← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 803

شرح دليل الطالب - عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

Полный текст (1 686 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فتحرم صلاة التطوُّع في هذِه الأوقاتِ، ولا تنعقدُ، ولو جَاهِلًا للوقتِ والتَّحريم، سِوَى سُنَّةِ الفَجرِ قبلَهَا، وركعتي الطَّواف، وسُنَّةِ الظُّهرِ إذا جَمَعَ، تغربَ". رواه مسلمٌ (١). (فتحرمُ صلاةُ التطوعِ في هذه الأوقاتِ) الخمسةِ (ولا تنعقدُ) صلاةُ التطوعِ (ولو) كانَ المصلِّي (جاهلًا للوقتِ والتحريمِ) لأنَّ النهيَ في العباداتِ يقتضي الفسادَ. وظاهرُه: أنَّه لا يبطلُ تطوعٌ ابتدأه قبلَه بدخولِه، لكنْ يأثَمُ بإتمامِه (سوى سُنَّةِ الفجرِ قبلَها) أي: صلاةٍ الفجرِ، فلا يجوزُ بعدَها حتى ترتفعَ الضمسُ قيْدَ رُمحٍ. واختارَ صاحبُ "المغني" والشارح: جوازَ قضاءِ سنةِ الفجرِ بعدَ صلاةٍ الفجرِ. (و) سوى (ركعتي الطوافِ) في الأوقاتِ الخمسةِ؛ لحديثِ جُبير بنِ مطعمِ مرفوعًا: "يا بني عبدِ منافٍ، لا تمنعوا أحدًا طافَ بهذا البيتِ، وصلَّى فيه، في أيّ ساعةٍ شاءَ من ليل، أو نهارٍ". رواه الأثرمُ، والترمذيُّ (٢) وصحَّحه. ولأنَّهما تبعٌ له، وهو جائزٌ كلَّ وقتٍ (و) سِوى (سُنةِ الظهرِ إذا جمَعَ) جمعَ تأخيرٍ؛ لحديثِ أمِّ سلمةً قالتْ: دخلَ عليَّ رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ يومٍ بعدَ العصرِ، فصلَّى ركعتين، فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، صليتَ صلاةً لم أكُن أراكَ تصلِّيها؟ فقال: "إنِّي كنتُ أصلِّي ركعتين بعدَ الظهرِ، وإنَّه قدِمَ وفدُ بني تميمٍ، فشغلوني عنهما، فهما هاتانِ الركعتانِ". متفقٌ عليه (٣).

стр. 387

وإعادةِ جَمَاعةٍ أُقيمت وهو بالمسجد. ويجوزُ فيها قضاءُ الفرائِض، وفِعلُ المنذورَةِ، ولو نذَرَها فيهَا. قال شارح "المقنع" (١): والصحيحُ أنَّ السننَ الراتبةَ تُقضى بعد العصرِ (و) سِوى (إعادةِ جماعةٍ أُقيمتْ وهو بالمسجدِ) لحديثِ أبي ذرٍ مرفوعًا: "صلِّ الصَّلاةَ لوقتِها، فإنْ أُقيمتْ وأنتَ في المسجدِ فصلِّ، ولا تقلْ: إنِّي صليتُ، فلا أصلِّي" رواه أحمدُ ومسلمٌ (٢). والمرادُ بإعادتِها: أنْ يعيدَ الصَّلاةَ مع الجماعةِ، سواءٌ كان صلَّاها وحدَه، أو في جماعةٍ. واحترزَ بقولِهِ: "أقيمتْ وهو بالمسجدِ" عمَّا إذا دخلَ وهمْ يصلُّون، فإنَّها لا تجوزُ في وقتِ النهي؛ لأنَّا إنَّما جوَّزْناها لمَنْ في المسجدِ؛ لخوفِ التُّهمةِ في حقِّه وحقِّ الإمامِ، وذلك مفقودٌ فيمَنْ كان خارجَه. انتهى. (ويجوزُ فيها) أي: في أوقاتِ النهي (قضاءُ الفرائضِ) الفائتةِ، وفاقًا لمالكٍ والشافعيِّ؛ لعمومِ حديثِ: "مَنْ نامَ عن صلاةٍ، أو نسيَها، فلْيصلِّها إذا ذكَرَها". متفقٌ عليه (٣). (و) يجوزُ (فعلُ المنذورَةِ) بأن نذَرَ أن يصلِّي، وأطلق (ولو) كان (نذرَها) أي: الصَّلاةَ (فيها) مقيِّدًا بوقتٍ من أوقات النهي، بأنْ يقولَ: للَّه عليَّ أنْ أصلِّيَ ركعتين عند طلوعِ الشمسِ، أو عندَ قيامِها، أو عندَ غروبها، ونحوِ ذلك؛ لأنَّها صلاةٌ واجبةٌ، فأشبهتِ الفرائضَ

стр. 388

والاعتبار في التَّحريمِ بعدَ العصرِ بفرَاغ صلاةٍ نفسِهِ، لا بشروعِه فيها، فلو أحرَم بها ثمَّ قلبَها نفلًا، لم يُمنَع من التطوُّع. وتُباحُ قراءةُ القرآن في الطَّريق، ومَعَ حَدَثٍ أصغَرَ، ونجاسَةِ ثوبٍ، وبَدَنٍ، وفَمٍ. (والاعتبارُ في التحريمِ بعد العصرِ بفراغِ صلاةٍ نفسِه) فمَنْ لم يصلِّ العصر، أُبيحَ له التنفُّلُ، وإنْ صلَّى غيرُه، ومَنْ صلَّاها فليس له التنفُّلُ، وإنْ صلَّى وحدَه؛ لحديث أبي سعيدٍ وغيرِه: "لا صلاةَ بعد صلاةٍ العصرِ حتى تغربَ الشمسُ". فالاعتبارُ بفراغِها (لا بشروعِه فيها) أي: في صلاةٍ العصرِ (فلو أحرمَ بها، ثمَّ قلبَها نفلًا، لم يُمنعْ من التطوُّعِ) لكونِه لَمْ يصلِّ العصرَ، فلا يدخلُ وقتُ النهي حتى يصلِّيَها، فمَنْ لَم يصلِّ العصرَ حتى اصفرَّتِ الشمس، فاصفرارُها هو أوَّلُ وقتِ النهي في حقِّه (وتُباحُ قراءةُ القرآنِ في الطريقِ) لما رُوي عن إبراهيمَ التيميِّ قال: كنتُ أقرأُ على أبي موسى، وهو يمشي في الطريقِ. وتُباحَ أيضًا قائمًا، وقاعدًا، ومضطجعًا، وراكبًا، وماشيًا. وهلْ تباحُ قراءتُه في الطريقِ سرًّا أو جهرًا؟ ظاهرُه: ولو جهرًا. وكرِهَها ابنُ عقيلٍ بأسواقٍ يُنادى فيها ببيعٍ. وحرُمَ رفعُ صوتٍ بها معَ اشتغالِهم بتجارةِ وعدمِ استماعِهم له، لما فيه من الامتهانِ. وكُرِه رفعُ صوتٍ بقراءةٍ تغلِّطُ (١) المصلِّينَ. قال المصنِّفُ في "الغاية" (٢): ويتجه: التحريمُ للإيذاءِ. (و) تباحُ (مع حدثٍ أصغرَ، و) معَ (نجاسةِ ثوبٍ، و) نجاسةِ (بدَنٍ، و) نجاسةِ (فمٍ) لأنَّه لا دليلَ على المنعِ

стр. 389

وحفظُ القرآنِ فرضُ كفايةٍ. ويتعيَّنُ حِفظُ ما يجِبُ في الصَّلاة. (وحفظُ القرآنِ فرضُ كفايةٍ) إجماعًا (ويتعيَّنُ حفظُ ما يجبُ في الصَّلاة) وهو الفاتحةُ فقط، على المذهبِ، ثمَّ يتعلمُ من العلمِ ما يحتاجُ إليه في أمورِ دينه، وجوبًا. قال في "الفروع" (١): يتوجَّه: أنْ يقدِّمَ بعد القراءةِ الواجبةِ العلمَ. كما يقدِّمُ الكبيرُ نفلَ العلمِ على نفلِ القراءةِ. * * *

стр. 390

بابُ صلاةِ الجماعَةِ تجمبُ على الرِّجَالِ الأحرارِ القادِرين، حضرًا وسفرًا. وأقلُّها: إمامٌ ومأمومٌ ولو أنثى. ولا تنعقِدُ بالمميِّز في الفرضِ. وتُسنُّ الجماعةُ بالمَسجِدِ، (بابُ صلاةٍ الجماعةِ) وأحكامها وما يبيحُ تركَها، وما يتعلَّقُ بذلك (تجبُ) الصَّلاةُ (١) وجوبَ عينٍ (على الرِّجالِ) لا النِّساءِ والخَنَاثى (الأحرارِ) دون العبيدِ والمُبَعَّضين (القادرينَ) عليها، دون ذوي الأعذارِ (حضرًا وسفرًا) متعلِّقٌ بـ: "تجب". (وأقلُّها) أي: الجماعةِ (إمام ومأموم) أي: اثنان. فتنعقدُ الجماعةُ بهما؛ لحديثِ أبي موسى مرفوعًا: "الاثنانِ فما فوقَهما جماعةٌ". رواه ابنُ ماجه (٢) (ولو أُنثى) والإمامُ رجلٌ، أو أُنثى (ولا تنعقِدُ) الجماعةُ (بالمميِّزِ في الفرضِ) وعُلِمَ منه: أنَّه يصحُّ أنْ يؤمَّ صغيرًا في نفلٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمَّ ابنَ عباسٍ، وهو صبيٌّ، في التهجُّدِ (٣). وعنه: يصحُّ أيضًا في الفرضِ، كما لو أمَّ رجلًا متنفِّلًا. قالَهُ في "الكافي" (٤). (وتُسنُّ الجماعةُ بالمسجدِ) للأخبارِ، ولإظهارِ الشِّعارِ، وكثرةِ الجماعةِ. وله

стр. 391

وللنساءِ منفرِدَاتٍ عن الرِّجال. فعلُها في بيتِه، وفي صحراءَ، لقولِه ﵇: "جعلتْ ليَ الأرضُ مسجدًا وطهورًا، فأيُّما رجلٍ أدركتْهُ الصَّلاةُ، فليصلِّ حيثُ أدركتْه". متفقٌ عليه (١). وفعلُها في المسجدِ أفضلُ؛ لأنَّه السنَّةُ. وحديثُ: "لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلَّا في المسجدِ" (٢). يحتملُ: لا صلاةَ كاملةً؛ جمعًا بين الأخبارِ. قال بعضُهم: وإقامتُها في الرُّبطِ، والمدارسِ، ونحوِها، قريبٌ من إقامتِها في المساجدِ. نعم إنْ كان ذهابُه إلى المسجدِ يؤدِّي إلى انفرادِ أهلِه، فالمتَّجهُ: إقامتُها في بيتِه؛ تحصيلًا للواجبِ. ولو دارَ الأمرُ بين فعلِها في المسجدِ فذًّا، وبين فعلِها في بيتِه جماعةً، تعيَّنَ فعلُها في بيتِه؛ تحصيلًا للواجب. ولو دارَ الأمرُ بين فعلِها في المسجدِ في جماعةٍ يسيرةٍ، وفعلِها في بيتِه في جماعهٍ كثيرةٍ، كان فعلُها في المسجدِ أوْلى (٣) (و) تُسنُّ الجماعةُ (للنِّساءِ منفرداتٍ عن الرِّجالِ) سواءٌ أمَّهنَّ رجلٌ أم امرأةٌ؛ لفعلِ عائشةَ (٤)، وأمِّ سلمةَ (٥). ذكرَهُ الدارقطنيُّ. وأمرُه ﵇ (٦) أمَّ ورقةَ، بأنْ تجعلَ لها مؤذِّنًا يُؤذِّنُ لها، وأمرَها أنْ تؤمَّ أهلَ دارِها. رواه أبو داودَ، والدارقطنيُّ (٧).

