← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 803

شرح دليل الطالب - عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

Полный текст (1 686 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

ولَؤ بأُجْرَةِ مِثْلِهَا مَعَ وُجُودِ مُتَبَرِّعَةٍ، ثُمَّ أُمَّهاتُهَا القُرْبَى فالقُرْبَى، ثُمَّ الأَبُ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ، ثُمَّ الجَدُّ، ثُمَّ أُمَّهاتُه، ثُمَّ الأخْتُ لأَبَوَيْنِ، ثُمَّ لأُمٍّ، ثُمَّ لأَبٍ، ثُمَّ الخَالَةُ لأبويْنِ، ثُمَّ لأُم ثُمَّ لأبٍ، ثُمَّ العَمَّاتُ كَذلِكَ، (ولو بأُجرَةِ مِثلِها) حيثُ كانَت أهلًا (معَ وُجودِ مُتبرِّعَةٍ). (ثمَّ) إن لم تَكُنْ أُمٌّ، أو لم تَكُن أهلًا للحضَانَةِ، ف (أُمَّهاتُهَا، القُربَى فالقُربَى) لأنَّهنَّ نساءٌ لهنَّ وِلادَةٌ مُتحقِّقَةٌ، أشبَهنَ الأُمَّ. (ثمَّ) بعدهُنَّ (الأبُ (١)) لأنَّه أصلٌ وأحقُّ بولايَةِ المالِ. (ثمَّ أُمَّهاتُهُ) كذلِكَ، أي: القُربَى فالقُربَى؛ لإدلائِهِنَّ بعَصبَةٍ قريبَةٍ. (ثمَّ الجدُّ) لأبٍ؛ لأنَّه في مَعنَى الأَبِ كذلِكَ: الأقربُ فالأقرَبُ مِن الأجدَادِ. (ثمَّ أمّهاتُه) أي: الجَدِّ كذلِكَ: القُربى فالقُربى؛ لإدلائِهنِّ بعَصبَةٍ. (ثمَّ الأخُتُ لأَبوَينِ)؛ لمشارَكَتِها له في النَّسبِ، وقوَّةِ قَرابَتِها. (ثمَّ) أختٌ (لأُمٍّ، ثمَّ) أختٌ (لأَبِ، ثمَّ الخالَةُ لأَبوَين، ثمَّ) خالَةٌ (لأم، ثمَّ) الخالَةُ (لأبٍ) لإدلاءِ الخالاتِ بالأمِّ. (ثمَّ العمَّاتُ كذَلِكَ) لأنهنَّ نِساءٌ مِن أهلِ الحضانَةِ، فقُدِّمْنَ على مَن (٢) بدرجَتِهنَّ مِن الرِّجالِ، كتقديمِ الأُمِّ على الأَبِ، والجدَّةِ على الجدِّ، والأُختِ على الأَخ. ولا حضانَةَ لعمَّاتِ الأُمِ معَ عمَّاتِ الأَبِ؛ لأنَّهُنَّ يُدلِينَ بأَبِي الأُمِّ وهو مِن ذَوي الأرحَامِ، وعمَّاتُ الأبِ يُدلِينَ بالأَبِ وهو عَصبَةٌ.

стр. 1542

ثُمَّ خَالاتُ أُمِّهِ، ثُمَّ خَالاتُ أبِيه، ثُمَّ عَمَّاتُ أَبِيه ثمَّ بَنَاتُ إخْوَتِه وأخواتِه، ثُمَّ بَنَات أعْمَامِهِ وعَمَّاتِهِ، ثُمَّ لبَاقِي العَصَبَةِ الأقْرَبُ فالأقْرَبُ. ولا حَضَانَةَ لِمَنْ فِيهِ رِقٌّ، ولا لفَاسِقٍ، ولا لكافِرٍ على مُسْلِمٍ، ولا لِمُتَزَوِّجَةٍ بِأجْنَبِيٍّ. (ثمَّ خالاتُ أُمِّه) لأَبوين، ثمَّ لأُمٍّ، ثمَّ لأَبٍ، (ثمَّ خالاتُ أَبيه) كذلِكَ (ثمَّ عمَّاتُ أَبيهِ) كذلِك. (ثمَّ بناتُ إخوَته وأخواتِه، ثمَّ بَناتُ أعمَامِه وعمَّاتِه) على التَّفصيلِ المتقدِّمِ، فتُقدَّمُ مَن لأَبوَينِ، ثمَّ لأُمٍّ، ثمَّ لأبٍ. (ثمَّ) الحضانَةُ (لبَاقِي العَصبَةِ) أي: عصبَةِ المحضُونِ (الأقرَبُ فالأقرَبُ) فيقُدَّمُ الإخوَةُ الأشقَّاءُ، ثمَّ لأَبٍ، ثمَّ بنوهُم كذلِكَ، ثمَّ الأعمامُ، ثمَّ بَنوهُم كذلِكَ، ثمَّ أعمامُ أبٍ، ثمَّ بنوهُم كذلِكَ، ثمَّ أعمامُ جَدٍّ، ثم بنوهُم كذلِكَ، وهكذا. (ولا حضَانَةَ لمَن فيه رِقٌّ)، وإن قَلَّ؛ لأنَّها وِلايَةٌ كوِلايَةِ النكاحِ. (ولا) حضَانَةَ (لفاسِقٍ) ظاهِرًا؛ لأنَّه لا وُثُوقَ به في أداءِ واجِبِ الحضانَةِ، ولا حظَّ للمحضُونِ في حضانَتِه؛ لأنَّه ربَّما نَشَأَ على أحوالِه. (ولا) حضَانَةَ (لكافِرٍ على مُسلمٍ). ولا) حضَانَةَ (لمتزوِّجَةٍ بأجنبيٍّ) مِن محضونٍ، مِن زمَنِ عقدٍ، لقولِه ﵇: "أنتِ أحقُّ بِه، ما لم تَنكِحِي" (١). ولأنَّ الزوجَ يملِكُ مَنافِعَها بمجرَّدِ العقدِ، ويَستحِقُّ منعَها مِن الحضانَةِ، أشبَه ما لو دَخَلَ بها.

стр. 1543

ومتَى زَالَ المَانِعُ، أوْ أسْقَطَ الأحَقُّ حَقَّه، ثُمَّ عادَ، عادَ الحَقُّ لَهُ. وإنْ أرَادَ أحَدُ الأبَوَيْنِ السَّفَرَ -ويَرْجِعَ- فالمُقِيمُ أحَقُّ بالحَضَانَةِ، وإنْ كَانَ للسُّكْنَى وهُو مَسافَة قَصْرٍ، فالأَبُ أحَقُّ، ودُونَهَا فالأُمُّ أحَقُّ. فإن تزوَّجت بقَريبِ محضُونِها، ولو غَيرَ محرَمٍ له، لم تَسقُط حضانَتُها. ولو رضيَ زوجٌ بحضانَةِ ولَدِها مِن غَيرِه، لم تَستحِق الحضانَةَ بذلِكَ، بخلافِ رَضاعٍ. (ومَتى زالَ المانِعُ) من رِقٍّ، أو فِسقٍ، أو كُفرٍ، أو تزوُّجٍ بأجنبيٍّ (أو أسقَطَ الأحقُّ حقَّه، ثمَّ عادَ، عادَ الحقُّ لهُ) في الحضانَةِ. (وإن أرادَ أحَدُ الأبويَن) لمحضُونٍ (السَّفرَ، ويرجِعَ (١)) لحاجَةٍ ويَعودُ، بَعُدَ البلَدُ الذي أرادَه أوْ لا (فالمُقيمُ) مِن أبَويهِ (أحقُّ بالحضانَةِ) إزالَةً لضَررِ السَّفرِ. وهذا إن لم يَقصِد المسافِرُ به مُضارَّةَ الآخَرِ، وإلَّا فالأُمُّ أحَقُّ، كما ذكرَه في "الهدي"، وقوَّاهُ غيرُه (٢). (وإن) أرادَ أحدُ أبوَيهِ نَقلَهُ إلى بَلَدٍ، و (كانَ للسُّكنَى، وهو) أي: البلَدُ المنقولُ إليها (مَسافَةُ قَصرٍ) فأكثَرُ، وكان الطريقُ آمِنًا (فالأبُ أحقُّ) لأنَّه الذي يَقومُ بتَأدِيبِهِ، وتخريجِه، وحفظِ نَسبِه، فإذا لم يَكُن ببلَدِ أبيه، ضاعَ. ومتى اجتمَعَ الأبوانِ، عادَت الحضانَةُ لأُمِّ. (و) إن كانَت المسافَةُ (دُونَها) أي: دُونَ مسافَةِ القَصرِ (فالأُمُّ أحقُّ) فتَبقَى (٣) على حضَانَتِها؛ لأنَّها أتمُّ شفقَةً.

стр. 1544

فَصْلٌ وإذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ سَبْعَ سِنينَ عَاقِلًا، خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ، فإنِ اخْتَارَ أَبَاه، كانَ عِنْدَه ليلًا ونَهَارًا، ولا يُمْنَعُ مِن زِيارَةِ أُمِّهِ، ولا هِي مِنْ زِيارَتِه، وإنْ اخْتَارَ أُمَّهُ، كَانَ عِنْدَهَا ليلًا، وعِنْدَ أَبِيهِ نَهَارًا؛ (فَصْلٌ) (وإذا بلغَ الصَّبِيُّ) المحضونُ (سبعَ سِنينَ) كامِلةً (عاقلًا، خُيِّرَ بينَ أبوَيه) لحديثِ أبي هريرةَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَيَّرَ غُلامًا بينَ أبيهِ وأُمِّه. رواه سعيدٌ والشافعيُّ (١). وقَضَى بذلِكَ عُمرُ وعليٌّ (٢). (فإن اختَارَ أباه، كانَ عندَه ليلًا ونهارًا) ليَحفَظَهُ ويُعلِّمَه ويُؤدِّبَهُ (ولا يُمنَعُ مِن زيارَةِ أُمِّهِ) لأنَّ فيه إغراءً له بالعُقُوقِ (٣) وقَطيعَةِ الرَّحمِ، فيزُورُها على العادَةِ، كيَومٍ في الأُسبُوعِ. ولا تُمنَعُ من تَمريضِه؛ لأنَّ النساءَ أعرَفُ بذلِكَ. (ولا) تُمنَعُ (هي مِن زِيارَتِه). (وإن اختارَ أُمَّهُ، كانَ عِندَها ليلًا) لأنَّه وقتُ السَّكَنِ، وانحيازِ الرِّجالِ إلى المساكِنِ، (وعندَ أبيه نَهارًا) لأنَّه وقتُ التصرُّف في الحوائِج، وعَملِ الصنائِعِ

