بيُمنى يديه على كِلتا رِجليه، ويغسلُهما باليسرى، ندبًا. والأَوْلى تركُ الكلامِ على الوضوءِ. وظاهرُ كلامِ الأكثرِ: لا يُكره السلامُ، ولا ردُّه. (فصلٌ) (وسنَنُه): جمعُ سنةٍ، وهي: ما يثابُ على فعلِهِ، ولا يعاقبُ على تركِه (ثمانيةَ عَشَرَ) أي: سننُ الوضوءِ. وسُمِّيَ وضوءًا؛ لتنظيفِه المتوضِّئَ، وتحسينِه: أحدُها: (استقبالُ القبلةِ) أي: أن يستقبلَ القبلةَ في الوضوءِ. قال في "الفروع" (١): وظاهرُ ما ذكرَهُ بعضُهم: يستقبلُ القبلةَ. ولا تصريحَ بخلافِه، وهو متجهٌ في كلِّ طاعةٍ، إلا لدليلٍ. (و) الثاني: (السواكُ) وتقدَّمَ الكلامُ عليه. (و) الثالثُ: (غسلُ الكفين ثلاًثا) لأن عثمانَ بنَ عفانَ، وعليًّا، وعبدَ اللهِ بنِ زيدٍ رضي الله تعالى عنهم، وصفوا وضوءَ النبيِّ ﷺ ، وذكروا أنه غسلَ كفيه ثلاثًا (٢). ولأنَّهما آلةُ نقلِ الماءِ إلى الأعضاءِ، ففي غسلِهما احتياطٌ.

стр. 107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ويجبُ غسلُهما للقيامِ من نومِ ليلٍ ناقضٍ لوضوءٍ؛ تعبَّدًا، بنيَّةٍ شُرطتْ، وبتسميةٍ وجَبَتْ. وعلى الصحيحِ: لا تجزئُ نيةُ الوضوءِ عن نيةِ غسلِهما على المذهبِ المشهورِ. ولأنَّها طهارةٌ مفردةٌ، لا من الوضوءِ (١). ويسقطُ غسلُهُما والتسميَةُ سهوًا. وقيل: غسلُهما معلَّلٌ بوهمِ النجاسةِ، كجعلِ العلَّةِ في النومِ استطلاقَ الوكاءِ بالحدثِ، وهو مشكوكٌ فيه. وقيل: غسلُهما معللٌ بمبيتِ يدِه ملابِسةً للشيطانِ. فعلى هذا: يكونُ غسلُهما لمعنًى فيهما، فلو استعملَ الماءَ ولم يُدخلْ يدَه في الإناءِ، لم يصحَّ وضوؤُه، وفسدَ الماءُ؛ لأنَّ المعنى الذي فيهما (٢) غيرُ مقصودٍ. قال الشيخُ منصورٌ في "حاشيته على الإقناع" (٣): الظاهرُ: أنَّ (٤) التقييدَ بالوضوء جريٌ على الغالبِ، فلا مفهومَ له. ويقاسُ عليه: الغسلُ، وإزالةُ النجاسةِ؛ إذ عدمُ صحةِ الوضوءِ؛ لفسادِ الماءِ، وإذًا لا فرقَ بينه وبينهُما. وظاهرُ كلامِهم هنا: فسادُ الماءِ، وإن لم يحصلْ في جميعِ اليدِ. لكنْ لو كان الماءُ كثيرًا، وتوضَّأ (٥)، أو اغتسلَ، أو أزالَ به نجاسةً، بحيث لم يحصلْ في اليدين ماءٌ قليلٌ، فالطهارةُ صحيحةٌ؛ لعدمِ تأثيرِ غمسهِما في الماءِ الكثيرِ. قال في "الشرح" (٦): فإنْ