стр. 392

وحرُمَ أن يُؤمَّ بمسجِدٍ له إمامٌ راتبٌ، فلا تصِحُّ إلا مع إذنِه إن كَرِهَ ذلِك، ما لم يضِقِ الوقتُ. ولأنَّهنَّ من أهلِ الفرضِ، أشبهنَ الرِّجالَ. (وحرُمَ أنْ يُؤمَّ بمسجدٍ له إمامٌ راتب) بغيرِ إذنِه، قبلَه؛ لأنَّه بمنزلةِ صاحبِ البيتِ، وهو أحقُّ بالإمامةِ ممَّنْ سواهُ؛ لحديثِ: "لا يُؤَمَّنَ الرَّجلُ في بيتِه إلَّا بإذنِه" (١). قال المصنِّفُ في "الغاية" (٢): ويتَّجه: وصاحبُ بيتٍ أهلٌ (٣) لها، كراتِبٍ. ولا يحرُمُ أنْ يؤمَّ بعد الراتبِ. قال في "الإقناع" (٤): ويتوجَّه: إلَّا لمَنْ يُعادي الإمامَ. لقصدِه الإيذاءَ إذنْ، فيُشبِهُ ما لو تقدَّمَه. (فلا تصحُّ) إمامةُ غيرِ الراتبِ قبلَه في ظاهرِ كلامِهم، للنَّهي، وقدَّمَ في "الرعاية": تصحُّ مع الكراهةِ. ومقتضى كلامِ ابنِ عبدِ القويِّ: الصَّحةُ. (إلا معَ إذنِه) أي: الرِّاتبِ. فيباحُ للمأذونِ أنْ يؤمَّ. وتصحُّ إمامتُه (إنْ كَرِه ذلك) أي: كَرِه صلاةَ غيرِه (ما لمْ يَضقِ (٥) الوقتُ) لأنَّ أبا بكرٍ رضي اللَّه تعالى عنه، صلَّى حين (٦) غابَ النبىُّ ﷺ . (٧). وفعلَه عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، فقال النبيُّ ﷺ :

стр. 393

ومن كبَّر قبل تسليمةِ الإمامِ الأُولى أدركَ الجماعَة. ومن أدرك الركوعَ - غيرَ شاكٍّ- أدركَ الركعةَ، واطمأنَّ، ثم تابَع. "أحسنْتُم". رواه مسلمٌ (١). ولتَعَيُّنِ تحصيلِ الصَّلاةِ إذنْ. وسواءٌ علِمَ عذرَه أو لا (ومَنْ كبَّرَ قبل تسليمةِ الإمامِ الأولى، أدركَ الجماعةَ) فيبني، ولا يُجدِّدُ إحرامًا؛ لأنَّه أدركَ جزءًا من الصَّلاةِ مع الإمامِ، فأشبَه ما لو أدركَ ركعةً، فيحصلُ له فضلُ الجماعةِ. وإنْ كبَّرَ بين التسليمتين، لم تنعقد (٢). (ومَنْ أدركَ الركوعَ) مع الإمامِ؛ بأنِ اجتمعَ معه فيه، بحيثُ ينتهي إلى قدرِ الإجزاءِ من الركوعِ قبلَ أنْ يزولَ إمامُه عن قدرِ الإجزاءِ منه (غيرَ شَاكٍّ) في إدراكِ الإمامِ راكعًا قبلَ رفعِ رأسِه من الركوعِ، فقدْ (أدركَ الركعةَ) لحديث: "مَنْ أدركَ الركوعَ، فقدْ أدركَ الركعةَ". رواه أبو داود (٣). ولأنه لم يفُتْه من الأركانِ غيرُ القيامِ، وهو يأتي به مع التكبير، ثمَّ يدركُ مع الإمامِ بقيةَ الركعةِ. وعُلِمَ منه: أنَّه لو شكَّ: هلْ أدرَكَه راكعًا، أو لا. لم يعتدَّ بها، ويسجدُ للسهوِ. وإنْ كبَّرَ والإمام في الركوعِ، ثمَّ لمْ يركعْ حتى رفعَ إمامُه، لم يدركْه، ولو أدركَ ركوعَ المأمومين. وإنْ أتمَّ التكبيرةَ في انحنائِه، انقلبتْ نفْلًا. (واطمأنَّ، ثمَّ تابعَ) إمامَه، وأجزأتْه تكبيرةُ الإحرامِ عن تكبيرةِ الركوعِ، نصًّا. وإنْ نوى بتكبيرتِه الانتقالَ مع الإحرامِ، أو وحدَه، لم تنعقدْ. والأفضل أنْ يأتيَ بتكبيرتين.

стр. 394

وسُنَّ دخولُ المأمومِ مع إمامِه كيفَ أدركَه. وإن قامَ المسبوقُ قبلَ تسليمَةِ إمامِه الثانيةِ، ولم يرجع، انقلَبت نفلًا. وإذا أُقيمَتِ الصلاةُ التي يريدُ أن يُصُلِّىَ معَ إمامِهَا، لم تنعقدِ نافلته، (وسُنَّ دخولُ المأمومِ مع إمامِه كيفَ أدرَكه) وإنْ لم يعتدَّ له بما أدركَه فيه؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "إذا جئْتُم إلى الصَّلاةِ ونحن سجودٌ، فاسجدوا، ولا تعدُّوها شيئًا" (١). (وإنْ قامَ المسبوقُ قبلَ تسليمةِ إمامِه الثانيةِ، ولمْ يرجعْ) ليقومَ بعد سلامِها (انقلبتْ) صلاتُه (نفْلًا) لتركِه العودَ الواجبَ لمتابعةِ إمامِه بلا عذرٍ، فيخرجُ من الائتمامِ، ويبطلُ فرضُه. (وإذا أقيمتْ) أي: شرعَ المؤذِّنُ في إقامةِ (الصَّلاةِ التي يريدُ أنْ يصلِّيَ مع إمامِها) وإلا لم يمتنْع عليه، كما لو أقيمتْ بمسجدٍ لا يريدُ الصَّلاةَ فيه. قاله في "الفروع" توجيهًا. قال في "الإقناع" (٢): في المسجدِ وغيرِه، ولو ببيتِه. (لمْ تنعقدْ ناقلتُه) راتبةً، وغيرَها ممَّنْ لم يصلِّ تلك الصَّلاةَ، لحديثِ: "إذا أقيمتِ الصَّلاةُ، فلا صلاةَ إلا المكتوبةَ". متفقٌ عليه (٣). وكان عمرُ يضربُ على صلاةٍ بعدَ الإقامةِ (٤). وإنْ جهِلَ الإقامةَ، فكجهلِ وقتِ نهيٍّ. وأباحَ قومٌ ركعتي الفجر والإمامُ يصلِّي، منهم ابنُ مسعودٍ.

стр. 395

وإن أُقيمَت وهو فيها أتمَّها خفيفَةً. ومن صلَّى ثم أقيمَتِ الجَمَاعَةُ، سُنَّ أن يعيدَ، والأُولَى فرضُهُ. ويتحمَّلُ الامامُ عنِ المأمومِ: القراءةَ، (وإنْ أقيمتِ) الصَّلاةُ (وهو فيها) أي: النافلةِ (أتمَّها) أي: النافلةَ (خفيفةً) ولو كان خارجَ المسجدِ -ولا يزيدُ على ركعتين- إنْ أمِنَ فواتَ الجماعةِ، ولو فاتَتْه ركعةٌ. ذكَرَهُ في "الفروع" (١) وغيرِه، وإلا قطعَها؛ لأنَّ الفرضَ أهمُّ. وفي "الإقناع" (٢): إلا أنْ يخشى فواتَ ما يُدرِكُ به الجماعةَ. يعني: تكبيرةَ الإحرامِ (ومَنْ صلَّى) الفرضَ منفردًا، أو في جماعةٍ (ثمَّ أقيمتِ الجماعةُ، سُنَّ) له (أنْ يُعيدَ) مع الجماعةِ ثانيًا، مع إمامِ الحيِّ أو غيرِه، لحديثِ أبي ذرٍ مرفوعًا: "صلِّ الصَّلاةَ لوقتِها، فإنْ أقيمتْ وأنتَ في المسجدِ، فصلِّ، ولا تقلْ: إنِّي صلَّيْتُ فلا أُصلِّي" رواه أحمدُ ومسلمٌ (٣). (والأُولى) من الصَّلاتين (فَرضُه) دون المعادةِ، فهي نفْلٌ، فينويها معادةً، أو نفْلًا. وإذا أدركَ من رُباعيةٍ معادةٍ ركعتين، لم يُسلِّم، بلْ يقضي نصًّا. وقال الآمديُّ: يُسلِّمُ معه. (ويتحمَّلُ الإمامُ عن المأمومِ: القراءةَ) أي: قراءةَ الفاتحةِ، فتصحُّ صلاةُ مأمومٍ بدون قراءةٍ؛ لحديثِ: "مَنْ كان له إمامٌ، فقراءةُ الإمامِ له قراءةٌ". رواه سعيدٌ، وأحمدُ في "مسائل" ابنِه عبدِ اللهِ، والدارقطنيِّ (٤).

