← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 803

شرح دليل الطالب - عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

Полный текст (1 686 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الصفوف" (١). وإلا، أي: وإنْ لمْ يجدْ فرجةً، أو وجدَ الصفَّ مرصوصًا، فإنَّه يقفُ عن يمينِ الإمامِ، إنْ أمكنَه؛ لأنَّه موقفُ الواحدِ. فإنْ لمْ يمكنْه أنْ يقفَ عن يمينِ الإمامِ، فله أن ينبِّه بنحنحةٍ، أو كلامٍ، كأن يقولُ: ليتأخَّرْ واحدٌ منكم لأكونَ أنا وإياه صفًّا، أو نحو ذلك. أو ينبِّه بإشارةٍ مَنْ يقومُ معه صفًّا؛ ليتمكَّنَ من الاقتداءِ. ويَتبعُه، أي: يلزمُ المنبَّه أنْ يتأخَّرَ؛ ليقفَ معه؛ لأنَّ الواجِب لا يتمُّ إلا به. وكُره تنبيهُه بجذبِه، نصًّا؛ لأنَّه تصرُّفٌ بغيرِ إذنِه. وعبدُه وابنُه كأجنبيٍّ، ولمْ يحرُمْ. بلْ صحَّح في "المغني" جوازَه؛ لدعاءِ الحاجةِ إليه، كسجودٍ على ظهرِ إنسانٍ، أو قدَمِه؛ لزحامٍ. قال ابنُ عقيلٍ: جوَّز أصحابُنا جذْبَ رجلٍ بقومُ معه. قال الشيخُ تقيُّ الدينِ: لو حضرَ اثنان، وفي صفٍّ فرجةٌ فأيُّما أَفضَلُ؛ وقوفُهُما جميعًا، أو يسدُّ أحدُهما الفرجةَ، وينفردُ الآخرُ؟ رجَّحَ أبو العباس: الاصطفافَ مع بقاءِ الفُرْجةِ؛ لأنَّ سدَّ الفرجةِ مستحبٌّ، والاصطفافُ واجبٌ. انتهى من "الإنصاف" (٢). فائدةٌ: لو زُحِمَ في الركعةِ الثانيةِ من الجمعةِ، فأُخرجَ من الصفِّ، وبقيَ فذًّا، فإنَّه ينوي المفارقةَ، للعذرِ، ويتمّها جمعةً؛ لإدراكِه منها ركعةً مع الإمامِ، كالمسبوقِ. وإنْ أقامَ على متابعةِ إمامِه، وأتمَّها معه فذًّا، صحَّتْ جمعتُه. قدَّمه في "الرعاية". قاله في "الإنصاف" (٣).

стр. 422

وإن أمكنَ المأمومَ الاقتداءُ بإمامِه، ولو كانَ بينهُما فوقَ ثلاثِمِائةِ ذِراعٍ، صحَّ، إن رأى الإمامَ، أو رأى مَنْ وراءَه. وإن كان الإمامُ والمأمومُ في المسجدِ، لم تُشتَرطِ الرؤيُةُ، وكفَى سماعُ التكبيرِ. وإن كان بينهما نهرٌ تَجري فيه السُّفنُ، أو طريقٌ، لم تَصِحَّ. (وإنْ أمكنَ المأمومَ الاقتداءُ بإمامِه، ولو كان بينهُما فوقَ ثلاثمائةِ ذراعٍ، صحَّ) خلافًا للشافعيِّ. (إنْ (١) رأى) المقتَدِي (الإِمامَ، أو رأى مَنْ وراءَه) أي: الإمامِ (وإنْ كان الإمامُ والمأمومُ في المسجدِ، لمْ تُشترط الرؤيةُ، و) إنْ كان بينهما حائلٌ (كفَى سماعُ التكبيرِ)؛ لأنَّه يتمكَّنُ من متابعتِه، والمسجدُ مُعدٌّ للاجتماعِ، ومظنَّةُ القربِ، فيصحُّ بدونِ مشاهدةٍ، بخلافِ مَنْ كان خارجَه. وعُلِمَ منه: أنَّه إذا لمْ يرَهُ، ولا مَنْ وراءَه، ولا سمِعَ التكبيرَ؛ لصَمَمٍ أو طَرَشٍ أو بُعْدٍ، أنَّه لا يصحُّ اقتداؤُه. وهو كذلك قولًا واحدًا. لا إنْ كان المأمومُ وحدَه خارجَه، وسمعَ التكبيرَ، ولم يرَهُ، ولا مَنْ وراءَه. وكذا إنْ كان الإمامُ والمأمومُ خارجَ المسجدِ من بابِ أَوْلَى. (وإنْ كان بينهما) أي: الإمامِ والمأمومِ (نهرٌ تجري فيه السُّفنُ) لم تصحَّ، فإنْ لمْ تجرِ فيه، صحَّتْ؛ ليحترزَ به عن الصغيرِ، فإنَّه لا يمنعُ الاقتداءَ (أو) كان بينهما (طريقٌ، لم تصحَّ) صلاتُه؛ لما روي عن عمرَ أنَّه قال: مَنْ صلَّى وبينه وبين الإمامِ نهرٌ، أو جدارٌ، أو طريقٌ، فلم يصلِّ مع الإمامِ (٢). وإنْ كانتْ صلاةَ جمعةٍ أو عيدٍ أو جنازةٍ، لمْ يؤثِّرْ ذلك فيها، للضرورةِ، حيثُ اتصلتْ الصفوفُ صحَّتْ. أو كان المأمومُ بسفينةٍ وإمامُه في أخرى غيرِ مقرونةٍ بها،

стр. 423

وكُرِهَ عُلوُّ الإمامِ عن المأمُومِ، لا عكسُه. وكُرِهَ لمن أكلَ بصلًا أو فُجلًا ونحوَه، حضُورُ المسجِدِ. لم يصحَّ الاقتداءُ؛ لأنَّ الماءَ طريقٌ، وليستِ الصفوفُ متصلةً. فإن كان في شدَّةِ خوفٍ، وأمكنَ الاقتداءُ، صحَّ؛ للعذرِ. فعُلِمَ منه: أنَّ السَّفينةَ إذا كانتْ مقرونةً، صحَّ الاقتداءُ (وكُرِه عُلوُ الإمامِ عن المأمومِ) لحديث أبي داودَ (١) عن حذيفةَ مرفوعًا: "إذا أمَّ الرجلُ القومَ، فلا يقومنَّ في مكانٍ أرفعَ من مكانِهم". وروى الدارقطنيُّ (٢) معناه بإسنادٍ حسنٍ. ما لمْ يكنْ العلوُّ يسيرًا كدرجة المنبرِ، فلا يُكرَهُ. وتصحُّ الصَّلاةُ، ولو كان العلوُ كثيرًا، وهو -أي: الكثيرُ- ذراعٌ فأكثرَ من ذراعٍ. وقال أبو المعالي في "شرح الهداية": مقدارُه: قدر قامةِ المأمومِ (لا عكسُه) أي: لا يُكره علوُّ المأمومِ على الإمامِ، ولو كان كثيرًا، كما لو صلَّى خلفَ الإمامِ على سطحِ المسجدِ؛ لما روى الشافعيُّ (٣)، عن أبي هريرةَ أنَّه صلَّى على ظهرِ المسجدِ بصلاةِ الإمامِ. ورواه سعيدٌ عن أنسٍ (٤) (وكُرِه لمَنْ أكلَ بصلًا أو فُجْلًا ونحوَه) كثُومٍ، وكُرَّاثٍ (حضورُ المسجدِ) وحضورُ جماعةٍ. قال في "الإقناع": والمرادُ: حضورُ الجماعةِ، ولو في غيرِ

стр. 424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مسجدٍ، أو غيرِ صلاةٍ، حتى يذهبَ ريحُه (١)؛ للخبرِ، ولإيذائِه. وظاهرُه: ولو لمْ يكنْ بالمسجدِ أحدٌ؛ لتأذِّي الملائكةِ. ويُستحبُّ إخراجُه. وفي معناه: مَنْ به نحوُ صُنانٍ، أو جُذامٍ. ومن الآدابِ: وضعُ إمامٍ نعلَه عن يسارِه، ومأمومٍ بين يديه، لئلا يؤذي. فائدةٌ: يقطعُ الرَّائحةَ الكريهةَ مضغُ السَّذَابِ (٢)، أو السُّعْدِ (٣). قالَهُ بعضُ الأطباءِ.

стр. 425

فَصْلٌ يُعذَرُ بتركِ الجمُعةِ والجماعَةِ: المريضُ، والخائفُ حدوثَ المرَضِ، والمُدافِعُ أحدَ الأخبثينِ، ومَنْ له ضائِعٌ يرجُوْهُ، (فصلٌ) في ذكرِ الأعذارِ المبيحةِ لتركِ الجمعةِ والجماعةِ وممَّا (يُعذرُ بتركِ الجمعةِ والجماعةِ: المريضُ) لأنَّه ﵇ لما مرِضَ تخلَّفَ عن المسجدِ، وقال: "مُرُوا أبا بكرٍ فليصلِّ بالنَّاسِ". متفقٌ عليه (١). (و) كذا (الخائفُ حدوثَ المرضِ) لأنَّه في معنى المريضِ. ومحلُّ ذلك: إذا كان المريضُ والخائفُ حدوثَ المرضِ ليسا بالمسجدِ، فإنْ كانا بالمسجدِ، لزِمَتْهُما الجمعةُ والجماعةُ، لعدمِ المشقَّةِ في ذلك. (و) يُعذرُ بتركِ الجمعةِ والجماعةِ: (المدافعُ أحدَ الأخبثينِ) وهما: البولُ والغائطُ، بحيثُ لو قضى حاجتَه وتوضَّأ، فاتتْه الجمعةُ والجماعةُ؛ لقولِه ﵇: "لا صلاةَ بحضرةِ طعامٍ، ولا هو يُدافعُه الأخبثانِ" (٢) (ومَنْ له ضائعٌ يرجوه) كأنْ دُلَّ عليه بمكانٍ، وخافَ إنْ لم يمضِ إليه سريعًا، انتقلَ إلى غيرِه، أو قدومِ بضائعَ له من سفرٍ، وخافَ إنْ لمْ يتلقَّهُ أخفاه. قال المجدُ: والأفضلُ تركُ ما يرجو وجودَه، ويصلِّي الجمعةَ والجماعةَ (٣)