стр. 1545

ليُؤدِّبَه ويُعلِّمَه. وإذَا بَلَغَتِ الأُنْثَى سَثعًا، كانَتْ عِنْدَ أَبِيهَا وُجُوبًا إلَى أنْ تَتزوَّجَ. ويَمْنَعُهَا -ومَن يَقُومُ مَقَامَة- مِن الانْفِرَادِ. ولا تُمْنَعُ الأُمّ مِن زِيارَتِهَا، ولا هِي مِن زِيَارَةِ أُمِّهَا، إنْ لَمْ يُخَفِ الفَسَادُ. والمَجْنُونُ، ولَوْ أُنْثَى، عِنْدَ أمِّهِ مُطْلَقًا. ولا يُتْرَكُ المحْضُونُ بيَدِ مَن لا يَصُونُهُ ويُصْلِحُه. (ليؤدِّبَه ويُعلِّمَه) لئلا يَضيعَ. (وإذا بَلَغَت الأُنثَى سَبعًا) فأكثَرَ (كانَت عِندَ أبيهَا وجُوبًا إلى أن تتزوَّجَ) لأنَّه أحفَظُ لها، وأحقُّ بولايَتِها، ويُؤمَنُ عليها مِن دُخولِ النِّساء؛ لأنَّها مُعرَّضَةٌ للآفَاتِ لا يُؤمَنُ عليها الخَديعَةُ. (ويَمنَعُها) أبوهَا أن تَنفَرِدَ (ومَن يَقومُ مَقامَهُ، مِن الانفِرَادِ) بنَفسِها؛ خشيَةً عليها. (ولا تمنَعُ الأُمُّ مِن زيارَتِها) على العادَةِ؛ لما سبقَ. (ولا) تُمنَعُ (هي مِن زيارَةِ أُمِّها) إن رَضِيَت الأُمّ؛ لأنَّه من الصِّلَةِ والبرِّ (إن لم يُخَفِ الفَسادُ) عَليها. (والمجنونُ) والمعتوهُ (ولو أُنثَى، عندَ أُمِّه مُطلَقًا) صغيرًا كان أو كبيرًا؛ لحاجتِه إلى مَن يَخدمُه ويَقومُ بأمرِه، والنِّساءُ أعرَفُ بذلِكَ، وأمُّهُ أشفَقُ عليه مِن غَيرِها، فإن عُدِمَت أُمُّه، فأمَّهَاتُها القُربى فالقُربى، على ما تقدَّم. (ولا يُترَكُ المحضُونُ بيَدِ مَن لا يَصونُهُ ويُصلِحُهُ) لأنَّ وجودَ ذلِكَ كعَدَمِه، فتَنتَقِلُ إلى مَن يَليهِ.

стр. 1546

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولا حضانَةَ ولا رضَاعَةَ لأُمِّ جَذمَاءَ، أو بَرصَاءَ، كما أفتَى به المجدُ وبعضُهُم (١). "تتمَّةٌ": قال في "المبدع": لم أقِف في الخُنثَى المُشكِلِ بعدَ البُلوغِ على نَقلٍ، والذي يَنبَغِي أن يكونَ كالبِنتِ البِكرِ، حتَّى يجيء (٢) في جَوازِ استِقلالِه وانفرَادِه عن أبويَه الخِلافُ (٣).

стр. 1547

كِتَابُ الجِنَايَاتِ وهِى: (كِتابُ الجِنَايَاتِ) (وهي) لغَةً: كُلُّ فِعلٍ وقعَ على وَجهِ التَّعدِّي، سواءٌ كانَ في النَّفسِ، أو المالِ، أو العِرضِ. قال أبو السَّعادَاتِ: الجِنايَةُ: الجُرمُ والذَّنبُ، وما يَفعَلُه الإنسانُ ممَّا يُوجِبُ عليه القِصاصَ، أو العِقابَ في الدُّنيا والآخِرَةِ. انتهى (١). وجُمِعَت وإن كانَت مصدَرًا باعتِبَارِ أنواعِها على: جِنايَاتٍ، وجَنايَا، كعَطايَا. والفاعِلُ: جَانٍ. والجمعُ: جُناةٌ، كقَاضٍ وقُضاةٍ. والقَتلُ يقَعُ على ثلاثَةِ أضرُبٍ: واجِبٌ: كقَتلِ المُحارِبِ، والزَّانِي المُحصَنِ، والمُرتَدِّ. ومُباحٌ: كالقَتلِ قِصَاصًا. ومَحظُورٌ: وهو القَتلُ عَمدًا بغَيرِ حقٍّ. وهو مِن الكبائِرِ. وتوبَةُ القَاتِلِ مَقبولَةٌ، وأمرُهُ إلى اللهِ، إن شاءَ عذَّبَهُ، وإن شاءَ غفَرَ له. ولا يَسقُطُ حقُّ المقتولِ في الآخِرَةِ بمجرَّدِ التوبَةِ. قال الشيخُ تقي الدين: فعَلي هذا: يأخذُ المقتُولُ مِن حسناتِ القاتِلِ بقَدرِ مَظلَمَتِه. فإن اقتُصَّ مِن القَاتِلِ، أو عُفِي عنه، ففِي مُطالَبَتِه في الآخرَةِ وجهَان.

стр. 1548

التَّعَدِّي علَى البَدَنِ بِمَا يوجِبُ قِصَاصًا، أو مَالًا. والقَتْلُ ثَلَاثةُ أقْسَامِ: أحَدُهَا: العَمْدُ العُدْوَانُ، ويَخْتَصُّ يهِ القِصَاصُ، أو الدِّيَة، فالوَليُّ مخَيَّرٌ، قال العلَّامةُ ابنُ القيِّم: والتَّحقيقُ في المسألة: أنَّ القَتلَ يتعلَّقُ به ثلاثَةُ حقوقٍ: حقٌّ للهِ، وحقٌّ للمقتُولِ، وحقٌّ للوليِّ. فإن أسلَمَ القاتِلُ نفسَه طَوعًا واختيارًا إلى الوليِّ، ندَمًا على ما فعَلَ، وخوفًا من الله، وتَوبةً نصُوحًا، سقَطَ حقُّ اللهِ بالتوبَةِ، وحقُّ الأولياءِ بالاستيفَاءِ، أو الصُّلحِ، أو العَفوِ. وبَقِيَ حقُّ المقتولِ، يُعوِّضُه اللهُ عنهُ يومَ القيامَةِ عن عبدِهِ التائِبِ المحسِنِ، ويُصلِحُ بينَهُ وبينَهُ، فلا يُضيِّعُ حقَّ هذا، ولا يُعطِّلُ توبةَ هذا (١). وشَرعًا: هي (التعدِّي على البَدَنِ بما يُوجِبُ قِصَاصًا، أو) يُوجِبُ (مالًا) وتُسمَّى الجنايَةُ على المالِ: غَصْبًا، وسَرِقَةً، وخِيانَةً، وإتلافًا، ونَهبًا. وأجمَعُوا على تحريمِ القَتلِ بغيرِ حقٍّ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] الآية. وحديثِ ابنِ مسعودٍ مرفوعًا: "لا يحلُّ دَمُ امرئٍ مُسلِمٍ يَشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنِّي رسولُ اللهِ، إلَّا بإحدَى ثلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّاني، والنَّفسُ بالنَّفسِ، والتاركُ لدِينه المُفارِقُ للجماعَةِ". متفق عليه (٢). (والقَتلُ ثَلاثَةُ أقسامٍ): (أحدُها: العَمدُ العُدوانُ، ويختصُّ به القِصاصُ، أو الدِّيَةُ، فالوليُّ مُخيَّرٌ،

стр. 1549

وعَفْوُه مجانًا أفْضَلُ. وهُوَ: أنْ يَقْصِدَ الجَانِي مَن يَعْلَمَهُ آدَمِيًّا مَعْصُومًا، فيَقْتُلُه بِمَا يَغلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُه بِهِ. فلَوْ تَعَمَّدَ جَمَاعةٌ قَتْلَ وَاحِدٍ، قُتِلُوا جَمِيعًا، إنْ صَلُحَ فِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ للقَتْلِ، وعفوُهُ مجَّانًا أفضَلُ). (وهُو) أي: القتل عَمدًا: (أن يَقصِدَ الجاني مَن يعلَمَهُ آدميًا مَعصُومًا، فيقتُلُهُ بما) أي: بشَيءٍ (يغلِبُ على الظنِّ موتُهُ به). (فلو تعمَّدَ جماعَةٌ قتلَ واحدٍ، قُتِلُوا جميعًا، إن صَلُحَ فِعلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنهُم للقَتلِ) به، لو انفرَدَ؛ قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]؛ لأنَّه إذا عَلِمَ أنَّه متى قَتَلَ (١) قُتِلَ به، انكفَّ به (٢). فلو لم يُشَرَع القِصاصُ في الجماعَةِ بالواحِدِ لبَطلَت الحكمَةُ في مَشروعيَّةِ القِصاصِ. ولإجماعِ الصحابَةِ، فروى سعيدُ بن المسيِّب: أنَّ عمرَ قتَلَ سبعَةً من أهلِ صنعَاءَ، قتَلُوا رجُلًا (٣). وعن عليٍّ وابنِ عباسٍ (٤) مَعناه، ولم يُعرَف لهم في عصرِهم مُخالِفٌ، فكانَ كالإجماع. ولأنَّها عقوبَةٌ تجبُ للواحِدِ على الواحِدِ، فوجبَت على الجماعَةِ، كحدِّ القَذفِ.

стр. 1550

وإنْ جَرَحَ وَاحِدٌ جُرْحًا وآخَرُ مِائةً، فسَوَاءٌ. ومَنْ قَطَعَ أوْ بَطَّ سِلعَةً خَطِرَةً مِن مُكَلَّفٍ بِلا إذْنِه، أو مِن غَيرِ مُكَلَّفٍ بِلا والفرقُ بينَ قتلِ الجماعَةِ والدِّيَةِ: أنَّ الدَّمَ لا يتبعَّضُ، بخلافِ الدِّيَةِ. وإنْ لم (١) يَصلُح فِعلُ كُلِّ واحِدٍ مِن الجماعَةِ للقَتلِ، كما لو ضَرَبَه كُلُّ واحدٍ مِنهُم بحَجَرٍ صغيرٍ فماتَ، فلا قِصاصَ عَليهِم؛ لأنَّه لم (٢) يحصُلُ مِن (٣) واحِدٍ مِنهُم ما يُوجِبُ القَوَدَ، ما لم يتواطَؤوا على ذلكَ الفِعلِ؛ ليقتُلُوهُ به، فعلَيهِم القِصاصُ؛ لئلا يُتَّخَذَ ذريعَةً إلى دَرءِ القِصاصِ. وإن عفَا عنهم الولِيُّ، سقَطَ القَوَدُ، ووجَبَت ديةٌ واحدَةٌ. (وإن جرَحَ، واحِدٌ) شَخصًا (جُرحًا) وجَرَحَهُ (آخرُ ممائَةً) وماتَ، (فـ) ــهُما (سَواءٌ) في القِصاصِ والدِّيةِ. وكذا لو أوضَحَهُ أحدُهُما، وشجَّهُ الآخَرُ آمَّةً (٤)، أو جَرَحَهُ أحدُهما جائِفَةً، والآخرُ غَيرَ جائِفَةٍ. ولا يَجبُ علَيهِم معَ عفوٍ عن قَوَدٍ أكثَرُ مِن ديَةٍ. (ومَن قَطَعَ) سِلعَةً خَطِرَةً مِن آدميِّ مُكلَّفٍ بلا إذنِه، فماتَ. (أو بَطَّ) أي: شَرَطَ (سِلعَةً) بكَسرِ السين. وهي: غُدَّةٌ تظهَرُ بينَ الجِلدِ واللَّحْمِ، إذا غُمِزَت باليَدِ تحرَّكَت (خَطِرَةً) ليخرجَ ما فيها مِن مادَّةٍ (مِن مُكلَّفٍ بلا إذنِه، أو مِن غيرِ مكلَّف) مِن صغيرٍ، أو مجنونٍ (بلا