стр. 108

والبداءةُ قبلَ غسلِ الوجهِ بالمضمضةِ والاستنشاقِ، توضَّأَ القائمُ من نومِ اللَّيلِ من ماءٍ كثير، أو اغتَسلَ منه بغَمسِ أعضائِه فيه، ولم ينوِ غَسلَ اليدِ من نومِ الليل، فعندَ من أوجبَ النيةَ لا (١) يرتفعُ حدثُه، ولا يجزئُ عن غسلِ اليدِ من النَّومِ؛ لأنَّه لم ينوه. انتهى. وفي "المستوعب" (٢): إنْ كان وضوؤُه من ماءٍ قليلٍ أدخلَ كفَّيه فيه قبلَ غسلِهما، لم يصحَّ وضوؤُه؛ لما بيَّنا أنَّ ذلك الماءَ يصيرُ غيرَ مطهِّرٍ. وإنْ كان وضوؤُه من ماءٍ أكثر من قلتين، أو (٣) من ماءٍ قليلٍ لم يُدخلْ يدَه فيه؛ بأنْ صبَّ على وجهه (٤) بإناءٍ، أو صَمَدَ لأُنبوبٍ، فجرى على وجهِه، فوضوؤهُ صحيحٌ. (و) الرابعُ: (البداءةُ قبل غسلِ الوجهِ بالمضمضةِ والاستنشاقِ) بيمينِه. واستنثارٍ بيسارِه؛ لما رُوي عن عليٍّ رضي الله تعالى عنه: أنَّه دعا بوَضوءٍ فتمضمضَ واستنشقَ واستنثرَ بيدِه اليُسرى، ففعلَ هذا ثلاثًا، ثُمَّ قال: "هذا وضوءُ نبيِّ اللهِ ﷺ ". رواه أحمدُ والنسائيُّ (٥). قال في "الإنصاف" (٦): يستحبّ تقديمُ المضمضةِ على الاستنشاقِ، على الصحيحِ من المذهبِ.

стр. 109

والمبالغةُ فيهما لغيرِ الصائم، والمبالغةُ في سائرِ الأعضاء مطلقا، وإنما قدمتْ المضمضةُ؛ لأنَّ الفمَ أشرفُ من الأنفِ؛ ولكونِ الفم محلَّ القراءةِ والذِّكرِ. وإنما لم يجبْ تقديمُهما على غسلِ الوجهِ؛ لأنَّ الفمَ والأَنفَ منه. (و) الخامسُ: (المبالغةُ فيهما) أي: في المضمضةِ والاستنشاقِ (لغيرِ الصائمِ) لقولِه ﵇ في حديثِ لقيطِ بنِ صَبِرةَ: "وبالغْ في الاستنشاقِ، إلا أنْ تكودنَ صائمًا". رواه الخمسةُ (١)، وصحَّحه الترمذيُّ. وعن ابنِ عباسٍ مرفوعًا: "استنثروا مرتين بالغَتَين، أو ثلاثًا". رواه أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجه (٢). وتُكره لصائمٍ. فالمبالغةُ في المضمضةِ: إدارةُ الماءِ بجميعِ الفمِ. والمبالغةُ في الاستنشاقِ: جذبُ الماءِ إلى أقصى أنفٍ. والواجبُ في الاستنشاقِ: جذبُ الماءِ إلى باطنِ أنفٍ، وإن لم يبلغْ أقصاهُ أو أكثرَهُ. وله بلعُه؛ لأنَّ الغَسلَ حصلَ، كإلقائِه. (و) السادسُ: (المبالغةُ في سائرِ الأعضاءِ مطلقًا) أي: في الوضوءِ والغُسلِ، ومع الصومِ والفطرِ. والمبالغةُ في بقيةِ الأعضاءِ: دلكُ، أي: عركُ، ما يَنبو (٣) عنه الماءُ، أي: لا يطمئنُّ إليه.

стр. 110

والزيادةُ في ماءِ الوجه، وتخليلُ اللِّحية الكثيفةِ، وتخليلُ الأصابعِ، (و) السابعُ: (الزيادةُ في ماءِ الوجهِ) ليعمَّ جميعَه. (و) الثامنُ: (تخليلُ اللحيةِ الكثيفةِ) بكفٍّ من ماءٍ يضعُه من تحتها بأصابعِه مشتبكةً؛ لحديثِ أنسٍ مرفوعًا: كان إذا توضَّأَ، أخذَ كفًّا من ماءٍ، فجعلَه تحتَ حنكِه، وخلَّلَ به لحيتَه، وقال: "هكذا أمرني ربي". رواه أبو داودَ (١). أو يضعُه من جانبيها، ويعرُكُ لحيتَه. قال في "الإنصاف" (٢): ويكونُ ذلك عندَ غسلِها، وإن شاءَ إذا مسحَ رأسَه. نصَّ عليه. وكذا عَنْفَقَةٌ (٣)، وشاربٌ، وحاجبانِ، ولحيةُ أُنثى وخُنثى، يسنُّ تخليلُها إذا كثفت. (و) التاسعُ: (تخليلُ الأصابعِ) من اليدين والرجلين؛ لحديثِ لقيطِ بنِ صَبِرةَ (٤): "وخَلِّلْ بينَ الأصابعِ". قال في "الشرح" (٥): وهو في الرِّجلينِ آكدُ. قال القاضي وغيرُه: بخنصرِ اليُسرى. ويَبدأُ من الرجلِ اليُمنى بخنصرِها، واليسرى بالعكسِ؛ ليحصلُ (٦) التيامنُ في التخليلِ. زادَ بعضُهم: من أسفلِ الرِّجلِ.
следующие страницы →