. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا إرثَ بعقدِ نكاح لا يُقرُّ عليه لو أسلمَ، كمطلَّقَتِه تلاثًا، وأمِّ زوجتِه، وأختِه من الرَضاعِ (١).
وإذا ماتَ ذميٌّ، أو مستأمَنٌ، لا وارثَ له من أهلِ الذمَّةِ، كان مالُه فيئًا.
وكذا ما فضلَ من مالِه عن إرثِه، كمَن ليس له وارثٌ إلا أحدُ الزوجينِ، فباقي مالِه فيءٌ (٢).
стр. 1227
بَابُ مِيَراثِ المُطلَّقَةِ
يثبت الإرثُ لكُلِّ مِنَ الزَّوجَينِ في الطَّلاقِ الرَّجعِيِّ.
ولا يثبُتُ في البائِنِ، إلَّا لها إن اتُّهِمَ بقَصدِ حِرمَانِهَا؛ بأنْ طلَّقَها في مَرَضِ مَوتِهِ المخُوفِ ابتِدَاءً، أو سَألتهُ رَجْعِيًّا، فَطَلَّقَها بائِنًا، أو علَّقَ في مَرَضِهِ طلاقَهَا علَى ما لَا غِنَى لهَا عَنهُ، ....
(بابُ ميراثِ المُطلَّقةِ)
أي: بيانُ مَن يرثُ من المُطلَّقاتِ، ومَن لا يرثُ.
(يثبتُ الإرثُ لكلٍّ من الزَّوجَينِ في الطَّلاقِ الرَّجعيِّ) ما دامتْ في العِدَّةِ.
سواءٌ كان في المرضِ أو الصحَّةِ. وذلك لأنَّ الرجعيَّةَ زوجةٌ.
(ولا يثبُتُ) الميراثُ (في) الطلاق (البائنِ، إلَّا لها) أي: المطلَّقَةِ مِن مُطلِّقِها فقَط دونَه (إنِ اتُّهِمَ) أي: الزوجُ (بقَصدِ حِرمَانِها) الميراثَ (بأنْ طلَّقَها في مَرضِ مَوتِه المخُوفِ) ونحوِه مما تقدَّمَ في عطَايَا المريضِ (ابتداءً) بلا سؤالِها.
(أو سألتْهُ) طلاقًا (رجعيًّا، فطلَّقها) طلاقًا (بائنًا) أي: ثلاثًا.
(أو علَّق في مرضِه طلاقَها على ما لا غِنَى لها عنه) شرْعًا، كالصَّلاةِ المفروضةِ، والصَّومِ المفروضِ.
أو علَّقه على (١) ما لا بدَّ لها منه عقلًا، كأكلٍ، ونومٍ.
أو علَّقَه على مرضِه، أو على فعلٍ له؛ كـ: إنْ دخلتِ الدارَ، فأنتِ طالقٌ. ففعَلَه
стр. 1228
أو أقرَّ أنَّه طلَّقَهَا سَابِقًا في حَالِ صحَّتِه، أو وَكَّلَ في صِحَّتِه مَنْ يُبينُها متَى شَاءَ، فأبانَهَا في مَرضِ مَوتِه.
فتَرِثُ في الجَميعِ حَتَّى ولو انقَضَت [عِدَّتُهَا، ما لَمْ تتَزوَّجْ، أو تَرتَدَّ. فلو طلَّقَ المُتَّهمُ أربَعًا، وانقَضَتْ] عِدَّتُهنَّ، وتَزوَّجَ أربَعًا سِوَاهُنَّ، وَرِثَ الثَّمَانُ على السَّواءِ بشَرطِهِ.
ويَثبُتُ له إنْ فعَلَت بمَرضِ مَوتِهَا المَخُوفِ ما يَفسَخُ نِكَاحَهَا، ما دَامَتْ معتَدَّةً إن …
فيه. أي: المرضِ المخوفِ.
أو علَّقَه على تركه، أي: تركِ فعلٍ له؛ بأنْ قال: إن لم أدخل الدارَ، فأنتِ طالقٌ ثلاثًا، فماتَ قبلَ أنْ يفعلَ ذلك، فإنَّها ترثُه.
(أو أقرَّ أنَّه طلَّقها سابقًا في حالِ صحَّتِه، أو وكَّلَ في صحَّتِه من يُبينُها متى شاءَ، فأبانَها في مرضِ موتِه) المخُوفِ.
(فترثُ في الجميعِ) أي: في جميعِ المسائلِ التي تقدَّمتْ (حتى ولو انقضتْ عدَّتُها) أي: المطلقةِ قبلَ موتِه، فترثُه (مما لمْ تتزوجْ) غيرَه، (أو ترتدَّ) فلا ترثُه.
(فلو طلَّقَ المُتَّهمُ أربعًا) كنَّ معه (وانقضتْ عِدَّتُهن) منه (وتزوَّجَ أربعًا سواهُنَّ)، ثمَّ ماتَ (ورِثَ) منه (الثمانُ) الأربعُ المطلقاتُ، والأربعُ المنكوحاتُ (على السواءِ بشرطِه) أي: ما لم تتزوج المطلقاتُ، أو يرتَدِدنَ.
(ويثبتُ) الإرثُ (له) أي: الزوجِ من زوجتِه (إنْ فعلتْ بمرضِ موتِها المُخوفِ ما يفسخُ نكاحَها) كإدخالِها ذكرَ أبي زوجِها، أو ابنِه، في فرجِها، وهو نائمٌ، أو إرضاعِها ضرَّتَها الصَّغيرة، لم يَسقُطْ ميراثُ زوجِها، (ما دامتْ معتدَّةً إنْ
стр. 1229
اتُّهِمَت، وإلَّا سَقَطَ.
اتُّهِمَتْ) بقصدِ حرمانِه (وإلَّا) تُتَّهم الزوجةُ بقصدِ حرمانِه الإرثَ؛ بأن دبَّ زوجُها الصَّغيرُ، أو ضرَّتُها الصغيرةُ، فارتضعَ منها وهي نائمةٌ، (سقطَ) ميراثُه منها، كما (١) لو ماتتْ قبلَهُ.