стр. 426

أو يخافُ ضَياعَ مالِه، أو فواتَه، أو ضررًا فيه، أو يخافُ على مالٍ استؤجِرَ لحِفظِهِ، كنِطَارَةِ بُستَانٍ، أو أذىً بمطَرٍ، ووحَلٍ، وثلجٍ، وجليدٍ، وريحٍ بارِدةٍ بليلةٍ مُظلِمَةٍ، (أو يخافُ ضياعَ مالِه) أي: يخافُ ضياعَ مالِه الذي عنده؛ بأنْ يخافَ عليه من لصِّ، أو سبُعٍ، أو سلطانٍ، لمولِه ﵇: "مَنْ سمِعَ النداءَ، فلم يأتِه إلا من عذرٍ، لم يمبلْ منه الصَّلاهُ". دالوا: وما العذرُ؟ قال: "خوفٌ أو مرضٌ" (١). وهذا يشملُ الخوفَ على المالِ وغيرِه. (أو) يخافُ (فواتَه)، كشرودِ دابَّتِه، أو إباقِ عبدِه، وسفرِ نحوِ غريمٍ له. (أو) يخافُ (ضررًا فيه) أي: مالِه، كاحتراقِ خُبزٍ أو طبيخٍ (٢)، أو إطلاقِ ماءٍ نحوَ زَزعِه بغيبتِه (أو يخافُ على مالٍ استؤجِرَ لحفظِه) ولو كان ما استؤجرَ لحفظِه (كنِطارةٍ (٣)) بكسر النون، أي: حِفظِ (بُستانٍ) ونحوِه. قال في "القاموس": النَّاطِرُ، والنَّاطورُ: حافظُ الكَرمِ والنخلِ، أعجميٌّ. الجمعُ: نُطَّارٌ، ونُطَراء، ونواطِيرُ، ونطرةٌ. والفعلُ: النطرُ والنِّطارةُ، بالكسر (أو) يخافُ (أذىً بمطرٍ، ووَحَلٍ) بفتح الحاء (وثلجٍ، وجليدٍ، وريحٍ بادرةٍ بليلةٍ مظلمةٍ) لحديثِ ابنِ عمرَ: كان النبيَّ ﷺ ينادي مُنادِيه في الليلةِ الباردةِ، أو المطيرةِ: "صلُّوا في رِحالِكم". رواه ابنُ ماجه (٤).

стр. 427

أو تَطويلِ إمَامٍ. (أو) يخافُ أذىً بـ (تطويلِ إمامٍ) لما تقدَّمَ: أنَّ رجلًا صلَّى مع معاذٍ، ثمَّ انصرفَ فصلَّى وحدَهُ عندَ تطويلِ معاذ. فلمْ ينكرْ عليه ﷺ حينَ أخبرَه (١). أو غلبة نعاسٍ يخافُ به فوتَ الصَّلاةِ في الوقتِ إنِ انتظرَ الجماعةَ، أو يخاف به فوتها مع إمامٍ (٢). فيعذرُ فيهما. وقطعَ في "المذهب" و"الوجيز": أنَّه يُعذرُ فيهما بخوفِه بطلانَ وضوئِه بانتظارِهما. قال المجدُ، وصاحبُ "مجمع البحرين" وغيرُهما: الصبرُ والتجلدُ على (٣) دفعِ النُّعاسِ، ويصلِّي معهم أفضل (٤). قال ابنُ عقيلٍ في "المفردات": تسقطُ الجمعةُ بأيسرِ عذرٍ، كمَنْ له عروسٌ تجلَّى عليه. قال أبو المعالي: الزلزلةُ عذرٌ؛ لأنَّها نوعُ خوفٍ (٥). فائدةٌ: ذكرَ بعضُ الأصحابِ أنَّ فعلَ جميعِ الرُّخصِ أفضلُ من تركِها، غيرَ الجمعِ. تتمةٌ: إنْ طرأ بعضُ الأعذارِ في الصَّلاةِ، أتمَّها خفيفةً إنْ أمكنَ، وإلا خرجَ منها. والمأمومُ يفارقُ إمامَه ويتمُّها أو يخرجُ منها. قال أبو الدرداءِ: من فقهِ الرَّجلِ إقبالُه

стр. 428

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . على حاجته، حتى يقبلَ (١) على صلاتِه وقلبُه فارغٌ. رواه البخاريُّ (٢). قالَهُ في "المبدع" (٣).

стр. 429

بابُ صلاةِ أهلِ الأعذارِ يلزمُ المريضَ أن يصلِّيَ المكتوبةَ قائمًا ولو مُستنِدًا، فإن لم يستطعْ فقاعدًا، فإن لم يستطِعْ فعلى جنبِه، والأيمنُ أفضلُ، ويُومِئُ بالرُّكوع وبالسجود ويجعلُهُ أخفَضَ، (بابُ صلاةِ أهلِ الأعذارِ) جمعُ عُذرٍ. وهم: المريضُ، والمسافرُ، والخائفُ، ونحوُهم. (يلزمُ المريضَ أنْ يصلِّيَ المكتوبةَ قائمًا) إنْ قدِرَ عليه (ولو) كان (مُستَندًا) إلى شيءٍ (فإنْ لمْ يستطعْ) المريضُ القيامَ (فقاعدًا) مُتربِّعًا، وفاقًا لمالكٍ، نَدْبًا. وقيل: وجوبًا. (فإنْ لمْ يستطعْ) القعودَ (١)، أو شقَّ عليه القعودُ (فعَلَى جنبِه) أي: بحيثُ يكونُ وجهُه وبطنُه إلى القِبلةِ (و) الجنبُ (الأيمنُ أفضلُ) لحديث عليٍّ (٢) (ويُومِئُ بالركوعِ وبالسجودِ (٣)) عاجزٌ عنهما ما أمكنَه، نصًّا؛ لقولِه ﷺ : "وإذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتُمْ" (٤). (ويجعلُه أخفضَ) من ركوعِه؛ ليحصلَ الفرقُ بين الإيمائين.

стр. 430

فإن عَجَزَ أومأَ بطرفِه واستحضَر الفِعلَ بقلبه، وكذا القولَ إن عَجَزَ عنه بلسانِه. ولا تسقُط ما دامَ عقلُه ثابِتًا. (فإنْ عجَزَ أومأَ بطَرفِه) أي: بعينِه (واستحضرَ الفعلَ) عند إيمائِه له، وهو الركوعُ والسجودُ (بقلبِه) متعلِّقٌ بـ"مستحضر" أي: يستحضرُ الفعلَ عند إيمائِه (وكذا) يستحضرُ (القولَ إنْ عجزَ عنه بلسانِه) لقولِه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحَجّ: ٧٨]. (ولا تسقطُ) الصَّلاةُ (ما دامَ عقلُه ثابتًا) حينئذٍ عن (١) المكلَّفِ، بالمرضِ، ما دامَ عقلُه حاضرًا. فعلى هذا: لو عجزَ عن الإيماءِ بطرفِه، وأمكنَه أنْ ينويَ، ويستحضِرَ أفعالَ الصَّلاةِ وأقوالَها بقلبِه، لزِمَه ذلك، كما في "شرح الهداية"، وأشارَ إليه في "النكت" (٢). أمَّا إن غابَ عقلُه، فإنَّها تسقطُ. أي: إنْ ماتَ. ولهذا قال في "شرح الهداية": فإنْ غلَبه المرضُ حتى غابَ عقلُه، فإنَّ الصَّلاةَ تبقَى في ذمَّتِه إلى أن يفيقَ، فيقضيها؛ لأنَّ الإغماءَ لا يُسقطُ فرضَ الصَّلاةِ، وهو ظاهرُ. ولا ينقصُ أجرَ المريضِ عجز عن قيامٍ أو قعودٍ، إذا صلَّى على ما يُطيقُه؛ لخبر أي موسى مرفوعًا: "إذا مرضَ العبدُ، أو سافرَ، كُتبَ له ما كان يعملُ مقيمًا صحيحًا" (٣).

стр. 431

ومَنْ قَدَرَ على القيَامِ أو القُعودِ في أتنائِها، انتقلَ إليه. ومن قَدَرَ أن يقومَ منفرِدًا أو يجلِسَ في الجماعِة، خُيِّر. وتَصِحُّ على الراحِلَةِ لمَنْ يتأذَّى بنحو مطرٍ، ووحَلٍ، أو يَخَافُ على نفسِه من نُزولِه، وعليه الاستقبالُ، وما يَقِدرُ عليه. (ومَنْ قدرَ على القيامِ، أو) قدرَ مُصلٍّ على (القعودِ، في أثنائِها) أي: الصَّلاةِ (انتقلَ إليه) أي: إلى ما قَدِرَ عليه بعدَ أنْ كان عاجزًا عنه. وأتمَّها به (ومَنْ قدرَ أنْ يقومَ) في الصَّلاةِ (منفردًا، أو) قدرَ أنْ (يجلسَ في الجماعةِ خُيِّرَ) بين الصَّلاةِ قائمًا منفردًا، وبين الصَّلاةِ جالسًا في جماعةٍ. قال في "الشرح": لأنَّه يفعلُ في كلٍّ منهما واجبًا، ويتركُ واجبًا. وقيل: يلزمُه أنْ يصلِّيَ قائمًا منفردًا؛ لأنَّ القيامَ ركنٌ؛ بخلافِ الجماعةٍ. وصوَّبه في "الإنصاف" (١) (وتصحُّ) الصَّلاةُ (على الرَّاحلةِ) واقفةً أو سائرةً (لمَنْ يتأذَّى بنحوِ مطرٍ ووحَلٍ) ونحوِه، كثلج أو برَدٍ (أو يخافُ على نفسِه من نزوله) من عدؤ ونحوه، كسيل وسبُعٍ. وكذا عجزُه إنْ نزلَ عن ركوبٍ. فإنْ قدِرَ ولو بأُجرةٍ يَقدِرُ عليها، نزَلَ. والمرأةُ إن خافت تبرزًا وهي خَفِرَةٌ (٢)، صلَّت على الراحلة (٣). وكذا مَنْ خافَ حصولَ ضررٍ بالمشيء ذكرَهما في "الاختيارات". (وعليه) أي: المصلِّي على الراحلةِ المكتوبةَ لعذرٍ (الاستقبالُ، وما يقدرُ عليه) من ركوعٍ وسجودٍ، أو إيماءٍ وطمأنينةٍ

стр. 432

ويومِئُ مَنْ بالمَاءِ والطِّينِ. (ويُومِئُ مَنْ بالماءِ والطينِ) بركوعٍ وسجودٍ، كمصلوبٍ ومربوطٍ. ويسجدُ الغريقُ على متنِ الماءِ، أي: ظهرِه. تنبيهٌ: يُعتبرُ المَقَرّ لأعضاءِ السجودِ؛ لحديثِ: "أُمرتُ أنْ أسجدَ على سبعةِ أعظمٍ" (١). فلو وضَعَ جبهتَهُ على قُطنٍ مَنفوشٍ ونحوِه، ممَّا لا تَستقرُّ عليه الأعضاءُ، لمْ يصحَّ. أو صلَّى معلَّقًا، أو في أُرجُوحةٍ، ولا ضرورةَ تمنعُه أنْ يصلِّيَ بالأرضِ، لمْ تصحَّ صلاتُه؛ لعدمِ تمكّنِه عُرفًا، وعدمِ ما يَستقرُّ عليه. وتصحُّ الصَّلاةُ أيضًا على حائلِ صوفٍ ونحوِه، كشعرٍ ووَبَرٍ من حيوانٍ طاهرٍ، ولا كراهةَ؛ لحديثِ: أنَّه ﷺ صلَّى على فَروةٍ مدبوغةٍ (٢). وتصحُّ أيضًا على ما منعَ صلابةَ الأرضِ، كفِراشٍ محشوٍّ بنحوِ قُطنٍ. وتصحُّ على ما تُنبتُه الأرضُ؛ لاستقرارِ أعضاءِ السجودِ عليه (٣).

