← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 803

شرح دليل الطالب - عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

Полный текст (1 686 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

بابُ حَدِّ القَذْفِ مَن قَذَفَ غَيْرَه بالزِّنَى، حُدَّ للقَذْفِ ثمانِينَ إنْ كانَ حُرًّا، وأرْبَعِينَ إنْ كَانَ رَقِيقًا. وإنَّمَا يَجِبُ بشُرُوطٍ تِسْعَةٍ: أرْبَعةٌ منها في القاذِفِ ، وهُوَ: أنْ يَكُونَ بالِغًا، عاقلًا، مُختَارًا، لَيْسَ بوالِدٍ للمَقْذُوفِ، وإنْ عَلا. وخَمْسَةٌ في المَقْذُوفِ (بابُ حَدِّ القَذفِ) وهو لُغةً: الرَّميُ بقُوَّةٍ، ثمَّ غلَبَ على الرَّمي بزِنًى، أو لِواطٍ، أو شَهادَةٍ بأحَدِهِما، ولم تَكمُلِ البيِّنَةُ. (مَن قذَفَ غيرَهُ بالزِّنَى، حُدَّ للقَذفِ ثَمانِينَ إنْ كانَ) القاذِفُ (حُرًّا) لقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]. (وأربَعينَ) جلدَةً (إن كانَ رَقيقًا). وحُدَّ قاذِفٌ مُبعَّضٌ بحِسَابِه. مِثالُ ذلِكَ: فمَن نِصفُهُ حُرٌّ، ونِصفُه رقيقٌ، يُجلَدُ سِتِّينَ؛ لأنَّه حدٌّ يتبعَّضُ، فكانَ على القِنِّ فيه نِصفُ ما على الحُرِّ، والمُبعَّضُ بحِسَابِه، كجَلدِ الزِّنَى. (وإنَّما يجِبُ حدُّ القذفِ بشُروطٍ تِسعَةٍ): (أربعَةٌ مِنها في القَاذِفِ، وهو: أن يَكونَ بالِغًا، عاقِلًا، مُختَارًا، ليسَ بوالِدٍ للمقذُوفِ، وإن علا) كالجَدِّ. (وخمسَةٌ في المقذُوفِ):

стр. 1612

وهُو: كُونُه حُرًّا، مُسْلِمًا، عَاقِلًا، عَفِيفًا عَن الزِّنَى، يُوطَأُ وَيَطَأُ مِثْلُه. لكِنْ لا يُحَدُّ قَاذِفُ غَيْرِ البَالِغِ حَتَّى يَبْلُغَ؛ لأنَّ الحَقَّ في حَدِّ القَذْفِ للَادَمِيِّ، فَلا يُقامُ بِلا طَلَبِهِ. ومَنْ قَذَفَ غَيْرَ مُحْصَنٍ، عُزِّرَ. ويَثْبُتُ الحَدُّ هُنَا، وفي الشُّرْبِ، والتَّعزيرِ بأَحَدِ أمرَيْنِ: إمَّا بإقْرَارِه مَرَّةً، أو شَهادَةِ عَدْلَيْنِ. الأوَّلُ: (وهو: كونُهُ حُرًا). الثاني: (مُسلِمًا). الشرطُ الثالِثُ: كونه (عاقِلًا). الشرطُ الرابعُ: (كونُه عَفيفًا عن الزِّنَى). الشرطُ الخامِسُ: (يُوطَأُ ويَطَأُ مِثلُه) وهو ابنُ عَشرٍ وبنتُ تِسعٍ. (لكِنْ لا يُحدُّ قاذِفُ غَيرِ البالِغِ حتَّى يَبلُغَ) ويُطالِبَ به بعدَ بُلوغِه؛ إذ لا أثَرَ لطَلبِه قبلَ بُلوغِه؛ لعدَمِ اعتبارِ كلامِه. ولا طلَبَ لوليِّهِ عنه؛ لأنَّ الغرضَ منه التشفِّي، فلا يَقومُ غيرُه مقامَه فيه، كالقَوَدِ؛ (لأنَّ الحقَّ في حَدِّ القَذفِ للآدميِّ، فلا يُقامُ) حدُّ القذفِ (بلا طَلَبِه) أي: المقذوف. (ومَن قذَفَ غيرَ مُحصَنٍ) ولو قِنَّه (عُزِّرَ) رَدعًا لهُ عن أعراضِ المعصُومِينَ وكَفًّا له عن إيذائِهم. (ويَثبُتُ الحدُّ هُنا) أي: في القَذفِ (وفي الشُّربِ، والتَّعزيرِ بأحَدِ أمرَين: إمَّا بإقرَارِه مرَّةً، أو شَهادَةِ عَدلَين). * * *

стр. 1613

فَصْلٌ ويَسقُطُ حَدُّ القَذْفِ بأرْبعةٍ: بعَفْوِ المَقْذُوفِ، أوْ بتَصْدِيقِه، أو بإقَامَةِ البَيِّنَةِ، أوْ باللِّعانِ. والقَذْفُ حَرَامٌ، وواجِبٌ، ومُبَاحٌ. فيَحْرُمُ فِيمَا تَقَدَّمَ. ويَجِبُ عَلَى مَنْ يَرَى زَوْجَتَه تَزْنِي، ثُمَّ تَلِدُ وَلَدًا يَقْوَى في ظَنِّه أنَّه مِن الزَّانِي؛ لشَبَهِهِ بِهِ. ويُباحُ إذَا رَآهَا تَزْنِي، وَلَمْ تَلِدْ مَا يَلْزَمُهُ نَفْيُهُ، وفِرَاقُهَا أوْلَى. (فَصلٌ) (ويَسقُطُ حدُّ القذفِ بأربعَةٍ): الأوَّلُ: (بعَفوِ المقذوفِ). الثاني: (أو بتَصديقِه) أي: المقذُوفِ. الثالث: (أو بإقامَةِ البيِّنَةِ). الرابع: (أو بالِّلعَانِ). (والقَذفُ حَرامٌ، وواجِبٌ، ومُباحٌ. فيحرُمُ فيما تقدَّمَ. ويَجبُ على مَن يَرَى زوجَتَه تَزني، ثم تَلِدُ ولدًا يَقوَى في ظنِّه أنَّه مِن الزَّاني؛ لشَبَهِه به. ويُباحُ إذا رَآها تَزني، ولم تَلِد ما يَلزَمُه نفيُه، وفِراقُها أولى)؛ لأنَّه أسلَمُ لِعِرضِهِ. * * *

стр. 1614

فَصْلٌ وصَرِيحُ القَذْفِ: يَا منيوكَةُ، يَا منيوكُ، يَا زَانِي، يا عاهِرُ، يَا لُوطِيُّ. و: لَسْتَ وَلَدَ فُلانٍ، فقَذْفٌ لأمِّهِ. وكنايَتُه: زَنَتْ يَدَاكَ، أوْ رِجْلاكَ، أو يَدُكَ، أوْ رِجْلُكَ، أو بَدَنُكَ، يَا مُخَنَّثُ، يَا قَحْبَةُ، يا فاجِرَةُ، يا خَبِيثَةُ. (فَصلٌ) في صَريحِ القَذفِ وكنايَتِه فقال: (وصَريحُ القَذفِ: يا مَنيوكَةُ، يا مَنيوكُ، يا زَاني، يا عاهِرُ، يا لُوطيُّ) وأصلُ العُهرِ: إتيانُ الرَّجُلِ المرأةَ لَيلًا؛ للفُجُورِ بها، ثمَّ غلَبَ على الزِّنَى، سواءٌ جاءَها أو جاءَتهُ، ليلًا أو نهارًا. (ولَستَ ولَدَ فُلانٍ) الذي يُنسَبُ إليه (فَقذفٌ لأُمِّه) أي: المقُولِ لهُ؛ لإثباتِه الزِّنَى لأُمِّه؛ لأنَّه لا يخلُو إمَّا أن يَكونَ لأبيهِ أو غَيرِه، فإذا نفَاهُ عن أبيهِ، فقد أثبَتَه لغَيرِه، والغَيرُ لا يُمكِنُ إحبالُهُ لها في زَوجَيَّةِ أبيهِ إلَّا بزِنًى، فكانَ قَذفًا لها. (وكِنايَتُه) والتَّعريضُ بِه: (زَنَت يَدَاكَ، أو: رِجلاكَ، أو: يَدُكَ، أو: رِجلُك، أو: بَدنُكَ) لأنَّ زِنَى هذِه الأعضَاءِ لا يُوجِبُ الحدَّ؛ لحديثِ: "العينانِ تَزنيانِ، وزِنَاهُمَا النَّظَرُ، واليَدَانِ تَزنِيانِ، وزِناهُمَا البَطْشُ، والرِّجلانِ تَزنِيانِ، وزِناهُمَا المشيُ، ويُصدِّقُ ذلِكَ الفَرجُ أو يُكذِّبُه" (١). (يا مُخنَّثُ، يا قَحبَةُ، يا فاجِرَةُ، يا خَبيثَةُ).

стр. 1615

أوْ يَقُولُ لِزَوْجَةِ شَخْصٍ: قَدْ فَضَحْتِ زَوْجَكِ، وغَطَّيْتِ رَأْسَه، وجَعَلْتِ لَهُ قُرُونًا، وعَلَّقْتِ علَيْه أَوْلادًا مِن غَيْرِهِ، وأفْسَدْتِ فِرَاشَه. فإنْ أرادَ بِهَذِه الألْفَاظِ حَقِيقةَ الزِّنَى، حُدَّ، وإلَّا عُزِّرَ. ومَن قَذَفَ أهْلَ بَلْدَةٍ، أوْ جَمَاعَةً لا يُتَصَوَّرُ الزِّنَى مِنْهُمْ عَادَةً، عُزِّرَ، ولا حَدَّ. وإنْ كَانَ يُتَصَوَّرُ الزِّنَى مِنْهُمْ عَادَةً، وقَذَفَ كُلَّ وَاحِدٍ بِكَلِمَةٍ، فلكُلِّ واحِدٍ حَدٌّ، وإنْ كَانَ إجْمَالًا، فحَدٌّ واحِدٌ. (أو يقُولُ لزَوجَةِ شَخصٍ: قد فَضَحتِ زَوجَكِ، و: غطَّيتِ رأسَه، و: جعَلتِ له قُرونًا، و: علَّقتِ عليه أولادًا مِن غَيرِه) له (و: أفسَدتِ فِراشَهُ). (فإن أرادَ بهذِه الألفاظِ حقيقَةَ الزِّنَى، حُدَّ) حَدَّ القَذفِ، (وإلَّا عُزِّرَ)؛ لارتِكابِه مَعصيَةً لا حدَّ فيها ولا كفَّارَةَ. (ومَن قذَفَ أهلَ بلدَةٍ؛ أو جماعَةً لا يُتصوَّرُ الزِّنى مِنهُم عادَةً، عُزِّرَ، ولا حَدَّ) عليه؛ لأنَّهُم لا عارَ عليهِم بذلِكَ؛ للقَطعِ بكَذِبِ القَاذِفِ. (وإن كانَ يُتصوَّرُ الزِّنَى مِنهُم عادَةً، وقَذَفَ كُلَّ واحِدٍ بكَلِمَةٍ، فلِكُلِّ واحدٍ حَدٌّ) لتعدُّدِ القَذفِ، وتَعدُّدِ مَحلِّه، كمَا لو قذَفَ كُلًّا مِنهُم مِن غَيرِ أن يَقذِفَ الَاخَرَ. (وإن كانَ إجمالًا) أي: جماعَةً، (فـ) علَيه (حَدٌّ واحِدٌ) إذا طالَبُوه، ولو مُتفرِّقَين، أو طالَبَ واحِدٌ مِنهُم، فيُحدُّ لمَن طَلَبَ، ثم لا حَدَّ بعدَه؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الآية. فلَم يُفرِّق بينَ مَن قذَفَ واحِدًا أو جماعةً، ولأنَّ الحدَّ إنَّما وجَبَ بإدخالِ المعرَّةِ (١).

