فلَوْ قَطَعَ ثَلاثَ أَصابِعَ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ، لَزِمَه تَلاثونَ بَعِيرًا، فلَوْ قَطَعَ رابِعَةً قَبْلَ بُرْءٍ، رُدَّتْ إلَى عِشْرينَ.
وتُغَلَّظُ دِيَةُ قَتْلِ الخَطَأِ في كُلٍّ مِن حَرَمِ مَكَّةَ، وإحْرَامٍ، وشَهْرٍ حَرَامٍ، بالثُّلُثِ، فمَعَ اجْتِمَاعِ الثَّلاثَةِ، يَجِبُ دِيَتَانِ.
وأمَّا ما يُوجِبُ الثُّلثَ فما فَوقَ، فهي فِيهِ على النصفِ مِن الذَّكر، لقَوله في الحديث: "حتَّى يبلُغَ الثُّلثَ" و"حتى" للغَايَةِ، فيجِبُ أن يكونَ ما بعدَها مُخالِفًا لما قَبلَها، ولأنَّ الثلُثَ في حدِّ الكَثرَةِ، لحديث: "والثُّلُثُ كَثيرٌ" (١). ولذلِكَ حمَلَته العاقِلَةُ. وسَواءٌ في ذلِكَ المسلِمَةُ والكِتابيَّةُ والمجوسيَّةُ وغيرُهُما. وإليه أشارَ بقَوله: (فلو قَطَعَ ثلاثَ أصاجَ حُرَّةٍ مُسلِمَةٍ، لَزِمَهُ ثلاثونَ بَعيرًا، فلو قطَعَ رابِعَةً قبلَ بُرءٍ، رُدَّت إلى عِشرين).
(وتُغلَّظُ دِيةُ قتلِ الخَطأ) وقَعَ (في كُلٍّ مِن حَرَمِ مكَّةَ، وإحرَامِ، وشَهرٍ حرَامٍ، بالثُّلُثِ) من الدِّيةِ. نصًا. وهو مِن المفرَدَاتِ، لما رَوَى ابنُ أبيَ نَجيحٍ أنّ امرأةً وُطِئَت في الطَّوافِ، فقضَى عُثمانُ فيها بستَّةِ آلافٍ، وألفَينِ تَغليظًا للحَرَمِ (٢). وعن ابنِ عبَّاسٍ في رجُلٍ قُتِلَ في الشَّهرِ الحرامِ، وفي البلَدِ الحرامِ: دِيَتُه: اثنا عشرَ ألفًا، وللشَّهرِ الحرامِ: أربَعةَ آلافٍ، وللبَلدِ الحرَامِ: أربعةَ آلافٍ (٣). وهذا في مَظِنَّةِ الشُّهرَةِ، ولم يُنكَر (فمَعَ اجتِماعِ الثلاثَةِ، يجِبُ دِيَتَان).
стр. 1577
وإنْ قَتَلَ مُسْلِمٌ كَافِرًا عَمْدًا، أُضعِفَتْ دِيَتُهُ.
وَدِيَةُ الرَّقِيقِ قِيمَتهُ، قُلَّتُ أوْ كَثُرَتْ.
قال في "الشرح": وظاهِرُ كلامِ الخرقيِّ: أنَّ الدِّيةَ لا تُغلَّظُ بشَيءٍ من ذلِكَ، وهو ظاهِرُ الآيةِ والأخبارِ.
وعُلِمَ منه: أنَّه لا تَغليظَ (١) في القَتلِ عَمدًا، ولا في قَطعِ طَرَفٍ. ولعلَّ المرادَ بالخَطَأ هُنا: ما يَعمُّ شِبهَ العَمدِ (٢).
(وإن قَتلَ مُسلِمٌ كَافِرًا عَمْدًا) -لا خَطأً ونحوَه- ذميًّا أو مُعاهَدًا، (أُضعِفَت دِيَتُه) أي: الكافِرِ على المُسلِمِ؛ لإزالَةِ القَوَدِ. قضَى به عُثمانُ رضى الله تعالى عنه. رواهُ عنه أحمدُ (٣).
فظاهِرُه: لا أضعَافَ في جِرَاحَةٍ. وفي "الوجيز": يُضعَّفُ. ولم يتعرَّض له في "الإنصاف" (٤).
(ودِيةُ الرَّقيقِ) ذَكَرًا أو أُنثَى أو خُنثَى، صَغيرًا أو كبيرًا، ولو مُدبَّرًا، أو أُمَّ ولَدٍ، أو مُكاتَبًا (قِيمَتُه (٥)) عَمدًا كانَ القَتلُ أو خَطأً، مِن حُرٍّ أو غَيرِه (قَلَّتْ، أو كَثُرَت) ولو كانَت قِيمَتُه فوقَ دِيَةِ الحُرِّ؛ لأنَّه ماذ مُتقوَّمٌ، فضمِنَ بكَمالِ قِيمَتِه. وضَمانُ الحُرِّ ليسَ بضَمانِ مالٍ، ولذلِكَ لم يختَلِف باختِلافِ صِفاتِه التي تَزيدُ بها قِيمَتُه لو كانَ قنًا، وإنَّما يُضمَن بما قدَّرَه الشَّرعُ. وضَمانُ القِنِّ ضَمانُ مالٍ، يزيدُ بزيادَةِ
стр. 1578
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الماليَّةِ، وينقُصُ بنُقصَانِها.
وفي جِراحَةِ القِنِّ، إن قُدِّرَ مِن حُرٍّ، بِقِسطِهِ مِن قِيمَتِه، ففِي لِسانِه قِيمَتُه كاملَةً، وفي يدِه نِصفُها، وفي مُوضِحَتِه نِصفُ عُشرِ قِيمَتِه، سواءٌ نقَصَ بجنايته أقَلُّ أو أكثَرُ مِنه، وإلَّا يَكُن فيه مُقدَّرٌ مِن الحُرِّ، كالعُصْعُصِ، وخَرَزَةِ الصُّلْبِ، فعلَى جَانٍ ما نقَصَه بجِنايَيه بعدَ بُرئِها؛ لأنَّ الأرشَ جَبرٌ لما فاتَهُ بالجِنايَةِ، وقد انجَبَرَ بذلك، فلا يُزادُ عليه، كغَيرِه من الحيوانَاتِ.
وفي مُنصَّفٍ (١)، أي: مَن نِصفُهُ حرٌّ، ونِصفُهُ رقيقٌ، إذا قُتِلَ، نِصفُ دِيَةِ حُرٍّ، ونِصفُ قِيمَتِه، وكذَا جِراحُهُ مِن طرَفٍ وغَيرِه.
стр. 1579
فَصْلٌ
ومَنْ جَنَى عَلَى حَامِلٍ فأَلْقَتْ جَنِينًا حُرًّا مُسْلِمًا، ذَكَرًا كَانَ أوْ أُنْثَى، فَدِيَتُهُ غُرَّةٌ قِيمَتُهَا عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ، وهِي خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ.