стр. 396

وسُجُودَ السَّهوِ، وسجودَ التِّلاوة، والسترَةَ، ودعاءَ القُنوتِ، والتشهُّدَ الأوَّلَ، إذا سُبِقَ بركعَةٍ في رُباعيَّةٍ. وسُنَّ للمأموم: أن يستفتحَ، ويتعوَّذَ في الجهريَّةِ، ويقرأَ الفاتِحةَ، وسورةً حيثُ شُرِعَت فيَ سكتاتِ إمامِه، وهي: قبلَ الفاتحَةِ، وبعدَهَا، (و) يتحمَّلُ (سجودَ السَّهوِ، و) يتحمَّلُ (سجودَ التِّلاوةِ) إذا قرأَ في صلاته آيةَ سجدةٍ ولم يسجدْ إمامُه. (و) يتحمَّلُ عنه أيضًا (السُّترةَ) قُدَّامَه؛ لما تقدَّمَ: سترةُ الإمامِ، سترةٌ لمَنْ خلْفَه. (و) يتحمَّلُ عنه أيضًا (دُعاءَ القُنوتِ) حيث سمِعَه، فيؤمِّنُ فقط. (و) يتحمَّلُ عنه أيضًا (التشهُّدَ الأوَّلَ، إذا سُبقَ بركعةٍ في رُباعيةٍ) لوجوبِ المتابعةِ. فهذه ستةٌ. وزادَ في "الإقناع" (١) اثنَين، وهو: قولُه: "سمِعَ اللَّه لمن حمده". والثاني: "ملءَ السموات .. " إلى آخره. فهذه ثمانية يتحمَّلُها الإمامُ عن المأموم. (وسُنَّ للمأمومِ أنْ يستفتح، و) أنْ (يتعوَّذَ في) صلاتِه (الجهريةِ) كالصبحِ؛ لأنَّ مقصودَ الاستفتاحِ والتعوُّذِ لا يحصلُ باستماعِ قراءةِ الإمامِ؛ لعدمِ جهرِه بهما، بخلافِ القراءةِ (ويقرأَ الفاتحةَ) أي: وسُنَّ له أنْ يقرأ الفاتحةَ (وسورةً حيثُ شُرعتِ) السُّورةُ (في سَكتاتِ إمامِه) في الصَّلاةِ الجهريةِ. (وهي) أي: سكتاتُ الإمامِ ثلاثٌ: (قبلَ الفاتحةِ) في الركعةِ الأُولى فقط. (و) الثانيةُ (بعدَهما) أي: بعدَ الفاتحةِ، وتُسنَّ أنْ تكونَ سكتةً هنا بقدرِ الفاتحةِ؛

стр. 397

وبعدَ فراغِ القراءةِ. ويَقرأ فيمَا لا يُجهرُ فيهِ متَى شاءَ. ليقرأها المأمومُ فيها. (و) الثالثةُ: (بعد فراغِ القراءةِ) ليتمكَّنَ المأمومُ من قراءةِ سورةٍ فيها. (و) يُسنّ أنْ (يقرأَ) المأمومُ أيضًا الفاتحةَ وسورةً حيث شُرعتْ، وأنْ يستفتحَ، وأنْ يتعوَّذَ (فيما لا يجهرُ فيه) إمامُه، كالظهرِ. وكذا يقرأُ الفاتحةَ في الأخيرةِ من مغربٍ، وفي الأخيرتَين من العشاءِ، لحديثِ جابرٍ: كنَّا نقرأ في الظهرِ والعصرِ خلفَ الإمامِ في الركعتين الأُولَيَينِ بفاتحةِ الكتابِ وسورةٍ، وفي الأخرَيَين بفاتحةِ الكتابِ. رواه ابنُ ماجه (١). قال الترمذيُّ: أكثرُ أهلِ العلمِ يرَوْنَ القراءةَ خلفَ الإمامِ (متى شاءَ): قال في "شرح الهداية": وعلى كلِّ حالٍ، فمتى سكتَ الإمامُ السكوتَ المذكورَ أو غيرَه لغفلةٍ، أو نومٍ، أو تعبٍ، أو اشتغال (٢)، أو غيرِه، فاغتنامُ القراءةِ للمأمومِ مستحبٌّ. انتهى (٣). أما حال استماعِ القراءةِ، فيُكْره للمأمومِ الإتيانُ بالاستفتاحِ والتعوُّذِ والقراءةِ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعرَاف: ٢٠٤] قال الإمامُ أحمدُ: أجمعَ الناسُ على أن هذه الآيةَ في الصَّلاةِ. قال ابنُ مسعودٍ: لا أعلمُ في السنةِ القراءةَ خلفَ الإمامِ. وقال عليَّ: ليس على الفطرةِ مَنْ قرأَ خلفَ الإمامِ (٤). وقال ابنُ مسعودٍ: وددتُ مَنْ قرأَ خلفَ الإمامِ أنْ أملأَ فاهُ ترابًا.

стр. 398

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "فائدتان": الأُولى: لا يضرُّ تفريقُ القراءةِ في السَّكتاتِ. الثانية: لو ركعَ الإمامُ وبقي على المأمومِ شيءٌ من الفاتحةِ، فإنَّه يقطعُ القراءةَ، ويتبعُ الإمامَ. ويُسنُّ لمأمومٍ أنْ يأتيَ بما تقدَّمَ حيث كان لا يسمعُه، لبعدٍ عنه، أو لطرشٍ، إن لم يشغلْ مأمومٌ بقراءتِه مَنْ بجنبهِ. قال المصنِّفُ في "غاية المنتهى": ويتجه: التحريئم. فإنْ لمْ يكن للإمامِ سَكَتاتٌ كُره أنْ يَقرأَ، نصًّا. فلو سمِعَ همهَمتَه، ولمْ يَفهمْ قولَه، لم يَقرأْ (١). قال في "الإنصاف" (٢): على الصحيحِ من المذهبِ. وقدَّمه في "الفروع" و"الرعاية". وعنه: يقرأُ. نقلَها عبدُ اللهِ، واختارَها الشيخُ تقيُّ الدينِ. قال في "الفروع": وهي أظهرُ. قال في "الإنصاف": قلتُ: وهي الصَّوابُ.

стр. 399

فَصْلٌ ومَنْ أحرَمَ معَ إمامِه، أو قَبلَ إتمامِه لتكبيرةِ الإحرامِ، لم تنعقِدْ صلاتُه. والأَولَى للمأمُومِ أن يشرَعَ في أفعالِ الصلاةِ بعدَ إمامِه، فإن وافقَه فيها، أو في السلامِ، كُرِه، وإن سبَقه، حَرُمَ. فَمَنْ ركعَ، أو سجَدَ، أو رَفَعَ قبلَ إمامِه عمدًا، لزمَه أن يرجِعَ ليأتِي به مع (فصلٌ) (ومَنْ أحرمَ) أي: كبَّرَ (معَ إمامِه) لم تنعقدْ صلاتُه (أو) كبَّرَ لإحرامٍ (قبلَ إتمامِه) أي: الإمامِ التكبيرةِ الإحرامِ، لم تنعقدْ صلاتُه) أي: المأمومِ، ولو ساهيًا، لأنَّ شرطَه أنْ يأتيَ بها بعد إمامِه، وقدْ فاتَه. (والأَوْلى للمأمومِ أنْ يشرعَ في أفعالِ الصَّلاةِ بعد إمامِه) لحديثِ: "إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليؤتمَّ به، فإذا ركعَ فاركعوا .. " إلى آخرِه. وفي "المغني" و"الشرح" وغيرِهما: يستحبُّ أنْ يشرعَ المأمومُ في أفعالِ الصَّلاةِ بعد فراغِ الإمامِ ممَّا كان فيه. (فإنْ وافقَه فيها) أي: في أفعالِها، كُرِه (أو) وافقَه (في السَّلامِ، كُره) له. وإنْ سلَّم الأُولى عقبَ فراغِه منها، والثانيةَ كذلك، جازَ. والأَوْلى أنْ يسلِّم عقبَ فراغِه من التسليمتين. (وإنْ سبَقَه، حرُمَ. فمَنْ ركعَ أو سجدَ أو رفعَ، قبل إمامِه عمدًا، لزِمه أنْ يرجعَ ليأتيَ به) أي: بما سَبقَ به إمامَه من ركوعٍ أو سجودٍ أو رفعٍ ونحوِه، معَه، أي: (مع

стр. 400

إمامِهِ، فإنْ أبَى عالمًا عمدًا، بطلت صلاتُه، لا صلاةُ ناسٍ وجاهِلٍ. ويُسنُّ للإمامِ التخفيفُ مع الإتمام، ما لم يُؤثِرِ المأمومُ التطويلَ، إمامِه) أي: عَقِبَه، ليكونَ مؤتمًا بإمامِه (فإنْ أبى) أي: امتنعَ من الرجوع (عالمًا) تحريمَ ذلك (عمدًا) غيرَ ساه (بطلتْ صلاتُه) قال في "الإقناع" نصًّا (١). لأنَّه سبقَه بركنٍ كامل، هو معظمُ الركعةِ. و (لا) تبطلُ (صلاةُ ناسٍ وجاهلٍ) لحديثِ: "عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيانِ " (٢). (ويُسنُّ للإمام التخفيفُ) للصَّلاةِ (مع الإتمامِ) للصَّلاةِ، لحديثِ أبي هريرة مرفوعًا: "إذا صلَّىَ أحدُكم للناسِ فليخفِّفْ، فإنَّ فيهم السقيمَ والضعيفَ وذا الحاجةِ. وإذا صلَّى لنفسِه فليطوِّلْ ما شاءَ". رواه الجماعةُ (٣). قال في "المبدع" (٤): ومعناه: أن يقتصرَ على أدنى الكمالِ من التسبيحِ، وسائرِ أجزاءِ الصَّلاةِ (مما لمْ يُؤْثِرْ المأمومُ التطويلَ) فإنْ اختارُوه كلُّهم، لم يُكرَه، لزوالِ علَّةِ الكراهةِ، وهي التنفيرُ. قال الحجاويُّ في "الحاشية" (٥): وهو مشروطٌ بما إذا كان الجمعُ قليلًا، فإنْ كان كتيرًا، لم يخلُ ممَّنْ له عذرٌ. هذا معنى كلامِ "الرعاية". قال

