← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 803

شرح دليل الطالب - عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

Полный текст (1 686 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بها، أي: بكلِّ طائفةٍ. الوجهُ الخامسُ: أنْ يصلِّيَ الإمامُ الرّباعيةَ، الجائزُ قصرُها فيه تامَّةً، بكلِّ طائفةٍ ركعتين، بلا قضاءٍ على المأمومين من الطائفتين، فتكونُ له تامَّةً، ولهم مقصورةً. الوجهُ السادسُ: ومنعَه الأكثرُ من الأصحابِ، وصفتُه: أنْ يصلِّيَ الإمامُ بكلِّ طائفةٍ ركعةً، بلا قضاءٍ على الطائفتين. والوجهُ السابعُ: صلاةُ النبيِّ ﷺ بأصحابِه عامَ نجدٍ؛ على ما خرَّجَه أحمدُ (١) من حديثِ أبي هريرةَ؛ وهو: أنْ تقومَ معه طائفةٌ، وطائفةٌ أخرى تجاهَ العدوِّ، وظهرُها إلى القبلةِ، ثمَّ يُحرِمُ، وتُحرِمُ معه الطائفتان، ثمَّ يصلِّي ركعةً هو والذين معه، ثمَّ يقومُ إلى الثانيةِ، ويذهبُ الذين معه إلى وجهِ العدوِّ، وتأتي الأخرى فتركعُ وتسجدُ، ثمَّ يصلِّي بالثانيةِ، ويجلسُ، وتأتي التي تجاهَ العدوِّ، فتركعُ وتسجدُ، ويسلِّمُ بالجميعِ. وتصحّ الجمعةُ في حالةِ الخوفِ حضرًا، بشرطِ كونِ كلِّ طائفةٍ أربعين رجلًا فأكثرَ، لاشتراطِ الاستيطانِ والعددِ. ويُشترطُ أيضًا: أنْ يُحْرِمَ بمَنْ حضرتْ الخطبةَ، فإنْ أحْرَمَ بالتي لمْ تحضرِ الخطبةَ، لمْ تصحَّ. ويُسِرَّانِ، أي (٢): الطائفتانِ، القراءةَ في القضاءِ؛ لأنَّ كلَّ طائفةٍ تقضي ركعةً، كالمسبوقِ الذي فاتَه من الجمعةِ ركعةٌ. واللَّه أعلم (٣).

стр. 457

بابُ صَلاةِ الجُمُعةِ (بابُ صَلاةِ الجُمُعةِ) بضمِّ الميمِ، وإسكانِها، وفتحِها. ذكرَهُ الكرمانيُّ. سُمِّيتْ بذلك لجمعِها الجماعاتِ، أو لجمعِ طينِ آدمَ فيها. وقيل: لأنَّ آدمَ جُمِعَ فيها خلقُه. رواه أحمدُ (١) من حديثِ أبي هريرةَ. وقيل: لأنَّه جُمِعَ مع حواءَ في الأرضِ فيها. وقيل: لما جُمِعَ فيها من الخيرِ. قيل: أوَّلُ مَنْ سمَّاه يومَ الجمعةِ: كعبُ بنُ لؤيِّ. واسمُه القديمُ: يومُ العروبةِ. قيل: سُمِّي بذلك؛ لأنَّ العربَ كانتْ تُعظِّمُه. والأصلُ في مشروعيتِها: قولُه تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، الآية. وعن أبي جعدٍ الضمريِّ - وكانتْ له صحبةٌ - أنَّ النبيَّ ﷺ . قال: "مَنْ تركَ ثلاثَ جُمَعٍ تهاونًا، طبعَ اللهُ على قلبِه". رواه الخمسةُ (٢). وفي "الموطأ" (٣) عن ابنِ مسعودٍ - قال مالكٌ: لا أدري أعنِ النبيِّ ﷺ أم لا- نحوُه. وعن الحكمِ بنِ مينا أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ وأبا هريرةَ حدَّثاه: أنَّهما سمِعا رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ على منبرِه: "لينتهينَّ أقوامٌ عن ودَعِهِمُ الجُمَعاتِ، أو

стр. 458

تجِبُ على كلِّ ذكرٍ مُسلِمٍ مُكلَّفٍ حُرِّ، لا عُذرَ لهُ. وكذا على مُسافرٍ لا يُباحُ له القَصرُ ليختمنَّ اللَّهُ على قلوبهم، ثمَّ ليكوننَّ من الغافلين". وعن صفوانَ بنِ سُليمٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قال لقومٍ يتخلَّفون عن الجمعةِ: "لقدْ هممتُ أنْ آمُرَ رجلًا يصلِّي بالنَّاسِ، ثمَّ أحرِّقَ على رجالٍ يتخلَّفون عن الجُمعةِ بيوتَهم". رواهما مسلمٌ (١). وفُرِضتْ بمكَّةَ، ولم يتمكن المسلمون من فعلها، وهو أفضلُ أيامِ الأسبوعِ. قالَهُ في "المبدع" (٢). (تجبُ) الجُمعةُ وجوبَ عينٍ (على كلِّ ذكرٍ) حكَاهُ ابنُ المنذرِ إجماعًا. (مسلمِ مكلَّفٍ) لأنَّ الإسلامَ والعقلَ شرطانِ للتكليفِ وصحةِ العبادةِ، فلا تجبُ علىَ مجنونٍ إجماعًا، ولا على صبيٍّ، في الصحيح من المذهبِ، لما روى طارقُ بنُ شهابٍ مرفوعًا: "الجُمعة حقٌّ واجبٌ على كلِّ مسلمٍ في جماعةٍ، إلا أربعةً: عبدٌ مملوكٌ، أو امرأةٌ، أو صبيٌّ، أو مريضٌ". رواه أبو داود (٣)، وقال: طارقٌ قدْ رأى النبيَّ ﷺ ، ولمْ يسمعْ منه شيئًا، وإسنادُه ثقاتٌ. قالَهُ في "المبدع" (٤). (حرٍّ) لأنَّ العبدَ مملوكُ المنفعةِ، محبوسٌ على سيدِه، أشبَهَ المحبوسَ بالدَّينِ (لا عذرَ له) من نحوِ مرضٍ وغيرِه. (وكذا) تجبُ (على مسافرٍ) دونَ فرسخٍ (لا يُباحُ له القصرُ) فيه، كالسفرِ

стр. 459

وعلى مُقيمٍ خارجَ البلَدِ، إذا كانَ بينهُما وبينَ الجُمُعةِ - وقتَ فِعلِهَا - فرسَخٌ فأَقلُ. ولا تجِبُ على من يُباحُ له القصرُ، ولا عَلى عبدٍ، ومُبعَّضٍ، وامرأةٍ. ومن حضَرَهَا منهم أجزأتهُ، ولم يُحسَب هُوَ ولا مَنْ ليسَ مِنْ أهلِ البلَدِ من الأربَعِينَ. ولا تصِحُّ إمامتُهُم فيهَا. القريبِ، وكالعاصي بسفرِه. (و) تجبُ (على مقيمٍ خارجَ البلدِ إذا كان بينهما) أي: المسافرِ والمقيمِ (وبين الجُمعةِ وقتَ فعلِها، فرسخٌ فأقلُّ) فتجبُ عليهما (ولا تجبُ) الجُمعةُ (على مَنْ يُباحُ له القصرُ) أي: فوقَ فرسخٍ، وليس بعاصٍ، (ولا) تجبُ (على عبدٍ، ومبعَّضٍ، وامرأةٍ. ومَنْ حضرَها) أي: حضرَ الجمعةَ (منهم) أي: من المسافرِ، والعبدِ، والمبعَّضِ، والمرأةِ، والخنثى (أجزأتْه) عن (١) صلاةِ الظهرِ (ولمْ يحسبْ هو ولا مَنْ ليس من أهلِ البلدِ من الأربعين) لأنَّهم ليسوا من أهلِ الوجوبِ، وإنما تصحُّ منهم الجمعةُ تبعًا لمَنْ انعقدتْ به (ولا تصحُّ إمامتُهم فيها) أي: في الجمعةِ؛ لئلا يصيرَ التابعُ متبوعًا. فائدةٌ: ومَنْ سقطتْ عنه الجمعةُ لعذرٍ، كمرضٍ، وخوفٍ، ومطرٍ. وكذا خوفٌ على نفسِه أو مالِه، إذا حضرَها، وجبتْ عليه، وانعقدتْ به، وأمَّ فيها، فلو حضرَها ولمْ يصلِّها، كان عاصيًا؛ لتركِه ما وجبَ عليه (٢).

стр. 460

وشُرِطَ لصحَّةِ الجُمُعةِ أربعةُ شُروطٍ: أحدُهما: الوَقْتُ، وهو: مِنْ أوَّلِ وقتِ العيدِ إلى آخِرِ وقتِ الظُّهرِ. (وشُرِطَ لصحةِ الجمعةِ: أربعةُ شروطٍ): (أحدُها): أي: شروطِ الجمعةِ: (الوقتُ) لأنَّها مفروضةٌ، فاعتُبِرَ لها الوقتُ، كبقيةِ المفروضاتِ (١) (وهو) أي: وقتُ الجمعةِ: (من أوَّلِ وقتِ العيدِ) نصَّ عليه؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ سيدان السلميِّ، قال: شهدتُ الجمعةَ مع أبي بكرٍ، فكانتْ خطبتُه وصلاتُه قبلَ نصفِ النهارِ، ثمَّ شهدتُها مع عمرَ، فكانتْ خطبتُه وصلاتُه إلى أنْ أقولَ: قدْ انتصفَ النهارُ. ثمَّ شهدتُها مع عثمانَ، فكانتْ صلاتُه وخطبتُه إلى أنْ أقولَ: زالَ النهارُ. فما رأيتُ أحدًا عابَ ذلك ولا أنكرَهُ. رواه الدارقطنيُّ، وأحمدُ (٢) واحتجَّ به. قال: وكذلك رُوي عن ابنِ مسعودٍ، وجابرٍ، وسعيدٍ، ومعاويةَ (٣)، أنَّهم صلَّوْا قبلَ الزوالِ، ولمْ يُنكرْ، فكان إجماعًا. (إلى آخرِ وقت الظهر (٤)) إلحاقًا لها بها، لوقوعِها موضعها.