والغُرَّةُ: هِي عَبدٌ أَوْ أَمَةٌ
(فَصلٌ)
(ومَن جَنى على حامِلِ، فألقَت جَنينًا) والجَنينُ: الولَدُ الذي (١) في البَطنِ. مِن الإجنَان، وهو السَّتْرُ؛ لأنَّهَ أجنَّهُ بَطنُ أُمِّه، أي: سَتَرَه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] (حُرًّا مُسلِمًا، ذكَرًا أو أُنثَى، فدِيَتُهُ غُرَّةٌ قِيمَتُها) أي: الغُرَّةِ (عُشرُ ديَةِ أُمِّه).
(وهي) أي: الغُرَّةُ: (خمسٌ مِن الإبِلِ) وذلِكَ نِصف عُشرِ الدِّيةِ، رُوِيَ ذلك عن عمرَ وزَيدٍ؛ ولأنَّه أقلّ ما قدَّرَه الشَّرعُ في الجِنايَةِ.
(والغُرَّةُ: هي (٢) عبدٌ أو أمَةٌ) بدَلٌ مِن "غُرَّة"، وأصلُها: الخِيارُ. سُمِّيَ بها العَبدُ والأمَةُ؛ لأنَّها مِن أنفَسِ الأموَالِ.
ووَجهُ وجُوبِ الغُرَّةِ في الجَنين: حديثُ أبي هريرةَ قال: اقتَتَلَت امرأتانِ مِن هُذيلٍ، فرَمت إحداهُما الأخرى بحجَرٍ، فقتَلَتْها، وما في بَطنِها، فاختَصمُوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقَضَى: أنَّ دِيةَ جَنينِها عبدٌ أو أمَةٌ، وقضَى بدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها، ووَرِثَها ولدُها ومَن مَعَهُ. متفق عليه (٣).
стр. 1580
وتَتَعَدَّدُ الغُرَّةُ بتَعدُّدِ الجَنينِ.
ودِيَة الجَنِينِ الرَّقِيقِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ.
وَدِيَةُ الجَنِينِ المَحْكُومِ بكُفْرِه غُرَّةٌ قِيمتهَا عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ.
وإِنْ ألْقَتِ الْجَنِينَ حَيًّا لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِه، وفوَ نِصْفُ سَنَةٍ فَصَاعِدًا، ففِيهِ مَا في الحَيِّ، فإنْ كانَ حرًّا، ففِيهِ دِيَةٌ كامِلَةٌ، وإنْ كَانَ رَقِيقًا، فقَيمَتُه.
وَإنْ اخْتَلَفَا في خُرُوجِه حَيًّا أوْ مَيِّتًا، فقَوْلُ الجَانِي.
(وتَتعدَّدُ الغُرَّةُ بتَعدُّدِ الجَنينِ).
(ودِيَةُ الجَنينِ الرَّقيقِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه) نَقدًا (ودِيَةُ الجَنينِ المحكُومِ بكُفرِه غُرَّة قِيمَتُها عُشرُ دِيةِ أُمِّه) قياسًا على جَنينِ الحرَّةِ المسلمَةِ.
(وإن ألقَت الجنينَ حيًّا لوَقتٍ يَعيشُ لمثلِه، وهو نِصفُ سَنَةٍ فصاعِدًا، ففِيهِ ما في الحيِّ، فإن كانَ حُرًا، ففِيهِ دِيةٌ كاملةٌ، وإن كانَ رقيقًا، فقِيمَتُه).
(وإن اختَلَفَا) أي: الجاني ووَارِثُ الجَنينِ (في خُرُوجِه) أي: الجَنينِ (حيًّا أو ميِّتًا) بأنْ قالَ الجاني: سقَطَ مَيِّتًا، ففِيه الغُرَّةُ. وقال الوَارِثُ: بل حيًا ثمَّ ماتَ. ففِيهِ الدِّيةُ. ولا بَيِّنَةَ لواحِدٍ مِنهُما (فقَولُ الجاني) بيَمِينِه؛ لأنَّه مُنكِرٌ لما زادَ على الغُرَّةِ، والأصلُ براءَتُه مِنهُ. وإن أقامَا بيِّنتَينِ بذلِكَ، قُدِّمَت بيِّنَةُ الأُمِّ.
وإن ثَبَتَت حياتُه، وقالَت: لوَقتٍ يَعيشُ لمثلِه (١)، وأنكَرَ جانٍ، فقولُها.
وإن ادَّعَت امرأةٌ على آخَرَ أنَّه ضرَبَها، فألقَت جنينَها، فأنكَرَ الضَّربَ، فقَولُهُ بيَمينِه؛ لأنَّ الأصلَ عدمُه.
стр. 1581
ويَجِبُ في جَنِينِ الدَّابَّةِ ما نقَصَ مِن قِيمَةِ أُمِّهِ.
وإن أقرَّ بالضَّربِ، أو قامَت به بيِّنَةٌ وأنكَرَ أن تكونَ أسقَطَت، فقولُه بيَمينِه: أنَّه لا يَعلَمُ أنَّها أسقَطَت، لا (١) على البَتِّ؛ لأنَّها (٢) على فِعلِ الغَيرِ.
وإن ثَبَتَ الإسقاطُ والضَّربُ، وادَّعَى إسقاطَها مِن غَيرِ الضَّربِ، فإن كانَت أسقَطَت عَقِبَ الضَّربِ؛ فقولُها بيَمينِها؛ إحالَةً للحُكمِ على ما يَصلُحُ أن يكونَ سبَبًا له.
وكذا لو أسقَطَت بعدَ أيَّامٍ، وكانَت مُتألِّمَةً إلى الإسقَاطِ، وإلَّا فقَولُه بيَمينِه.
(ويجبُ في جَنينِ الدَّابَّةِ ما نَقَصَ مِن قِيمَة أُمِّه) نصًا، كقَطعِ بعضِ أجزائِها. قال في "القواعد": وقِياسُهُ: جنينُ الصَّيدِ في الحرمِ والإحرام (٣).
* * *
стр. 1582
فَصْلٌ في دِيَةِ الأعْضَاءِ
مَن أتْلَفَ مَا في الإنْسَانِ مِنْهُ وَاحِدٌ، كالأنْفِ، واللِّسَانِ، والذَّكَرِ، فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ.
ومَن أتْلَفَ مَا في الإنسانِ مِنْة شَيْئَانِ، كَاليَدَيْنِ، والرِّجْلَيْنِ، والعَيْنَيْنِ، والأذُنَينِ، والحاجِبَيْنِ، والثَّدْيَينِ، والخِصْيَتَيْنِ، ففِيهِ الدِّيَة، وفي أحَدِهِمَا نِصْفُهَا.
وفي الأجْفَانِ الأرْبَعَةِ الدِّيَةُ، وفي أحَدِهَا رُبْعُهَا.