стр. 1230
بَابُ الإقرَارِ بمُشَارِكٍ في المِيَراثِ
إذا أقَرَّ الوارِثُ بمَنْ يُشَارِكُه في الإرثِ، أو بمَنْ يحجُبُه، كأخٍ أقرَّ بابنٍ للميِّتِ، صَحَّ، وثَبَتَ الإرْثُ والحَجْبُ.
فإذا أقرَّ الورَثَةُ المُكلَّفُونَ بِشَخصٍ مَجهُولِ النَّسَبِ، وصَدَّقَ، أو كَانَ صَغيرًا أو مجنونًا، ثَبَتَ نسَبُهُ وإرثُه. لكِنْ يُعتَبرُ لثبُوتِ نَسَبِه مِنَ الميِّتِ إقرَارُ جَميعِ الوَرَثَةِ، حتَّى الزَّوجِ ووَلَدِ الأم، …
(بابُ الإقرارِ بمُشَارِكٍ في الميراثِ)
أي: بيانُ العملِ إذا أقرَّ بعضُ الورثةِ.
(إذا أقرَّ الوارثُ بمَن يشاركُهُ في الإرثِ، أو بمن يحجُبُه، كأخٍ أقرَّ بابنٍ للميِّتِ، صحَّ) الإقرارُ (وثبتَ الإرثُ والحَجْبُ).
(فإذا أقرَّ الورثةُ) وهم -المُقِرُّون- (المُكلَّفون) لأنَّ إقرارَ غيرِ المكلَّفِ لا يُعَوَّلُ عليه (بشخصٍ مجهولِ النَّسبِ) وأمكَنَ كونُه مِن الميِّتِ، ولم يُنَازَعِ المقِرُّ في نَسبِ المقَرِّ به، فإنْ نُوزِعَ فيه، فليس إلحاقُه بأحدِهما أَوْلَى من الآخرِ (وصدَّقَ) مُقَرٌّ به مكلَّفٌ مُقِرًّا (أو كمان) المُقَرُّ به (صغيرًا أو مجنونًا)، ولو لم يصدِّقْه (ثبتَ نسبُه وإرثُه) فيقاسِمُهم.
(لكنْ يُعتبرُ لثبوتِ نسبِه من الميت (١)) شروطٌ أربعةٌ:
الأول: (إقرارُ جميعِ الورثةِ، حتى الزوجِ، وولدِ الأمِّ) أنَّه ولدُ الميِّتِ، أو
стр. 1231
أو شَهَادَة عَدْلَينِ مِنَ الوَرَثَةِ، أو مِنْ غَيرِهِم.
فإنْ لَمْ يقِرَّ جَميعُهُمْ، ثبَتَ نسَبُهُ وإرثه مِمَّنْ أقرَّ بهِ، فيشَارِكُة فِيمَا بيَدِهِ،
أخوه، ونحوُه، أو شهدَا (١) أنَّه أقرَّ به في حياتِه، أو شهدا أنَّه وُلِدَ على فراشِه، ثبتَ نسبُه وإرثُه؛ لأنَّ ذلك حقٌّ شهِدَ به عدلان، كسائرِ الحقوقِ (٢): (أو شَهادَةُ (٣) عَدلَينِ مِن الوَرثَةِ، أو مِن غَيرِهم).
وإنْ أقرَّ بعضُ الورثةِ بوارثٍ للميِّتِ، ولم ينازِعْ فيه منازِعٌ، وتصديقُ المُقَرُّ به إنْ كانَ مكلَّفًا، وإمكانُ كونِه من الميِّتِ (٤).
فإنْ كان الميِّتُ دونَ ابنِ عشرٍ، لم يصحَّ الإقرارُ بولدٍ له.
فإنْ فُقِدَ شيءٌ من الشروطِ الأربعةِ، فلا ثبوتَ للنسب.
وحيثُ ثبتَ نسبُه، فإنَّه يثبُتُ إرثُه، فيقاسمُهم، إن لم يَقُمْ به مانعٌ من موانعِ الإرثِ، نحوِ رِقٍّ.
(فإنْ لمْ يُقِرَّ جميعُهُم) بل أقرَّ (٥) بعضُ الورثةِ به، ولم يشهدْ به عَدلانِ، مع إقرارِ بعضِ الورثةِ، (ثبتَ نسبُه وإرثُه ممَّنْ أقرَّ به) دونَ الميِّتِ وبقيةِ الورثةِ، (فيُشارِكه) المُقَرُّ به، ولزِمَ المقِرَّ أنْ يدفعَ (فيما بيدِه) عن ميراثِه، على مقتضى إقرارِه؛ لأنَّه مُقِرٌّ بأنَّ ذلك له. فلو جَحَدَ بعدَ إقرارِه، لم يُقبلْ جَحْدُه؛ لأنَّه رجوعٌ
стр. 1232
أو يأخُذُ الكُلَّ إنْ أسقَطَهُ.
عن إقرارٍ بحَقٍّ عليه لغيرِه (١).
(أو يأخذُ الكلَّ إنْ أسقطَه) المُقَرُّ به؛ لإقرارِه أنَّه له، فلزِمَه (٢) دفعُه إليه. فلو أقرَّ أحدُ (٣) ابنَيهِ بأخٍ مِثلِه، فلِلمُقَرِّ له ثلثُ ما بيدِه، أي: يدِ المُقِرِّ؛ لأنَّ إقرارَه تضمَّنَ أنَّه لا يستحقُّ أكثرَ من ثُلثِ التركةِ، وفي يدِه نصفُها، فيكونُ السُّدسُ الزائدُ للمُقَم به.
وإنْ أقرَّ بأختٍ، فلها خُمسُ ما بيدِه؛ لأنَّه لا يدَّعي أكثرَ من خُمُسَي المالِ، وذلك أربعةُ أخماسِ النصفِ الذي بيدِه، يَبقى خُمُسهُ، فيدفعُه لها.
وإنْ أقرَّ ابنُ ابنٍ بابنٍ، دفعَ له كلَّ ما بيدِه؛ لأنَّه يحجبُه.