стр. 1551

إذْنِ وَلِيِّه، فمَاتَ، فعَلَيْهِ القَوَدُ. الثانِي: شِبْهُ العَمْدِ. وهُو: أنْ يَقْصِدَهُ بِجِنايَةٍ لا تَقْتُلُ غَالِبًا، ولَمْ يَجْرَحْه بِهَا، فإنْ جَرَحَه ولَوْ جُرْحًا صَغِيرًا، قُتِلَ بِهِ. إذْنِ وليِّهِ، فماتَ، فعَلَيه القَوَدُ)؛ لتعدِّيه بجُرحِه بلا إذنِ وليِّه. القِسمُ (الثاني: شِبهُ العَمدِ) ويُقالُ: خَطَأُ العَمدِ، وعمدُ الخَطَأ. (وهو: أن يَقصدَه بجِنايَةٍ لا تَقتُلُ غالِبًا، ولم يَجرَحْهُ بها) أي: الجِنايَةِ، كمَن ضرَبَ شَخصًا بسَوطٍ، أو عَصَا، أو حَجَرٍ صَغيرٍ، أو يَلكِزَه بيَدِه، أو يُلقِيَه في ماءٍ قليلٍ، أو سحَرَه بما لا يَقتُلُ غالبًا، فمات، أو صاحَ بعاقِلٍ اغتَفَلَه، أو بصغيرٍ أو معتوهٍ على خوِ سطحٍ، فسمقَطَ فماتَ، أو ذهَبَ عقلُه ونحوُه. ففيه الكفَّارَةُ في مالٍ جانٍ، لقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] والخَطأ موجودٌ في هذِه الصورِ؛ لأنَّه لم يقصِد قتلَه بفعلِه ذلِكَ. وفيه الدِّيَةُ على عاقِلَتِه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] وحديثِ أبي هريرةَ: اقتتلَت امرأتَانِ من هُذيلٍ، فرَمَت إحداهُما الأخرَى بحجَرٍ فقتَلَتها وما في بطنِها، فقَضَى النَّبِيُّ ﷺ أنَّ دِيَةَ جَنينِها عَبدٌ أو وليدَةٌ، وقضَى بدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها. متفق عليه (١). فإن صاحَ بمكلَّفٍ لم يَغتَفِلْهُ، فلا شيءَ عليه، ماتَ أو ذهَبَ عقلُه. (فإن جَرَحَه، ولو جُرْحًا صغيرًا، قُتِلَ به).

стр. 1552

الثالِثُ: الخَطَأُ. وهو: أنْ يَفْعَلَ مَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ مِن دَقٍّ، أوْ رَمْيِ صَيْدٍ ونَحْوِهِ، أوْ يَظُنُّهُ مُبَاحَ الدَّمِ، فيَبِينُ آدَمِيًّا مَعْصُومًا. فَفي القِسْمَيْنِ الأخِيريْنِ الكَفَّارَةُ علَى القاتِلِ، والدِّيَةُ علَى عاقِلَتِه. ومَن قَالَ لإنْسَانٍ: اقتُلْنِي، أو: اجْرَحْني، فقتَلَه، أوْ جَرَحَه، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيءٌ، وكَذَا لَوْ دَفَعَ لغَيْرِ مُكَلَّفٍ آلَةَ قَتْلٍ وَلَمْ يَأمُرْهُ بِهِ. القسم (الثالث: الخَطأ). وهو: أن يَفعَلَ ما يجوزُ له فِعلُه) كقَطعِ لحمٍ، أو (مِن دَقٍّ، أو رَميِ صَيدٍ) فيَقتُلُ إنسانًا، ونحوَه كبهيمَةِ، ولو محترمَةً، فيُصيبُ آدميًا معصُومًا لم يَقصِدْهُ، (أو يظنُّهُ مُباحَ الدَّمِ) كحربيٍّ، ومرتَدِّ. (فيَبينُ) ما ظنَّه صَيدًا (آدميًا مَعصُومًا). (ففِي القِسمَينِ الأَخِيرَينِ) وهو شِبهُ العَمدِ، والخَطأ: (الكفَّارَةُ على القَاتِلِ، والدِّيَةُ على عاقِلَتِه) كسائِرِ أنواعِ الخَطأ. (ومَن قالَ لإِنسانٍ: اقتُلني) ففعَل، فهَدَرٌ. (أو) قالَ لهُ: (اجرَحْني. فقَتَلَه، أو جرَحَه، لم يَلزَمهُ شيءٌ) نصًا؛ لإذنِه في الجنايَةِ عليه، فسَقطَ حقُّه مِنها، كما لو أمرَه بإلقاءِ متاعِه في البَحرِ، ففعَلَ. (وكذا لو دفَعَ لغَيرِ مُكلَّفٍ) كصَغيرٍ ومجنونٍ (آلَةَ قَتلٍ) كسَيفٍ وسكِّينٍ، (ولم يأمُرْه) الدَّافِعُ (به) أي: القَتلِ، فقتَلَ بالآلَةِ، لم يَلزَم الدَّافِعَ للآلَةِ شيءٌ؛ لأنَّه لم يأمُر بالقَتلِ، ولم يُباشِرْهُ. فإن أمرَهُ بالقَتلِ فقَتَل، قُتِلَ الآمِرُ. * * *

стр. 1553

بابُ شُرُوطِ القَصَاصِ في النَّفْسِ وهِي أرْبَعَةٌ: أَحَدُهَما: تَكْلِيفُ القاتِلِ. فلا قِصَاص عَلَى صَغِيرٍ ومَجْنونٍ، بَلْ الكفَّارَةُ في مالِهِمَا، والدِّيَة عَلَى عَاقِلَتِهِمَا. الثانِي: عِصْمَةُ المَقْتُولِ. (بابُ شُروطِ)، وجُوبِ (القِصاصِ في النَّفسِ) أي: القَوَدِ (وهي أربعَةٌ) بالاستِقرَاءِ: (أحدُهَا: تَكْليفُ القَاتِلِ) بأن يكونَ بالِغًا، عاقِلًا، قاصِدًا؛ لأنَّ القِصاصَ عُقوبَةٌ مُغلَّظَةٌ، فلا تجِبُ على غَيرِ مُكلَّفٍ، كصَغيرٍ ومجنونٍ ومَعتُوهٍ؛ لأنَّهم ليسَ لهم قَصدٌ صَحيحٌ، كقَاتِلٍ خَطأً. وإن قال جَانٍ: كُنتُ حينَ الجنايَةِ صَغيرًا. وقال وَفي الجِنايَةِ: بل مُكلَّفًا. وأامَا بيِّنَتَينِ، تعَارَضَتَا. وتقدَّمَ أنَّ القولَ قَولُ الصَّغيرِ حيثُ أمكَنَ، ولا بيِّنَةَ. (فلا قِصاصَ على صَغيرٍ ومجنُونٍ، بل الكفَّارَةُ في مالِهِمَا، والدِّيَةُ على عاقِلَتِهِما)؛ لأنَّ التكليفَ مِن شُروطِه، وهو مَعدومٌ، ولأنَّه لا قَصدَ لهم صَحيح. (الثَّاني) مِن شُروطِ القِصَاصِ: (عِصمَةُ المقتُولِ).

стр. 1554

فلا كَفَّارَةَ ولا دِيَةَ علَى قاتِلِ حَرْبِيٍّ، أوْ مُؤتَدٍّ، أوْ زَانٍ مُحْصَنٍ، ولَوْ أنَّه مِثْلُه. الثَّالِثُ: المُكَافَأَةُ بأنْ لا يَفْضُلَ القاتِلُ المَقْتُولَ حالَ الجِنَايَةِ بالإسْلامِ، أو الحُرِّيَّةِ، أوْ المِلْكِ. فلا يُقْتَلُ المُسْلِمُ ولَوْ عَبْدًا بِالكَافِرِ، ولَؤ حُرًّا، ولا الحُرُّ ولَوْ ذِمِّيًّا بالعَبْدِ ولَوْ مُسْلِمًا، ولا المُكَاتِبُ بعَبْدِه ولَوْ كَانَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ لَهُ. (فلا كفَّارَةَ، ولا دِيَةَ على قاتِلِ حَربيٍّ) لأنَّه مُباحُ الدَّمِ على الإطلاقِ (أو مُرتدٍّ) قَبلَ تَوبَةٍ؛ لأنَّة مُباحُ الدَّمِ، أشبَهَ الحربيَّ، (أو) القاتلِ لـ (ــزانٍ (١) مُحصَنٍ)، ولو قَبلَ ثُبوتِه عندَ حاكِمٍ. فلا قَودَ ولا دِيَةَ على القاتِل (ولو أنَّه) أي: القاتِلَ: (مِثلُه) أي: المَقتُولِ في عَدَمِ العِصمَةِ؛ بأنْ قَتلَ حربيٌّ حَربيًا، أو مرتدٌّ (٢) مُرتَّدًا، أو زَانٍ مُحصَنٍ زانيًا مُحصَنًا، وعَكسُه (٣). (الثالِثُ) مِن شُروطِ القِصَاصِ: (المكافَأَةُ؛ بأنْ لا يَفضُلَ القاتِلُ المقتُولَ حالَ الجِنايَةِ) -لأنَّه وَقتُ انعِقادِ السَّبَبِ- (بالإِسلامِ، أو الحريَّةِ (٤)، أو المِلكِ). (فلا يُقتَلُ المسلِمُ ولو عَبدًا، بالكافِرِ ولو حُرًا، ولا الحُرُّ ولو ذميًّا، بالعَبد ولو مُسلِمًا، ولا المكَاتِبُ بعَبدِه) لأنَّه مالِكُ رَقَبَتِه، أشبَه الحُرَّ (ولو كانَ) عبدُ المكاتَبِ (ذا رَحِمٍ مَحرَمٍ له) لأنَّه مِلكُه، فلا يُقتَلُ بهِ كغَيرِه مِن عَبيدِه. ويُقتَلُ مكاتِبٌ بقِنّ غَيرِه.