(فَصْلٌ في دِيَةِ الأعضَاءِ)
(مَن أتلَفَ ما في الإنسَانِ مِنهُ) شَيءٌ (واحِدٌ، كالأَنفِ) ولو مِن أخشَمٍ، أو معَ عِوَجِه (واللِّسانِ، والذَّكَرِ) ولو لصَغيرٍ أو شيخٍ فانٍ (ففِيهِ دِيَةٌ كاملةٌ) لحديث عمرِو بنِ حزمٍ مرفوعًا: "وفي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وفي الأَنفِ إذا أُوعِبَ جَدْعًا الدِّيَةُ، وفي اللِّسانِ الدِّيةُ". رواهُ أحمدُ، والنسائي (١)، ولفظُه له. ولأنَّ في إتلافِه إذهَابَ مَنفَعَةِ الجِنسِ.
(ومَن أتلَفَ ما في الإنسانِ مِنهُ شَيئانِ، كاليَدَين، والرِّجلَينِ، والعَينينِ، والأذنَينِ، والحاجِبَينِ، والثَّديَينِ، والخِصيَتَينِ، ففيهِ الدِّيةُ) كاملَةً (وفي أحدِهِما نِصفُها) أي: نِصفُ الدِّيةِ.
(وفي الأجفَانِ الأربعَةِ الدِّيةُ، وفي أحَدِها) أي: الأجفَانِ (رُبْعُها) أي: رُبعُ الدِّيَةِ.
стр. 1583
وفي أصابِعِ اليَدَيْنِ الدِّيَةُ، وفي أحدِهَا عُشْرُهَا: وفي الأنْملةِ إنْ كانَتْ مِن إبْهَامٍ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وإنْ كانَتْ مِن غَيْرِه، فثُلُثُ عُشْرِهَا وَكَذَا أصابِعُ الرِّجْلَيْنِ.
(وفي أصابعِ اليَدَينِ) والرِّجلَينِ (الدِّيَةُ) كاملَةً (وفي أحَدِها) أي: أحَدِ الأصابع (عُشرُهَا) أي: عُشرُ الدِّيَةِ.
(وفي الأُنمُلَةِ) ولو معَ ظُفرٍ (إن كانَت مِن إبهام) يَدٍ أو رِجلٍ (نِصفُ عُشرِ الدِّيةِ) لأنَّ في الإبهامِ مَفصِلَين (١)، ففِي كُلِّ مَفصِلٍ نِصفُ عَقلِ الإبهامِ.
(وإن كانَت مِن غَيرِه) أي: الإبهامِ (فثُلُثُ عُشرِهَا) أي: الدِّيَةِ؛ لأنَّ فيه (٢) ثلاثَةَ مَفاصِلَ، فتُوزَّعُ دِيتُه علَيها.
(وكذا أصابعُ الرِّجلَينِ): الدِّيَةُ. وفي إصبَعٍ عُشرُ الدِّيَةِ، لحديثِ الترمذيِّ (٣)، وصحَّحه، عن ابنِ عباس مرفوعًا: "دِيةُ (٤) أصابعِ اليَدَينِ والرِّجلَين: عَشرٌ مِن الإبِلِ لِكُلِّ إصبَعٍ". وفي البخاريِّ (٥) عنه مَرفوعًا، قال: "هذِه وهذِهِ سَواءٌ". يعني: الخِنصَرَ والإبهَامَ.
وفي ظُفُرٍ لم يَعُد، أو عادَ أسوَدَ، خُمُسُ ديةِ إصبَعٍ. نصًا، روي عن ابنِ عباسٍ (٦). ذكَرَه ابنُ المنذِرِ، ولم يُعرَف له مخالِفٌ مِن الصحابَةِ.
стр. 1584
وفي السِّنِّ خَمْسٌ مِن الإبِلِ، وفي إذْهَابِ نَفْعِ عُضْوٍ مِن الأعْضَاءِ دِيَتُه كامِلَةً.
(وفي السنِّ خَمْسٌ مِن الإبِلِ) روي عن عمرَ وابنِ عباسٍ. وفي حديثِ عمرِو بنِ حَزمٍ مرفوعًا: "وفي السنِّ خمسٌ مِن الإبِلِ". رواهُ النسائيُّ (١). وعن عمرِو بنِ شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه مرفوعًا: "في الأسنَانِ (٢) خمسٌ خَمسٌ". رواه أبو داود (٣).
وهو عامٌّ، فيدخُلُ فيه النَّابُ والضِّرسُ، ويؤيِّدُه حديثُ ابنِ عباسٍ مرفوعًا: "الأصابِعُ سَواءٌ، والأسنَانُ سَواءٌ، والثَّنيَّةُ والضِّرسُ سَواءٌ، هذِه وهذِه سَواءٌ". رواه أبو داود (٤).
ففي جميعِ الأسنَانِ مائةٌ وسِتُّونَ بَعيرًا؛ لأنَّها (٥) اثنَانِ وثلاثُونَ، أربَعُ ثَنايَا، وأربَعُ رَبَاعِيَاتٍ، وأربَعَةُ أنيَابٍ، وعِشرُونَ ضِرسًا، في كُلِّ جانِبٍ عشَرَةٌ، خمسةٌ مِن فَوقَ، وخمسةٌ من تَحتَ.
(وفي إذهَابِ نَفعِ عُضوٍ مِن الأعضَاءِ دِيَتُهُ كامِلَةً) لصَيرُورَتِه كالمعدُومِ، كما لو قطَعَه، كشَلَلٍ مِن يَدٍ، أو رجلٍ، وإصبَعٍ وذَكَرٍ، ولِسانٍ.
стр. 1585
فَصْلٌ في دِيَةِ المَنَافِعِ
تَجِب الدِّيَة كامِلَةً في إذْهَابِ كُلِّ مِن سَمْعٍ، وبَصَرٍ، وشَمِّ، وذَوْقٍ، وكَلامٍ، وعَقْلٍ، وحدبٍ، ومَنْفَعَةِ مَشْيٍ، ونِكَاحٍ، وأكْلٍ، وصَوْتٍ، وبَطْشٍ.
وإنْ أفْزَعَ إنْسانًا، أوْ ضَرَبَه، فأحْدَثَ بغَائِطٍ أوْ بَوْلٍ أو رِيحٍ،
(فَصْلٌ في دِيَةِ المنافِعِ)
مِن سَمعٍ، وبَصَرٍ، وشَمٍّ، ومَشي، ونِكاحٍ، وغيرِ ذلك.
(تجِبُ الدِّيةُ كامِلةً في إذهَابِ كُلٍّ مِن سمعِ، وبَصرٍ، وشَمٍّ، وذَوقٍ، وكلامٍ، وعَقلٍ، وحَدبِ، ومَنفَعَةِ مشيٍ (١)، ونِكاحٍ، وأَكلٍ، وصَوتٍ، وبَطشٍ) لحديث: "في السمع الدَية" (٢). ولقَضاءِ عُمرَ ﵁ في رجُلٍ ضرَبَ رَجُلًا، فذهَبَ سمعُهُ وبصرُه ونِكاحُهُ وعَقلُه، بأربَعِ دِيَاتٍ، والرَّجُلُ حَيٌّ (٣).