стр. 433

فَصْلٌ في صلاةِ المُسَافِرِ قصرُ الصَّلاة الرُّباعيَّةِ (فصلٌ في صلاةِ المسافرِ) وهو (قصرُ الصَّلاةِ الرُّباعيةِ) أي: فعلُها في السفرِ ركعتين في الجملةِ، أمرٌ مجمعٌ عليه، لا نزاعَ فيه، حتى أنْ من العلماءِ مَنْ يوجبُه، وسندُ الإجماعِ: قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النِّساء: ١٠١] الآية. وما تواترَ من الأخبارِ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يقصرُ حاجًّا، ومعتمرًا، وغازيًا. وكذلك أصحابُه من بعدِه. وقد قال عبد الله بن عمر ﵄: صحبت رسول الله ﷺ (١)، فكان لا يزيدُ في السفرِ على ركعتين، وأبو بكرٍ، وعمرٌ، وعثمانُ ﵃ كذلك. متفقٌ عليه (٢). فإنْ قيلَ: فظاهرُ الآيةِ الكريمةِ: التقييدُ بالخوفِ من الكفارِ. قيل: قدْ قال أبو العباسِ ﵀: إنَّ القصرَ قصرانِ؛ قصرٌ مطلقٌ، وقصرٌ مقيدٌ. فالمطلقُ: ما اجتمعَ فيه قصرُ الأفعالِ وقصرُ العدد، كصلاةِ الخوفِ حيث كان مسافرًا، فإنه يجتمعُ فيه القصران؛ قصرُ العددِ، وقَصرُ العملِ، فإنَّه يرتكبُ فيها أمورٌ لا تجوزُ في صلاةِ الأمنِ، والَايةُ وردتْ على هذا، وما عدا هذا فهو قصرٌ مقيَّدٌ،

стр. 434

أفضلُ لِمَنْ نَوَى سفَرًا مباحًا كالمسافرِ فقط يقصرُ العددَ، والخائفِ فقط يقصرُ العملَ. وهذا توجيهٌ حسَنٌ في الآيةِ الكريمةِ. لكنْ يردُ عليه ما روي عن يعلى بنِ أميةَ قال: قلتُ لعمرَ بن الخطابِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النِّساء: ١٠١] فقدْ أمِنَ الناسُ؟ فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألتُ رسولَ الله ﷺ عن ذلك فقال: "صدقةٌ تصدَّقَ اللهُ بها عليكمْ، فاقبلُوا صدقتَهُ". رواه الجماعةُ (١) إلا البخاريَّ. فظاهرُ ما فهمِهُ عمرُ ويعلى: تقيدُ قصرِ العددِ بالخوفِ. والنبيُّ ﷺ أقرَّهُما على ذلك، وبيَّن لهما أنَّ جوازَ القصرِ من غيرِ شرطِ الخوفِ صدقةٌ من اللهِ عليهم (٢) (أفضلُ) من الإتمامِ، نصًّا؛ لأنَّه ﵇ وخلفاءَه داوموا عليه. وروى أحمدُ (٣) عن عمرَ: "إنَّ اللهَ يحبُّ أنْ تُؤتى رخصُه، كما يكرَه أنْ تُؤتي معصيتُه". (لمَنْ نَوى سفرًا مباحًا) أي: ليس حرامًا ولا مكروهًا. واجبًا كان، كحجٍّ وجهادٍ متعيِّنَين، أو مسنونًا، كزيارةِ رحمٍ، أو مُستَوي الطَّرفين، كتجارةٍ. والمعتبرُ: نيَّةُ السفرِ المذكورِ، لا حقيقتُه. فلو نواه، ثمَّ رجعَ قبلَ استكمالِ المدَّةِ، وكان قدْ قصرَ، فلا إعادةَ، ولو لم ينو لم يقصرُ، ولو جاوزَ المسافةَ، كمَنْ خرجَ في طلبِ ضالةٍ، أو آبقٍ، وجاوزَ ستَّةَ عشرَ فرسخًا، لم يجزْ له القصرُ حتى

стр. 435

لمحلٍّ معيَّن يبلغُ ستَّةَ عشَرَ فرسَخًا، وهي يَومانِ قاصدَانِ في زمنٍ معتدِلٍ بسيرِ الأثقَالِ، ودَبيبِ الأقدَامِ، يجدِّدَ نيةَ سفرٍ، مسافةً تبلغُ ستَّةَ عشرَ فرسخًا (لمحلٍّ معينٍ): خرجَ به: الهائمُ، والسائحُ، والتائِهُ؛ لأنَّ غايةَ سفرِهم غيرُ معلومةٍ. ولأنَّه يُعتبرُ في السفرِ المبيحِ: كونُه منقطعًا، والهائمُ والسائحُ مسافران دائمًا. والتائِهُ: لا يدري ما بينه وبين محلِّه؛ ولأنَّه يُشترطُ لصحةِ القصرِ جهةٌ معيَّنةٌ، وليس ذلك بموجودٍ في الهائمِ، ولا السائحِ، ولا التائِهِ. (يبلغُ) ذلك المحلُّ (ستَّةَ عشرَ فرسخًا) تقريبًا لا تحديدًا، برًّا أو بحرًا. (وهي) أي: الستَّةَ عشرَ فرسخًا: (يومان قاصِدان) أي: مسيرةُ يومين مُعتدلَين بسيرِ الأثقالِ، ودبيبِ الأقدامِ (في زمنٍ معتدلٍ) أي: معتدلٍ طولًا وقِصَرًا، وليس المرادُ به الحرَّ والبردَ؛ لهذا فسَّره بقولِه: (بسيرِ الأثقالِ، ودبيبِ الأقدامِ) وذلك أربعةُ بُرُدٍ، والبريدُ: أربعةُ فراسخَ. والفرسخُ: ثلاثةُ أميالٍ هاشميَّةٍ، وبأميالِ بني أُميَّةَ: ميلانِ ونصفٌ. والميلُ الهاشميُّ: اثنا عشرَ ألفَ قدمٍ، وهي ستَّةُ آلافِ ذراعٍ، بذراعِ اليدِ. والذراعُ: أربعٌ وعشرون إصْبَعًا معترضةً معتدلةً، كلّ إصبعٍ منها عرضُها ستُّ حبَّاتٍ شعيرٍ، بطونُ بعضِها إلى بُطونِ بعضٍ، عَرضُ كلِّ شَعيرَةٍ لسِتُّ (١) شَعَرَاتِ بِرْذَوْنٍ. قال ابنُ حجرٍ في "شرح البخاري" (٢): الذراعُ الذي ذُكرَ، قد حُرِّرَ بذراعِ الحديدِ المستعملِ الآن في مصرَ والحجازِ، في هذه الأعصارِ (٣)، ينقصُ عن ذراعِ

стр. 436

إذا فارقَ بُيوتَ قَريته العامِرَةَ. ولا يُعيدُ مَن قَصَرَ، ثمَّ رجَعَ قبلَ استِكمالِ المسافةِ. ويلزمُهُ إتمامُ الصلاةِ: إن دخَلَ وقتُها وهو في الحَضَر، أو صلَّى خَلفَ مَنْ يُتِمُّ، الحديدِ بقدرِ الثُّمُنِ. فعلى هذا: فالميلُ بذراعِ الحديدِ على القولِ المشهورِ: خمسةُ آلافِ ذراع، ومائتانِ وخمسونَ ذراعًا. قال: وهذه فائدةٌ نفيسةٌ، قلَّ مَنْ نبِّه عليها. واختار الشيخُ تقيُّ الدينِ جوازَ القصرِ في مسافةِ فرسخٍ. (إذا فارقَ بيوتَ قريتِه العامرةَ) مسافرًا، داخلَ السورِ أو خارجَه، ولِيَها بيوتٌ خاربةٌ أو البريَّةُ. فإنْ ولِيَها بيوتٌ خاربةٌ، ثمَّ بيوتٌ عامرةٌ، فلا بدَّ من مفارقةِ العامرة التي تلي الخاربة، وإن لم يل الخرابَ بيوتٌ عامرةٌ، لكن جُعِلَ الخرابُ مزارِعَ (١) وبساتينَ يسكنُهُ أهلُه في فصل من الفصولِ للنزهةِ. فقال أبو المعالي: لا يقْصرُ حتى يفارقَها (ولا يعيدُ مَنْ قصرَ) بضرطِه، (ثمَّ رجعَ قبلَ استكمالِ المسافةِ) لما تقدَّمَ: أنَّ المعتبرَ نيَّةُ المسافةِ لا حقيقتُها (ويلزمُه إتمامُ الصَّلاةِ: إنْ دخلَ وقنُها وهو في الحضَرِ) لوجوبِها عليه تامَّةً بدخولِ وقتِها (أو صلَّى خلفَ مَنْ يُتمُّ) لزِمَه أنْ يتمَّ، نصًّا؛ لما روي عن ابن عباس: تلك السُّنَّةُ (٢). وسواءٌ ائتَمُّ به في كلِّ الصَّلاةِ أو بعضِها، علِمَه مقيمًا أو لا. ويشملُ

