← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 803

شرح دليل الطالب - عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

Полный текст (1 686 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

ويَصِحُّ العَقدُ. تحريمًا: مَن فَرَضَ له وليُّ الأمرِ على الصَّدقَاتِ، أو غَيرِها -كالجَوالي (١) - ما يَستَحِقُّهُ، فيَجيءُ مَن يُزاحِمُهُ فيه، أو مَن يَنزِعْهُ عنه؛ لأنَّه أشدُّ إيذاءً لهُ مِن خِطبَتِهِ عَليهِ (٢). قال ابنُ نَصرِ الله: لو أُجيبَ مَن تحرُمُ خِطبَتُه، كمَن خَطَبَ مُعتدَّةً صَريحًا، هل يحرُمُ الخِطبَةُ على خِطبَتِه؟ يحتملُ ألَّا يَحرُمُ؛ لأنَّ وُقوعَهَا في غيرِ محلِّها، كعَدَمِ وقُوعِها. قال ابنُ نَصرِ الله: لو أجَابَهُ الوليُّ، ثمَّ زالَت ولايَتُه بمَوتٍ أو جُنُونٍ، فهل يسقُط حقّ الخاطِبِ من الإجابَةِ؟ لم أجِد مِن أصحابِنَا مَن ذكر ذلك. وأفادَ شَيخُ الإسلامِ: أنَّه يَسقُطُ. وكذَا لو (٣) كانَت الإجابَةُ مِن المرأَةِ، ثم جنَت. وظاهِرُ كلامِ الأصحاب: أنَّ حقَّهُ لا يَسقُطُ. وقال أيضًا: إذا أُجيبَ الخاطِبُ، ثمَّ لم يَعقِدْ حتى طالَت المدَّةُ، وتَضرَّرَت المرأةُ بذلِك، فالظاهِرُ: حقُّهُ يَسقُط (٤). (ويَصحُّ العَقدُ) معَ خِطبَةٍ حَرُمَت، كخِطبَةِ المعتدَّةِ تَصريحًا، والرَّجعيَّةِ، ولو تعريضًا، أو على خِطبَةِ مُسلِمٍ أُجيبَ.

стр. 1297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وسُنَّ عَقدُ النكاحِ مَساءَ يَومِ الجمعَةِ؛ لأنَّه يومٌ شَريفٌ ويومُ عِيدٍ، والبَركَةُ في النِّكاحِ مَطلُوبَةٌ، فاستُحِبَ له أشرفُ الأيامِ؛ طَلبًا للبركَةِ. والإمسَاءُ به (١): أن يكونَ من آخِرِ النَّهارِ. وروى أبو حَفص العُكبُريُّ مرفوعًا: "أَمسُوا بالإملاك، فإنه أعظمُ للبركةِ" (٢). ولأنَّ في آخرِ يَومِ الجُمُعةِ ساعَةَ الإجابَةِ، فاستحبَّ العقدُ فيها؛ لأنها أعظمُ للبَركَةِ، وأحرَى لإجابَةِ الدُّعَاءِ لهُما. ويُسَنُّ أن يخطُبَ العَاقِدُ قَبلَهُ، أي: النِّكاحِ. وفي "الغُنية" للشيخ عبد القادر الجيلي ﵀: فإنْ أُخِّرَت، جازَ. وفي "الإنصاف": قلتُ: يَنبَغي أن يُقالَ: معَ النِّسيانِ (٣). وأن تَكونَ بِخُطبَةِ عبدِ الله بنِ مَسعُودٍ، وهي: ما روَاهُ، قال: عَلَّمَنا رسولُ الله ﷺ التشهُّدَ في الصلاةِ، والتشهُّدَ في الحاجَةِ: إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُهُ ونَستَعينُهُ، ونَستَغفِرُه ونَتوبُ إليه، ونعوذُ باللهِ مِن شُرُورِ أنفسِنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، مَن يَهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادِيَ له. وأشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه. قال: ويَقرَأُ ثلاثَ آياتٍ (٤). ففسَّرهَا سُفيانُ الثوريُّ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عِمرَان: ١٠٢]. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النِّساء: ١]. ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلً

стр. 1298

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . سَدِيدًا﴾ [الأحزَاب: ٧٠] الآية. رواه الترمذيُّ (١) وصححه. ورُوي أنَّ أحمدَ كانَ إذا حضَرَ (٢) عقَدَ نِكاحٍ، ولم يُخطَب فيه بخُطبَةِ ابنِ مَسعودٍ، قامَ وتَرَكَهُم. وهذا على طريقِ المبالغَةِ في استحبابها، لا على إيجابها. ويُجزِئُ عن هذِه الخُطبَةِ أن يتشهَّد، ويصلِّي على النبيِّ ﷺ . ويُسنُّ أن يقَالَ لمتزَوِّجٍ (٣): بارَكَ اللهُ لكمَا وعَلَيكُما، وجَمَعَ بَينَكُما في خَيرٍ وعافيةٍ. ويُسَنُّ أن يقولَ الزَّوجُ إذا زُفَّت إليه المرأةُ: اللهمَّ إنِّي أسألُكَ خَيرَهَا وخيرَ ما جَبَلتَها عليه، وأعوذُ بكَ مِن شرِّها وشَرِّ ما جَبلتَها عليه؛ لما روَى عمرو بنُ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا تزوَّج أحدُكُم امرأةً، أو اشتَرَى خادِمًا، فليَقُل: اللهمَّ إنِّي أسألُكَ خَيرَهَا وخيرَ ما جبلتَها عليه، وأعوذُ بكَ مِن شرِّها وشرِّ ما جَبَلتَها عليه، وإذا اشتَرَى بَعيرًا أخَذَ بذروَةِ سَنامِه، وليَقُل مثلَ ذلك". رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٤). وعن أبي سَعيدٍ مَولَى أبي أُسَيدٍ: أنَّه تزوَّجَ، فحضرَهُ عبدُ الله بن مسعودٍ، وأبو ذَرٍّ، وحذيفَةُ، وغيرُهم من أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا له: إذا دخَلتَ على

стр. 1299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أهلِكَ، فصَلِّ رَكعَتَين، ثم خُذ بِرَأسِ أهلِكَ، ثم قُل: اللهمَّ بارِك لي في أَهلِي، وبارِك لأهلِي فِيَّ، وارزُقني مِنهم. ثم شأنَكَ وشأنَ أهلِكَ. رواه صالح بن أحمد في "مسائله"، عن أبيه بإسناده (١). * * *

стр. 1300

بَابُ رُكنَي النِّكَّاح وشُرُوطِهِ رُكنَاهُ: الإيجَابُ والقَبولُ مُرَتَّبَينِ. (بابُ رُكنَي النِّكاحِ وشُرُوطِه) رُكنُ الشيءِ: جُزءُ ماهِيَّتِه، وهي لا تَتِمُّ بدُونِ جُزئِها، فكَذَا الشيءُ لا يَتِمُّ بدون (١) رُكنِه. (رُكنَاهُ) أي: النِّكَاحِ: أحدهما: (الإيجابُ): الَّلفظُ الصَّادِرُ مِن الوليِّ، أو مَن يَقومُ مقامَهُ، بلَفظِ إنكَاحٍ، أو بِلَفظِ تَزويجٍ، بأن يقولَ: أنكَحتُكَ فُلانَةَ، أو: زوَّجتُكَها. وقَولُ السيِّدِ لمَن يَملِكُها، أو يَملِكُ بعضَهَا وباقِيها حُرٌّ، وتأذَنَ هِيَ، ومُعتِقُ البقيَّةِ: أعتَقتكِ وجَعلتُ عِتقَكِ صَدَاقَكِ، ونحوِه. وإن فَتَحَ وَليٌ تَاءَ "زوَّجتُكَ"، فقيلَ: يَصحُّ النِّكاحُ مُطلقًا، أي: عالمًا كانَ الوليُّ بالعَربيَّةِ أو جاهِلًا بها، قادِرًا على النُّطقِ بضَمِّ التَّاءِ، أو عاجِزًا عنه. وأفتَى به الموفَّقُ. وقيلَ: لا يَصِحُّ إلَّا مِن جاهِلٍ بالعربيَّةِ، ومِن عاجِزٍ عن النُّطقِ بضَمِّ التَّاءِ. قال في "شرح المنتهى" للتَّقيِّ الفُتوحي: وهذا هو الظاهِرُ. انتهى. وقطَعَ به في "الإقناع". وفي "الرعاية": يَصِحُّ جَهلًا، أو عَجزًا، وإلَّا احتَمَلَ وَجهَين. (و) الرُّكنُ الثاني: (القَبولُ) وهو الَّلفظُ الصادِرُ مِن الزَّوجِ، أو مَن يَقومُ مقامَه.

стр. 1301

ويَصِحُّ النِّكَاحُ هَزْلًا، ولا يَصِحُّ قَبولٌ لمَن يُحسِنُ العربيَّةَ إلَّا بلَفظِ: قَبِلتُ تَزويجَها، أو: قَبِلتُ نِكاحَهَا، أو: قَبِلتُ هذا التَّزويجَ، أو: قَبِلتُ هذا النِّكاحَ، أو: تزوَّجتُها، أو: رضيتُ هذا النِّكاحَ، أو: قَبِلتُ، فقَط، أو: تزوَّجتُ، أو قال الخاطِبُ للوليِّ: أَزوَّجتَ؟ فقالَ الوليُّ: نَعَم. وقالَ الخاطِبُ للمتزوِّجِ: أَقَبِلتَ؟ فقالَ المتزوِّجُ: نعَم. انعَقَدَ النكاح؛ لأنَّ المعنى: نَعَم زوَّجتُ، نَعَم قَبِلتُ هذا النِّكاحَ؛ لأنَّ السُّؤالَ يكونُ مُضمَرًا في الجَوابِ، مُعادًا فيه، بدليل قولِه تعالى: ﴿هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ أي (١): وجَدْنَا ما وَعَدَنا رُّبنَا حقًّا. ولو قِيلَ لِفُلانٍ: عليكَ ألفُ دِرهَمٍ؟ فقَالَ: نَعَم، كانَ إقرَارًا صَريحًا لا يَفتَقِرُ إلى نيَّةٍ، ولا يُرجَعُ فيه إلى تَفسيرِهِ. وقال الشيخُ أيضًا: يَنعَقِدُ النكاحُ بما عَدَّه الناسُ نِكاحًا، بأيِّ لُغَةٍ ولَفظٍ كان، وإنَّ مِثلَ النِّكاحِ كُلُّ عَقدٍ. فيَنعَقِدُ البيعُ بما عدَّه الناسُ بَيعًا، بأيِّ لُغَةٍ ولَفظٍ كان، والإجارَةُ بما عدَّه النَّاسُ إجارَةً، بأيِّ لُغَةٍ ولَفظٍ كان، وهكذا (٢). (ويَصحُّ النِّكاحُ هَزْلًا) وتَلجِئَةً، لحديث: "ثلاثٌ هَزلُهُنَّ جِدٌّ، وجِدُّهنَّ جِدٌّ: الطلاقُ، والنكاحُ، والرَّجعَةُ". رواه الترمذي (٣). وعن الحسَنِ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن نكَحَ لاعِبًا، أو طلَّقَ لاعِبًا، أو أعتَقَ لاعِبًا، جازَ" (٤). وقال عمرُ:

стр. 1302

وبِكُلِّ لِسَانٍ مِنْ عَاجِزٍ عَنْ عَربِيٍّ، لا بالكِتَابَةِ والإشَارَةِ، إلَّا مِنْ أخرَسَ. أربَعٌ جائِزَات إذا تكلَّمَ بهنَّ: الطلاقُ، والعِتَاقُ، والنكاحُ، والنَّذرُ (١). (و) يَصحُّ الإيجابُ والقَبولُ (بكُلِّ لِسانٍ) أي: لُغَةٍ (مِن عاجِزٍ عن عَربيٍّ) بأيِّ لَفظٍ يُؤدِّي مَعنَاهُمَا الخاصِّ بِكُلِّ لِسانٍ؛ لأنَّ ذلكَ في لُغَتِه نَظيرُ الإنكَاحِ والتَّزويجِ، ولا يُكلِّفُ اللهُ نفسًا إلَّا وُسعَهَا. ولا يَصحَّانِ بما لا يُؤدِّي مَعنَاهُما الخاصِّ، كالعَربيِّ إذا عَدَلَ عن: أنكَحتُ (٢)، أو: زَوَّجُت، إلى غَيرِهِمَا. ولا يَلزَمُه، أي: العاجِزَ عَنهُمَا بالعربيَّةِ، تَعلُّمُ أركانِهِ بالعربيَّةِ؛ لأنَّه عَقدُ مُعاوَضَةٍ، كالبَيعِ، بخلافِ تَكبيرِ الصلاةِ، ولأنَّ القَصدَ هُنا المعنى دُونَ الَّلفظِ المُعجِزِ، بخِلافِ القِرَاءَةِ. وإن أحسَنَ أحدُهُما العَربيَّةَ وحدَهُ، أتَى بِها، والآخَرُ بِلُغَتِه، وتَرجَمَ بَينَهُما ثِقَةٌ، إن لم يُحسِنْ أَحَدُهما (٣) لِسانَ الآخَرِ. ولا بدَّ مِن مَعرِفَةِ، الشَّاهِدَينِ لَفظَ العَاقِدَينِ. ولا (٤) يَصِحُّ قَبولٌ، و (لا) إيجابٌ (بالكِتَابَةِ والاشارَةِ) مَفهُومَةٍ (إلَّا مِن أخرَسَ) فيَصحَّانِ مِنهُ بالإشارَةِ نَصًا، كبَيعِهِ وطلاقِهِ. وإذا صحَّا مِنهُ بالإشارَةِ، فالكِتَابَةُ أولى؛ لأنَّها بمنزِلَةِ الصَّريحِ في الطلاقِ والإقرَارِ.