стр. 461

وتجِبُ بالزَّوالِ، وبعدَهُ أفضَلُ. (وتجبُ) الجمعةُ (بالزوالِ)؛ لأنَّ ما قبلَه وقتُ جوازٍ (وبعدَهُ) أي: وفعلُها بعدَهُ (أفضلُ) خروجًا من الخلافِ، ولأنَّه الوقتُ الذي كان ﷺ يصلِّيها فيه في أكثرِ أوقاتِه (١). والأَوْلى فعلُها عقبَ الزوالِ، صيفًا وشتاءً. وذكرَ ابنُ عقيل في "عُمَد الأدلة"، و"مفرداته" عن قومٍ من أصحابِنا: يجوزُ بعدَ طلوعِ الفجرِ قبلَ طلوعِ الشمسِ (٢). وآخره: آخرُ وقتِ الظهرِ، لا الغروبُ. قالَهُ في "الفروع" (٣). فإنْ خرجَ وقتُها قبلَ الشروعِ في فعلِها، امتنعتْ الجمعةُ وصلَّوْا ظهرًا. وإنْ خرجَ وقتُ الجمعةِ وقدْ صلَّوْا ركعةً، أتمُّوا جمعةً. وإنْ خرجَ قبلَ أنْ يصلُّوا ركعةً بعدَ التحريمةِ، استأنَفوا ظهرًا. والمذهبُ: يتمُّونُها جُمعةً. ذكرَهُ في "الرعاية" نصًّا. فلو بقيَ من الوقتِ قدرُ الخطبتينِ والتحريمةِ، لزِمَهم فعلها؛ لأنَّها فرضُ الوقتِ، وقدْ تمكَّنوا منها. أو شكُّوا في خروجِ الوقتِ، لزِمَهم فعلُها؛ لأنَّ الأصلَ بقاؤهُ (٤). ولا يُكره لمَنْ فاتتْه الجمعةُ، أو لمن (٥) لمْ يكنْ من أهلِ وجوبِها، صلاةُ الظهرِ جماعةً. قال ابنُ تميمٍ وابنُ حمدان في "الرعاية الكبرى": بأذانٍ وإقامةٍ. وهل يُكره

стр. 462

الثَّاني: أن تكونَ بقريةٍ، ولو من قَصَبٍ، يستوطِنُهَا أربعونَ، استيطانَ إقامةٍ، لا يَظعنُونَ صَيفًا ولا شِتَاءً. وتصِحُّ فيما قاربَ البُنيانَ من الصَّحراء. الثالثُ: حضورُ أربعينَ، فإن نقَصُوا قَبلَ إتمامِهَا، استأنَفُوا ظُهرًا. في موضعٍ صُلِّيتْ فيه الجمعةُ؟ فيه وجهانِ. قال في "تصحيح الفروع" (١): أحدُهما: يُكره، وهو الصحيحُ. قال: والوجهُ الثاني: لا يُكره، وهو ظاهرُ كلامِه في "الرعاية الصغرى" و"الحاوي" وجماعةٍ، وجزمَ به في "مجمع البحرين". الشرطُ (الثاني) من شروط صحة الجُمعةِ: (أنْ تكونَ بقريةٍ) مبنيةٍ بما جرتْ العادةُ به من حَجَرٍ، أوآجُرٍّ، أو لَبِنٍ، أو خشبٍ، أو غيرِها. مقيمين بها صيفًا وشتاء. وعُلِمَ منه: أنَّه ليس من شروطِها المِصرُ. وأنَّها لا تصحُّ بغيرِ بناء، كبيوتِ الشعرِ والخيامِ. زاد في "المستوعب" وغيرِه: ولو اتخذَها أوطانًا؛ لأنَّ استيطانَهم في غيرِ بنيانٍ (٢). (ولو من قصبٍ) أو شجرٍ (يستوطنُها أربعون) رجلًا، ولو بالإمامِ، من أهلِ وجوبها (استيطانَ إقامةٍ، لا يظعنون) أي: يرحلون (صيفًا ولا شتاءً. وتصحُّ) الجمعةُ (فيما قاربَ البنيانِ من الصحراءِ) فلا يشترطُ لها البنيانُ. الشرطُ (الثالثُ) من شروطِ صحةِ الجمعةِ: (حضورُ أربعين) رجلًا، من أهلِ وجوبها (فإنْ نقصوا قبل إتمامِها) أي: الجمعةِ (استأنَفوا ظهرًا) نصًّا؛ لأنَّ العددَ شرطٌ، فاعتبرَ في جميعِها، كالطَّهارةِ. والمسبوقُ إنَّما صحَّتْ منه تبعًا لصحتِها ممَّنْ لمْ يحضر الخطبة تبعًا لمن حضرها.

стр. 463

الرابعُ: تَقدَّم خُطبتَين. مِن شَرطِ صِحَّتِهمَا خمسةُ أشياء: الوقتُ، والنَّيةُ، ووقوعُهُما حَضَرًا، وحضورُ الأربعين، وأن يكونا ممَّن تصحُّ إمامتُهُ فيهَا. وأركانُهُما سِتَّةٌ: الشرط (الرابعُ) من شروطِ صحةِ الجمعةِ: (تقدُّمُ خُطبتين) أي: خطبتانِ متقدِّمتانِ (من شرطِ (١) صحتِهما) أي: الخطبتين: (خمسةُ أشياءَ: الوقتُ) أي: وقتُ الجمعةِ؛ لأنَّهما بدلٌ من ركعتين، والصَّلاةُ لا تصحُّ قبلَ دخولِ وقتِها. (و) الثاني: (النيةُ) لقولِه ﵊: "إنَّما الأعمالُ بالنياتِ". (و) الشرطُ الثالثُ: (وقوعُهما حضرًا) لا سفرًا. (و) الرابعُ: (حضورُ الأربعين) فلو نقصَ العددُ، لم تصحَّ. (و) الشرطُ الخامسُ: (أنْ يكونَا ممَّنْ تصحُّ إمامتُه فيها) أي: في الجمعةِ. فلا تصحُّ خطبةُ مَنْ لا تجبُ عليه بنفسِه، كعبدٍ ومسافرٍ، ولو أقامَ لعِلمٍ أو شغل بلا استيطانٍ؛ لما تقدَّم. (وأركانُهما) أي: الخطبتين (ستةٌ): أحدُها: (حمدُ اللهِ) تعالى. أي: قولُ: الحمدُ للهِ. لحديثِ ابنِ مسعودٍ: كان النبيُّ ﷺ إذا تشهدَ قال: "الحمدُ للهِ". رواه أبو داودَ (٢). وله (٣) أيضًا:

стр. 464

حمدُ الله، والصلاةُ على رسولِ الله، وقراءةُ آيةٍ مِنْ كتابِ اللَّهِ، والوصيَّةُ بتقوى اللَّه، "كلُّ (١) كلامُ لا يُبدأُ فيه بالحمد للهِ، فهو أجذمُ". (و) الركنُ الثاني: (الصَّلاةُ على رسولِ اللهِ) ﵊؛ لأنَّ كلَّ عبادةٍ افتقرتْ إلى ذكرِ اللهِ، افتقرتْ (٢) إلى ذكرِ نبيهِ ﵇، كالأذانِ. ويتعيَّنُ لفظُ الصَّلاةِ لا السَّلامِ. (و) الركنُ الثالثُ: (قراءةُ آيةٍ من كتابِ اللهِ) كاملةٍ؛ لحديثِ جابرِ بنِ سمرةَ: كان النبيُّ ﷺ يقرأُ الآياتِ، ويُذكِّرُ الناسَ. رواه مسلمٌ (٣). ولأنَّ الخطبتين أقيمتا مقامَ ركعتين، فوجبتْ فيهما القراءةُ، كالصَّلاةِ. ولا تُجزِئُ آيةٌ لا تستقلُّ بمعنًى أو حكمٍ، نحو: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١]، أو: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤]. ذكرَهُ أبو المعالي وغيرُه. ولا تجزئُ القراءةُ بغيرِ العربيةِ. وهلْ يحتاجُ إلى إبدالِها عند العجزِ عنها بذكرٍ؟ فيه وجهان. قالَهُ ابنُ نصرِ اللهِ. قال في "تصحيح الفروع" (٤): وهل يحتاجُ إلى إبدالِها عند العجزِ عنها؟ فيه وجهانِ. وأطلقَهُما في "الرعاية الكبرى"، وهما احتمالانِ مطلقانِ في "شرح الزركشي": أحدُهما: يجبُ. قلتُ: وهو الصَّوابُ، كالقراءةِ في الصَّلاةِ، فإنَّها أيضًا مشتملةٌ على ذكرٍ. والوجهُ الثاني: لا تجبُ.

стр. 465

وموالاتُهُما مع الصَّلاةِ، والجهرُ بحيثُ يُسمِعُ العدَدَ المعتبَر، حيثُ لا مانعَ. وسُنَنُهُما: الطهارةُ، والوجهُ الأولُ اعتمَدَهُ أيضًا في "الإقناع"، ومشى عليه. ولا يصحُّ إبدالُها بغيرِ العربيةِ مع القدرةِ على العربيةِ. وتصحُّ مع العجزِ عن القراءةِ، فيجبُ مع العجزِ الذكرُ بدلها. انتهى. (و) الركنُ الرابعُ: (الوصيةُ بتقوى اللهِ) تعالى؛ لأنَّها المقصودةُ من الخطبةِ. فلو قرأَ من القرآنِ ما يتضمنُ الحمدَ والموعظةَ، وصلَّى عليه، ﵇، في كلِّ خطبةٍ، كفى. قال في "التلخيص": لا يتعينُ لفظُها. أي: الوصيةِ، وأقلُّها: اتقوا اللَّه. أطيعوا اللَّه. ونحوُه. (و) الركنُ الخامسُ: (موالاتُهما) أي: الخُطبتين (مع الصَّلاةِ) فتُشترطُ الموالاةُ بين أجزاءِ الخطبتين، وبينهما وبين الصَّلاةِ؛ لأنَّه لمْ يُنقلْ عنه ﵇ خلافُه، وقال: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي". (و) الركنُ السادسُ: (الجهرُ بحيثُ يُسْمِعُ العددَ المعتبرَ) للجمعةِ (حيثُ لا مانِعَ) لهم من سماعِه، كنومٍ، أو غفلةٍ، أو صَمَمِ بعضِهم. فإنْ لمْ يسمعوا لخفضِ صوتِه، أو بُعْدِهم عنه، ونحوِه، لمْ تصحَّ؛ لعدمِ حصولِ المقصودِ (وسُننُهما) أي: الخطبتين: (الطَّهارةُ) أي: من الحدثِ الأصغرِ والأكبرِ، فتجزئُ خطبةُ محدثٍ وجنبٍ (١)، كأذانِه. وتحريمُ لبثِه بالمسجدِ لا تَعلُّقَ له بواجبِ العبادةِ، كصلاةِ مَنْ