стр. 401

وانتظارُ داخلٍ إنْ لم يَشقَّ على المأمُومِ. في "الرعاية": إلا أن يُؤْثِرَ المأمومُ وعددُهم محصورٌ. وتُكره سرعةُ إمامٍ تمنعُ مأمومًا فعلَ ما يُسنُّ له فعلُه، كقراءةِ السورةِ، وما زادَ على مرَّةٍ في تسبيحِ ركوعٍ وسجودٍ ونحوِه. وسُنَّ أنْ يرتِّلَ القراءةَ والتسبيحَ، والتشهُّدَ بقدرِ ما يَرَى أنَّ مَن يثقلُ عليه ممَّنْ خلَفه، قدْ أتى عليه، وأنْ يتمكَّنَ في ركوعِه وسجودِه قدرَ ما يرى أنَّ الكبيرَ، والثقيلَ، وغيرَهما، قدْ أتى عليه. قال الشيخُ تقيُّ الدينِ: يلزمُه مراعاةُ المأمومِ إن تضرَّرَ بالصَّلاةِ أوَّلَ الوقتِ أو آخرَه، ونحوَه. وقال: ليس له أنْ يزيدَ على القدرِ المشروع (١)، وإنَّه ينبغي أنْ يفعلَ غالبًا ما كان النبيُّ ﷺ يفعلُه غالبًا، ويزيد وينقص للمصلحة، كما كان ﷺ يزيدُ وينقصُ أحيانًا (٢) (و) يُسنُّ لإمامٍ أيضًا (انتظارُ داخلٍ) معه، إذا أحسَّ به في قيامِه، أو ركوعِه، أو غيرِه، من داخلٍ مُطلقًا، بنيَّةِ تَقرُّبٍ لا تَودُّدٍ (٣) (إنْ لمْ يشقَّ على المأمومِ) فيُكره. وكذا لو كثُرتْ جماعةٌ؛ لأنَّه يبعدُ أنْ لا يكونَ فيهم مَنْ يشقُّ عليه. قولُه: "وانتظارُ داخلٍ" نكرَةٌ في سياقِ النفي؛ فتعمُّ أيَّ داخلٍ كان. وهو المذهبُ. وقيل: يُشترطُ أنْ يكونَ ذا حُرمةٍ. قال الموفَّق والشارح: إنما يُنتظرُ مَنْ كان من أهلِ العلمِ والفضلِ ونحوِه. قال في "الإنصاف" (٤): قلتُ: وهذا القولُ ضعيفٌ على

стр. 402

ومن استأذنتهُ امرأتُهُ أو أمئهُ إلى المسجِد، كُرِه منعُها، وبيتُها خيرٌ لها. إطلاقِه. وقال ابنُ عقيلٍ: لا بأسَ بانتظارِ مَنْ كان من أهلِ الدِّياناتِ والهيئاتِ في غيرِ مساجدِ الأسواقِ. وقيل: يُنتَظز مَنْ عادتُه يصلِّي جماعةً. قال في "الإنصاف": قلتُ: وهو قويٌّ. ومحلُّ ذلك: إنْ لمْ يشقَّ انتظارُ الإمامِ على المأمومِ؛ لأنَّ حرمهً المأمومِ الذي معه في الصَّلاةِ أعظمُ حرمةً من المأمومِ الذي لمْ يدخلْ معه في الصَّلاةِ، فلا يشقُّ على مَنْ معه لنفعِ الداخلِ معه. (ومَنْ استأذنَتْه امرأتُه) إلى المضيِّ إلى المسجدِ، (أو) استأذنَتْه (أمتُه) إلى المضيِّ (إلى المسجدِ) ليلًا أو نهارًا (كُرِه) له (منعُها) لقولِهِ ﷺ : "لا تمنعوا إماءَ اللهِ مساجدَ اللهِ" (١)، (وبيتُها خيرٌ لها) لقولِهِ ﷺ : "وبيوتُهنَّ خيرٌ لهنَّ، وليخرجْنَ تفلاتٍ" أي: غيرُ مزينةٍ ولا مطيبةٍ. رواه أحمدُ وأبو داودَ (٢). فتخرُجُ غيرَ مطيَّبةٍ، لهذا الخبرِ. وظاهرُه: حتى مسجد النبيِّ ﷺ .

стр. 403

فَصْلٌ في الإمامة الأَولى بها: الأجودُ قراءةً، الأفَقهُ -ويقدَّمُ قارئٌ لا يعلمُ فِقهَ صلاتِه على فقيهٍ أميٍّ- ثمَّ الأسنُّ، ثمَّ الأشرفُ، (فصلٌ في الإمامةِ) (الأَوْلى بها) أي: بالإمامةِ: (الأجودُ قراءةً، الأفقهُ) لجمعِه بين المزيَّتَين في القراءةِ والفقهِ. (ويُقدَّمُ قارئٌ لا يعلمُ فقهَ صلاِته على فقيهٍ أميٍّ) لا يحسنُ الفاتحةَ؛ لأنَّها ركنٌ في الصَّلاةِ، بخلافِ معرفةِ أحكامِها (ثمَّ) إن استويا في القراءةِ والفقهِ يُقدَّمُ (الأسنُّ) لقولِه ﵇ لمالكِ بنِ الحويرثِ: "إذا حضرتِ الصَّلاةُ، فليؤذِّنْ لكئم أحدُكم، وليؤمَّكم أكبرُكم (١) ". متفقٌ عليه (٢). ولأنَّه أقربُ إلى الخشوعِ وإجابةِ الدعاءِ. (ثمَّ) إنِ استووْا فيما تقدَّمَ، فيقدَّمُ (الأشرفُ) وهو مَنْ كان قرشيًا؛ إلحاقًا للإمامةِ الصغرى بالكبرى؛ لقولِه ﵇: "الأئمةُ من قريشٍ" (٣). وقولِهِ: "قدِّموا قريشًا، ولا تَقَدَّمُوها" (٤). والشرفُ يكونُ بعلوِّ النسبِ

стр. 404

ثمَّ الأتقَى والأورعُ، ثم يُقرَعُ. وصاحبُ البيتِ، وإمامُ المسجدِ، ولو عبدًا، أحقُّ (ثم) مع الاستواء فيما تقدَّمَ، الأَوْلى بالإمامةِ: (الأتقى والأورعُ) لقولِهِ : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحُجرَات: ١٣] ولأنَّ مقصودَ الصَّلاةِ: الخضوعُ، ورجاءُ إجابةِ الدعاءِ. والأتقى والأورَعُ أقربُ إلى ذلك، لا سيَّمَا والدُّعاءُ للمأمومينَ من بابِ الشفاعةِ المستدعيَةِ كرامةَ الشافعِ عند المشفوعِ عنده. قال القشيريُّ في "رسالته": الورعُ: اجتنابُ الشبهاتِ. زادَ القاضي عياضٌ في "المشارق": خوفًا من اللهِ تعالى. (ثمَّ) إن استووْا في كلِّ ما تقدَّمَ وتشاحُّوا (يُقرعُ) فمَنْ خرجتْ له القُرْعةُ كان هو أحقَّ بالإمامةِ؛ لأنَّ سعدًا أقرعَ بين النَّاسِ في الأذانِ يومَ القادسيةِ (١). فالإمامةُ أَوْلى، ولأنَّهم تساووا في الاستحقاقِ وتعذَّرَ الجمعُ، فأُقرِعَ بينهم، كسائرِ الحقوقِ (وصاحبُ البيتِ) الصَّالحُ للإمامةِ، ولو عبدًا، أحقُّ بالإمامةِ ممَّنْ حضرَه في بيتِه؛ لقولِه ﵇: "لا يُؤَمَّنَّ الرجلُ في بيته" (٢). ولأبي داودَ (٣) عن مالكِ بنِ الحُويرثِ مرفوعًا: "مَنْ زارَ قومًا فلا يؤمَّهمْ وليؤمَّهمْ رجلٌ منهم". (وإمامُ المسجدِ) الراتبُ، الصالحُ للإمامةِ (ولو) كان (عبدًا، أحقُّ) بالإمامةِ فيه، ولو حضرَ أفقَهُ، أو أقرأُ، كصاحِبِ البيتِ. ولأنَّ ابنَ عمرَ أتى أرضًا له، وعندَها

стр. 405

والحرُّ أولى مِن العبدِ. والحاضرُ، والبصيِرُ، والمتوضِّئُ، أَولى من ضِدِّهِم. وتكرهُ إمامةُ غيرِ الأَولى بلا إذنِه. مسجدٌ يصلِّي فيه مولًى له، فصلَّى ابنُ عمرَ معهم، فسألُوه أنْ يؤمَّهم، فأبى، وقال: صاحبُ المسجدِ أحقُّ. رواه البيهقيُّ (١) بسندٍ جيدٍ. ولأنَّ التقدُّمَ عليه يُسيءُ الظنَّ به، ويُنفِّرُ عنه. قال في "الفروع": ويتجه: يُستحبُّ تقديمُهما لأفضلَ منهما (٢) (والحرُّ أَوْلى) بالإمامةِ (من العبدِ) ومن المبعَّض؛ لأنَّه أكملُ في أحكامِه وأشرفُ، ويصلُح إمامًا في الجمعةِ والعيدِ. (والحاضرُ) أي: مقيمٌ، أَوْلى من مسافرٍ سفرَ قصرٍ؛ لأنَّه ربما قصرَ، ففاتَ المأمومين بعضُ الصَّلاةِ جماعةً. ولا تُكرهُ إمامةُ مسافرٍ بمقيمين إنْ قَصَرَ، فإنْ أتمَّ، كُرِهتْ. (والبصيرُ) أَوْلى من أعمى؛ لأنَّه أقدرُ على توقِّي النجاسةِ، واستقبالِ القبلةِ (والمتوضِّيُ، أولى من ضدِّهم) المتقدِّمِ بيانُه. يعني: المتوضِّئُ أَوْلى من متيمِّمٍ؛ لأنَّ الوضوءَ يرفعُ الحدثَ، بخلافِ التيممِ، فإنَّه مبيحٌ، لا رافعٌ. ومُعيرٌ أَوْلى من مُستعيرٍ. ومُستأجرٌ أَوْلى من مُؤجِّرٍ؛ لأنَّه المالكُ للمنفعةِ. (وتُكره إمامةُ غيرِ الأَوْلى بلا إذنِه) أي: إذنِ الأَوْلى. وإمامةُ المفضولِ بدون إذنِ الفاضلِ مكروهةٌ، على الصحيحِ من المذهبِ. نصَّ عليه.