стр. 1555

ويُقْتَلُ الحُرُّ المُسْلِمُ ولَوْ ذَكَرًا بالحُرِّ المُسْلِمِ ولَوْ أُنْثَى، والرَّقِيقُ كَذَلِكَ، وبمَنْ هُو أعْلَى مِنْهُ، والذِّمِّيُّ كَذلِكَ. الرابِعُ: أنْ يَكونَ المَقْتُولُ لَيْسَ بوَلَدٍ للقاتِلِ. فلا يُقْتَلُ الأَبُ وإنْ عَلا، ولا الأُمُّ وإن عَلَتْ بالوَلَدِ، (ويُقتَلُ الحرُّ المسلِمُ ولو ذكَرًا، بالحُرِّ المسلِمِ ولو أُنثى، والرَّقيقُ كذلِكَ) فيُقتَلُ العَبدُ بالعَبدِ المسلِمِ، والذِّمِّيُّ بالذميِّ؛ لحصُولِ المُكافَأَةِ بَينَهُما. (و) يُقْتَلُ العبدُ (بمَن هو أعلَى مِنهُ، والذمّيُّ كذلِكَ) أي: يُقتَلُ بمَن هو أعلَى منه. (الرابِعُ) مِن شُروطِ القِصاصِ: (أن يَكونَ المقتولُ ليسَ بولَدٍ) وإن سَفَلَ (للقاتِلِ). (فلا يُقتَلُ الأبُ وإن عَلا) كالجَدِّ (ولا الأم وإنْ عَلَتْ) كالجدَّةِ (بالوَلَد) ووَلَدِ البِنتِ وإن سَفَلا؛ لحديثِ عُمرَ وابنِ عبَّاسٍ مرفُوعًا: "لا يُقتَلُ والِدٌ بولَدِه". رواهُما ابنُ ماجَه (١). وروى النسائيُّ (٢) حديثَ عُمرَ. وقال ابنُ عبد البرّ: هو حديثٌ مشهورٌ عند أهلِ العلمِ بالحجازِ والعِراقِ، مُستفيضٌ عندَهُم (٣)، يُستَغنى بشُهرَتِه وقَبولِه والعَملِ به عن الإسنَادِ، حتى يَكونَ الإسنادُ في مِثلِه مع شُهرَتِه تكلّفًا (٤). ولأنَّهُ سببُ إيجادِه، فلا يَنبَغي أن يُسلَّط بِصَبَبِه على إعدَامِه. (ولا ولَدِ الولَدِ وإن سَفَلَ).

стр. 1556

ولا وَلَدِ الوَلَدِ وإنْ سَفَلَ. ويُورَثُ القِصَاصُ علَى قَدْرِ المِيراثِ، فمَتَى وَرِثَ القاتِلُ أوْ وَلَدُه شَيْئًا مِن القَصَاصِ، فلا قِصَاصَ. (ويُورَثُ القِصاصُ على قَدرِ الميراثِ، فمتَى وَرِثَ القاتِلُ) القِصَاصَ (أو ولدُهُ شيئًا مِن القِصَاصِ) وإن قَلَّ (فلا قِصَاصَ) لأنَّه لو لم يَسقُط لوجَبَ (١) للولَدِ على الوالِدِ، وهو ممنوعٌ. * * *

стр. 1557

بابُ شُرُوطِ اسْتِيفاءِ القِصَاصِ وهِي ثَلاثَةٌ: أحَدُهَا: تَكْلِيفُ المُسْتَحِقِّ. فإنْ كانَ صَغِيرًا أو مَجْنُونًا، حُبِسَ الجانِي إلى تَكْلِيفِه، فإنِ احْتَاجَ لنَفَقَةٍ، فلِوَلِيِّ المَجْنُونِ فَقَطْ العَفْوُ إلَى الدِّيَّةِ. الثاني: اتِّفاقُ المُسْتَحِقِّينَ عَلَى اسْتِيفَائِه. (بابُ شُروطِ استيفَاءِ القِصَاصِ) في النَّفسِ وما دُونَها (وهي (١)) أي: شُروطُ القِصاصِ (ثَلاثَةٌ): (أحدُهَا) أي: الشُّروطِ: (تكليفُ المُستحقِّ (٢)) لأنَّ غيرَ المكلَّفِ ليسَ أهلًا للاستيفَاءِ، ولا تَدخُلُ النيابَةُ فيه. (فإن كانَ) المستحقُّ (صَغيرًا أو مجنونًا، حُبِسَ الجاني إلى تَكليفِه) أي: تَكليفِ المستحقِّ، أو إلى إفاقَةِ مجنونٍ يستحقُّهُ. (فإن احتَاجَ) الصغيرُ والمجنونُ النفقَةٍ، فلِوليِّ المجنونِ فقَط) أي: لا وليَّ صَغيرٍ (العَفوُ إلى الدِّيَةِ) لأنَّ الجنُونَ لا حدَّ له ينتَهي إليه عادَةً، بخلافِ الصغيرِ. الشرطُ (الثاني: اتِّفاقُ المستحقِّينَ) أي: المشتَركِينَ (٣) في القِصاصِ (على استيفَائِه) فليسَ لبَعضِهم استيفَاؤُهُ بدُونِ إذنِ الباقِينَ؛ لأنَّه يَكونُ مُستَوفيًا لحقِّ غيرِه

стр. 1558

فلا يَنْفَرِدُ بِهِ بِعْضُهم، ويُنْتَظَرُ قُدُومُ الغائِبِ، وتَكْلِيفُ غَيْرِ المُكَلَّفِ. ومَن ماتَ مِن المُسْتَحِقِّينَ، فوَارِثُه كَهُوَ. وإنْ عَفَا بَعْضُهُم -ولَوْ زَوْجًا أوْ زَوجَةً- أوْ أقَرَّ بعَفْوِ شَرِيكِه، سَقَطَ القِصَاصَ. الثالِثُ: أنْ يؤمنَ في اسْتِيفائِهِ تَعَدِّيه إلَى الغَيْرِ. بلا إذنِه، ولا وِلايَةَ له عليهِ، أشبَهَ الدَّينَ. (فلا يَنفَرِدُ بهِ بعضُهم) أي: بعمق المستحقِّينَ، كما لا يَنفَرِدُ بعضُهم بالدِّيَةِ لو وجَبَت (١). (ويُنتَظَرُ قُدومُ الغائِبِ) أي: وارِثٍ غائِبٍ (وتَكليفُ غَيرِ المكلَّفِ) إذا كانَ وارِثٌ صَغيرًا، وإفاقَةُ وارثٍ مجنونٍ؛ لأنَّهم شَركاءُ في القِصاصِ. (ومَن ماتَ من المستحقِّينَ، فوارِثُه) أي (٢): الميِّتِ (كهُوَ) لِقيامِهِ مَقامَهُ، لأنَّه حقٌّ للميِّتِ، فانتقَلَ إلى وارِثِه، كسائرِ حُقوقِه. (وإن عفَا بعضُهُم) أي: مُستحقِّي القِصاصِ (ولو) كانَ العَافي (زَوجًا، أو زوجَةً، أو أقرَّ بعَفوِ شَريكِه، سقَطَ القِصاصُ) أي: القَوَدُ. أمَّا السقُوطُ بعَفوِ البَعضِ، فلأنَّه لا يتبعَّضُ، وأَحدُ الزَّوجَينِ مِن جُملَةِ الورَثَةِ. وإذا أسقَطَ بعضُهم حقَّه، سرَى إلى الباقِي، كالعِتقِ. الشَّرطُ (الثالِثُ) مِن شُروطِ استيفاءِ القِصاصِ: (أنْ يُؤمَنَ في استيفائِه) أي: القِصاصِ (تعدِّيه إلى الغَيرِ) أي: غيرِ الجاني.

стр. 1559

فلَوْ لَزِمَ القِصَاصُ حَامِلًا، لَمْ تُقْتَلْ حَتَّى تَضَعَ، ثُمَّ إنْ وُجِدَ مَن يُرْضِعُه قُتِلَتْ، وإلَّا فَلا، حتَّى تُرْضِعَه حَوْلَيْنِ. (فلو لَزِم القِصاصُ حامِلًا، لم تُقتَل حتَّى تضَع) حملَها، وحتَّى تَسقِيَه اللِّبَأ (١)؛ لأنَّ تركَه يضُرُّ الولَدَ، وفي الغالِبِ لا يَعيشُ إلَّا بهِ. ولابنِ ماجَه (٢) عن مُعاذِ بن جبَلٍ، وأبي عُبيدَةَ بنِ الجرَّاحِ، وعُبادَةَ بنِ الصامِتِ، وشدَّاد بنِ أوسٍ مرفوعًا: "إذا قَتَلَتِ المرأةُ عَمدًا، لم تُقتَل حتَّى تضَعَ ما في بطنِها إن كانَت حامِلًا (٣)، وحتَّى تُكفِّلَ ولدَها". (ثمَّ إن وُجِدَ مَن يُرضِعَهُ) أي: ولدَها بعدَ سَقيِها لهُ اللِّبأَ (٤)، أُعطِيَ لمَن يُرضِعُهُ (قُتِلَت) أي: أُقيدَ مِنها؛ لقِيامِ غَيرِها مَقامَها في إرضاعِه وتَربيَتِه، فلا عُذرَ. وفي "الإقناع" (٥): إن وَجَدَ مُرضِعَاتٍ غَيرَ رَواتِبَ، أو شاةً يُسقَى مِن لَبَنِها، جازَ قَتلُها. ويُستحبُّ لوليِّ المقتُولِ تأخيرُهُ إلى الفِطام. (وإلَّا) يُوجَدُ مَن يُرضِعُه (فلا) يُقادُ مِنها (حتَّى تُرضِعَه حَولَينِ) ولأول إذا أُخِّرَ الاستيفَاءُ لحِفظِه وهو حَملٌ، فلأَن يُؤخَّرَ لحفظِه بعدَ وضعِه أولى. وتُحدُّ حامِلٌ بجَلدٍ لقَذفٍ أو شُربٍ أو غَيرهِمَا بمجرَّدِ وضعِ حَملٍ. وفي "المغني": وسَقي اللِّبأ. وفي "المستوعب" وغَيرِه: ويَفرُغُ نِفاسُها (٦).

стр. 1560

فَصْلٌ ويَحْرُمُ اسْتِيفاءُ القِصَاصِ بِلا حَضْرةِ سُلْطانٍ أوْ نَائِبِه، ويَقَعُ المَوْقِعَ. ويَحْرُئم قَتْل الجانِي بغَيْرِ السَّيْفِ، وقَطْعُ طَرَفِه بغَيْرِ السِّكِّينِ؛ لئلَّا يَحِيفَ. وإنْ بَطَشَ ولِيُّ المَقْتُولِ بالجَانِي فظَنَّ أنَّه قتَلَه، فلَمْ يَكُنْ، ودَاوَاه أهْلُه حتَّى بَرِئَ، فإنْ شَاءَ الوَلِيُّ دَفَعَ دِيَةَ فِعْلِهِ وقَتَلَة، وإلَّا تَرَكَه. (فَصْلٌ) (ويحرُمُ استيفَاءُ القِصاصِ بلا حَضرَةِ سُلطانٍ (١)، أو نائِبِه) لافتقَارِه إلى اجتِهادٍ (ويَقعُ) فِعلُه (الموقِعَ) لأنَّه استَوفَى حقَّه. (ويحرُمُ قَتلُ الجاني بغَيرِ السَّيفِ) لحديث: "لا قَوَدَ إلَّا بالسَّيفِ". رواه ابن ماجه (٢). ولحديث: "إذا قتلتُم فأحسِنُوا القِتلَةَ" (٣). (و) يحرُمُ (قَطعُ طَرَفِه بغَيرِ السِّكيِّنِ؛ لئلَّا يَحيفَ) في الاستيفَاءِ. (وإن بَطَشَ ولِيُّ المقتُولِ بالجَاني فظنَّ أنَّه قتَلَه، فلَم يَكُن، ودَاوَاهُ) أي: الجاني (أهلُه حتَّى بَرِئَ، فإن شاءَ الولِيُّ دفَعَ ديةَ فِعلِه) الذي فَعَله به (وقَتَلَه، وإلَّا (٤)) يَدفَع إليهِ دِيةَ فِعلِه (ترَكَه) فلا يتعرَّضُ لهُ.