стр. 437

أو لم ينوِ القصرَ عندَ الإحرَامِ، أو نوى إقامةً مطلَقةً، أو أكثرَ من أربعةِ أيَّامٍ، أو أقامَ لحاجةٍ وظَنَّ أن لا تنقَضِيَ إلا بعدَ الأربعةِ، أو أخَّر الصَّلاةَ] بلا عُذرٍ حتَّى ضاقَ وقتُها عَنهَا. كلامُه: لو اقتدى بمسافرٍ، فاستخلفَ لعذرٍ مُقيمًا، لزِمَ المأمومَ الإتمامُ دونَ الإمامِ (١) (أو لمْ ينوِ القصرَ عندَ الإحرامِ) لزِمَه أنْ يُتمَّ؛ لأنَّه الأصلُ، فإطلاقُ النيَّةِ ينصرفُ إليه. (أو نوى إقامةً مطلقةً) أي: غيرَ مقيَّدةٍ بزمنٍ، ولو في نحوِ مَفازةٍ، لزِمَه أنْ يتمَّ؛ لانقطاعِ السفرِ المبيحِ للقصرِ (أو) نوى إقامةً ببلدٍ أو مفازة (أكثرَ من أربعةِ أيامِ) لزِمَه أنْ يتمَّ، وإلَّا فله القصرُ؛ لأنَّ الذي تحقَّقَ أنه ﵇، أقامَ بمكةَ أربعةَ أيامَ؛ لأنَّه كان حاجًّا، ودخلَ مكةَ صبيحةَ رابعةِ ذي الحجَّةِ. والحاجُّ لا يخرجُ قبلَ يومِ الترويةِ. قال الأثرمُ: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ يذكرُ حديثَ أنسٍ. أي: قولَه: أقمنا بمكَّةَ عشرًا نقصرُ الصَّلاةَ. متفقٌ عليه (٢). ويقولُ -أي أحمدُ-: هو كلامٌ ليس يفقهُهُ كلُّ أحدٍ. أي: لأنَّه حَسَبَ مُقامَ النبيِّ ﷺ بمكَّةَ ومنًى. ويُحسبُ يومُ الدخولِ ويومُ الخروجِ من المدَّةِ (أو أقامَ لحاجةٍ، وظنَّ أنْ لا تنقَضي) الحاجةُ (إلَّا بعد الأربعةِ) أيامٍ، لزِمَه أنْ يتمَّ؛ لأنَّه في معنى نيةِ إقامتِها. وإنْ ظنَّ انقضاءَها في الأربعةِ أيامٍ، قصرَ (أو أخَّرَ الصَّلاةَ بلا عُذرٍ) من نحوِ نومٍ (حتى ضاقَ وقتُها عنها) أي: عن فعلِها كلِّها فيه مقصورةً، لزِمَه أنْ يتمَّ؛ لأنَّه صارَ عاصيًا بتأخيرِها متعمِّدِا بلا عذرٍ

стр. 438

ويقصُرُ إن أقامَ لحَاجة بلا نِيَّةِ الإقامةِ فوقَ أربعةٍ، ولا يَدرِي متَى تنقَضِي، أو حُبِسَ ظُلمًا أو بمَطَرٍ، ولو أقامَ سِنينَ. (ويقصرُ إنْ أقامَ لحاجةٍ بلا نيَّةِ الإقامةِ فوقَ أربعةِ) أيامٍ (ولا يَدري متى تنقَضي) فله القصرُ، غلبَ على ظنِّه كثرتُه أو قِلَّتُه. قال ابنُ المنذرِ: أجمعوا على أنَّ المسافرَ يقصرُ ما لمْ يُجمِعْ إقامةً. انتهى. ولأنه ﵇ أقامَ (١) بتبوكَ عشرين يومًا يقصُرُ الصَّلاةَ. رواه أحمدُ (٢). ولما فتحَ ﵇ مكَّةَ، أقامَ بها تسعةَ عشرَ يومًا، يصلِّي ركعتين. رواه البخاريُّ (٣). (أو حُبِسَ ظُلمًا، أو) حُبِسَ (بمطرِ) ونحوِه، كثلجٍ وبَرَدٍ، فله القصرُ (ولو أقامَ سنين) قال ابنُ المنذرِ: أجمعوا على أنَّ المسافرَ يقصرُ ما لمْ يُجمِعْ إقامةً، ولو أتى عليه سنون. وروى الأثرمُ عن ابنِ عمرَ: أنَّه أقامَ بأذربيجانَ ستَّةَ أشهرٍ، يقصرُ الصَّلاةَ. وقدْ حالَ الثلجُ بينَهُ وبينَ الدخولِ (٤) -فإنْ حُبِسَ بحقٍّ لمْ يقصرُ- وعن عليٍّ قال: يقصرُ الذي يقولُ: أَخرُجُ اليومَ، أخرجُ غدًا، شهرًا (٥). وعن سعدٍ، أنَّه أقام في بعضِ قرى الشامِ أربعين يومًا يقصرُ الصَّلاةَ (٦). رواه سعيدٌ. فوائدٌ: الأولى: عُلِمَ ممَّا تقدمَ أنَّ شروطَ القصرِ اثنا عشرَ: أحدُها: نيةُ السفرِ، وكونُه

стр. 439

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مباحًا، أو كونُ المباحِ أكثرَ قصدِه، وبلوُغه ستَّةَ عشرَ فرسخًا تقريبًا، وأنْ يفارقَ بيوتَ قريته العامرةَ، أو يفارقَ ما هو نحوها، وكونُه منقطعًا، ونيةُ المسافرِ، ونيةُ القصرِ عندَ افتتاحِ الصَّلاةِ، وقصدُ جهةٍ معينةٍ، وأنْ لا ينويَ العودَ قبلَ بلوغِ المسافةِ، وأنْ يدخلَ وقتُ الصَّلاةِ على سفرٍ، أو أنْ يصلِّيَهَا كلَّها فيه، وأنْ لا ينويَ إقامةً مطلقةً، ولا أكثرَ من عشرينَ صلاةً. الثانيةُ: لو قصرَ الصَّلاتين في السفرِ في وقتِ أُولاهُما (١)، ثمَّ قدمَ قبل دخولِ وقتِ الثانيةِ، أجزأَه. الثالثةُ: لا ينتهي حكمُ السفرِ ببلوغِ البلدِ الذي يقصِدُه، إذا لمْ ينوِ الإقامةَ. الرابعةُ: كلُّ مَنْ جازَ له القصرُ، جازَ له الفطرُ، ولا عكسَ، كالمريضِ ونحوِه. الخامسةُ: لو بانَ الإمامُ محدثًا قبلَ سلامِه، فهلْ يقصرُ المأمومُ، أو يتمُّ؟ فيه وجهانِ. وفي "الرعاية": فله القصرُ، في الأصحِّ. وقال ابنُ نصرِ اللهِ: ينبغي أنْ لا يجوزَ القصرُ، إلا إذا لمْ يكنْ قدْ نوى الإتمامَ، بأنْ نوى الائتمامَ به خاصةً دونَ الإتمامِ. فإنْ نوى الإتمامَ معه، لزِمَه الإتمامُ. وهذا متعينٌ، وهو مرادُهُم. ولو أحدثَ إمامُه قبلَ علمِه أنَّه مقيمٌ، فلَهُ القصرُ. وإنْ علِمَ أنَّه مقيمٌ ثمَّ أحدَثَ، أتمَّ. ولو بانَ محدِثًا مقيمًا معًا، قصرَ. السادسةُ: لو نوى إقامةً بشرطٍ، مثلَ أنْ يقولَ: إنْ لقيتُ فلانًا في هذا البلدِ، أقمتُ فيه، وإلَّا فلا. لمْ يَصرْ (٢) مقيمًا بذلك. ثمَّ إنْ لم يلْقَه فلا كلامَ، وإنْ لقيَه صارَ

стр. 440

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مقيمًا إذا لمْ يفسخْ نيتَه الأُولى، فإنْ فسخها (١) قبل لقائِه، أو حالَ لقائِه، قصرَ، وإنْ فسخَها بعد لقائِه، فكمَنْ نوى الإقامةَ المانعةَ من القصرِ ثمَّ نوى السفرَ قبلَ تمامِ الإقامةِ، فلا يجوزُ له القصرُ حتى يشرعَ في السفرِ، ويكون كالمُبتدِئ له، كما لو تصَّسا مدَّةُ (٢) الإقامةُ. السابعةُ: إذا انتقلَ مسافرٌ من نيةِ القصرِ إلى نيةِ الإتمامِ في أثناءِ صلاتِه، جازَ. الثامنةُ: الرُّخصُ التي تختصُّ بالسفرِ الطويلِ أربعةٌ: القصرُ، والفطرُ، والمسحُ ثلاثًا، والجمعُ. التاسعةُ: أهلُ مكَّةَ ومَنْ حولَهم إذا ذهبوا إلى منًى وعرفةَ ومزدلفةَ، فلا يجوزُ لهم القصرُ، أمَّا مَنْ خرجَ إلى الحجِّ، ويريدُ أنْ يحجَّ ولا يرجعَ إلى مكَّةَ يقيمَ بها، فهذا يجوزُ له القصرُ، فيما ذُكرَ.

стр. 441

فَصْلٌ في الجمع يُباحُ بسفرِ القَصرِ الجَمعُ بينَ الظُّهرِ والعَصرِ، والعِشاءَينِ، بوَقتِ إحدَاهُما. ويُباحُ: لمُقيمٍ مَريضٍ يلحَقُهُ بتركِهِ مشقَّةٌ، (فصلٌ: في الجمعِ) بين الصَّلاتين (يُباحُ) فلا يُكره، ولا يستحبُّ (بسفرِ القصرِ) نصًّا؛ لحديثِ معاذٍ مرفوعًا: كان في غزوةِ تبوكَ إذا ارتحلَ قبلَ زيغِ الشمسِ، أخَّرَ الظهرَ، حتى يجمعَها إلى العصرِ يصليهما جميعًا. وإذا ارتحلَ بعد زيغِ الشمسِ، صلَّى الظهرَ والعصرَ جميعًا، ثمَّ سارَ (١). وكان يفعلُ مثلَ ذلك في المغربِ والعشاءِ. رواه أبو داودَ، والترمذيُّ (٢)، وقال: حسنٌ غريبٌ. وعن أنسٍ معناه، متفقٌ عليه (٣). وسواءٌ كان نازلًا أو سائرًا في الجَمعَين. (الجمعُ بين الظهرِ والعصرِ، والعشاءين) أي: المغربِ والعشاءِ (بوقتِ إحداهما) أي: إحدَى الصَّلاتين. (ويُباحُ لمقيمٍ مريضٍ يلحَقُه بتركِه مشقَّةٌ) لحديث ابنِ عباسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ جمعَ من غيرِ خوفٍ، ولا مطرٍ. وفي روايةٍ: من غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ. رواهما