стр. 466

وسترُ العورةِ، وإزالةُ النَّجاسةِ، والدعاءُ للمسلمين، وأن يتولَّاهُما مع الصَّلاةِ واحدٌ، ورفعُ الصَّوتِ بهمَا حسَبَ الطَّاقةِ، وأن يخطُبَ [قائمًا على مُرتَفَعٍ، معه درهمٌ غَصْبٌ (وسترُ العورةِ، وإزالةُ النجاسةِ، والدُّعاءُ للمسلمين، وأنْ يتولَّاهما (١) واحدٌ) أي: الصَّلاةَ والخطبةَ (ورفعُ الصوتِ بهما (٢) حسَبَ الطَّاقةِ) لأنَّه أبلغُ في الإعلامِ. (و) يُسنُّ (أنْ يخطبَ قائمًا) نصًّا؛ لما سبقَ. ولمْ يجِبْ، كالأذانِ، والاستقبالِ (على مُرْتَفَعِ) أي: موضعٍ عالٍ، إنْ لمْ يكن منبرٌ؛ لأنَّه في معناه؛ لاشتراكِهما في الإعلامِ. ويَكونُ الموضعُ المرتفعُ، أو المنبرُ، عن يمينِ مستقبلِ القبلةِ بالمحرابِ؛ لأنَّ منبَره ﷺ كذا كان. وكان يقفُ على الدرجةِ الثالثةِ التي تلي مكانَ الاستراحةِ، ثمَّ وقفَ أبو بكرٍ على الثانيةِ، ثمَّ عمرُ على الأُولى؛ تأدُّبًا، ثمَّ وقفَ عثمانُ مكانَ أبي بكرٍ ثمَّ على موقفِ النبيِّ ﷺ ، ثمَّ زمن معاويةَ قلَعَه (٣) مروانُ.، وزادَ فيه ستَّ درجٍ، فكان الخلفاءُ يرتقون ستًّا؛ يقفون مكانَ عمرَ، أي: على السابعةِ، ولا يتجاوزون (٤) ذلك؛ تأدبًا. وكان اتخاذُه في سنةِ سبعٍ من الهجرةِ. وقيل: سنةَ ثمانٍ. وسُمِّيَ منبرًا؛ لارتفاعِه من النَّبرِ- وهو الارتفاعُ - واتخاذُه مجمعٌ عليه (٥). قالَهُ في "شرح مسلم".

стр. 467

معتمدًا على سيفِ أو عصًا، وأن يجلِسَ بينهُما قليلًا. فإن أبَى، أو خَطَبَ] جالسًا فصَلَ بينهُمَا بسكتَةٍ. (معتمدًا على سيفٍ أو عصا) أو قوسٍ. قالَ (١) في "الإقناع": بإحدى يديه. قال في "الفروع": ويتوجهُ باليسرى. ويعتمدُ بالأخرى على حرفِ المنبرِ، أو يرسِلُها؛ لما روى الحكمُ بنُ حزنٍ قال: وفدتُ على رسولِ اللهِ ﷺ ، فشهدْنا معه الجمعةَ، فقامَ متوكئًا على سيفٍ أو قوسٍ أو عصا. رواه أبو داودَ (٢). ولأنَّه أمكن له، وإشارةً إلى أنَّ هذا الدِّينَ فُتِحَ به (٣). (وأنْ يجلسَ بينهما قليلًا) أي: جِلسةً خفيفةً جدًّا؛ لما روى ابنُ عمرَ قال: كان النبيُّ ﷺ يخطبُ خطبتين وهو قائمٌ، يفصلُ بينهما بجلوسٍ. متفقٌ عليه (٤). قال في "التلخيص": بقدرِ سورةِ الإخلاصِ (٥) (فإنْ أبى) أن يجلسَ بينهما، فصلَ بسكتةٍ (أو خطبَ جالسًا) لعذرٍ وغيرِه (فصلَ بينهما) أي: بين الخطبتين (بسكتةٍ)؛ ليحصلَ التمييزُ. وعُلِمَ منه: أنَّ الجلوسَ بينهما غيرُ واجبٍ؛ لأنَّ جماعةً من الصَّحابةِ، منهم سيدُنا عليٌّ، سَرَدَ الخطبتين من غيرِ جلوسٍ (٦)

стр. 468

وسُنَّ قصرُهُما، والثانيةُ أقصَرُ. ولا بأسَ أن يخطُبَ من صَحيفةٍ. (وسُنَّ قصرُهما) أي: الخطبتين. (والثانيةُ أقصرُ) أي: سُنَّ كونُ الثانيةِ أقصرُ من الأُولى؛ لحديثِ: "إنَّ طولَ صلاةِ الرجلِ وقِصَرَ خطبتِه من فقهِهِ، فأطيلوا الصَّلاةَ، واقْصُرُوا الخطبةَ" (١). (ولا بأسَ أنْ يخطبَ من صحيفةٍ) كقراءةٍ في الصَّلاةِ من مصحفٍ.

стр. 469

فَصْلٌ يحرمُ الكلامُ والإمامُ يخطُبُ ، وهُو مِنهُ بحيثُ يسمَعُهُ، (فصلٌ) (يحرمُ الكلامُ) ولو لتسكيتِ غيرِه (والإمامُ يخطبُ) ولو كان الإمامُ غيرَ عدلٍ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، قال أكثرُ المفسرين: إنَّها نزلتْ في الخطبةِ، وسُمِّيتْ قرآنًا؛ لاشتمالِها عليه. ولخبرِ "الصحيحين" (١) عن أدي هريرةَ مرفوعًا: "إذا قلتَ لصاحبِك يومَ الجمعةِ: أنصتْ، والإمامُ يخطبُ، فقدْ لغوتَ". واللغوُ: الإثمُ. ولقولِه ﵇: "مَنْ قالَ: صَه. فقدْ لغا، ومَنْ لغا فلا جمعةَ له". رواه أحمدُ وأبو داودَ (٢). ولقولِه ﵇ في خبرِ ابنِ عباسٍ: "والذي يقولُ: أنصتْ، ليسَ له جمعةٌ". رواه أحمدُ (٣). ولقولِه ﵇ لأبي الدرداءِ: إذا سمعت إمامَكَ يتكلَّمُ، فأنصتْ حتى يفرغَ". رواه أحمدُ (٤). (وهو) المتكلِّمُ (منه) أي: الإمامِ. (بحيثُ يسمعُه) بخلافِ البعيدِ الذي لا يسمعُه؛ لأنَّ وجوبَ الإنصاتِ للاستماعِ، وهذا ليس بمستمعٍ

стр. 470

ويُباحُ إذا سكَتَ بينَهُمَا، أو شَرَع في دُعاءٍ. وتحُرمُ إقامةُ الجُمُعةِ - وإقامةُ العيدِ - في أكثرَ من موضِعٍ منَ البَلَدِ، إلَّا لِحَاجَةٍ، كضِيقٍ، وبُعدٍ، وخَوفِ فِتنَةٍ، فإن تعدَّدت لغيرِ ذلِكَ، فالسابِقَةُ بالإحرامِ (ويُباحُ) الكلامُ (إذا سكتَ) الخطيبُ (بينهما) أي: الخطبتين (أو شرعَ في دعاءٍ) لأنَّه غيرُ واجبٍ، فلا يجبُ الإنصاتُ له. قال المصنِّفُ ﵀ في "غاية المنتهى" (١): ويتجه: أنَّ التحريمَ محلُّه أركانُ الخطبة. قال في "الإقناع": قال الشيخُ: رفعُ الصَّوتِ قُدَّامَ بعضِ الخطباءِ مكروهٌ، أو محرَّمٌ اتفاقًا، فلا يرفعُ المؤذِّنُ، ولا يخرُه، صوتَه بصلاةٍ ولا غيرِها. وفي "التنقيح" و"المنتهى": وله الصَّلاةُ على النبيِّ ﷺ إذا سمِعَها. ويُسنُّ سرًّا (٢) (وتحرمُ إقامةُ الجمعةِ - وإقامةُ العيدِ - في أكثرَ من موضعٍ) واحدٍ (من البلدِ) لأنَّهما لمْ يكونا يُفعلان في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ وعهدِ خلفائِه إلا كذلك. وقال: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي". ولأنَّ الاقتصارَ على واحدةٍ أوفى للمقصودِ من إظهارِ شعارِ الاجتماعِ واتفاقِ الكلمةِ (إلا لحاجةٍ، كضيقِ) مسجدِ البلدِ عن أهلِه (و) كـ (بُعْدٍ) بأنْ يبهونَ البلدُ واسعًا وتتباعد أقطارُه، فيشقُّ على مَنْ منزلُهم بعيدٌ عن محلِّ الجمعةِ مجيئُها (و) كـ (خوفِ فتنةِ) لعداوةٍ بين أهلِ البلدِ يُخشى باجتماعِهم في محلٍّ إثارتُها (فإنْ تعدَّدتْ) صلاةُ الجمعةِ (لغيرِ ذلك) أي: لغيرِ الحاجةِ (فالسابقةُ بالاحرامِ)

стр. 471

هي الصحيحةُ. ومَنْ أحرَمَ بالجُمُعةِ في وقتِهَا، وأدرَكَ مع الإمَامِ رَكعةً، أتمَّ جُمُعَةً، لأنَّ الاستغناءَ حصلَ بها، فأُنيطَ الحكمُ بها. ولا فرقَ بين التي في المسجدِ الأعظمِ، أو مكانٍ يختصُّ جندُ السلطانِ به، أو كانتْ أحدُهما في قَصَبَةِ البلدِ، والأخرى في أقصاها؛ لأنَّ الاستغناءَ حصلَ بالأُولى، فأُنيطَ الحكمُ بها؛ لكونِها سابقةً بالإحرامِ، و (هي الصحيحةُ) وإنْ وقعتا معًا؛ بأنْ وقعَ الإحرامُ من الإمامين في آنٍ واحدٍ، بطَلَتا؛ لأنَّه لا يمكنُ تصحيحُهما، ولا تصحيحُ أحدِهما؛ لأنَّه لا مزيةَ لواحدةٍ منهما على الأخرى. وحيثُ بطلتا؛ فإنْ أمكنَ أنْ يصلُّوا جمعةً مع توفرِ شروطِها، صلَّوا جمعةً؛ لأنَّها فرضُ الوقتِ، ولمْ تقمْ صحيحةً، فوجما تدارُكُها، وإلا؛ بأن فُقِدَ شيءٌ من شروطِها، فإنهم يصلون ظهرًا؛ لأنَّها بدلٌ عن الجمعة إذا فاتتَ. وإن جُهِلَ كيف وقعتا، صلَّوا ظهرًا. واختارَ جمعٌ: الصَّحةَ. وكذا لو وقعتْ جُمَعٌ في بلدٍ، وجُهِلَ الحالُ، أو السابقةُ، صلَّوا ظهرًا. (ومَنْ أحرَمَ بالجمعةِ في وقتِها) احترزَ به: عمَّا لو خرجَ الوقتُ والإمامُ فيها فأحرمَ بها المأمومُ بعدَ خروجِه، فإنَّها لا تنعقدُ جمعةً ولا ظهرًا (وأدركَ مع الامامِ ركعةً) بسجدتيها (أتمَّ جمعةً) رواه البيهقيَّ عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ (١). وعن أبي هريرةَ مرفوعًا: "مَنْ أدركَ ركعةً من الجمعةِ، فقدْ أدركَ الصَّلاة" (٢).