وفي ذَهابِ بَعضِ ذلِك إذا عُلِمَ بِقَدرِه، فَفِي بعضِ الكلامِ بِحِسَابِه، ويُقسَمُ على ثمانِيَةٍ وعِشرينَ حَرفًا. وإن لم يُعلَم قَدرُ الذَّاهِبِ، فحُكُومَةٌ (٤).
(وإن (٥) أفزَعَ إنسانًا، أو ضَرَبَه، فأحدَثَ بغائِطٍ أو بَولٍ أو رِيحٍ) لأنَّ كُلَّا
تَداخَلَتْ، ومِنْ أجناسٍ، فَلا.
مِرارًا، أو شَرِبَ الخمرَ مِرارًا، (تَدَاخَلَت) فلا يُحَدُّ سِوَى مَرَّةٍ. حكاهُ ابنُ المنذِرِ إجماعًا.
(ومِن أجنَاسٍ) كأن زَنَى، وسرَقَ، وشَرِبَ الخمر، (فلا) تَتدَاخَلُ، بل تُستَوفَي جميعًا. قال في "المبدع": بغَيرِ خِلافٍ عَلِمنَاهُ؛ لأنَّ التَّداخُلَ إنَّمَا هو في الجِنسِ الواحِدِ (١).
* * *
стр. 1602
بابُ حَدِّ الزِّنَى
الزِّنَى: هو فِعْلُ الفَاحِشَةِ في قُبُلٍ أوْ دُبُرٍ.
(بَابُ حَدِّ الزِّنَى)
يُمَدُّ ويُقصَرُ، فالقَصرُ لأهلِ الحِجَازِ، والمدُّ عِندَ تَميمٍ.
(الزِّنى: هو فِعلُ الفَاحِشَةِ في قُبُلٍ أو) في (دُبُرٍ) وهو مِن أكبَرِ الكبائرِ.
وأجمَعُوا على تحريمِه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]. وحديثِ: "اجتَنبوا السَّبعَ الموبقَاتِ" (١).
وكانَ حدُّ الزِّنَى في صَدرِ الإسلامِ: الحَبسَ للنِّساءِ، والأذَى في الكلامِ للرِّجَالِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] الَايتين. ثمَّ نُسِخَ بحديثِ عُبادَةَ بنِ الصَّامِت مَرفوعًا: "خُذُوا عنِّي، قد جعَلَ اللهُ لهنَّ سَبيلًا، البِكرُ بالبِكرِ جَلدُ مائةٍ وتَغريبُ عامٍ، والثَّيِّبُ بالثيِّبِ جَلدُ مائةٍ والرَّجمُ". رواهُ مُسلم (٢).
وأجازَ أصحابُنَا نَسخَ الكِتابِ بالسنَّةِ. ومَن مَنعَ ذلكَ قال: ليسَ هذا نسخًا؛ إنَّما هو تَفسيرٌ للقُرآنِ وتَبيينٌ لهُ؛ لأنَّ ما كانَ مَشرُوطًا بشَرطٍ، وزَالَ الشَّرطُ، لا يكونُ نَسخًا، وهاهُنا شَرَطَ اللهُ لحَبسهنَّ (٣)، أن لا يجعلَ لهنَّ سَبيلًا، فبيَّنَت السنَّةُ
стр. 1603
فإذَا زنَى المُحْصَنُ، وَجَبَ رَجْمُهُ حتَّى يَموتَ.
والمُحْصَنُ: هُوَ مَنْ وَطِئَ زَوْجَتَه في قُبُلِهَا بنِكاحٍ صَحِيحٍ، وهُمَا حُرَّانِ مُكَلَّفَانِ.
وإنْ زَنَى الحُرُّ غَيْرُ المُحْصَنِ، جُلِدَ مِائةَ جَلْدةٍ،
السَّبيلَ (١).
(فإذا زَنَى المُحصَنُ) المكلَّفُ (وجَبَ رجمُهُ) بحجارَةٍ متوسِّطَةٍ كالكَفِّ، فلا يَنبَغي أن يُثخَنَ بصَخرَةٍ كَبيرَةٍ، ولا أن يُطوَّلَ عليه بحصاةٍ خفيفةٍ، ويُتَّقَى الوَجهُ (حتَّى يموتَ) لحديثِ عُمرَ، قال: إنَّ اللهَ تعالى بعَثَ محمدًا ﷺ بالحقِّ، وأنزلَ عليه الكتابَ، وكانَ فيما أَنزلَ عليه آيَةُ الرَّجمِ، فقرَأتُها، وعَقلتُها، ووعَيتُها، ورجَمَ رسولُ اللهِ ﷺ ورجَمْنَا بعدَه، فأخشَى إن طالَ بالنَّاسِ زمانٌ، يقولُ قائلٌ: ما نجِدُ الرَّجمَ في كتابِ الله، فيَضلُّ بتَركِ فَريضَةٍ أنزلَها اللهُ تعالى، فالرَّجمُ حقٌّ على مَن زَنى إذا أُحصِنَ مِن الرجالِ والنِّساءِ، إذا قامَت به البيِّنَةُ، أو كانَ الحَبَلُ، أو الاعتِرَافُ. وقد قرأتُها: "الشيخُ والشيخَةُ إذا زَنَيَا فارجمُوهُما البتَّةَ؛ نكالًا مِن اللهِ، واللهُ عزيزٌ حكيم". متفق عليه (٢).
(والمُحصَنُ: هو مَن وَطئَ زوجَتَه في قُبُلِها بنِكاحٍ صحيحٍ) لا باطِلٍ، ولا فاسِدٍ، (وهما) أي: الزَّوجَانِ (حُرَّانِ مُكلَّفانِ) فلا إحصَانَ مع صِغَرِ أحدِهما، أو جُنُونِه، أو رِقِّهِ.
(وإن زَنَى الحرُّ غَيرُ المُحصَنِ، جُلِدَ مائةَ جَلدَةٍ) بلا خلافٍ؛ للخَبر (٣)،
стр. 1604
وغُرِّبَ عامًا إلَى مَسَافةِ قَصْرٍ.
وإنْ زَنَى الرَّقِيقُ، جُلِدَ خَمْسينَ، ولا يُغرَّبُ.
(وغُرِّبَ عَامًا) ولو أُنثَى، مُسلِمًا كانَ أو كافِرًا؛ لعُمُومِ الخَبرِ. ولأنَّه حَدٌّ ترتَّبُ على الزِّنى، فوجَبَ على الكافِرِ، كالقَوَدِ.
وروَى الترمذيُّ (١) عن ابني عُمرَ أنَّ النبيَّ ﷺ ضرَبَ وغرَّبَ، وأنَّ أبا بَكرٍ ضرَبَ وغرَّبَ (٢)، وأنَّ عُمَرَ ضرَبَ وغرَّبَ.