وطريقُ العَملِ في مسائلِ هذا البابِ كلِّه: بضَربِ مسألةِ الإقرارِ في مسألةِ الإنكارِ إنْ تبايَنَتا، وتُراعَى الموافقَةُ إن كانتْ، فتَرُدُّ إحدَى المسأَلَتينِ إلى وَفْقِها، وتَضربهُ في الأخرى. وإن تدَاخَلتا، اكتفينا بالكُبرى، أو تماثَلَتا، اكتفينا بإحدَاهما؛ لأنَّ القصدَ أنْ تخرُجَ المسألتَانِ من عدَدٍ واحدٍ، ويُدفَعُ لمُقِرٍّ سهمُه من مسألةِ الإقرارِ مضروبًا في مسألةِ الإنكارِ أو وَفْقِها، ويُدفع (٤) لمنكرٍ سهمُه من مسألةِ الإنكارِ مضروبًا في مسألةِ الإقرارِ أو وَفْقِها، ويُجمعُ ما حَصلَ للمُقرِّ والمنكِرِ مِن الجامِعَةِ، ويُدفَعُ لمقَرِّ بهِ ما فَضَلَ مِن الجامِعَة.
مثالُه: لو أقرَّ أحدُ ابنين بأخوينِ، فصدَّقَه أخوه في أحدِهما، ثبتَ نسبُه، أي: المتَّفقِ عليه، لإقرارِ جميعِ الورتةِ به، فصاروا ثلاثةً، ومسألةُ الإقرارِ من أربعةٍ،
стр. 1233
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والإنكارِ من ثلاثةٍ، وهما متباينتان، فتُضربُ مسألةُ الإقرارِ في مسألةِ الإنكارِ، تكونُ اثني عشرَ؛ للمنكرِ سهمٌ من مسألةِ الإنكارِ، وللمتَّفقِ عليه إنْ صدَّقَ المقِرَّ مثلُ سهمِه، ثلاثةٌ من اثني عشرَ، وإنْ أنكرَهُ، فله مثلُ سهمِ المنكرِ، أربعةٌ من اثني عشرَ، وللمختَلَفِ فيه ما فضَلَ من الاثني عشرَ، وهما سهمانِ حالَ التصديقِ من الثالثِ، وسهمٌ حالَ الإنكارِ منه. انتهى (١).
стр. 1234
بَابُ مِيَراثِ القَاتِلِ
لا إرثَ لِمَنْ قَتَلَ مُورِّثَه بغَيرِ حَقٍّ، أو شَارَكَ في قَتلِهِ، ولو خَطَأً.
فلا يرِثُ مَنْ سَقَى ولَدَهُ دَواءً فَمَاتَ، أو أدَّبَهُ، أو فَصَدَهُ، أو بَطَّ سِلعَتَهُ.
وتَلْزمُ الغُرَّةُ مَنْ شَرِبَتْ دَواءً، فأسقَطَت، ولا تَرِثُ مِنهَا شَيئًا.
وإنْ قَتلَهُ بحَقٍّ، وَرِثَهُ، كالقَتلِ قِصَاصًا، أو حَدًّا، أو دَفعًا عن نَفسِهِ.
(بابُ ميراثِ القاتلِ)
أي: بيانُ الحالِ التي يَرِثُ القاتلُ فيها، والحالِ التي لا يرثُ فيها.
(لا إرثَ لمن قتلَ مُوَرِّثَه بغيرِ حقٍّ) لحديثِ عمرَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "ليسَ للقاتلِ شيءٌ". رواه مالكٌ في "الموطأ" وأحمدُ (١) (أو شاركَ في قتلِه) عمدًا كان القتل أو. شبهَ عمدٍ. (ولو) كان القَتل (خطأً).
(فلا يَرِثُ مَن سَقَى ولدَه دواءً) ولو يَسيرًا (فمَاتَ، أو أدَّبَه، أو فصَدَه)، أو حجَمَه، (أو بَطَّ سِلعَتَه (٢)) لحاجته، فماتَ، لم يرثْهُ؛ لأنَّه قاتلٌ.
(وتلزمُ الغُرَّةُ مَن شَرِبَتْ دواءً، فأسقَطَتْ) جنينَها (ولا ترثُ منها) أي: من الغرَّةِ (شيئًا) لجنايتِها المضمونةِ.
(وإنْ قتلَهُ بحقٍّ، ورِثَه، كالقتلِ قِصَاصًا، أو) قتلَة (حدًّا، أو) قتلَة (دفعًا عن نفسِه) إن لم يندفعْ إلا به ..
стр. 1235
وكذَا لو قَتَلَ البَاغِي العَادِلَ، كَعَكْسِهِ.
(وكذا لو قَتلَ الباغي العادلَ، كعَكسِه) بأن قتلَ العادلُ الباغيَ في الحربِ، ورِثَه؛ لأنَّه فعلٌ مأذونٌ فيه، فلم يمنعِ الميراثَ.
стр. 1236
بَابُ مِيَراثِ المُعتَقِ بَعضُهُ
الرَّقيق مِنْ حَيثُ هو لا يَرِث وَلَا يُورَث. لكِنَّ المُبعَّضَ يَرِثُ ويُورَثُ، ويحجُبُ بقَدرِ ما فِيهِ مِنَ الحُريَّةِ.
(بابُ ميراثِ المُعتَقِ بعضُهُ)
وما يتعلَّق به. (الرقيقُ) الكامِلُ رِقُّه الذي لم يحصُلْ فيه شَيءٌ من أسبابِ العِتقِ ومُقَدِّماتِه (مِن حَيثُ هو) أي: الرَّقيقُ، ولو كانَ مُدَبَّرًا، أو مكاتبًا، أو أمَّ ولدٍ، ومَن عُلِّقَ عتقُه بصفةٍ ولم توجدْ. (لا يرثُ، ولا يُورَثُ) لأنَّ فيه نقصًا، منَعَ كونَه مَوروثًا، فمنعَ كونَه وارثًا، كالمرتدِّ.
وأجمعوا على أنَّ المملوكَ لا يُورَثُ؛ لأنَّه لا مالَ له، ولأنَّ السيِّدَ أحقُّ بمنافعِه واكتسابِه في حَياتِه، فكذا بعدَ مماتِه.
وأما المكاتَبُ؛ فلحديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه مرفوعًا: "المكاتَبُ عبدٌ ما بقيَ عليه درهمٌ". رواه أبو داودَ (١). وظاهرُه: ولو مَلَكَ قدْرَ ما عليه فأكثرَ.