стр. 472

وإن أدرَكَ أقلَّ، نوى ظُهرًا. وأقلُّ السُّنةِ بعدَها: ركعتَانِ، وأكثرُها: سِتَّةٌ. وسُنَّ قراءةُ سُورَةِ الكَهفِ في يَومِهَا، رواه الأثرمُ. (وإنْ أدركَ أقلَّ) من ركعةٍ (نوى ظهرًا) لمفهومِ الخبرِ السابقِ، بخلافِ إدراكِ المسافرِ صلاةَ المقيمِ؛ لأنَّه إدراكُ إلزامٍ، وهذا إدراكُ إسقاطٍ للعددِ، وبخلافِ جماعةِ باقي الصَّلواتِ؛ لأنَّه ليس من شرطِها الجماعةُ، بخلافِ مسألتِنا. ويصحُّ دخولُه مع الإمامِ بشرطِ أنْ ينويَ ظهرًا بإحرامِه؛ ولهذا قال في "الإقناع": إذا كان قدْ نوى الظهرَ، ودخلَ وقتُها؛ لأنَّ الظهرَ لا تتأدَّى بنيةِ الجُمعةِ ابتداءً، فكذا استدامةٌ، كالظهرِ مع العصرِ. وإلا؛ بأنْ لمْ يكنْ نواها ظهرًا، أو لمْ يكنْ دخلَ وقتُها انعقدتْ نفلًا، ولا يصحُّ إتمامُها جمعةً؛ لعدمِ إدراكِه لها بدونِ ركعةٍ؛ لما تقدم (١). (وأقلُّ السنةِ بعدَها) أي: الجُمعةِ: (ركعتانِ) لحديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: كان يصلِّي بعدَ الجمعةِ ركعتينِ. متفقٌ عليه (٢). (وأكثرُها) أي: السنةِ بعدَ الجمعةِ: (ستَّةٌ) نصًّا؛ لقولِ ابنِ عمرَ: كان النبيُّ ﷺ يفعلُه. رواه أبو داودَ (٣). ولا راتبةَ لها قبلَها، نصًّا. وتُسنُّ أربعٌ. (وسنَّ قراءةُ سورةِ الكهفِ في يومِها) أي: الجمعةِ؛ لحديثِ أبي سعيدٍ،

стр. 473

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مرفوعًا: "مَنْ قرأ سورةَ الكهفِ في يومِ الجمعةِ، أضاءَ له من النورِ ما بين الجمعتين". رواه البيهقيُّ (١) بإسنادٍ حسنٍ. وفي خبرٍ آخرَ: "مَنْ قرأ سورةَ الكهفِ في يومِ الجمعةِ، أو ليلتِه، وُقِيَ فتنةَ الدَّجالِ" (٢). والحكمةُ في ذلك: أنَّ اللهَ تعالى ذكرَ فيها أهوالَ يومِ القيامةِ، والجُمعةُ تُشْبِهُهَا؛ لما فيها من اجتماعِ الخلْقِ، ولأنَّ القيامةَ تقومُ يومَ الجُمعةِ. والكهفُ هو الغارُ في الجبلِ. وسُنَّ كثرةُ الدُّعاءِ في يومِ الجمعةِ، وأفضلُ الدُّعاءِ بعدَ العصرِ؛ لحديثِ: "إنَّ في الجمعةِ ساعةً لا يوافقُها عبدٌ مسلمٌ يسألُ اللَّه شيئًا، إلا أعطاه إياه". وأشارَ بيدِه يقلِّلُها. متفقٌ عليه (٣) من حديثِ أبي هريرةَ. واختُلِفَ فيها، فقال أحمدُ: أكثرُ الأحاديثِ (٤) في الساعةِ التي يُرجى فيها الإجابةُ: أنَّها بعدَ صلاةِ العصرِ، وترجى (٥) بعد زوالِ الشمسِ. وقد ذكرَ الحافظُ شهابُ الدينِ ابنُ حجرٍ في "شرح البخاري" (٦) فيها ثلاثةً وأربعين قولًا. ذكرَ القائلَ بكلِّ قولٍ ودليلَه. فليُرَاجَعْ.

стр. 474

وأن يقرأَ في فجرِهَا: ﴿الم﴾ السجدَة، وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَى﴾ وتُكرَهُ مداومَتُهُ عليهِمَا. (وأنْ يقرأَ في فجرِها) أي: الجمعةِ، في الركعةِ الأُولى: (﴿الم﴾ السجدة. وفي) الركعةِ (الثانية: ﴿هَلْ أَتَى﴾ (١)) نصًّا؛ لأنَّه ﵇ كان يفعلُه. متفقٌ عليه (٢) من حديثِ أبي هريرةَ. قال الشيخُ تقيُّ الدينِ: لتضمُّنِها ابتداءَ خلقِ السمواتِ والأرضِ، وخلقِ الإنسانِ، إلى أنْ يدخلَ الجنةَ أو النَّارَ. (وتُكرَهُ مداومتُه عليهما) أي: على ﴿الم﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى﴾ في فجرِها. قال أحمدُ: لئلا يُظنَّ أنها مفضلةٌ بسجدةٍ. وقال جماعةٌ: لئلا يُظنَّ الوجوبُ. وتُكرَهُ القراءةُ بسورةِ الجمعةِ في عشاءِ ليلةِ الجمعةِ. زادَ في "الرعاية": والمنافقين. خاتمةٌ: روى ابنُ السنيِّ من حديثِ أنسٍ مرفوعًا: "مَنْ قرأَ إذا سلَّمَ الإمامُ يومَ الجمعةِ، قبل أنْ يَثنيَ رِجليه، فاتحةَ الكتابِ، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوِّذتين، سبعًا، غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبِه وما تأخَّرَ، وأعطِيَ من الأجرِ بعددِ مَنْ آمنَ باللهِ ورسوله" (٣). ومن روايةِ ابنِ السنيِّ (٤) عن عائشةَ: "مَنْ قرأَ بعد صلاةِ الجمعةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ سبعَ مراتٍ، أعاذَهُ اللهُ بها من السوءَ إلى الجمعةِ الأخرى".

стр. 475

بابُ صلاةِ العِيدَين وهيَ فرضُ كِفايَةٍ. وشُروطُها كالجُمُعَةِ، ما عدَا الخُطبتَينِ. (بابُ صلاةِ العيدَين) أي: صفتُها، وأحكامُها، وما يتعلَّقُ بها. سُمِّيَ اليومُ المعروفُ عيدًا؛ لأنَّه يعودُ ويتكرَّرُ لأوقاتِه. وقيلَ: لأنَّه يعودُ بالفرحِ والسرورِ. وقيل: تفاؤلًا بعودِه، كما سُمِّيتِ القافلةُ قافلةً في ابتداءِ خروجِها؛ تفاؤلًا بقفولِها سالمةً، أي: رجوعِها. والأصلُ في مشروعيتِها: الإجماعُ، وما تواترَ مَنْ أنَّ النبيَّ ﷺ وخلفاءَهُ صلَّوها. وقدْ قيلَ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢]: أنَّ المرادَ: صلاةُ العيدِ. واختُلِفَ عن أحمدَ في حكمِها، فعنه: أنَّها فرضُ عينٍ. وعنه: سنةٌ. (و) الصحيحُ: (هي) أي: صلاةُ العيدين (فرضُ كفايةٍ) لأنَّه ﵇ واظبَ عليها حتى ماتَ. ورُوِيَ أنَّ أوَّلَ صلاةِ عيدٍ صلَّاها رسولُ اللهِ ﷺ . عيدُ الفطرِ، في السنةِ الثانيةِ من الهجرةِ. (وشروطُها) أي: صلاةِ العيدين (كالجمعةِ) لأنَّها صلاةٌ لها خطبةٌ راتبةٌ، أشبهتْ الجمعةَ. فيُشْترطُ: الوقتُ، والاستيطانُ، وعددُ الجمعةِ، لا إذنُ إمامٍ (ما عَدا الخُطبتين). يَبدأُ بالصَّلاةِ قبلَ الخطبةِ. قال ابنُ عمرَ: كان النبيُّ ﷺ ، وأبو بكرٍ، وعثمانُ، يصلُّون العيدين قبلَ الخطبةِ. متفقٌ عليه (١). فلو خطبَ قبلَ الصَّلاةِ، لمْ يُعتدَّ بها،