ويكونُ تَغريبُ أُنثَى بمَحرَمٍ باذِلٍ نَفسَهُ معَها وجُوبًا. وعَلَيها أُجرَتُه، فإنْ تعذَّرَت أُجرَتُه مِنها؛ لعَدَمٍ أو امتِناعٍ، فمِن بيتِ المالِ.
فإن أبى المَحرَمُ السَّفرَ معَها، أو تعذَّر؛ بأنْ لم يَكُن لها محرَمٌ، فَوَحدَها، تُغرَّبُ إلى مَسافَةِ قَصرٍ؛ للحاجَةِ.
(إلى مَسافَةِ قَصرٍ)؛ لأنَّ ما دُونَ ذلكَ في حُكمِ الحَضَرِ.
(وإن زَنى الرَّقيقُ، جُلِدَ خمسينَ جَلدَةً)؛ لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. والعذابُ المذكورُ في القرآنِ مائةُ جلدَةٍ، فينصَرِفُ التنصيفُ إليه دونَ غيرِه، والرَّجمُ لا يتأتَّى تنصيفُه.
(ولا يُغرَّبُ) قِنٌّ زَنَى؛ لأنَّه عقوبَةٌ لسيِّدِه دُونَه؛ إذ العبدُ لا ضرَرَ عليه في تغريبِه؛ لأنَّه غَريبٌ في موضِعِه، ويترفَّهُ فيه بتَركِ الخِدمَةِ، ويتضرَّرُ سيِّدُه بذلك.
ويُجلَدُ ويُغرَّبُ مُبعَّضٌ زَنى، بحِسَابِهِ، فالمتنصَّفُ (٣) يُجلَدُ خمسًا وسبعينَ
стр. 1605
وإنْ زَنَى الذِّمِّيُ بِمُسْلِمَةٍ، قُتِلَ. وإنْ زَنَى الحَرْبِيُّ، فلا شَيْءَ عَلَيْه. وإنْ زَنَى المُحْصَنُ بغَيْرِ المُحْصَنِ، فلكُلِّ حَدُّه.
لأنَّه في الحريَّةِ خَمسينَ، وفي الرقِّ خَمسًا وعِشرين، فجُملَتُه خمسٌ وسبعونَ جلدَةً -ويُغرَّبُ نِصفَ عامٍ. نصًا. ويُحسَبُ زمنُ التَّغريبِ عليه مِن نَصيبِه الحُرِّ.
ومَن ثُلُثُه حُرٌّ، لَزِمَه ثُلُثَا حَدِّ الحُرِّ: سِتٌّ وسِتُّونَ جَلدَةً، ويَسقُطُ الكَسرُ؛ لأنَّ الحدَّ مَتى دارَ بينَ الوُجوبِ والإسقَاطِ، سقَطَ. ويُغرَّبُ ثُلُثَي عامٍ.
والمُدبَّرُ، والمكاتَبُ، وأُمُّ الولَدِ، والمعلَّقُ عِتقُهُ بصِفَةٍ، كالقِنِّ في الحدِّ.
(وإنْ زَنى الذِّميُ بمُسلِمَةٍ) أو أصابَها باسمِ نِكاحٍ، (قُتِلَ) لانتِقَاضِ عَهدِه.
والأصلُ في ذلكَ: ما رُوي عن عمرَ: أنَّه رُفِعَ إليه رجلٌ أرادَ استكرَاهَ امرأةٍ مُسلِمَةٍ على الزِّنَى، فقالَ: ما علَى هذا صالَحنَاكُم، فأمَرَ بهِ فَصُلِبَ في بيتِ المقدِسِ (١).
(وإن زَنَى الحربيُّ، فلا شَيءَ عَليه) لعدَمِ التِزامِه لأحكامِنَا (٢).
(وإن زَنَىَ المُحصَنُ بغَيرِ المُحصَنِ، فلِكُلٍّ) مِن المُحصَنِ والبِكرِ (حَدُّه) لحديث أبي هريرة، وزيدِ بن خالدٍ، في رجُلَين اختَصَما إلى رسولِ الله ﷺ ، وكانَ ابنُ أحدِهِمَا عَسيفًا عندَ الآخَرِ، فزَنى بامرَأتِه، فجَلَدَ ابنَهُ مائةً، وغرَّبَه عامًا، وأمَرَ أُنيسًا الأسلميَّ يأتي امرأةَ الآخَرِ: فإن اعتَرَفَت فارجُمها، فاعتَرَفَت فرجمَهَا. متفق عليه (٣).
стр. 1606
ومَن زَنَى ببَهِيمَةٍ، عُزِّرَ.
وشَرْطُ وُجُوبِ الحَدِّ ثَلاثةٌ:
أَحَدُهما: تَغْيِيبُ الحَشَفةِ أوْ قَدْرِهَا في فَرْجٍ
(ومَن زَنَى ببَهيمَةٍ، عُزِّرَ) روي عن ابنِ عبَّاسٍ؛ لأنَّه لا نصَّ فيه يَصِحُّ، ولا يَصحُّ قِياسُه على فَرجِ الآدميِّ؛ لأنَّه لا حُرمَةَ لهُ، والنُّفُوسُ تعافُه.
وقُتِلَت البهيمَةُ المأتيَّةُ، مأكولَةً كانَت أوْ لا؛ لئلا يُعيَّرَ بها؛ لحديثِ ابن عباسٍ مرفوعًا: "مَن وقَعَ على بهيمَةٍ، فاقتُلُوه، واقتُلوا البهيمَةَ". رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ (١)، وضعَّفَهُ الطحاويُّ.
وصحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ: مَن أتَى بهيمَةً، فلا حدَّ عَليهِ (٢).
لكِنْ لا تُقتَلُ إلَّا بالشَّهادَةِ على فِعلِه بها، إن لم تَكُن مِلكَه؛ لأنَّه لا يُقبَلُ إقرارُهُ على مِلكِ غَيرِه. ويَكفي إقرارُهِ إن مَلَكَها؛ مُؤاخَذَةً له بإقرارِه على نفسِه.
ويحرُمُ أكلُها، أي: المأتيَّةِ، ولو مأكُولَةً؛ لأنَّها حيوانٌ وجبَ قتلُه لحقِّ الله تعالى، أشبَهَ سائِرَ المقتُولاتِ. فيضمَنُها الآتي لها بقِيمَتِها؛ لإتلافِها بسَبَبِه، كما لو جَرَحَها، فماتَت.
(وشَرْطُ وُجُوب الحدِّ) أي: حَدِّ الزِّنَى (ثلَاثَةٌ):
(أحَدُها) أي: أَحدُ الشُّروطِ الثلاثَةِ: (تَغيِيبُ الحَشَفَةِ) أي: الأصليَّةِ، ولو مِن خَصىٍّ (أو) تَغييبُ (قَدرِها) أي: الحَشفَةِ (في فَرجٍ) أصليٍّ، مِن آدميٍّ حىٍّ،
стр. 1607
أو دُبُرٍ لآدَمِيٍّ حَيٍّ.