стр. 1616

بَابُ حَدِّ المُسْكِرِ مَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا مَائعًا، أوْ اسْتَعَطَ بِهِ، أو احْتَقَنَ بِهِ، أو أكَلَ عَجِينًا مَلْتُوتًا بِهِ، ولَو لَمْ يَسْكَرْ، حُدَّ ثَمانِينَ إنْ كَانَ حُرًّا، (بَابُ حَدِّ المُسكِر) السُّكرُ: اختِلاطُ العَقلِ. قال الجوهريُّ: السَّكرَانُ خِلافُ الصَّاحِي، والجَمعُ: سَكْرَى، وسُكَارَى، بضمِّ السينِ وفَتحِها. وهو محرَّمٌ بالإجماع (١). (مَن شَرِبَ مُسكِرًا مائِعًا) سواءٌ كانَ مِن العِنَبِ، أو الشَّعيرِ، أو غَيرِهما؛ لحديث: "كُلُّ مُسكِرٍ خمرٌ (٢)، وكُلُّ خَمرٍ حَرامٌ". رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ (٣). وعن ابن عُمَرَ مَرفوعًا: "ما أسكَرَ كَثيرُه، فقَليلُهُ حَرامٌ". رواه أحمدُ، وابنُ ماجه (٤). والخَمرُ: ما خامَرَ العَقلَ. (أو استَعَطَ بِه) أي: بمُسكِرٍ، (أو احتَقَنَ به (٥)، أو أكَلَ عَجينًا مَلتُوتًا بِه) أي: المُسكِرِ، لا إن خُبِزَ فأكلَه، (ولو (٦) لم يَسْكَر) الشَّارِبُ، (حُدَّ ثَمانِينَ إن كانَ حُرًّا) لما روى أبو هريرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَن شَرِب الخَمرَ فاجلِدُوه". رواه

стр. 1617

وأربعينَ إنْ كَانَ رَقِيقًا، بشَرْطِ كَوْنِهِ مُسْلِمًا، مُكَلَّفًا، مُختَارًا، عالِمًا أنَّ كثيرَهُ يُسْكِرْ. ومَنْ تَشَبَّه بشُرَّابِ الخَمْرِ في مَجْلِسِه وآنِيَتِه، حَرُمَ، وعُزِّرَ. أحمد، وأبو داودَ، والنسائيُّ (١). (وأربَعينَ إن كانَ رَقيقًا) عَبدًا كانَ أو أمَةً. (بشَرطِ كَونِهِ: مُسلِمًا، مُكلَّفًا (٢)) لا صَغيرًا ومَجنُونًا (مُختَارًا) لشُربه. فإن أُكرِهَ عليه، لم يُحَدَّ (عالمًا أنَّ كَثيرَهُ يُسكِرُ) ويُصدَّقُ إن قالَ: لم أعلَم أنَّ كثيرَهُ يُسكِرُ. (ومَن تَشبَّهَ بشُرَّابِ الخَمرِ في مَجلِسِه وآنِيَتِه، حرُمَ، وعُزِّرَ) فاعِلُه، وإن كانَ المشروبُ مُباحًا في نَفسِه. فلَو اجتَمعَ جماعَةٌ، وزَيَّنُوا مجلِسًا، وأحضَرُوا آلاتِ الشَّرَابِ، وأقدَاحَه، وصَبُّوا فيها السَّكَنجَبين (٣) بينَهُم، ونَصَبُوا ساقِيًا يَدورُ عَليهم ويَسقِيهم، فيأخُذُونَ من السَّاقِي ويَشرَبُون، ويَحيِّي بعضُهُم بَعضًا بكلِمَاتِهم المعتَادَةِ بينَهم، حَرُمَ ذلكَ، وإن كانَ المشروبُ مُباحًا في نَفسِه؛ لأنَّ في ذلكَ تَشبيهًا بأهلِ الفَسادِ. قال الغزاليُّ في "الإحياء" في كتابِ السَّماعِ، ومَعناهُ قَولُ "الرعاية": ومَن

стр. 1618

ويَحْرُمُ العَصِيرُ إذَا أَتَى عَلَيْه ثَلاثَةُ أيَّامٍ، ولَمْ يُطْبَخْ. تشبَّه بالشُّرَّابِ في مجلسِه وآنيَتِه، وحاضَرَ مَن حاضَرَه بمحاضِرِ الشَّرَابِ، حَرُمَ، وعُزِّرَ (١). (ويحرُمُ العَصيرُ) مِن عِنَبٍ، أو تَمرٍ، أو زمَّانٍ، أو غَيرِه (إذا أتَى عَليهِ ثَلَاثةُ أيَّامٍ) بليالِيهِنَّ، وإن لم يَغْلِ، نصًا؛ لحديث: "اشرَبُوا العصيرَ ثلاثًا، ما لم يَغْلِ" (٢). رواه الشالنجي. وعن ابنِ عُمرَ في العَصيرِ: اشرَبهُ ما لم يَأخُذْهُ شَيطانُه. قِيلَ: وفي كَم يأخُذْهُ شيطانُه؟ قال: في (٣) ثَلاثٍ. حكاة أحمدُ وغيرُه (٤). ولحصُولِ الشدَّةِ في الثَّلاثِ غالبًا، وهي خَفيَّةٌ تحتاجُ لضَابِطٍ، والثَّلاثُ تصلُحُ لذلِكَ، فوجَب اعتبارُها بها. (ولم يُطبَخ) فإن طُبخَ العصيرُ قبلَ غَلَيَانِه وإتيانِ ثلاثَةِ أيَّامٍ بليالِيهِنَّ، حَلَّ، إن (٥) ذَهَبَ بطَبخِهِ ثُلُثَاهُ فأكثَرُ نصًا. وذَكَرَهُ أبو بَكرٍ إجماعَ المسلِمين؛ لأنَّ أبا مُوسَى كانَ يَشرَبُ مِن الطِّلاءِ ما ذَهَبَ ثُلُثاهُ (٦) وبَقِيَ ثُلُثٌ. رواهُ النسائيُّ (٧). ولذَهابِ أكثَرِ رُطُوبَتِه، فلا يكادُ يَغلِي، فلا تحصُلُ فيه الشدَّةُ، بل يصيرُ كالرُّبِّ (٨). وهذا هوُ الذي يأتي من جبلِ الخَليلِ، يُقالُ له: الدِّبسَ.

стр. 1619

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ووَضعُ زَبيبٍ في خَردَلٍ كعَصيرٍ، فيحرُمُ إن غَلَى، أو أتَى عليهِ ثلاثَةُ أيامِ بليالِيهِنَّ. وإن صُبَّ على الزَّبيبِ والخَردَلِ خَلٌّ، أُكِلَ، ولو بَعدَ ثلاثٍ؛ لأنَّ الخلَّ يمنَعُ غَليانَه. ويُكرَهُ الخَليطَانِ كنَبيذِ تَمرٍ معَ زَبيبٍ، أو بُسْرٍ معَ تمرٍ، أو رُطَبٍ. وكذا نبيذٌ مُذنِّبٌ، أي: نِصفُهُ بُسْرٌ ونِصفُهُ رُطَبٌ؛ لحديثِ جابرٍ مرفوعًا: نهى أن يُنبَذَ التَّمرُ والزَّبيبُ جميعًا، ونهى أن يُنبَذَ الرُّطَبُ والبُسرُ جميعًا. رواهُ الجماعةُ (١) إلَّا الترمذي. وعن أبي سَعيدٍ قال: نهانَا رسولُ اللهِ ﷺ أن نخلِطَ بُسرًا بتَمرٍ، أو زَبيبًا بتَمرٍ، أو زَبيبًا ببُسرٍ. وقال: "مَن شَرِبَه مِنكُم فليَشرَبْهُ زَبيبًا فَردًا، أو تمرًا فَردًا، أو بُسرًا فردًا". رواهُ مُسلمٌ، والنَّسائي (٢). قال أحمدُ في الرَّجُلِ يَنقَعُ الزَّبيبَ والتَّمرَ الهِنديَّ (٣) والعُنَّابَ ونحوَه للدواء؟: أكرَهُهُ؛ لأنَّه ينبذُ، ولكِنْ يطبَخُه ويَشرَبُه (٤). ما لم يَغْلِ، أو تَأتِ عليه ثلاثَةُ أيَّامٍ بلياليهِنَّ، فيحرُمُ لما سبَق.