(لكنَّ المُبَعَّضَ يرِثُ ويُورَثُ ويَحجُبُ) ويُعَصِّبُ (بقَدرِ ما فيهِ مِن الحريَّةِ) أي: بقَدرِ جُزئِه الحرِّ. وهو قَولُ عَليٍّ، وابنِ مَسعُودٍ (٢).
وقال زيدُ بنُ ثابِتٍ: لا يَرِثُ ولا يُورَثُ (٣).
стр. 1237
وإنْ حَصَلَ بينَهُ وبينَ سَيِّدِهِ مُهَايَأةٌ، فَكُلُّ تَرِكَتهِ لوارثه، وإلَّا فبينَهُ وبينَ سيِّدِهِ بالحِصَصِ.
وقال ابنُ عباسٍ: هو كالحرِّ في جميعِ أحكامِه، في توريِثه، والإرثِ منه، وغيرِهما (١).
ولنا حديثُ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ بسندِه إلى ابنِ عباس مرفوعًا، قال في العبدِ يَعتِقُ بعضُه: "يرِثُ ويُورَثُ على قدرِ ما عَتَقَ منه" (٢). ولأنَّه يجبُ أنْ يثبتَ لكلٍّ بعضُ حكمِه، كما لو كان الآخرُ مثلَه، وقياسًا لأحدِهما على الآخرِ.
(وإنْ حصلَ بينَه وبين سَيِّدِه مُهَايأةٌ، فكُلُّ تركتِه) أي: المبعَّضِ (لوارثِه) أي: المبعَّضِ؛ لأنَّه لم يبقَ لسَيِّدِه معَه حقٌّ، (وإلا): لم يكنْ مُهَايأةً، (فبينَه وبينَ سيِّدِه بالحصصِ).
وما كسَبَ المعتَقُ بعضُه يجزئِه الحرِّ؛ بأنْ كانَ هَايأَ سيِّدَه، فما كسبَه في نوبتِه، فهو له خاصَّةُ. أو ورِثَ المبعَّضُ بجزئِه الحرِّ شيئًا، فهو له خاصةً، أو كان قاسَمَ سيِّدَه في حياتِه كَسْبَه، فهو له خاصَّةً، لا حقَّ لمالكِ باقيه في شيءٍ منه.
وما ملكه (٣) بجزئِه الحرِّ، أو ورِثَه، أو خصَّصَه مِن مقاسَمةِ سيِّدِه، فهو لورَثتِه.
فابنٌ نصفُه حرٌّ، ومعه أمٌّ وعمٌّ حرَّانِ، لو كان الابنُ كاملَ الحريَّةِ، كانَ للأمِّ السُّدُسُ، وله الباقي، وهو نصفٌ وثلثٌ، ولا شئَ للعمِّ. فله مع نصفِ حريتهِ، أي: الابنِ، نصفُ ما لَه لو كان حرًّا كلَّه، وهو ربعٌ وسدسٌ، وللأمِّ ربعٌ؛ لأنَّ الابنَ
بَابُ الوَلَاءِ
مَنْ أعتَقَ رَقيقًا، أو بعضَهُ فَسَرَى إلى البَاقِي، أو عَتَقَ علَيهِ برَحِمٍ، أوْ فِعْلٍ، أو عِوَضٍ، أو كِتَابَةٍ، أو تَدْبِيرٍ، أو إيلادٍ، أو وَصِيَّةٍ، أو أعتَقَة في زَكَاتِه، أو نَذرِهِ، أو كفَّارَتِهِ، فلَهُ عَلَيهِ الوَلاءُ، ....
(بابُ الولاءِ)
بفَتحِ الواوِ والمدِّ. لغةً: المِلْكُ.
وشرعًا: ثبوتُ حكمٍ شرعيٍّ بعتقٍ، أو تَعاطِي سَبَبِه، كاستيلادٍ وتدبيرٍ.
(مَن أعتقَ رقيقًا، أو) أعتقَ (بعضَه، فسَرَى إلى الباقي، أو عَتَقَ عليه (١)) رقيقٌ (برحمٍ) كأبيهِ، وأخيهِ إذا ملكَه، (أو) عتقَ عليه بـ (فعلٍ) بأنْ مثَّل برقيقِه، فيَعتِقُ عليه، وله ولاؤُه.
(أو) يُعتِقُه بـ (عوضٍ) نحو: أنتَ حرُّ على أن تخدِمَني سنةً. وكما لو اشترَى العبدُ نفسَه من سيِّدِه بعِوضٍ حالٍّ، فإنَّه يَعتِقُ ويكونُ الولاءُ لسيِّدِه. نصَّ عليه.
(أو) عتَقَ عليه بـ (كتابةٍ، أو) عتقَ عليه بـ (تَدبيرٍ) بأن في دبَّرَه، فماتَ. وخرجَ من ثُلثِه.
(أو) عتَقَ عليه بـ (إيلادٍ) كأنْ أتتْ أمتُه منه بولدٍ، ثمَّ ماتَ أبو الولدِ (أو) أعتقَه بسببٍ (وصيَّةٍ) بأنْ وصَّى بعتقٍ عبدٍ، فأعتقَه الورثةُ، (أو أعتقَه في زكاتِه، أو) أعتقَه (في نذرِه، أو) أعتقَه في (كفارتِه، فله عليه الولاءُ) في جميعِ هذه الصورِ؛
стр. 1240
وعَلَى أولادِهِ، بشَرطِ كَونِهِم مِن زَوجَةٍ عَتيقَةٍ، أو أمَةٍ، وعلَى مَنْ لَهُ أو لَهُم عَلَيهِ الوَلاءُ.
وإنْ قَالَ: أعتِقْ عبدَكَ عَنِّي مجَّانًا، أو عَنِّي أو عَنْكَ وعَلَيَّ ثمنُهُ، فأعتَقَهُ، صَحَّ، وكَانَ وَلاؤُهُ للمُعتَقِ عَنهُ، ويَلزَمُ القَائِلَ ثَمنُه فِيمَا إذا التزمَ بهِ.