стр. 442

ولمُرضِعٍ لمشَقَّةِ كَثرةِ النَّجاسةِ، ولعاجزٍ عن الطَّهارةِ لكُلِّ صلاةٍ، ولعُذرٍ أو شغْلٍ يُبيحُ تركَ الجُمعَةِ والجَماعَةِ. مسلمٌ (١). ولا عذرَ بعدَ ذلك إلَّا المرضُ (ولمرضعٍ لمشقَّةِ كثرةِ النجاسةِ) نصًّا، كمريضٍ (٢). (ولعاجزٍ عن الطَّهارةِ) بماءٍ أو تيمَّمٍ (لكلِّ صلاةٍ) لأنَّه في معنى المريضِ والمسافرِ. (و) يُباحُ (لعذرٍ) يبيحُ تركَ جمعةٍ وجماعةٍ، كخوفٍ على نفسِه، أو مالِه، أو حرمتِه. الثامنةُ من الأعذارِ المبيحةِ للجمعِ: (أو شُغلٍ يبيحُ تركَ الجمعةِ والجماعةِ) كمَنْ يخافُ بتركِه ضررًا في معيشةٍ يحتاجُها، فيباحُ الجمعُ -لما تقدَّمَ- بين الظهرِ والعصرِ، وبين المغربِ والعشاءِ. قال في "الإنصاف" (٣): صرَّحَ في "الوجيز" بجوازِ الجمعِ لمَنْ له شغلٌ أو عذرٌ يُبيحُ تركَ الجمعةِ والجماعةِ، عدا (٤) النعاسَ ونحوَه. وجزمَ في "التسهيل" بالجواز (٥) في كلِّ ما يبيحُ تركَ الجمعةِ. واختارَ الشيخُ تقيُّ الدينِ جوازَ الجمعِ للطبَّاخِ والخبَّازِ ونحوِهما ممَّنْ يخشى فسادَ مالِه ومالِ غيرِه بتركِ الجمعِ (٦)

стр. 443

ويُختَصُّ بجَوازِ جَمعِ العِشاءَينِ -ولو صلَّى ببيتِه- ثَلجٌ، وجَليدٌ، ووَحَلٌ، ورِيحٌ شَديدَةٌ بارِدةٌ، ومَطَرٌ يَبُلُّ الثيابَ، وتوجَدُ معه مشقَّةٌ. (ويختصُّ بجوازِ جَمعِ العِشَاءَينِ، ولو صلَّى ببيتِه) خلافًا لمالكٍ، أو بمسجدٍ طريقُه تحتَ ساباطٍ، ونحوِه، كمُجاورٍ بالمسجدِ. فالمعتبرُ: وجودُ المشقَّةِ في الجملةِ، لا لكلِّ فردٍ من المصلِّين؛ لأنَّ الرُّخصةَ العامَّةَ يستوي فيها حالُ وجودِ المشقَّةِ وعدمِها، كالسفرِ: (ثلجٌ، وجليدٌ) وهو ما سقط على الأرض من النَّدا، فيجمُدُ (ووحَلٌ، وريحٌ شديدةٌ باردةٌ) ظاهرُه: وإنْ لمْ تكنِ الليلةُ مُظلمةً. ويُعلمُ ممَّا تقدمَ، كذلك لو كانتْ شديدةً بليلةٍ مظلمةٍ، وإنْ لمْ تكنْ باردةً (ومطرٌ يَبُلُّ الثيابَ، وتُوجدُ معه مشقَّةٌ) لأنَّ السنَّةَ لم تردْ بالجمعِ لذلك إلَّا في المغربِ والعشاءِ. رواه الأثرمُ. وروى النجَّادُ (١) بإسنادِه: أنَّ النبيَّ ﷺ جمعَ بين المغربِ والعشاءِ في ليلةٍ مطيرةٍ (٢). وفعلَها أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ. وأمرَ ابنُ عمرَ مناديَه في ليلةٍ باردةٍ، فنادَى: الصَّلاةُ في الرِّحالِ (٣). والوَحَلُ أعظمُ مشقَّةً من البَرْدِ، فيكونُ أوْلى. ويدلُّ عليه حديثُ ابنِ عباسٍ: جمعَ النبيَّ ﷺ بالمدينةِ من غيرِ خوفٍ ولا مطرٍ (٤). ولا وجهَ يُحملُ عليه، مع عدمِ المرضِ إلَّا الوَحَلُ. والمرادُ: وجودُ المشقَّةِ في الجملةِ، لا لكلِّ فردٍ من المصلِّين.

стр. 444

والأفضلُ فِعلُ الأرفَقِ من تَقديِم الجَمعِ، أو تأخِيرِه. فإن جَمَعَ تقديمًا اشتُرِطَ لصحِة الجمع: نيتُهُ عندَ إحرامِ الأُولى، ومفهومُ كلامِه: أنَّه إنْ لمْ يَبُلَّ الثيابَ، لا يجوزُ الجَمعُ. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه جمهورُ الأصحابِ. وقيل: يجوزُ الجَمعُ للطَّلِّ. قال في "الإنصاف": قلتُ: وهو بعيدٌ. وأطلقَهما ابنُ تميمٍ (١). فعلى هذا: لا يجوزُ الجَمعُ لعذرٍ من الأعذارِ سوى ما تقدَّمَ، على الصحيحِ من المذهبِ، وعليه الأصحابُ. واختارَ الشيخُ تقيُّ الدين جوازَ الجمعِ، لتحصيلِ الجماعةِ، وللصَّلاةِ (٢) في الحمَّامِ مع جوازِها فيه؛ خوفَ فوتِ الوقتِ، ولخوفٍ يخرجُ في تركِه أيُّ مشقَّةٍ (٣). (والأفضلُ) لمَنْ يجَمعُ (فعلُ الأرفقِ به من تقديمِ الجَمعِ) أي: تقديمِ العصرِ إلى وقتِ الظهرِ، أو العشاءِ وقتَ المغربِ (أو تأخيرِه) أي: تأخيرِ الظهرِ إلى وقتِ العصرِ، أو المغربِ إلى العشاءِ، سوى جَمعِ عرفةَ، فالتقديمُ أفضلُ مطلقًا، وبمزدلفةَ التأخيرُ أفضلُ مطلقًا؛ لفعلِه ﵇. فإن استويا -التقديمُ والتأخيرُ- في الأرفقيةِ، فتأخيرٌ أفضلُ؛ لأنَّه أحوطُ، وخروجًا من الخلافِ (فإنْ جمعَ تقديمًا اشتُرطَ لصحَّةِ الجمع (٤)) أربعةُ شروطٍ: أحدُها: (نيَّتُه) أي: الجَمعِ (عند إحرامِ الأولى) ظهرًا كانتْ أو مغربًا عند

стр. 445

وأن لا يفرِّقَ بينهُمَا بنحوِ نافلةٍ، بل بقَدرِ إقامةٍ، ووُضُوءٍ خَفيفٍ، وأن يُوجَدَ العُذرُ عندَ افتتاحِهِمَا، وأن يستَمِرَّ إلى فراغِ الثانِيَةِ. وإن جَمَعَ تأخيرًا اشتُرِطَ: نيةُ الجَمعِ بوقتِ الأُولى، قبلَ أنْ يضِيقَ وقتها عنها، إحرامِها؛ لأنَّه عملٌ، فيدخلُ في عمومِ قولِه ﵇: "إنَّما الأعمالُ بالنياتِ". وكلُّ عبادةٍ اشتُرطتْ فيها النيةُ، اعتُبرتْ في أوَّلِها، كنيةِ الصَّلاةِ. ولا تُشترطُ نيةُ الجَمعِ عند إحرامِ الثانيةِ. (و) الثاني: (أنْ لا يفرِّقَ بينهما) أي: المجموعتَين (بنحوِ نافلةٍ) فيبطلُ الجَمعُ بصلاةِ نافلةٍ بينهما. ولا يضرُّ تفريقٌ يسيرٌ، وقدْ أشارَ إليه بقولِه: (بلْ بقدرِ إقامةٍ، ووضوءٍ خفيفٍ) لأنَّ معنى الجَمعِ: المقارنةُ والمتابعةُ. ولا يحصلُ مع تفريقٍ بأكثرَ من ذلك، ولا يضرُّ كلامٌ يسيرٌ لا يزيدُ على ذلك من تكبيرِ عيدٍ أو غيرِه. ومفهومُه: لو أطالَ الوضوءَ، بطلَ الجمعُ. (و) الثالثُ: (أنْ يوجدَ العذرُ عند افتتاحِهِما) أي: المجموعَتَين، وعندَ سلامِ الأُولى منهما؛ لأنَّ افتتاحَ الأُولى موضعُ النيَّةِ، وسلامَها وافتتاحَ الثانيةِ موضعُ الجَمعِ. (و) الرابعُ: (أن يستمرَّ) العذرُ (إلى فراغِ الثانيةِ) من المجموعتين (وإنْ جمعَ) بوقتِ ثانيةٍ (تأخيرًا) أي: جمعَ تأخيرٍ (اشتُرِطَ) له شرطان: أحدُهما: (نيَّةُ الجمعِ بوقتِ الأولى) للمجموعتين (١)، مع وجودِ مُبيحِه (قبلَ أنْ يضيقَ وقتُها) أي: وقتُ الأولى (عنها) أي: عن فعلِها كلِّها، فإنْ أخَّرَها عن وقتِها بلا نيَّةٍ، صارتْ قضاءً لا جمعًا. ويأثمُ. قال المصِّنفُ في "غاية المنتهى" (٢):

стр. 446

وبقاءُ العُذرِ إلى دُخولِ وقتِ الثانِيَةِ لا غيرُ. ولا يُشتَرطُ للصِّحَّةِ اتِّحادُ الإمامِ والمأمُومِ، فلو صلَّاهُمَا خَلفَ إمامَينِ، أو بمأمُومٍ الأُولَى، وبآخَرَ الثانيةَ، أو خَلْفَ من لم يَجمَع، أو إحداهُما مُنفَرِدًا والأخَرى جماعةً، أو صَلَّى بمَن لَمْ يَجمَع، صَحَّ. ويتجه: احتمالٌ غيرَ نحوِ نائمٍ. (و) الشرطُ الثاني: (بقاءُ العذرِ) أي: اشرارُه (إلى دخولِ وقتِ الثانيةِ) لأنَّ المبيحَ للجمعِ العذرُ، فإذا لمْ يستمرَّ إلى وقتِ الثانيةِ، زالَ المقتَضي للجمعِ، فامتنعَ، كمريضٍ برئَ، ومسافرٍ قَدِمَ. و (لا) يشترطُ (غيرُ) ما مرَّ من الشروطِ. فلا يشترطُ نيَّةٌ عند الإحرامِ، ولا الموالاةُ بينهما، فلا بأسَ بالتطوعِ بينهما، ولا استمرارُه في وقتِ ثانيةٍ؛ لأنَّهما صارتا واجبتَين في ذمَّتِه، فلا بدَّ من فعلِهما، ولا اتِّحادُ إمامٍ أو مأمومٍ. وإليه أشارَ بقولِه: (ولا يشترطُ للصحةِ) أي: صحةِ الجمع (اتحادُ الإمامِ والمأمومِ، فلو صلَّاهما) أي: المجموعتين (خلفَ إمامين) كلَّ واحدةٍ خلفَ إمامٍ، صحَّ. (أو) صلَّى إمامًا (بمأمومٍ الأُولى، و) صلَّى (بـ) مأمومٍ (آخَرَ الثانيةَ) صحَّ. (أو) صلَّاهما (خلْفَ مَنْ لمْ يجمعْ) صحَّ (أو) صلَّى (إحداهما منفردًا، و) صلَّى (الأخرى جماعةً) صحَّ (أو صلى (١)) إمامًا (بمَنْ لمْ يجمعْ، صحَّ) لعدمِ المانعِ. ومتى ذكرَ أنَّه نسِيَ من الأُولى ركنًا، أو من أحدِهما ونسِيَها، أعادَهما في الوقتِ، أو قضاهما بعدَه مرتِّبًا، وإنْ بانَ أنَّه من الثانيةِ، أعادَها قريبًا، بحيثُ لا تفوتُ الموالاةُ.