стр. 1620

بَابُ التَّعْزِيرِ يَجِبُ في كلِّ مَعْصيةٍ لا حَدَّ فِيهَا ولَّا كَفَّارَةَ. وهُوَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تعالَى، لا يَحْتاجُ في إقامَتِه إلَى مُطالَبَةٍ، إلَّا إذا شَتَمَ الوَلَدُ وَالِدَه، فلا يُعَزَّرُ إلَّا بِمُطَالَبَةِ وَالِدِهِ. ولا يُعَزَّرُ الوَالِدُ بِحُقُوقِ وَلَدِهِ. (بابُ التَّعزيرِ) وهو لُغةً: المنعُ، ومِنهُ التعزيرُ بمَعنى النُّصرَةِ، كقولِه تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] لمنعِ الناصِرِ المُعادِيَ والمعانِدَ لمَن يَنصُرُه. واصطلاحًا: التأديبُ؛ لأنَّه يَمنَعُ مما لا يجوزُ فِعلُه. (يَجِبُ) التَّعزيرُ على كُلِّ مُكلَّفٍ. نصَّ عليه في سَبِّ صحابيٍّ، وكَحَدٍّ، وكَحَقِّ آدميٍّ طلَبَه (١). (في كُلِّ مَعصيَةٍ لا حَدَّ فِيها، ولا كفَّارَةَ) كمُباشَرةٍ دُونَ الفَرجِ، وإتيانِ امرأةٍ لامرأةٍ، وسرقَةٍ لا قَطعَ فيها؛ لفَقدِ حِرزٍ، ونَقصِ نِصابٍ، وكَجِنايَةٍ لا قَوَدَ فِيها، كصَفْعٍ، ووَكْزٍ، وهو الدَّفعُ والضَّربُ بجُمعِ الكفِّ. وقوله: "لا حدَّ فيها" أخرَجَ ما أوجَبَ الحدَّ، مِن الزِّنَى، والقَذفِ، والسرقةِ، ونحوِها. وقوله: "ولا كفَّارَةَ" خرجَ به الظِّهارُ، والإيلاءُ، وشِبهُ العَمدِ. (وهُو مِن حُقوقِ اللهِ تعالى، ولا يَحتاجُ في إقامَتِه إلى مُطالَبةٍ، إلَّا إذا شَتَمَ الولَدُ والِدَه، فلا يُعزَّرُ (٢) إلَّا بمُطالَبَةِ والِدِه. ولا يُعزَّرُ الوالدُ بحُقُوقِ ولَدِه).

стр. 1621

ولا يُزَادُ في جَلْدِ التَّعْزِيرِ عَلَى عَشَرةِ أسْوَاطٍ، إلَّا إذَا وَطِئَ أَمَةً لَهُ فِيهَا شِرْكٌ، فيُعزَّرُ بِمِائَةِ سَوْطٍ إلَّا سَوْطًا، وإذا شَرِبَ مُسْكِرًا نَهَارَ رَمَضانَ، فيُعَزَّرُ بعِشْرِينَ (ولا يُزادُ في جَلدِ التَّعزيرِ على عَشَرَةِ أسواطٍ) نصًا؛ لحديثِ أبي بُردَةَ مرفوعًا: "لا يُجلَدُ أحدٌ فوقَ عشَرَةِ أسواطٍ إلَّا في حدٍّ مِن حُدودِ الله". متفق عليه (١). وللحَاكِمِ نَقصُه عن العَشَرَةِ؛ لأنَّه ﵇ قدَّر أكثَرَه ولم يُقدِّر أقلَّه، فيُرجَعُ فيه إلى اجتِهادِ الحاكمِ بحَسَبِ حالِ الشَّخصِ. ويَكونُ التعزيزُ أيضًا بالحَبسِ، والصَّفعِ، والتَّوبيخِ، والعَزلِ عن الوِلايَةِ، وإقامتِه من المجلِسِ، حسبَمَا يراهُ الحاكمُ، ويَصلُبُه حيًا. ولا يُمنَعُ مِن أكلٍ، ووضوءٍ، ويُصلِّي بالإيماءِ، ولا يُعيدُ. وفي "الفنون": للسُّلطانِ سُلوكُ السياسَةِ، وهو الحزمُ عِندَنا. ولا تَقِفُ السياسةُ على ما نطقَ به الشرعُ (٢). (إلَّا إذا وَطِئَ أمةً له فيها شِرْكٌ، فيُعزَّرُ بمائةِ سَوطٍ إلَّا سَوطًا) نصًا. لينقُصَ عن حدِّ الزِّنى. (وإذا شَرِبَ مُسكِرًا في نَهارِ رَمضانَ، فيُعزَّرُ بعِشرين) سَوطًا؛ لما روى أحمدُ: أنَّ عليًّا أُتِيَ بالنَّجاشيِّ قَد شَرِبَ خمرًا في رَمضانَ، فجلَدَه ثمانِينَ الحدَّ، وعِشرينَ سَوطًا؛ لفِطرِه في رَمضانَ (٣).

стр. 1622

مَعَ الحَدِّ. ولا بَأْسَ بتَسْويدِ وَجْهِ مَن يَستحِقُّ التَّعْزِيرَ والمُنَادَاةِ عَلَيْه بِذَنْبِه. ويَحْرُمُ حَلْقُ لِحْيَتِه، وأَخْذُ مَالِهِ. (ولا بأسَ بتَسويدِ وجهِ مَن يَستحقُّ التعزيرَ، والمُنادَاةِ عَليهِ بذَنبِه) ويُطافُ بهِ معَ ضَربه. قال أحمدُ في شاهِدِ الزُّورِ: فيهِ عن عمرَ: يُضرَبُ ظهرُه، ويُحلَقُ رأسُه، ويُسخَّمُ وجهُهُ، ويُطافُ بِهِ، ويُطالُ حَبسُهُ (١). (ويحرمُ حلقُ لِحيَتِه، وأخذُ مالِه) وقَطعُ طَرَفٍ، وجَرحٍ؛ لأنَّهُ مُثلَةٌ. * * *

стр. 1623

فَصْل وَمِنَ الألْفَاظِ المُوجِبَةِ للتَّعْزيرِ قَوْلُه لِغَيْرِهِ: يَا كَافِرُ، يَا فَاسِقُ، يَا فَاجِرُ، يَا شَقِيُّ، يا كَلْبُ، يا حِمَارُ، يَا تَيْسُ، يا رَافِضِيُّ، يا خَبِيثُ، يَا كَذَّابُ، يا خَائِنُ، يا قَرْنَانُ، يَا قَوَّادُ، يا دَيُّوثُ، يا عِلَقُ. ويُعَزَّرُ مَن قَالَ لذِمِّيٍّ: يا حَاجُّ، أوْ لَعَنَه بغَيْرِ مُوجِبٍ. (فَصلٌ) (ومِن الألفَاظِ الموجِبَةِ للتَّعزيرِ: قولُه لِغَيرِه: يا كافِرُ، يا فاسِقُ، يا فاجِرُ، يا شقيُّ، يا كَلبُ، يا حِمارُ، يا تَيسُ، يا رَافِضيُّ، يا خَبيثُ، يا كَذَّابُ، يا خائِنُ، يا قَرنَانُ، يا قوَّادُ، يا ديُّوثُ، يا عِلَقُ). (ويُعزَّرُ مَن قال لذميٍّ: يا حَاجُّ. أو لعَنَهُ بغَيرِ مُوجِبٍ). ومَن عُرِفَ بأذَى النَّاسِ -حتَّى بعَينِه- حُبِسَ حتَّى يموتَ، أو يتوبَ، ونفَقَتُه من بَيتِ المالِ؛ ليدفعَ ضَرَرُهُ. * * *

стр. 1624

بابُ القَطْعِ في السَّرِقَةِ ويَجِبُ بثَمانِيَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَما: السَّرِقَة، وهِيَ: أخْذ مَالِ الغَيْرِ مِن مَالِكِهِ أوْ نَائِبِه، علَى وَجْهِ الاخْتِفَاءِ. فلا قَطْعَ عَلَى مُنْتَهِبٍ، ومُخْتَطِفٍ، وخَائِنٍ (بابُ القَطعِ في السَّرِقَةِ) وهو ثابتٌ بالإجماعِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. وقولِه ﵇ في حديث عائشةَ: "تُقطَعُ اليدُ في رُبعِ دِينارٍ فصاعِدًا" (١). (ويَجِبُ القَطعُ بثمانِيَةِ شُروطٍ): (أحدُها: السَّرِقَةُ) لأنَّه تعالى أوجَبَ القَطعَ على السارقِ، فإذا لم تُوجَدِ السرقةُ، لم يكُن الفاعِلُ سارِقًا. (وهي) أي: السَّرقَةُ: (أخذُ مالِ الغَيرِ من مالكِهِ أو نائِبِه) أي: المالِكِ، (على وجهِ الاختِفَاء). (فلا قَطعَ على مُنتَهِبِ، ومُختَطِفٍ، وخائنٍ) يؤتمَنُ على شيءٍ، فيُخفيهِ أو بعضَه، أو يجحَدُه. من الَتخوُّنِ، وهو: التَّنقيصُ؛ لحديث: "ليسَ على الخائنِ، والمختَلِسِ قَطعٌ". رواهُ أبو داودَ، والترمذيُّ (٢).

стр. 1625

في وَدِيعةٍ، لكنْ يُقْطَعُ جَاحِدُ العَارِيَّةِ. الثَّانى: كَوْنُ السَّارِقِ مُكَلَّفًا، مُخْتارًا، عَالِمًا بِأَنَّ مَا سَرَقَهُ يُساوِي نِصَابًا. الثَّالِثُ: كَوْنُ المَسْرُوقِ مَالًا. لكِنْ لا قَطْعَ بسَرِقَةِ المَاءِ، ولا بإنَاءٍ فِيهِ خَمْرٌ أوْ مَاءٌ، ولا بسَرِقَةِ مُصْحَفٍ، (في وَديعَةٍ) ولا غَيرِها مِن الأمانَاتِ (لكِنْ يُقطَعُ جاحِدُ العاريَّةِ) لما رَوَت عائشةُ: أنَّ امرأةً كانَت تستعيرُ المتاعَ وتجحَدُه، فأمرَ النبيُّ ﷺ بقَطعِ يَدِها. رواه مسلمٌ (١). (الثاني) مِن شُروطِ القَطعِ في السرقَةِ: (كونُ السارِقِ مُكلَّفًا) لأنَّ غيرَ المكلَّفِ مرفوعٌ عنه القَلمُ (مختارًا) لأنَّ المُكرَهَ مَعذورٌ (عالمًا بأنَّ ما سَرَقَه يُساوي نِصَابًا) وتَحريمِه. (الثَّالِثُ) مِن شُروطِ القَطعِ في السرقةِ: (كَونُ المسروقِ مَالًا) لأنَّ غيرَ المالِ ليسَ لهُ حُرمَةُ المالِ، ولا يُساوِيه، فلا يُلحَقُ به. وشَرطُ المالِ: أن يكونَ مُحتَرَمًا؛ لأنَّ غيرَ المحتَرَمِ، كمالِ الحربيِّ، تجوزُ سَرِقَتُه؛ لأنَّه غَيرُ مُحتَرَمٍ. (لكِنْ لا قَطعَ بسَرِقَةِ الماءِ) لأنَّه لا يُتمَوَّلُ عادَةً. (ولا) قَطعَ (باناءٍ فيهِ خَمرٌ أوماءٌ) لاتِّصالِهَا بما لا قَطعَ فيه. (ولا) قَطعَ (بسَرِقَةِ مُصحَفٍ) لأنَّ المقصودَ مِنهُ كلامُ اللهِ تعالى، وهو لا يجوزُ أخذُ العِوَضِ عَنهُ.