لحديثِ: "الولاءُ لمَن أعتقَ". متفقٌ عليه (١).
(و) له أيضًا الولاءُ (على أولادِه) أي: العتيقِ (بشرطِ كونِهم من زوجةٍ عتيقةٍ) لمُعتِقِه، أو غيرِه، (أو) على أولادِه من (أمةٍ) للعَتيقِ. وإنْ كانوا من أمةِ الغَيرِ، فتَبَعٌ لأمِّهم حَيثُ لا شَرْطَ ولا غرورَ.
(و) له الولاءُ أيضًا (على مَن له) أي: العتيقِ ولاؤُهُ كعُتقائِه (أو لهم) أي: أولادِ العتيقِ، وإنْ سَفَلُوا، ولاؤه. (عليه الولاءُ)؛ لأنَّه وفي نعمَتِهم، وبسَببِه عَتَقُوا، ولأنَّهم فرعُه، والفَرعُ يَتبَعُ أصلَهُ، فأشبَهَ ما لو باشَرَ عِتقَهم، وسَواءٌ الحَربيُّ وغَيرُه؛ لأنَّ الولاءَ مُشَبَّهٌ بالنَّسَبِ، والنَّسبُ ثابِتٌ بينَ أهلِ الحَربِ، فكَذلِكَ الوَلاءُ (٢).
(وإن قال: أَعْتقْ عبدَكَ) أو أمتَك (عنِّي مَجَّانًا، أو) أعتقْ رَقيقَكَ (عنِّي، أو) أعتِق رَقيقَكَ (عنَكَ، وعليَّ ثمنُه، فأعتَقَهُ) ففَعلَ المقولُ له؛ بأنْ أعتقَه في المجلسِ، أو بعدَ الفُرقةِ (صحَّ) ذلك (وكان) العتيقُ (ولاؤهُ للمُعتَقِ عَنه) أي: للقائِلِ، ووقعَ الملكُ والعِتقُ معًا.
(ويلزمُ القائلَ ثمنُه) أي: العتيقِ (فيما إذا التزم به) أي: بالثمنِ؛ بأنْ قالَ:
فَصْلٌ
ولا يَرِثُ صَاحِبُ الوَلاءِ، إلَّا عِندَ عَدَمِ عَصَبَاتِ النَّسَبِ ، وبَعدَ أنْ يأخُذَ أصحَابُ الفُرُوضِ فُرُوضَهُم.
فبَعدَ ذَلِكَ يرَثُ المُعتِقُ، ولو أُنثَى، ثمَّ عَصَبتُهُ، الأقرَبُ فالأقرَب.
وحُكمُ الجَدِّ مَعَ الإخوَةِ فِي الوَلاءِ كَحُكمِهِ مَعَهُم في النَّسَبِ.
(فَصلٌ)
(ولا يَرِثُ صاحِبُ الوَلاءِ إلَّا عِندَ عَدَمِ عَصَبَاتِ النَّسَبِ) ثمَّ عَصَبتُهُ، الأقربُ فالأقربُ، على ما سَبَقَ. (وبَعدَ أن ياخُذَ أصحَابُ الفُروضِ فُروضَهم).
(فبَعدَ ذلك يَرِثُ المُعتِقُ، ولو أُنثَى) لأنَّ الوَلاءَ لمَن أعتَقَ، (ثم عصبَتُهُ) أي: المعتِقِ (الأقرَبُ فالأقرَبُ).
(وحُكمُ الجدِّ معَ الإخوَةِ) الذُّكُورِ إذا اجتَمعُوا (في الوَلاءِ كَحُكمِهِ مَعهُم في النَّسَبِ).
والحاصِلُ: أنَّهُم إن زَادُوا -الإخوَةُ- عن اثنَينِ، فلِلجَدِّ ثُلُثُ مالِه، أي: العَتيقِ؛ لأنَّه -أي: الثُّلُثَ- أحَظُّ للجَدِّ مِن المُقَاسَمَةِ، إن لم يَكُن للعَتيقِ ذو فَرضٍ. وإن نَقَصُوا -الإخوَةُ- عن اثنَينِ، قاسَمَهُم.
وكذا بقيَّةُ مَسائِلِه إذا كان معَهُم صاحِبُ فَرضٍ، على ما تقدَّم في مِيرَاثِ الجدِّ معَ الإخوَةِ (١).
стр. 1243
والوَلاءُ لا يُبَاعُ، ولا يُوهَبُ، ولا يُوقَفُ، ولا يُوصَى به، ولا يُورَثُ، وإنَّمَا يَرِثُ به أقرَبُ عَصَبَاتِ المُعتِقِ يَومَ مَوتِ العَتيقِ، لكِنْ يتَأتَّى انتِقَالُه مِنْ جِهَةٍ إلى أُخرَى.
فلو تَزوَّجَ عَبدٌ بمُعتَقَةٍ، فوَلاءُ مَنْ تَلِدُهُ لِمَنْ أعتَقَهَا، فإنْ عَتَقَ الأبُ، …
(والوَلاءُ لا يُبَاعُ، ولا يُوهَبُ، ولا يُوقَفُ، ولا يُوصَى به، ولا يُورَثُ) الولاءُ؛ لما تقدَّم. ولحديث: "الولاءُ لُحمَةٌ كلُحمَةِ النَّسَبِ، لا يُباعُ، ولا يُوهَبُ" (١). رواهُ الخلال.
ولا يَصِحُّ أن يأذَنَ لعَتيقِهِ، فيُوالي مَن يَشاءُ. رُوي عن عُمَرَ، وابنِه، وعليٌّ، وابنِ عبَّاسٍ، وابنِ مَسعودٍ؛ ولأنَّهُ مَعنًى يُورَثُ به، فلم يَنتَقِلْ، كالقَرَابَةِ. ولا يجوزُ أن يُوالي غيرَ مَوَالِيه (٢)، ولو بإذنِهم.
(وإنَّما يَرِثُ به أقرَبُ عَصَبَاتِ المُعتِقِ) الذي هو السَّيدُ (يومَ مَوتِ العَتيقِ) أي: لا يومَ مَوتِ السيِّدِ، (لكِنْ يتأتَّى انتقَالُه) أي: الوَلاءِ (مِن جِهَةٍ إلى أُخرَى).