стр. 1303

وشُروطُهُ خَمسَةٌ: تعيينُ الزَّوجَينِ، فلا يَصِحُّ: زوَّجتُكَ بِنتِي، ولَهُ غَيرُها (وشُروطُه) أي: النِّكاحِ (خمسَة): أحَدُها: (تَعيينُ الزَّوجَينِ) في العَقدِ؛ لأنَّ النِّكاحَ عَقدُ مُعاوَضَةٍ، أشبَهَ البَيعَ. (فلا يَصِحُّ) النِّكاحُ إن قالَ الوَليُّ: (زوَّجتُكَ بِنتي. ولهُ) بِنت (غَيرُهَا) حتى يُميِّزَهَا باسمِهَا، كفَاطِمَةَ، أو صِفَةٍ لا يُشارِكُهَا فيها غَيرُهَا مِن أخَوَاتِهَا، كالكُبرَى، أو الطَّويلَةِ، أو يُشيرُ إليهَا إن كانَت حاضِرَةً، كَهَذِه. وإلَّا يَكُنْ له إلَّا بِنتٌ واحِدَةٌ، فيَصِحُّ النِّكاحُ بقَولِه: زوَّجتُكَ بِنتي. ولو سمَّاهَا بغيرِ اسمِها؛ لأنَّه لا تَعدَادَ هُنا، فلا التِبَاسَ. وإن سمَّاها باسمِها؛ كأن قال: زوَّجتُكَ فاطِمَةَ، أو الطويلةَ، ولم يَقُل: بِنتي، لم يَصحَّ العقدُ؛ لاشتِرَاكِ هذا الاسمِ، أو هذِه الصِّفَةِ. أو قالَ مَن له بِنتَانِ؛ عائِشَةُ وفاطِمَةُ: زوَّجتُكَ بِنتي عائشةَ، فقَبِلَ الزَّوجُ النكاحَ، ونَوَيَا، أي: الوليُّ والزَّوجُ، فاطِمَةَ، لم يَصحَّ؛ لأنَّهُما لم يتلفَّظَا بما يَصحُّ العقدُ بالشَّهادَةِ عليهِ، فأشبَهَ ما لو قالَ: زوَّجتُكَ بِنتي، فَقط، أو: عائشَةَ، فقَط، ولأنَّ اسمَ أختِها لا يُميِّزُها، بل يَصرفُ العَقدِ عَنها. وكذا لو أرادَ الوليُّ الكُبرَى، أو الزَّوجُ الصُّغرَى، كمَن سُمِّيَ له في العَقدِ غيرُ مَخطُوبَتِه، فَقَبِلَ يَظنُّهَا، أي: غَيرَ المخطوبَةِ، إيَّاهَا، أي: المخطُوبَةَ؛ لانصرِافِ القَبولِ إلى غيرِ مَن وُجِدَ الإيجابُ فِيهَا، فإن لم يَظُنَّها إيَّاهَا، صحَّ العقدُ. وكذا: زَوَّجتُكَ حمْلَ هذِه المرأةِ، فلا يَصحُّ؛ لأنَّ الحملَ مَجهولٌ، ولا يتحقَّقُ كونُه أُنثَى، ولم يَثِبُت له حُكمُ الوجُودِ. وكذا: إن وضَعَت زَوجَتي ابنَةً، فقَد زوَّجتُكَهَا؛ لأنَّ النكاحَ لا يَصِحُّ تعليقُه.

стр. 1304

ولا: قَبِلتُ نِكَاحَها لابنِي، ولهُ غَيرُهُ، حتَّى يُميَّزَ كُلٌّ مِنهُمَا باسمِهِ، أو صِفَتِهِ. الثَّانِي: رِضَا زَوجٍ مُكلَّفٍ، ولَو رَقِيقًا، فيُجبِرُ الأبُ -لا الجَدُّ-[غَيرَ المكلَّفِ، فإنْ لَم يَكُنْ فَوصيُّهُ، ولهذا قال: (حتى يُميَّزَ كُلٌّ مِنهُما) أي: مِن الزَّوجَينِ (باسمِه) كفَاطِمَةَ، أو عائشَةَ بِنتي، أو أحمدَ أو محمَّدَ ولَدي، (أو صِفَتِه) حتى لا يُشارِكَهَا فيها غَيرُهَا مِن أخَوَاتِهَا، كالكُبرَى، أو الطَّويلَةِ، أو السَّودَاءِ، أو الحمراءِ. (الثاني) من شُروطِ النكاحِ: (رِضَا زَوجٍ) فلا يَصحُّ إن أُكرِهَ أحَدُهُما بغَيرِ حقِّ، كالمَبيعِ (مُكلَّفٍ) أي: بالِغٍ عاقِلٍ، (ولو) كانَ المكلَّفُ (رَقيقًا) نصًا. فليسَ لسيِّدِه إجبارُهُ؛ لأنَّه يملِكُ الطلاقَ، فلا يُجبَرُ على النكاحِ، كالحُرِّ، ولأنَّهُ خالِصُ حقِّه، ونَفعُهُ له، فلا يُجبَرُ عليه، أي: على النكاحِ، كالحُرِّ. والأَمرُ لإنكاحِهِ في قولِه تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النُّور: ٣٢] مُختَصٌّ بحالِ طَلَبِه، بدَليلِ عَطفِه على الأَيَامَى، وإنَّمَا يُزَوَّجْنَ عِندَ الطَّلَبِ، ولأنَّ مُقتَضَى الأمرِ الوجُوبُ، وإنَّمَا يجِبُ تَزويجُه إذا طَلَبه. وأمَّا الأَمَةُ، فالسيِّدُ يملِكُ مَنافِعَ بُضْعِهَا والاستمتاعَ بها، بخلافِ العَبدِ. والإجارةُ عقدٌ على مَنافِعِ بَدَنِه، وسيِّدُهُ يملِكُ استيفاءَهَا، بخلافِ النكاح. (فيُجبِرُ الأَبُ -لا الجَدُّ) لعُمومِ الأحادِيثِ، ولأنَّه قاصِرٌ عن الأَبِ، فلم يَملِك الإجبَارَ- (غَيرَ المكلَّفِ) أي: البالِغِ. للأبِ تَزويجُ بَنيهِ الصِّغَارِ. (فإنْ لم يَكُن) الأَبُ مَوجُودًا (فوَصيُّهُ) أي: الأَبِ في النِّكاحِ. قالَهُ الخِرَقيُّ، وجَزَمَ به الزركشيُّ. قال في "الفروع": وهو أظهَرُ، لقِيامِهِ مَقامَه (١).

стр. 1305

فإنْ لَم يَكُنْ فالحَاكِمُ لِحَاجَةٍ. ولا يَصِحُّ مِن غَيرِهِم أنْ يزوِّجَ] غيرَ المُكلَّفِ، ولو رَضِيَ. ورِضَا زَوجَةٍ حُرَّةٍ عَاقِلَةٍ ثَيِّبٍ تَمَّ لهَا تِسعُ سِنينَ، (فإنْ لم يَكُن) بأنْ عُدِمَ وَصيُّ الأَبِ، وثَمَّ حاجَةٌ إلى نِكَاحِهِمَا، (فالحَاكِمُ لحاجَةٍ) أي: وثمَّ حاجَةٌ إلى (١) النكاحِ وغَيرِهِ (٢)، كما في "الإقناع" (٣)، يُزوِّجُهُما؛ لأنَّه يَنظُرُ في مَصالِحِهِما بعدَ الأَبِ ووصيِّهِ. ومَن يُخنَقُ في بعضِ (٤) الأحيَانِ إذا بَلَغَ، لا يَصِحُّ تزويجُه إلَّا بإذنِه؛ لأنَّه مُمكِنٌ، ومَن أمكَنَ أن يتزوَّجَ لِنَفسِه، لم تثبُت وِلايَةُ تزويجه لغيره، كالعَاقِلِ. ومَن زَالَ عَقلُهُ ببِرْسَامٍ، أو مَرَضٍ يُرجَى زَوالُه، فكالعَاقِلِ. (ولا يَصِحُّ) أي: تَزويجُ الصَّغيرِ والمجنُونِ (مِن غَيرِهِم) أي: بقيَّةِ الأَولِياءِ، وهُم مَن عَدَا الأبِ فوَصيِّهِ والحَاكِمِ؛ لأنَّه لا نَظَرَ لغَيرِ هؤلاءِ في مَالِهِمَا ومَصالِحِهِمَا المتعلِّقَةِ به. (أن يُزَوِّجَ غَيرَ المكلَّفِ) أي: دُونَ البُلُوغِ (ولو رَضِيَ) أي: تَزويجَ صغيرَةٍ لها دُونَ تِسعِ سِنينَ بحَالٍ، أي: في حالٍ مِن الأحوَالِ. وليسَ لها إِذنٌ صَريحٌ. (ورِضَا زَوجَةٍ حُرَّةٍ عاقِلَةٍ ثيِّبٍ تمَّ لها تِسعُ سِنينَ) فأكثَرُ، ولها إذنٌ صَحيحٌ (٥) مُعتَبَرٌ، يُشتَرَطُ معَ ثُيوبَتِهَا، ويُسَنُّ معَ بَكارَتِهَا. نصًا؛ لحديثِ أبي هريرة مرفوعًا:

стр. 1306

فيُجبِرُ الأبُ ثَيِّبًا دُونَ ذلِكَ، وبِكرًا، ولو بَالِغَةً. ولِكُلِّ وليٍّ تَزويجُ يَتيمَةٍ "لا تُنكحُ الأيِّمُ حتى تُستَأمَرَ، ولا تُنكَحُ البِكرُ حتى تُستَأذَنَ". قالوا: يا رَسولَ الله، وكيفَ إذنُها؟ قال: "أن تَسكُتَ". متفق عليه (١). وخُصَّ بِنتُ تِسعٍ، لحديثِ أحمدَ عن عائشَةَ قالت: إذا بلَغَت الجاريةُ تِسعَ سِنينَ فهي امرأَةٌ (٢). وروي عن ابن عمر مرفوعًا (٣). ومعناه: في حُكمِ المرأَةِ. ولأنَّها تَصلُحُ بذلك للنِّكاحِ، وتَحتاجُ إليه، أشبَهَت البالغةَ. (فيُجبِرُ الأَبُ ثَيِّبًا دونَ ذلِكَ) أي: تِسعِ سِنينَ؛ لأنَّه لا إذنَ لها مُعتَبَرٌ. (و) يُجبِرُ (بِكرًا، ولو) كانَت (بالِغَةً) أي: مُكلَّفَةً، لحديثِ ابنِ عبَّاس مرفوعًا: "الأَيِّمُ أحَقُّ بنَفسِها مِن وَليِّها، والبِكرُ تُستَأمَرُ، وإذنُها صُمَاتُها". رواه أبو داود (٤). فقَسَّمَ النِّساءَ قِسمَينِ، وأثبَتَ الحقَّ لأَحَدِهِما، فدلَّ على نَفيِهِ عن الآخَرِ، وهِي البِكرُ، فيَكونُ وَليُّها أحَقَّ مِنها بها. ودلَّ الحديثُ على أنَّ الاستِئمَارَ هُنَا، والاستِئذَانَ في الحديثِ السَّابِقِ مستحبٌّ غَيرُ واجِبٍ. (ولِكُلِّ وَليٍّ) مِن أبٍ، ووصيِّه، وبقيَّةِ العَصَبَاتِ، والحاكِمِ (تَزويجُ يَتيمَةٍ