стр. 1626

ولا بِمَا عَلَيْه مِن حُلْيٍّ، ولا بكُتُبِ بِدَعٍ وتَصَاوِيرَ، ولا بِآلَةِ لَهْو، ولا بصَلِيبٍ، أوْ صَنَمٍ. الرَّابعُ: كَوْنُ المَسْرُوقِ نِصَابًا، وهُوَ: ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ، أوْ رُبُعُ في ينارٍ، .... (ولا) قَطعَ (بـ) سَرِقَةِ (ما عليه) أي: المُصحَفِ (مِن حُليٍّ) لأنَّه تابعٌ لما لا قَطعَ فَيه. (ولا) قَطعَ (بِكُتُبِ بِدَعٍ وتَصاويرَ) لأنَّها واجِبَةُ الإتلافِ، ومِثلُها سائِرُ الكُتُبِ المحرَّمَةِ. (ولا بـ) سَرِقَةِ (آلَةِ لَهْوٍ) كمِزمَارٍ وطَبلِ غَيرِ حَرب؛ لأنَّه معصيةٌ، كالخَمرِ، ومِثلُه: نَرْدٌ - ويقالُ له: الطَّاوِلَةَ (١) - وشِطرَنجٌ، ومنقَلةٌ. ولأنَّ للسارِق حقًا في أخذِها لكَسرِها، أي: مأمُورٌ بكَسرِها، ولو كانَ عليهِ حِليَةٌ تبلغُ نِصابًا؛ لأنها تابِعَةٌ لما لا قَطعَ فيه. (ولا) يُقطَعُ (بـ) سَرِقَةِ (صَليبِ) نَقدٍ (أو صَنَمِ) نَقدٍ، ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، تبعًا للصِّناعَةِ المحرَّمَةِ المجمعِ على تحريمِها، بخلافِ صِناعَةِ الآنيَةِ، والأوتَارِ التي بالطُّنبُورِ. الشرطُ (الرابع: كونُ المسرُوقِ نِصابًا، وهو) أي: النِّصابُ المسرُوقُ: (ثلَاثَةُ دَرَاهِمَ) خالِصَةٍ، أو ثلاثَةُ دراهِمَ تَخلُصُ مِن فِضَّةٍ مغشُوشةٍ بنَحو نُحاسٍ (أو رَبعُ دِينَارٍ) أي: مِثقَالُ ذَهب. ويَكفِي الوَزنُ مِن الفِضَّةِ الخالصَةِ، أو التِّبرِ الخالِص. فلا قَطعَ بسرقة ما دُونَ ذلك؛ لحديث: "لا تُقطَعُ اليدُ إلَّا في رُبعِ دِينارٍ

стр. 1627

أو مَا يُساوِي أحَدَهُمَا، وتُعتَبَرُ القِيمَةُ حَالَ الإخْرَاجِ. الخامِسُ: إخْرَاجُهُ مِنْ حِرْزٍ، فَلَوْ سَرَقَ مِن غَيْرِ حِرْزٍ، فصاعِدًا". رواهُ أحمدُ، ومسلم، والنسائي، وابنُ ماجه (١). وكانَ رُبعُ الدِّينارِ يَومئذٍ: ثَلاثَةَ دَراهِمَ، والدِّينارُ: اثنَي عَشَرَ دِرهمًا. رواهُ أحمَدُ (٢). ويُكمَّلُ أحَدُهُما بالآخَرِ، فلو سَرَقَ دِرهمًا ونِصفَ دِرهَمٍ مِن خالِصِ الفضَّةِ، وثَمَنَ دِينارٍ مِن خالِصِ الذَّهَبِ، قُطِعَ؛ لأنَّه سرَقَ نِصابًا. (أو) سَرَقَ (مما يُساوِي) قِيمَةَ (أَحَدِهما) أي: نِصابِ الذَّهَبِ أو الفضَّةِ، من غَيرِهِما، كثَوبٍ ونحوِه يُساوِي ذلِكَ. (وتُعتبَرُ القِيمَةُ) أي: قِيمَةُ مَسروقٍ (٣) ليسَ ذَهبًا ولا فِضَّةً (حالَ الإخراجِ) من الحِرزِ (٤)، اعتبارًا بوَقتِ السرقَةِ؛ لأنَّه وقتُ الوجُوبِ؛ لوُجُوبِ السَّببِ فيه، لا ما حدَثَ بعدُ. فلو نَقَصت قيمَةُ مَسروقٍ بعدَ إخراجِه، قُطِعَ؛ لوجودِ النَّقصِ بعدَ السَّرِقَةِ، كما لو نَقَصَت قِيمَتُه باستعمالِه. الشرطُ (الخامِسُ: إخراجُه) أي: النِّصابِ (مِن حِرزٍ) لحديثِ عَمرِو بنِ شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ رَجلًا مِن مُزينَةَ سألَ رسولَ اللهِ ﷺ عن الثِّمَارِ؟

стр. 1628

فَلا قَطْعَ. وحِرْز كُلِّ مَالٍ: مَا حُفِظَ فِيه عادَةً، فنَعْلٌ برِجْلٍ، وعِمَامَةٌ علَى رَأسٍ، حِرْزٌ. ويُخْتَلَفُ الحِرْزُ بالبُلْدَانِ، وبالسَّلاطِينِ. فقالَ: "ما أُخِذَ في أكمَامِه (١) واحتُمِلَ، ففيهِ قِيمَتُه ومِثلُهُ معَه، وما كانَ في الجَرينِ، ففيهِ القَطعُ إذا بلَغَ ثمنَ المِجَنِّ". رواه أبو داود، وابن ماجه (٢). وهو مُخصِّصٌ للآيَةِ. (فلو سَرَقَ مِن غيرِ حِرزٍ، فلا قَطعَ) بأن وجَدَ حِرزًا مَهتوكًا، أو بابًا مفتُوحًا، فأخَذَ منه نِصابًا، فلا قَطعَ؛ لفَواتِ شَرطِه، كما لو أتلَفَه داخِلَ الحِرزِ بأكلٍ أو غيرِه، وعليه ضمانُه. (وحِرزُ كُلِّ مالٍ: ما حُفِظَ فيه) ذلِكَ المالُ (عادَةً) لأنَّ معنى الحِرزِ: الحِفظُ. ومِنهُ: احتَرِزْ مِن كذَا. ولم يَرِدْ مِن الشرعِ بيانُه، ولا لهُ عُرفٌ لُغَويٌّ يتقرَّر بهٍ، كالقَبض، والتفرُّقِ في البَيعِ. (فنَعْلٌ بِرِجْلٍ) ومِثلُهُ خُفٌّ ونحوُه، (وعِمامَةٌ على رأسٍ، حِرْزٌ) خَبرٌ؛ لأنَّه هكَذا يُحرَزُ عادَةً. (ويَختَلِفُ الحِرزُ بالبُلدَانِ) كِبَرًا وصغرًا؛ لخَفَاءِ السَّارِقِ بالبلَدِ الكبيرِ؛ لسَعَةِ أقطارِه أكثَرَ مِنهُ في البلدِ الصغيرِ. (والسَّلاطينِ) مِن عدلٍ وقوَّةٍ، وجَورٍ وضَعفٍ، فإنَّ السّلطانَ العادِلَ يُقيمُ الحُدودَ، فتَقِلُّ السُّرَّاق؛ خوفًا من الرَّفعِ إليه، فيَقطَعَ، فلا يحتاج الإنسان إلى زيادَةِ حِرزٍ.

стр. 1629

ولَو اشْتَرَكَ جَمَاعةٌ في هَتْكِ الحِرْزِ، وإخْرَاجِ النِّصَابِ، قُطِعُوا جَمِيعًا. وإنْ هَتَكَ الحِرْزَ أحَدُهُمَا، ودَخَلَ الآخَرُ فأخْرَجَ المَالَ، فلا قَطْعَ عَلَيهِمَا، ولَوْ تَوَاطَآ. السَّادِسُ: انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ. فلا قَطْعَ بسَرِقَتِه مِن مَالِ فُرُوعِهِ، وإن كانَ جائِرًا يُشارِكُ مَن التَجَأَ إليه مِن الدُّعَّارِ (١)، ويَذبُّ عَنهُم، قَوِيَت صولتُهم، فيَحتاجُ أربابُ الأموالِ لزِيادَةِ التحفُّظِ. وكذا الحالُ معَ قُوَّتِه وضعفِه. (ولو اشتَرَكَ جماعةٌ في هَتكِ الحِرزِ، وإخراجِ النِّصابِ، قُطِعُوا جميعًا) لوجُودِ سببِ القَطعِ مِنهُم -كالقَتلِ- واشتِرَاكِهِم في هَتكِ الحِرزِ، وإخراجِ النِّصابِ. (وإن هَتَكَ الحِرزَ أحدُهُما، ودخَلَ الآخرُ، فأخرَجَ المالَ، فلا قَطعَ عَليهِما) أي: على واحِدٍ مِنهُما؛ لأنَّ الأوَّلَ لم يَسرِق، والثاني لم يَهتِك (ولو تواطآ) على ذلِكَ؛ لأنَّه لا فِعلَ لأحدِهِما فيمَا فعلَه الآخرُ، فلم يبقَ إلا القَصدُ. والقصدُ إذا لم يُقارِنهُ الفِعلُ، لا يترتَّبُ عليه حكمٌ. الشرطُ (السادِسُ: انتِفاءُ الشُّبهَةِ). (فلا قَطعَ بسَرِقَتِه مِن مالِ فُرُوعِه) كولَدِه، وإن سفَلَ؛ لحديث: "أنتَ ومالُكَ لأبيكَ" (٢).