стр. 406

ولا تصِحُّ إمامةُ الفاسِقِ، (ولا تصحُّ إمامةُ الفاسقِ) مطلقًا. أي: في الفرضِ وفي النفلِ. وسواءٌ كان فسقُه بالاعتقادِ، أو الأفعالِ المُحرَّمةِ، لقولِه تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السَّجدَة: ١٨]. وحديثِ ابنِ ماجه (١) عن جابرٍ مرفوعًا: "لا تؤمَّنَّ امرأةٌ رجلًا، ولا أعرابيُّ مهاجرًا، ولا فاجرٌ مؤمنًا، إلا أنْ يقهرَه بسلطانٍ يخافُ سوطَه وسيفَه". وسواءٌ أعلنَ فسقَه، أو أخفاه. وتصحُّ خلف نائِبه العدلِ. ولا يؤمُّ فاسقٌ فاسقًا؛ لأنَّه يمكنه رفعُ ما عليه من النقصِ. ويعيدُ مَنْ صلَّى خلفَ فاسقٍ مطلقًا. ومَنْ صلَّى بأجرةٍ، لم يُصلَّ خلفَه. قالَه ابنُ تميمٍ. وإنْ أُعطيَ بلا شرط، فلا بأسَ، نصًّا (٢). عَلِمَ فِسقَه ابتداءً، أو لا. فيعيدُ المأمومُ إذا علِمَ فسقَ إمامِه. واختارَ الشيخان: أنَّ البطلانَ مختصٌّ بظاهرِ الفسقِ، دون خَفِّيه. قال في "الوجيز": لا تصحُّ خلفَ الفاسقِ المشهورِ فسقُه، لكنْ ظاهرُ كلامِه، وهو المذهبُ: مُطلقًا. قالَهُ في "المبدع" (٣). لكنْ تصحُّ الصَّلاةُ لخفَ مَنْ لا يعرفُه. ويُستحبُّ خلفَ مَنْ يعرفُه. لكنْ يعيدُ إذا صلَّى خلفَ مَنْ لا يعرفُه، ثمَّ علِمَ فسقَه. فائدةٌ: إذا أقيمتِ الصَّلاةُ وهو في المسجدِ، والإمامُ ممَّنْ لا يصلُحُ، فإنْ شاءَ صلَّى خلفَه وأعادَ، وإنْ شاءَ صلَّى وحدَه في جماعةٍ، أو منفردًا، موافِقًا له في

стр. 407

إلَّا في جُمُعةٍ وعيدٍ تعذَّرا خلفَ غيرِه. وتَصِحُّ إمامةُ الأعمى الأصَمِّ، والأقلَفِ، وكثيرِ لَحنٍ لم يُحِلِ المَعنى، الأفعالِ، ولا إعادةَ. قالَهُ في "الإقناع" (١) (إلا في جمعةٍ، وعيدٍ تعذَّرا (٢) خلفَ غيرِه) أي: الفاسِقِ؛ لأنَّهما يختَصَّانِ بإمامٍ واحدٍ، فالمنعُ منهما خلفَه يؤدِّي إلى تفويتِهما دون سائرِ الصَّلواتِ. نعمْ؛ لو أُقيمتا في موضعين في أحدِهما عدلٌ، فعَلَهُما وراءَه. ونقلَ ابنُ الحكمِ: أنَّه كان يصلِّي الجمعةَ، ثمَّ يصلِّي الظهرَ أربعًا. وكذا إنْ خافَ أذىً بتركِ الصَّلاةِ خلفَ الفاسقِ، صلَّى خلفَه، وأعادَ، نصًّا. قالَهُ في "الإقناع" (٣). (وتصحُّ إمامةُ الأعمى الأصمِّ) لأنَّ فَقدَه تلك الحاسَّتَين لا يُخِلُّ بشيءٍ من أركانِ الصَّلاةِ، ولا شروطِها. فصحَّتْ مع ذلك الإمامةُ، كما لو كان أعمى فاقدَ الشمِّ. (و) تصحُّ خلفَ (الأقلفِ) لأنَّه ذكرٌ مسلمٌ، عدلٌ قارئٌ، فصحَّتْ إمامتُه كالمختونِ. ثمَّ إنْ كان مفتوقًا، فلا بدَّ من غَسلِ النجاسةِ التي تحتَ القُلفةِ، وإلَّا فهي معفوٌّ عنها لا تؤثرُ في بطلانِ الصَّلاةِ. وتصحُّ الصَّلاةُ خلفَ أقطعِ اليدَين، أو أقطعِ الرجين، أو إحداهما، أو الأنفِ، مع الكراهةِ في الجميعِ، كما سيأتي. (و) تصحُّ الصَّلاةُ خلفَ (كثيرِ لحنٍ لمْ يُحِلِ المعنى) كجرِّ دالٍ "الحمدُ"

стр. 408

والتَّمتامِ الذي يكرِّرُ التَّاءَ، مع الكَراهَةِ. ولا تصِحُّ إمامةُ العاجزِ عن شَرطٍ، أو رُكنٍ إلَّا بمِثلِه، إلا الإمامَ الراتبَ بمسجدٍ المرجوَّ زوالُ عِلَّتهِ، فيصلِّى جالسًا، وضمِّ ها "للهِ" ونحوِه. سواءٌ كان المؤتَمُّ مثلَه، أو لا؛ لأنَّ مدلولَ اللفظِ باقٍ، لكنْ مع الكراهةِ. فإنْ لمْ يكنْ كثيرَ اللَّحنِ، لم يُكره، كمَنْ سُبقَ لسانُه بيسيرٍ؛ إذْ قلَّ مَنْ يخلو من ذلك. ويحرمُ تعمُّدُه. قال ابنُ مُنجَّا في "شرحه": فإنْ تعمَّدَ ذلك، لم تصحَّ صلاتُه؛ لأنَّه مُستَهزئٌ ومتعمِّدٌ (١). (و) تصحُّ خلف (التَّمتامِ الذي يكرِّر التاءَ) والفأفاء، بالمدِّ: الذي يكرِّرُ الفاء. وخلف مَنْ لا يفصحُ ببعضِ الحروفِ، كالقافِ والضادِ، (مع الكراهةِ) في الكلِّ؛ للاختلافِ في صحَّةِ إمامتِهم. قال جماعةٌ: ومن تُضْحِكُ صورتُه أو رؤيتُه. (ولا تصحُّ إمامةُ العاجزِ عن شرطٍ) كاستقبالٍ، واجتنابِ نجاسةٍ، وعادمِ الطَّهورين (أو رُكنٍ) كالركوعِ، والسجودِ، أو الرفعِ منه، وكذا القيامُ. لا تصحُّ إمامتُه في الفرضِ (إلا بمثلِه) لأنَّه عاجزٌ عن ركنِ الصَّلاةِ، فلمْ يصحَّ اقتداءُ القادرِ عليه به، كالعاجزِ عن القراءةِ، إلَّا بمثلِه في العجزِ عن ذلك الركنِ، أو الشرطِ (إلا الإمامَ الراتبَ بمسجدٍ) إذا عجَزَ عن القيامِ لعلَّةٍ (المرجوَّ زوالُ علَّتِه) وعُلِمَ منه: أنَّه إنْ لَمْ يُرجَ زوالُ علتِه، لمْ تصحَّ خلفَه. وأَلْحقَ في "الرعاية": الإمامَ الأعظمَ بالإمامِ الراتبِ. والأصلُ فيه: فعلُه ﵇. وكان يُرجى زوالُ علَّتِه (فيصلِّي جالسًا) أي: الإمامُ الذي يُرجَى زوالُ علَّتِه التي منعتْه القيامَ

стр. 409

ويجلِسونَ خلفَه، وتصِحُّ قيامًا. (ويجلسون) أي: المأمومون، ولو مع قدرتِهم على القيامِ (خلفَه) لحديثِ عائشةَ: صلَّى النبيَّ ﷺ في بيتِه وهو شاكٍ، فصلَّى جالسًا، وصلَّى وراءَه قومٌ قيامًا، فأشارَ إليهم: أن اجلسوا. فلما انصرفَ قال: "إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليؤتمَّ به" إلى أن قال: "وإذا صلَّى جالسًا، فصلُّوا جلوسًا أجمعون". متفقٌ عليه (١). (وتصحُّ قيامًا) لأنَّ القيامَ هو الأصلُ، ولم يأمرْ ﵇ مَنْ صلَّى خلفَه قائمًا بالإعادةِ (٢). وقال القاضي عياض: صحةُ صلاتهمِ خلفَه جُلوسًا، استحسانٌ. والقياسُ: لا تَصحُّ؛ لأنَّه ﷺ صلَّى في مرضِ موتِه قاعدًا، وصلَّى أبو بكرٍ والنَّاسُ خلفَه قيامًا. متفقٌ عليه (٣) من حديثِ عائشةَ. وأجابَ أحمدُ عنه: بأنَّه لا حجَّةَ فيه؛ لأنَّ أبا بكرٍ ابتدأَ بهم الصَّلاةَ قائمًا، فوجبَ أنْ يُتمُّوها كذلك. والجمعُ أَوْلى من النسخِ. ثمَّ يحتملُ أنَّ أبا بكرٍ كان هو الإمامُ. قال ابنُ المنذرِ: وقدْ رُويَ عن عائشةَ أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى في مرضِه خلفَ أي بكرٍ في ثوبٍ متوشِّحًا به (٤). ورواه أنسٌ أيضًا (٥)، وصحَّحه الترمذيُّ، قال: ولا يُعرفُ أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى خلفَ أبي بكرٍ إلَّا في هذا الحديثِ. قال مالكٌ: العملُ عليه عندَنا. وإنْ ابتدأَ بهم الصَّلاةَ قائمًا، ثمَّ اعتلَّ في أثنائِها فجلسَ، أتمُّوا خلفَه قيامًا؛ لقصةِ أبي بكرٍ؛ ولأنَّ القيامَ هو الأصلُ. قال في "الإقناع": ولم يجزِ الجلوسُ،

стр. 410

وإن تركَ الإمامُ ركنًا، أو شرطًا مختلَفًا فيه مقلِّدًا، صحَّتْ، ومن صلَّى خلفَه معتقِدًا بطلانَ صلاتِه، أعادَ. ولا إنكارَ في مسائِل الاجتهادِ. نصَّ عليه (١). (وإنْ تركَ الامامُ ركنًا أو شرطًا مختلفًا فيه مقلِّدًا) الإمامَ (صحَّتْ) صلاتُه، كالحنبليِّ إذا لم يقرأ الفاتحةَ في صلاتِه، ويقرأ غيرَها، مقلدًا لأبي حنيفةَ في عدمِ ركنيتها (٢)، فإنَّه لا إعادةَ عليه، ولا على المأمومِ. وعُلِمَ منه: وجوبُ الإعادةِ عليهما بتركِ الركنِ أو الشرطِ المُجمَعِ عليه، من بابِ أَوْلى. (ومَنْ صلَّى خلفَه معتقدًا بطلانَ صلاِته، أعادَ) صلافَ، (ولا إنكارَ في مسائلِ الاجتهادِ) أي: ليس لأحدٍ أن ينكرَ على مجتهدٍ أو مقلِّدِه، فيما يسوغُ فيه الاجتهادُ، ولو قلنا: المصيبُ واحدٌ؛ لعدمِ القطعِ بعينِه. قال ابنُ عقيلٍ: رأيتُ النَّاسَ لا يعصمُهم من الظلمِ إلَّا العجزُ. ولا أقولُ: العوامُّ، بل العلماءُ؛ كانتْ أيدي الحنابلةِ مبسوطةً في أيَّامِ ابنِ يوسفَ، فكانوا يستطيلون بالبغيِّ على أصحابِ الشافعيِّ في الفروع، حتى ما يُمَكِّنُوهُم من الجهرِ بالبسملةِ والقنوتِ، وهي مسألةٌ اجتهاديةٌ، فلما جاءَتْ أيامُ النَّظَّامِ، ومات (٣) ابنُ يوسفَ، وزالتْ شوكةُ الحنابلةِ، استطالَ عليهم أصحابُ الشافعيِّ استطالةَ السلاطين الظلمةِ، فاستعدَوْا بالسجنِ، وآذوا العوامَّ بالسِّعاياتِ، والفقهاءَ بالنَّبز (٤) بالتجسيمِ.