стр. 1307

بَلَغَتْ تِسعًا بِإذنِهَا، لا مَنْ دُونَهَا بِحَالٍ، إلَّا وصِيُّ أبِيهَا. وإذِنُ الثَيِّبِ: الكَلامُ. وإذنُ البِكرِ: الصُّمَاتُ بلَغَت تِسعًا) فأكثَرَ (بإذنها) نَصًا؛ لحديثِ أبي هريرةَ مَرفوعًا: "تُستَأمَرُ اليَتيمَةُ في نَفسِهَا، فإنْ سَكَتَت فهو إِذنُها، وإن أبَت لم تُكرَه". رواه أحمد (١). فدلَّ أنَّ اليتيمَةَ تُزوَّجُ بإذنِها، وأنَّ لها إذنًا صَحيحًا، وقد انتَفَى ذلِكَ فِيمَن لم تبلُغ تِسعًا بالاتِّفَاقِ، فوجَبَ حملُهُ على مَن بلَغَت تِسعًا؛ جمعًا بينَ الأخبَارِ. وإذنُهَا مُعتَبَرٌ. (لا مَن دُونَهَا بحَالٍ) مِن الأحوَالِ؛ لأنَّه لا إِذنَ لها، وقد تقدَّم. وغَيرُ الأَبِ ووصيُّهُ لا إجبارَ لهُ. (إلَّا وَصيُّ أَبيهَا) فإنَّ له الإجبَارَ، وكذا الأَبُ، وتقدَّم. (وإذنُ الثيِّبِ) بوَطءٍ في قُبلٍ، ولو كانَ وَطؤُهَا زِنى، أو مَعَ عَوْدِ بَكارَةٍ بعدَ وَطئِهَا: (الكَلامُ)؛ لحديث: "الثيِّبُ تُعرِبُ عَن نَفسِهَا، والبِكرُ رِضَاهَا صَمتُهَا". رواهُ الأثرَمُ، وابن ماجه (٢). (و) كذَا (إذنُ البِكرِ: الصُّمَاتُ) لحديثِ عائشةَ، قالَت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ البِكرَ تَستَحِيي. قال: "رِضَاهَا صُماتُها" متفق عليه (٣). ولو ضَحِكَت، أو بَكَت، كانَ إذنًا؛ لحديثِ أبي هُريرةَ مرفوعًا: "تُستَأمَرُ اليتيمَةُ، فإن بَكَت أو سَكَتَت فهو رِضَاهَا، وإن أبَت فلا جَوازَ عَليها" (٤). ولأنَّها

стр. 1308

وشُرِطَ في استئذَانِهَا: تِسمِيَةُ الزَّوجِ لَهَا عَلَى وَجهٍ تَقَعُ به المَعرِفَةُ. ويُجِبرُ السيِّدُ -ولو فاسِقًا- عَبدَهُ غَيرَ المُكلَّفِ، وأمتَهُ، ولو مُكلَّفَةً. الثَّالِثُ: الوَليُّ. غَيرُ ناطِقَةٍ بالامتِناعِ معَ سماعِ الاستِئذَانِ، فكانَ ذلكَ إذنًا مِنها، كالصُّمَاتِ، والبُكاءُ يدلُّ على فَرطِ الحَياءِ لا الكَرَاهَةِ، ولو كَرِهَت لامتَنَعَت، فإنَّها لا تَستَحِيي مِن الامتِنَاعِ. (وشُرِطَ في استِئذَانِها: تَسميَةُ الزَّوجِ لها على وَجهٍ تقعُ به المعرِفَةُ) بأنْ يُذكَرَ لها نَسبُهُ ومَنصِبُهُ، ونحوُهُ مما يَتَّصِفُ به؛ لتَكونَ على بصيرَةٍ في إذنها في تَزويجِه. ولا تُعتَبرُ تَسميةُ المهرِ. ومَن زَالَت بَكارَتُها بغَيرِ وَطءٍ، كإصبَعٍ، أو وَثبَةٍ، فكَبِكرٍ في الإذنِ، فإذنُهَا صُمَاتُها؛ لأنَّ حَياءَهَا لا يَزولُ بذلِك. (ويُجبِرُ السيِّدُ -ولو فاسِقًا- عَبدَهُ غيرَ المكلَّفِ) أي: صَغيرًا أو مجنونًا (و) يُجبِرُ (أمتَهُ، ولو مُكلَّفَةً) أي: كبيرَةً أو صغيرَةً، بِكرًا أو ثيِّبًا، قِنًّا أو مُدبَّرَةً، أو أُمَّ ولَدٍ؛ لأنَّ مَنافِعَها مملوكَةٌ لهُ، والنِّكاحُ عقدٌ على منفَعَتِها، أشبَهَ عَقدَ الإجارَةِ، ولذَلك مَلَكَ الاستمتاعَ بها. وبهذا فارَقَت العَبدَ، ولأنَّه يَنتَفِعُ بما يحصُلُ لهُ من مَهرِهَا وولَدِها. ويَسقُطُ عنه نَفَقَتُها وكِسوَتُها، بخلافِ العَبدِ، وسواءٌ كانَت مُباحَةً له، أو محرَّمَةً عليه، كأُمِّه، أو أُختِه مِن رضاعٍ، أو مجوسيَّةٍ ونحوِها؛ لأنَّ مَنافِعَها لهُ، وإنَّمَا حرُمَت عليه لعارِضٍ. (الثالِثُ) مِن شُروطِ النِّكاحِ: (الوليُّ) نصًّا.

стр. 1309

وشُرِطَ فيهِ: ذُكُوريَّةٌ، وعَقْلٌ، وبُلُوغٌ، وحُرِّيَّةٌ، واتِّفَاقُ دِينٍ، وعَدَالَةٌ (وشُرِطَ فيه) أي: في الوليِّ سَبعَةُ شُروطٍ: أحدُها: (ذُكوريَّةٌ) لأنَّ المرأةَ لا يَثبُتُ لها وِلايَةٌ على نَفسِها، فعَلَى غَيرِها أولى. والثَّاني: (عَقلٌ) فلا وِلايَةَ لمجنُونٍ مُطبِقٍ، فإنْ جُنَّ أحيَانًا، أو أُغمِيَ عليه، أو نقَصَ عقلُهُ بنَحوِ مَرَضٍ، أو أَحرَمَ، انتُظِر (١). ولا يَنعَزِلُ وكيلٌ بِطَرَيانِ ذلِكَ. (و) الثالِثُ: (بُلوغٌ) لأنَّ الوِلايَةَ يُعتبرُ لها كمالُ الحالِ؛ لأنَّها تَنفيذُ تصرُّفٍ في حقِّ غَيرِهِ، وغيرُ المكلَّفِ مُولّى عليه؛ لقُصورِ نَظَرِه، فلا تثبُتُ له وِلايَةٌ، كالمرأَةِ. (و) الرابِعُ: (حُريَّةٌ) أي: كَمالُ حريَّةٍ (٢)؛ لأنَّ العبدَ والمُبعَّضَ لا يَستَقِلَّانِ بالولايَةِ على أنفُسِهِمَا، فأولى على غيرِهما. (و) الخامِسُ: (اتِّفاقُ دِين) الوليِّ والمولَّى عَلَيها، فلا وِلايَةَ لكافرٍ على مُسلمةٍ، وكذَا عكسُهُ، ولا نَصرانيٍّ على مجوسيَّةٍ، ونحوِه؛ لأنَّه لا تَوارُثَ بينهما بالنَّسبِ. (و) السادِسُ: (عَدالَةٌ) نصًا؛ لقولِ ابنِ عباس: لا نِكاحَ إلَّا بشاهِدَي عَدْلٍ (٣)، ووليٍّ مُرشِدٍ (٤). قال أحمدُ: أصَحُّ شيءٍ في هذا: قَولُ ابنِ عبَّاسٍ. يَعني: وقد رَوي عن ابنِ

стр. 1310

ولو ظَاهِرَةً، ورُشدٌ، وهو معرفَةُ الكُفؤ ومصَالِحِ النِّكَاحِ. والأحقُّ بتَزويجِ الحُرَّةِ أبوهَا وإنْ عَلَا، عبَّاسٍ مَرفُوعًا: "لا نِكاحَ إلَّا بِوليٍّ وشاهِدَي عَدْلٍ، وأيُّمَا امرَأةٍ أنكَحَها وليٌّ مَسخُوطٌ عَليهِ، فنِكاحُها باطِلٌ" (١). ورَوى البرقانيٌّ بإسنادِهِ عن جابرٍ مَرفوعًا: "لا نِكاحَ إلَّا بوليٍّ، وشاهِدَي عَدْلٍ" (٢). ولأنَّها ولايةٌ نظريَّةٌ، فلا يَستَبدُّ بها الفاسِقُ، كولايَةِ المال. (ولو) كانَت العَدَالَةُ (ظاهِرَةً) فيَكفِي مستُورُ الحالِ، كوِلايَةِ المالِ، إلَّا في سُلطَانٍ، فلا يُشتَرَطُ في تزويجِه بالوِلايَةِ العامَّةِ العَدالَةُ؛ للحاجَةِ. ولا في سيِّدِ أَمَةٍ. (و) السابِعُ: (رُشدٌ) وهو، أي: الرُّشدُ هُنَا: (مَعرِفَةُ الكُفؤ ومَصالِحِ النكاحِ) وليسَ هو حِفظَ المالِ، فإنَّ رُشدَ كُلِّ مَقامٍ بحَسَبِه. وعُلِمَ مما سبَقَ: أنَّه لا يُشتَرَطُ كونُ الوليِّ بَصيرًا، ولا كَونُهُ مُتكلِّمًا إذا فُهِمَت إشارتُه؛ لقِيامِها مقامَ نُطقِه في جميعِ العُقودِ. (والأحَقُّ بتزويجِ الحُرَّةِ) مِن أولياءٍ: (أبوهَا) لأنَّ الولدَ مَوهوبٌ لأَبيهِ، قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبيَاء: ٩٠] وإثباتُ وِلايَةِ الموهُوبِ له على الموهُوبِ أوْلى مِن العَكسِ، ولأنَّ الأبَ أكمَلُ نَظرًا، وأشدُّ شفقةً. فأبُوهُ (وإن عَلا) أي: الجدُّ للأبِ، وإن عَلا، فيُقدَّمُ على الابنِ (٣) وابنِه؛ لأنَّ له إيلادًا وتَعصيبًا، فقُدِّمَ عليهِمَا، كالأَبِ. فإن اجتَمَعَ أجدادٌ، فأولاهُم أقرَبُهُم، كالجَدِّ معَ الأَبِ.