стр. 1630

وأُصُولِه، وزَوْجِهِ، ولا بسَرِقَتِه مِن مَالٍ لَهُ فِيهِ شِرْكٌ، أوْ لأَحَدٍ مِمَّنْ ذُكِرَ. السَّابع: ثُبُوتُهَا، إمَّا بشَهادَةِ عَدْلَيْنِ، ويَصِفَانِهَا، ولا تُسْمَعُ قَبْلَ الدَّعْوَى، أوْ بِإقْرَارٍ مَرَّتَيْنِ، (وأصُولِه) كوَالِدِه، وإن عَلا، فلأنَّ بَينَهُم قرابَةً تَمنَعُ مِن قُبولِ شَهادةِ بَعضِهم لبَعضٍ، ولأنَّ النفقةَ تجِبُ لأحدِهم على الآخَرِ، حِفظًا له، فلا يجوزُ إتلافُه. (و) لا قَطعَ بسَرِقَةٍ مِن مالِ (زَوجِه) أي: زَوجِ السَّارِقِ. (ولا) قطعَ (بسَرِقَتِه مِن مالٍ لهُ فيه شِرْكٌ) كالمالِ المشتَركِ بينَهُ وبينَ شَريكِهِ (أو لأحَدٍ ممَّن ذُكرَ) أي: مِن عَمُودَي نَسبِه وإن عَلا، وابنِه وإن سَفَلَ. ولا بِسَرقَةِ مُسلمٍ مِن بيتِ المالِ. الشَّرطُ (السَّابعُ) مِن شُروطِ السَّرقَةِ: (ثُبُوتُها) أي: السَّرقَةِ: (إمَّا بشَهادَةِ عَدلَين) لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. والأصلُ عُمُومُه. (ويَصِفَانِهَا) أي: السرقِةَ في شَهادَتِهما (١)، وإلَّا لم يُقطَع؛ لأنَّه حدٌّ، فيُدَرأُ بالشُّبهَةِ، كالزِّنى. (ولا تُسمَعُ) شهادَتُهُما (قَبلَ الدَّعوَى) من مالِكِ مَسروقٍ، أو مَن يَقومُ مقامَه. (أو بإقرارٍ مرَّتَين) أي: بإقرارِ السارقِ مَرَّتَين؛ لأنَّه يتضمَّنُ إتلافًا، فاعتُبِرَ تِكرَارُ الإقرارِ فِيهِ، كالزِّنَى. أو يُقالُ: الإقرارُ أَحَدُ حُجَّتَي القَطعِ، فاعتُبِرَ فيه التِّكرَارُ، كالشَّهادَةِ. واحتجَّ أحمدُ في روايَةِ مُهنَّا بما حكاه عن القَاسِم بنِ عبد الرحمن، عن عليٍّ:

стр. 1631

ولا يَرْجِعُ حتَّى يُقطَعَ. الثَّامِنُ: مُطالَبَةُ المَسْرُوقِ مِنْهُ بِمَالِهِ. ولا قَطْعَ عَامَ مَجَاعَةِ غَلاءٍ. فمَتَى تَوفَّرَتِ الشُّرُوطُ، قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنَى مِن مَفْصِلِ كَفِّهِ، وغُمِسَتْ وُجُوباً في زَيْتٍ مَغْلِيٍّ لا تُقطَعُ يدُ السارِقِ حتَّى يشهدَ على نفسِهِ مَرَّتَين (١). (ولا يَرجِعُ حتَّى يُقطَعَ) فإن رجعَ، تُرِكَ ولم يُقطَع. الشَّرطُ (الثامِنُ) من شُروطِ السرقَةِ: (مُطالَبَةُ المسروقِ مِنهُ بمالِه) أو يُطالِبُ بهِ وَكيلُه؛ لأنَّ المالَ يُباحُ بالبَذلِ والإباحَةِ، فيحتَملُ أن يكونَ مالِكُه أباحَه إيَّاهُ. أو وقَفَهُ على جماعةِ المسلمين، أو على طائفَةٍ منهم، فإذا طالَبَ ربُّ (٢) المالِ بهِ، زال هذا الاحتمالُ، وانتفَتِ الشبهَةُ. (ولا قَطعَ عامَ مَجاعَةِ غَلاءٍ) إن لم يجِد سارِقٌ ما يَشتَرِيه، أو ما يَشتَرِي بهِ. نصًا. (فمَتَى توفَّرَت الشروطُ) السابِقَةُ (قُطِعَت يدُهُ اليُمنَى من مَفصِلِ كفِّه) قال في "المبدع" (٣): بلا خِلافٍ (وغُمِسَت وجوبًا في زَيتٍ مَغلىٍّ) لتَنسدَّ أفواهُ العُروقِ، فيَنقَطِعَ الدَّمُ (٤)، إذ لو تُرِكَ بلا حَسمٍ، وهو الغَمسُ، لنَزَفَ الدمُ، فأدَّى إلى مَوتِه.

стр. 1632

وسُنَّ تَعْلِيقُهَا في عُنُقِه ثَلاثَةَ أيامٍ، إنْ رَآه الإمَامُ. فإنْ عَادَ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُسْرَى مِن مَفْصِلِ كَعْبِهِ بتَرْكِ عَقِبِهِ. (وسُنَّ تَعليقُهَا في عُنُقِه ثلَاثةَ أيَّامِ، إن رآهُ الإمامُ) أي: أدَّاهُ إليه اجتهادُه؛ لتتَّعِظَ السرَّاقُ به؛ لما رَوى فَضالَةُ بنُ عُبيدَ أنَّ النبيَّ ﷺ أُتي بِسارِقٍ، فقُطِعَت يدُه، ثمَّ أمَرَ بهِ فَعلِّقَت في عنقه (١). رواه أبو داودَ، وابن ماجه (٢). وفعَلَهُ عليٌّ (٣). (فإن عادَ (٤)) فسَرَقَ (قُطِعَت رِجلُه اليُسرَى مِن مَفصِلِ كعبِه بتَركِ عَقبِه). أمَّا قطعُ الرِّجلِ؛ فلحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا في السارق: "إن سرَقَ، فاقطَعُوا يدَه، ثمَّ إن سرَقَ، فاقطَعُوا رِجلَه" (٥). ولأنَّه قولُ أبي بَكرٍ وعُمرَ، ولا مُخالِفَ لهُما مِن الصحابَةِ. وأمَّا كَونُها اليُسرَى فقياسًا على المحارَبَةِ، ولأنّه أرفَقُ به، ولأنَّ المشيَ على الرِّجلِ اليُمنَى أسهَلُ وأمكَنُ له من اليسرى. وأمَّا كونُه مِن مَفصِلِ كَعبِه وتَركُ عَقبِه؛ فلِما رَوي عن عليِّ أنَّه كان يقطعُ من شَطرِ القَدَمِ، ويتركُ له عَقِبَها يَمشي عَليها (٦). (فإن عادَ) فسَرَقَ (لم يُقطَع، وحُبِسَ حتَّى يموتَ، أو يتوبَ) ويحرُمُ أن

стр. 1633

فإنْ عَادَ، لَمْ يُقْطَعْ، وحُبِسَ حتَّى يَموتَ، أوْ يَتوبَ. ويَجْتَمِعُ القَطْعُ والضَّمَانُ، فيَرُدُّ مَا أخَذَ لِمَالِكِهِ، ويُعِيدُ ما خَرِبَ مِن الحِرْزِ. وعَلَيْه أُجْرَةُ القَاطِعِ، وثَمَن الزَّيْتِ. يُقطَعَ. وحِكمَةُ حَبسِه: كفُّهُ عن السرِقَةِ، وتعزيرُهُ. فلو سَرَقَ شخصٌ ويَمينُهُ، أي: يُمنى يَديه ذَاهِبَةٌ، أو رِجلُهُ اليُسرَى ذاهِبَةٌ، قُطِعَ البَاقِي مِنهُمَا. (ويَجتَمِعُ) على سارِقٍ (القَطعُ والضَّمانُ) أي: ضمانُ ما سرَقَهُ. نصًا؛ لأنَّهُما حقَّانِ لمستَحقَّين، فجازَ اجتماعهُما، كالدِّيَةِ والكفَّارَةِ في قتلِ الخطأ. (فيرُدُّ ما أخذَ (١) لمالِكِه) إن كانَ باقيًا؛ لأنَّه عينُ مالِه. وإن تَلِفَ مَسروقٌ، فعَلَى سارِقهِ مِثلُ مِثليٍّ، وقِيمَةُ غيرِه، كمغصُوبٍ. (ويُعيدُ ما خَرِبَ مِن الحِرزِ) لتعدِّيه. والقياسُ: يَضمَنُ أرشَ نَقصِه. (وعَليه) أي: السَّارِقِ (أُجرَةُ القَاطِعِ) يدَهُ، أو رِجلَه؛ لأنَّ القطعَ حقٌّ وجَبَ عليه الخروجُ مِنه، فكانَت مؤنتُه عليه، كسائرِ الحُقُوقِ. (و) عَليه (ثمنُ الزَّيتِ) حفظًا لنَفسِه؛ إذ لا يُؤمَنُ عليها التلفُ بدُونِه. * * *

стр. 1634

بَاُب حَدِّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وهُم: المُكَلَّفُونَ المُلْتَزِمُونَ، الذينَ يَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ فيَأخُذُونَ أمْوَالَهُم مُجَاهَرَةً. ويُعْتَبَرُ: ثُبُوتُه بِبَيِّنةٍ، أوْ إقْرَارٍ مَرَّتينِ، والحِرْزُ، والنِّصَابُ. (بابُ حَدِّ قُطَّاعِ الطَّريقِ) والأصلُ فيه: قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣] الآية. قال ابنُ عبَّاسٍ وأكثرُ المفسِّرين: نزلَت في قُطَّاعِ الطَّريقِ مِن المسلِمين (١). (وهُم المكلَّفُون) مِن مُسلِمٍ وذميٍّ (المُلتَزِمُون الذين يَخرُجُونَ على النَّاسِ فيأخُذُونَ أموالَهم مجاهَرَةً) لا خِفيَةً. فإن أخذُوا المالَ مُختَفينَ، فهم سُرَّاقٌ، كما تقدَّم الكلامُ في ذلِكَ. وإن خَطَفُوهُ وهرَبُوا، فمُنتَهِبُونَ لا قَطعَ عليهمِ. (ويُعتَبرُ) لوجُوبِ الحدِّ على المحارِبِ ثلاثَةُ شُروطٍ: الأوَّلُ: (ثُبوتُه) أي: قَطعِ الطَّريقِ (ببيِّنَةٍ، أو إقرارٍ مرَّتَين) كسَرِقَةٍ. ذكَرهُ القاضي وغيرُه. (و) الشَّرطُ الثاني: (الحِرزُ) بأن يأخُذَهُ مِن يدِ مُستحقِّه، وهو بالقَافِلَةِ، فلو وجدَهُ مطرُوحًا، أو أخذَهُ مِن سارِقِه أو غاصِبِه، أو مُنفَرِدًا عن قافِلَةٍ، لم يكُن مُحارِبًا. (و) الثالِثُ: (النِّصابُ) الذي يُقطَعُ به السارِقُ.