стр. 447

فَصْلٌ في صَلاةِ الخوفِ تَصِحُّ صلاةُ الخوفِ - إذا كانَ القتالُ مباحًا - حَضَرًا، وسَفَرًا. ولا تأثيرَ للخوفِ في تغيِيِر عَدَدِ رَكَعَاتِ الصَّلاةِ، بل (فصلٌ في) صفةِ (صلاةِ الخوفِ) وأحكامِها ومشروعيتُها بالكتابِ والسنةِ، وتخصيصُه ﵇ بالخطابِ، لا يقتضي اختصاصَه بالحكمِ؛ لقولِه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وأجمعَ الصَّحابةُ على فعلِها. وصلّاَها عليٌّ، وأبو موسى الأشعريُّ، وحذيفةُ (١). وأمَّا تركُه لها ﵇ يومَ الخندقِ، فإمَّا أنَّه (٢) كان قبلَ نزولِ الآيةِ، أو نسيانًا، أو لأنَّه لمْ يكنْ يومئذٍ قتالٌ يمنعُه من صلاةٍ الأمنِ. إذا تقررَ هذا: فإنَّما (تصحُّ صلاةُ الخوفِ، إذا كان القتالُ مباحًا) أي: جائزًا، كقتالِ كفارٍ وأهلِ بغيٍّ ومحارِبين، لا يحرُمُ، كقتالِ أهلِ بغيِّ لأهلِ عدلٍ. لأنَّ الصَّلاةَ على غيرِ الهيئةِ المعروفةِ رخصةٌ، فلا تُستباحُ بالمحرَّمِ. ولا يُشترطُ كونُ ذلك في السفرِ (حضرًا وسفرًا) لأنَّ المبيحَ وجودُ الخوفِ (ولا تأثيرَ للخوفِ في تغييرِ عددِ ركَعَاتِ الصَّلاةِ، بل) يؤثرُ الخوفُ

стр. 448

في صِفَتِهَا وبعضِ شُروطِها. وإذا اشتدَّ الخوفُ، صَلَّوا رِجَالًا ورُكْبانًا، للقِبلَةِ وغَيرِهَا، ولا يَلزمُ افتتاحُهَا إليهَا، (في صفتِها) وتغييرِ هيئاتِ (١) الصَّلاةِ (وبعضِ شروطِها) أي: شروطِ الصَّلاةِ (وإذا اشتدَّ الخوفُ) بأنْ تواصلَ الضربُ والطعنُ، والكرُّ والفرُّ، ولمْ يمكنْ تفريقُ القومِ، ولا صلاتُهم على ما يأتي، وحضرَ وقت الصَّلاةِ، لمْ تُؤَخَّرْ و (صلَّوا) وجوبًا جماعةً (رِجالًا ورُكْبانًا) متوجِّهين (للقبلةِ) إنْ أمكنَ (وغيرِها) أي: غيرِ القبلةِ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] قال ابنُ عمرَ: فإنْ كان خوفٌ أشدَّ من ذلك، صلَّوا رجالًا قيامًا على أقدامِهم، ورُكبانًا، مُستقبلي القبلةِ وغيرِ مستقبليها. متفقٌ عليه (٢). زاد البخاريُّ. قال نافعٌ: ما أرى ابنَ عمرَ قال ذلك إلا عن النبيِّ ﷺ . ورواه ابنُ ماجه (٣) مرفوعًا. ولأنَّه ﷺ صلَّى بأصحابِه في غيرِ شدَّةِ الخوفِ، وأمرَهُم بالمشي إلى وِجاهِ العدوِّ، وهم في الصَّلاةِ، ثمَّ يعودون لقضاءِ ما بقيَ من صلاتِهم، وهو مشيٌ كثيرٌ، وعملٌ طويلٌ، واستدبارُ القبلةِ، فمعَ شدَّةِ الخوفِ أَوْلى. وهذا هو الصحيحُ من المذهبِ (٤) (ولا يلزمُ) المصلِّي في هذه الحالةِ (افتتاحُها) أي: الصَّلاةِ (إليها) أي: إلى

стр. 449

ولو أمكَنَ، يُومِئُونَ طَاقَتَهُم. وكذا في حالةِ الهَرَبِ مِنْ عدُوِّ، أو سَيلٍ أو سَبُعٍ، أو نَارٍ، أو غَرِيمٍ ظالِمٍ، أو خَوفِ فَوتِ وَقتِ الوقُوفِ بعَرفَةَ، القبلةِ (ولو أمكنَ) المصلِّي ذلك. (يُومِئُونَ) بالركوعِ والسجودِ حسَبَ (طاقتِهم) أي: بقدرِ ما يُطيقون. ويكونُ سجودُهم أخفضَ من ركوعِهم. (وكذا) أي: وكحالةِ شدَّةِ الخوفِ السابقةِ في فعلِ الصَّلاةِ وحُكمِها: (في حالةِ الهَربِ) المباحِ؛ احترازًا عن الهربِ المحرَّم (١) كالعاصي به، فهربُه كمَنْ يهربُ من حقٍّ عليه قادرٌ على وفائِه، وكذا قاطعُ الطريقِ، والسارقُ، فليس لهم أنْ يصلّوها كذلك؛ لأنَّها رخصةٌ (من عدوٍّ) يَطلبُه، فإنَّ له ذلك. أي: بأنْ يكونَ الكفارُ أكثرَ من مثلي (٢) المسلمين، وإلا فليس له أنْ يصلِّيَها كذلك (أو سيلٍ) هربَ منه، (أو) هربَ من (سَبُعِ) بضمِّ الباءِ وسكونِها: حيوانٌ معروفٌ، وقدْ يُطلقُ على كلِّ حيوانٍ مفترسٍ. ولعَلَّه المرادُ هنا. (أو) هرَبَ من (نارٍ، أو) هربَ من (غريمِ ظالمِ) أي: ربِّ دينٍ يريدُ أنْ يحبسَه وهو معسرٌ. فلو كان بحقِّ وهو قادرٌ على وفَائِه، لَمْ يجزْ (أو خوف (٣) فوتِ وقتِ الوقوفِ بعرفةَ) يعني: أنَّه إذا قصدَ المُحْرِمُ عرفاتٍ ليلًا، وبقيَ من وقتِ الوقوفِ مقدارٌ. أمَّا إنْ صلَّاها فيه على الأرضِ، فاتَه الوقوفُ،

стр. 450

أو خافَ على نفسِهِ، أو أهلِه، أو مالِه، أو ذَبٍّ عن ذلِكَ، وعن نَفسِ غَيرِهِ. وإنْ خافَ عدوًا إنْ تخلَّفَ عن رُفقَتِه، فصلَّى صلاةَ خائفٍ، ثمَّ بان أمنُ الطريقِ، لم يُعِدْ. فإنَّه يصلِّيها صلاةَ خائفٍ، وهو ماشٍ؛ حرصًا على إدراكِ الحجِّ في حقِّ المُحْرِمِ؛ لأنَّ الحج في حقِّ المحرِم (١) كالشيءِ الحاصلِ، والفواتَ طارئٌ عليه، ولأنَّ الضررَ الذي يلحقه بفواتِ الحجِّ لا ينقصُ عن الضررِ الحاصلِ من الغريمِ الظالمِ في حقِّ المدِينِ المعسرِ؛ بخوفِه من حبسِه إيَّاه أيَّامًا (أو خافَ على نفسِه، أو) خافَ على (أهلِه) يعني: أنَّ مَنْ خافَ على نفسِه، أو أهلِه (أو مالِه) إنْ تركَ الصَّلاةَ على هيئتِها في شدَّةِ الخوفِ، فإنَّ له أن يصلِّيَ صلاةَ شدَّةِ الخوفِ من أجلِ ذلك؛ لدخولِ ذلك كلِّه في عمومِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ٣]، أو خافَ على مالِه كذلك (أو ذبٍّ عن ذلك) أي: عن نفسِه، أو أهلِه، أو مالِه (وعن نفسِ غيرِه) يعني: أنَّ له أنْ يصلِّيَ صلاةَ شدَّةِ الخوفِ؛ من أجلِ منعِه الصائلَ عن نفسِه، أو أهلِه، أو مالِه، أو نفسِ غيرِه؛ لقتالِ الصائلِ على شيءٍ من ذلك؛ لأنَّ قتالَ الصائلِ على ذلك إمَّا واصما، أو مباحٌ، وكلاهما مبيحٌ للصَّلاةِ على هذه الهيئةِ. فإنْ كانتِ الصَّلاة التي صلَّاها الخائفُ في شدَّةِ الخوفِ لسوادٍ ظنَّه عدوًّا، كأثلٍ وشجرٍ، أو دونَه مانعٌ يمنعُه من مجيئِه إليه، كالبحرِ والنَّارِ والحصنِ، أعادَ الصَّلاةَ التي صلَّاها صلاةَ خائفٍ. (وإنْ خافَ عدوًا إنْ تخلَّفَ عن رُفقتِه، فصلَّى صلاةَ خائفٍ، ثمَّ بانَ) له (أمنُ الطريقِ) فإنَّه لا إعادةَ عليه، وإليه أشارَ بقولِه: (لمْ يُعِدِ) الصَّلاةَ