стр. 1561

بَابُ شُرُوطِ القِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفسِ مَنْ أخذَ بغَيْرِه في النَّفْسِ، أُخِذَ به فِيمَا دُونَهَا، ومَن لا فلا. (بابُ شُروطِ القِصاصِ فيما دُونَ النَّفسِ) مِن جِراحٍ أو أطرَافٍ (١) (مَن أُخِذَ بغَيرِه في النَّفسِ، أُخِذَ به فيمَا دُونَها) لقَوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]. ولحديثِ أنَسِ بنِ النَّضْرِ، وفيه: "كِتابُ اللهِ القِصاصُ". رواهُ البخاريُّ وغَيرُه (٢). ولأنَّ حُرمَةَ النَّفسِ أقوَى مِن حُرمَةِ الطَّرَفِ، بدليلِ وجُوبِ الكفَّارَةِ في النَّفسِ دُونَ الطَّرَفِ، وإذا جرَى القِصاصُ في النَّفسِ معَ تأكُّدِ حُرمَتِها، فجريانُه في الطَّرَفِ أولى، لكِن بالشروطِ المتقدِّمَة. (ومَن لا) يُؤخذُ بغَيرِه في نَفسٍ (٣)، فلا يُؤخَذُ به فيمَا دُونَها، كالأبوَينِ معَ ولَدِهِما، والحُرِّ معَ العَبدِ، والمُسلِمِ معَ الكافِرِ، فلا يُقتَصُّ لهُ في طَرَفٍ ولا جِرَاحٍ؛ لعدَمِ المكافَأَةِ. وكذا قاطِعُ حربيٍّ، أو مُرتَدٍّ، أو زانٍ مُحصَنٍ، فلا قَطعَ عليه، ولو أنَّه مِثلُه. ويُقطَعُ حُرٌّ مُسلِمٌ أو ذِمِيٌّ وعَبدٌ بمثلِه، وذكرٌ بأُنثَى وخُنثَى، وعَكسُه، وناقِصٌ بكامِلٍ، كالعَبدِ بالحرِّ، والكافِرِ بالمسلِم.

стр. 1562

وشُرُوطُه أرْبَعَة: أَحَدُهَما: العَمْدُ العُدْوانُ، فلا قَصِاصَ في غَيْرِهِ. الثَّالي: إمْكَانُ الاسْتِيفاءِ بِلا حَيْفٍ، بأنْ يَكونَ القَطْعُ مِن مَفصِلٍ، أوْ يَنْتَهِي إلَى حدٍّ، كمارنِ الأنْفِ، وهُو مَا لانَ مِنْهُ. فلا قَصِاصَ في جَائِفَةٍ، ولا في قَطْعِ القَصَبةِ، أوْ قَطْعِ بَعْضِ سَاعِدٍ أوْ عَضُدٍ أو سَاقٍ، أو وَرِكٍ. (وشُروطُه) أي: القِصاصِ فيما دُونَ النَّفسِ (أربعَة): (أحدُهَا: العَمدُ العُدوانُ، فلا قِصاصَ في غَيرِه) كالخَطأ، إجماعًا؛ لأنَّه لا يوجِب القِصاصَ في النَّفسِ، وهي الأَصلُ، ففِيمَا دُونَها أولى، ولا في شِبهِ العَمدِ، خلافًا لأبي بكرٍ، وابنِ أبي مُوسى. الشرطُ (الثاني: إمكانُ الاستِيفَاءِ) أي: استيفَاءِ القِصَاصِ فيما دُونَ النَّفسِ (بلا حَيفٍ؛ بأن يَكونَ القَطعُ مِن مَفصِلٍ، أو يَنتَهي إلى حَدٍّ، كمارِنِ الأَنفِ، وهو ما لانَ مِنه)، أي: الأنفِ، دُونَ القَصَبَةِ. (فلا قِصَاصَ في جائِفَةٍ) أي: جُزحٍ واصِل إلى باطِنِ الجَوفِ. (ولا) قِصاصَ في (قَطعِ القَصَبَةِ) أي: قصبَةِ أنفٍ (أو قَطعِ بَعضِ ساعِدٍ، أو) قَطعِ بَعضِ (عَضُدٍ، أو) قَطعِ بَعضٍ (سَاقٍ، أو) قَطعِ بَعضِ (وَرْكٍ) لأنَّه لا يُمكِنُ الاستيفاءُ مِنها بلا حَيفٍ، بل ربَّما أخِذَ أكثرُ مِن الفَائِتِ، أو يَسرِي إلى غضوٍ آخرَ، أو إلى النَّفسِ، فيُمنَعُ مِنهُ.

стр. 1563

فإنْ خَالَفَ فاقْتَصَّ بقَدْرِ حَقِّهِ ولَمْ يسر، وَقَعَ المَوْقِعَ، ولَمْ يَلْزَمْه شَيءٌ. الثالِثُ: المَسَاواةُ في الاسْمِ، فلا تُقْطَعُ اليَدُ بالرِّجْلِ، وعَكْسُه، وفي المَوضِعِ: فلا تُقْطَعُ اليَمِينُ بالشِّمَالِ، وعَكْسُه. الرابِعُ: مُراعَاةُ الصِّحَّةِ والكَمَالِ. فلا تُؤخَذُ كامِلَةُ الأصابِعِ والأظفارِ بنَاقِصَتِهَا، وإن قَطَعَ يدَهُ مِن الكُوعِ، فتآكَلَت إلى نِصفِ الذِّراعِ، فلا قَوَدَ؛ اعتبارًا بالاستِقرَارِ. قاله القاضي وغيرُه. وقدَّمه في "الرعايتين"، وصحَّحه الناظِمُ، وجزمَ به في "الإقناع" (١). (فإن خالَفَ فاقتصَّ بقَدرِ حقِّهِ ولم يَسرِ، وقَعَ الموقِعَ، ولم يَلزَمْهُ شيءٌ) لاستيفائِهِ حقَّه بلا حَيفٍ. الشرطُ (الثالِثُ: المساوَاةُ في الاسمِ) كالعَينِ بالعَينِ، والأنفِ بالأَنْفِ، والأُذُنِ بالأُذُنِ، والسنِّ بالسنِّ؛ للآية. (فلا تُقطَعُ اليدُ بالرِّجلِ، وعَكسُه) فلا تُقطَعُ الرِّجلُ باليَدِ. (و) المساواةُ (في الموضِعِ). (فلا تُقطَعُ اليَمينُ بالشِّمَالِ، وعَكسُه) أي (٢): الشِّمالُ باليَمينِ. الشرطُ (الرابِعُ: مُراعَاةُ الصحَّةِ والكَمالِ). (فلا تؤخَذُ) يَدٌ أو رِجْلٌ (كامِلَةُ الأصابعِ والأظفَارِ، بناقِصَتِها) رَضِي الجاني بذلِكَ أوْ لا.

стр. 1564

ولا عَيْنٌ صَحِيحَةٌ بقَائِمَةٍ، ولا لِسَانٌ نَاطِقٌ بأخْرَسَ، ولا صَحِيحٌ بأَشَلَّ، مِن يدٍ ورِجْلٍ وأُصْبُعٍ وذكرٍ، ولا ذَكَرُ فَحْلٍ بِذَكَرِ خَصِيٍّ، ويُؤخَذُ مَارِنٌ صَحِيحٌ بِمَارِنٍ أشَلَّ، وأُذُنٌ صَحِيحةٌ بأُذُنٍ شَلَّاءَ. (ولا عَينٌ صَحيحَةٌ بقائِمَةٍ. ولا) يؤخَذُ (لِسان ناطِقٌ بأخرَسَ. ولا) يُؤخَذُ (صَحيحٌ بأَشلَّ، مِن يَدٍ ورِجلٍ وأُصبُعٍ وذَكَرِ). (ولا) يُؤخَذُ (ذَكَرُ فَحْلٍ بذَكرِ خَصيٍّ) أَو ذَكرِ عِنِّينٍ؛ لأنَّه لا مَنفعَةَ فِيهِما. (ويُؤخَذُ مارِنٌ صحيحٌ بمارِنٍ أشلَّ) لأنَّ العلَّةَ في الدِّماغِ، والأنفُ صحيحٌ. (و) يُؤخَذُ (أُذُنٌ صحيحةٌ بأُذُنٍ شلَّاءَ) لأنَّ العُضوَ صحيحٌ، ومقصودُهُ الجَمالُ لا السَّمعُ، وذهابُ السمعِ لنَقصٍ في الرَّأسِ؛ لأنَّه محلُّه، وليصرَ بنَقصٍ في الأُذُنِ. * * *

стр. 1565

فَصْلٌ ويُشْتَرطُ لِجَوازِ القِصَاصِ في الجُرُوحِ انْتِهَاؤُهَا إلَى عَظْمٍ، كَجَرحِ العَضُدِ والسَّاعِدِ والفَخِذِ والسَّاقِ والقَدَمِ، وكالمُوضِحَةِ، والهَاشِمَةِ، والمنقِّلةِ، والمَأْمُومةِ. وسِرَايَةُ القِصَاصِ هَدَرٌ، وسِرَاية الجِنَايَةِ مَضْمُونَةٌ، (فَصلٌ) (ويُشتَرَطُ لجَوازِ القِصاصِ في الجُروحِ انتِهاؤُها إلى عَظمٍ، كجَرحِ العَضُدِ، والسَّاعِدِ، والفَخِذِ، والسَّاقِ، والقَدَمِ، وكالمُوضِحَةِ (١)) في رأسٍ ووَجهٍ (والهاشِمَةِ، والمُنَقِّلَةِ، والمأمُومَةِ). (وسِرَايَةُ القِصاصِ، هَدَرٌ) أي: غَيرُ مَضمُونَةٍ؛ لقولِ عمرَ وعليٍّ: مَن ماتَ مِن حَدٍّ أو قِصاصٍ، لا دِيَةَ له، الحقُّ قَتلَهُ. رواهُ سعيدٌ (٢) بمعناه. ولأنَّه قَطْعٌ بحقٍّ، فكمَا أنَّه غيرُ مَضمُونٍ، فكذَا سِرَايَتُه، كقَطعِ السَّارِقِ. (وسِرايَةُ الجِنايَةِ مَضمُونَةِ) في النَّفسِ فما دُونها، فلو قَطَعَ إصبَعًا، فتآكَلَت أُخرَى، أو اليَدُ، وسقَطَت مِن مَفصِلٍ، فالقَوَدُ فيما سقَطَت، وفيما شُلَّ الأَرشُ؛ لعدَمِ إمكانِ القِصاصِ في الشَّلَلِ. وإن سَرَت في النَّفسِ، فالقَوَدُ (٣) أو الدِّيَةُ

стр. 1566

مَا لَمْ يَقْتَصَّ رَبُّهَا قَبْلَ بُرْئِه فهَدَرٌ أيضًا. كامِلَةٌ (١) (ما لم يَقتَصَّ ربُّهَا قَبلَ بُرئِهِ، فهَدَرٌ أيضًا) لما روَى عَمرو بنُ شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ رجُلًا طعَنَ رجُلًا بقَرنٍ في رُكبَتِه، فجاءَ إلى النبيِّ ﷺ فقال: أقِدني، فقالَ: "حتى تَبرَأَ". ثم جاءَ إليه، فقالَ: أَقِدني. فأقادَهُ، ثمَّ جاءَ إليهِ فقال: يا رسولَ اللهِ، عَرِجْتُ. فقالَ: "قد نَهيتُكَ فعَصَيتَني، فأبعدَكَ اللهُ، وبَطَلَ عَرَجُكَ". ثم نهَى رسولُ الله ﷺ أن يُقتَصَّ مِن جُرحٍ حتى يَبرَأَ صاحِبُه. رواهُ أحمدُ، والدَّارَقُطني (٢). ولأنَّه باقتِصَاصِه قَبلَ الاندِمَالِ رَضِيَ بِتَركِ ما يَزيدُ عَليهِ بالسِّرايَةِ، فبَطَلَ حقُّهُ مِنهُ.