مثالُه: (فلو تزوَّجَ عبدٌ بمُعتَقَةٍ) لغَيرِ سيِّدِهِ، فأولَدَهَا (فوَلاءُ مَن تَلِدُهُ) ذَكرًا أو أُنثَى أو خُنثَى، واحِدًا أو أكَثَر (لمَن أعتَقَهَا) أي: لموالي أُمِّه اقي هي زَوجَةُ العَبدِ، فيَعقِلُ عن أولادِ مُعتَقَةٍ، ويَرِثُهم إذا ماتُوا؛ لأنَّه سَببُ الإنعَامِ عَليهِم؛ لأنَّهُم صارُوا أحرَارًا بسَبَبِ عِتقِ أُمِّهم (٣).
(فإن عتَقَ الأبُ) أي: العَبدُ الذي هو (٤) أبو أولادِ المُعتَقَةِ ....
стр. 1244
انجَرَّ الوَلاءُ لِمَوَالِيهِ.
(أنجرَّ الوَلاءُ) أي: ولاءُ ولَدِ العَتيقَةِ مِنهُ عن مَوَالي الأُمِّ (لمَوالِيه) أي: مَوالي مُعْتِقِه، فيَصيرُ له الوَلاءُ على العَتيقِ وأولادِه؛ لأنَّ الأبَ لمَّا كانَ مملُوكًا لم يَكُن يَصلُحُ وارِثًا، ولا وَليًّا في نِكَاحٍ، فكَانَ ابنُهُ كوَلَدِ المُلاعَنَةِ، ينقَطِعُ نَسبُه عن أبيه، فتثبُتُ الوَلاءُ لمَوالي أُمِّهِ، ويَنتَسِبُ إليها، فإذا عَتَقَ الأَبُ، صلحَ الانتِسَابُ إليهِ، وعادَ وارِثًا ووَليًا، فعَادَت النِّسبَةُ إليه وِإلى مَوالِيه، وصارَ بمَنزِلَةِ ما لو استَلحَقَ المُلاعِنُ ولَدَهُ (١).
стр. 1245
كِتَابُ العِتْقِ
وهو مِنْ أعظمِ القرَبِ، ....
(كتابُ العِتْقِ)
لُغَةً: الخُلوصُ، ومِنهُ: عِتَاقُ الخَيلِ والطَّيرِ، أي: خالِصُهَا. وسُمِّيَ البيتُ الحرَامُ عَتيقًا؛ لخُلُوصِه مِن أَيدِي الجَبابِرَةِ.
(وهو) شَرعًا: تَحريرُ الرَّقَبةِ وتخليصُها مِن الرِّقِّ، عَطفُ تَفسيرٍ. وخُصَّ به الرَّقَبةُ معَ وقُوعِه على جميعِ البَدَن؛ لأنَّ مِلكَ السيِّدِ لهُ، كالغِلِّ في رَقبَتِه المانِعِ لهُ من التصرُّفِ، فإذا عَتَقَ فكأَنَّ رَقَبتَهُ أُطلِقَت من ذلِك. يُقالُ: عَتَقَ العَبدُ، وأَعتَقتُهُ أنَا، فهو عَتيقٌ ومُعتَقٌ، وهُم عُتَقَاءُ، وأمَةٌ عَتيقٌ وعَتيقَةٌ.
والإجماعُ على صحَّتِه، وحُصُولِ القُربَةِ به؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النِّساء: ٩٢]. وقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البَلَد: ١٣]. وحديثِ أبي هريرةَ مرفُوعًا: "من أعتَقَ رَقَبَةً مُؤمِنَةً، أعتَقَ اللهُ بكُلِّ إرْبٍ مِنهَا إربًا منه مِن النَّار، حتى إنَّه ليُعتِقُ اليدَ باليَدِ، والرِّجلَ بالرِّجلِ، والفَرجَ بالفَرجِ". متفق عليه (١).
(وهو) أي: العِتقُ (مِن أعظَمِ القُرَبِ) لأنَّه تعَالى جعَلَهُ كفَّارَةً للقَتلِ وغَيرِه، وجعلَهُ ﵇ فِكَاكًا لمُعتِقِهِ مِن النَّارِ، ولما فيه من تخليصِ الآدميِّ المعصومِ من ضَرَرِ الرقِّ، ومِلكِ نَفسِهِ ومَنافِعِه، وتَكميلِ أحكامِه، وتَمكينِه من التصرُّفِ في نفسِه ومنافِعِه على حسَبِ اختيارِه.
стр. 1246
فيُسَنُّ عِتْقُ رَقِيقٍ له كَسْبٌ.
ويُكرَهُ إنْ كَانَ لا قُوَّةَ له، ولا كَسْبَ، أو يُخَافُ مِنهُ الزِّنَى أوِ الفَسَادُ. ويَحرُمُ إنْ عُلِمَ ذلِكَ مِنهُ، وهكَذَا الكِتَابَةُ.
وأفضَلُهَا (١) أنفَسُهَا عندَ أهلِها وأغلاهَا ثمنًا. نصًا.
فظاهرِهُ: ولو كافِرَةً، وفاقًا لمالِكٍ، وخالَفَهُ أصحابُه، ولعلَّهُ مُرادُ أحمدَ، لكِنْ يُثابُ على عِتقِه. قاله في "الفروع" (٢).
وعِتقُ ذَكَرٍ أفضَلُ مِن عِتقِ أُنثَى، وتِعدَادٌ ولو مِن إناثٍ، أفضَلُ مِن واحِدٍ ولو ذَكَرًا.
(فيُسَنُّ عِتقُ رَقيقٍ له كَسْبٌ) لانتِفَاعِه بكَسبِه. قال في "الإقناع" (٣): وَدِينٌ. (ويُكرَهُ) العِتقُ (إنْ كانَ) العتيقُ (لا قُوَّةَ له، ولا كَسْبَ) لسُقوطِ نفقَتِه بإعتَاقِه، فيَصيرُ كَلًّا على النَّاسِ، ويَحتَاجُ إلى المسألَةِ. وكذَا كِتابَتُهُ (أو) كان (يُخَافُ منه الزِّنَى) إن أُعتِق، (أو) كان يُخافُ مِنه (الفَسَادُ) فيُكرَهُ عِتقُه. وكذا إن خِيفَ رِدَّتُه ولحوقُه بدارِ الحَربِ.