стр. 1635

ولَهُمْ أرْبَعَةُ أحْكَامِ . إنْ قَتَلُوا ولَمْ يَأخُذُواَ مَالًا، تَحَتَّمَ قَتْلُهُم جَمِيعًا. وَإنْ قَتَلُوا وَأخَذُوا مَالًا، تَحَتَّمَ قَتْلُهُم وَصَلْبُهُمْ حَتَّى يَشْتَهِرُوا. وإنْ أَخَذُوا مَالًا ولم يَقْتُلُوا، قُطِّعَتْ أَيْدِيهِم وأرْجُلُهُم مِنْ خِلافٍ، حَتْمًا في آنٍ واحِدٍ. (ولهم) أي: قطَّاعِ الطَّريقِ (أربعَةُ أحكامٍ): (إن قَتَلُوا، ولم يأخُذُوا مالًا، تحتَّمَ قَتلُهم جميعًا). (وإن قَتلُوا وأخذُوا مالًا، تحتَّمَ قتلُهم وصَلبُهُم حتَّى يَشتَهِرُوا) ليرتَدِعَ غَيرُهم، ثم يُنزَلُوا ويُغسَّلُوا ويُكفَّنُوا ويُصلَّى عليهِم ويُدفَنُوا. ذكرَه في "الإقناع" (١). (وإن أخذُوا مالًا) من حرزٍ لا شبهَةَ لهُ فِيهِ، بخلافِ نَحوِ أبٍ وسيِّدٍ، ما يُقطَعُ السارِقُ في مِثلِهِ؛ لقوله: "لا قَطعَ إلَّا في رُبعِ دِينَارٍ"، ولم يُفصِّل، ولأنَّها جنايَةٌ تَعلَّقَت بها عُقوبَةٌ في حَقِّ غيرِ المحارِبِ، فلا تُغلَّظُ في المُحارِبِ (٢) بأكثَرَ مِن وجهٍ واحِدٍ، كالقَتلِ. (ولم يَقتُلُوا، قُطِّعَت أيدِيهِم وأرجُلِهم مِن خِلافٍ، حتمًا في آنٍ واحِدٍ) فلا يُنتظَرُ بقَطعِ إحداهُما (٣) اندِمَالُ الأخرَى؛ لأنَّه تعالى أمرَ بقَطعِهِمَا بلا تعرُّضٍ لتأخيرٍ، والأمرُ للفَورِ، فتُقطَعُ يُمنَى يَدَيه وتحسم، ثم رِجلُه اليُسرَى وتُحسَمُ.

стр. 1636

وَإِنْ أَخافُوا النَّاسَ ولَمْ يَأخُذُوا مَالًا، نُفُوا مِن الأرْضِ، فَلا يُتْرَكُونَ يَأْوُونَ إلَى بَلَدٍ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُمْ. وَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ القُدْرةِ عَلَيْهِ، سَقَطَتْ عَنْهُ حُقُوقُ اللَّهِ، وَأُخِذَ بِحُقُوقِ الآدَمِيِّينَ. (وإن أخافُوا النَّاسَ ولم يأخُذُوا مالًا، نُفُوا مِن الأرضِ، فلا يُترَكُونَ يأوُون إلى بلَدٍ حتَّى تظهَرَ تَوبَتُهُم) عن قَطعِ الطَريقِ. (ومَن تابَ مِنهُم قَبلَ القُدرَةِ عليهِ، سقَطَت عنهُ حقوقُ اللهِ) مِن صَلبٍ، وقَطعِ يَدٍ ورِجلٍ، ونَفيِ، وتحتُّمِ قَتلٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]. (وأُخِذَ) مَن تابَ مِنهُم قبلَ القُدرَةِ عليهِ، مِن قُطَّاعِ الطَّريقِ، والخوارج، والبغاة، والمرتدين (بحقُوق الآدميِّينَ) مِن الأنفُسِ، والأموالِ، والجِرَاحِ -إلَّا أن يُعفَى لهم عَنها- لأنَّها حُقوقٌ عَليهِم، لم يُعفَ عَنها، فلم تَسقُط، كغَيرِ المحارِبِين (١)، ويدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] فإنَّه يُشعِرُ بسقُوطِ حقِّه دونَ حقِّ غيرِهِ، المبنيِّ على المشاحَّةِ. * * *

стр. 1637

فَصْلٌ ومَن أُريدَ بأَذًى في نَفْسِهِ، أوْ مَالِهِ، أَوْ حَرِيمِهِ، فله دَفْعُهُ بالأسْهَلِ فَالأَسْهَلِ، فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِالقَتْلِ، قَتَلَهُ ولا شَيْءَ عَلَيْهِ. ويَجِبُ أنْ يَدْفَعَ عَنْ حَرِيمِهِ وحَرِيمِ غَيْرِهِ، وَكَذَا -في غَيْرِ الفِتْنَةِ- عَنْ نَفْسِهِ ونَفْسِ غَيْرِهِ وَمَالِه، لا مَالِ نَفْسِهِ. وَلا يَلْزَمُهُ حِفْظُهُ عَن الضَّيَاعِ والهَلاكِ. (فَصلٌ) (ومَن أُريدَ بأَذَى) أي: قُصِدَ بأَذَى (في نَفسِه، أو مالِه) ولو قَلَّ (أو حَريمِهِ) كأُمِّه، وأختِه، أو زوجَتِه، ونحوهِنَّ، لزنًى أو قَتلٍ (فلَهُ دفعُهُ بالأسهَلِ فالأسهَلِ) بما يَظُنُّ اندفاعَهُ بهِ؛ لئلا يُؤدِّيَ إلى تَلَفِه. (فإنْ لم يَندَفِع إلَّا بالقَتلِ، قَتَلَهُ) أي: قتَلَ الصَّائلَ (ولا شيءَ عَليهِ) لظاهِرِ الخَبرِ. (ويجِبُ أن يدفَعَ عن حَريمِه) أي: حُرمَتِه، إذا أُريدَت. نصًا. فمَن رَأى معَ امرأتِه أو بِنتِه ونَحوِهَا رجُلًا يَزني بها، أو مَعَ ولَدِه ونحوِه رجُلًا يلوطُ بهِ، وجبَ عليه قَتلُه، إن لم يَندَفِع بدُونِه؛ لأنَّهُ يُؤدِّي بهِ حَقَّ اللهِ تعالى، مِن الكَفِّ عن الفاحِشَةِ، وحقَّ نفسِه بالمَنعِ عَن أهلِه، فلا يَسَعُه إضاعَةُ الحقَّينِ. (وحريمِ غيرِهِ. وكذَا -في غَيرِ الفِتنَةِ- عن نفسِهِ ونَفسِ غَيرِه) فإن كانَ في فِتنَةٍ لم يجِب الدَّفعُ عن نَفسِه ولا نَفسِ غيره (ومالِه، لا مالِ نَفسِه) يَعني: أنَّه لا يجِبُ على إنسانٍ دَفعُ من أرادَ مالَهُ. (ولا يَلزَمُهُ حِفظُه) أي: ولا يلزَمُ ربَّ المالِ حِفظُ المالِ (عن الضَّياعِ والهَلاكِ) قال في "الفُروع": ولهُ بذلُه لمَن أرادَه مِنهُ ظُلمًا. وذكر القاضِي أنَّهُ أفضَلُ.

стр. 1638

بابُ قِتَالِ البُغَاةِ وهُمُ: الخارِجُونَ علَى الإمَامِ بتَأْوِيلٍ سَائِغٍ، ولَهُمْ شَوْكَةٌ. فَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِن ذَلِكَ، فَقُطَّاعُ طَرِيقٍ. وَنصْبُ الإِمَامِ فَرْضُ كِفَايَةٍ. ويُعْتَبَرُ: كَوْنُهُ قُرَشِيًّا، بَالِغًا، عَاقلًا، سَمِيعًا، بصيرًا، نَاطِقًا، حُرَّا، ذَكَرًا، عَدْلًا، عَالِمًا، ذا بَصِيرةٍ، كَافِيًا ابتداءً ودَوَامًا. ولا يَنْعَزِلُ بِفِسْقِهِ. (بابُ قِتالِ البُغَاةِ) المرادٌ هُنا: الظَّلَمَةُ الخارِجُونَ عن طاعَةِ الإمامِ، المُعتَدُونَ عليه بالجَورِ والظُّلمِ والعُدُولِ عن الحقِّ. (وهُم: الخارِجُونَ على الإمَامِ) ولو غَيرَ عدلٍ (بتأويلٍ سائِغٍ، ولهُم شَوكَةٌ) ومَنَعَةٌ، ولو لم يَكُن فِيهم شَخصٌ مُطاعٌ. (فإن اختَلَّ شَرطٌ مِن ذلِكَ) بأن لم يَكُن خُروجُهُم بتَأويلٍ، أو بتَأويلٍ غَيرِ سائغٍ، أو كانُوا جمعًا يَسيرًا لا شَوكَةَ لهُم، كالعَشَرَةِ، (فقطَّاعُ طَريقٍ) يعني: فحكمُهُم حُكمُ قُطَّاعِ الطَّريقِ. (ونَصبُ الإمامِ فَرضُ كِفايَةٍ) لحاجَةِ النَّاسِ لذَلِكَ. (ويُعتَبرُ: كونُهُ قُرشيًا) أي: مِن قُريشٍ. وشرطُهُ أن يَكونَ (بالِغًا، عاقلًا، سميعًا، بصيرًا، ناطقًا، حُرًا، ذَكَرًا، عدلًا، عالمًا ذا بَصيرَةٍ، كافيًا ابتداءً ودَومًا) أيضًا. (ولا يَنعَزِلُ) الإمامُ (بفسقه) لما في ذلِكَ من المفسدة.