стр. 411

ولا تصِحُّ إمامةُ المرأةِ بالرِّجالِ، ولا إمامة المميِّزِ بالبالغِ في الفرضِ، وتصِحُّ إمامته في النَّفلِ، قال: فتدبَّرتُ أمرَ الفريقين، فإذا بهم لمْ تعمَلْ فيهم آدابُ العلمِ. وهلْ هذه إلَّا أفعالُ الأجنادِ؛ يصولون في دولتِهم، ويلزمون المساجدَ في بَطالتِهم. انتهى (١). (ولا تصحُّ إمامةُ المرأةِ بالرِّجالِ) لما روى ابنُ ماجه (٢)، عن جابرٍ مرفوعًا: "لا تؤمنَّ المرأةُ رجلًا". ولأنَّها لا تؤذِّنُ للرِّجالِ، فلم يجزْ أنْ تؤمَّهم، كالمجنونِ. ولا إمامتُها أيضًا لخُنثى فأكثرَ؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ ذكرًا. ولا تصحُّ إمامةُ الخنثى بالرجالِ، لاحتمالِ أن يكونَ امرأةً. ولا خنثى لخَناثَى؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ الإمامُ امرأةً، والمأمومون ذكورًا. ولا فرقَ بين الفرضِ والنَّفلِ. ولو صلَّى رجل خلفَهما، ولمْ يعلمْ، ثمَّ علمَ، لزمتْه الإعادةُ. وعُلِمَ منه: صحةُ إمامةِ رجلٍ لرجلٍ، وخنثى، وامرأةٍ. وإمامةِ خنثى وامرأةٍ لامرأةٍ. (ولا) تصحُّ (إمامةُ المميِّزِ بالبالغِ في الفرضِ) لقولِ ابنِ مسعودٍ: لا يؤمُّ الغلامُ حتى تجبَ عليه الحدودُ. وقولِ ابنِ عباسٍ: لا يؤمُّ الغلامُ حتى يحتلمَ (٣). رواهما الأثرمُ. ولمْ يُنقلْ عن غيرِهما من الصَّحابةِ ما يخالفُه. ولأنَّ الإمامةَ حالُ كمالٍ، والصبيُّ ليس من أهلِها. والإمامُ ضامنٌ، والصبيُّ ليس من أهلِ الضمانِ. (وتصحُّ إمامتُه) أي: الصبيِّ (في النفلِ) كتراويحَ، ووترٍ، وصلاةِ كسوفٍ

стр. 412

وفي الفرضِ بمثِله. ولا تصِحُّ إمامةُ مُحدِثٍ، ولا نجِعرٍ يعلمُ ذلِكَ، فإن جَهِلَ هو والمأمومُ حتَّى انقضَت، صحَّت صلاةُ المأمُومِ وحدَه. واستسقاءٍ؛ لأنَّه متنفل يؤمُّ متنفلًا. (و) تصحُّ إمامةُ المميِّزِ (في الفرضِ) كظهرٍ وعصرٍ (بمثلِه) أي: المميِّزِ؛ لأنَّها نفلٌ في حقِّ كلٍّ منهما. (ولا تصحُّ إمامةُ محدثٍ) أكبرَ أو أصغرَ (ولا) إمامةُ (نجِسِ) أي: مَنْ ببدنِه أو ثوبِه أو بقعتِه، نجاسةٌ غيرُ معفوٍّ عنها (يعلمُ ذلك) أي: حدثَه، أَو نجَسَه؛ لأنَّه أخلَّ بشرطِ الصَّلاةِ مع القدرةِ، أشبَهَ المتلاعبَ. (فإنْ جِهَلَ هو) أي: الإمامُ حدثَه ونجَسَه، (و) جهلَ (المأمومُ) بذلك (حتى انقضتِ الصَّلاةُ، صحَّتْ صلاةُ المأمومِ وحدَه) أي: دونَ إمامِه؛ لحديثِ البراءِ بنِ عازبٍ: "إذا صلَّى الجنبُ بالقومِ، أعادَ صلاتَه، وتمَّتْ للقومِ صلاتُهم" (١). رواه محمدُ بنُ الحسينِ الحرَّانيُّ. ورُوي عن عمرَ أنَّه صلَّى بالنَّاسِ الصبحَ، ثمَّ خرجَ إلى الجُرفِ، فاهراقَ الماءَ، فوجدَ في ثوبه احتلامًا، فأعادَ الصَّلاةَ، ولمْ يُعِدِ النَّاسُ (٢). ورُوي مثلُه عن عثمانَ (٣)، وابنِ عمرَ (٤). وعن علي أيضًا (٥). ولأنَّه ممَّا يخفى، ولا سبيل إلى معرفتِه، فكان عذرًا في الاقتداءِ به.

стр. 413

ولا تَصِحُّ إمامةُ الأميِّ -وهو من لا يُحسِن الفاتحةَ- إلَّا بمثلِه. ويصِحُّ النفلُ خلَف الفرضِ، ولا عَكسَ. وعُلِمَ منه: أنَّه إنْ عَلِمَ الإمامُ، أو بعضُ المأمومين قبلَ الصَّلاةِ، أو فيها، أعادَ الكلُّ. قال الشيخُ منصورٌ في "شرحه" على الأصلِ (١): وظاهرُه: ولو نسيَ بعدَ علمِه به. (ولا تصحُّ إمامه الأميِّ) نسبةً إلى الأمِّ، كأنَّه على الحالةِ التي ولدتْه أمُّه عليها. وقيل: إلى أمَّةِ العربِ. وأصلُه لغةً: مَنْ لا يَكتبُ (وهو) عرفًا: (مَنْ لا يُحسِنُ) أي: يحفظُ (الفاتحةَ) فلا تصحُّ (إلا بمثلِه) فلا يصحُّ اقتداءُ عاجزٍ عن نصفِ الفاتحَةِ الأوَّلِ بعاجِزٍ عن نصفِها الأخيرِ، ولا عكسُه، فإنْ لمْ يحسنْها، لكنْ أحسنَ بقدرِها من القرآنِ، لم يجزْ أنْ يأتمَّ بمَنْ لا يحسنُ شيئًا منه. ولا اقتداءُ قادرٍ على الأقوالِ الواجبةِ بعاجزٍ عنها، فتصحُّ بمثلِه. (ويصحُّ النفلُ خلفَ الفرضِ) لأنَّ في نيَّةِ الإمامِ ما في نيَّةِ المأمومِ، وهي نيَّةُ التقرُّبِ، وزيادةٌ وهي نية الوجوبِ، فلا وجهَ للمنعِ (ولا عكسَ) فلا يصحُّ ائتمامُ مفترضٍ بمتنفلٍ؛ لقولِه ﵇: "فلا تختلفوا عليه". متفقٌ عليه (٢). وكونُ صلاةِ المأمومِ غيرَ صلاةِ الإمامِ، اختلافٌ عليه؛ لأنَّ صلاةَ المأمومِ لا تتأدَّى بنيَّةِ صلاةِ الإمامِ. لكنْ تصحُّ العيدُ خلفَ مَنْ يقول: إنَّها سنةٌ. وإنْ اعتقدَ المأمومُ أنَّها فرضُ كفايةٍ، لعدمِ الاختلافِ عليه، فيما يظهرُ

стр. 414

وتصِحُّ المقضِّيةُ خَلْفَ الحاضِرةِ، وعكسُه حيثُ تساوتا في الاِسمِ. (وتصحُّ المقضيِّةُ خلفَ الحاضرةِ) لأنَّ الصَّلاةَ واحدةٌ، وإنَّما اختلفَ الوقتُ (وعكسُه) أي: فتصحُّ الحاضرةُ خلفَ المقضيِّةِ، (حيث تساوَتَا في الاسمِ) كظهرٍ خلفَ ظهرٍ، وعصرٍ خلفَ عصيرٍ، حيث تساوتا في الاسمِ، فتصحُّ. فلا يصحُّ صلاةُ ظهرٍ خلفَ صلاةِ عصرٍ. فائدةٌ غريبةٌ: قال أبو البقاءِ: تصحُّ الصَّلاةُ خلفَ الجنيِّ. واقتصرَ عليه في "الفائق". وقال في "النوادر": تنعقدُ الجماعةُ والجمعةُ بالملائكةِ وبمسلمي الجنِّ. وهو موجودٌ زمنَ النبوةِ. قال في "الفروعِ": كذا قالا. والمرادُ: في الجمعةِ: من لزمتْهُ؛ لأنَّ المذهبَ: لا تنعقدُ الجمعةُ بآدمي لا تلزمُه، كمسافرٍ وصبيٍّ، فهنا أَوْلى. انتهى. وقال ابنُ حامدٍ: الجنُّ كالإنسِ في العباداتِ والتكليفِ. قال: ومذهبُ العلماءِ: إخراجُ الملائكةِ عن التكليفِ، والوعدِ والوعيدِ. قال في "الفروع": وقدْ عُرِفَ مما سبقَ من كلامِ ابنِ حامدٍ وأبي البقاءِ، أنَّه يعتبرُ لصحةِ صلاتِه ما يعتبرُ لصحَّةِ صلاةِ الآدميِّ (١). ويدخلُ كافرُهم النَّارَ إجماعًا، ومؤمنُهم الجنَّة، ولا يصيرُ ترابًا، خلافًا لأبي حنيفةَ واللَّيثِ. وهثم كغيرِهم على قدرِ ثوابِهم، لا أنَّهم حولَها، خلافًا لعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ. ويأكلون ويشربون، خلافًا لمجاهدٍ. قال المصنِّفُ في "غاية المنتهى": ويتجه: ويَرْون اللهَ تعالى هم والملائكةُ. قيل لابنِ عباسٍ: كلُّ مَنْ دخلَ الجنَّة يرى اللهَ؟ قال: نعمْ.