стр. 476

وتُسنُّ بالصحراء. ويُكرَهُ النفلُ قبلَها، وبعدَها قبلَ مفارقَةِ المُصلَّى. ووقتُها: كصلاةِ الضُّحَى كما لو خطبَ في الجمعةِ بعدَها. وقدْ رُوي عن بني أميةَ تقديمُ الخطبةِ. قال الموفَّقُ: ولم يصحَّ عن عُثمانَ (١). (وتُسنُّ) صلاةُ العيدين (بالصحراءِ) لحديثِ أبي سعيدٍ: كان النبيُّ ﷺ يخرجُ في الفطرِ والأضحى إلى المصلَّى. متفق عليه (٢). وكذا الخلفاءُ بعدَه. ولأنَّه أوقعُ هيبةً، وأظهرُ شعارًا، ولا يَشقُّ لعدمِ تكرُّره، بخلافِ الجُمعةِ. إلا بمكةَ المشرَّفةِ، فتصلَّى بالمسجدِ الحرامِ؛ لفضيلةِ البُقعةِ، ومشاهدةِ الكعبةِ، ولمْ يزلِ الأئمةُ يُصلّونها به. وظاهر كلامِ "المنتهى"، و"الإقناع"، و"غاية المنتهى": أنَّ مسجدَ المدينةِ، والأقصى، كغيرِهما، فلا يُسنُّ فيهما، بل في الصحراءِ. قال في "المنتهى" (٣): وأنْ تكونَ الصحراءُ قريبةً عُرْفًا، فلا تصحُّ ببعيدةٍ. (ويُكره النفلُ قبلَها، وبعدَها قبلَ مفارقةِ المصلَّي) أي: قبلَ صلاةِ عيدٍ، وبعدَها بموضعِها قبلَ مفارقتِه، نصًّا؛ لخبرِ ابنِ عباسٍ مرفوعًا: خرجَ النبي ﷺ (٤) يومَ الفطرِ، فصلَّى ركعتين، لم يصلِّ قبلَهما ولا بعدَهما. متفقٌ عليه (٥). (ووقتُهاكـ) وقتِ (صلاةِ الضُّحَى) من ارتفاعِ الشمسِ قِيْدَ رُمحٍ إلى قُبيلِ الزوالِ.

стр. 477

فإن لم يُعلَم بالعيدِ إلا بعدَ الزَّوالِ، صَلَّوا من الغدِ قَضَاءً. وسُنَّ: تبكيرُ المأمومِ، وتأخُّرُ الإمَامِ إلى وقتِ الصَّلاةِ. وإذا مَضَى في طَريقٍ رجَعَ في أُخرَى، (فإنْ لمْ يُعلمْ بالعيدِ إلا بعدَ الزوالِ، صلَّوا من الغدِ قضاءً) أي: سواءٌ كان التأخيرُ لعذرٍ أو لغيرِ عذرٍ، لما روى أبو عميرِ بنِ أنسٍ، قال: حدثني عمومةٌ لي من الأنصارِ من أصحابِ النبيِّ ﷺ قالوا: غُمَّ علينا هلالُ شوَّالٍ، فأصبحنا صيامًا، فجاء ركبٌ من آخرِ النهارِ، فشهدوا عندَ رسولِ اللهِ ﷺ أنَّهم رأوْا الهلالَ بالأمسِ، فأمَرَ الناسَ أنْ يُفطروا من يومِهم، وأنْ يخرجوا لعيدِهم من الغدِ. رواه الخمسةُ (١)، إلَّا الترمذيَّ. وصحَّحَه إسحاقُ بنُ راهويه، والخطابيُّ. ولأنَّ العيدَ يُشرعُ له الاجتماعُ العامُّ. وله وظائفُ دينيةٌ ودنيويةٌ، وآخرُ النهارِ مَظِنَّةُ الضيقِ عن ذلك غالبًا. وأما من فاتَتْه مع الإمامِ، فيصلِّيها متى شاءَ؛ لأنَّها نافلةٌ لا اجتماعَ فيها. (وسُنَّ تبكيرُ (٢) المأمومِ) ليدْنوَ من الإمامِ، وينتظرَ الصَّلاةَ، فيكثُرَ أجرُه (وتأخُّر الامامِ إلى) دخولِ (وقتِ الصَّلاةِ) لحديثِ أبي سعيدٍ مرفوعًا: كان يخرجُ يومَ الفطرِ والأضحى إلى المصلَّى، فأوَّلُ شيءٍ يبدأُ به الصَّلاةَ. رواه مسلمٌ (٣). ولأنَّ الإمامَ يُنتظَرُ ولا يَنتَظِرُ. ويُسنُّ التوسعةُ على الأهلِ؛ لأنَّه يومُ سرورٍ. وتُسنُّ الصدقةُ في يومي العيدين. (و) يُسنّ (إذا مضى في طريقٍ رجعَ في) طريق (أخرى) لحديثِ جابرٍ:

стр. 478

وكذا الجُمُعَةُ. وصلاةُ العيدِ ركعتانِ، يكبِّرُ في الأُولَى - بعدَ تكبيَرةِ الإحرَامِ وقَبلَ التعوُّذِ - سِتًا، وفي الثانيةِ - قَبلَ القراءَةِ - خَمْسًا، كان النبيُّ ﷺ إذا خرجَ إلى العيدِ خالفَ (١) الطريقَ. رواه البخاريُّ (٢)، ورواه مسلمٌ (٣) عن أبي هريرةَ. وعلَّتُه: شهادةُ الطريقَيْن، أو تسويتُه بينهما في التبرُّكِ بمرورِه، أو سرورُهما بمرورِه، أو الصدقةُ على فقرائِهما، ونحوُه. فلذا قال: (وكذا الجمعةُ) ولا يمتنعُ في غيرِها. (وصلاةُ العيدِ ركعتان) لقولِ عمرَ: صلاةُ الفطرِ والأضحى ركعتان ركعتان، تمامٌ غيرُ قصرٍ، على لسانِ نبيِّكم؛ وقدْ خابَ مَنْ افترى. رواه أحمدُ (٤). (يُكبِّرُ في) الركعةِ (الأُولى بعدَ تكبيرةِ الإحرامِ) والاستفتاحِ (وقبلَ التعوذِ، ستًّا) زوائدَ. (و) يُكبِّرُ (في) الركعةِ (الثانيةِ قبلَ القراءةِ، خمسًا) زوائدَ، نصًّا، لحديثِ عمروِ بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه أنَّ النبيُّ ﷺ كبَّرَ في عيدٍ ثنتي عشرةَ تكبيرةً، سبعًا في الأولى، وخمسًا في الأخيرةِ. إسنادُه حسنٌ. رواه أحمدُ، وابنُ ماجه (٥). وصحَّحه ابنُ المدينيِّ. قال عبدُ اللهِ: قال أبي: أنا أذهبُ إلى هذا.

стр. 479

يرفعُ يديهِ معَ كلِّ تكبيرَةٍ، ويقولُ بينَهُمَا: اللَّه أكبرُ كبيرًا، والحمدُ للَّهِ كثيرًا، وسُبحانَ اللَّهِ بُكرةً وأصيلًا، وصلَّى اللَّهُ على محمَّدٍ النبيِّ وآلهِ وسلَّمَ تسليمًا. ثمَّ يستَعيذُ، ثمَّ يقرأُ جهرًا الفاتحةَ، ثم بسَبِّح في الأُولَى، والغاشيةِ في الثَّانية. فإذا سلَّم خطَبَ خُطبتَينِ، وأحكَامُهُمَا كخُطْبَتَي الجُمُعَةِ، لكنْ يُسنُّ أن (يرفعْ) مصلَّ (يديه مع كلِّ تكبيرةٍ) نصًّا؛ لحديثِ وائلِ بنِ حجرٍ، أنَّه ﵇ كان يرفعُ يدَيْه مع التكبيرةِ (١). قال أحمدُ: فأرى أن يدخلَ فيه هذا كلُّه (ويقولُ بينهما) أي: بين التكبيرِ: (اللهُ أكبرُ كبيرًا، والحمدُ للهِ كثيرًا، وسبحانَ اللهِ بكرةً وأصيلًا، وصلَّى اللهُ على محمدٍ النبيِّ وآلِه، وسلَّم تسليمًا) لقولِ عقبةَ بنِ عامرٍ: سألتُ ابنَ مسعودٍ عمَّا يقولُه بعدَ تكبيراتِ العيدِ؟ قال: نحمدُ اللهَ، ونثني عليه، ونصلِّي على النبيِّ ﷺ . رواه أحمدُ (٢)، وحربٌ، واحتجَّ به أحمدُ. (ثمَّ يستعيذُ، ثمَّ يقرأُجهرًا) لحديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: كان يجهرُ بالقراءةِ في العيدين والاستسقاءِ. رواه الدارقطنيُّ (٣). (الفاتحةَ، ثمَّ بسبِّح في) الركعةِ (الأُولى، و) يقرأُ (الغاشيةَ) بعدَ الفاتحةِ (في) الركعةِ (الثانيةِ) لحديثِ سَمُرَة، مرفوعًا: كان يقرأُ في العيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. رواه أحمدُ (٤)، (فإذا سلَّمَ) الإمامُ في الصَّلاةِ (خطبَ خطبتين، وأحكامُها) أي: الخطبتين (كخطبتَيْ الجمعةِ) فيما تقدَّمَ مفصَّلًا (لكنْ يُسنُّ أنْ

стр. 480

يستفتحَ الأُولَى بتسعِ تكبيرَاتٍ، والثانيةَ بسبعٍ. وإن صلَّى العيدَ كالنافِلَةِ، صحَّ؛ لأنَّ التكبيرَاتِ الزوائِدَ، والذِّكرَ بينَهُما، والخُطبتَينِ، سُنَّةٌ. وسُنُّ لمن فاتته قضاؤها، ولو بعدَ الزَّوالِ. يستفتحَ) الخطبةَ (الأُولى بتسعِ تكبيراتٍ) نسقًا، (و) يستفتحُ (الثانيةَ بسبعِ) تكبيراتٍ، نسقًا؛ لما روى سعيدٌ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ قال: يكبِّرُ الإمامُ يومَ العيدِ قبلَ أنْ يخطبَ تصعَ تكبيراتٍ، وفي الثانيةِ سبعَ تكبيراتٍ (١). (وإنْ صلَّى العيدَ كالنافلةِ، صحَّ؛ لأنَّ التكبيراتِ الزوائدَ، والذكرَ بينهما، والخُطبتين، سنَّةٌ. وسُنَّ لمَنْ فاتَتْه قضاؤُها) في يومِها (ولو بعدَ الزوالِ) على صفتِها؛ لفعلِ أنسٍ (٢). ولأنَّه قضاءُ صلاةٍ، فكان على صفتِها كسائرِ الصلواتِ. * * *