стр. 1311

فابنُهَا وإنْ نَزَلَ، فالأخُ الشَّقيقُ، فالأخُ للأبِ، ثمَّ الأقرَبُ فالأقرَبُ، كالإرْثِ، (فابنُهَا) أي: الحرَّةِ. فابنُهُ (وإن نَزَلَ) يُقدَّمُ الأقربُ فالأقربُ؛ لحديثِ أُمِّ سلَمَةَ، فإنها لما انقَضَت عِدَّتُها أرسَلَ إليها رسولُ الله ﷺ يخطِبُها، فقالَت: يا رسولَ الله، ليسَ أحَدٌ مِن أوليائي شاهِدًا. قال: "ليسَ مِن أوليائِكِ شاهِدٌ ولا غائِبٌ يَكرَهُ ذلِكَ" فقالت: قُمْ يا عُمر فزوِّج رسولَ الله ﷺ ، فزوَّجَه. رواه النَّسَائِيّ (١). قال الأثرمُ: قلتُ لأبي عبدِ الله: فحَديثُ عُمَرَ بن أبي سلَمَةَ حينَ زوَّجَ النبيَّ ﷺ أمَّهُ أمَّ سلمَةَ أليس (٢) كانَ صَغيرًا؟. قال: ومَن يَقولُ كان صغيرًا؟ أليسَ فيه بَيانٌ. ولأنَّه عَدلٌ مِن عَصَبَتِها، فثَبتَت له وِلايَةُ تَزويجِهَا، كأخيها. (فالأخ الشَّقيقُ، فالأخ للأَبِ) لأنَّ وِلايَةَ النكاحِ حَقٌّ يُستَفادُ بالتَّعصيبِ، فقُدِّمَ فيه الأَخُ مِن الأَبَوَينِ، كالمِيرَاثِ، وكاستِحقَاقِ الميرَاثِ بالوَلاءِ. فابنُ أَخٍ لأَبَوين، فابنُ أخٍ لأَبٍ، وإن سَفَلا. (ثمَّ الأقربُ فالأقرَبُ) فعَمٌّ لأَبوَين، فعَمٌّ لأَبٍ، ثمَّ بَنوهُما (كالإرْثِ) أي: تَرتيبُ الوِلايَةِ بَعدَ الإخوَةِ على تَرتيبِ الميرَاثِ بالتَّعصيبِ، فأحقُّهم بالميرَاثِ أحَقُّهم بالوِلايَةِ، فلا يَلِي بَنو أبٍ أعلَى معَ بَني أبٍ أقرَبَ منه، وإن نَزَلت دَرَجتُهُم (٣). وأَوْلَى وَلَدِ كُلِّ أَبٍ أقرَبُهم إليه؛ لأنَّ مَبنَى الوِلايَةِ على الشَّفقَةِ والنَّظَرِ، ومَظِنَّتُها القرابَةُ، فأقرَبُهُم أشفَقُهُم.

стр. 1312

ثمَّ السُّلطَانُ أو نائِبُه فإنْ عُدِمَ الكُلُّ، زوَّجَهَا ذُو سلطَانٍ في مَكانِهَا، فإن تَعذَّرَ، وكَّلَت مَنْ يُزوِّجُهَا. فلو زوَّجَ الحَاكِمُ، ولا وِلايَةَ لغَيرِ العَصَبَاتِ، كأخٍ لأُمٍّ، وعَمٍّ لأُمٍّ، وبَنيه، والخَالِ، وأَبي الأُمِّ، ونَحوهِم. نصًا؛ لقولِ عليٍّ: إذا بلَغَ النِّساءُ نَصَّ الحقائِقِ، فالعَصَبَةُ أوْلى، يَعني: إذا أدرَكْنَ. رواه أبو عبيد في "الغريب" (١). ولأنَّ مَن ليسَ مِن عَصَبَتِها شَبيهٌ بالأجنبيِّ منها. (ثمَّ) عندَ عَدَمِ عَصبَةِ النَّسبِ والوَلاءِ يَلِي نِكاحَ حُرَّةٍ (السُّلطَانُ) وهو الإمامُ الأعظَمُ (أو نائِبُه) قال أحمدُ: والقَاضِي أحبُّ إليَّ مِن الأَميرِ في هذَا. (فإن عُدِمَ الكُلُّ) أي: عَصَبَةُ النَّسبِ، والوَلاءُ، والسُّلطَانُ ونائِبُهُ، مِن المحلِّ الذي به الحُرَّةُ (زوَّجَهَا ذُو سُلطَانٍ في مَكانِها). (فإن تعذَّرَ) ذوُ سُلطَانٍ في مَكانِهَا، (وَكَّلَت) عَدلًا في ذلكَ المكانِ (مَنْ يُزوِّجُها) قال أحمدُ في دِهقَانِ قَريَةٍ (٢): يُزوِّجُ مَن لا وليَّ لها إذا احتَاطَ لها في الكُفؤ والمَهرِ، إذا لم يَكُن في الرُّستَاقِ (٣) قاضٍ. لأنَّ اشتِرَاطَ الوليِّ في هذِهِ الحالِ يمنَعُ النكاحَ بالكليَّةِ (٤). (فلو زوَّجَ الحاكِمُ) معَ وُجودِ وَليِّهَا، لم يصحَّ.

стр. 1313

أو الوَليُّ الأبعَدُ بِلَا عُذرٍ للأقرَبِ، لم يَصِحَّ. ومِنَ العُذرِ: غَيبَةُ الوَليِّ فَوقَ مَسَافَةِ قَصرٍ، أو تُجهَلَ المَسَافَةُ، أو يُجهَلَ مَكانُهُ مَعَ قُربِهِ، أو يَمنَعَ مَنْ بَلَغَتْ تِسْعًا كُفؤًا رَضِيَتهُ. (أو) زَوَّجَ (الوليُّ الأبعَدُ بِلا عُذرٍ للأقرَبِ) إليها مِنهُ (لم يَصِحَّ) النِّكاحُ، إذ لا وِلايَةَ للحاكِمِ والأبعدِ معَ مَن هُو أحَقُّ مِنهُمَا، أشبَهَا الأجنبيَّ. (ومِن العُذرِ: غَيبَةُ الوليِّ فوقَ مَسافَةِ قَصْرٍ) لأنَّ ما دُونَ ذلِكَ في حُكمِ الحاضِرِ. (أو تُجهَلَ المسافَةُ) يعني: أقَريبٌ هو أم بَعيدٌ؟ فزوَّجَ الأبعَدُ، صحَّ. (أو) كانَ (يجهَل مَكانُه): الأقرَبِ (مَعَ قُربِه) أي: دُونَ مَسافَةِ القَصرِ، فزوَّجَ الأبعدُ، صَحَّ؛ لتعذُّرِ مُراجَعتِه (١). (أو يَمنَعَ) الوليُّ الأقرَبُ (مَن بَلَغَت تِسعًا كُفؤًا رَضِيَتهُ) ورَغِبَ فِيها بما صَحَّ مَهرًا، ويُفسَّقُ الوليُّ بالعَضْلِ إن تكرَّرَ مِنهُ. أو لم (٢) يَكُن الأقرَبُ أهلًا؛ لكونِهِ طِفلًا، أو كافِرًا، أو فاسِقًا، أو عبدًا، زوَّجَ الأبعَدُ؛ لعَدَمِ ثبوتِ الوِلايَةِ للأقرَبِ معَ اتِّصافِهِ (٣) بما ذُكِرَ، فوجوده كعدمه. وأمَّا معَ عَضْلِ الأقرَبِ، وغَيبتِه الغَيبَةَ المذكُورَةَ، وتَعذُّرِ مُراجَعَتِه، فلتَعذُّرِ التَّزويجِ مِن جِهَتِه، أشبَهَ ما لو جُنَّ. فإن عَضَلُوا كُلُّهُم، زَوَّجَها الحاكِمُ (٤).

стр. 1314

فَصْلٌ وَوَكِيلُ الوَليِّ يقُومُ مَقَامَهُ، ولَه أن يُوَكِّلَ بِدُونِ إذنِهَا، لكِنْ لا بُدَّ مِنْ إذنِ غَيرِ المُجبَرَةِ للوَكِيلِ بعدَ تَوكِيلِهِ. (فَصلٌ) (ووَكيلُ الوليِّ) ممَّن تقدَّمَ (يَقومُ مَقامَهُ) غائِبًا وحاضِرًا، مُجبَرًا كان أو غَيرَه؛ لأنَّه عقدُ مُعاوضَةٍ، فجازَ التوكيلُ فيه، كالبَيعِ، وقِياسًا على تَوكيلِ الزَّوجِ؛ لأنَّه روي أنَّه ﵇ وكَّلَ أبا رَافِعٍ في تَزويجِهِ مَيمونَةَ (١)، ووكَّل عمرَو بنَ أُميَّة الضَّمريِّ في تَزويجِه أُمَّ حَبيبَةَ (٢). (وله) أي: الوليِّ غَيرِ المُجبِرِ (بِدُونِ إذنِها) أي: مَولِيَّتِه؛ لأنَّه إذنٌ مِن الوليِّ في التَّزويجِ، فلا يَفتَقِرُ إلى إذنِ المرأَةِ ولا الإشهادِ عَليه، كإذنِ الحاكِم، ولأنَّ الوليَّ ليسَ وَكيلًا للمرأَةِ، بدَليل أنها (٣) لا تَملِكُ عَزلَه مِن الوِلايَةِ. (لكِنْ لا بُدَّ مِن إذنِ غَيرِ المجبَرَةِ للوَكيلِ) لأنَّه نائِبٌ عن غَيرِ مُجبِرٍ، فيَثبُتُ لهُ ما يَثبُتُ لمَن يَنوبُ عنه (بعدَ تَوكِيلِهِ) لأنَّ الذي يُعتَبرُ إذنُها فِيه للوَكيلِ هو غَيرُ ما يُوكِّلُ فيه الموكَّلُ، فهي كالموكِّلِ في ذلك. ولا أثَرَ لإذنِها له قَبلَ أن يُوكِّلَه الوليُّ؛ لأنَّه أجنبيٌّ إذَنْ. وأمَّا بعدَهُ فكَوليٍّ (٤).

стр. 1315

ويُشتَرَطُ في وَكِيلِ الوليِّ ما يُشتَرطُ فِيهِ. ويَصِحُّ توكيل الفَاسِقِ فِي القَبولِ. ويَصِحُّ التَّوكِيل مطلَقًا، كـ: زَوِّجْ مَنْ شِئتَ، ويَتَقيَّدُ بالكُفؤ. ومقَيَّدًا، كـ: زوِّجّْ زَيدًا. (ويُشتَرطُ في وَكيلِ الوَليِّ (١) ما يُشتَرطُ فِيه) أي: الوليِّ، مِن ذُكورَةٍ، وبلوغٍ، وعقلٍ، وعدالةٍ، ورُشدٍ، وغيرِها؛ لأنَّها وِلايَةٌ، فلا يَصحُّ أن يُباشِرَها غيرُ أهلِها، ولأنَّه إذا لم يَملِك تَزويجَ مَولِيَّتِه أصالَةً، فلأَن لا يَملِكُ تزويجَ مَوليَّةِ غَيرِه بالتَّوكيلِ أَولى. (ويَصحُّ توكيلُ الفاسِقِ) ونحوِه، كيَهوديٍّ وكَّلَهُ مُسلِمٌ في قَبولِ نِكاحِ يَهوديَّةٍ له (في القَبول) أي: في قَبولِ النكاحِ؛ لأنَّه يَصحُّ قَبولُه لنَفسِه. (ويَصحُّ التوكيلُ مُطلقًا، كـ: زوِّجْ مَنْ شِئتَ) نصًا. ورُوي أنَّ رَجُلًا مِن العَربِ تَركَ ابنتَه عندَ عمرَ، وقال: إذا وَجدْتَ كُفؤًا فزوِّجْه، ولو بِشِرَاكِ نَعلِه، فزوَّجَها غثمانَ بنَ عفَّان، فهي أُمُّ عَمرِو بنِ عُثمان (٢). واشتهرَ ذلِكَ ولم يُنكَر، ولأنَّه إذنٌ في النِّكاحِ، فجَازَ مُطلَقًا، كإذنِ المرأَةِ لوليِّها. (ويَتقيَّدُ) الوَكيلُ المطلَقُ (بالكُفؤ) ظاهِرُهُ: وإن لم يُشتَرَط. وقالَ في "الترغيب": إن اشتُرِطَ. واقتَصرَ عليه في "المبدع" وغيرِه. ولعلَّ ما ذَكَرَ المصنفُ أوْلى؛ لأنَّ الإطلاقَ يُحمَلُ على ما لا نقيصةَ فيه. (و) يَصحُّ (مُقيَّدًا، كـ: زَوِّج زَيدًا) أو زَوِّج هذا، فلا يُزوِّج غَيرَهُ.