الثانِي: انتِفَاءُ الشُّبْهَةِ.
(أو دُبُرٍ لآدميٍّ حَيٍّ) لذَكَرٍ أو أُنثَى؛ لحديث ابنِ مَسعُودٍ: أنَّ رجُلًا جاءَ إلى النبيِّ ﷺ فقال: إنِّي وجَدتُ امرأةً في البُستَانِ، فأصَبتُ مِنها كُلَّ شيءٍ، غيرَ أنِّي لم أنكِحْهَا، فافعَل بي ما شِئتَ. فقرأ عليه النبيُّ ﷺ : ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. رواه النَّسَائِيّ (١).
فلا حَدَّ بتَغييبِ بعضِ الحَشفَةِ، ولا بتَغييبِ ذَكرِ خُنثَى مُشكِلٍ، ولا بالتَّغييبِ في فَرجِه، ولا بالقُبلَةِ والمباشَرةِ دُونَ الفَرجِ، ولا بإتيانِ المرأةِ المرأةَ، ويُعزَّرُ في ذلك كُلِّه.
وأمَّا (٢) الرجلُ المذكورُ في حديثِ ابنِ مسعودٍ، فقَد جاءَ تائبًا، كما يدلُّ عليه ظاهِرُ الحالِ، على أنَّ للإمامِ تَركَ التَّعزيرِ إذا رآهُ، كما في "المغني"، و "الشرح" (٣).
الشرطُ (الثاني: انتِفَاءُ الشُّبهَةِ) لحديثِ: "ادرَؤُوا الحدُودَ بالشُّبُهاتِ ما استطَعتُم" (٤).
فلا يُحدُّ بِوَطءِ أمَةٍ لهُ فِيها شِرْكٌ، أو مُحرَّمَةً برَضاعٍ، أو لولَدِه فِيها شِركٌ، أو
стр. 1608
الثالِثُ: ثُبُوتُه؛ إمَّا بإقْرَارٍ أرْبَعَ مَرَّاتٍ، ويَستمِرُّ علَى إقْرَارِه،
وطِئ امرأةً في مَنزِلِه ظَنَّها زوجَتَه، أو ظنَّها سُريَّتَه، فلا حدَّ، أو وَطِئَ امرأةً في نكاحٍ باطلٍ اعتَقدَ صِحَّتَه، أو وطِئَ امرأةً في نكاحٍ مُختَلَفٍ فيه، كمُتعَةٍ، أو بلا وليٍّ، أو وَطِئَ أمةً (١) في مِلكٍ (٢) مُختَلَفٍ فيهِ بعدَ قَبضِه، كشِرَاءِ فُضُولي، ولو قَبلَ الإجازَةِ، ونحوِ ما ذُكِرَ، كجَهلِ تَحريمِ الزِّنَى مِن قَريبِ عَهدٍ بالإسلام، أو ناشئٍ ببادِيَةٍ بعيدَةٍ (٣).
الشرطُ (الثالِثُ: ثُبُوتُه) أي: الزِّنَى. وله صُورَتَانِ:
(إمَّا بإقرارٍ أربَعَ مرَّاتٍ) لحديثِ ماعِز بنِ مالكٍ: أنَّه (٤) اعتَرَفَ عندَ النبي ﷺ الأُولى، والثَّانيَةَ، والثالِثَةَ، وردَّهُ. فقِيلَ: إنَّكَ إن اعتَرَفتَ عِندَهُ الرَّابِعَةَ، رجمَكَ، فاعتَرَفَ الرَّابِعَةَ، فحَبَسَه، ثمَّ سأَلَ عنهُ؟ فقالُوا: لا نَعلَمُ إلَّا خَيرًا، فأَمَرَ بهِ، فرُجِمَ. رُويَ مِن طُرُقٍ عن ابنِ عبَّاسٍ، وجابِرٍ، وبُريدَةَ، وأبي بَكرِ الصّديق (٥).
(ويَستَمِرُّ على إقرَارِه) حتَّى يتمَّ الحدُّ. فإن رجَعَ عن إقرَارِه، أو هرَبَ، كُفَّ عَنه؛ لقِصَّةِ ماعِزٍ. وتقدَّم.
الصُّورَةُ الثانيَةُ: (أو بِشَهادَةِ أربَعَةِ رِجالٍ عُدُولٍ) لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ
стр. 1609
أوْ بِشَهَادَةِ أرْبَعَةِ رِجَالٍ عُدُولٍ. فإنْ كَانَ أَحَدُهُم غَيْرَ عَدْلٍ، حُدُّوا للقَذْفِ.
وإنْ شَهِدَ أربعةٌ بزِنَاهُ بفُلانةٍ، فشَهِدَ أربعةٌ آخُرُونَ: أنَّ الشُّهودَ هُمُ الزُّنَاةُ
الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤]. الآية. ولحديثِ سَعدِ بنِ عُبادَةَ، قال: أرأَيتَ لو وَجَدتُ معَ امرأتي (١) رجُلًا، أَمهِلهُ حتَّى آتِي بأربَعَةِ شُهدَاء؟. فقالَ النبيُّ ﷺ : "نعَم". رواهُ مالِكٌ (٢).
فلا تُقبَلُ فيه شَهادَةُ النِّساءِ، ولا فاسِقٍ، ولا مَستُورًا.
أحرَارًا كانُوا (٣) أو عَبيدًا، يَصِفُون الزِّنَى، فيقُولُونَ: رأينَاهُ غَيَّبَ ذكَرَهُ في فرجِها، أو غَيَّبَ حشفَتَهُ، أو قَدرَها إن كانَ مَقطُوعَها، في فَرجِها، كالمِيلِ في المِكحَلَةِ، أو الرِّشَاءِ في البِئرِ.
ويُشتَرَطُ أن يَجِيءَ الأربعَةُ للشهادَةِ في مجلِسٍ واحدٍ، سواءٌ جاؤُوا مُتفرِّقِينَ أو مُجتَمِعين، وسَواءٌ صدَّقَهُم المشهودُ عَليهِ أو لا.
فإن شَهِدُوا في مَجلِسَينِ فأكثَرَ، ولم يُكمِل بَعضُهم الشهادَةَ، أو قامَ بهِ مانِعٌ، حُدُّوا للقَذفِ.
(فإن كانَ أحدُهُم غَيرَ عَدلٍ، حُدُّوا للقَذفِ) لعَدَم كمالِ شَهادَتِهم، كمَا لو لم يَكمُل العَددُ.
(وإن شَهِدَ أربعَةٌ بزِنَاهُ بفُلانَةٍ، فشَهِدَ أربعةٌ آخَرُونَ: أنَّ الشُّهودَ همُ الزُّناةُ بها) دُونَ المشهودِ عَليه، (صُدِّقُوا، وحُدَّ) الأربَعَةُ (الأوَّلُونَ) الشاهِدُونَ به (فقَط)
стр. 1610
بِهَا، صُدِّقُوا، وحُدَّ الأوَّلُونَ فَقَطْ للقَذْفِ والزِّنَى.