стр. 481

فَصْلٌ يُسنُّ التكبيرُ المُطلَقُ ، والجَهرُ به في ليلَتَي العِيدَين إلى فَراغِ الخُطبَةِ، وفي كُلِّ عَشرِ ذِي الحِجَّةِ. والتكبيرُ المقيَّد فِي الأضْحَى عَقِبَ كلِّ فَريضَةٍ صلَّاها في جَمَاعةٍ، مِنْ صلاةِ فَجرِ يَومِ عَرفَةَ إلى عَصرِ آخِرِ أيَّامِ التَّشريقِ، (فصلٌ) (يُسنُّ التكبيرُ المطلقُ) أي: الذي لمْ يُقيَّدْ بكونِه أدبارَ المكتوباتِ (و) يُسنُّ (الجهرُ به في ليلتي العيدين) في مساجدَ، وبيوتٍ، وأسواقٍ، وغيرِها (إلى فراغِ الخُطبةِ) لما رُويَ عن ابنِ عمرَ: أنَّه كان إذا غدَا يومَ الفطرِ ويومِ الأضحى، يجهرُ بالتكبيرِ حتى يأتيَ المصلَّى، ثمَّ يكبِّرُ حتى يأتيَ الإمامُ. رواه الدارقطنيُّ (١). (و) يُسنُّ التكبيرُ المطلقُ (في كلِّ عشرِ ذي الحجةِ) ولو لمْ يَرَ بهيمةَ الأنعامِ. (و) سُنّ (التكبيرُ المقيَّدُ في) عيدِ (الأضحى) خاصَّةً (عَقِبَ كلِّ) صلاةِ (فريضةٍ) فلا يُسنُّ عَقِبَ صلاةِ النفلِ (صلَّاها في جماعةٍ، من صلاةِ فجرِ يومِ عرفةَ إلى عصرِ آخرِ أيامِ التشريقِ) لحديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ: كان النبيُّ ﷺ يكبِّرُ في صلاةِ الفجرِ يومَ عرفةَ إلى صلاةِ العصرِ من آخرِ أيامِ التشريقِ، حين يسلِّمُ من المكتوباتِ. رواه الدارقطنيُّ (٢). فرعٌ: يُسنُّ التكبيرُ عقبَ الفائتةِ في عامِهِ، قبلَ دخولِ العيدِ، إذا صلَّاها جماعةً. فائدةٌ: قال الشيخُ وجيهُ الدينِ بنُ المنجَّا: إنَّ الإمامَ إذا كان لا يَرى التكبيرَ في

стр. 482

إلَّا المُحرِمَ فيُكبِّرُ من صلاةِ ظُهرِ يومِ النَّحرِ. تلك الصلاة (١)، والمأمومَ يراه، أو بالعكسِ، فوجهان: أحدُهما: أنَّ المأمومَ يتبعُ إمامَه فعلًا وتركًا؛ لأنَّ التكبيرَ من توابعِ الصَّلاةِ، فأشبَهَ ما هو في نفسِ الصَّلاةِ، إلا أنْ يتيقنَ خطأَ الإمامِ، فإنَّه لا يتابعُه، كما قلنا فيما إذا زادَ على سبعِ تكبيراتٍ في صلاةِ الجنازةِ والعيدِ. والثاني: يجري (٢) على موصا اعتقادِه؛ لأنَّ الاقتداءَ لا أثرَ له في هذا، فإنَّ الإمامَ إذا تحلَّلَ من صلاتِه، فقد انقطعَ أثرُ القدوةِ. انتهى من "حاشية" الشيخِ يوسف (٣). وعُلِمَ من قولِه: "في الأضحى" أنَّه لا يكبِّرُ في أدبارِ الصَّلواتِ في عيدِ الفطرِ. وهو كذلك، كما في "الإقناع" وغيرِه. وعُلِمَ من قولِه: "في جماعةٍ". أي: فلا يُسنُّ التكبيرُ المقيدُ في أدبارِ الصَّلواتِ في الأضحى إذا صلَّى منفردًا؛ لقولِ ابنِ مسعودٍ: إنَّما التكبيرُ على مَنْ صلَّى جماعةً (٤). (إلا المُحْرِمَ) لأنَّه مشغولٌ بالمناسكِ قبلَ ذلك (فيكبِّرُ) أدبارَ المكتوباتِ جماعةً (من صلاةِ ظهرِ يومِ النحرِ) إلى عصرِ آخرِ أيامِ التشريقِ، نصًّا؛ لأنَّ التلبيةَ تنقطعُ برمي (٥) جمرةِ العقبةِ. ووقتُه المسنونُ: ضحى يومِ العيدِ، فكان المُحْرِمُ فيه

стр. 483

ويُكبَّرُ الإمامُ مُستَقبلَ النَّاسِ. كالمحلَّ، فلو رمى جمرةَ العقبةِ قبلَ الفجرِ، فكذلك؛ حملًا على الغالبِ. يُؤيدُه: أنَّه لو أخَّرَ الرميَ حتى صلَّى الظهرَ، اجتمعَ في حقِّهِ التكبيرُ والتلبية، فيبدأُ بالتكبيرِ؛ لأنَّ مثلَه مشروعٌ في الصَّلاةِ، فهو بها أشبَهُ. وأيامُ التشريقِ، هي: حادي عشرَ ذي الحجةِ، وثاني عشرهِ، وثالثَ عشرِهِ؛ سُمِّيتْ بذلك: من تشريقِ اللِّحمِ. أي: تقديدِه. أو من قولِهم: أشْرقْ ثَبِير. وقيل: لأنَّ الهديَ لا يُنحرُ حتى تُشرِقَ الشمسُ. وقيل: هو التكبيرُ عقبَ الصَّلواتِ. وأنكرَهُ أبو عبيدةَ (١). (ويُكبِّرُ الإمامُ مستقبلَ الناسِ) يعني: أنَّ الإمامَ إذا سلَّمَ من المكتوبةِ، التفتَ إلى المأمومين، ثمَّ كبَّرَ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كان يقبلُ بوجهِهِ على أصحابِه، ويقولُ: "على مكانِكم". ثمَّ يكبِّرُ (٢). ويكبِّرُ إذا نسِيَ الإمامُ التكبيرَ. ويكبِّرُ مسبوقٌ إذا قضى ما فاتَه مع الإمام. ولا يسنُّ التكبيرَ عقبَ صلاةِ العيدِ. تتمةٌ: يُسنُّ للمرأةِ التكبيرُ إذا صلَّتْ جماعةً مع الرجالِ، أو لا، وتخفضُ صوتَها به. فائدةٌ: قال في "الاختيارات" (٣): عيدُ النحرِ أفضلُ من عيدِ الفطرِ وسائرِ الأيامِ.

стр. 484

وصفتُه شَفْعًا: اللَّه أكبرُ اللَّه أكبر، لا إلهَ إلا اللَّه واللَّه أكبر، اللَّه أكبرُ وللَّه الحَمْدُ. ولا بأسَ بقولِه لغيرِه: تقبَّل اللَّهُ مِنَّا ومِنكَ. (وصفتُه) أي: التكبيرِ (شفْعًا: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلا اللهُ واللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ وللهِ الحمدُ) وفاقًا لأبي حنيفةَ. واستحبَّ ابنُ هبيرةَ تثليثَ التكبيرِ أوَّلًا، وفاقًا لمالكٍ (١). ووجهُ الأوَّلِ: أنَّ النبيَّ ﷺ كان يكبِّرُ كذلك. رواه الدارقطنيُّ (٢). وحكاه ابنُ المنذرِ عن عمرَ (٣). (ولا بأسَ بقولِهِ) أي: المصلِّي: (لغيرِه) من المصلِّين: (تقبَّلَ اللهُ منَّا ومنكَ) نصًا. قال: لا بأسَ به. ولا بأسَ بالتعريفِ عشيةَ عرفةَ بالأمصارِ، نصًّا. وأوَّلُ مَنْ فعلَهُ ابنُ عباسٍ (٤). وعنه: مستحبٌّ. ذكرَهُ الشيخُ تقي الدينِ (٥) ابنُ تيميةَ (٦). * * *

стр. 485

بابُ صلاةِ الكُسُوفِ وهيَ سُنَهٌ (بابُ صلاةِ الكسوفِ) وهو: ذهابُ ضوءِ أحدِ النَّيِّرَيْن، أي: الشَّمسِ والقمرِ. والكسوفُ والخسوفُ بمعنًى واحدٍ. وقيل: الكسوفُ للشمسِ، والخسوفُ للقمرِ. وهو المعتبرُ. والحكمةُ في كسوفِ الشمسِ والقمرِ: التبكيتُ والتقريعُ لمَنْ يعبدُهما؛ لأنَّهما لو كانا إلهين لدَفَعا عن أنفسِهما هذا النقصَ. وإنما سنَّتِ الصَّلاةُ له؛ لأنَّ السَّاعةَ تقومُ والشمسُ والقمرُ كاسفان، فأُمر بالصَّلاةِ؛ خوفًا من أنْ يكونَ الكسوفُ لذلك. وقال علماءُ الهيئةِ: كسوفُ الشمسِ لا حقيقةَ له، فإنِّها لا تتغيرُ في نفسِها، وإنَّما القمرُ يحولُ بيننا وبينها، ونورُها باقٍ. وأمَّا القمرُ فإنَّ ضوءَهُ من ضوءِ الشمسِ، وخسوفُه بحيلولةِ ظلِّ الأرضِ بين الشمسِ وبينه. انتهى. (وهي) صلاةُ الكسوفِ والخسوفِ (سنة) مؤكَّدَة، لحديثِ المغيرةِ بنِ شعبةَ: انكسفتِ الشمسُ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ يومَ ماتَ إبراهيمُ. فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم (١). فقال النبيُّ ﷺ : "إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ اللهِ، لا ينكسفانِ لموتِ أحدٍ، ولا لحياتِه، فإذا رأيتموهما، فادْعُوا اللهَ، وصلُّوا حتى