(ويَحرُمُ إن عُلِمَ ذِلكَ منه (٤)) أي: الرُّجُوعُ إلى دارِ الحَربِ وتَركُ الإسلام، أو الفَسادُ، مِن قَطعِ طَريقٍ وسَرِقَةٍ أو الزِّنى.
(وهكَذا الكِتَابَةُ) لقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النُّور: ٣٣] ولانتِفَاعِهِ بمِلكِ كَسبِهِ بالعِتقِ.
стр. 1247
ويحصُلُ العِتقُ بالقَولِ:
وصَرِيحُه: لفَظُ العِتْقِ والحُرِّيَّةِ كَيفَ صُرِّفًا، غَيرَ أمرٍ ومُضَارِعِ واسْمِ فاعِلٍ.
(ويحصُلُ العِتقُ بالقَولِ) ويحصُلُ بالمِلكِ لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، وباستِيلادٍ إذا ماتَ السيِّدُ، وبالتَّمثيلِ، من جائِزِ التصرُّفِ. ولا يَحصُلُ (١) بمجرَّدِ نيَّةٍ (٢)، كالطَّلاقِ.
ويَنقَسِمُ القَولُ إلى صَريحٍ، وكِنَايَةٍ:
(وصَريحُه: لَفظُ العِتقِ، و) لَفظُ (الحريَّةِ) لورُودِ الشَّرعِ بهِمَا، فوَجَبَ اعتبارُهُمَا (كيفَ صُرِّفَا) كقولِه لقِنِّهِ: أنتَ حُرٌّ، أو محرَّرٌ، أو حرَّرتُكَ، أو: أنتَ عَتيقٌ، أو مُعتَقٌ -بفتح التَّاءِ- أو أعتَقتُكَ. فيَعتِقُ ولم لم يَنوِهِ (غيرَ أمرٍ ومُضَارعٍ، واسمِ فاعِلٍ) كقَولِه لرَقيقِه: حَرِّرْهُ، أو: أَعتِقْهُ، أو: هذا مُحرِّرٌ، بكَسرِ الرَّاءَ، ومُعتِقٌ، بكَسرِ التَّاءِ. فلا يَعتِقُ بذلِكَ؛ لأنَّه طَلبٌ، أو وَعدٌ، أو خَبرٌ مِن غَيرِه، ولَيسَ واحِدٌ مِنها صالحًا للإنْشَاءِ، ولا إخبَارًا عن نَفسِه، فيُؤاخَذُ به.
وقِياسُ ما يأتي في الطَّلاقِ: لو قالَ له: أنتَ عاتِقٌ، عَتَقَ.
ولا يَصحُّ العِتقُ مِن نائمٍ، ومُغمًى عليه، ومُبَرْسَمٍ؛ لأنَّهم لا يَعقِلُونَ ما يَقولُونَ.
قال في "الفائق": قُلتُ: نيَّةُ قَصْدِ الَّلفظِ مُعتبَرَةٌ؛ تحرُّزًا مِن النَّائِمِ ونحوِه. ولا تُعتَبرُ نِيَّةُ النَّفَاذِ، ولا نِيَّةُ القُربَةِ، فيَقَعُ عِتقُ الهازِلِ.
ومعنى قَولِه: نِيَّة قَصدِ اللفظ. أي: إرادَةُ لَفظِه لمعنَاهُ، فلا عِتاقَ لحاكٍ، وفَقيهٍ
стр. 1248
وكنَايتُه مَعَ النيَّةِ سِتَّةَ عَشَرَ:
خَلَّيتُكَ، وأطلَقتُكَ، والحَقْ بأهلِكَ، واذهَبْ حَيثُ شِئْتَ، ولا سَبيلَ لي، أو لا سُلطَانَ، أو لا مِلكَ، أو لا رِقَّ، أو: لا خِدْمَةَ لي عَلَيكَ، ووهَبتُكَ للَّه، وأنتَ للَّهِ، ورَفَعْتُ يَدِي عَنكَ إلى اللَّهِ، وأنتَ مَولايَ، أو سَائِبَةٌ، ومَلَّكتُكَ نَفسَكَ، وفككتُ رقَبتَكَ وتزيدُ الأمَةُ بـ: أنتِ طَالِقٌ، أو حَرَامٌ.
ويَعتِقُ حَمْلٌ -لم يُستَثْنَ- بِعِتْقِ أمِّهِ، …
يُكَرِّرُهُ، ونائِمٍ ونحوِه (١).
(وكِنايَتُه) أي: العِتقِ التي يَقَعُ بها (مَعَ النيَّةِ) أي: نِيَّةِ العِتقِ (سِتَّةَ عَشَرَ):
الأوَّل: (خَلَّيتُكَ. و) الثاني: (أطلَقتُكَ. و) الثالِثُ: (الحَقْ بأهلِكَ. و) الرابعُ: (اذهَب حَيثُ شِئتَ. و (الخامِسُ: (لا سَبيلَ لي) عَليكَ. (و) السادِسُ: (لا سُلطَانَ) لي عليك. (و) السابِعُ: (لا مِلكَ) لي عَليكَ (و) الثامن: (لا رِقَّ) لي عليك (و) التاسع: (لا خِدمَةَ لي عَليكَ. و) العَاشِرُ: (وهَبتُكَ لله. و) الحادي عَشَرَ: (أنتَ لله. و) الثاني عشرَ: (رَفَعتُ يَدي عَنكَ إلى الله. و) الثالث عشرَ: (أنتَ مَولاي. و) الرابع عشر: (أنتَ سَائِبَة. و) الخامسَ عشَرَ: (ملَّكتُكَ نَفسَكَ. و) السادس عشَر: (فكَكتُ رَقَبتَكَ).
(وتَزيدُ الأمَةُ) مِن الكِنايَةِ (بـ) ـــقولِ السيِّدِ لأمَتِه: (أنتِ طالِقٌ، أو) أنتِ (حَرَامٌ) وفي "الانتصار": وكذا: اعتدِّي. وأنَّه يُحتَمَلُ مِثلُه في لَفظِ الظِّهَارِ (٢).