стр. 1567

كِتابُ الدِّيَاتِ مَنْ أتْلَفَ إنْسَانًا، أوْ جُزْءًا مِنْهُ، بِمُباشَرَةٍ أو سَبَبٍ، إنْ كَانَ عَمْدًا، فالدِّيَةُ فِي مَالِهِ، (كِتابُ الدِّيَاتِ) جمعُ دِيَةٍ، وهي مصدرٌ، مُخفَّفَةٌ، وأصلُهَا: وَدْيٌ، والهاءُ بدَلٌ مِن الوَاوِ، كالعِدَةِ مِن الوَعْدِ، والزِّنَةِ مِن الوَزنِ، يُقالُ: وَدَيتُ القَتيلَ أديهِ دِيَةً: إذا أعطَيتَ دَيَتَه. وشَرعًا: المالُ المؤدَّى إلى مَجنيٍّ عَليهِ، أو وَليِّهِ بسَببِ جِنايَةٍ. وأجمعُوا على وجوبِ الدِّيَةِ في الجملَةِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]. وحديثِ النَّسائيِّ، ومالكٍ في "الموطأ" (١): أنَّه ﵇ كتَبَ إلى عَمرِو بنِ حَزمٍ كِتابًا إلى أهلِ اليَمَنِ، فيه الفَرائِضُ، والسُّنَنُ، والدِّياتُ. وقال فيه: "وفي النَّفسِ مائةٌ مِن الإبِلِ". قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: وهو كِتابٌ مَشهورٌ عندَ أهلِ السِّيَرِ، وهو مَعروفٌ عندَ أهلِ العِلمِ معرفةً يُستَغني بها (٢) عن الإسنادِ؛ لأنَّه أشبَهَ المتواتِرَ في مَجيئِهِ في أحاديثَ كثيرَةٍ (٣). (مَن أتلَفَ إنسَانًا) مُسلِمًا أو ذِميًّا، ذكَرًا أو أُنثى، (أو) أتلَفَ (جُزءًا مِنهُ، بمُبَاشَرَةٍ) لإتلافِه، (أو سَبَبٍ) كشَهادَةٍ عليه، أو إكراهٍ على قَتلِه، أو حَفرِ بِئرٍ تَعدِّيًا (٤) (إن كانَ عَمدًا، فالدِّيَةُ في مالِهِ) أي: الجَاني.

стр. 1568

وإنْ كَانَ غيرَ عَمْدٍ، فعَلَى عاقِلَتِه. ومَن حفَرَ -تَعَدِّيًّا- بِئْرًا قَصِيرةً، فعَمَّقَهَا آخَرُ، فضَمَانُ تَالِفٍ بَيْنَهُمَا، وإِنْ وَضَعَ ثالِثٌ سِكِّينًا، فأَثْلاثًا. وإنْ وَضَعَ وَاحِدٌ حَجَرًا -تَعَدِّيًّا- (وإن كانَ غَيرَ عَمدٍ) أي: غَيرَ العَمدِ، وهو الخَطأُ وشِبهُ العَمدِ، (فعَلَى عاقِلَتِه) مُؤجَّلَةً ثلاثَ سِنين، كما سيأتي، لحديث أبي هريرةَ: اقتَتَلَت امرأتَانِ مِن هُذيلٍ، فرَمَت إحداهُما الأُخرَى بحَجَرٍ، فقَتَلَتهَا وما في بطنِها، فقضى رسولُ الله ﷺ ، بديَةِ المرأَةِ على عاقِلَتها. متفق عليه (١). والحِكمَةُ في ذلِك: أنَّ جِنايَاتِ الخَطأ تَكثُرُ، ودِيةُ الآدميِّ كثيرَةٌ، فإيجابُها على الجاني في مالِه يُجحِفُ به، فاقتَضَت الحِكمَةُ إيجابَها على العاقِلَةِ على سبيلِ المواساةِ للقاتِلِ، والإعانَةِ له (٢) تخفيفًا؛ لأنَّه مَعذورٌ (٣). (ومَن حفَرَ -تَعدِّيًا- بِئرًا) كفِي طَريقٍ ضيِّقٍ (قَصيرَةً) وكانَت ذِراعًا. (فعمَّقَها آخَرُ) تَعدِّيًا، (فضمانُ تالِفٍ) بسُقوطِهِ فيها (بَينَهُما) لحصُولِ السَّببِ منهُما. (وإن وضَعَ ثالِث سِكِّينًا) أو نحوَها، فوقَعَ فيها شخصٌ على السِّكِّين فماتَ، (فـ) ــعلَى عواقِلِ الثلاثةِ الدِّيَةُ (أثلاثًا) نصًا؛ لأنَّهم تسبَّبُوا في قَتلِه. (وإن وضَعَ واحِدٌ حَجَرًا) أو نحوه (٤) ككيسٍ فيه دَراهِمُ (تَعدِّيًا) أي: الحافِرُ

стр. 1569

فعَثَرَ فِيهِ إنْسَانٌ، فوَقَعَ في البِئْرِ، فالضَّمَانُ عَلَى وَاضِعِ الحَجَرِ، كَالدَّافِعِ. وإِنْ تَجَاذَبَ حُرَّانِ مُكَلَّفَانِ حَبْلًا، فانْقَطَعَ، فَسَقَطَا مَيِّتَيْنِ، فعَلَى عاقِلَةِ كلٍّ دِيَةُ الآخَرِ، وإنْ اصْطَدَمَا فَكَذَلكَ. ومَنْ أرْكَبَ صَغِيريْنِ لا وِلايَةَ لَهُ علَى واحِدٍ مِنْهُمَا، فاصْطَدَمَا فماتَا، فَدِيَّتُهُمَا مِن مَالِه. وَمَنْ أرْسَلَ صَغِيرًا لِحَاجَةٍ، فأَتْلَفَ وواضِعُ الحَجَرِ (فعثَرَ فيه إنسانٌ، فوقَعَ في البئرِ، فالضَّمانُ على واضِعِ الحَجَرِ) ونحوِه دُونَ الحافِرِ؛ لأنَّ الحجَرَ أو نحوَه (كالدَّافِعِ) ولأنَّ الحافِرَ لم يَقصِد بذلِكَ القَتلَ لمُعيَّنٍ (١) عادَةً، بخلافِ المكرَه. (وإن تجاذَبَ حُرَّانِ مُكلَّفَانِ حَبلًا) أو نحوَه كثَوبٍ، (فانقَطَعَ) الحبلُ ونحوُهُ (فسَقَطَا مَيِّتَينِ، فعَلَى عاقِلَةِ كُلٍّ) مِنهُمَا (دِيَةُ الآخَرِ) سواءٌ انكبَّا، أو استَلقَيا، أو انكبَّ أحدُهما واستَلقَى (٢) الآخرُ، لتَسبُّبِ كُلِّ مِنهُما في قَتلِ الآخَرِ. (وإن اصطَدَمَا فكذلِكَ) على عاقِلَةِ كُلِّ مِنهما دِيةُ الآخَرِ. (ومَن أركَبَ صَغيرَينِ لا وِلايَةَ لهُ على واحِدٍ مِنهُما، فاصطَدَما، فمَاتَا، فدِيَتُهُما) وما تَلِفَ لهما (٣) (مِن مالِه) أي: المُركِبِ لَهُما، لتعدِّيه بذلِكَ، فهو سببٌ للقتل. (ومَن أرسَلَ صَغيرًا لحاجَةٍ) ولا ولايَةَ لهُ عليه (فأتلَفَ) الصغيرُ في إرسالِه

стр. 1570

نَفْسًا أوْ مَالًا، فالضَّمَانُ عَلَى مُرْسِلِهِ. ومَنْ أَلْقَى حَجَرًا، أوْ عِدْلًا مَمْلُوءًا بسَفِينةٍ، فغَرِقَتْ، ضَمِنَ جَمِيعَ مَا فِيهَا. ومَن اضطُرَّ، إلَى طَعَامِ غَيْرِ مُضطَرٍّ، أوْ شَرَابِهِ، فَمَنَعَه حتَّى مَاتَ، أو أَخَذَ طَعَامَ غَيْرِه أوْ شَرَابَه وهُوَ عَاجِزٌ، أوْ أَخَذَ دَابَّتَه، أوْ مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ مِن سَبُعٍ ونَحْوِهِ، فأهْلَكَه، ضَمِنَه. (نَفسًا أو مالًا، فالضَّمانُ على مُرسِلِه). (ومَن ألقَى حَجَرًا، أو عِدلًا مملُوءًا بسَفينَةٍ، فغَرِقَت) السفينةُ بذلكَ (ضَمِنَ جميعَ ما فِيهَا) لحصُولِ التَّلَفِ بسَببِ فِعلِه، كما لو خَرَقَها. (ومَن اضطُرَّ إلى طَعامِ غَيرِ مُضطرٍّ، أو) إلى (شَرابِه، فمَنَعَهُ) ربُّهُ (حتَّى ماتَ) المضطَرّ، ضمِنَهُ ربُّ الطعامِ والشرابِ. نصًا. (أو أخَذَ طعامَ غَيرِه، أو) أخذَ (شَرابَهُ) أي: الغَيرِ (وهو) أي: المأخوذُ طعامُهُ، أو شَرابُهُ (عاجِزٌ) عن دَفعِه (أو أخَذَ دابَّتَه، أو) أخذَ مِنه (ما يَدفَعُ به عن نَفسِه) صائِلًا عليه (مِن سَبُعِ ونَحوِه (١)) كنَمِرٍ وحيَّةٍ (فأهلَكَهُ) الصائِلُ عليه (ضَمِنَهُ) الآخِذُ، لصَيرُورَتِه سَبَبًا لهلاكِه. قال في "المغني": وظاهِرُ كلامِ أحمدَ: أنَّ الدِّيةَ في مالِهِ؛ لأنَّه تعمَّدَ هذا الفِعلَ الذي يَقتُلُ مِثلُه غالبًا. وقال القاضِي: تكونُ على عاقِلَتِه؛ لأنَّه لا يُوجِبُ قصَاصًا، فهو شِبهُ عَمدٍ (٢).