стр. 1316

ويُشتَرَطُ قَولُ الوَليِّ أو وَكيلِهِ: زَوَّجتُ فَلانَةً فُلانًا، أو لِفُلانٍ، وقَولُ وَكيلِ الزَّوجِ: قَبِلتُهُ لِمُوكِّلِي فلانٍ، أو لِفُلانٍ. وَوَصِيُّ الوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ بِمَنزِلَتِهِ، فيُجبِرُ مَنْ يُجبِرُهُ، مِنْ ذَكَرِ وأَنثى. وإن استَوَى وليَّانِ فأكثَرُ فِي دَرَجَةٍ، صَحَّ التَّزويجُ مِنْ كُلِّ واحِدٍ، (ويُشتَرَطُ قَولُ الوليِّ) لوَكيلِ زَوجٍ (أو) قَولُ (وَكيلِه) أي: الوَليِّ لوَكيلِ زَوجٍ: (زَوَّجتُ فُلانَةً) بِنتَ فُلانٍ (فُلانًا) ويَصِفُه بما يتميَّزُ به (أو): زوَّجتُ فُلانَةً بنتَ فُلانٍ (لِفُلانٍ) ابنِ فُلانٍ. أو يَقولُ وَليٌّ أو وَكيلُه: زوَّجتُ مُوكِّلَكَ فُلانًا فُلانَةً بِنتَ فُلانٍ. ولا يَقولُ: زَوَّجتُكَهَا، ونحوَه (١). (و) يُشتَرَطُ (قَولُ وكيلِ الزَّوجِ: قَبِلتُه) أي: النِّكاحَ (لموكِّلي فُلانٍ، أو) قَبِلتُهُ (لفُلانٍ). (ووَصيُّ الوليِّ) كأَبٍ وغَيرِه مِن الأولياءِ (في النِّكاحِ بمَنزِلَتِه) أي: الموصى؛ لقِيامِه مَقامَهُ (فيُجبِرُ) وَصيٌّ (مَن يُجبِرُهُ) مُوصٍ لو كانَ حيًا (مِن ذَكَرٍ وأُنثى)؛ لقِيامِه مقامَه، سواءٌ عيَّن لهُ الزَّوجُ أو لا؛ لأنَّ مَن مَلكَ التَّزويجَ، إذا عُيِّنَ لهُ الزَّوجُ، مَلَكَهُ مع الإطلاق. ولا خِيارَ -لمَن زوَّجَه وصيٌّ صَغيرًا من ذكر وأنثى- بِبُلُوغٍ، لقِيامِ الوصيِّ مَقامَ الموصِي، فلم يَثبُت في تَزويجِه خِيارٌ، كالوكيل (٢). (وإن استَوَى وليَّانِ فأكثَرُ) لامرَأَةٍ (في دَرَجَةٍ) كإخوَةٍ كلُّهم لأبوَين، أو لأبٍ، أو بَني إخوَةٍ كذلك، أو أعمامٍ، أو بَنيهِم كذلك (صَحَّ التزويجُ مِن كُلِّ واحِدٍ)

стр. 1317

إنْ أذِنَتْ لَهُمْ، فَإِنْ أذنت لأَحَدِهِمْ تَعَيَّن، ولَمْ يَصِحَّ نِكَاحُ غَيْرِه. ومَنْ زوَّجَ -بِحَضْرَةِ شاهِدَيْنِ- عَبدَه الصَّغِيرَ بأَمَتِهِ، أو زوَّجَ ابْنَه بنَحْوِ بِنْتِ أخِيهِ، مِنهُم؛ لوجُوبِ سَبَبِ الوِلايَةِ في كُلٍّ مِنهُم. والأَولى تَقديمُ أفضَلِ المُستَويَينِ في الدَّرجَةِ عِلمًا ودِينًا ليُزوِّجَ. فإن استووا في الفَضلِ، فأَسنَّ؛ لأنَّه ﵇ لمَّا تقدَّم إليه مُحيِّصَةُ وحُوَيِّصَةُ وعُبدُ الرحمن بنُ سَهلٍ -وكان أصغرَهم- فقالَ النبي ﷺ : "كبِّرْ، كَبِّرْ" أي: قَدِّم الأكبَرَ. فتقدَّم حُويِّصَةُ (١). ولأنَّه أحوَطُ للعَقدِ في اجتِماعِ شرُوطِه، والنَّظَرِ في الحَظِّ. وإن تَشَاحُّوا -الأولياءُ المستَوُونَ في الدَّرجَةِ- فطلَبَ كُلٌّ مِنهُم أن يُزوِّجَ، أُقرِعَ بَينَهُم؛ لتَساوِيهِم في الحقِّ، وتَعذُّرِ الجَمعِ بَينَهم. فإن سَبَقَ غَيرُ مَن قَرَعَ (إن أذِنَت لهم) أي: لكُلِّ واحِدٍ مِنهُم، صحَّ التزويجُ، لصُدُورِه من وَليٍّ كامِلِ الوِلايَةِ بإذنِ مَوليَّتِه، أشبَهَ ما لو انفَرَد بالوِلايَةِ. (فإنْ أَذِنَت لأَحَدِهم) أي: لوَاحِدٍ مِنهُم (تعيَّنَ) مَن أَذِنَت له، فيُزوِّجُها دونَ غَيرِه، إن لم يَكونُوا مُجبِرِين، كأَوصياءِ بِكْرٍ جَعَلَ أبوهَا لِكُلٍّ مِنهُم أن يَنفَرِدَ به، فأيُّهم عقَدَ، صَحَّ. ومَن أُلحِقَت بأكثَرَ مِن أبٍ، لم يَصحَّ تَزويجِهَا إلَّا مِنهُم، كالأَمَةِ المُشتَرَكَةِ. (ولم يَصِحَّ نِكاحُ غَيرِه) أي: غَيرِ مَن أَذِنَت لهُ. (ومَن زَوَّجَ -بحَضرَةِ شاهِدَينِ- عبدَهُ الصغيرَ بأمَتِه) صَغيرَةً كانَت أو كبيرَةً، صحَّ أن يتولَّى طَرَفي العَقدِ، بلا نزاع، ولأنَّه عقدٌ بحُكمِ المِلكِ لا بحُكمِ الإذن. (أو زوَّجَ) شخصٌ (ابنَهُ) الصغيرَ، أو المجنونَ، أو السَّفيهَ (بنَحوِ بِنتِ أَخيه)

стр. 1318

أو وَكَّل الزَّوْجُ الوَلِيَّ أو عَكْسَه، أو وكَّلا واحِدًا صَحَّ أن يَتَوَلَّى طرفَيِ العَقْدِ، ويكفِي: زوَّجْتُ فلانًا فلانةً، أو: تَزوَّجتُها إنْ كانَ هو الزَّوْجُ. صَحَّ أن يتولى طَرَفي العَقدِ. (أو وَكَّلَ الزَّوجُ الوَليَّ) في قَبولِ نِكاحِ مَخطُوبَتِه، صحَّ أن يتولَّى طَرَفَي العَقدِ". (أو عَكسُه) بأن وكَّلَ الوليُّ الزَّوجَ في إيجابِ النكاحِ لنَفسِه، فيجوزُ للزَّوج أن يتولَّى طَرَفَي العَقدِ. (أو وكَّلا) أي: الزَّوجُ والوليُّ رَجُلًا (واحِدًا) بأنْ وكَّله الوليُّ في الإيجابِ، والزَّوجُ في القَبولِ. فلَهُ أن يتولَّى طَرَفَي العَقدِ لهما، و (صح) النكاح، و (أن يتولَّى طَرَفي العَقدِ) أي: عَقدِ النكاح في نحوِ ما تقدَّم من الصور. قال الشارحُ: ونَحوَ النِّكاحِ مِن العُقودِ، كما لو وكَّلَ البائعُ والمشتَري واحِدًا، أو المؤجِّرُ والمستأجِرُ واحِدًا، فإنه يصحُّ أن يتولَّى طَرَفي العَقد (١). (و) لا يُشتَرَطُ في تولِّي طَرَفي العَقدِ الجمعُ بينَ الإيجابِ والقَبولِ، بل (يَكفِي: زوَّجتُ فُلانًا) ويَنسِبُهُ بما يتميَّزُ به، وإن لم يَقُل: وقَبِلتُ له نِكاحَها. (فلانَةَ) بِنتَ فُلانٍ. (أو) يَقولُ (تَزوَّجتُها) أي: فلانَةَ بِنتَ فُلانٍ (إن كانَ هو الزَّوجُ) وإنْ لم يَقُل: وقَبِلتُ نِكاحَها لنَفسِي. أو كانَ وَكيله، أي: الزَّوجِ، فيقولُ: تزوَّجتُها لمُوكِّلِي فُلانٍ، أو لِفلانِ بنِ فلانٍ، وإن لم يَقُل: وقَبِلتُ لهُ نِكاحَها. إلا بِنتَ عَمِّه، وعَتيقَتَه المجنونَتَين إذا أرادَ تَزوُّجَهُما (٢)، فلا يتولَّى طَرَفي

стр. 1319

ومَن قالَ لأَمَتِه: أعْتَقْتُكِ وجَعَلْتُ عِتْقَكِ صَدَاقَك؛ عَتَقَتْ، وصارَتْ زَوْجةً لَهُ، إن توفَّرَتْ شُرُوطُ النِّكَاحِ. الرَّابِعُ: الشَّهادةُ فلا يَنْعَقِدُ إلَّا بشَهَادةِ ذَكَرَيْنِ مُكَلَّفَيْنِ -ولَوْ رَقِيقيْنِ- عقدِهِما. فيُشتَرَطُ لتزوُّجِهِ بهما وَليٌ غَيرُه إن كانَ، أو حَاكِمٌ إن لم يَكُن غَيرُه؛ لأنَّ الوليَّ اعتُبِرَ للنَّظَرِ للمَوليِّ عليه، والاحتياطِ لهُ، فلا يجوزُ له التصرُّفُ فيما هو مُولّى عليه؛ لمكانِ التُّهمَةِ، كالوَكيلِ في البيعِ لا يَبيعُ لنَفسِه، فيُزوِّجُه وَليٌّ غَيرُه، ولو أبعَدَ مِنهُ، إن وُجِدَ، وإلا فالحاكِمُ؛ لتنتَفِيَ التُّهمَةُ. (ومَن قالَ لأَمَتِه) التي يَحلُّ له نِكاحُهَا إذًا، أي: وقتَ القَول: (أعتَقتُكِ وجَعَلتُ عِتقَكِ صَدَاقَكِ) أو قالَ: جعلتُ صَداقَ أَمَتي عِتقَهَا، أو قال: قد أعتَقتُهَا وجَعلت عِتقَها صَدَاقَها، أو قال: أعتَقتُها على أنَّ عِتقَها صَدَاقُها، أو قال: أعتَقتُكِ على أن أتزوَّجَكِ، وعِتقِي صَدَاقُكِ، أو: وعِتقُكِ صَدَاقًا. صحَّ، و (عَتَقَت، وصارَت زَوجَةً له، إن توفَّرَت شُروطُ النِّكاحِ) وتقدَّمَ الإشارةُ إليه. (الرابع) من شروطِ النِّكاح: (الشهادةُ) على النكاحِ؛ احتياطًا (١) للنَّسَبِ خَوفَ الإنكَارِ؛ لحديث عائشةَ مَرفوعًا: "لا بُدَّ في النِّكاحِ مِن حُضُورِ أربعَةٍ: الوليُّ، والزَّوجُ، والشَّاهِدَان". رواهُ الدارقطني (٢). (فلا يَنعَقِدُ النكاحُ إلَّا بشهادَةِ ذَكلرَينِ مُكلَّفَين) أي: عاقِلَين بالِغَين، (ولو) كانَا (رَقيقَين) كسائِرِ الشَّهادَاتِ.

стр. 1320

مُتَكَلِّميْنِ، سَمِيعيْنِ، مُسْلِمَيْنِ، عَدْلَيْنِ -ولو ظاهرًا- مِنْ غَئرِ أصْلَيِ الزوجيْنِ وفَزعَيْهِمَا. (متكلِّمَين) لأنَّ الأخرسَ لا يتمكَّنُ مِن أداءِ الشَّهادَةِ. (سَميعَينِ) لأنَّ الأَصمَّ لا يَسمَعُ العقدَ فيشهدُ به. (مُسلِمَين) لقوله ﵇: "لا نِكاحَ إلَّا بِوليٍّ، وشاهِدَي عَدْلٍ" (١). رواه الخلال. (عَدلَين) للخَبَر، (ولو ظاهِرًا) فلو بَانَا فَاسِقَيْنِ، فالعقدُ صحيحٌ، ولا يُنقَضُ. وكذا بانَ الوقي فاسِقًا؛ لأن شرطَ العدالَةِ ظاهِرًا، وهو أن لا يَكونَ ظاهِرَ الفِسقِ، وقد تحقَّق ذلِكَ. ولو تابَ الشاهِدُ في مَجلِسِ (٢) العَقدِ، فكَمستُورِ العَدالَةِ. قاله في "الترغيب"، فيكفي. وكذا لو تابَ الوليُّ في المجلِس. قال الشيخ منصور في "شرحه" على "الإقناع" قُلتُ: بل يُكتَفَى بذلِكَ حيثُ اعتُبِرت العَدالَةُ مُطلَقًا؛ لأنَّ إصلاحَ العَمَلِ ليسَ شَرطًا فيها، كما يأتي (٣). (مِن غَيرِ أَصلَيِّ الزَّوجَينِ وفَرعَيهِمَا) فلا تصحُّ شهادةُ أَبي الزَّوجَةِ أو جَدِّها، ولا ابنِها وابنِه فيه، وكذا أبو الزَّوجِ، وجَدُّه، وابنُه، وابنُ ابنِه وإن نزَل؛ للتُّهمَةِ، وكذا أبو الوليِّ، وابنُه.