стр. 415

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال الشيخُ تقيُّ الدينِ ابنُ تيميةَ: ونراهم فيها، ولا يرونَنا. ولمْ يُبعثْ لهم نبيٌّ قبلَ نبينا. قالَهُ في "المبدع". وليس منهم رسولٌ. قال المصنِّفُ: ويتجه: ولا نبيٌّ. ويقبلُ قولُهم: أنَّ ما بيدِهم مِلكُهم مع إسلامِهم، وكافرُهم كحربيٍّ. وظاهرُه: يجري التوارثُ بينهم. ويحرُمُ عليهم ظلمُ آدميٍّ، وظلمُ بعضِهم بعضًا. وتحلُّ ذبيحتُهم، وبولُهم وقيئُهم طاهران. قال المصنِّفُ في "غاية المنتهى": ويتجه: لا روثُهُم. وتجوزُ مناكحتُهم. وفي الجنَّةِ يتزوَّجون بحورٍ من جنسِهم (١). تنبيهٌ: شروطُ الإمامةِ ثمانيةٌ: إسلامٌ، وعقلٌ، وعدالةٌ، ونطقٌ، وتمييزٌ، وكذا بلوغٌ إنْ أمَّ بالغًا في فرضٍ، وذكوريَّةٌ إنْ أمَّ ذَكَرًا، وقدرة على شرط وركنٍ وواجبٍ، إنْ أمَّ بقادرٍ. وقدْ مرَّتْ مفصَّلةً.

стр. 416

فَصْلٌ يصِحُّ وقوفُ الإمامِ وَسَطَ المأمُومينَ، والسَّنةُ وقوفُه متقدِّمًا عليهم. ويقفُ الرَّجلُ [الواحدُ عن يمينهِ (فصلٌ) في موقفِ الإمامِ والمأمومِ (يصحُّ) بلا بأسٍ (وقوفُ الإمامِ وسَطَ المأمومين) لحديثِ أبي هريرة قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "وسِّطُوا الإمامَ، وسدُّوا الخللَ". رواه أبو داودَ (١) (والسنَّةُ: وقوفُه) أي: الإمامِ (متقدِّمًا عليهم) لأنَّه ﵇ كان إذا قامَ إلى الصَّلاةِ تقدَّمَ، وأقامَ أصحابَه خلفَه. ولمسلمِ وأبي داودَ (٢): أنَّ جابرًا وجبَّارًا، وقفَ أحدُهما عن يمينِه، والآخرُ عن يسارِه، فأَخذَ بأيديهما، حتى أقامَهما خلفَه. والاعتبارُ في التقدُّمِ بمؤخَّرِ القَدَمِ، وهو العَقِبُ، ولا يضرُّ تقدُّمُ أصابعِ المأمومِ لطولِ قَدَمِه، ولا تقدُّمُ رأسِه في السُّجودِ لطولِه. فإنْ صلَّى قاعدًا، فالاعتبارُ بالأليَةِ؛ لأنَّها محلُّ القعودِ، حتى لو مدَّ رِجليه، وقدَّمهما على إمامِه، لمْ يضرَّ، كما لو قدَّمَ القائمُ رجلَه مرفوعةً عن الأرضِ؛ لعدمِ اعتمادِه عليها. (ويقفُ الرَّجلُ) أو الخنثى (الو احدُ عن يمينِه) أي: الإمامِ، لإدارتِه ﵇

стр. 417

فحاذيًا له. ولا تَصِحُّ خلفَه، ولا عن يَسارِه معَ خلُوِّ يمينِه. ابنَ عباسٍ، وجابرًا (١) إلى يمينِه، لمَّا وقَفا عن يسارِه. رواه مسلمٌ (٢). قال في "المبدع" (٣): ويندبُ تخلّفُه قليلًا؛ خوفًا من التقدُّمِ، ومراعاةً للمرتبةِ. (محاذيًا له) أي: يقفُ مصافًّا له. قال في "الإنصاف" (٤): لو بانَ عدمُ مصافتِه له، لم تصحَّ. فعُلِمَ منه: أنَّه لا تضم المساواةُ، بخلافِ التقدُّمِ عليه، ففيه التفصيلُ. وسُنَّ للإمامِ أنْ يقفَ حذاءَ وسطِ الصفِّ. (ولا تصحُّ) أنْ يقفَ مأمومٌ (خلفَهُ) أي: أنْ يقفَ خلفَهُ الواحدُ؛ لأنَّه يكونُ فذًّا. فلو كبَّرَ خلفَهُ، ثمَّ تقدَّمَ عن يمينِه، صحَّتْ صلاتُه. وكذا لو كانا اثنين، فكبَّرَ أحدُهما وتَوَسوسَ الآخرُ، ثمَّ كبَّرَ قبلَ رفعِ الإمامِ رأسَه من ركوعٍ، صحَّتْ صلاتُه (٥). (ولا) تصحُّ أنْ يقفَ مأمومٌ فأكثرُ (عن يسارِه، مع خُلوِّ يمينِه) أي: الإمامِ؛ لأنَّه خالفَ موقفَهُ؛ لإدارتِه ﵇ ابنَ عباسٍ وجابرًا لمَّا وقَفَا عن يسارِه. قال في "الفروع" (٦): ومَنْ صلَّى عن يسارِه ركعة فأكثرَ، مع خلوِّ يمينِه، لمْ يصحَّ. نصَّ عليه. وعنه: بلى، اختارَهُ أبو محمدٍ التميميُّ، والشيخُ، وغيرُهما. وهي

стр. 418

وتقفُ المرأةُ خلفَه. وإن صلَّى الرَّجُلُ ركعةً خلفَ الصفِّ منفرِدًا، فصلاته باطلةٌ. أظهرُ، وفاقًا. انتهى. (وتقفُ المرأةُ خلفَه) لحديثِ أنسٍ أنَّ جدَّتَهُ مُليكةَ دعَتْ رسولَ اللهِ ﷺ لطعامٍ صنَعَتْه، فأكلَ، ثمَّ قالَ: "قوموا لأصلِّيَ لكمْ". فقمتْ إلى حصيرٍ قدْ أسودَّ من طولِ ما لُبِسَ (١)، فنضحتُه بماءٍ، فقامَ عليه رسولُ اللهِ ﷺ ، وقمتُ أنا واليتيمُ وراءَهُ، وقامتِ العجوزُ من ورائِنا، فصلَّى لنا ركعتين، ثمَّ انصرفَ. رواه الجماعةُ (٢) إلا ابنَ ماجه. وإنْ وقَفَتْ بجانبِه، فكرَجُلٍ، يعني: أنَّ المرأةَ إذا ائتمَّتْ برجلٍ، ووقفتْ على يمينِه، فإنَّ صلاتَها تصحُّ، كما تصحُّ صلاةُ الرجلِ عن يمينِ إمامِه. (وإنْ صلَّى الرَّجلُ ركعةً خلفَ الصفِّ منفردًا، فصلاتُه باطلةٌ) عالمًا أو جاهلًا، ناسيًا أو عامدًا؛ لحديثِ وابصةَ بنِ معبدٍ أنَّ النبيَّ ﷺ رأى رجلًا يصلِّي خلفَ الصفِّ، فأمرَه أنْ يعيدَ الصَّلاةَ. رواه أحمدُ، والترمذيُّ وحسنه، وابنُ ماجه (٣)، ورجالُه ثقاتٌ. قال ابنُ المنذرِ: ثبَّت (٤) أحمدُ وإسحاقُ هذا الحديثَ. وعن عليِّ ابنِ شيبانَ، مرفوعًا: "لا صلاةَ لفردٍ خلفَ الصفِّ". رواه أحمدُ، وابنُ ماجه (٥).

стр. 419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولأنَّه خالف موقفَه. وظاهرُه: ولو زُحِمَ في ثانيةِ الجمعةِ، فخرجَ من الصفِّ، وبقيَ منفردًا، فينوي المفارقةَ، ويتمُّ لنفسِه، وإلَّا بطلتْ. وصحَّحه في "تصحيح الفروع" (١). قال في "الإقناع": ولو كان خلفَه صفٌّ (٢). وهو من المفرداتِ. قال في "نظم المفردات" (٣). والفذُّ مَنْ صلَّى خليفَ الصفِّ … باطلةٌ صلاتُه لا تكفي وعنه: يصحُّ مطلقًا. وذكَرَ في "النوادر": أنَّه يصحُّ لخوفِه تضييقًا (٤). قال في "الفروع": وذكَرَه (٥) بعضُهم قولًا. وهو معنى قولِ بعضِهم: لعُذرٍ. قلتُ (٦): قال في "الرعاية": وقيل: يقفُ فذًّا مع ضيقِ الموضعِ، أو ارتِصاصِ الصفِّ، وكراهَةِ أهلِه دخولَه. قال الشيخُ تقيُّ الدينِ: وتصحُّ صلاةُ الفذِّ لعذرٍ. وإنْ ركعَ فذًّا لعذرٍ، كخوفِ فوتِ الركعةِ، ثمَّ دخلَ الصفَّ، أو وقفَ معه آخرُ قبل سجودِ الإمامِ، صحَّتْ صلاتُه، لما روي عن أي بكرة -واسمُه نفيعُ بنُ الحارثِ- أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى صلاةَ الصبحِ، فسمِعَ نفَسًا شديدًا، أو بَهْرًا (٧) من

стр. 420

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . خلفِه، فلمَّا قضى الصَّلاةَ قال لأبي بكرةَ: "أنت صاحب النفس"؟ قال: نعمْ، خشيتُ أنْ تفوتني ركعةٌ معك، فأسرعتُ المشيء فقال له: "زادكَ اللهُ حرصًا، ولا تعُدْ، صلِّ ما أدركتَ، واقضِ ما سُبقتَ" (١). قال الزركشيُّ (٢): وعلى هذا: فالروايةُ: "ولا تَعْدُ". بسكون العين، وضم الدال، من العَدْو -وقال القاضي البيضاويُّ في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨]. أي: من العَدْوِ، وهو: التنائي، أي: لا تَنأى عنهم (٣) والثاني: "ولا تعُدْ" بضم العين، وسكونِ الدال، من العَود -وقدْ أجزأتْه صلاتُه، فإنْ عادَ بعد النهي لم تجزْئه صلاتُه- ورأيتُ في بعضِ كتبِ الحنفيَّةِ -أظنُّه النَّسفيَّ- أنَّ فيه روايةً ثالثةً: "لا تُعِد" بضم التاء وكسر العين، وسكون الدال، من الإعادةِ، أي: لا تعدِ الصَّلاةَ. انتهى من "شرح الزركشي" على الخِرقيِّ. قال في "المنتهى" (٤): ومَنْ حضرَ ليصلِّيَ، وقدْ أقيمتِ الصفوفُ، فإنْ وجدَ فُرْجةً، بضمِ الفاء، وهي: الخللُ في الصفِّ، ولو بعيدةً. أو وجدَ الصفَّ غير (٥) مرصوصٍ، وقفَ فيه؛ لقولِه ﷺ : "إنَّ اللهَ وملائكتَه يصلُّون على الذين يَصِلُون