стр. 486

مِنْ غَيرِ خُطبَةٍ. ووقتُها: من ابتداءِ الكُسُوفِ إلى ذَهَابِه، ولا تُقضَى إن فاتَت. وهي ركعتَانِ، يَقرأ في الأولى جهرًا الفاتحةَ، وسورةً طويلةً، ثمَّ يركعُ طَويلًا، ثمَّ يرفعُ فيُسَمِّعُ ويُحَمِّدُ، ولا يسجدُ، بل يقرأَ الفاتحةَ، ينجليَ". متفقٌ عليه (١). (ووقتُها) أي: وقتُ صلاةِ الكسوفِ (من ابتداءِ الكسوفِ) أو الخسوفِ (إلى ذهابِه) أي: إلى التجلِّي، وهو تمامُ ضوءِ النَّيِّرَيْن؛ لقولِه ﵇: "فإذا رأيتُمْ شيئًا من ذلك، فصلُّوا حتى ينجليَ ما بكمْ". رواه مسلمٌ (٢). (ولا تُقضى) صلاةُ الكسوفِ والخسوفِ (إذا فاتتْ) بالتَّجلِّي؛ لما تقدَّمَ. ولمْ يُنقلْ الأمرُ بها بعدَ التَّجلِّي، ولا قضاؤُها؛ ولأنَّها غيرُ راتبةٍ، ولا تابعةٍ لفرضٍ، فلمْ تُقض. (وهي) صلاةُ الكسوفِ والخسوفِ (ركعتانِ، يَقرأُ في) الركعةِ (الأُولى جهرًا: الفاتحةَ، وسورةً طويلةً) من غيرِ تعيينٍ. وفي "الإقناع": البقرةَ، أو قدرَها (ثمَّ يركعُ طويلًا) أي: ويسبِّحُ فيه. قال الشارحُ (٣) قال جماعةٌ: نحو مائةِ آيةٍ، (ثمَّ يرفعُ) رأسَهُ (فيُسمِّعُ) أي: قائلًا: سَمِعَ اللهُ لمَنْ حمِدَه، إنْ كان إمامًا أو منفردًا، ويأتي به في رفعِه (ويُحمِّدُ) أي: يقولُ إذا اعتدلَ: ربَّنا ولك الحمدُ، مِلءَ السماءِ … إلخ. سواءٌ كان إمامًا أو منفردًا أو مأمومًا، لكنَّ الإمامَ والمنفردَ يأتي به بعدَ قيامِه، والمأمومَ في رفعِه (ولا يسجدُ، بلْ يقرأُ الفاتحةَ) أيضًا …

стр. 487

وسورةً طويلةً، ثم يركَعُ، ثم يَرفَعُ، ثمَّ يسجُدُ سجدَتَين طَويلَتَين، ثمَّ يصلِّي الثانيةَ كالأُولى، ثمَّ يتشهَّدُ ويُسلِّمُ. وإنْ أتَى في كلِّ ركعَةٍ بثلاثِ ركُوعاتٍ، أو أربعٍ، أو خَمسٍ، فلا بأسَ. (وسورةً طويلةً) وهو دون الطولِ الأوَّلِ في القيامِ والقراءةِ (ثمَّ يركعُ) أيضًا، فيطيلُ ركوعَه دون الركوعِ الأوَّلِ (ثمَّ يرفعُ) ويُسمِّعُ ويُحمِّدُ ولا يُطيلُه (ثمَّ يسجدُ سجدَتَين طويلَتَين) ولا يُطوِّلُ الجلوسَ بينهما (ثمَّ يصلِّي) الركعةَ (الثانيةَكـ) الركعةِ (الأُولى) بركوعين طويلَيْن، وسجدَتَين طويلتين، لكنْ تكونُ دون الركعةِ الأُولى في كلِّ ما يفعلُ (ثمَّ يتشَّهدُ ويسلِّمُ) لحديثِ جابرٍ: كسفتِ الشمسُ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ في يومٍ شديدِ الحرِّ، فصلَّى بأصحابِه، فأطالَ القيامَ حتى جعلوا يَخِرُّون، ثمَّ ركعَ فأطالَ، ثمَّ رفعَ فأطال، ثمَّ ركعَ فأطالَ، ثمَّ رفعَ فأطال (١)، ثمَّ سجدَ سجدَتَين، ثمَّ قامَ فصنعَ نحوَ ذلك. فكانتْ أربعَ ركعاتٍ، وأربعَ سجداتٍ. رواه أحمدُ، ومسلمٌ، وأبو داودَ (٢). (وإنْ أتى في كلِّ ركعةٍ بثلاثِ ركوعاتٍ، أو أربع) ركوعاتٍ (أو خمسِ) ركوعات (فلا بأسَ) لحديثِ مسلمٍ (٣) عن جابرٍ مرفوعًا: صلَّى ستَّ ركعاتٍ بأربعِ سجداتٍ. وعن ابنِ عباسٍ مرفوعًا: صلَّى في كسوفٍ، قرأَ ثمَّ ركعَ، ثمَّ قرأَ ثمَّ ركعَ، ثمَّ قرأَ ثمَّ ركعَ، قرأَ ثمَّ ركعَ (٤)، والأخرى مثلُها. رواه مسلمٌ، وغيرُه (٥). وروى

стр. 488

وما بعدَ الأوَّل سُنَّةٌ لا تُدركُ به الرَّكعَةُ. أبو داودَ وغيرُه (١) عن أبي العاليةِ، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ: انكسفتِ الشمسُ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وإنَّه صلَّى بهم، فقرأَ سورةً من الطوالِ، ثمَّ ركعَ خمسَ ركعاتٍ، وسجدَ سجدَتَين، ثمَّ قامَ إلى الثانيةِ فقرأَ سورةً من الطوالِ، وركعَ خمسَ ركعاتٍ، وسجدَ سجدَتَين، ثمَّ جلسَ كما هو، مستقبلَ القبلةِ، يدعو حتى انجلى كسوفُها. ولا يزيدُ على خمسِ ركوعاتٍ في كلِّ ركعةٍ، ولا على سجدَتَين فيها؛ لأنَّه لمْ يردْ به نصٌّ، والقياسُ لا يقتضيه. قال في "الفروع" (٢): والركوعُ متَّحدٌ. قال ابنُ قندسْ (٣): معنى اتحادِ الركوعِ: أنَّ ركعةَ الصَّلاةِ، ليس فيها إلا ركوعٌ، فشُرِعتِ الزيادةُ فيه، بخلافِ السُّجودِ؛ فإنَّه غيرُ متَّحدٍ، بلْ متعددٌ؛ لأنَّ في كلِّ ركعةٍ سجدَتَين، فلمْ تُشْرَعِ الزيادةُ فيه. ولا يصلَّى لآيةٍ غيرِ الكسوفِ والخسوفِ، كظلمةٍ نهارًا، وضياءٍ ليلًا، وريحٍ شديدةٍ، وصواعقَ؛ لعدمِ نقلِ ذلك عن النبيِّ ﷺ ، إلا لزلزلةٍ دائمةٍ، نصَّ عليه. وقال ابنُ أبي موسى: يصلَّى لجميعِ الآياتِ. وهو ظاهرُ كلامِ أحمدَ. نقلَهُ الزركشيُّ (٤)؛ لفعلِ ابنِ عباسٍ (٥). (وما بعدَ) الركوعِ (الأوَّلِ) في كلِّ ركعةٍ (سنَّةٌ) كتكبيراتِ العيدِ (لا تدركُ به الركلعةُ) للمسبوقِ. ولا تبطلُ الصَّلاةُ بتركِه؛ لأنَّه رُوِيَ من غيرِ وجهٍ عنه، عليه

стр. 489

ويَصحُّ أن يُصلِّيها كالنَّافلَةِ. السَّلامُ: أنَّه صلَّى صلاةَ الكسوفِ بركوعٍ واحدٍ (١) (و) لهذا (يصحُّ) فعلُها (كالنافلةِ) أي: بركوعٍ واحدٍ لكلِّ ركعةٍ. * * *

стр. 490

بابُ صلاةِ الاسْتِسْقاءِ وهي سُنَّةٌ. ووقتُها، وصِفتُها، وأحكَامُها، كصلاةِ العيدِ. وإذا أرادَ الإمامُ الخُروجَ لَها وعَظَ الناس، (بابُ صلاةِ الاستسقاءِ) من إضافةِ المسببِ إلى سببِه. (وهي) صلاةُ الاستسقاءِ (سنةٌ) لفعلِه ﵇ (ووقتُها) أي: صلاةِ الاستسقاءِ، كعيدٍ، فتُسنُّ أوَّلَ النهارِ. وتجوزُ كلَّ وقتٍ، غيرَ وقتِ نهيٍّ. (وصفتُها، وأحكامُها، كصلاةِ العيدِ) قال ابنُ عباسٍ: سنَّةُ الاستسقاءُ سنَّةُ العيدين (١). فتُسنُّ قبلَ الخطبةِ بصحراءَ قريبةٍ عُرْفًا، بلا أذانٍ ولا إقامةٍ. ويقرأُ جهرًا في الأُولى بسبِّح، وفي الثانيةِ بالغاشية. ويُكبِّرُ في الأُولى ستًّا، زوائدَ، وفي الثانيةِ خمسًا قبلَ القراءةِ. قال ابن عباسٍ: صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ . ركعتين، كما يصلِّي في العيدين (٢). قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. وروى الشافعيُّ (٣) مُرسلًا: أنَّه، وأبا بكرٍ، وعمرَ، كانوا يصلُّون صلاةَ الاستسقاءِ، يكبِّرون فيها سبعًا وخمسًا. وعن ابنِ عباسٍ نحوه. وزادَ فيه: وقرأَ في الأُولى بسبِّح، وفي الثانيةِ بالغاشية (٤). (وإذا أرادَ الإمامُ الخروجَ لها (٥)، وعظَ الناسرَ)، أي: ذكَّرَهم ما تلينُ به