стр. 1321

الخامِسُ: خُلُوُّ الزَّوْجيْنِ مِن الموانِعِ؛ بأنْ لا يَكونَ بِهِمَا، أو بأحدِهِمَا مَا يَمْنَعُ التَّزْوِيجَ مِن نَسَبٍ أو سَبَبٍ. والكَفَاءةُ لَيْسَتْ شرطًا لصِحَّةِ النِّكاحِ، ولا يُشتَرَطُ كونُ الشاهدِيَن بَصيرَين. ولو أقرَّ رَجلٌ وامرأةٌ أنهما نَكَحَا بوليٍّ وشاهِدَي عَدلٍ، قُبِلَ مِنهُما، وثَبَتَ النِّكاحُ بإقرَارِهِمَا. (الخامِسُ) مِن شُروطِ النِّكاحِ: (خُلوُّ الزَّوجَين مِن الموانِعِ) الآتيَةِ في بابِ المحرَّماتِ (بأنْ لا يكونَ بهما) أي: بالزَّوجَينِ (أو بأحَدِهِما (١) ما يمنَعُ التزويجَ، مِن نَسَبٍ، أو سَبَبٍ) كرَضَاعٍ ومُصاهَرَةٍ، أو اختلافِ دِينٍ؛ بأنْ يَكونَ مُسلِمًا وهي مَجوسيَّةً، ونحوِهَ مما يأتي، أو كَونُها في عِدَّةٍ، ونحوِ ذلك (٢). (والكفاءَةُ ليسَت شَرطًا لصحَّةِ النِّكاحِ) بل شَرطٌ للزُومِ النِّكاحِ، فيصحُّ النكاحُ معَ فَقدِ الكفاءَةِ. هذا المذهبُ عندَ أكثَرِ المتأخِّرين. قال في "المقنع" "والشرح": وهي أصحُّ، وهذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ؛ لأنَّه ﷺ أمرَ فاطِمَةَ بِنتَ قَيسٍ أن تَنكِحَ أُسامَةَ بنَ زَيدٍ، فنَكِحَهَا بأَمرِه. متفق عليه (٣). ولِمَا رَوت عائشةُ أنَّ أبا حُذيفَةَ بنَ عُتبَةَ بنَ ربيعَةَ تبنَّى سالمًا (٤) وأنكَحَهُ ابنَةَ أَخيهِ الوَليدِ بِن عُتبَةَ، وهو مَولًى لامرأةٍ مِن الأنصَارِ. رواه البخاري، والنسائي، وأبو داود (٥). ولأنَّ الكفَاءَةَ

стр. 1322

لكِنْ لِمَن زُوِّجَتْ بغَيْرِ كفْؤٍ أن تَفْسَخَ نِكاحَهَا -ولو مُتَراخِيًا- ما لَمْ تَرْضَ بقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، وكذا لأَوْلِيائِهَا ولو رَضِيَتْ، أو رَضِيَ بعْضُهُم، فلِمَنْ لَمْ يَرْضَ الفَسْخُ. حقُّ لا يَخرُجُ عن المرأَةِ وأوليائِها، فإذا رَضُوا به، صحَّ؛ لأنَّه إسقاطٌ لحقِّهم، ولا حِجْرَ فيه عَليهِم. (لكِنْ لمَن زُوِّجَت) امرَأة (بغَيرِ كُفؤ أن تَفسَخَ نِكاحَهَا) لمَن لم يَرضَ بالنِّكاحِ مِن المرأةِ والأولياءِ جَميعِهم، القَريبِ والبَعيدِ، حتى مَن يَحدُثُ مِنهُم بعدَ العقدِ؛ لتَساويهم في لُحُوقِ العَارِ بفَقدِ الكفَاءَةِ. (ولو) كان (مُترَاخيًا) أو فَورًا؛ لأول خِيارٌ لِنَقصٍ في المعقُودِ عليه، أشبَهَ خِيارَ العَيبِ، (ما لم تَرض) أي: الزَّوجَةُ (بقَولٍ أو فِعلٍ) كأنْ مَكَّنَته عالمَةً بأنَّه غَيرُ كُفؤ. ويحرُمُ تَزويجُ امرأةٍ بِغَيرِ كُفؤ بلا رِضَاها، ويَفسُقُ به الوليُّ. (وكذا لأولِيَائِها) الفسخُ لمَن لم يَرضَ بالنِّكاحِ منهم، فَورًا أو مُترَاخيًا. فلو زَوَّجَ الأبُ بِنتَهُ بغَيرِ كُفؤ بِرَضاها، فلِلإخوَةِ الفَسخُ، نصًا؛ لأنَّ العارَ في تَزويجِ مَن ليسَ بِكُفؤ عَليهم أجمعين (١). (ولو رَضِيَت) المرأةُ (أو رَضِيَ بَعضُهُم) أي: بَعضُ الأَولياءِ، فلا يَثبتُ رضاهُم إلَّا بالقَولِ، بأنْ يَقولُوا: أسقَطْنَا الكفَاءَةَ، أو: رَضِينَا به غَيرَ كُفؤ، ونحوِه. وأمَّا سُكُوتُهم، فليسَ رِضًا (٢). (فلِمَن لم يَرض) مِن الأَولِياءِ (الفَسخُ) فَورًا أو مُتَرَاخِيًا.

стр. 1323

ولَوْ زَالَتِ الكفاءَةُ بَعْدَ العَقْدِ، فلَهَا فَقَطْ الفَسْخُ. والكَفَاءةُ مُعْتَبَرة في خَمْسةِ أشياءٍ: الدِّيانةِ، والصِّناعَةِ، (ولو زالَت الكفَاءَةُ بعدَ العَقدِ، فلَها) أي: الزَّوجَةِ (فقَط) دُونَ أولِيائِها، كعِتقِها تحتَ عَبدٍ، ولأنَّ حقَّ الأولياءِ في ابتِدَاءِ العَقدِ لا في استِدَامَتِه (الفَسخُ) فَورًا، أو مُتَرَاخيًا. (والكَفاءَةُ) لُغَةً: المُماثَلَةُ والمساوَاةُ، ومِنهُ قُولُه ﷺ : "المسلِمُونَ تَتكافأُ دِماؤُهُم" (١) أي: تتَسَاوَى. فَدَمُ الوَضيعِ مِنهُم، كدَمِ الرَّفيعِ. وهي هُنا (معتبرة (٢) في خَمسَةِ أشيَاءٍ: أوَّلُها: (الدِّيانَةُ) فلا تُزَوَّجُ عَفيفَةٌ عن الزِّنى بِفاجِرٍ، أي: فاسِقٍ بقَولٍ أو فِعلٍ أو اعتِقَادٍ؛ لأنَّه مَردُودُ الشَّهادَةِ والرِّوَايَةِ، وذلِكَ نَقصٌ في إنسَانِيَّتِه، فلَيس كُفُؤًا لعَدلٍ؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السَّجدَة: ١٨]. (و) الثاني: (الصِّنَاعَة) فلا يَكونُ صاحِبَ صِناعَةٍ دَنيئَةٍ، كالحجَّامِ، والحائِكِ، والكسَّاحِ (٣)، والزبَّالِ. فلا تُزوَّجُ بِنتُ بزَّازٍ -أي: تاجِرٍ في البَزِّ، وهو القُماشُ- بحجَّامٍ؛ لأنَّ ذلِكَ نقصٌ في عُرفِ النَّاسِ، وفي حديثٍ: "العَرَبُ بَعضُهُم لبَعضٍ أكفَاءٌ، إلا حائِكًا، أو حجَّامًا" (٤) قيل لأحمَدَ: وكيفَ تأخُذُ به

стр. 1324

والميسرةِ، والحُرِّيَّةِ، والنَّسَبِ. وأنتَ تُضعِّفُه؟ قال: العَملُ عليه، أي: أنَّه يُوافِقُ العُرف (١). (و) الثالثُ: (الميسَرَة) فلا تُزوَّجُ مُوسِرَةٌ بمُعسرٍ؛ لأنَّ عَليها ضَرَرًا في إعسَارِهِ؛ لإخلالِهِ بنَفَقَتِها ومؤنَةِ أولادِه، ولهذا مَلَكَت الفَسخَ بإعسارِهِ بالنَّفقَةِ، ولأنَّ العُسرَةَ نقصٌ في عُرفِ النَّاسِ، يتفاضَلُونَ بها (٢) كتَفاضُلِهم في النَّسَبِ. وإنَّما اعتُبِرَت الكفاءَةُ في الرَّجُلِ دُونَ المرأةِ؛ لأنَّ الولدَ يَشرُفُ بشَرَفِ أبيهِ لا أُمِّه، وقد تزوَّجَ رسولُ الله ﷺ بصفيَّةَ بنتِ حُييِّ، وتَسرَّى بالإماءِ، ومَوالي بَني هاشِمٍ لا يُشارِكُونَهم في الكفَاءَةِ في النِّكاحِ. نصًا. وصحَّحه في "الإنصاف". ونَقل مُهنَّا: أنَّهم كُفُؤٌ لهم (٣). (و) الرابعُ: (الحريَّة) فلا تُزوَّجُ حُرَّةٌ، ولو عَتيقَةً، بعَبدٍ، ولا بمبعَّضٍ. قاله الزركَشي؛ لأنَّه مَنقوصٌ بالرِّقِّ، ممنوعٌ من التصرُّفِ في كَسبِه غَيرُ مالِكٍ له، ولأنَّ مِلكَ السَّيدِ لهُ يُشبِهُ مِلكَ البَهيمَةِ، فلا يُساوِي الحرَّةَ لِذَلك. (و) الخامِس: (النَّسب) فلا تُزوَّجُ عربيَّةٌ من ولَدِ إسماعيلَ بِعَجَميٍّ، ولا بِوَلَدِ زنى، لقولِ عُمرَ: لأمنعنَّ تزوُّجَ ذَواتِ الأحسَابِ إلَّا مِن الأكفَاءِ. رواه الدارقطني (٤). ولأنَّ العَرَب يَعتَدُّونَ بالكفَاءَةِ في النَّسَبِ، ويأنَفُونَ مِن نِكاحِ الموالي، ويَرونَ ذلِكَ نَقصًا وعارًا. والعَرَبُ مِن قُريشٍ وغَيرِهم لِبَعضٍ أكفَاءٌ، وسائِرُ

стр. 1325

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . النَّاسِ بَعضُهم لبَعضٍ أكفَاءٌ. قاله في "الإقناع" (١). وقد نَظَمَ بعضُهم شُروطَ الكَفاءَةِ فقَال: شُروطُ الكَفاءَةِ سِتَّةٌ قد قرِّرَت … يُنبئكَ عنَها بَيتُ شِعرٍ مُفرَدِ نَسَبٌ ودِينٌ عِفَّةٌ حُريَّةٌ … فَقدُ العُيوبِ وفي اليَسَارِ تَردُّدِ وأبناءُ زمَانِنَا تَرَكوا الخمسَةَ المتَّفَقَ عَليها، وتَبِعُوا السادِسَ المتردَّدَ فيه، وقد نظم بعضهم أيضا فقال: قالُوا الكفَاءَةُ سِتَّةٌ فأَجَبتُهُم … قد كانَ ذلِكَ في الزَّمَانِ الأقدَمِ أمَّا بَنوا هذا الزَّمانِ فإنَّهم … لا يَعرِفُونَ سِوَى يَسارِ الدِّرهَمِ (٢) * * *