стр. 1571

وإنْ مَاتَتْ حَامِلٌ أوْ حَمْلُهَا مِن رِيحِ طَعَامٍ، ضَمِنَ رَبُّهُ، إنْ عَلِمَ ذلكَ مِن عَادَتِهَا. (وإن ماتَت حامِل، أو حَملُهَا مِن رِيحِ طَعامٍ) ونحوِه ككِبرِيتٍ وعَظمٍ (ضَمِنَ ربُّهُ، إن عَلِمَ ذلِكَ) أي: أنَّها تموتُ أو يموتُ حملُها (١) مِن رِيحِ ذلِكَ (مِن عادَتِها) أي: بحَسَبِ العَادَةِ. وأنَّ الحامِلَ هُناكَ، لتسبُّبِه فيه، وإلَّا فلا إثمَ، ولا ضمانَ (٢). * * *

стр. 1572

فَصْلٌ وإنْ تَلِفَ وَاقِعٌ علَى نَائِمٍ غَيْرِ مُتَعَدٍّ بِنَوْمِهِ، فهَدَرٌ، وإنْ تَلِفَ النائِمُ، فغَيْرُ هَدَرٍ. وإنْ سَلَّمَ بَالِغٌ عَاقِلٌ نَفْسَهُ أوْ وَلَدَه إلَى سابِحٍ حَاذِقٍ لِيُعَلِّمَه، فغَرِقَ، أوْ أَمَرَ مُكَلَّفًا يَنْزِلُ بِئْرًا، أو يَصعَدُ شَجَرةً، فهَلَكَ، أوْ تَلِفَ أَجِيرٌ لِحَفْرِ بِئْرٍ، أو بِناءِ حَائِطٍ بِهَدْمٍ ونَحْوِهِ، أو أمْكَنَه إنْجَاءُ نَفْسٍ مِنْ هَلَكَةٍ، فلَمْ يَفْعَلْ، أوْ أدَّبَ وَلَدَه، أو زَوْجَتَهُ في نُشُوزٍ، أو أدَّبَ سُلْطَانٌ رَعِيَّتَه، ولَمْ يُسْرِفْ، فهَدَرٌ في الجَمِيعِ (فَصْلٌ) (إن تَلِفَ واقِعٌ على نائِمٍ غَيرِ مُتعَدٍّ بنَومِه، فهَدَرٌ) أي: فلا ضَمانَ. (وإن تَلِفَ النائِمُ، فغَيرُ هَدَرٍ) أي: فَعليهِ الضمانُ. (وإن سَلَّمَ بالِغ عاقِلٌ نفسَهُ، أو) سلَّمَ (ولدَهُ إلى سابِحِ حاذِقٍ، ليُعلِّمَه) السِّباحَةَ، (فغَرِقَ) لم يَضمَنْهُ المعلِّمُ، حيثُ لم يُفرِّط، لفِعلِهَ ما أُذِنَ فيه. (أو أمَرَ مُكلَّفًا) أو غيرَ مُكلَّفٍ (يَنزِلُ بِئرًا، أو يَصعَدُ شجَرَةً، فهلَكَ) به، أي: نُزولِ البِئرِ، أو صُعودِ الشَّجَرَةِ، لم يَضمَنْه. (أو تَلِفَ أَجيرٌ لحَفرِ بِئرٍ، أو بِناءِ حائِطٍ بهَدْمٍ ونحوِه، أو أمكَنَهُ إنجاءُ نَفسٍ مِن هلَكَةٍ، فلم يَفعَل، أو أدَّبَ ولدَه، أو) أدَّبَ (زوجَتَهُ في نُشُوزٍ، أو أدَّبَ سُلطَانٌ رعيَّتَه، ولم يُسرِف) أي: يَزِدْ على الضَّربِ المعتَادِ فِيهِ، لا في عَدَدٍ ولا شِدَّةٍ، فتَلِفَ المؤدَّبُ بذَلِكَ (فهَدَرٌ في الجميعِ) لفِعلِه ما لَهُ فِعلُهُ شَرعًا بلا تَعدٍّ، أشبَهَ سِرَايَةَ

стр. 1573

وإنْ أسْرَفَ، أوْ زَادَ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ المَقْصُودُ، أوْ ضَرَبَ مَن لا عَقْلَ لَهُ مِن صَبِيٍّ، أوْ غَيْرِهِ، ضَمِنَ. ومَنْ نَامَ عَلَى سَقْفٍ فَهَوَى بِهِ، لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِسُقُوطِهِ. القَوَدِ والحَدِّ. (وإنْ أسرَفَ) المؤدِّبُ (أو زَادَ على ما يحصُلُ بهِ المقصُودُ) فتَلِفَ بسبَبِه، ضَمِنَه، لتعدِّيه بالإسرَافِ. (أو ضَرَبَ مَن لا عَقْلَ لهُ مِن صَبيٍّ) لم يُميِّز (أو غَيرِه) مِن مجنُونٍ ومَعتُوهٍ، فتَلِفَ، (ضَمِنَ) لأنَّ الشرعَ لم يأذَن في تَأدِيبِ مَن لا عَقلَ لَهُ؛ لأنَّه لا فائِدَةَ في تأدِيبِه. (ومَن نامَ على سَقفٍ، فهوَى به) أي: سَقَطَ (لم يَضمَن ما تَلِفَ بسُقُوطِه) لأنَّه ليسَ مِن فِعلِه، بخلافِ مُكثِه وانتِقالِه، لتَلَفِه بِسَبَبِه. * * *

стр. 1574

فَصْلٌ فِي مَقَادِيرِ دِياتِ النَّفْسِ دِيَةُ الحُرِّ المُسْلِمِ -طِفْلًا كَانَ أوْ كَبِيرًا- مِائةُ بَعِيرٍ، أوْ مِائتَا بَقَرةٍ، أوْ ألفَا شَاةٍ، أوْ ألْفُ مِثْقالِ ذَهَبٍ، أو اثَنَا عشرَ ألْفَ دِرْهَمِ فِضَّةٍ. ودِيَةُ الحُرَّةِ المُسْلِمَةِ علَى النِّصْفِ مِن ذَلِكَ. ودِيَةُ الكِتَابِيِّ الحُرِّ كَدِيَةِ الحُرَّةِ المُسْلِمَةِ، (فَصلٌ في مَقادِيرِ دِياتِ النَّفسِ) المقَادِيرُ: جمعُ مِقدَار، وهو مَبلغ الشيءِ، وقَدرُهُ. (دِيَةُ الحُرِّ المُسلِمِ -طِفلًا كان أو كبيرًا- مائةُ بَعيرٍ، أو مائتَا بقَرَةٍ، أو ألفَا شَاةٍ، أو ألفُ مِثقَالِ ذَهَبِ، أو اثنَا عَشَرَ ألفَ دِرهَمِ فِضَّةٍ) قال القاضي: لا يختَلِفُ المذهَبُ أنَّ أصُولَ الدِّيَةِ: الإبلُ، والذَّهَبُ، والوَرِقُ، والبَقرُ، والغَنَمُ. فهذِهِ الخمسَةُ أُصولُ الدِّيَةِ، فإذا أحضَرَ مَن عَليهِ دِيَةٌ أحدَها، لَزِمَ (١) وَليَّ جِنايَةٍ قَبولُه، سَواءٌ كانَ مِن أهلِ ذلِكَ النَّوعِ، أو لم يَكن، لإجزَاءِ كُلٍّ مِنها (٢)، فالخِيَرَةُ إلى مَن وَجَبَت عليه، كخِصَالِ الكفَّارَةِ (٣). (ودِيةُ الحرَّةِ المسلِمَةِ على النِّصفِ مِن ذلِكَ). (ودِيَةُ الكتابيِّ) سَواءٌ كانَ ذِميًّا أو مُستَأمَنًا أو مُعاهَدًا، يَهوديًا أو نَصرانيًا، ومَن تديَّنَ بالتَّورَاةِ والإنجيلِ (الحُرِّ كَدِيَةِ الحُرَّةِ المسلِمَةِ) وهي نِصفُ دِيَةِ الحُرِّ

стр. 1575

ودِيَةُ الكِتابِيَّةِ عَلَى النِّصْفِ. ودِيَةُ المَجُوسِيِّ الحُرِّ ثَمانمائِةِ دِرْهَمٍ، والمَجُوسيَّةِ عَلَى النِّصْفِ. ويستوي الذَّكَرُ والأُنْثَى فِيمَا يوجِبُ دونَ ثُلثِ الدِّيَةِ، المسلِم؛ لحَديثِ عمرِو بنِ شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه مَرفُوعًا: "دَيَةُ المعاهَدِ نِصف دِيَةِ المسلِم" (١). وفي لفظٍ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قضَى بأنَّ عَقْلَ أهلِ الكِتابِ نِصفُ عَقلِ المسلِمين". رواه أحمد (٢). (ودِيَةُ الكتابيَّةِ على النِّصفِ) مِن دِيَةِ الكتابيِّ الحُرِّ. (ودِيَةُ المجوسيِّ الحُرِّ) ذِميِّ، أو مُعاهَدٍ، أو مُستَأمَنٍ (ثمانُمائةِ دِرهَمٍ. والمجوسيَّةِ على النِّصفِ) وهو أربعُمائةِ دِرهمٍ. (ويَستَوي الذَّكرُ والأُنثَى فيما يُوجِبُ دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ) لحديثِ عَمرِو بنِ شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه مرفوعًا: "عَقْلُ المرأةِ مِثلُ عَقلِ الرَّجُلِ حتَّى يَبلُغَ الثلُثَ مِن دِيَتِها ". رواهُ النسائيُّ (٣). وقال ربيعَةُ: قُلتُ لسعيدِ بنِ المسيّبِ: كَم في إصبَعِ المرأةِ؟ قال: عَشرٌ. قلتُ: ففي إصبَعَين؟ قال: عِشرون. قُلت: ففِي ثلاثِ أصابِعَ؟ قال: ثلاثُون. قُلتُ: ففِي أربَعٍ؟ قال: عِشرُون. قال: فقُلتُ: لمَّا عَظُمَت مُصيبتُها قَلَّ عَقلُها؟. قال: هكَذا السّنَّةُ يابنَ أخِي. رواهُ سعيدٌ في "سننه" (٤). ولأنَّهُما يَستَويانِ في الجَنينِ، فكذلِكَ باقِي ما دُونَ الثُّلُث.