стр. 451

ومن خافَ أو أمِنَ في صلاتِه، انتقلَ وبَنَى. ولمُصَلٍّ كرٌّ وَفرٌّ لمصلَحَةٍ. ولا تبطُلُ بُطولِه. وجاز لحاجةٍ حملُ نَجَسٍ، ولا يُعيد. (ومَنْ خافَ، أو أمِنَ في صلاته، انتقلَ وبَنى) يعني: أنَّ مَنْ دخلَ في صلاةٍ وهو آمِنٌ، ثمَّ طرأ له في أثنائِها خوفٌ، أكملَها على هيئةِ صلاةِ الخوفِ، وبنى على ما مضى منها على هيئةِ صلاةِ الأمنِ، وإنْ دخلَ فيها وهو خائفٌ، ثمَّ أمِنَ فيها، أكملَها على هيئةِ صلاةِ الأمنِ، وبَنى على ما مضَى منها على هيئةِ صلاةِ الخائفِ؛ لأنَّ بناءَه في الصُّورتينِ على صلاةٍ صحيحةٍ، كما لو ابتدأَها صحيحًا فمرِضَ في أثنائِها، أو ابتدأها مريضًا فعُوفي في أثنائِها. (ولمصلٍّ كرٌّ وفرٌّ لمصلحةٍ) وعندَ الحاجةِ. وكذا التقدُّمُ والتأخرُ، والطعنُ والضربُ (ولا تبطلُ) الصَّلاةُ (بطولِى) بخلافِ فعل لا يتعلَّقُ بالقتالِ، فإنَّ حكمَه فيه حكمُ الأمنِ. وكذا في الكلامِ، فمتى صاحَ فبانَ حرفان، بطلتْ؛ لأنَّه لا حاجةَ إلى الكلامِ في الحربِ، بلْ سكوتُ المقاتلِ أهيبُ في نفوسِ الأقرانِ (وجازَ لحاجةٍ حملُ نجَسٍ) ولو غيرَ معفوٍّ عنه في غيرِها، من عظمٍ، أو جلدٍ، أو عصبٍ، أو ريشٍ، أو شعرٍ، ونحوِه، كسلاحٍ عليه الدمُ، ولو كان كثيرًا، (ولا يعيدُ) أي: ولا يلزمُه إعادةُ الصَّلاةُ. * * *

стр. 452

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فصلٌ في صفةِ صلاةِ الخوفِ قال أحمدُ رضي اللَّه تعالى عنه: صحَّ عن النبيِّ ﷺ صلاةُ الخوفِ من خمسةِ أوجهٍ، أو ستَّةٍ. وقال في روايةٍ أخرى: من ستَّةِ أوجهٍ أو سبعةٍ. قال الأثرمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: تقولُ بالأحاديثِ كلِّها، أمْ تختارُ واحدًا منها؟ قال: أنا أقولُ: مَنْ ذهبَ إليها كلِّها فحسن، وأمَّا حديثُ سهلٍ، فأنا أختارُه. وسيأتي التنبيهُ على علةِ اختيارِه له. الوجهُ الأوَّلُ: إذا كان العدوُّ جهةَ القبلةِ يراه المسلمون، ولمْ يُخَفْ - بالبناء للمفعول - كمينٌ يأتي من خلفِ المسلمين، صَفَّهم الإمامُ صفَّين فأكثرَ، وأحرَمَ بالجميعِ، فإذا سجدَ الإمامُ، سجدَ معه الصفُّ المقدَّمُ، وحرسَ الصفُّ الآخرُ، حتى يقومَ الإمامُ إلى الركعةِ الثانيةِ، فيسجدُ الصفُّ الذي حرسَ، ويلحقُ الإمامَ. ثمَّ الأَوْلى في هذا الوجهِ: تأخيرُ الصفِّ المقدَّمِ الذي سجدَ مع الإمامِ، وتقدُّمُ الصفِّ المؤَخَّرِ الذي سجدَ بعد الإمامِ، ولحِقَه. ثمَّ في الركعةِ الثانيةِ يسجدُ معه الذي حرسَ في الركعةِ الأُولى، ويحرسُ السَّاجدُ معه أولًا، أي: في الركعةِ الأُولى، ثمَّ يلحقُ الإمامَ في التشهدِ، فيسلِّمُ الإمامُ بجميعِهم، أي: جميعِ الصفوفِ. وهذا الوجهُ رواه جابرٌ (١). الوجهُ الثاني: إذا كان العدوُّ بغيرِ جهةِ القبلةِ، أو بجهةِ القبلةِ ولمْ يرَهُ المسلمون، قسَمَ الإمامُ الجيعقَ طائفتَين، تكفي كلُّ طائفةٍ من الطائفتين العدوَّ.

стр. 453

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تكونُ منهما طائفة بحذاءِ العدوِّ؛ تحرسُ المسلمين، وهي - بحذاءِ العدوِّ تحرسُ - مُؤتمَّةٌ، أي: في حكم المؤتمَّةِ به، أي: بالإمام، في كل صلاة الإمام، من أوَّلها إلى آخرِها. فمتى سها الإمامُ في الركعةِ الأُولى، أو فيما بعدَها، فإنَّها تسجدُ معه لسهوِه في ذلك، لا لسهوِهم إنْ سهَوْا معه في شيءٍ من صلاتِهم. والطائفةُ الأخرى يصلِّي بها ركعةً، وهي - التي يصلِّي بها الركعةَ الأُولى - مؤتمةٌ به فيها، أي: في الركعةِ الأُولى [فقط، فمتى سها فيها فإنها تسجد لسهوه أي: سهو الإمام فيها أي: الركعة الأولى] (١)، إذا فرغَتْ ممَّا أتمَّته (٢) من صلاتِها بعدَ أنْ تُفارقَ الإمامَ. إذا تقرَّرَ هذا: فإذا صلَّى بإحدَى الطائفتين ركعة ثم استتم قائمًا إلى الركعة الثانية، نوت (٣) الطائفةُ التي صلَّى بها الركعةَ الأُولى المفارقةَ للإمامِ، وأتمَّتِ الصَّلاةَ منفردةً لنفسِها، وسلَّمتْ، ومضتْ تحرسُ مكانَ الطائفةِ التي كانت تحرسُ أولًا. ويُبطِلُ صلاةَ الطائفةِ التي صلَّتْ معه الركعةَ الأُولى: مفارقَتُها للإمامِ قبل قيامِه إلى الركعةِ الثانيةِ بلا عذرٍ لها في مفارقتِه. وحيثُ فارقتْه على أيِّ وجهٍ كان، فإنَّه يطيلُ قراءتَه في الركعةِ الثانيةِ حتى تحضُرَ الطائفةُ الأخرى التي كانتْ تحرسُ، فتصلِّي معه الركعةَ الثانيةَ. وإذا فرغَ من الركعةِ الثانيةِ وجلسَ للتشهدِ انتظرَها، يكورُ التشهُّدَ حتى تأتيَ بركعةٍ، وحتى تتشهدَ،

стр. 454

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فيسلِّمُ بها، ولا يسلِّمُ قبلَهم. وإنْ أحبَّ الإمامُ أنْ يصلِّيَ على هذه الصفةِ مع رؤيةِ العدوِّ من جهةِ القبلةِ، جازَ له ذلك. وإن انتظرَ الإمامُ الطائفةَ الثانيةَ جالسًا، بلا عذرٍ له في الجلوسِ، وائتمَّتْ به، مع العلمِ ببطلانِ صلاتِه؛ لإتيانِه بجلوسٍ في غيرِ محلِّه من غيرِ عذرٍ، بطلتْ صلاتُهم. ويجوزُ أنْ تتركَ الطائفةُ الحارسةُ الحراسةَ بلا إذنِ الإمامِ، وتأتي تصلِّي مع الإمامِ لمددٍ تحقَّقتْ غِناءَه عنها، وتصحُّ صلاتُها. ولو خاطرَ أقلُّ ممَنْ شَرطنا في الطائفةِ التي تحرسُ، وتعمَّدوا الصَّلاةَ على هذه الصفةِ، صحَّتْ. ويصلِّي الإمامُ المغربَ بطائفةٍ ركعتين، وبالثانيةِ ركعةً، ولا تتشهدُ الطائفةُ الثانيةُ، إذا صلَّى بها الركعةَ الثالثةَ (١) معه عقبَها. ويصحُّ عكسُها، يعني: أنْ يصلِّيَ بالطائفةِ الأُولى ركعةً، وبالثانيةِ ركعتين ويصلِّي الإمامُ الرُّباعيةَ التامَّةَ بكلِّ طائفةٍ ركعتين. ويصح أيضًا أنْ يصلِّيَ بطائفةٍ، أي: الطائفةِ الأُولى، ركعةً واحدةً، وبأخرى ثلاثًا. وتفارقُه الأُولى في المغربِ والرُّباعيةِ، إذا صلَّى بها ركعتين، عندَ فراغِ التشهدِ الأوَّلِ، وينتظرُ الطائفةَ الثانيةَ جالسًا، يكرِّرُ التشهدَ الأوَّلَ إلى أنْ تحضرَ. فإذا أتتْ قامَ؛ لتُدرِكَ معه جميعَ الركعةَ الثالثةَ. وتتمُّ الطائفةُ الأُولى، التي صلَّتْ معه الركعتين، بالفاتحةِ فقط؛ لأنَّه لا تُستحبُّ

стр. 455

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قراءةُ السورةِ في ثالثةِ المغربِ. وتتمُّ الطائفةُ الأخرى صلاتَها بسورةٍ معها، أي: معَ الفاتحةِ. وإنْ فرَّقَهم أربعًا، أي: أربعَ طوائفَ، وصلَّى بهم الرُّباعيةَ تامَّةً، بكلِّ طائفةٍ ركعةً، أو فرَّقَهم ثلاثًا، أي: ثلاثَ فرقٍ، فصلَّى بالأُولى ركعتين، وبالباقيتين ركعةً ركعةً، أو صلَّى بهم المغربَ بكلِّ فرقةٍ ركعةً، صحَّتْ صلاةُ الفِزقتين الأُوليين فقط؛ لأنَّهما ائتمَّا به قبل بطلانِ صلاتِه؛ لمفارقتِهما قبلَ الانتظارِ الثالثِ، وهو المبطلُ؛ لأنَّه لم يرد. لا صلاةُ الإمامِ، فإنَّها لا تصحُّ؛ لأنَّه زادَ انتظارًا ثالثًا لمْ يَرِدْ الشرعُ به، فوجبَ بطلانُها. ولا صلاة الفرقتين الأخريين؛ لأنَّهما ائتمَّا بمَنْ صلاتُه باطلةٌ، إلا إنْ جهِلُوا البطلانَ. الوجهُ الثالثُ: أنْ يصلِّي الإمامُ بطائفةٍ من الطائفتين ركعةً، والأخرى تحرسُ، ثمَّ تمضي فتحرسُ مكانَ تلك، ثمَّ تأتي التي كانتْ تحرسُ، فيصلِّي بالأخرى ركعةً، ثمَّ تمضي فتحرسُ، ويسلِّمُ الإمامُ وحدَهُ. ثمَّ تأتي الأُولى، أي: التي صلَّى بها الإمامُ الركعةَ الأُولى، فتتمُّ صلاتَها بقراءةِ سورةٍ بعدَ الفاتحةِ، وتسلِّمُ وتمضي لتحرسَ. ثمَّ تأتي الأخرى، فتفعلُ كذلك، كما فعلتِ الأُولى. وإنْ أتمَّتْ الصَّلاةَ الطائفةُ الثانيةُ عقبَ مفارقتِها للإمامِ إذا سلَّمَ، ومضتْ، ثمَّ أتتْ الأُولى فأتمَّتْ صلاتَها، كان ذلك (١) أَوْلى. الوجهُ الرابعُ: أنْ يصلِّيَ الإمامُ بكلِّ طائفةٍ من الطائفتين صلاةً كاملةً، ويسلِّمُ