وإنْ حَمَلَتْ مَن لا زَوْجَ لَهَا ولا سَيِّدَ، لَمْ يَلْزَمْهَا شَيءٌ.
دُونَ المشهودِ عليهِ؛ لقَدحِ الآخَرينَ في شَهادَتِهم عليه؛ (للقَذفِ والزِّنَى) لأنَّهم شَهِدُوا بزِنًى لم يَثبُت، فهُم قَذَفَةٌ، وثَبَتَ عليهم الزِّنَى بشهادَةِ الآخَرِين.
وإذا كَمُلَت الشهادةُ بحدٍّ، ثمَّ ماتَ الشهودُ أو غابُوا، لم يَمنَع ذلِكَ إقامَةَ الحدِّ، كسَائِرِ الحقُوقِ، واحتِمَالُ رُجُوعِهم ليسَ شُبهَةً يُدرأُ بها الحَدُّ؛ لبُعدِه.
(وإن حَمَلَت مَن لا زَوجَ لها، ولا سَيِّدَ، لم يَلزَمها شَيءٌ) أي: لم تُحَدَّ بذلِكَ بمجرَّدِ الحملِ، ولا يَجِبُ أن تُسألَ؛ لأنَّ في سؤالِها عن ذلِكَ إشاعَةَ الفاحِشَةِ، وذلِكَ مَنهيٌّ عنه.
وإن سُئِلَت، وادَّعَت أنَّها أُكرِهَت، أو وُطِئَت بشُبهَةٍ، أو لم تَعتَرِف بالزِّنَى أربَعًا، لم تُحَدَّ؛ لأنَّ الحدَّ يُدرَأُ بالشُّبهَةِ، وهي متحقِّقَةٌ.
* * *
стр. 1611
بابُ حَدِّ القَذْفِ
مَن قَذَفَ غَيْرَه بالزِّنَى، حُدَّ للقَذْفِ ثمانِينَ إنْ كانَ حُرًّا، وأرْبَعِينَ إنْ كَانَ رَقِيقًا.
وإنَّمَا يَجِبُ بشُرُوطٍ تِسْعَةٍ:
أرْبَعةٌ منها في القاذِفِ ، وهُوَ: أنْ يَكُونَ بالِغًا، عاقلًا، مُختَارًا، لَيْسَ بوالِدٍ للمَقْذُوفِ، وإنْ عَلا.
وخَمْسَةٌ في المَقْذُوفِ
(بابُ حَدِّ القَذفِ)
وهو لُغةً: الرَّميُ بقُوَّةٍ، ثمَّ غلَبَ على الرَّمي بزِنًى، أو لِواطٍ، أو شَهادَةٍ بأحَدِهِما، ولم تَكمُلِ البيِّنَةُ.
(مَن قذَفَ غيرَهُ بالزِّنَى، حُدَّ للقَذفِ ثَمانِينَ إنْ كانَ) القاذِفُ (حُرًّا) لقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤].
(وأربَعينَ) جلدَةً (إن كانَ رَقيقًا). وحُدَّ قاذِفٌ مُبعَّضٌ بحِسَابِه.
مِثالُ ذلِكَ: فمَن نِصفُهُ حُرٌّ، ونِصفُه رقيقٌ، يُجلَدُ سِتِّينَ؛ لأنَّه حدٌّ يتبعَّضُ، فكانَ على القِنِّ فيه نِصفُ ما على الحُرِّ، والمُبعَّضُ بحِسَابِه، كجَلدِ الزِّنَى.
(وإنَّما يجِبُ حدُّ القذفِ بشُروطٍ تِسعَةٍ):
(أربعَةٌ مِنها في القَاذِفِ، وهو: أن يَكونَ بالِغًا، عاقِلًا، مُختَارًا، ليسَ بوالِدٍ للمقذُوفِ، وإن علا) كالجَدِّ.
(وخمسَةٌ في المقذُوفِ):
стр. 1612
وهُو: كُونُه حُرًّا، مُسْلِمًا، عَاقِلًا، عَفِيفًا عَن الزِّنَى، يُوطَأُ وَيَطَأُ مِثْلُه.
لكِنْ لا يُحَدُّ قَاذِفُ غَيْرِ البَالِغِ حَتَّى يَبْلُغَ؛ لأنَّ الحَقَّ في حَدِّ القَذْفِ للَادَمِيِّ، فَلا يُقامُ بِلا طَلَبِهِ.
ومَنْ قَذَفَ غَيْرَ مُحْصَنٍ، عُزِّرَ.
ويَثْبُتُ الحَدُّ هُنَا، وفي الشُّرْبِ، والتَّعزيرِ بأَحَدِ أمرَيْنِ: إمَّا بإقْرَارِه مَرَّةً، أو شَهادَةِ عَدْلَيْنِ.
الأوَّلُ: (وهو: كونُهُ حُرًا). الثاني: (مُسلِمًا). الشرطُ الثالِثُ: كونه (عاقِلًا). الشرطُ الرابعُ: (كونُه عَفيفًا عن الزِّنَى). الشرطُ الخامِسُ: (يُوطَأُ ويَطَأُ مِثلُه) وهو ابنُ عَشرٍ وبنتُ تِسعٍ.
(لكِنْ لا يُحدُّ قاذِفُ غَيرِ البالِغِ حتَّى يَبلُغَ) ويُطالِبَ به بعدَ بُلوغِه؛ إذ لا أثَرَ لطَلبِه قبلَ بُلوغِه؛ لعدَمِ اعتبارِ كلامِه. ولا طلَبَ لوليِّهِ عنه؛ لأنَّ الغرضَ منه التشفِّي، فلا يَقومُ غيرُه مقامَه فيه، كالقَوَدِ؛ (لأنَّ الحقَّ في حَدِّ القَذفِ للآدميِّ، فلا يُقامُ) حدُّ القذفِ (بلا طَلَبِه) أي: المقذوف.
(ومَن قذَفَ غيرَ مُحصَنٍ) ولو قِنَّه (عُزِّرَ) رَدعًا لهُ عن أعراضِ المعصُومِينَ وكَفًّا له عن إيذائِهم.
(ويَثبُتُ الحدُّ هُنا) أي: في القَذفِ (وفي الشُّربِ، والتَّعزيرِ بأحَدِ أمرَين: إمَّا بإقرَارِه مرَّةً، أو شَهادَةِ عَدلَين).
* * *
стр. 1613
فَصْلٌ
ويَسقُطُ حَدُّ القَذْفِ بأرْبعةٍ:
بعَفْوِ المَقْذُوفِ، أوْ بتَصْدِيقِه، أو بإقَامَةِ البَيِّنَةِ، أوْ باللِّعانِ.
والقَذْفُ حَرَامٌ، وواجِبٌ، ومُبَاحٌ.
فيَحْرُمُ فِيمَا تَقَدَّمَ.