стр. 491

وأمرَهم بالتَّوبةِ، والخُروجِ من المظالِمِ، ويتنظَّفُ لها، ولا يتَطيَّبُ. ويخرُجُ متواضِعًا، مُتخشِّعًا، مُتذلِّلًا، مُتضرِّعًا، ومعَه أهلُ الدِّينِ والصلاحِ، والشُّيوخُ. ويُباحُ خروجُ الأطفالِ، والعجائِزِ والبهائِمِ، والتوسُّلُ بالصَّالحِينَ. قلوبُهم، وخوَّفَهُم العواقبَ (وأمرهَم بالتوبةِ) أي: الرجوعِ عن المعاصي (والخروجِ من المظالمِ) بأنْ يردَّ مَنْ عنده مظلمةٌ إلى مستحقِّها، وذلك واجبٌ في كلِّ وقتٍ، ولأنَّ المعاصي سببُ القحطِ، والتقوى سببُ البركاتِ؛ يدلُّ لذلك قولُه : ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] الآية. (ويتنظَّفُ لها) أي: لصلاةِ الاستسقاءِ بالغُسلِ، وتقليمِ الأظفارِ، وإزالةِ رائحةٍ كريهةٍ؛ لئلا يؤذيَ الناسَ (ولا يتطَّيبُ) لأنَّه يومُ استكانةٍ وخضوع (ويخرجُ متواضعًا، متخشِّعًا) خاضعًا (متذلِّلًا) من الذُّلِّ، أي: الهوانِ (متضرِّعًا) مستكينًا؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ: خرجَ النبيُّ ﷺ للاستسقاءِ متذلِّلًا، متواضعًا، متخشِّعًا، متضرَّعًا، حتى أتى المصلَّى (١). قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. (ومعه أهلُ الدِّينِ والصَّلاحِ، والشُّيوخُ) لسرعةِ إجابةِ في عوتِهم. (ويُباحُ خروجُ الأطفالِ، والعجائزِ، والبهائمِ) لأنَّهم خلقُ اللهِ وعيالُه (و) أُبيحَ (التوسُّلُ بالصَّالحين (٢)) رجاءَ الإجابةِ، واستسقى عمرُ بالعباسِ (٣)،

стр. 492

فَيصُلِّي، ثمَّ يخطُبُ خُطبةً واحدةً، يفتتِحُهَا بالتَّكبيرِ كخُطبَةِ العِيدِ، ويكثرُ فيها الاستغفارَ، وقراءةَ آياتٍ فيها الأمرُ بهِ، ويَرفَعُ يديه وظُهورُهُما نحوَ السماءِ، فيدعو بدُعَاءِ النبيِّ ﷺ ، ومعاويةُ بيزيدَ بنِ الأسودِ (١)، واستسقى به الضَّحاكُ بنُ قيسٍ مرةً أخرى. ذكرَه الموفقُ. (فيصلي (٢) ثمَّ يخطبُ خطبةً واحدةً) على المنبرِ، والناسُ جلوسٌ عندهُ؛ لأنَّه لمْ يُنقلْ غيرُه عنه ﵇ (يفتتحُها) أي: الخطبةَ (بالتكبير) تسعًا نَسَقًا (كخطبةِ العيدِ) لقولِ ابنِ عباسٍ: صنعَ النبيُّ ﷺ في الاستسقاءِ، كما صنعَ في العيدِ (٣). (ويكثرُ فيها الاستغفارَ) لقولِه تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (وقراءةَ آياتٍ، فيها الأمرُ به) أي: الاستغفارِ، كقولِه تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣]. (ويرفعُ يديه) في دعائِه؛ لقولِ أنسٍ: كان النبيُّ ﷺ لا يرفعُ يديه في شيءٍ من دعائِه، إلا في الاستسقاءِ، فكان يرفعُ يديه حتى يُرى بياضُ إبطيه. متفقٌ عليه (٤). (وظهورُهما نحوَ السماءِ) لحديثٍ رواه مسلمٌ (٥). (فيدعو بدعاءِ النبيِّ ﷺ ) لقولِه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. فيقولُ: "اللهمَّ

стр. 493

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اسقنا غيثًا مُغيثًا، هنيئًا مَريئًا، غدقًا مُجَلِّلًا، سَحًّا عامًّا (١)، طَبَقًا دائمًا، اللهمَّ اسقنا الغيثَ ولا تجعلْنا من القانطين، اللهمَّ سُقْيا رحمةٍ لا سُقيا عذابٍ، ولا بلاءٍ، ولا هدمٍ، ولا غرقٍ، اللهمَّ إنَّ بالعبادِ والبلادِ من اللأواءِ، والجَهدِ والضَّنْكِ ما لا نشكوه إلا إليك، اللهمَّ أنْبتْ لنا الزرعَ، وأدِرَّ لنا الضرعَ، واسقنا من بركاتِ السماءِ، وأنزلْ علينا من بركاتِك، اللهمَّ ارفعْ عنَّا الجَهدَ، والجوعَ، والعُزيَ، واكشف عنَّا من البلاءِ ما لا يكشفُه غيرُك. اللهمَّ إنا نستغفرُك إنك كنتَ غفَّارًا، فأرسلِ السماءَ علينا مِدْرارًا" (٢). ويكثرُ من الدُّعاءِ، ومن الصَّلاةَ على النبيِّ ﷺ . قولُه: "اللهمَّ" أي: يا اللَّه. قوله: "اسقنا" بوصلِ الهمزةِ وقطعِها. قولُه: "غيثًا" هو مصدرٌ. والمرادُ به: المطرُ. ويُسمَّى الكلأُ: غيثًا. قولُه: "مُغِيثًا" هو المُنقذُ من الشِّدةِ، يقالُ: غَاثَه وأغَاثه، وغيثت الأرضُ، فهي مغيثةٌ ومغيوثةٌ. قولُه: "هنيئًا" بالمدِّ والهمزةِ، أي: حاصلًا بلا مشقَّةٍ. قولُه: "مريئًا" السهلُ النافعُ، المحمودُ العاقبةِ، وهو ممدودٌ مهموزٌ. قولُه: "غَدَقًا" بفتحِ الدَّالِ وكسرِها، والمغدق: الكثيرُ الماءِ والخيرِ. قولُه: "مُجَلِّلًا": السَّحابُ الذي يعمُّ العبادَ والبلادَ نفعُه. قولُه: "سَحًّا": الصبُّ، يقالُ: سحَّ الماءُ يَسُحُّ: إذا سالَ من فوقٍ إلى أسفلَ. وساحَ يسيحُ: إذا جرى على وجهِ الأرضِ. قولُه: "طَبَقًا" بفتحِ الطاءِ والباءِ الذي طبقَ البلادَ مطرُه. قولُه: "دائمًا" أي: متَّصلًا إلى أن يحصلَ الخِصْبُ. قولُه: "من القانطين" أي: الآيسينَ من الرَّحمةِ. قولُه: "من اللأواءِ" أي: الشِّدَّة. قولُه: "والجهدُ" بفتحِ الجيمِ،

стр. 494

ويؤمِّنُ المأمومُ. ثمَّ يستَقِبلُ القبلَةَ في أثناءِ الخطبَةِ، فيقولُ سرًّا: اللَّهم إنَّكَ أمرتنا بدعائِكَ، ووعدَّتنا إجابتَك، وقد دعونَاك كَمَا أمرتنا، فاستجِبْ لنا كَمَا وعدَّتنا. ثمَّ يحوِّل رداءَه فيجعَلُ الأيمنَ على الأيسَرِ، والأيسرَ على الأيمَنِ، وكذا النَّاسُ، ويترُكونَه حتَّى ينزِعُوهُ معَ ثيابِهم. وضمِّها: الطَّاقةُ. قالَه الجوهريُّ. وقال ابنُ منجا: هما المشقَّةُ. قولُه: "الضَّنْكُ" أي: الضِّيقُ. (ويؤمِّنُ المأمومُ) على دعاءِ إمامِه، كالقنوتِ. (ثمَّ يستقبلُ) إمامٌ (القبلةَ) ندْبًا (في أثناءِ الخطبةِ) لأنَّه ﵇ حوَّلَ إلى الناسِ ظهرَه، واستقبلَ القبلةَ يدعو، ثمَّ حوَّلَ رداءَهُ. متفقٌ عليه (١). (فيقولُ سرًّا: اللهمَّ إنَّكَ أمرْتَنا بدعائِك، ووعدَّتَنا إجا بتَك، وقدْ دعو ناك كما أمرْتَنا، فاستجبْ لنا كما وعدَّتَنا)، قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وإنْ دعا بغيرِه، فلا بأسَ. (ثمَّ يحوِّلُ رداءَه، فيجعلُ الأيمنَ على الأيسرِ، والأيسرَ على الأيمنِ) نصًّا، لفعلِه ﵇. رواه أحمدُ وغيرُه (٢) من حديثَ أبي هريرةَ. (ويتركونهُ) أي: الرداءَ محوَّلًا (حتى ينزِعُوه مع ثيابِهم) لأنَّه لثم يُنقلْ عنه ﵇، ولا عن أحدٍ

стр. 495

فإنْ سُقُوا، وإلَّا عادُوا ثانيًا، وثالثًا. ويُسَنُّ: الوقوفُ في أوَّلِ المَطَرِ، والوضوءُ والاغتسالُ مِنه، وإخراجُ رحلِهِ وثيابِه ليُصيبَها. وإن كثُرَ المطرُ حتَّى خِيفَ منُه، سُنَّ قولُ: اللَّهم حَوَالَينا ولا علَينا، اللَّهم من الصَّحابةِ، أنَّهم غيَّروا الأرْدَيةَ حتى عادوا (فإنْ سُقُوا) في أوَّلِ مرةٍ، ففضلٌ من اللهِ ونعمةٌ (وإلا) بأن لم (١) يُسقوا أوَّلَ مرةٍ (عادوا ثانيًا، وثالثًا) صفتانِ لمحذوفٍ، أي: عودًا ثانيًا، وعودًا ثالثًا؛ لأنَّه أبلغ في التضرُّعِ، ولحديثِ: "إنَّ اللهَ يحبُّ المُلحِّين في الدُّعاءِ". وظاهرُه: أنَّه لا يُسنُّ إعادتُه أكثرَ من ذلك. ونقلَ الشيخُ منصورٌ في "شرحه" (٢): قال أَصْبَغُ: استُسقي للنِّيلِ بمصرَ خمسةً وعشرين مرَّةً متواليةً، وحضرَه ابنُ وهبٍ، وابنُ القاسمِ، وجمعٌ (ويُسنُّ: الوقوفُ في أوَّلِ المطرِ، والوضوءُ والاغتسالُ منه، وإخراجُ رَحْلِه) وما يستصحبُ من أثاثٍ (و) إخراجُ (ثيابه؛ لصيبَها) المطرُ؛ لحديثِ أنسٍ: أصابنا ونحن مع رسولِ اللَّه ﷺ مطرٌ، فحسرَ ثوبَه، حتى أصابَه من المطرِ، فقلنا: لمَ صنعتَ هذا؟ قال: "لأنَّه حديث عهدٍ بربِّه". رواه مسلمٌ (٣). (وإنْ كثُرَ المطرُ حتى خِيفَ منه، سُنَّ قولُه: اللهمَّ حَوَالَيْنا ولا علينا، اللهمَّ
следующие страницы →