стр. 1576

فلَوْ قَطَعَ ثَلاثَ أَصابِعَ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ، لَزِمَه تَلاثونَ بَعِيرًا، فلَوْ قَطَعَ رابِعَةً قَبْلَ بُرْءٍ، رُدَّتْ إلَى عِشْرينَ. وتُغَلَّظُ دِيَةُ قَتْلِ الخَطَأِ في كُلٍّ مِن حَرَمِ مَكَّةَ، وإحْرَامٍ، وشَهْرٍ حَرَامٍ، بالثُّلُثِ، فمَعَ اجْتِمَاعِ الثَّلاثَةِ، يَجِبُ دِيَتَانِ. وأمَّا ما يُوجِبُ الثُّلثَ فما فَوقَ، فهي فِيهِ على النصفِ مِن الذَّكر، لقَوله في الحديث: "حتَّى يبلُغَ الثُّلثَ" و"حتى" للغَايَةِ، فيجِبُ أن يكونَ ما بعدَها مُخالِفًا لما قَبلَها، ولأنَّ الثلُثَ في حدِّ الكَثرَةِ، لحديث: "والثُّلُثُ كَثيرٌ" (١). ولذلِكَ حمَلَته العاقِلَةُ. وسَواءٌ في ذلِكَ المسلِمَةُ والكِتابيَّةُ والمجوسيَّةُ وغيرُهُما. وإليه أشارَ بقَوله: (فلو قَطَعَ ثلاثَ أصاجَ حُرَّةٍ مُسلِمَةٍ، لَزِمَهُ ثلاثونَ بَعيرًا، فلو قطَعَ رابِعَةً قبلَ بُرءٍ، رُدَّت إلى عِشرين). (وتُغلَّظُ دِيةُ قتلِ الخَطأ) وقَعَ (في كُلٍّ مِن حَرَمِ مكَّةَ، وإحرَامِ، وشَهرٍ حرَامٍ، بالثُّلُثِ) من الدِّيةِ. نصًا. وهو مِن المفرَدَاتِ، لما رَوَى ابنُ أبيَ نَجيحٍ أنّ امرأةً وُطِئَت في الطَّوافِ، فقضَى عُثمانُ فيها بستَّةِ آلافٍ، وألفَينِ تَغليظًا للحَرَمِ (٢). وعن ابنِ عبَّاسٍ في رجُلٍ قُتِلَ في الشَّهرِ الحرامِ، وفي البلَدِ الحرامِ: دِيَتُه: اثنا عشرَ ألفًا، وللشَّهرِ الحرامِ: أربَعةَ آلافٍ، وللبَلدِ الحرَامِ: أربعةَ آلافٍ (٣). وهذا في مَظِنَّةِ الشُّهرَةِ، ولم يُنكَر (فمَعَ اجتِماعِ الثلاثَةِ، يجِبُ دِيَتَان).

стр. 1577

وإنْ قَتَلَ مُسْلِمٌ كَافِرًا عَمْدًا، أُضعِفَتْ دِيَتُهُ. وَدِيَةُ الرَّقِيقِ قِيمَتهُ، قُلَّتُ أوْ كَثُرَتْ. قال في "الشرح": وظاهِرُ كلامِ الخرقيِّ: أنَّ الدِّيةَ لا تُغلَّظُ بشَيءٍ من ذلِكَ، وهو ظاهِرُ الآيةِ والأخبارِ. وعُلِمَ منه: أنَّه لا تَغليظَ (١) في القَتلِ عَمدًا، ولا في قَطعِ طَرَفٍ. ولعلَّ المرادَ بالخَطَأ هُنا: ما يَعمُّ شِبهَ العَمدِ (٢). (وإن قَتلَ مُسلِمٌ كَافِرًا عَمْدًا) -لا خَطأً ونحوَه- ذميًّا أو مُعاهَدًا، (أُضعِفَت دِيَتُه) أي: الكافِرِ على المُسلِمِ؛ لإزالَةِ القَوَدِ. قضَى به عُثمانُ رضى الله تعالى عنه. رواهُ عنه أحمدُ (٣). فظاهِرُه: لا أضعَافَ في جِرَاحَةٍ. وفي "الوجيز": يُضعَّفُ. ولم يتعرَّض له في "الإنصاف" (٤). (ودِيةُ الرَّقيقِ) ذَكَرًا أو أُنثَى أو خُنثَى، صَغيرًا أو كبيرًا، ولو مُدبَّرًا، أو أُمَّ ولَدٍ، أو مُكاتَبًا (قِيمَتُه (٥)) عَمدًا كانَ القَتلُ أو خَطأً، مِن حُرٍّ أو غَيرِه (قَلَّتْ، أو كَثُرَت) ولو كانَت قِيمَتُه فوقَ دِيَةِ الحُرِّ؛ لأنَّه ماذ مُتقوَّمٌ، فضمِنَ بكَمالِ قِيمَتِه. وضَمانُ الحُرِّ ليسَ بضَمانِ مالٍ، ولذلِكَ لم يختَلِف باختِلافِ صِفاتِه التي تَزيدُ بها قِيمَتُه لو كانَ قنًا، وإنَّما يُضمَن بما قدَّرَه الشَّرعُ. وضَمانُ القِنِّ ضَمانُ مالٍ، يزيدُ بزيادَةِ

стр. 1578

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الماليَّةِ، وينقُصُ بنُقصَانِها. وفي جِراحَةِ القِنِّ، إن قُدِّرَ مِن حُرٍّ، بِقِسطِهِ مِن قِيمَتِه، ففِي لِسانِه قِيمَتُه كاملَةً، وفي يدِه نِصفُها، وفي مُوضِحَتِه نِصفُ عُشرِ قِيمَتِه، سواءٌ نقَصَ بجنايته أقَلُّ أو أكثَرُ مِنه، وإلَّا يَكُن فيه مُقدَّرٌ مِن الحُرِّ، كالعُصْعُصِ، وخَرَزَةِ الصُّلْبِ، فعلَى جَانٍ ما نقَصَه بجِنايَيه بعدَ بُرئِها؛ لأنَّ الأرشَ جَبرٌ لما فاتَهُ بالجِنايَةِ، وقد انجَبَرَ بذلك، فلا يُزادُ عليه، كغَيرِه من الحيوانَاتِ. وفي مُنصَّفٍ (١)، أي: مَن نِصفُهُ حرٌّ، ونِصفُهُ رقيقٌ، إذا قُتِلَ، نِصفُ دِيَةِ حُرٍّ، ونِصفُ قِيمَتِه، وكذَا جِراحُهُ مِن طرَفٍ وغَيرِه.

стр. 1579

فَصْلٌ ومَنْ جَنَى عَلَى حَامِلٍ فأَلْقَتْ جَنِينًا حُرًّا مُسْلِمًا، ذَكَرًا كَانَ أوْ أُنْثَى، فَدِيَتُهُ غُرَّةٌ قِيمَتُهَا عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ، وهِي خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ. والغُرَّةُ: هِي عَبدٌ أَوْ أَمَةٌ (فَصلٌ) (ومَن جَنى على حامِلِ، فألقَت جَنينًا) والجَنينُ: الولَدُ الذي (١) في البَطنِ. مِن الإجنَان، وهو السَّتْرُ؛ لأنَّهَ أجنَّهُ بَطنُ أُمِّه، أي: سَتَرَه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] (حُرًّا مُسلِمًا، ذكَرًا أو أُنثَى، فدِيَتُهُ غُرَّةٌ قِيمَتُها) أي: الغُرَّةِ (عُشرُ ديَةِ أُمِّه). (وهي) أي: الغُرَّةُ: (خمسٌ مِن الإبِلِ) وذلِكَ نِصف عُشرِ الدِّيةِ، رُوِيَ ذلك عن عمرَ وزَيدٍ؛ ولأنَّه أقلّ ما قدَّرَه الشَّرعُ في الجِنايَةِ. (والغُرَّةُ: هي (٢) عبدٌ أو أمَةٌ) بدَلٌ مِن "غُرَّة"، وأصلُها: الخِيارُ. سُمِّيَ بها العَبدُ والأمَةُ؛ لأنَّها مِن أنفَسِ الأموَالِ. ووَجهُ وجُوبِ الغُرَّةِ في الجَنين: حديثُ أبي هريرةَ قال: اقتَتَلَت امرأتانِ مِن هُذيلٍ، فرَمت إحداهُما الأخرى بحجَرٍ، فقتَلَتْها، وما في بَطنِها، فاختَصمُوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقَضَى: أنَّ دِيةَ جَنينِها عبدٌ أو أمَةٌ، وقضَى بدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها، ووَرِثَها ولدُها ومَن مَعَهُ. متفق عليه (٣).

стр. 1580

وتَتَعَدَّدُ الغُرَّةُ بتَعدُّدِ الجَنينِ. ودِيَة الجَنِينِ الرَّقِيقِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ. وَدِيَةُ الجَنِينِ المَحْكُومِ بكُفْرِه غُرَّةٌ قِيمتهَا عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ. وإِنْ ألْقَتِ الْجَنِينَ حَيًّا لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِه، وفوَ نِصْفُ سَنَةٍ فَصَاعِدًا، ففِيهِ مَا في الحَيِّ، فإنْ كانَ حرًّا، ففِيهِ دِيَةٌ كامِلَةٌ، وإنْ كَانَ رَقِيقًا، فقَيمَتُه. وَإنْ اخْتَلَفَا في خُرُوجِه حَيًّا أوْ مَيِّتًا، فقَوْلُ الجَانِي. (وتَتعدَّدُ الغُرَّةُ بتَعدُّدِ الجَنينِ). (ودِيَةُ الجَنينِ الرَّقيقِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه) نَقدًا (ودِيَةُ الجَنينِ المحكُومِ بكُفرِه غُرَّة قِيمَتُها عُشرُ دِيةِ أُمِّه) قياسًا على جَنينِ الحرَّةِ المسلمَةِ. (وإن ألقَت الجنينَ حيًّا لوَقتٍ يَعيشُ لمثلِه، وهو نِصفُ سَنَةٍ فصاعِدًا، ففِيهِ ما في الحيِّ، فإن كانَ حُرًا، ففِيهِ دِيةٌ كاملةٌ، وإن كانَ رقيقًا، فقِيمَتُه). (وإن اختَلَفَا) أي: الجاني ووَارِثُ الجَنينِ (في خُرُوجِه) أي: الجَنينِ (حيًّا أو ميِّتًا) بأنْ قالَ الجاني: سقَطَ مَيِّتًا، ففِيه الغُرَّةُ. وقال الوَارِثُ: بل حيًا ثمَّ ماتَ. ففِيهِ الدِّيةُ. ولا بَيِّنَةَ لواحِدٍ مِنهُما (فقَولُ الجاني) بيَمِينِه؛ لأنَّه مُنكِرٌ لما زادَ على الغُرَّةِ، والأصلُ براءَتُه مِنهُ. وإن أقامَا بيِّنتَينِ بذلِكَ، قُدِّمَت بيِّنَةُ الأُمِّ. وإن ثَبَتَت حياتُه، وقالَت: لوَقتٍ يَعيشُ لمثلِه (١)، وأنكَرَ جانٍ، فقولُها. وإن ادَّعَت امرأةٌ على آخَرَ أنَّه ضرَبَها، فألقَت جنينَها، فأنكَرَ الضَّربَ، فقَولُهُ بيَمينِه؛ لأنَّ الأصلَ عدمُه.
следующие страницы →