ويَجِبُ عَلَى مَنْ يَرَى زَوْجَتَه تَزْنِي، ثُمَّ تَلِدُ وَلَدًا يَقْوَى في ظَنِّه أنَّه مِن الزَّانِي؛ لشَبَهِهِ بِهِ.
ويُباحُ إذَا رَآهَا تَزْنِي، وَلَمْ تَلِدْ مَا يَلْزَمُهُ نَفْيُهُ، وفِرَاقُهَا أوْلَى.
(فَصلٌ)
(ويَسقُطُ حدُّ القذفِ بأربعَةٍ):
الأوَّلُ: (بعَفوِ المقذوفِ).
الثاني: (أو بتَصديقِه) أي: المقذُوفِ.
الثالث: (أو بإقامَةِ البيِّنَةِ).
الرابع: (أو بالِّلعَانِ).
(والقَذفُ حَرامٌ، وواجِبٌ، ومُباحٌ. فيحرُمُ فيما تقدَّمَ. ويَجبُ على مَن يَرَى زوجَتَه تَزني، ثم تَلِدُ ولدًا يَقوَى في ظنِّه أنَّه مِن الزَّاني؛ لشَبَهِه به. ويُباحُ إذا رَآها تَزني، ولم تَلِد ما يَلزَمُه نفيُه، وفِراقُها أولى)؛ لأنَّه أسلَمُ لِعِرضِهِ.
* * *
стр. 1614
فَصْلٌ
وصَرِيحُ القَذْفِ: يَا منيوكَةُ، يَا منيوكُ، يَا زَانِي، يا عاهِرُ، يَا لُوطِيُّ. و: لَسْتَ وَلَدَ فُلانٍ، فقَذْفٌ لأمِّهِ.
وكنايَتُه: زَنَتْ يَدَاكَ، أوْ رِجْلاكَ، أو يَدُكَ، أوْ رِجْلُكَ، أو بَدَنُكَ، يَا مُخَنَّثُ، يَا قَحْبَةُ، يا فاجِرَةُ، يا خَبِيثَةُ.
(فَصلٌ) في صَريحِ القَذفِ وكنايَتِه
فقال: (وصَريحُ القَذفِ: يا مَنيوكَةُ، يا مَنيوكُ، يا زَاني، يا عاهِرُ، يا لُوطيُّ) وأصلُ العُهرِ: إتيانُ الرَّجُلِ المرأةَ لَيلًا؛ للفُجُورِ بها، ثمَّ غلَبَ على الزِّنَى، سواءٌ جاءَها أو جاءَتهُ، ليلًا أو نهارًا.
(ولَستَ ولَدَ فُلانٍ) الذي يُنسَبُ إليه (فَقذفٌ لأُمِّه) أي: المقُولِ لهُ؛ لإثباتِه الزِّنَى لأُمِّه؛ لأنَّه لا يخلُو إمَّا أن يَكونَ لأبيهِ أو غَيرِه، فإذا نفَاهُ عن أبيهِ، فقد أثبَتَه لغَيرِه، والغَيرُ لا يُمكِنُ إحبالُهُ لها في زَوجَيَّةِ أبيهِ إلَّا بزِنًى، فكانَ قَذفًا لها.
(وكِنايَتُه) والتَّعريضُ بِه: (زَنَت يَدَاكَ، أو: رِجلاكَ، أو: يَدُكَ، أو: رِجلُك، أو: بَدنُكَ) لأنَّ زِنَى هذِه الأعضَاءِ لا يُوجِبُ الحدَّ؛ لحديثِ: "العينانِ تَزنيانِ، وزِنَاهُمَا النَّظَرُ، واليَدَانِ تَزنِيانِ، وزِناهُمَا البَطْشُ، والرِّجلانِ تَزنِيانِ، وزِناهُمَا المشيُ، ويُصدِّقُ ذلِكَ الفَرجُ أو يُكذِّبُه" (١).
(يا مُخنَّثُ، يا قَحبَةُ، يا فاجِرَةُ، يا خَبيثَةُ).
стр. 1615
أوْ يَقُولُ لِزَوْجَةِ شَخْصٍ: قَدْ فَضَحْتِ زَوْجَكِ، وغَطَّيْتِ رَأْسَه، وجَعَلْتِ لَهُ قُرُونًا، وعَلَّقْتِ علَيْه أَوْلادًا مِن غَيْرِهِ، وأفْسَدْتِ فِرَاشَه.
فإنْ أرادَ بِهَذِه الألْفَاظِ حَقِيقةَ الزِّنَى، حُدَّ، وإلَّا عُزِّرَ.
ومَن قَذَفَ أهْلَ بَلْدَةٍ، أوْ جَمَاعَةً لا يُتَصَوَّرُ الزِّنَى مِنْهُمْ عَادَةً، عُزِّرَ، ولا حَدَّ.
وإنْ كَانَ يُتَصَوَّرُ الزِّنَى مِنْهُمْ عَادَةً، وقَذَفَ كُلَّ وَاحِدٍ بِكَلِمَةٍ، فلكُلِّ واحِدٍ حَدٌّ، وإنْ كَانَ إجْمَالًا، فحَدٌّ واحِدٌ.
(أو يقُولُ لزَوجَةِ شَخصٍ: قد فَضَحتِ زَوجَكِ، و: غطَّيتِ رأسَه، و: جعَلتِ له قُرونًا، و: علَّقتِ عليه أولادًا مِن غَيرِه) له (و: أفسَدتِ فِراشَهُ).
(فإن أرادَ بهذِه الألفاظِ حقيقَةَ الزِّنَى، حُدَّ) حَدَّ القَذفِ، (وإلَّا عُزِّرَ)؛ لارتِكابِه مَعصيَةً لا حدَّ فيها ولا كفَّارَةَ.
(ومَن قذَفَ أهلَ بلدَةٍ؛ أو جماعَةً لا يُتصوَّرُ الزِّنى مِنهُم عادَةً، عُزِّرَ، ولا حَدَّ) عليه؛ لأنَّهُم لا عارَ عليهِم بذلِكَ؛ للقَطعِ بكَذِبِ القَاذِفِ.
(وإن كانَ يُتصوَّرُ الزِّنَى مِنهُم عادَةً، وقَذَفَ كُلَّ واحِدٍ بكَلِمَةٍ، فلِكُلِّ واحدٍ حَدٌّ) لتعدُّدِ القَذفِ، وتَعدُّدِ مَحلِّه، كمَا لو قذَفَ كُلًّا مِنهُم مِن غَيرِ أن يَقذِفَ الَاخَرَ.
(وإن كانَ إجمالًا) أي: جماعَةً، (فـ) علَيه (حَدٌّ واحِدٌ) إذا طالَبُوه، ولو مُتفرِّقَين، أو طالَبَ واحِدٌ مِنهُم، فيُحدُّ لمَن طَلَبَ، ثم لا حَدَّ بعدَه؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الآية. فلَم يُفرِّق بينَ مَن قذَفَ واحِدًا أو جماعةً، ولأنَّ الحدَّ إنَّما وجَبَ بإدخالِ المعرَّةِ (١).