стр. 421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الصفوف" (١). وإلا، أي: وإنْ لمْ يجدْ فرجةً، أو وجدَ الصفَّ مرصوصًا، فإنَّه يقفُ عن يمينِ الإمامِ، إنْ أمكنَه؛ لأنَّه موقفُ الواحدِ. فإنْ لمْ يمكنْه أنْ يقفَ عن يمينِ الإمامِ، فله أن ينبِّه بنحنحةٍ، أو كلامٍ، كأن يقولُ: ليتأخَّرْ واحدٌ منكم لأكونَ أنا وإياه صفًّا، أو نحو ذلك. أو ينبِّه بإشارةٍ مَنْ يقومُ معه صفًّا؛ ليتمكَّنَ من الاقتداءِ. ويَتبعُه، أي: يلزمُ المنبَّه أنْ يتأخَّرَ؛ ليقفَ معه؛ لأنَّ الواجِب لا يتمُّ إلا به. وكُره تنبيهُه بجذبِه، نصًّا؛ لأنَّه تصرُّفٌ بغيرِ إذنِه. وعبدُه وابنُه كأجنبيٍّ، ولمْ يحرُمْ. بلْ صحَّح في "المغني" جوازَه؛ لدعاءِ الحاجةِ إليه، كسجودٍ على ظهرِ إنسانٍ، أو قدَمِه؛ لزحامٍ. قال ابنُ عقيلٍ: جوَّز أصحابُنا جذْبَ رجلٍ بقومُ معه. قال الشيخُ تقيُّ الدينِ: لو حضرَ اثنان، وفي صفٍّ فرجةٌ فأيُّما أَفضَلُ؛ وقوفُهُما جميعًا، أو يسدُّ أحدُهما الفرجةَ، وينفردُ الآخرُ؟ رجَّحَ أبو العباس: الاصطفافَ مع بقاءِ الفُرْجةِ؛ لأنَّ سدَّ الفرجةِ مستحبٌّ، والاصطفافُ واجبٌ. انتهى من "الإنصاف" (٢). فائدةٌ: لو زُحِمَ في الركعةِ الثانيةِ من الجمعةِ، فأُخرجَ من الصفِّ، وبقيَ فذًّا، فإنَّه ينوي المفارقةَ، للعذرِ، ويتمّها جمعةً؛ لإدراكِه منها ركعةً مع الإمامِ، كالمسبوقِ. وإنْ أقامَ على متابعةِ إمامِه، وأتمَّها معه فذًّا، صحَّتْ جمعتُه. قدَّمه في "الرعاية". قاله في "الإنصاف" (٣).

стр. 422

وإن أمكنَ المأمومَ الاقتداءُ بإمامِه، ولو كانَ بينهُما فوقَ ثلاثِمِائةِ ذِراعٍ، صحَّ، إن رأى الإمامَ، أو رأى مَنْ وراءَه. وإن كان الإمامُ والمأمومُ في المسجدِ، لم تُشتَرطِ الرؤيُةُ، وكفَى سماعُ التكبيرِ. وإن كان بينهما نهرٌ تَجري فيه السُّفنُ، أو طريقٌ، لم تَصِحَّ. (وإنْ أمكنَ المأمومَ الاقتداءُ بإمامِه، ولو كان بينهُما فوقَ ثلاثمائةِ ذراعٍ، صحَّ) خلافًا للشافعيِّ. (إنْ (١) رأى) المقتَدِي (الإِمامَ، أو رأى مَنْ وراءَه) أي: الإمامِ (وإنْ كان الإمامُ والمأمومُ في المسجدِ، لمْ تُشترط الرؤيةُ، و) إنْ كان بينهما حائلٌ (كفَى سماعُ التكبيرِ)؛ لأنَّه يتمكَّنُ من متابعتِه، والمسجدُ مُعدٌّ للاجتماعِ، ومظنَّةُ القربِ، فيصحُّ بدونِ مشاهدةٍ، بخلافِ مَنْ كان خارجَه. وعُلِمَ منه: أنَّه إذا لمْ يرَهُ، ولا مَنْ وراءَه، ولا سمِعَ التكبيرَ؛ لصَمَمٍ أو طَرَشٍ أو بُعْدٍ، أنَّه لا يصحُّ اقتداؤُه. وهو كذلك قولًا واحدًا. لا إنْ كان المأمومُ وحدَه خارجَه، وسمعَ التكبيرَ، ولم يرَهُ، ولا مَنْ وراءَه. وكذا إنْ كان الإمامُ والمأمومُ خارجَ المسجدِ من بابِ أَوْلَى. (وإنْ كان بينهما) أي: الإمامِ والمأمومِ (نهرٌ تجري فيه السُّفنُ) لم تصحَّ، فإنْ لمْ تجرِ فيه، صحَّتْ؛ ليحترزَ به عن الصغيرِ، فإنَّه لا يمنعُ الاقتداءَ (أو) كان بينهما (طريقٌ، لم تصحَّ) صلاتُه؛ لما روي عن عمرَ أنَّه قال: مَنْ صلَّى وبينه وبين الإمامِ نهرٌ، أو جدارٌ، أو طريقٌ، فلم يصلِّ مع الإمامِ (٢). وإنْ كانتْ صلاةَ جمعةٍ أو عيدٍ أو جنازةٍ، لمْ يؤثِّرْ ذلك فيها، للضرورةِ، حيثُ اتصلتْ الصفوفُ صحَّتْ. أو كان المأمومُ بسفينةٍ وإمامُه في أخرى غيرِ مقرونةٍ بها،

стр. 423

وكُرِهَ عُلوُّ الإمامِ عن المأمُومِ، لا عكسُه. وكُرِهَ لمن أكلَ بصلًا أو فُجلًا ونحوَه، حضُورُ المسجِدِ. لم يصحَّ الاقتداءُ؛ لأنَّ الماءَ طريقٌ، وليستِ الصفوفُ متصلةً. فإن كان في شدَّةِ خوفٍ، وأمكنَ الاقتداءُ، صحَّ؛ للعذرِ. فعُلِمَ منه: أنَّ السَّفينةَ إذا كانتْ مقرونةً، صحَّ الاقتداءُ (وكُرِه عُلوُ الإمامِ عن المأمومِ) لحديث أبي داودَ (١) عن حذيفةَ مرفوعًا: "إذا أمَّ الرجلُ القومَ، فلا يقومنَّ في مكانٍ أرفعَ من مكانِهم". وروى الدارقطنيُّ (٢) معناه بإسنادٍ حسنٍ. ما لمْ يكنْ العلوُّ يسيرًا كدرجة المنبرِ، فلا يُكرَهُ. وتصحُّ الصَّلاةُ، ولو كان العلوُ كثيرًا، وهو -أي: الكثيرُ- ذراعٌ فأكثرَ من ذراعٍ. وقال أبو المعالي في "شرح الهداية": مقدارُه: قدر قامةِ المأمومِ (لا عكسُه) أي: لا يُكره علوُّ المأمومِ على الإمامِ، ولو كان كثيرًا، كما لو صلَّى خلفَ الإمامِ على سطحِ المسجدِ؛ لما روى الشافعيُّ (٣)، عن أبي هريرةَ أنَّه صلَّى على ظهرِ المسجدِ بصلاةِ الإمامِ. ورواه سعيدٌ عن أنسٍ (٤) (وكُرِه لمَنْ أكلَ بصلًا أو فُجْلًا ونحوَه) كثُومٍ، وكُرَّاثٍ (حضورُ المسجدِ) وحضورُ جماعةٍ. قال في "الإقناع": والمرادُ: حضورُ الجماعةِ، ولو في غيرِ

стр. 424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مسجدٍ، أو غيرِ صلاةٍ، حتى يذهبَ ريحُه (١)؛ للخبرِ، ولإيذائِه. وظاهرُه: ولو لمْ يكنْ بالمسجدِ أحدٌ؛ لتأذِّي الملائكةِ. ويُستحبُّ إخراجُه. وفي معناه: مَنْ به نحوُ صُنانٍ، أو جُذامٍ. ومن الآدابِ: وضعُ إمامٍ نعلَه عن يسارِه، ومأمومٍ بين يديه، لئلا يؤذي. فائدةٌ: يقطعُ الرَّائحةَ الكريهةَ مضغُ السَّذَابِ (٢)، أو السُّعْدِ (٣). قالَهُ بعضُ الأطباءِ.

стр. 425

فَصْلٌ يُعذَرُ بتركِ الجمُعةِ والجماعَةِ: المريضُ، والخائفُ حدوثَ المرَضِ، والمُدافِعُ أحدَ الأخبثينِ، ومَنْ له ضائِعٌ يرجُوْهُ، (فصلٌ) في ذكرِ الأعذارِ المبيحةِ لتركِ الجمعةِ والجماعةِ وممَّا (يُعذرُ بتركِ الجمعةِ والجماعةِ: المريضُ) لأنَّه ﵇ لما مرِضَ تخلَّفَ عن المسجدِ، وقال: "مُرُوا أبا بكرٍ فليصلِّ بالنَّاسِ". متفقٌ عليه (١). (و) كذا (الخائفُ حدوثَ المرضِ) لأنَّه في معنى المريضِ. ومحلُّ ذلك: إذا كان المريضُ والخائفُ حدوثَ المرضِ ليسا بالمسجدِ، فإنْ كانا بالمسجدِ، لزِمَتْهُما الجمعةُ والجماعةُ، لعدمِ المشقَّةِ في ذلك. (و) يُعذرُ بتركِ الجمعةِ والجماعةِ: (المدافعُ أحدَ الأخبثينِ) وهما: البولُ والغائطُ، بحيثُ لو قضى حاجتَه وتوضَّأ، فاتتْه الجمعةُ والجماعةُ؛ لقولِه ﵇: "لا صلاةَ بحضرةِ طعامٍ، ولا هو يُدافعُه الأخبثانِ" (٢) (ومَنْ له ضائعٌ يرجوه) كأنْ دُلَّ عليه بمكانٍ، وخافَ إنْ لم يمضِ إليه سريعًا، انتقلَ إلى غيرِه، أو قدومِ بضائعَ له من سفرٍ، وخافَ إنْ لمْ يتلقَّهُ أخفاه. قال المجدُ: والأفضلُ تركُ ما يرجو وجودَه، ويصلِّي الجمعةَ والجماعةَ (٣)
следующие страницы →