стр. 1326

بَابُ المُحَرَّماتِ في النَّكاحِ تَحْرُمُ أبَدًا: الأُمُّ، والجَدَّةُ مِن كُلِّ جِهَةٍ، والبِنْتُ ولَوْ مِنْ زِنًى، وبنْتُ الوَلَدِ، (بابُ المحرَّماتِ في النِّكاحِ) شَرَعَ المصنِّفُ في بَيانِ مَوانِعِ النكاحِ، وهُنَّ ضَربان: ضربٌ يحرُمُ على الأَبَدِ، وهُنَّ أقسامٌ خمسَةٌ: قِسمٌ يَحرُمنَ بالنَّسَبِ، وهُنَّ سَبعٌ. وقد ذكَرَهم المصنِّفُ بقَوله: (تحرُمُ أبَدًا: الأُمُّ، والجدَّةُ مِن كُلِّ جِهَةٍ) أي: سَواءٌ كانَت من جهةِ الأبِ، أو الأُمِّ، وإنْ عَلَت؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النِّساء: ٢٣] والأُمُّ: كُلُّ مَن انتَسَبْتَ إليها بوِلادَةٍ، سواءٌ وقَعَ عليها اسمُ الأُمِّ حَقيقَةً، وهي التي وَلَدَتكَ، أو مجازًا، وهي التي وَلَدَتْ مَن ولَدَتْكَ وإن عَلَت، وارِثَةً كانت أو غَيرَ وارِثَةٍ. ذَكَرَ أبو هُريرَةَ هاجَرَ أُمَّ إسماعيلَ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "تلكَ أُمُّكُم يا بَني مَاءِ السَّماءِ" (١). وفي الدُّعاءِ المأثُورِ: "الَّلهمَّ صلِّ على أَبينَا آدَمَ وأُمِّنَا حَوَّاءَ" (٢). (والبِنتُ) مِن زَوجَةٍ أو سُرِّيَةٍ، (ولو مِن زِنًى) أو مِن شُبهَةٍ، أو مَنفيَّةً بِلِعَانٍ. (و) تَحرُمُ (بِنتُ الوَلَدِ) وإن سَفَلَ، وارِثَاتٍ كُنَّ أو غَيرَ وَارِثَاتٍ؛ لقَوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النِّساء: ٢٣].

стр. 1327

والأُخْتُ مِن كلِّ جِهَةٍ، وبِنْتُ وَلَدِهَا، وبِنْتُ كلِّ أَخٍ، وبِنْتُ وَلَدِهَا، والعَمَّةُ، والخَالَةُ. (والأُختُ مِن كُلِّ جِهَةٍ) أي: مِن الجِهاتِ الثَّلاثِ، (وبِنتُ ولَدِها) أي: ابنِ الأُختِ، ذَكرًا كانَ أو أُنثى، وإن نَزَلَت بِنتُ وَلَدِها مُطلقًا. (وبِنتُ كُلِّ أَخٍ) شَقيقٍ، أو لأبٍ، أو لأمٍّ. وبِنتُ كُلِّ أُختٍ كذلِكَ، (وبِنتُ ولَدِهَا) وإن نَزَلنَ كُلُّهُنَّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾ [النِّساء: ٢٣]. (والعَمَّةُ) مِن كُلِّ جِهَةٍ (والخَالَةُ) مِن كُلِّ جِهَةٍ، وإن عَلَتَا، كعمَّةِ أَبيهِ، وعمَّةِ أُمِّه، وعَمَّةِ العَمِّ لأبٍ؛ لأنَّها عَمَّةُ أَبيهِ. ولا تَحرُمُ عَمَّةُ العَمِّ لأُمِّ؛ بأنْ يَكونَ للعَمِّ -أَخي أَبيهِ لأُمِّهِ- عَمَّةٌ، فلا تحرُمُ على ابنِ أَخيهِ؛ لأنَّها أجنَبيَّةٌ مِنهُ. وكَعمَّةِ الخَالَةِ لأبٍ، فتَحرُمُ؛ لأنَّها عَمَّةُ الأُمِّ. ولا تَحرُمُ عَمَّةُ الخالَةِ لأُمِّ؛ لأنَّها أَجنَبيَّةٌ مِنهُ. فتَحرُمُ كُلُّ نَسيبَةٍ، أي: قَريبَةٍ، سِوَى بِنتِ عَمٍّ، وبِنتِ عَمَّةٍ، وبِنتِ خَالٍ، وبِنتِ خالَةٍ، وإنْ نَزَلْنَ؛ لقَولِه تعالى: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] الآية (١). القِسمُ الثَّاني مِن المحرَّماتِ عَلى الأَبَدِ: المحرَّماتُ بالرَّضَاعِ، ولو كانَ الإرضَاعُ مُحرَّمًا، كمَن أَكرَهَ امرأةً على إرضَاعِ طِفلٍ، فأرضَعَتهُ، فتحرُمُ عَليه؛ لوجُودِ سببِ التحريمِ، وهو الرَّضاعُ. ولا يُشتَرَطُ في سَببِ التَّحريمِ كَونُهُ مُباحًا؛ بدليلِ ثُبوتِ تحريمِ المصاهَرةِ بالزِّنى.

стр. 1328

ويَحْرُمُ بالرَّضاعِ ما يَحْرُمُ بالنَّسَبِ، إلَّا أُمَّ أخِيه، وأُخْتَ ابنِه من الرَّضاعِ، وكذا لو غَصَبَ لَبنَ امرأةٍ وسَقاهُ طِفلًا سَقيًا مُحرَّمًا. (ويَحرُمُ بالرَّضَاعِ ما يَحرُمُ بالنَّسَبِ) فَكُلُّ (١) امرَأةٍ حَرُمَت بالنَّسَبِ، حَرُمَ مِثلُها من الرَّضاعِ؛ لما رَوى ابنُ عبَّاسٍ أنَّ النبيَّ أُريدَ على ابنَةِ حَمزَةَ. فقال: "إنها لا تَحِلُّ لِيَ، إنَّها ابنَةُ أَخي مِن الرَّضاعَةِ، فإنَّه يحرُمُ مِن الرَّضاعِ ما يَحرُمُ مِن الرَّحِم" وفي لَفظٍ: "مِن النّسَب". متفق عليه (٢). وعن عَليٍّ مَرفُوعًا: "إنَّ اللهَ حرَّمَ مِن الرَّضَاعِ (٣) ما حَرَّمَ مِن النَّسَبِ". رواه أحمد، والترمذي (٤)، وصححه. وضَابِطُ ذلِكَ: أنَّه يَحرُمُ على الشَّخصِ أَصلُهُ وإن عَلا، وفَرعُهُ وإنْ نَزَلَ، وفَرعُ أَصلِهِ الأَدنَى وإن نَزَلَ، وفَرعُ أُصولِه البَعيدِةِ فقط، أي: دُونَ فُروعِ فُروعِ أصولِه البَعيدَةِ (٥). و (لا) تَحرُمُ على رَجُلٍ (أُمُّ أَخيه) مِن رَضاعٍ، (و) لا (أُختُ ابنِهِ مِن الرَّضاعِ) أي: فتَحِلُّ مُرضِعَتُهُ وبِنتُهَا لأَبي مُرتَضِعٍ وأَخيهِ مِن نَسَبٍ، وتَحِلُّ أُمُّ مُرتَضِعٍ، وأُختُه مِن نَسَبٍ لأَبيه وأَخيهِ مِن رَضاعٍ؛ لأنَّهُنَّ في مُقابَلَةِ مَن يَحرُمُ بالمصَاهَرَةِ، لا في مُقابَلَةِ مَن يَحرُمُ مِن النَّسَبِ. والشَّارِعُ إنَّما حرَّم مِن الرَّضاعِ ما حَرمَ مِن النَّسَبِ، لا

стр. 1329

فتَحِلُّ كبِنْتِ عَمَّتِه وعَمِّه وبنتِ خالتِه وخالِه. ويَحْرُمُ أبدًا بالمُصاهَرَةِ أرْبَعٌ: ثلاثٌ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ، زوجةُ أبِيه وإنْ علا، وزَوْجَةُ ابنِه وإنْ سَفَلَ، وأمُّ زوجتِه، فإنْ وَطِئَها حَرُمَتْ علَيْه أيضًا بِنْتُها، وبنتُ ابنِهَا. وبغَيِرِ العَقْدِ لا حُرْمَةَ إلَّا بالوَطْءِ ما يَحرُمُ بالمصاهَرَةِ. (فتَحِلُّ، كَبِنتِ عَمَّتِه) مِن الرَّضاعِ، (و) تَحِلُّ بِنتُ (عَمِّه، و) تَحِلُّ (بِنتُ خَالَتِه) مِن الرَّضاعِ (و) تَحِلُّ بِنتُ (خالِه) مِن الرَّضاعِ. القِسمُ الثَّالِثُ: المحرَّماتُ بالمصاهَرَةِ: (ويَحرُمُ أبدًا بالمُصاهَرَةِ أَربَعٌ: ثَلاثٌ بمجرَّدِ العَقدِ): إحداهن: (زَوجَةُ أَبيهِ وإن عَلا) أي: وزَوجَةُ أجدَادِهِ لأَبيهِ وأُمِّهِ، وإن عَلا الجدُّ، مِن نَسَبٍ أو رَضاعٍ. (وزَوجَةُ ابنِهِ، وإن سَفَلَ) ولو مِن رَضَاعٍ، مِن بَنيهِ وبَني أولادِه وإن نَزَلُوا، من أولادِ البَنينَ أو البَناتِ، من نَسبٍ أو رَضاعٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النِّساء: ٢٣] معَ ما تقدَّم مِن قَولِه ﵇: " يحرمُ مِن الرَّضاعِ ما يحرُمُ من النَّسب". وحلائِلُهُم: زَوجَاتُهم. سُمِّيَت امرأةُ الرَّجُلِ حليلَةً؛ لأنَّها تَحُلُّ إزَارَ زَوجِها، وهي مُحلَّلَةٌ له. (وأُمُّ زَوجَتِه، فإنْ وَطِئَها، حَرُمَت عَليه أيضًا بِنتُهَا، وبِنتُ ابنِها. وبِغَيرِ العَقدِ لا حُرمَةَ إلَّا بالوَطءِ) أي: فلا تَحرُمُ الرَّبيبَةُ إلَّا بالوَطءِ، دُونَ العَقدِ والخَلوَةِ

стр. 1330

في قُبُلٍ أو دُبُرٍ، إنْ كانَ ابنَ عَشْرٍ في بِنْتٍ تِسْعٍ، وكانَا حَيَّيْنِ. والمباشرةِ دُونَ الفَرجِ. وأمَّا الأُمُّ فتَحرُمُ بمجرَّدِ العَقدِ. نصًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النِّساء: ٢٣] والمَعقُودُ عَليها مِن نِسائِه، فتدخُلُ أُمُّها في عُمومِ الآيةِ. قال ابنُ عباس: أبْهِمُوا ما أبهَمَ القُرآنُ (١). أي: عَمِّمُوا حُكمَها في كُلِّ حالٍ، ولا تُفَصِّلُوا بينَ المدخُولِ بها وغَيرِها. وعن عَمرو بن شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه مَرفُوعًا: "من تزوَّج امرأةً فطلَّقَها قبلَ أن يَدخُلَ بها، فلا بأسَ أن يتزوَّجَ رَبيتتَه، ولا يَحِلُّ لهُ أن يتزوَّجَ أُمَّهَا" (٢). رواه أبو حفص. (في قُبُلٍ أو دُبُرٍ) لأنَّه فرجٌ يتعلَّقُ به التحريمُ إذا وُجِدَ في الزَّوجَةِ والأَمَةِ، فكذَا في الزِّنى. ولأنَّ الوَطءَ يُسمَّى نِكاحًا. (إنْ كانَ) الوَاطِيُّ (ابنَ عَشرٍ في بِنتِ تِسعِ) فلو أولَجَ ابنٌ دُونَ عَشرِ سِنينَ حشَفَتَهُ في فَرجِ امرَأةٍ، أو أولَجَ ابنُ عَشرٍ فأكثَرَ حَشفَتَهُ في فَرجِ بِنتٍ دُونَ تِسعٍ، لم يُؤثِّر في تَحريمِ المصاهَرَةِ، وكذا تَغييبُ بَعضِ الحَشَفَةِ، والَّلمْسُ، والقُبلَةُ، والمباشَرَةُ دُونَ الفَرجِ، فلا يُؤثِّرُ في تحريمِ المصاهَرَةِ. وجزَمَ به في "الإقناع" (٣). (وكانَا) أي: الوَاطِئُ والموطُوءَةُ (حَيَّينِ) فلو أولَجَ ذَكَرَهُ في فَرجِ مَيِّتَةٍ، أو أدخَلَت امرأةٌ حشَفَةَ مَيِّتٍ في فَرجِها، لم يُؤثِّر في تحريمِ المصاهَرَةِ.