стр. 456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بها، أي: بكلِّ طائفةٍ. الوجهُ الخامسُ: أنْ يصلِّيَ الإمامُ الرّباعيةَ، الجائزُ قصرُها فيه تامَّةً، بكلِّ طائفةٍ ركعتين، بلا قضاءٍ على المأمومين من الطائفتين، فتكونُ له تامَّةً، ولهم مقصورةً. الوجهُ السادسُ: ومنعَه الأكثرُ من الأصحابِ، وصفتُه: أنْ يصلِّيَ الإمامُ بكلِّ طائفةٍ ركعةً، بلا قضاءٍ على الطائفتين. والوجهُ السابعُ: صلاةُ النبيِّ ﷺ بأصحابِه عامَ نجدٍ؛ على ما خرَّجَه أحمدُ (١) من حديثِ أبي هريرةَ؛ وهو: أنْ تقومَ معه طائفةٌ، وطائفةٌ أخرى تجاهَ العدوِّ، وظهرُها إلى القبلةِ، ثمَّ يُحرِمُ، وتُحرِمُ معه الطائفتان، ثمَّ يصلِّي ركعةً هو والذين معه، ثمَّ يقومُ إلى الثانيةِ، ويذهبُ الذين معه إلى وجهِ العدوِّ، وتأتي الأخرى فتركعُ وتسجدُ، ثمَّ يصلِّي بالثانيةِ، ويجلسُ، وتأتي التي تجاهَ العدوِّ، فتركعُ وتسجدُ، ويسلِّمُ بالجميعِ. وتصحّ الجمعةُ في حالةِ الخوفِ حضرًا، بشرطِ كونِ كلِّ طائفةٍ أربعين رجلًا فأكثرَ، لاشتراطِ الاستيطانِ والعددِ. ويُشترطُ أيضًا: أنْ يُحْرِمَ بمَنْ حضرتْ الخطبةَ، فإنْ أحْرَمَ بالتي لمْ تحضرِ الخطبةَ، لمْ تصحَّ. ويُسِرَّانِ، أي (٢): الطائفتانِ، القراءةَ في القضاءِ؛ لأنَّ كلَّ طائفةٍ تقضي ركعةً، كالمسبوقِ الذي فاتَه من الجمعةِ ركعةٌ. واللَّه أعلم (٣).

стр. 457

بابُ صَلاةِ الجُمُعةِ (بابُ صَلاةِ الجُمُعةِ) بضمِّ الميمِ، وإسكانِها، وفتحِها. ذكرَهُ الكرمانيُّ. سُمِّيتْ بذلك لجمعِها الجماعاتِ، أو لجمعِ طينِ آدمَ فيها. وقيل: لأنَّ آدمَ جُمِعَ فيها خلقُه. رواه أحمدُ (١) من حديثِ أبي هريرةَ. وقيل: لأنَّه جُمِعَ مع حواءَ في الأرضِ فيها. وقيل: لما جُمِعَ فيها من الخيرِ. قيل: أوَّلُ مَنْ سمَّاه يومَ الجمعةِ: كعبُ بنُ لؤيِّ. واسمُه القديمُ: يومُ العروبةِ. قيل: سُمِّي بذلك؛ لأنَّ العربَ كانتْ تُعظِّمُه. والأصلُ في مشروعيتِها: قولُه تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، الآية. وعن أبي جعدٍ الضمريِّ - وكانتْ له صحبةٌ - أنَّ النبيَّ ﷺ . قال: "مَنْ تركَ ثلاثَ جُمَعٍ تهاونًا، طبعَ اللهُ على قلبِه". رواه الخمسةُ (٢). وفي "الموطأ" (٣) عن ابنِ مسعودٍ - قال مالكٌ: لا أدري أعنِ النبيِّ ﷺ أم لا- نحوُه. وعن الحكمِ بنِ مينا أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ وأبا هريرةَ حدَّثاه: أنَّهما سمِعا رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ على منبرِه: "لينتهينَّ أقوامٌ عن ودَعِهِمُ الجُمَعاتِ، أو

стр. 458

تجِبُ على كلِّ ذكرٍ مُسلِمٍ مُكلَّفٍ حُرِّ، لا عُذرَ لهُ. وكذا على مُسافرٍ لا يُباحُ له القَصرُ ليختمنَّ اللَّهُ على قلوبهم، ثمَّ ليكوننَّ من الغافلين". وعن صفوانَ بنِ سُليمٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قال لقومٍ يتخلَّفون عن الجمعةِ: "لقدْ هممتُ أنْ آمُرَ رجلًا يصلِّي بالنَّاسِ، ثمَّ أحرِّقَ على رجالٍ يتخلَّفون عن الجُمعةِ بيوتَهم". رواهما مسلمٌ (١). وفُرِضتْ بمكَّةَ، ولم يتمكن المسلمون من فعلها، وهو أفضلُ أيامِ الأسبوعِ. قالَهُ في "المبدع" (٢). (تجبُ) الجُمعةُ وجوبَ عينٍ (على كلِّ ذكرٍ) حكَاهُ ابنُ المنذرِ إجماعًا. (مسلمِ مكلَّفٍ) لأنَّ الإسلامَ والعقلَ شرطانِ للتكليفِ وصحةِ العبادةِ، فلا تجبُ علىَ مجنونٍ إجماعًا، ولا على صبيٍّ، في الصحيح من المذهبِ، لما روى طارقُ بنُ شهابٍ مرفوعًا: "الجُمعة حقٌّ واجبٌ على كلِّ مسلمٍ في جماعةٍ، إلا أربعةً: عبدٌ مملوكٌ، أو امرأةٌ، أو صبيٌّ، أو مريضٌ". رواه أبو داود (٣)، وقال: طارقٌ قدْ رأى النبيَّ ﷺ ، ولمْ يسمعْ منه شيئًا، وإسنادُه ثقاتٌ. قالَهُ في "المبدع" (٤). (حرٍّ) لأنَّ العبدَ مملوكُ المنفعةِ، محبوسٌ على سيدِه، أشبَهَ المحبوسَ بالدَّينِ (لا عذرَ له) من نحوِ مرضٍ وغيرِه. (وكذا) تجبُ (على مسافرٍ) دونَ فرسخٍ (لا يُباحُ له القصرُ) فيه، كالسفرِ

стр. 459

وعلى مُقيمٍ خارجَ البلَدِ، إذا كانَ بينهُما وبينَ الجُمُعةِ - وقتَ فِعلِهَا - فرسَخٌ فأَقلُ. ولا تجِبُ على من يُباحُ له القصرُ، ولا عَلى عبدٍ، ومُبعَّضٍ، وامرأةٍ. ومن حضَرَهَا منهم أجزأتهُ، ولم يُحسَب هُوَ ولا مَنْ ليسَ مِنْ أهلِ البلَدِ من الأربَعِينَ. ولا تصِحُّ إمامتُهُم فيهَا. القريبِ، وكالعاصي بسفرِه. (و) تجبُ (على مقيمٍ خارجَ البلدِ إذا كان بينهما) أي: المسافرِ والمقيمِ (وبين الجُمعةِ وقتَ فعلِها، فرسخٌ فأقلُّ) فتجبُ عليهما (ولا تجبُ) الجُمعةُ (على مَنْ يُباحُ له القصرُ) أي: فوقَ فرسخٍ، وليس بعاصٍ، (ولا) تجبُ (على عبدٍ، ومبعَّضٍ، وامرأةٍ. ومَنْ حضرَها) أي: حضرَ الجمعةَ (منهم) أي: من المسافرِ، والعبدِ، والمبعَّضِ، والمرأةِ، والخنثى (أجزأتْه) عن (١) صلاةِ الظهرِ (ولمْ يحسبْ هو ولا مَنْ ليس من أهلِ البلدِ من الأربعين) لأنَّهم ليسوا من أهلِ الوجوبِ، وإنما تصحُّ منهم الجمعةُ تبعًا لمَنْ انعقدتْ به (ولا تصحُّ إمامتُهم فيها) أي: في الجمعةِ؛ لئلا يصيرَ التابعُ متبوعًا. فائدةٌ: ومَنْ سقطتْ عنه الجمعةُ لعذرٍ، كمرضٍ، وخوفٍ، ومطرٍ. وكذا خوفٌ على نفسِه أو مالِه، إذا حضرَها، وجبتْ عليه، وانعقدتْ به، وأمَّ فيها، فلو حضرَها ولمْ يصلِّها، كان عاصيًا؛ لتركِه ما وجبَ عليه (٢).

стр. 460

وشُرِطَ لصحَّةِ الجُمُعةِ أربعةُ شُروطٍ: أحدُهما: الوَقْتُ، وهو: مِنْ أوَّلِ وقتِ العيدِ إلى آخِرِ وقتِ الظُّهرِ. (وشُرِطَ لصحةِ الجمعةِ: أربعةُ شروطٍ): (أحدُها): أي: شروطِ الجمعةِ: (الوقتُ) لأنَّها مفروضةٌ، فاعتُبِرَ لها الوقتُ، كبقيةِ المفروضاتِ (١) (وهو) أي: وقتُ الجمعةِ: (من أوَّلِ وقتِ العيدِ) نصَّ عليه؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ سيدان السلميِّ، قال: شهدتُ الجمعةَ مع أبي بكرٍ، فكانتْ خطبتُه وصلاتُه قبلَ نصفِ النهارِ، ثمَّ شهدتُها مع عمرَ، فكانتْ خطبتُه وصلاتُه إلى أنْ أقولَ: قدْ انتصفَ النهارُ. ثمَّ شهدتُها مع عثمانَ، فكانتْ صلاتُه وخطبتُه إلى أنْ أقولَ: زالَ النهارُ. فما رأيتُ أحدًا عابَ ذلك ولا أنكرَهُ. رواه الدارقطنيُّ، وأحمدُ (٢) واحتجَّ به. قال: وكذلك رُوي عن ابنِ مسعودٍ، وجابرٍ، وسعيدٍ، ومعاويةَ (٣)، أنَّهم صلَّوْا قبلَ الزوالِ، ولمْ يُنكرْ، فكان إجماعًا. (إلى آخرِ وقت الظهر (٤)) إلحاقًا لها بها، لوقوعِها موضعها.
следующие страницы →