(ويَعتِقُ حملٌ لم يُستَثْنَ) أي: الحَملُ (بِعِتقِ أُمِّهِ) لأنَّه يتبَعُها في البيعِ والهِبَةِ،
стр. 1249
لا عَكسُهُ.
وإنْ قالَ لِمَن يُمكِنُ كَونُه أباهُ: أنت أبي. أو لِمَنْ يُمكِنُ كونُه ابنَهُ: أنَت ابنِي، عَتَقَ، لا إنْ لَمْ يُمكِنْ، إلَّا بالنيَّةِ.
فتَبِعَهَا في العِتقِ. وعُلِمَ منه: صحَّةُ استِثنَاءِ الحملِ في العِتق.
(لا عَكسُهُ) بأن قالَ: أعتَقتُ حملَكِ. عتَقَ حملُها وحدَه، ولم يَسْرِ العِتقُ إلى أُّمِّه؛ لأنَّ الأصلَ لا يَتبعُ الفَرعَ.
(و) مما يحصُلُ به العِتقُ: (إن قالَ) سيِّدٌ (لمَن يُمكِنُ كَونُهُ أَبَاهُ) من رقِيقِهِ؛ بأنْ كانَ السيِّدُ ابنَ عِشرينَ سنَةً مَثَلًا، والرَّقيقُ ابنَ ثَلاثِينَ سنَةً فأكثَرَ: (أنتَ أبي، أو) قالَ لرَقيقِهِ (لمَن يُمكِنُ كَونُهُ ابنَهُ: أنتَ ابني) فيـ (ـــعتق) بذلِكَ فِيهِما، وإنْ لم يَنوِهِ، يَعتَقُ (لا إنْ لم يُمكِن) لكِبَرِهِ، أو صِغَرِه: أنتَ ابني، أو أنتَ أَبي. فلا يَعتِقُ بها (إلَّا بالنيَّةِ) لأنَّ هذِهِ الألفَاظَ تحتَمِلُ العِتقَ وغَيرَهُ، فلا تُحمَلُ (١) عَليه إلَّا بالنيَّةِ.
стр. 1250
فَصْلٌ
ويحصُلُ بالفِعْلِ:
فَمَنْ مثَّلَ برَقيقِهِ، فَجَذَعَ أنفَهُ، أو أُذُنَهُ، ونحوَهُما، أو خَرَقَ أو حَرَقَ عُضوًا مِنهُ، أو استَكرَهَهُ على الفَاحِشَةِ، أو وَطِئَ مَنْ لا يُوطَأُ مِثلُهَا لِصِغَرٍ، فأفضَاهَا،
(فَصل)
(ويحصُلُ) العِتقُ (بالفِعلِ).
(فمَن) ظَاهِرُه: ولو غَيرَ جَائزِ التصرُّفِ (مَثَّلَ) بتَشديدِ المثلَّثةِ. قال أبو السَّعادات: مَثَّلتُ (١) بالحيوانِ، أُمثِّلُ تمثيلًا (٢): إذا قَطَعتَ أطرَافَهُ، وبالعَبدِ، إذا جَذعتَ أنفَهُ، ونحوَه (برَقيقِه (٣)، فجَذَع أنفَهُ، أو أُذُنَه، ونحوَهُما) كمَا لو خَصَاهُ. (أو خَرَقَ) عُضوًا منه، ككفِّهِ، بنَحوِ مِسَلَّةٍ (٤) (أو حَرَقَ عُضوًا مِنهُ) بالنَّار (٥) (أو استَكرَهَهُ) أي: القِنَّ سَيِّدُهُ (على الفَاحِشَةِ) بأن فَعلَها به مُكرَهًا؛ لأنَّه مِن المُثلَةِ (أو وَطِئَ) سيِّدٌ (مَن لا يُوطَأُ مِثلُها؛ لِصِغَرٍ، فأفضَاهَا) أي: خَرَقَ ما بَينَ سَبيلَيهَا، فتَعتِقُ عَليه.
стр. 1251
عَتَقَ في الجَميعِ.
ولا عِتقَ بخَدْشٍ، وضَرْبٍ، ولَعْنٍ.
ويحصُلُ بالمِلْكِ:
فَمَن مَلَكَ لِذِي رَحِمٍ مَحْرمٍ مِنَ النَّسَبِ، عَتَقَ عَليهِ، …
قال ابنُ حمدان: ولو مَثَّلَ بعَبدٍ مُشتَرَكٍ بيَنَهُ وبينَ غيرِه، عَتَقَ نَصيبُهُ، وسَرَى العِتقُ إلى باقيه، وضَمِنَ قِيمَةَ حِصَّةِ الشَّريكِ. ذكره ابنُ عقيل (١).
(عَتَقَ في الجميع) أي: جَميعِ مسائِلِ التَّمثيلِ، بلا حُكمِ حاكِمٍ.
(ولا عِتقَ بخَدْشٍ، وضَرْبٍ، ولَعنٍ) لأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا في مَعنى المنصُوصِ عليه، ولا قِياسَ يَقتَضيه.
(ويحصُلُ) العِتقُ (بالمِلكِ).
(فمَن مَلَكَ) مِن جائِزِ المصرُّفِ وغَيرِهِ (لِذِي رَحِمٍ) أي: قَرَابَةٍ، (محرَمٍ مِن النَّسَبِ) وهو الذي لو قُدِّرَ أحدُهُما ذَكَرًا والآخَرُ أُنثَى، حَرُمَ نِكَاحُهُ عليه؛ للنَّسَبِ. بخِلافِ ولَدِ عَمِّه وخَالِه، ولو كانَ أَخَاهُ مِن رَضَاعٍ، فإنَّه لا يَعتِقُ عليه بالمِلكِ، وإن كانَ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ؛ لأنَّ تحريمَهُ بالرَّضَاعِ لا بالنَّسَبِ.
(عتَقَ عليه)؛ لحديث الحسَنِ، عن سمُرَة مرفوعًا: "مَن مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحرَمٍ، فهو حُرٌّ". رواه الخمسة (٢)، وحسَّنهُ الترمذيُّ وقال: العَملُ على هذا عِندَ أهلِ العِلمِ.