стр. 1331

ويَحْرُمُ بوَطْءِ الذَّكَرِ ما يَحْرُمُ بوَطْءِ الأُنْثَى. ولا تَحْرُمُ أمُّ ولا بنتُ زَوْجَةِ أبِيهِ وابنِه. (ويَحرُمُ بِوَطءِ الذَّكر (١) ما يَحرُمُ بِوَطءِ الأُنثَى) فلا يِحِلُّ لِكُلِّ مِن لائِطٍ ومَلُوطٍ بهِ أُمُّ الآخَرِ، ولا بِنتُه؛ لأنَّه وَطْءٌ في فَرجٍ، فنَشَرَ الحُرمَةَ، كوَطءِ المرأة. وقال في "الشرح": الصحيحُ أنَّ هذا لا يَنشُرُ الحُرمَةَ، فإنَّ هؤلاء غَيرُ مَنصوصٍ عَليهِنَّ في التَّحريمِ، فيَدخُلنَ في عُمُومِ قَولِه تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النِّساء: ٢٤] ولأنَّهُنَّ غَيرُ مَنصُوصٍ عَليهنَّ، ولا هُنَّ في مَعنَى المنصُوصِ عَليه، فوَجَبَ أن لا يَثبُتَ حُكمُ التَّحريمِ فِيهِنَّ، فإنَّ المنصوصَ عَليهنَّ في هذا حَلائِلُ الأبنَاءِ، ومَن نَكَحَهُنَّ الآبَاءُ، وأمَّهاتُ النِّساءِ، وبَناتُهُنَّ، وليسَ هؤلاءِ مِنهُنَّ، ولا في مَعنَاهُنَّ. (ولا تَحرُمُ أُمُّ ولا بِنتُ زَوجَةِ أَبيهِ وابنِه) فلا يَحرُمنَ على الَّلائِطِ. * * *

стр. 1332

فَصْلٌ ويَحْرُمُ الجَمْعُ بيْنَ الأُخْتَيْنِ، وبَيْنَ المَرْأَةِ وعَمَّتِها أو خَالَتِها. فمَنْ تزوَّج نَحْوَ أخْتَيْنِ فِي عَقْدٍ أو عَقْدَيْنِ معًا، لَمْ يَصِحَّ، فإنْ جُهِلَ، فسَخَهُما حاكِمٌ، (فَصلٌ) الضَّربُ الثاني مِن المحرَّماتِ في النِّكاحِ: المُحرَّمَاتُ إلى أَمَدٍ، وهُنَّ نَوعَان: نَوعٌ مِنهُما يَحرُمُ لأَجلِ الجَمعِ: (ويَحرُمُ الجَمعُ بَينَ الأُختَينِ) مِن نَسَبٍ، أو رَضَاعٍ، حُرَّتَينِ كانَتا أو أَمَتَينِ، أو حُرَّةً وأمَةً، وسَواءٌ قبلَ الدُّخُولِ وبَعدَه؛ لعُمومِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النِّساء: ٢٣]. (و) يَحرُمُ الجَمعُ (بَينَ المَرأَةِ وعَمَّتِها، أو) بَينَ المرأَةِ و (خَالَتِها)، وإنْ عَلَتَا، مِن كُلِّ جِهَةٍ، مِن نَسَبٍ أو رَضاعٍ. (فمَن تزوَّجَ نحوَ أُختَينِ) أو نَحوَهُمَا، كامرَأَةٍ وعمَّتِها أو خَالَتِها (في عَقدٍ) واحِدٍ، (أو) في (عَقدَينِ مَعًا) في وَقتِ واحِدٍ، (لم يَصِحَّ) أي: العَقدَانِ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ تَصحيحُهُما، ولا مزيَّةَ لأَحَدِهما على الأخرَى، فبَطَلَ فِيهِمَا. (فإن جُهِلَ) أَسبَقُ العَقدَينِ (فَسَخَهُما) أي: فسَخَهُما (الحاكِمُ) لِبطْلانِ النِّكاحِ في إحدَاهُمَا، وتَحريمِهَا عليه. وإن أحبَّ أن يُفارِقَ إحدَاهُمَا، ثمَّ يُجدِّدَ عَقدَ الأُخرَى ويُمسِكَها، فلا بأسَ.

стр. 1333

ولإحْدَاهُما نِصْفُ مَهْرِهَا بقُرْعَةٍ، وإنْ وقَع العَقْدُ مُرَتَّبًا، صَحَّ الأوَّلُ فَقَطْ. ومَنْ مَلَكَ أختيْنِ، أو نَحْوَهُمَا، صَحَّ، وله أن يَطَأَ وسواءٌ فعَل ذلِكَ بقُرعَةٍ أو غيرِها (١). (ولإحْدَاهُما) أي: إحدَى مَن يَحرَمُ الجمعُ بَينَهُما، إذا عَقَدَ علَيهِما في زَمَنَين، وجُهِلَ أسبَقُهُما، وطَلَّقَهُما، أو فَسَخَ نِكاحَهُما قبلَ الدُّخُولِ، فلَها (نِصفُ مَهرِهَا بقُرعَةٍ) بينَ المرأَتَينِ، فيَأخُذَهُ مَن تخرُجُ لها القُرعَةُ، وله العقدُ على إحداهُما في الحالِ إذَنْ. وإن أصابَ إحدَاهُما، أُقرِعَ بَينَهُما، فإن خَرَجَت للمُصابَةٍ، فلَها ما سُمِّيَ لها، ولا شَيءَ للأُخرَى. وإن وَقَعَت لغَيرِ المصابَةِ، فلها نِصفُ ما سُمِّي لها، وللمُصابَةِ مَهرُ مِثلِها بما استحلَّ مِن فَرجِها، ولهُ نِكاحُ المصابَةِ في الحالِ، لا الأُخرَى حتى تَنقَضيَ عِدَّةُ المصابَةِ. وإن أصابَهُما، فلإِحدَاهُما المسمَّى، وللأُخرى مَهرُ المِثلِ يَقتَرِعَانِ عَليهِمَا. ولا يَنكِحُ إحدَاهُما حتَّى تَنقَضِيَ عِدَّةُ الأُخرَى. (وإن وقَعَ العقدُ مُرتَّبًا، صحَّ) العقدُ (الأوَّلُ فَقط) وبَطَلَ المتأخِّرُ؛ لأنَّ الجمعَ حَصَلَ به. (ومَن مَلَكَ أُختَين، أو نحوهما (٢)) كامرَأةٍ وعَمَّتِهَا أو خَالَتِهَا، في عَقدٍ واحِدٍ (صحَّ) العَقدُ. قال في "شرح المقنع" (٣): ولا نَعلمُ خِلافًا في ذلك. (ولهُ أن يَطَأَ

стр. 1334

أيَّهُمَا شاءَ، وتَحْرُمُ الأُخْرَى حتى يُحَرِّمَ المَوْطُوءةَ بإخْراجٍ عَنْ مِلْكِه، أو تَزْوِيجٍ بَعْدَ الاسْتِبْرَاءِ. ومن وطِئَ امرأةً بشبهَة أو زِنًى، حَرُمَ في زَمَنِ عِدَّتِها نِكاحُ أُخْتِها، ووَطْؤُها إنْ كانَتْ زَوْجَةً أَو أَمَةً. وحَرُمَ أن يَزِيدَ على ثلاثٍ غَيْرِها بعَقْدٍ أو وَطْءٍ. أيَّهُمَا شاءَ) مِنهُما؛ لأنَّ الأُخرَى لم تَصِرْ فِرَاشًا. (وتَحرُمُ) أي: بَوَطءِ إحدَاهُمَا (الأُخرَى) نصًا. ودَواعِي الوَطءِ كالوَطءِ؛ لعُمُومِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النِّساء: ٢٣] فإنَّه يَعمُّ الوَطءَ والعَقدَ جَميعًا، كسائِرِ المذكُورَاتِ في الآيَةِ. يحرُمُ وطؤُهنَّ، والعَقدُ عَليهِنَّ، ولأنَّها امرأةٌ صارَت فِراشًا، فحَرُمَت أُختُها، كالزَّوجَةِ (حتَّى جُرِّمَ الموطُوءَةَ) مِنهُما (بإخرَاجٍ) لها أو بَعضِها (عن مِلكِهِ) ولو بِبَيعٍ للحَاجَةِ إلى التفريقِ، أو هِبَةٍ مَقبوضَةٍ لغَيرِ ولَدِه. (أو تَزويجٍ بَعدَ الاستِبرَاءِ) ليَعلَمَ أنها ليسَت حامِلًا منه. (ومَن وَطِئَ امرَأةً بشُبهَةْ أو زِنى، حَرُمَ في زَمَنِ عِدَّتِهَا نِكاحُ أُختِها) أو عَمَّتِها، أو خالَتِها. (و) حَرُمَ عليه (وَطؤُهَا إن كانَت زَوجَةً أو أمَةً له. (وحَرُمَ) عليهِ (أن يَزيدَ على ثَلاثٍ غَيرِها) أي: الموطُوءَةِ بشُبةٍ أو زِنى (بِعَقدٍ) فإن كانَ معَهُ ثلاثُ زوجَات، لم يحلَّ له نكاحُ رابعةٍ حتى تَنقضيَ عدَّةُ الموطُوءَةِ بشُبهَةٍ أو زِنى. (أو وَطءٍ) أي: لو كانَت معَهُ أربعُ زَوجاتٍ ووَطِئَ امرأةً بشُبهَةٍ، أو زِنى، لم يَحِلَّ لهُ أن يَطأَ منهُنَّ أكثَرَ مِن ثَلاثٍ حتَّى تَنقَضِيَ عِدَّةُ مَوطُوءَتِه بشُبهَةٍ أو زِنًى؛ لئلا يُجمَع ماؤُهُ في أكثَرَ مِن أربعِ نُسوَةٍ.

стр. 1335

ولَيْسَ لِحُرِّ جَمْعُ أكْثَرَ من أرْبَعٍ، ولا لعَبْدٍ جَمْعُ أكْثَرَ مِن ثِنْتَيْنِ، ولِمَن نِصْفُه حُرٌّ فأكْثَرُ، جَمْعُ ثَلاثٍ. ومَنْ طلَّق واحدةً من نِهايةِ جَمْعِه، حَرُمَ نِكَاحُهُ بَدَلَهَا، حتَّى تَنْقَضِي عِدَّتُهَا، وإنْ ماتَتْ فَلا. (وليسَ لحرٍّ جمعُ أكثَرَ مِن أربَع) زَوجَاتٍ، (ولا لِعَبدٍ جَمعُ أكثرَ مِن ثِنتَين) أي: زَوجَتَين. (ولِمَن نِصفُه حُرٌّ فأكثَرُ، جَمعُ ثَلاث) زَوجاتٍ، ثِنتَينِ بِنِصفِه الحُرِّ، وواحِدَةٍ بِنصفِه الرَّقيقِ. فإن كانَ دُونَ نِصفِهِ حرٌّ، فلَهُ نِكاحُ ثِنتَينِ فقط. (ومَن طَلَّقَ واحِدَةً مِن نِهايَةِ جَمعِه) كحُرٍّ طلَّقَ واحِدَةً مِن أربَعٍ، أو عَبدٍ طَلَّقَ (١) واحدَةً مِن ثِنتَينِ (حَرُمَ) عَليه (نِكاحُهُ بَدَلَها، حتى تَنقَضِيَ عِدَّتُها) نَصًا؛ لأنَّ المعتدَّةَ في حُكمِ الزَّوجَةِ؛ لأنَّ العِدَّةَ أثَرُ النِّكاحِ، وهو باقٍ، فلو جَازَ له أن يتزوَّجَ غَيرَها، لكَانَ جامِعًا بينَ أكثَر ممَّن يُباحُ له (٢). (وإن ماتَت، فَلا) أي: واحِدَةٌ مِن نِهايَةِ جَمعِه، فلَهُ نِكاحُ غَيرِها في الحالِ. نصًا. * * *
следующие страницы →