стр. 1639

وَتَلْزَمُهُ مُرَاسَلَةُ البُغَاةِ، وَإزَالَةُ شُبَهِهِمْ، وَمَا يَدَّعُونَهُ مِن المَظَالِمِ. فَإنْ رَجَعُوا، وَإلَّا لَزِمَهُ قِتَالُهُم، ويَجِبُ علَى رَعِيَّتِه مَعُونَتُهُ. وإذَا تَرَكَ البُغَاةُ القِتَالَ، حَرُمَ قَتْلُهُم، وقَتْلُ مُدْبِرِهِم وَجَرِيحِهِم. ولا يُغْنَمُ مَالُهُم، ولا تُسبَى ذَرَارِيهِم، وَيَجِبُ رَدُّ ذَلكَ إلَيهِمْ. ولا يَضْمَنُ البُغْاةُ مَا أتْلَفُوهُ حَالَ الحَرْبِ. وَهُم في شَهَادَتِهِم، وَإمْضَاءِ حُكْمِ حَاكِمِهِم، كَأَهْلِ العَدْلِ. (وتَلزَمُه مُراسَلَةُ البُغاةِ) لأنَّها طَريقٌ إلى الصُّلحِ، ورجوعِهم إلى الحقِّ، (وإزالَةُ شُبَهِهِم)؛ لأنَّ في كَشفِ شبَهِهم رجوعٌ إلى الحقِّ. (و) يلزمُه أيضًا إزالَةُ (ما يدَّعُونَه مِن المظَالِم) لأنَّه وسيلةٌ إلى الصُّلحِ المأمُورِ به؛ لقَولِه تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحُجرَات: ٩]. (فإن رجَعُوا وإلَّا لزِمَهُ قِتالُهم، ويجبُ على رعيَّتِه مَعونَتُه) (١). * * *

стр. 1640

بَابُ حُكْمِ المُرْتَدِّ وهُو مَنْ كَفَرَ بَعْدَ إسْلامِهِ. ويَحْصُلُ الكُفْرُ بأَحَدِ أرْبَعَةِ أُمُورٍ: بالقَوْلِ: كَسَبِّ اللَّهِ تَعالَى أوْ رَسُولِهِ أوْ مَلائِكَتِهِ، أو ادَّعَى النُّبُوَّةَ، أوْ الشَّركَةَ لَهُ تَعالَى. وبالفِعْلِ: كالسُّجُودِ للصَّنَمِ وَنَحْوِهِ، وَكَإلقَاءِ المُصْحَفِ في قَاذُورَةِ. وبالاعْتِقَادِ: كاعْتِقَادِ الشَّرِيكِ لَهُ تَعالَى، أوْ أَنَّ الزِّنَى أوْ الخَمْرَ حَلالٌ، أوْ أنَّ الخُبْزَ حَرَامٌ، ونَحْوِ ذلكَ مِمَّا أُجْمِعَ عَلَيْهِ إجْمَاعًا قَطْعِيًّا. وبِالشَّكِّ في شَئٍ مِن ذَلِكَ . فَمَن ارْتَدَّ - وهُوَ مُكَلَّفٌ - مُخْتَارًا، استُتِيبَ ثَلاثَةَ أيَّامٍ وُجُوبًا. فإنْ تابَ، فلا شَئٍ عَلَيْهِ، وَلا يَحبِطُ عَمَلُه، وإنْ أصَرَّ، قُتِلَ بالسَّيفِ، ولا يَقْتُلُهُ إلَّا الإمَامُ أوْ نَائِبُهُ، فَإنْ قَتَلَهُ غَيْرُهُمَا بِلا إذْنٍ أَسَاءَ وعُزِّرَ، ولا ضَمَانَ ولَوْ كَانَ قَبْلَ اسْتِتَابَتِهِ. ويَصِحُّ إسلامُ المُمَيِّزِ، وَرِدَّتُهُ، لكِنْ لا يُقْتَلُ حتَّى يُستَتَابَ - بَعْدَ بُلُوغِهِ - ثَلاثَةَ أيَامٍ. فَصْلٌ وَتَوْبَةُ المُرتَدِّ، وكُلِّ كَافِرٍ، إِتْيَانُهُ بالشَّهادتَيْنِ، مَعَ رُجُوعِهِ عَمَّا كَفَرَ بِهِ،

стр. 1641

ولا يُغْنِي قَوْلُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، عَنْ كَلِمَةِ التَّوحِيدِ، وَقَولُه: أَنَا مُسْلِمٌ، تَوْبَةً. وإنْ كتَبَ كَافِرٌ الشَّهادَتَيْنِ، صَارَ مُسلِمًا، وَإِنْ قَالَ: أسْلَمْتُ، أَوْ: أَنَا مُسلِمٌ، أَوْ: أنا مُؤمِنٌ، صَارَ مُسلِمًا. ولا يُقْبَلُ في الدُّنْيَا - بِحَسَبِ الظَّاهِرِ - تَوْبَةُ زِنْدِيقٍ، وَهُو المُنافِقُ الَّذِي يُظْهِرُ الإسْلامَ، ويُخْفي الكُفْرَ، ولا مَن تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ، أو سَبَّ اللَّهَ تَعالَى، أوْ رَسُولَه، أوْ مَلَكًا لَهُ. وكذَا مَن قَذَفَ نَبِيًّا، أَوْ أُمَّهُ. ويُقْتَلُ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ كَافِرًا فأسْلَمَ. * * *

стр. 1642

كِتَابُ الأطعِمَةِ يُبَاحُ كُلُّ طَعَامٍ طَاهِرٍ، لا مَضَرَّةَ فِيهِ، حَتَّى المِسْكُ وَنَحْوُهُ. ويَحْرُمُ النَّجِسُ كالمَيْتَةِ، والدَّمُ، ولَحْمُ الخِنْزِيرِ، والبَوْلُ والرَّوَثُ، ولَوْ طَاهِرَيْنِ. ويَحْرُمُ مِن حَيَوَانِ البَرِّ الحُمُرُ الأهْلِيَّةُ، وَمَا يفْتَرِسُ بنَابِهِ، كأَسَدٍ، ونَمِرٍ، وذِئْبٍ، وفَهْدٍ، وكَلْبٍ، وَقِرْدٍ، ودُبٍّ، ونَمْسٍ، وابْنِ آوَى، وابنِ عِرْسٍ، وسِنَّوْرٍ، ولَوْ بَرِيًّا، وثَعْلَبٍ، وسِنْجَابٍ، وسَمُّورٍ. ويَحْرُمُ مِن الطَّيْرِ مَا يَصِيدُ بِمِخْلَبِهِ، كعُقَابٍ، وبَازٍ، وصَقْرٍ، وباشِقٍ، وشاهِينٍ، وحِدَأةٍ، وبُومَةٍ. ومَا يَأكُلُ الجِيفَ، كنَسْرٍ، ورَخَمٍ، وقَاقٍ، وغُرَابٍ، وخُفَّاشٍ، وفَأْرٍ، وزُنْبُورٍ، ونَحْلٍ، وذُ بَابٍ ، وهُدْهُدٍ، وخُطَّافٍ، وقُنْفُذٍ، ونِيصٍ، وحَيَّةٍ، وحَشَراتٍ. ويُؤكَلُ مَا تولَّدَ مِن مَأْكُولٍ طَاهِرٍ، كذُبَابِ البَاقِلَاءِ، ودُودِ الخَلِّ، والجُبْنِ، تَبَعًا لا انفرادًا. فَصْلٌ وَيُباحُ ما عدَا هَذَا ، كبَهِيمَةِ الأنْعَامِ، والخَيْلِ، وباقِي الوَحْشِ، كضَبُعٍ، وزَرَافَةٍ، وأرْنَبٍ، ووبرٍ، ويَرْبُوعٍ، وبَقَرِ وَحْشٍ، وحُمُرِه، وضَبٍّ، وظِبَاءٍ، وباقِي الطَّيْرِ، كنَعَامٍ، ودَجَاجٍ، وطَاوُوسٍ وبَبَّغَاءٍ، وزَاغٍ، وغُرَابِ زَرْعٍ.

стр. 1643

ويحلُّ كُلُّ مَا في البَحْرِ غَيْرَ ضِفْدَعٍ، وحَيَّةٍ، وتِمْساحٍ. وتَحْرُمُ الجَلَّالَةُ - وهِي الَّتي أكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةُ - وَلَبَنُهَا، وبَيضُهَا، حَتَّى تُحْبَسَ ثَلاثًا، وتُطْعَمَ الطَّاهِرَ. ويُكْرَهُ أكْلُ تُرَابٍ، وفَحْمٍ، وطِينٍ، وأُذُنِ قَلْبٍ، وبَصَلٍ، وثُوْمٍ، ونَحْوِهِمَا، مَا لَمْ يُنْضَج بطَبخٍ. فَصْلٌ ومَن اضطُرَّ، جَازَ لَهُ أنْ يَأكُلَ مِن المُحَرَّمِ مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ فَقَطْ، ومَن لَمْ يَجِدْ إلَّا آدَمِيًّا مُبَاحَ الدَّمِ، كحَرْبِيٍّ وَزَانٍ مُحْصَنٍ، فَلَهُ قَتْلُهُ وأَكْلُهُ. ومَن اضطُرَّ إلَى نَفْعِ مَالِ الغَيْرِ مَعَ بَقَاءِ عَينِهِ، وَجَبَ عَلَى رَبِّبه بَذْلُه مَجَّانًا. وَمَنْ مَرَّ بِثَمَرَةِ بُسْتَانٍ لا حَائِطَ عَلَيهِ، وَلا نَاظِرَ، فَلَهُ - مِن غَيْرِ أَنْ يَصْعَدَ على شَجَرِه، أو يَرمِيَه بِحَجَرٍ - أنْ يَأكُلَ، ولا يَحْمِلُ. وكذلك البَاقِلَاءُ والحِمُّصُ. وتَجِبُ ضِيافَةُ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ في القُرَى دُونَ الأمْصَارِ يَوْمًا ولَيْلَةً، وتُسْتَحَبُّ ثَلاثًا. * * *

стр. 1644

بابُ الذَّكَاةِ وهِي: ذَبْحُ أوْ نَحْرُ الحَيَوانِ المَقْدُورِ عَلَيْهِ. وشُرُوطُهَا أرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: كَوْنُ الفَاعِلِ عَاقِلًا، مُمَيِّزًا، قاصِدًا للذَّكَاةِ. فيَحِلُّ ذَبْحُ الأنْثَى، والقِنِّ، والجُنُبِ، والكِتَابِيِّ، لا المُرْتَدِّ والمَجُوسِيِّ، والوَثَنِيِّ، والدُّرْزِيِّ، والنُّصَيْرِيِّ. الثانِي: الآلَةُ. فيَحِلُّ الذَّبْحُ بكُلِّ مُحَدَّدٍ مِن حَجَرٍ، وقَصَبٍ، وخَشَبٍ، وعَظْمٍ، غَيْرَ السِّنِّ والظُّفُرِ. الثَّالِثُ: قَطْعُ الحُلْقُومِ، والمَرِيءِ. ويَكْفي قَطْعُ البَعْضِ مِنْهُمَا، فَلَوْ قَطَعَ رَأْسَهُ، حَلَّ. وَيَحِلُّ ذَبْحُ مَا أَصَابَهُ سَبَبُ المَوْتِ، مِن مُنْخَنِقَةٍ، ومَرِيضَةٍ، وأَكِيلَةِ سَبُعٍ، ومَا صِيدَ بشَبَكَةٍ، أوْ فَخٍّ، أوْ أنْقَذَهُ مِن مَهْلَكَةٍ، إنْ ذَكَّاهُ وفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، كتَحْرِيكِ يَدِهِ أوْ رِجْلِهِ، أَوْ طَرَفِ عَيْنِهِ. وَمَا قُطِعَ حُلْقُومُه، أوْ أبِينَتْ حِشْوَتُهُ، فوجُودُ حَياتِهِ كَعَدَمِهَا، لكِنْ لَوْ قَطَعَ الذَّابِحُ الحُلْقُومَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ قَبْلَ قَطْعِ المَرِيءِ، لَمْ يَضُرَّ إنْ عَادَ فتَمَّ الذَّكَاةَ عَلَى الفَوْرِ.

стр. 1645

وَمَا عَجَزَ عَنْ ذَبْحِهِ، كوَاقِعٍ في بِئْرٍ، أوْ مُتوحِّشٍ، فذَكَاتُه بِجَرْحِهِ في أَيِّ مَحَلٍّ كَانَ. الرَّابِعُ: قَوْلُ: بِسْمِ اللَّهِ - لا يُجْزِئُ غَيرُهَا - عِنْدَ حَرَكَةِ يَدِهِ بِالذَّبْحِ. وتُجْزِئُ بغَيْرِ العَربيَّةِ، ولَوْ أحْسَنَهَا. ويُسَنُّ التَّكْبِيرُ. وتَسْقُطُ التَّسْمِيَةُ سَهْوًا، لا جَهْلًا. ومَن ذَكَرَ مَعَ اسْمِ اللَّهِ تَعالَى اسْمَ غَيرِه، لَمْ تَحِلَّ. فَصْلٌ وتَحْصُلُ ذَكَاةُ الجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ. وَإِنْ خَرَجَ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً، لَمْ يُبَحْ إلَّا بِذَبْحِهِ. وَيُكْرَهُ الذَّبْحُ بِآلَةٍ كَالَّةٍ، وسَلْخُ الحَيَوَانِ، أوْ كَسْرُ عُنُقِه قَبلَ زُهُوقِ نَفْسِهِ. وَسُنَّ تَوجِيهُهُ للقِبلَةِ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْسَرِ، والإسْرَاعُ في الذَّبْحِ. وَمَا ذُبِحَ فَغَرِقَ، أَوْ تَرَدَّى مِنْ عُلُوٍّ، أوْ وَطِئَ عَلَيهِ شَئٌ يَقْتُلُه مِثْلُهُ، لَمْ يَحِلَّ. * * *

стр. 1646

كتابُ الصَّيْدِ يُبَاحُ لِقَاصِدِهِ، وَيُكْرَهُ لَهْوًا. وَهُوَ أفْضَلُ مَأْكُولٍ. فَمَنْ أدْرَكَ صَيْدًا مَجْرُوحًا مُتَحَرِّكًا فَوْقَ حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ، وَاتَّسَعَ الوَقْتُ لتَذْكِيَتِه، لَمْ يُبَحْ إلَّا بِهَا. وَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ، بَلْ مَاتَ في الحَالِ، حَلَّ بأرْبَعَةِ شُرُوطٍ: أحدُهَا: كَوْنُ الصَّائِدِ أهْلًا للذَّكَاةِ حَالَ إِرْسَالِ الآلَةِ. وَمَنْ رَمَى صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ، ثُمَّ رَمَاهُ ثَانِيًا فقَتَلَهُ، لَمْ يَحِلَّ. الثَّانِي: الآلَةُ، وَهِيَ نَوْعَانِ: مَا لَهُ حَدٌّ يَجْرَحُ، كَسَيْفٍ، وسِكِّينٍ، وسَهْمٍ. الثَّانِي: جَارِحَةٌ مُعَلَّمَةٌ، كَكَلْبٍ غَيرِ أسْوَدَ، وفَهْدٍ، وبَازٍ، وصَقْرٍ، وعُقَابٍ، وشَاهِينٍ. فتَعْلِيمُ الكَلْبِ والفَهْدِ بثَلاثَةِ أُمُورٍ: بِأَنْ يَستَرْسِلَ إذَا أُرْسِلَ، ويَنْزَجِرَ إذَا زُجِرَ، وَإذَا أمْسَكَ لَمْ يَأكُلْ. وَتَعْلِيمُ الطَّيْرِ بِأَمْرَيْنِ: بِأَنْ يُسْتَرْسِلَ إِذَا أرْسِلَ، ويَرْجِعَ إِذَا دُعِيَ. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَجْرَحَ الصَّيدَ، فَلَوْ قَتَلَهُ بصَدْمٍ، أوْ خَنْقٍ، لَمْ يُبَحْ. الثَّالِثُ: قَصْدُ الفِعْلِ، وَهُوَ: أنْ يُرسِلَ الآلَةَ لِقَصْدِ الصَّيْدِ. فَلَوْ سَمَّى وَأَرْسَلَهَا، لا لِقَصْدِ الصَّيدِ، أَوْ لقَصْدِهِ ولَمْ يَرَهُ، أَوْ اسْتَرسَلَ

стр. 1647

الجَارِحُ بنَفْسِهِ فقَتَلَ صَيْدًا، لَمْ يَحِلَّ. الرَّابِعُ: قَوْلُ: بِسْمِ اللَّهِ، عِنْدَ إرْسَالِ جَارِحِهِ، أوْ رَمْيِ سَلاحِهِ، ولا تَسْقُطُ هُنَا سَهْوًا. وَمَا رُمِيَ مِن صَيْدٍ فَوَقَعَ في مَاءٍ، أوْ تَرَدَّى مِنْ عُلُوٍّ، أوْ وَطِئَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وكُلٌّ مِن ذَلِكَ يَقْتُلُ مِثْلُهُ، لَمْ يَحِلَّ. ومِثْلُه لَوْ رَمَاهُ بِمُحَدَّدٍ فِيهِ سُمٌّ. وإِنْ رَمَاهُ بِالهَوَاءِ، أوْ عَلَى شَجَرةٍ، أوْ حَائِطٍ، فسَقَطَ مَيِّتًا، حَلَّ. * * *

стр. 1648

كتابُ الأَيمَانِ لا تَنْعَقِدُ اليَمِينُ إِلَّا باللَّهِ تَعالَى، أوْ اسْمٍ مِنْ أسْمَائِهِ، أوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، كعِزَّةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ وأَمَانَتِهِ. وَإِنْ قَالَ: يَمِينًا باللَّهِ، أَوْ قَسَمًا، أَوْ: شَهَادَةً، انْعَقَدَتْ. وتَنْعَقِدُ بالقُرْآنِ، وبالمُصْحَفِ، وبالتَّوْرَاةِ، ونَحْوِهَا مِن الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ. ومَنْ حَلَفَ بِمَخْلُوقٍ، كالأولياءِ والأَنْبِياءِ ﵈، أَوْ بالكَعْبَةِ وَنَحْوِهَا، حَرُمَ، ولا كَفَّارَةَ. فَصْلٌ وَشُرُوطُ وُجُوبِ الكَفَّارَةِ خَمْسَةُ أَشْيَاءٍ: أَحَدُهَا: كَوْنُ الحَالِفِ مُكَلَّفًا. الثَّانِي: كَوْنُهُ مُخْتَارًا. الثَّالِثُ: كَوْنُهُ قَاصِدًا لليَمِين، فَلا تَنْعَقِدُ مِمَّنْ سَبَقَ عَلَى لِسَانِهِ بِلا قَصْدٍ، كَقَوْلِهِ: لا وَاللَّهِ، وَبَلَى واللَّهِ، في عُرْضِ حَدِيثِهِ. الرَّابعُ: كَوْنُهَا عَلَى أَمْرٍ مُسْتَقبَل، فَلا كَفَّارَةَ عَلَى مَاضٍ، بَلْ إنْ تَعَمَّدَ الكَذِبَ فَحَرَامٌ، وإلَّا فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ. الخَامِسُ: الحِنْثُ بِفِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، أَوْ تَرْكِ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1649

فَإنْ كَانَ عَيَّنَ وَقْتًا، تَعَيَّنَ، وإلَّا لم يَحْنَثْ حَتَّى يَيَأْسَ مِنْ فِعْلِهِ بتَلَفِ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ، أوْ مَوْتِ الحَالِفِ. ومَن حَلَفَ باللَّهِ: لا يَفْعَلُ كَذَا، أوْ لَيَفْعَلَنَّ كَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ: إنْ أَرادَ اللَّهُ، أَوْ: إلَّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، وَاتَّصَلَ لَفْظًا، أوْ حُكْمًا، لَمْ يَحْنَثْ، فَعَلَ أوْ تَرَكَ، بِشَرطِ أنْ يَقْصِدَ الاسْتِثْنَاءَ قَبلَ تَمَامِ المُسْتَثْنَى مِنْة. فَصْلٌ ومَن قالَ: طعامِي عَلَيَّ حَرَامٌ، أوْ: إنْ أكَلْتُ كَذَا فَحَرَامٌ، أوْ: إنْ فَعَلْتُ كَذَا فحَرَامٌ، لَمْ يَحْرُمْ، وعَلَيْه إنْ فَعَلَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. ومَنْ قَالَ: هُو يَهودِيٌّ، أوْ نَصْرَانِيٌّ، أو يَعْبُدُ الصَّلِيبَ، أوْ الشَّرقَ، إنْ فَعَلَ كَذَا، أوْ: هُو بَرِيءٌ مِن الإسْلامِ، أوْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، أوْ: هُوَ كَافِرٌ باللَّهِ تَعَالَى إنْ لَمْ يَفْعَلْ كَذَا، فَقَد ارْتَكَبَ محَرَّمًا، وعَلَيْهِ كَفَّارة يَمِينٍ إنْ فَعَلَ مَا نَفَاهُ، أَوْ تَرَكَ مَا أثْبَتَهُ. وَمَنْ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بأنَّه حَلَفَ باللَّهِ، وَلَمْ يَكنْ حَلَفَ، فَكَذِبَةٌ لا كَفَّارَةَ فِيهَا. فَصْلٌ وكَفَّارَةُ اليَمِينِ عَلَى التَّخْيِيرِ: إطْعَامُ عَشرَةِ مَساكِينِ، أوْ كِسْوَتُهُمْ، أوْ تَحْريرُ رَقَبةٍ مؤمِنَةٍ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ، صَامَ ثَلاثَةَ أيَّامٍ مُتتابِعَةً وُجُوبًا، إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1650

ولا يَصِحُّ أنْ يُكَفِّرَ الرَّقِيقُ بغَيْرِ الصَّوْمِ، وعَكْسُهُ الكَافِرُ. وإخْرَاجُ الكفَّارَةِ قَبْلَ الحِنْثِ وبَعْدَه سَوَاءٌ. وَمَن حَنِثَ، وَلَوْ فِي ألْفِ يَمِينٍ باللَّهِ تَعالَى، ولَم يُكفِّرْ، فكفَّارَةٌ واحِدَةٌ. * * * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →