← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 803

شرح دليل الطالب - عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

Полный текст (1 686 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وأمرَهم بالتَّوبةِ، والخُروجِ من المظالِمِ، ويتنظَّفُ لها، ولا يتَطيَّبُ. ويخرُجُ متواضِعًا، مُتخشِّعًا، مُتذلِّلًا، مُتضرِّعًا، ومعَه أهلُ الدِّينِ والصلاحِ، والشُّيوخُ. ويُباحُ خروجُ الأطفالِ، والعجائِزِ والبهائِمِ، والتوسُّلُ بالصَّالحِينَ. قلوبُهم، وخوَّفَهُم العواقبَ (وأمرهَم بالتوبةِ) أي: الرجوعِ عن المعاصي (والخروجِ من المظالمِ) بأنْ يردَّ مَنْ عنده مظلمةٌ إلى مستحقِّها، وذلك واجبٌ في كلِّ وقتٍ، ولأنَّ المعاصي سببُ القحطِ، والتقوى سببُ البركاتِ؛ يدلُّ لذلك قولُه : ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] الآية. (ويتنظَّفُ لها) أي: لصلاةِ الاستسقاءِ بالغُسلِ، وتقليمِ الأظفارِ، وإزالةِ رائحةٍ كريهةٍ؛ لئلا يؤذيَ الناسَ (ولا يتطَّيبُ) لأنَّه يومُ استكانةٍ وخضوع (ويخرجُ متواضعًا، متخشِّعًا) خاضعًا (متذلِّلًا) من الذُّلِّ، أي: الهوانِ (متضرِّعًا) مستكينًا؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ: خرجَ النبيُّ ﷺ للاستسقاءِ متذلِّلًا، متواضعًا، متخشِّعًا، متضرَّعًا، حتى أتى المصلَّى (١). قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. (ومعه أهلُ الدِّينِ والصَّلاحِ، والشُّيوخُ) لسرعةِ إجابةِ في عوتِهم. (ويُباحُ خروجُ الأطفالِ، والعجائزِ، والبهائمِ) لأنَّهم خلقُ اللهِ وعيالُه (و) أُبيحَ (التوسُّلُ بالصَّالحين (٢)) رجاءَ الإجابةِ، واستسقى عمرُ بالعباسِ (٣)،

стр. 492

فَيصُلِّي، ثمَّ يخطُبُ خُطبةً واحدةً، يفتتِحُهَا بالتَّكبيرِ كخُطبَةِ العِيدِ، ويكثرُ فيها الاستغفارَ، وقراءةَ آياتٍ فيها الأمرُ بهِ، ويَرفَعُ يديه وظُهورُهُما نحوَ السماءِ، فيدعو بدُعَاءِ النبيِّ ﷺ ، ومعاويةُ بيزيدَ بنِ الأسودِ (١)، واستسقى به الضَّحاكُ بنُ قيسٍ مرةً أخرى. ذكرَه الموفقُ. (فيصلي (٢) ثمَّ يخطبُ خطبةً واحدةً) على المنبرِ، والناسُ جلوسٌ عندهُ؛ لأنَّه لمْ يُنقلْ غيرُه عنه ﵇ (يفتتحُها) أي: الخطبةَ (بالتكبير) تسعًا نَسَقًا (كخطبةِ العيدِ) لقولِ ابنِ عباسٍ: صنعَ النبيُّ ﷺ في الاستسقاءِ، كما صنعَ في العيدِ (٣). (ويكثرُ فيها الاستغفارَ) لقولِه تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (وقراءةَ آياتٍ، فيها الأمرُ به) أي: الاستغفارِ، كقولِه تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣]. (ويرفعُ يديه) في دعائِه؛ لقولِ أنسٍ: كان النبيُّ ﷺ لا يرفعُ يديه في شيءٍ من دعائِه، إلا في الاستسقاءِ، فكان يرفعُ يديه حتى يُرى بياضُ إبطيه. متفقٌ عليه (٤). (وظهورُهما نحوَ السماءِ) لحديثٍ رواه مسلمٌ (٥). (فيدعو بدعاءِ النبيِّ ﷺ ) لقولِه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. فيقولُ: "اللهمَّ

стр. 493

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اسقنا غيثًا مُغيثًا، هنيئًا مَريئًا، غدقًا مُجَلِّلًا، سَحًّا عامًّا (١)، طَبَقًا دائمًا، اللهمَّ اسقنا الغيثَ ولا تجعلْنا من القانطين، اللهمَّ سُقْيا رحمةٍ لا سُقيا عذابٍ، ولا بلاءٍ، ولا هدمٍ، ولا غرقٍ، اللهمَّ إنَّ بالعبادِ والبلادِ من اللأواءِ، والجَهدِ والضَّنْكِ ما لا نشكوه إلا إليك، اللهمَّ أنْبتْ لنا الزرعَ، وأدِرَّ لنا الضرعَ، واسقنا من بركاتِ السماءِ، وأنزلْ علينا من بركاتِك، اللهمَّ ارفعْ عنَّا الجَهدَ، والجوعَ، والعُزيَ، واكشف عنَّا من البلاءِ ما لا يكشفُه غيرُك. اللهمَّ إنا نستغفرُك إنك كنتَ غفَّارًا، فأرسلِ السماءَ علينا مِدْرارًا" (٢). ويكثرُ من الدُّعاءِ، ومن الصَّلاةَ على النبيِّ ﷺ . قولُه: "اللهمَّ" أي: يا اللَّه. قوله: "اسقنا" بوصلِ الهمزةِ وقطعِها. قولُه: "غيثًا" هو مصدرٌ. والمرادُ به: المطرُ. ويُسمَّى الكلأُ: غيثًا. قولُه: "مُغِيثًا" هو المُنقذُ من الشِّدةِ، يقالُ: غَاثَه وأغَاثه، وغيثت الأرضُ، فهي مغيثةٌ ومغيوثةٌ. قولُه: "هنيئًا" بالمدِّ والهمزةِ، أي: حاصلًا بلا مشقَّةٍ. قولُه: "مريئًا" السهلُ النافعُ، المحمودُ العاقبةِ، وهو ممدودٌ مهموزٌ. قولُه: "غَدَقًا" بفتحِ الدَّالِ وكسرِها، والمغدق: الكثيرُ الماءِ والخيرِ. قولُه: "مُجَلِّلًا": السَّحابُ الذي يعمُّ العبادَ والبلادَ نفعُه. قولُه: "سَحًّا": الصبُّ، يقالُ: سحَّ الماءُ يَسُحُّ: إذا سالَ من فوقٍ إلى أسفلَ. وساحَ يسيحُ: إذا جرى على وجهِ الأرضِ. قولُه: "طَبَقًا" بفتحِ الطاءِ والباءِ الذي طبقَ البلادَ مطرُه. قولُه: "دائمًا" أي: متَّصلًا إلى أن يحصلَ الخِصْبُ. قولُه: "من القانطين" أي: الآيسينَ من الرَّحمةِ. قولُه: "من اللأواءِ" أي: الشِّدَّة. قولُه: "والجهدُ" بفتحِ الجيمِ،

стр. 494

ويؤمِّنُ المأمومُ. ثمَّ يستَقِبلُ القبلَةَ في أثناءِ الخطبَةِ، فيقولُ سرًّا: اللَّهم إنَّكَ أمرتنا بدعائِكَ، ووعدَّتنا إجابتَك، وقد دعونَاك كَمَا أمرتنا، فاستجِبْ لنا كَمَا وعدَّتنا. ثمَّ يحوِّل رداءَه فيجعَلُ الأيمنَ على الأيسَرِ، والأيسرَ على الأيمَنِ، وكذا النَّاسُ، ويترُكونَه حتَّى ينزِعُوهُ معَ ثيابِهم. وضمِّها: الطَّاقةُ. قالَه الجوهريُّ. وقال ابنُ منجا: هما المشقَّةُ. قولُه: "الضَّنْكُ" أي: الضِّيقُ. (ويؤمِّنُ المأمومُ) على دعاءِ إمامِه، كالقنوتِ. (ثمَّ يستقبلُ) إمامٌ (القبلةَ) ندْبًا (في أثناءِ الخطبةِ) لأنَّه ﵇ حوَّلَ إلى الناسِ ظهرَه، واستقبلَ القبلةَ يدعو، ثمَّ حوَّلَ رداءَهُ. متفقٌ عليه (١). (فيقولُ سرًّا: اللهمَّ إنَّكَ أمرْتَنا بدعائِك، ووعدَّتَنا إجا بتَك، وقدْ دعو ناك كما أمرْتَنا، فاستجبْ لنا كما وعدَّتَنا)، قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وإنْ دعا بغيرِه، فلا بأسَ. (ثمَّ يحوِّلُ رداءَه، فيجعلُ الأيمنَ على الأيسرِ، والأيسرَ على الأيمنِ) نصًّا، لفعلِه ﵇. رواه أحمدُ وغيرُه (٢) من حديثَ أبي هريرةَ. (ويتركونهُ) أي: الرداءَ محوَّلًا (حتى ينزِعُوه مع ثيابِهم) لأنَّه لثم يُنقلْ عنه ﵇، ولا عن أحدٍ

стр. 495

فإنْ سُقُوا، وإلَّا عادُوا ثانيًا، وثالثًا. ويُسَنُّ: الوقوفُ في أوَّلِ المَطَرِ، والوضوءُ والاغتسالُ مِنه، وإخراجُ رحلِهِ وثيابِه ليُصيبَها. وإن كثُرَ المطرُ حتَّى خِيفَ منُه، سُنَّ قولُ: اللَّهم حَوَالَينا ولا علَينا، اللَّهم من الصَّحابةِ، أنَّهم غيَّروا الأرْدَيةَ حتى عادوا (فإنْ سُقُوا) في أوَّلِ مرةٍ، ففضلٌ من اللهِ ونعمةٌ (وإلا) بأن لم (١) يُسقوا أوَّلَ مرةٍ (عادوا ثانيًا، وثالثًا) صفتانِ لمحذوفٍ، أي: عودًا ثانيًا، وعودًا ثالثًا؛ لأنَّه أبلغ في التضرُّعِ، ولحديثِ: "إنَّ اللهَ يحبُّ المُلحِّين في الدُّعاءِ". وظاهرُه: أنَّه لا يُسنُّ إعادتُه أكثرَ من ذلك. ونقلَ الشيخُ منصورٌ في "شرحه" (٢): قال أَصْبَغُ: استُسقي للنِّيلِ بمصرَ خمسةً وعشرين مرَّةً متواليةً، وحضرَه ابنُ وهبٍ، وابنُ القاسمِ، وجمعٌ (ويُسنُّ: الوقوفُ في أوَّلِ المطرِ، والوضوءُ والاغتسالُ منه، وإخراجُ رَحْلِه) وما يستصحبُ من أثاثٍ (و) إخراجُ (ثيابه؛ لصيبَها) المطرُ؛ لحديثِ أنسٍ: أصابنا ونحن مع رسولِ اللَّه ﷺ مطرٌ، فحسرَ ثوبَه، حتى أصابَه من المطرِ، فقلنا: لمَ صنعتَ هذا؟ قال: "لأنَّه حديث عهدٍ بربِّه". رواه مسلمٌ (٣). (وإنْ كثُرَ المطرُ حتى خِيفَ منه، سُنَّ قولُه: اللهمَّ حَوَالَيْنا ولا علينا، اللهمَّ

стр. 496

على الآَكامِ والظِّرابِ، وبُطُونِ الأوديةِ، ومَنابِتِ الشَّجر، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] الآية. على الآكامِ والظِّرابِ، وبطونِ الأوديةِ، ومنابتِ الشجرِ) لما في الصحيحِ (١) أنَّه ﵇ كان يقولُه. ولا يُصلَّى له. "والآكامُ": كآصالٍ، جمعُ: أُكُمِ، ككُتُبٍ. وكجبالٍ جمعُ: أكَم، كجبلٍ. واحدُها: أكَمَةٌ، وهي: ما علا من الأَرضِ، ولمْ يبلغْ أنْ يكونَ جبلًا، وكان أكثرَ ارتفاعًا مما حولَه. وقال مالكٌ: الجبالُ الصِّغارُ. "والظِّرابُ": جمعُ ظَرِب، بكسرِ الرَّاءِ، أي: الرابيةُ الصغيرةُ. وهو الشيءُ المرتفعُ من الأرضِ دونَ الأكمِ. "وبطونُ الأوديةِ": الأماكنُ المنخفضةُ. "ومنابتُ الشجرِ": أصولُها؛ لأنَّه أنفعُ لها. (﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾) إلى آخر (الآيةَ). وهو منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ. أي: اقرأ الآيةَ؛ لأنَّها تناسبُ الحالَ. فاستُحبَّ قولُها كسائرِ الأقوالِ اللائقةِ بالحالِ. قولُه تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ أي: لا تكلِّفنا من الأعمالِ ما لا نطيقُ. وقيل: هو حديثُ النفسِ والوسوسةُ. وعن إبراهيمَ: هو الحبُّ. وعن محمد بنِ عبدِ الوهابِ: هو العشقُ. وقيل: هو شماتةُ الأعداءِ. وقيل: هو الفُرْقةُ والقطيعةُ. نعوذُ باللهِ منها. ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ أي: تجاوزْ عنا ذنوبَنا ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ أي: استُرْ علينا ذنوبَنا، ولا تفضحْنا، ﴿وَارْحَمْنَا﴾ فإننا لا ننالُ العملَ بطاعتِكَ ولا تركِ معاصيكَ إلا برحمتِكَ ﴿نْتَ مَوْلَانَا﴾ ناصرُنا وحافظُنا.

стр. 497

وسُنَّ قولُ: مُطِرنَا بفَضْلِ اللَّه ورحمتِه. ويحرُمُ: مُطِرنَا بنَوءِ كَذا. ويباح: في نَوءِ كَذا. (وسُنَّ قولُ: مُطرْنا بفضلِ اللهِ ورحمتِه) لأنَّه اعترافٌ بنعمةِ اللهِ. (ويحرُمُ) قولُ: (مُطرْنا بنوءِ) أي: كوكبِ (كذا) لأنَّه كفرٌ لنعمةِ اللهِ. قولُه: "ويحرُمُ بنوءِ كذا" قال القاضي: هل إذا استُعْمِلَتِ "الباء" بمعنى "في" مضى ذلك، أو لا؟ الظاهرُ: المنعُ؛ حسمًا للمادةِ. والنوءُ: النجمُ مال للغروبِ. جمعُ: أنواء. إذا سقطَ النجمُ في المغربِ وطلوعُ الفجرِ مقابله. ويقالُ له: الطالعُ بالفجرِ. وله ثمانيةٌ وعشرون منزلةً. الطالعةُ بالفجرِ، ويقابلُه النوءُ. وعَدُّ ذلك: نوء المقدَّم، نوءُ الصرفةِ. نوء الموخَّر، نوءُ العواء، نوء الرشاء، نوءُ السماكِ، نوءُ الشرطين، نوءُ الغفر، بطين، نوءُ الزبانا (١)، نوءُ الثرياء، نوء الإكليلِ، نوءُ الدبران، نوءُ القلبِ، نوءُ الهقعةِ، نوءُ الشولةِ (٢)، هنعةٌ، نوءُ النعائمِ، ذراعٌ، نوء البلدةِ، نثرة، نوءُ الذابحِ، الطرف، نوءُ بلعٍ، نوءُ الجبهةِ، نوءُ السعودِ، خرثانُ، نوءُ الأخبيةِ (٣). فهذه ثمانية وعشرون منزلةً للقمرِ، ومقابلُها النوءُ للغروبِ. قال في "الإقناع": ولا يُكره قولُ: مُطرْنا في نوءِ كذا. ولو لمْ يقلْ: برحمةِ اللهِ (٤). خلافًا للآمديِّ. وظاهرُ كلامِ صاحبِ "المنتهى": عدمُ الكراهةِ، فإنَّه قال: ويُباحُ في نوءِ كذا (٥).

стр. 498

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأمَّا إضافةُ المطرِ إلى النوءِ دون اللهِ اعتقادًا، فكفرٌ، إجماعًا. قالَهُ في "الإقناع" و"الفروع" وغيرِهما؛ لاعتقادِه خالقًا غيرَ اللهِ (١). قلتُ: العلَّةُ تقتضي الوقايةَ من غيرِ اعتقادِ ذلك لا يكفر (٢)؛ لأنَّه لا يقتضي الإضافةَ للنوءِ. ومَنْ رأى سحابًا، أوهبَّتْ ريحٌ، سألَ اللهَ خيرَه، وتعوَّذَ من شرِّه. ولا سألَ سائلٌ، ولا تعوَّذَ متعوِّذٌ بمثلِ المعوذتين. ولا يسبُّ الريحَ العاصفةَ. وإذا سمِعَ الرعدَ، تركَ الحديثَ، وقال: سبحانَ مَنْ يسبِّحُ الرعدُ بحمدِه، والملائكةُ من خيفتِه. ولا يُتبعُ بصرَهُ البرقَ؛ للنهيِّ عنه. ويقولُ إذا انقضَّ كوكبٌ: ما شاءَ اللهُ، لا قوةَ إلا باللهِ. وإذا سمِعَ نهيقَ حمارٍ أو نُباحَ كلبٍ: استعاذَ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ. وإذا سمِعَ صياحَ الديكةِ، سألَ اللهَ من فضلِه. وقوسُ قُزح أمانٌ لأهلِ الأرضِ من الغَرقِ، كما في الأثرِ (٣)، وهو من آياتِ اللهِ (٤). * * *

стр. 499

كتابُ الجَنَائزِ يُسنُّ الاستعدادُ للموتِ، والإكثارُ مِن ذكرِه. ويُكْرَهُ الأنينُ، وتَمنِّي الموتَ، إلَّا لِخَوفِ فِتنَةٍ. وتُسنُّ: عيادةُ المريضِ المسلِمِ، (كتابُ الجنائزِ) بفتحِ الجيمِ، جمعُ جِنازَةٍ، بكسرِها، والفتحُ لُغَةٌ: اسمٌ للميتِ، أو للسَّريرِ عليه ميتٌ. فإنْ لمْ يكنْ عليه ميتٌ، فلا يقالُ: نَعْشٌ، ولا جِنازةٌ، بل سريرٌ. مضتقَّةٌ من جَنَزَ، من بابِ ضربَ: إذا سَتَرَ. (يُسنُّ الاستعدادُ للموتِ) بالتوبةِ من المعاصي، والخروجِ من المظالمِ (و) يُسنُّ (الإكثارُ من ذِكرِه) أي: الموتِ؛ لحديثِ: "أكثروا من ذكرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ". أي: الموتِ، بالذَّالِ المعجمةِ. (ويُكره الأنينُ) لأنَّه يترجمُ عن الشَّكوى، ما لمْ يغلبْه. (و) يُكره (تمنِّي الموتِ) نزلَ به ضرٌّ، أم لا. وحديثٌ: "لا يتمنينَّ أحدُكم الموتَ من ضرٍّ أصابَه، فإن كان لابدَّ فاعلًا، فليقلْ: اللهمَّ أحيني ما كانتِ الحياةُ خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانتِ الوفاةُ خيرًا لي". متفقٌ عليه (١). جَزيٌ على الغالبِ. ولا يُكره: إذا أردتَ بعبادِك فتنةً، فاقبضني إليك غيرَ مفتونٍ". ولا تمني الشَّهادةِ (إلا لخوفِ فتنةٍ) فلا يُكره. (وتُسنُّ عيادةُ المريضِ المسلمِ) لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "خمسٌ تجبُ

стр. 500

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . للمسلمِ على أخيه: ردُّ السَّلامِ، وتشميتُ العاطسِ، وإجابة الدعوةِ، وعيادة المريضِ، واتِّباعُ الجنازةِ". متفقٌ عليه (١). وتحرُمُ عيادة ذميِّ. و"المسلمِ": غيرُ مبتدعٍ (٢) يجب هجزه كرافضيٍّ - قال في "النوادر": وتحرُمُ عيادته - أو يُسنُّ هجرُه، كمتجاهرٍ بمعصيةٍ، فلا تُسنّ عيادتُه إذا مرِضَ؛ ليرتدعَ ويتوبَ. وعُلِمَ منه: أنَّ غيرَ المتجاهرِ بمعصيةٍ يعادُ. والمرأة كرجلٍ مع أمنِ الفتنةِ. وتشرعُ العيادة في كلِّ مرضٍ حتى الرَّمد، ووجعِ الضرسِ، والدّمَّلِ. خلافًا لأبي المعالي. وحديث: "ثلاثةٌ لا يُعادُون .. " (٣). غيرُ ثابتٍ. وفي "نوادر ابنِ الصيرافيِّ": نقلَ عن إمامِنا ﵀، ورضي اللَّه عنه، أنَّه قال له ولدُه: يا أبتِ، إنَّ جارَنا فلانًا مريضٌ، فما نعودُه؟. قال: يا بني ما عادَنا فنعودُه (٤). ويكون غبًّا، وتكونُ العيادةُ من أوَّلِ المرضِ، وتكونُ بكرةً وعشيًا. قال أحمدُ عن قربِ وسطِ النهارِ: ليس هذا وقتَ عيادةٍ. وتكونُ في رمضانَ ليلًا؛ لأنَّه أرفقُ بالعائدِ. ويُسنّ لعائدٍ تذكيرُه التوبةَ، وهي واجبةٌ على كلِّ أحدٍ من كلِّ ذنبٍ، وفي كلِّ وقت.

стр. 501

وتَلِقينُه عندَ موتِه: لا إله إلا اللَّه مرَّةً، ولم يَزِدْ إلَّا أن يتكلَّم، ولا يجبُ التداوي من مرضٍ، ولو ظنَّ نفعَه؛ إذ النافعُ في الحقيقةِ والضارُّ هو اللهُ تعالى. والدَّواءُ لا ينجحُ بذاتِه. وتركُه أفضلُ. ويحرُمُ الدواءُ بمحرَّمٍ من مأكولٍ وغيرِه. ويُباحُ كَتْبُ قرآنٍ بإناءٍ، وكَتْبُ ذكرٍ بإناءٍ، لحاملٍ، لعسرِ الولادةِ. ولمريضٍ، ويُسقَيانِه للحاملِ والمريضِ. وتحرُمُ التَّميمةُ، وهي خَرَزةٌ تُعلَّقُ. (و) سُنَّ (تلقينُه عند موته) أي: وقتَ موتِه. وأُطلِقَ على المحتَضَرِ ميتٌ؛ لأنَّه واقعٌ به لا محالةَ (لا إله إلا اللَّه) لحديثِ أبي سعيدٍ مرفوعًا: "لقِّنوا موتَاكم: لا إله إلا اللهُ" (١). وعن معاذٍ مرفوعًا: "مَنْ كان آخرُ كلامِه: لا إله إلا اللَّه، دخلَ الجنةَ". رواه أحمدُ، وصحَّحه الحاكمُ (٢). واقتصرَ عليها؛ لأنَّ إقرارَه بها إقرارٌ بالأخرى. قال في "الفروع": ويتوجَّهُ احتمالٌ بأنْ يلقِّنَهُ الشهادتين. كما ذكرَهُ جماعةٌ من الحنفيةِ والشافعيةِ؛ لأنَّ الثانيةَ تبعٌ، فلهذا اقتصرَ في الخبرِ على الأُولى (٣). فائدةٌ: قال أبو المعالي: يُكره تلقينُ الورثةِ للمحتَضَرِ بلا عُذرٍ (مرةً) نصًّا. واختارَ الأكثرُ ثلاثًا. (ولمْ يزدْ) على ثلاثٍ (إلا أنْ يتكلَّمَ) بعدَ الثَّلاثِ، فيعيدُ التلقينَ؛ ليكونَ آخرُ كلامِه: لا إله إلا اللهُ. ويكونُ برفقٍ؛ لأنَّه مطلوبٌ في كلِّ شيءٍ، وهذا أَوْلى به.

стр. 502

وقراءة "الفاتحة" و"يس"، وتَوجيهُهُ إلى القِبلَة على جنبِه الأَيمنِ مع سَعَةِ المكان، وإلَّا فعَلَى ظَهرِه. فإذا ماتَ، سُنَّ تغميضُ عينَيْهِ، (و) سُنَّ (قراءةُ الفاتحةِ، و) تُسنُّ (يس. و) سُنَّ (توجيهُه إلى القبلةِ على جنبِه الأيمنِ) لحديثِ أبي قتادةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قدِمَ المدينةَ، فسألَ عن البراءِ بنِ معرورٍ، فقالوا: تُوفي وأوصى بثلثِه لكَ، وأنْ يوجَّهَ إلى القبلةِ لما احتُضِرَ. فقال ﷺ : "أصابَ الفطرةَ، وقد رددتُ ثلثَه على ولدِه". ثمَّ ذهبَ وصلَّى عليه. أخرجه الحاكمُ (١) وصحَّحه. وقال: لا أعلمُ في توجيهِ المحتَضَرِ إلى القبلةِ غيرَهُ. ورُويَ أنَّ حذيفةَ أمرَ أصحابَهُ عندَ موتِه أنْ يوجِّهوهُ إلى القبلةِ (٢). ورُويَ عن فاطمةَ كذلك (٣). هذا (مع سَعةِ المكانِ) لتوجيهه على جنبِه (وإلا) يتسع المكانُ لذلك، بل ضاقَ عنه (فـ) يُلْقى (على ظهرِه) وأخمصاه إلى القبلةِ، كوضعِه على المُغْتسلِ. زادَ جماعةٌ: ويرفعُ رأسُه قليلًا؛ ليصيرَ وجهُه إلى القبلةِ، دونَ السماءِ. (فإذا ماتَ سُنَّ تغميضُ عينيه) لأنَّه ﵇ أغمضَ أبا سلمةَ، وقال: "إنَّ الملائكةَ يؤمِّنونَ على ما تقولون". رواه مسلمٌ (٤). ولئلا يَقبُحَ منظرُه، ويُساءَ به الظنُّ.

стр. 503

وقولُ: بسم اللَّه، وعلى وفَاةِ رسولِ اللَّه. ولا بأسَ بتقبيلِه، والنظرِ إليه، ولو بعد تكفِينِه. (وقولُ: بسمِ اللهِ، وعلى وفاةِ رسولِ اللهِ) نصًّا؛ لما رواه البيهقيُّ (١) عن بكرِ بنِ عبدِ اللهِ المزنيِّ، ولفظُه: على ملةِ رسولِ اللهِ. (ولا بأسَ بتقبيلِه) أي: الميتِ (والنظرِ إليه) ممَّنْ يُباحُ له ذلك في الحياةِ (ولو بعدَ تكفينِه) نصًّا؛ لحديثِ عائشةَ: رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقبِّلُ عثمانَ بنَ مظعونٍ، وهو ميتٌ، حتى رأيتُ الدُّموعَ تسيلُ (٢). صحَّحه في "الشرح".

стр. 504

فَصْلٌ وغَسْلُ المَيِّتِ فَرضُ كِفَايَةٍ. وشُرِطَ في المَاءِ: الطَّهُوريَّةُ والإباحَةُ. وفي الغاسِلِ: الإسلامُ، والعَقلُ والتَّميِيزُ. (فصلٌ) (وغَسْلُ الميتِ) مرَّةً واحدةً، أو يُيَمَّمُ لعذرٍ (فرضُ كفايةٍ) إجماعًا. على كلِّ مَنْ عرفَ به وأمكنَهُ؛ لقولِه ﵇ في الذي وَقَصَتْهُ راحِلَتُه: "اغسلُوه بماءٍ وسِدْرٍ، وكفِّنوه في ثوبيه". متفقٌ عليه (١) من حديثِ ابنِ عباسٍ. وهو حقٌّ للهِ، فلو أوصى بإسقاطِه، لمْ يسقطْ، وإن لمْ يعلمْ به إلا واحدٌ، تعيَّن عليه. (وشُرِطَ في الماءِ) لصحةِ غسلِه: (الطهوريَّةُ والإباحةُ) كباقي الأغسالِ (و) شُرِطَ (في الغاسلِ) ثلاثةُ شروطٍ: (الاسلامُ) لاعتبارِ نيَّتِه. ولا تصحُّ من كافرٍ. (و) الثاني: (العقلُ) لأنَّ غيرَ العاقلِ ليس أهلًا للنيةِ. (و) الثالثُ: (التمييزُ) فلا يصحُّ ممَّنْ دون التمييزِ، ولا يُشترطُ بلوغُه؛ لصحةِ غُسلِه لنفسِه. قال في "الفروع" (٢): فدلَّ أنَّه لا يكفي من الملائكةِ، وهو ظاهرُ كلامِ الأكثرِ.

стр. 505

والأفضلُ: ثِقةٌ عَارفٌ بأحكَامِ الغَسْلِ. والأَولى به وصيُّهُ العَدلُ. وإذا شَرَعَ في غَسلِهِ، سَتَر عورَتَه وُجُوبًا، وفي "الانتصار": يكفي إنْ عَلِمَ. وكذا في "تعليق" القاضي، واحتجَّ بغَسْلِهم لحنظلَةَ (١)، وبغَسْلِهم لآدمَ ﵇ (٢)، وبأنَّ سعدًا لما ماتَ، أسرعَ النبيُّ ﷺ في المشي إليه، فقيلَ له؟ فقال: "خشيتُ أن تسبِقَنا الملائكةُ إلى غَسلِه، كما سبقتْنا إلى حنظلةَ" (٣). قال في "الفروع": ويتوجه في مسلمي الجنِّ كذلك وأَوْلى؛ لتكليفِهم. (والأفضلُ) أنْ يُختارَ لغَسلِه (ثقةٌ عارفٌ بأحكامِ الغَسْلِ) احتياطًا له. (والأَوْلى به) أي: بغَسْل الميتِ (وصيُّه العدلُ) لأنَّ أبا بكرٍ أوْصى أن تغسلَهُ امرأتُه أسماءُ (٤). وأنسٌ أوصى أنْ يغسلَه محمدُ بنُ سيرينَ (٥). ولأنَّه حقٌّ للميتِ، فقُدِّمَ فيه وصيُّه على غيرِه. (وإذا شرَعَ في غَسْلِه سترَ عورتَه) أي: الميتِ (وجوبًا) لحديثِ عليٍّ: "لا تُبْرِزْ فخِذَكَ، ولا تنظرْ إلى فخذِ حيٍّ ولا ميِّتٍ". رواه أبو داودَ (٦). وهذا فيمَنْ له سبعُ

стр. 506

ثُمَّ يَلُفُّ علَى يدِهِ خِرقَةً فينُجِّيْهِ بِها. ويَجِبُ غَسلُ ما بِه منْ نَجَاسَةٍ. ويحرُمُ مسُّ عورةِ مَن بَلَغَ سبعَ سِنين. وسُنَّ أن لا يمسَّ سائرَ بدَنِه إلا بِخِرْقَةٍ. وللرَّجُل أن يُغسِّلَ زوجَتَه، وأمتَه، وبنتَ دُونِ سَبْعٍ. وللمرأةِ غَسْلُ سنين فأكثرَ، كما تقدَّمَ توضيحُه. وعورةُ ابنِ سبعٍ إلى عشرٍ، الفرجانِ. ومَنْ فوقَه وبنتُ سبعٍ فأكثرَ، ما بين سرةٍ وركبةٍ، كما تقدَّمَ. (ثمَّ يَلُفُّ) الغاسلُ (على يدِهِ خرقةً فيُنَجِّيه) أي: الميتَ (بها) أي: الخِرقةِ، كما يُسنُّ بُداءةُ حيِّ بالحجرِ ونحوِه، قبلَ الاستنجاءِ بالماءِ (ويجبُ غَسْلُ ما به من نجاسةٍ) أي: الميتِ؛ لأنَّ المقصودَ بغسلِه تطهيرُه حسبَ الإمكانِ. وظاهرُه: ولو بالمخرجِ، فلا يجزئُ فيها الاستجمارُ. وفي "مجمع البحرين": إنْ لمْ يَعْدُ الخارجُ موضعَ العادةِ، فقياسُ المذهبِ: يجزئُ فيه الاستجمارُ (ويحرُمُ) على الغاسلِ (مسُّ عورةِ مَنْ بلغَ سبعَ سِنين) لأنَّ اللَّمسَ أعظمُ من النظرِ. قال في "الإقناع": ولا النظرُ إليها (١). والمرادُ: ما بين سرَّتِه وركبتِه (وسُنَّ أن لا يمسَّ) الغاسلُ (سائرَ بدنِه) أي: جميعَ بدنِه، أو باقي بدنِه؛ على الخلافِ الذي فيها. فحينئذٍ يعدُّ الغاسلُ ثلاثَ خِرَقٍ؛ خِرْقتين للسَّبيلين، والثالثةَ لبقيةِ بدنِه. أو خِرْقتين؛ إحداهما للسَّبيلين، والأخرى لبقيةِ بدنِه. ولهذا قالَ: (إلا بخِرْقة) قال في "شرحه" (٢) التقي الفتوحي: لفعلِ عليٍّ مع النبيِّ ﷺ . (وللرَّجلِ أنْ يُغسِّلَ زوجتَه، وأمتَه، وبنتَ دونِ سبعِ) سنينَ (وللمرأةِ غَسْلُ

стр. 507

زوجِها، وسيِّدِهَا، وابنِ دُونِ سَبعٍ. وحُكمُ غَسْلِ الميِّت فيما يَجبُ ويُسنّ، كغُسلِ الجنابَةِ، لكنْ لا يُدخِلُ الماءَ في فَمِهِ وأنفِه، بل يأخذُ خِرقةً مبلُولةً فيمسحُ بها أسنَانَه ومَنْخِرَيهِ. ويُكره الاقتصارُ في غَسلِه على مرَّةٍ إن لم يَخرُجْ منه شيءٌ، فإن خرجَ وجَبَ إعادةُ الغَسلِ إلى سَبعٍ، فإن خَرَجَ بعدَها حُشِيَ بقُطْنٍ، زوجِها، وسيِّدِها، وابنِ دونِ سبعِ) سنين؛ لأنَّه لا حكمَ لعورتِه. قال ابنُ المنذرِ: أجمعَ كلُّ مَنْ يُحفظُ عنه، أنَّ المرأةَ تُغسِّلُ الصبيَّ الصغيرَ من غيرِ سترةٍ، وتمسُّ عورتَه، وتنظرُ إليها. فإنَّ ابنَه ﵇، غسَّلَه النساءُ. (وحكمُ غَسْلِ الميتِ فيما يجبُ ويُسنَّ، كغُسْلِ الجنابةِ) وهو أنْ ينويَ الغاسلُ غَسْلَه؛ لأنَّه طهارةٌ تعبُّديةٌ، أشبَه غُسلَ الجنابةِ. ويسمِّي وجوبًا، وتسقطُ سهوًا، كغُسلِ الحيِّ (لكنْ لا يُدخِلُ الماءَ) الغاسلُ (في فمِه، و) لا في (أنفِه) أي: الميتِ؛ خشيةَ تحريكِ النجاسةِ بدخولِ الماءِ في جوفِه (بل) يُسنُّ أنْ يأخذَ بعد غسلِ كفيِّ الميتِ ثلاثًا (يأخذُ خِرْقةً مبلُولةً) بماءٍ بين شَفَتَيه، (فيمسحُ بها أسنانَه، و) يُدخلُهما (مَنْخِريهِ) فينظِّفُهما، فيقومُ مقامَ المضمضةِ والاستنشاقِ؛ لحديثِ: "إذا أمرتُكم بأمير فأتوا منه ما استطعتُمْ". (ويُكره الاقتصارُ في غَسْلِه على مرَّةٍ) واحدةٍ؛ لأنَّه لا يحصلُ بها كمالُ النظافةِ، بخلافِ الحيِّ (إنْ لمْ يخرجْ منه شيءٌ) أي: من الميتِ بعد المرَّةِ، فإنْ خرجَ، حرُمَ الاقتصارُ عليها، بل ما دام يخرجُ إلى السبعِ. ولهذا قال: (فإنْ خرجَ، وجبَ إعادةُ الغَسْلِ إلى سبعِ) مراتٍ (فإن خرجَ بعدَها) أي: بعد السبعِ (حُشِيَ) مخرجُه (بقطنٍ) يمنعُ الخارجَ. وقال جمعٌ: يُلجمُ المحلُّ بقُطنٍ، فإنْ لمْ يمتنعْ

стр. 508

فإن لم يَستَمسِك فبِطِينٍ حُرٍّ، ثم يَغسِلُ المَحَل، ويُوضَّأُ وجوبًا، ولا غَسْلَ. وإن خرَجَ بعدَ تكفينِه، لم يُعَدِ الوُضوءُ ولا الغَسْلُ. وشهيدُ المعرَكةِ، حشاه، (فإنْ لمْ يَستَمسِكْ) خارجٌ مع حشوٍ بقُطنٍ (فـ) ــإنَّه يُحشى (بطينٍ حُرٍّ) أي: خالصٍ؛ لأنَّ فيه قوةً تمنعُ الخارجَ (ثمَّ يَغسلُ المَحَلَّ) المتنجسَ بالخارجِ وجوبًا. (ويُوضَّأ) ميتٌ (وجوبًا) كجنبٍ أحدثَ بعد غُسلِه؛ لتكونَ طهارةً كاملةً (ولا غَسْلَ) ثانيًا. (وإنْ خرجَ) منه شيءٌ قليلٌ أو كثيرٌ (بعدَ تكفينِه، لم يُعَدِ الوضوءُ ولا الغَسْلُ) لما في ذلك من المشقَّةِ بالاحتياجِ إلى إخراجِه من الكفنِ، وإعادةِ غَسلِه، وتطهيرِ أكفانِه، وتجفيفِها، أو إبدالِها، ثمَّ لا يُؤمَنُ أن يخرجَ شيءٌ بعد ذلك. (وشهيدُ المعركةِ) وهو مَنْ ماتَ بسببِ قتالِ الكفارِ وقتَ قيامِ القتالِ، فلا يُغسَّلُ، لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩]. والحيُّ لا يُغسَّلُ. وقال ﵇ في قتلى أحدٍ: "لا تُغسِّلوهم، فإنَّ كلَّ جرحٍ، أو كلَّ دمٍ، يفوحُ مسكًا يومَ القيامةِ" ولمْ يصلِّ عليهم. رواه أحمدُ (١). وهذه العلَّةُ توجدُ في غيرِهم، فلا يقالُ: إنَّه خاصٌّ بهم. وسُمِّيَ شهيدًا؛ لأنَّه حيٌّ، أو لأنَّ اللهَ وملائكتَه يشهدون له بالجنةِ، أو لقيامِه بشهادةِ الحقِّ حتى قُتِلَ، ونحوُه مما قيلَ فيه. والشهيدُ على ثلاثةِ أقسامٍ: شهيدٌ في الدنيا، وهو المقتولُ في المعركةِ مُرَائيًا

стр. 509

والمقتولُ ظلمًا، ونحوه. وشهيدٌ في الآخرةِ فقط، وهو من أثبتَ له الشارعُ الشهادةَ، ولمْ تجر عليه أحكامُها في الدنيا، كالغريقِ ونحوِه - واحترزَ بشهيدِ المعركةِ (١) عن غيرِه، فإنَّه يُغسَّلُ - كالمطعونِ، والمبطونِ، والغريقِ، والحريقِ، وصاحبِ الهدمِ، وذاتِ الجنبِ والسلِّ، وصاحبِ اللَّقوةِ (٢)، والصابرِ في الطَّاعونِ، والمتردِّي من رؤوسِ الجبالِ، ومَنْ ماتَ في سبيلِ اللهِ، ومَنْ طلبَ الشهادةَ بنيةٍ صادقةٍ، وموتِ المرابطِ، وأُمناءِ اللهِ في الأرضِ، والنفساءِ، واللَّديغِ، ومَنْ قُتِلَ دون مالِه أو أهلِه أو دينِه، والعاشقِ إذا عفَّ وكتمَ، وموتِ الغريبِ (٣). ولابنِ ماجه (٤) من روايةِ إبراهيمَ بنِ أبي يحيى، وهو ضعيفٌ، عن موسى بنِ أبي وردانَ، عن أبي هريرةَ مرفوعًا: "مَنْ ماتَ مريضًا، ماتَ شهيدًا". ذكَرَه في "الفروع" (٥). (والمقتولُ ظلمًا) كمَنْ قتلَه نحوُ لصٍّ، أو أُريدَ منه الكفرُ، فقتلَ دونه، أو أُريدَ على نفسِه أو مالِه أو حرمتِه، فقاتلَ دون ذلك فقتِلَ؛ لحديثِ سعيدِ بنِ زيدٍ مرفوعًا: "مَنْ قُتِلَ دون دشِه فهو شهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دون دمِه فهو شهيدٌ، ومَنْ قتِلَ دون مالِه فهو شهيدٌ، ومَنْ قتِلَ دون أهلِه فهو شهيدٌ". رواه أبو داودَ، والترمذيُّ (٦) وصحَّحه.

стр. 510

لا يُغسَّلُ، ولا يُكفَّنُ، ولا يُصلَّى عليه. ويجبُ بقاءُ دمِهِ عليِه، ودفنه في ثيابِه. وإن حُمِلَ فأكلَ، أو شَرِبَ، أو نامَ، أو تكلَّم، أو عَطَسَ، أو طالَ بقاؤُه عُرفًا، أو قُتِلَ وعليه ما يُوجِبُ الغُسلَ من نَحوِ جنابَةٍ، ولأنَّهم مقتولون بغيرِ حقٍّ، أشبهوا قتلى الكفارِ، فلا يُغسَّلون، بخلافِ نحوِ المطعونِ، والمبطونِ، والغريقِ، ونحوِهم. (لا يُغسَّلُ، ولا يكفَّنُ، ولا يُصلَّى عليه) ولو كانا أنثيَيْنِ، أو غيرَ مكلَّفَينِ. فيُكرَهُ تغسيلُ شهيدِ معركةٍ، ومقتولٍ ظلمًا. وقيل: يحرمُ. وجزمَ به في "الإقناع". ولا يُوضَّئانِ حيثُ (١) لا يُغسَّلانِ، ولو وجبَ عليهما الوضوءُ قبلُ. (ويجبُ بقاءُ دمِه) أي: الشهيدِ (عليه، ودفنُه في ثيابِه) لأمرِه ﵇ بدفنِ شهداءِ أحدٍ بدمائِهم (٢). ولا يُزادُ ولا يُنقَصُ في ثيابِه، قال في "الإقناع": ظاهرُه: ولو كانت حريرًا. قال في "المبدع": ولعلَّه غيرُ مراد (٣). وإذا كان عليه نجاسةٌ، فإنَّها تُغْسلُ، فإنْ لمْ تَزُلِ النجاسةُ إلا بالدَّمِ، غُسِلَ الدمُ والنجاسةُ؛ لأنَّ دفعَ المفسدةِ، وهو غَسْلُ النجاسةِ، أَوْلى من جلبِ المصلحةِ، وهو إبقاءُ أثرِ العبادةِ. (وإنْ حُمِلَ) مَنْ جَرَجَه العدوُّ ونحوُه (فأكَلَ، أو شرِبَ، أو نامَ، أو تكلَّم، أو عطَسَ، أو طالَ بقاؤُه عُرْفًا) غُسِّلَ، وصُلِّي عليه وجوبًا (أو قُتِلَ وعليه ما يوجبُ الغُسلَ من نحوِ جنابةٍ) وحيضٍ ونفاسٍ، أو إسلام؛ لأنَّ الغُسْلَ وجبَ لغيرِ الموتِ،

стр. 511

فهو كَغَيرِه. وسِقْطٌ لأربعةِ أشهُرٍ، كالمولُودِ حيًّا. ولا يُغسِّل مُسلمٌ كافرًا، ولو ذِميًّا، ولا يُكفنه، ولا يصلِّي عليه، ولا يتَّبعُ جَنَازتَه، بل يُوارَى لعدَمِ من يواريه. فلمْ يسقطْ به، كغَسْلِ النجاسةِ (فهو كغيرِه) يُغسَّلُ، ويُصلَّى عليه (وسِقْطُ لأربعةِ أشهرٍ) فأكثرَ (كالمولودِ حيًّا) يُغسَّلُ ويُصلَّى عليه. نصًّا؛ لحديثِ المغيرةِ مرفوعًا: "والسِّقْطُ يصلَّى عليه" رواه أبو داودَ والترمذيُّ (١). وفي رواية الترمذيِّ: "والطِّفلُ يُصلَّى عليه". وقال: حسنٌ صحيحٌ. وذكرَهُ أحمدُ (٢)، واحتجَّ به. وتُستحبُّ تسميتُه، فإنْ جُهِلَ أذكرٌ أم أُنثى، سُمِّيَ بصالحٍ لهما، كهبةِ اللهِ، وطلحةَ. قالَهُ في "الإقناع" (٣). (ولا يُغسِّلُ مسلم كافرًا) للنهي عن موالاةِ الكافرِ، ولأنَّ فيه تعظيمًا وتطهيرًا له، فلم يجزْ، كالصَّلاةِ عليه (ولو ذميًّا) أي: ولو كان ذميًّا. (ولا يُكفِّنُه، ولا يُصلِّي عليه، ولا يتبعُ جنازتَه) لقولِه تعالى: ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ١٣]. (بل يُوارَى لعدمِ مَنْ يواريه) من الكفارِ، كما فُعِلَ بكفارِ بدرٍ؛ وارَوهم (٤) بالقليب. ولا فرقَ بين الحربيِّ والذميِّ والمستأمنِ والمرتدِّ في ذلك؛ لأنَّ تركَها مثلةٌ به، وقدْ نُهيَ عنها. وكذا كلُّ صاحبِ بدعةٍ مكفِّرةٍ، فإنَّه يُوارى ولا يُغسَّلُ، ولا يكفَّنُ، ولا يصلَّى عليه، ولا تُتَّبعُ جنازتُه.

стр. 512

فَصْلٌ وتكفينُهُ فرضُ كِفاية. والواجبُ سترُ جميعِه - سِوَى رأسِ المُحرِمِ، ووجهِ المُحرِمَةِ - بثَوبٍ لا يصفُ البَشَرةَ، ويجِبُ أن يكونَ مِنْ مَلبوسِ مِثلِهِ، ما لم يُوصِ بدُونهِ. والسُّنَّةُ تكفينُ الرَّجلِ في ثلاثِ لَفائِفَ بيضٍ، مِنْ قُطْنٍ، (فصلٌ) (وتكفينُه فرضُ كفايةٍ) على مَنْ علِمَ به؛ لقولِه ﵇ في خبرِ ابنِ عباسٍ: "وكفِّنُوه في ثوبيه" (١) (والواجبُ سترُ جميعِه) أي: جميعِ بدنِ الميتِ. تنبيهٌ: لو وصَّى أنْ لا يُكفَّنَ، لمْ يُعملْ بوصيتِه. وكذا لووصَّى بما لا يسترُ جميعَه (سوى رأسِ المُحرِمِ، ووجه المُحرِمةِ، بثوبٍ) واحدٍ (لا يصفُ البشرة) لأنَّ ما يصفُها غير ساترٍ؛ فوجودُه كعدمِه (ويجبُ أنْ يكونَ من ملبوسِ مثلِه) أي: الميتِ في الجُمَعِ والأعيادِ؛ لأنَّه لا إجحافَ فيه على الميتِ، ولا على ورثتِه. ومحلُّه: ما لمْ يكنْ ملبوسُ مثلِه مما يحرمُ التكفينُ فيه، كالمذهَّبِ والحريرِ، أو يُكره كالصوفِ، فإنَّه لا يتعينُ. ويكفنُ في غيرِه مما يقاربُه قيمةً (ما لم يوصِ) ميتٌ (بدونِه) أي: ملبوسِ مثلِه؛ لأنَّ الحقَّ له، وقدْ تركَه. (والسُّنَّةُ: تكفينُ الرَّجلِ في ثلاثِ لفائفَ بيضٍ، من قُطنٍ) لحديثِ عائشةَ،

стр. 513

تُبسَطُ على بعضِهَا، ويُوضَعُ عليهَا مُستَلقِيًا، ثمَّ يَردُّ طَرَفَ العُليَا مِنَ الجانِبِ الأيسَرِ على شِقِّه الأيمَن، ثمَّ طرَفَها الأيمنَ على الأيسَرِ، ثم الثانيةَ، ثم الثالِثةَ كذلِكَ. والأُنثى في خَمسَةِ أثوابٍ بيضٍ من قُطْنٍ: إزارٍ، وخِمَارٍ، وقَميصٍ، ولِفافَتين. والصبيُّ في ثَوبٍ، ويُباحُ قالت: كُفِّنَ النبيُّ ﷺ في ثلاثةِ أثوابٍ بيض سَحُوليَّةٍ، جُددٍ يمانيةٍ، ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ، أُدرِجَ فيها إدراجًا. متفقٌ عليه (١). زادَ مسلمٌ في روايةٍ: وأما الحُلَّةُ، فاشتَبَه على الناسِ فيها أنَّها اشترِيتْ ليكفَّنَ فيها، فتُرِكتِ الحُلَّةُ، وكفِّنَ في ثلاثةِ أثوابٍ بيضٍ سَحُوليَّةٍ (تُبسطُ على بعضِها) واحدةً فوقَ أخرى (ويُوضعُ) الميتُ (عليها) أي: اللفائفِ مبسوطةً (مُسْتلقيًا) لأنَّه أمكنُ لإدراجِه فيها. ويجبُ سترُه حالَ حملِه بثوبٍ. ويُوضعُ متوجِّهًا ندْبًا. (ثمَّ يردُّ طرَفَ) اللَّفافةِ (العليا من الجانبِ الأيسرِ) للميِّتِ (على شِقِّهِ الأيمن، ثمَّ) يردُّ (طرَفَها) أي: اللَّفافةِ العليا (الأيمنَ على) شقِّ الميِّتِ (الأيسرِ) كعادةِ الحيِّ (ثمَّ) يردُّ اللَّفافةَ (الثانيةَ) كذلك (ثمَّ) يردُّ (الثالثة كذلك) فيدرجُه فيها إدراجًا. (و) سُنَّ تكفينُ (الأنثى) والخنثى (في خمسةِ أثوابِ بيضٍ من قُطنٍ) تكفَّن فيها، وهو (إزار، وخِمار، وقميص، ولفافتين). قال ابنُ المنذرِ: أكثرُ مَنْ يُحفظُ عنه من أهلِ العلمِ، يرى (٢) أنْ تُكفَّنَ المرأةُ في خمسةِ أثوابٍ. (و) سُنَّ تكفينُ (الصبيِّ في ثوبٍ) واحدٍ؛ لأنَّه دون الرَّجلِ. (ويُباحُ) أنْ يُكفَّنَ

стр. 514

في ثلاثَةٍ. والصغيرةُ في قَميصٍ ولِفافَتين. ويُكرَهُ التكفينُ بشَعْرٍ، وصُوفٍ، ومُزَعفَرٍ، ومُعَصفَرٍ، ومنقُوشٍ. ويحرُمُ بجلدٍ، وحَريرٍ، ومُذَهَّبٍ. صبيٌّ (في ثلاثةِ) أثوابٍ ما لمْ يرثه غيرُ مكلَّفٍ (و) سُنَّ تكفينُ (الصغيرةِ في قميصٍ ولفافتين) بلا خمارٍ. ولا بأسَ باستعدادِ الكفنِ لحِلِّ، أو عبادةٍ فيه. قيلَ لأحمدَ: يصلِّي أو يحرمُ فيه، ثمَّ يغسلُه ويضعُه لكفنِه؟ فرآه حسنًا. ويحرُمُ دفنُ حليٍّ وثيابٍ مع ميتٍ غيرِ كفنِه، وتكسيرُ أوانٍ ونحوِه؛ لأنَّه إضاعةُ مالٍ. ويُجمعُ في ثوبٍ واحدٍ لم يوجد غيرُه ما أمكنَ من موتى؛ لخبرِ أنسٍ في قتلى أحدٍ (١). (ويُكرَهُ التكفينُ بشعرٍ، وصوفٍ، و) يُكرَهُ بـ (مزعفرٍ، ومعصفرٍ، ومنقوشٍ) ولو لامرأةٍ؛ لأنَّه لا يليقُ بالحالِ (ويحرمُ) التكفينُ (بجلدِ) لأمرِه ﷺ ينزعِ الجلودِ عن الشهداءِ (٢). (و) يحرُمُ التكفينُ في (حريرٍ ومُذَهَّبٍ) ومفضَّضٍ إلَّا لضرورة؛ بأن عُدِمَ ثوبٌ يسترُ جميعَه غيرُه، فيتعيَّن؛ لأنَّ الضرورةَ تندفعُ به، ويحرُمُ عند عدمِ الضرورةِ في شيءٍ من ذلك، ذكرًا كان الميت أو أنثى؛ لأنَّه إنَّما أُبيحُ لها حالَ الحياةِ؛ لأنَّها محلُّ زينةٍ وشهوةٍ، وقد زالَ ذلك بموتِها. ومتى لمْ يوجدْ ما يستُرُ الميِّتَ جميعَه، سُتِرَ عورتُه، كالحيِّ. ثمَّ إنْ فضلَ شيءٌ

стр. 515

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . من عورتِه، سُتِرَ به رأسُه، لشرفِهِ، وجُعِلَ على باقيه حشيشٌ، أو ورقٌ، لحديثِ البخاريِّ (١): أنَّ مصعبًا قُتِلَ يومَ أحدٍ، فلمْ يُوجدْ له شيءٌ يُكفَّنُ فيه إلا نمِرَةً، فكانت إذا وُضِعَتْ على رأسِه، بدتْ رجلاه، وإذا وُضِعَتْ على (٢) رجلَيْه، خرجَ رأسُه، فأمَرَ النبيُّ ﷺ أن يُغطَّى رأسُه، ويُجعَلَ على رجلَيْه الإذخِرُ. وسُنَّ تغطيةُ نعشٍ، وكُرِه أنْ يُغطَّى بغيرِ أبيضَ، كأحمرَ وأسودَ. ويحرُمُ بمُذَهَّبٍ ومفضَّضٍ وحريرٍ. وكُرِهَ تخريقُ الكفنِ؛ لأنَّه إفسادٌ وتقبيحٌ للكفنِ، مع الأمرِ بتحسينِه. قال أبو الوفاءِ: ولو خِيفَ نبشُه. وجوَّزه أبو المعالي مع خوفِ نبشِه. فائدةٌ: الحنوطُ والطيبُ مستحبٌّ، ولا بأس بالمسكِ فيه، نصَّ عليه. وقيل: يجبُ الحنوطُ والطيبُ. ويُكرَهُ الورسُ والزعفرانُ في الحنوط (٣). قالَهُ في "الإنصاف" (٤). * * *

стр. 516

فَصْلٌ والصَّلاة عليهِ فرضُ كِفاية. وتسقُطُ بمكلَّفٍ، ولو أُنثى. (فصلٌ) في صفةِ الصَّلاةِ عليه (والصَّلاةُ عليه) أي: على من يُغسَّلُ (فرضُ كفايةٍ) لأمرِه ﵇ بها في غيرِ حديثٍ، كقولِه: "صلُّوا على أطفالِكم؛ فإنَّهم أفراطُكم" (١)، وقولِه في الغالِّ: "صلُّوا على صاحِبِكم" (٢)، وقولِه: "إنَّ صاحبكم النجاشيَّ قد ماتَ، فقومُوا فصلُّوا عليه" (٣)، وقولِه: "صلُّوا على مَنْ قال: لا إله إلا اللهُ" (٤). والأمرُ للوجوبِ. فإنْ لمْ يعلم به إلا واحدٌ، تعيَّنتْ عليه. ومَنْ لمْ يعلمْ، معذورٌ. (وتسقطُ) الصَّلاةُ على الميتِ، أي: وجوبُها (بـ) ـصلاةِ (مكلَّفٍ) ذكرٍ (ولو أنثى) حرٍّ أو عبد أو مبعَّضٍ، كغَسلِه، وتكفينِه، ودفنِه. وظاهرُه: لا تسقطُ بمميِّزٍ؛ لأنَّه ليس من أهلِ الوجوبِ. ونقلَ الشيخُ منصورٌ في "شرحه" عن صاحبِ "المحرر": أنَّها تسقطُ كما لو غَسَّلَه (٥). ثمَّ قال: قلتُ: يفرَّقُ بأنَّ المميِّزَ فيه أهليةُ

стр. 517

وشُروطُها ثمانيةٌ: النيَّةُ، والتَّكلِيفُ، واستقبالُ القِبلَة، وسترُ العَورةِ، واجتنابُ النَّجاسةِ، وحضورُ الميِّتِ إن كانَ بالبلدِ، وإسلامُ المصلِّي والمصلَّى عليه، وطهارتُهُما، ولو بتُرابٍ لعُذرٍ. وأركانُها سبَعةٌ: القيامُ في فرضِها، الغَسلِ الواجبِ فيه عن الميتِ، وليس أهلًا لفرضِ الصَّلاةِ. انتهى. (وشروطُها) أي: الصَّلاة (ثمانيةٌ): أحدُها: (النيةُ، و) الثاني: (التكليفُ، و) الثَّالثُ: (استقبالُ القبلةِ، و) الرَّابعُ: (سترُ العورَةِ، و) الخامسُ: (اجتنابُ النجاسةِ، و) السَّادسُ: (حضورُ الميِّتِ إن كان) الميِّتُ (بالبلَدِ، و) السَّابعُ: (إسلامُ المُصلِّي) مِن إمامٍ ومأمومٍ (و) إسلامُ (المُصلَّى عليه) لأنَّ الصَّلاةَ شفاعةٌ ودعاءٌ له، والكافرُ ليس أهلًا لذلك (و) الثامنُ: (طهارتُهما) أي: المُصلِّى والمُصلَّى عليه (ولو بترابٍ لعذرٍ) كفقدِ الماءِ، أو تفرُّقِ أجزائِه بصبِّ الماءِ عليه، فيُيمَّم. (وأركانُها سبعةٌ): أحدُها: (القيامُ في فرضِها) فلا تصحُّ مِن قاعدٍ، ولا راكبِ راحلةٍ بلا عُذرٍ، كمكتوبةٍ؛ لعمومِ: "صلِّ قائمًا، فإن لم تستطِعْ فقاعدًا" (١) فإن تكرَّرَت، صحَّت مِنْ قاعدٍ، بعدَ من سقَطَ به فرضُها، كبقيَّةِ النوافلِ.

стр. 518

والتكبيراتُ الأربعُ، وقراءةُ الفاتحةِ، والصَّلاةُ على محمَّدٍ، (و) الثاني: (التكبيراتُ الأربعُ) لِما في الصَّحيحِ عن أنسٍ وغيرِه، أنَّ النبيَّ ﷺ كبَّرَ على الجنازةِ أربعًا (١). وفي "صحيحِ مسلم" (٢) أنَّه ﵇ نعَى النجاشيَّ في اليومِ الذي ماتَ فيه، فخرَجَ إلى المُصلَّى، وكبَّرَ أربعَ تكبيراتٍ. وفيه (٣) عن ابنِ عباسٍ مرفوعًا: صلَّى على قبرٍ بعدَ ما دُفِنَ، وكبَّرَ أربعًا. وقد قال: "صلُّوا كما رأيتمُوني أُصلِّي". (و) الثالثُ: (قراءةُ الفاتحةِ) لعمومِ حديثِ: "لا صلاةَ إلَّا بفاتحةِ الكتابِ" (٤). وعن أمِّ شَريكٍ قالَت: أمرَنا النبيُّ ﷺ أن نقرَأَ على الجنازةِ بفاتحةِ الكتابِ. رواهُ ابنُ ماجه (٥). وسُنَّ إسرارُها، ولو صلَّى ليلًا. (و) الرابعُ: (الصَّلاةُ على محمَّدٍ) ﷺ ؛ لِما روَى الشَّافعيُّ (٦) والأثرمُ بإسنادِهما، عن أبي أُمامةَ بنِ سهلٍ، أنَّه أخبَرَه رجلٌ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ أنَّ السُّنَّةَ في الصَّلاةِ على الجنازةِ: يُكبِّرُ الإمامُ، ثمَّ يقرأ بفاتحةِ الكتابِ بعدَ التكبيرةِ الأولى سرًّا في نفسِه، ثمَّ يُصلِّي على النبيِّ ﷺ ، ويُخلِصُ الدُّعاءَ للجنازةِ في التكبيراتِ، لا يقرأُ في شيءٍ منها، ثمَّ يُسلِّمُ سرًّا في نفسِه. زادَ الأثرمُ: والسنَّةُ أن يفعَلَ مَنْ وراءَ

стр. 519

والدعاءُ للميِّت، والسَّلامُ، والترتيبُ. لكنْ لا يَتعيَّنُ كونُ الدعاءِ في الثالِثةِ، بل يجوزُ بعدَ الرابِعةِ. وصفتُها: الإمامِ مثلَ ما يفعلُ إمامُهم. (و) الخامسُ: (الدُّعاءُ للميِّتِ) لأنَّه المقصودُ من الصَّلاةِ عليه. وأقلُّه: اللهمَّ اغفرْ له وارحمه (١). وعُلِمَ منه: أنَّه لا يكفي: اللهمَّ اغفرْ لحيِّنا وميِّتِنا. ويُؤخَذُ مِن "المستوعبِ"، و"التلخيصِ"، و"البُلغةِ"، و"الكافي": اعتبارُ كونِ القراءةِ بعدَ الأولى، والصَّلاةِ على النبيِّ ﷺ في الثانيةِ، والدُّعاءِ في الثالثةِ. وفي "الإقناعِ": أو الرابعةُ. (و) السادسُ: (السَّلامُ) لأنَّه ﷺ كان يُسلِّمُ على الجنازةِ (٢)، ولعمومِ حديثِ: "وتحليلُها التسليمُ" (٣). (و) السابعُ: (الترتيبُ) بينَ الأركانِ. (لكن لا يتعيَّنُ كونُ الدُّعاءِ في الثالثةِ، بل يجوزُ بعدَ الرابعةِ) أي: بعدَ التكبيرةِ الرابعةِ إن زادَ إمامٌ على رابعةٍ إلى سبعٍ فقط - والأَوْلَى أن لا يزيدَ على أربعٍ - فإن زادَ على سبعٍ عمدًا أو سهوًا، لم تبطُلْ. (وصِفتُها) أي: كيفيَّتُها، وهو:

стр. 520

أن ينويَ، تمَّ يُكبِّرَ ويقرأَ الفاتحةَ، تم يكبِّرَ ويصلِّيَ على محمَّدٍ - كَفِي التَشهّدِ - ثم يُكبِّرَ ويدعُوَ للميِّتِ بنَحوِ: اللَّهم ارحمهُ. (أن ينويَ، ثمَّ يُكبِّرَ، ويقرأَ الفاتحةَ، ثمَّ يكبِّرَ، ويُصلِّيَ على محمدٍ) ﷺ في الثانيةِ. ولا يزيدُ عليه (١). وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَعَ به أكثرُهم. واستحَبَّ القاضي أن يقولَ بعدَ الصَّلاةِ على النبي ﷺ : اللهمَّ صلِّ على ملائكتِك المُقرَّبين، وأنبيائِك المُرسَلين (٢)، وأهلِ طاعتِك أجمعينَ - (كـ) ما (في التشهدِ) لأنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا سألوه: كيف نصلِّي عليك؟. علَّمَهم ذلك (٣). وقال في "الكافي" (٤): لا تتعينُ صلاةٌ؛ لأنَّ القصدَ مطلَقُ الصَّلاةِ. (ثمَّ يكبِّرَ، ويدعوَ للميِّتِ) في الثالثةِ (بنحوِ: اللهمَّ ارحَمْه) سرًّا. أو بأحسَنَ ما يحضُرُه. ويُسنُّ الدُّعاءُ بالمأثور فِيقول: "اللهمَّ اغفرْ لحيِّنا وميِّتِنا، وشاهدِنا وغائبِنا، وصغيرِنا وكبيرِنا، وذكَرِنا وأنثانا، إنَّك تعلَمُ مُتقلَّبَنا ومَثوانا، وأنتَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، اللهمَّ مَن أحيَيْتَه منَّا فأحيِهِ على الإسلامِ، ومَن توفَّيتَه منَّا فتوفَّه على الإيمانِ". هكذا في "الفروعِ". وهو لفظُ حديثِ أبي هريرةَ. وقال في "المقنعِ" وتبِعَه في "المُنتهى" وغيرِه: "فأحيِهِ على الإسلامِ والسنَّةِ، ومَن توفَّيتَه منَّا فتوفَّه عليهما". رواهُ أحمدُ، والترمذيُّ، وابنُ ماجَه (٥)، مِن حديثِ أبي هريرةَ. زادَ ابنُ ماجَه: "اللهمَّ لا

стр. 521

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تحرمْنا أجرَه، ولا تفتنَّا بعدَه". قال الحاكمُ: حديثُ أبي هريرةَ صحيحٌ على شرطِ الشيخين. لكن زادَ فيه الموفَّقُ: "وأنت على كل شيء قدير" ولفظةَ: "السنة" (١). "اللهم (٢) اغفرْ له وارحَمْه، وعافِه واعفُ عنه، وأكرِمْ نُزلَه، بضمِّ الزايِ. وأوسِعْ مَدخلَه، بفتحِ الميمِ. واغسلْه بالماءِ والثلجِ والبَرَدِ، بالتحريكِ. ونقِّه مِنَ الذنوبِ والخطايا، كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ مِنَ الدَّنسِ، وأبدلْه دارًا خيرًا مِن دارِه، وزَوجًا خيرًا مِن زوجِه، وأدخِلْه الجنةَ، وأعذْه مِن عذابِ القبرِ، وعذابِ النَّارِ". رواهُ مسلمٌ (٣) مِن حديثِ عوفِ بنِ مالكٍ، أنَّه سمِعَ النبيَّ ﷺ يقولُ ذلك على جنازةٍ، حتى تمنَّى أن يكونَ ذلك الميِّتَ. وفيه: "وأبدلْه أهلًا خيرًا مِن أهلِه، وأدخَلْه الجنةَ". "وافسَحْ له في قبرِه، ونوِّرَ له فيه" لأنَّه لائقٌ بالحالِ. زادَ الخِرَقيُّ، وابنُ عقيلٍ، والمجدُ، وغيرُهم: "اللهمَّ إنَّه عبدُك، وابنُ أمتِك، نزَلَ بك وأنت خيرُ منزولٍ به" إن كان الميتُ رجلًا، فإن كان امرأةً، قال: "اللهمَّ إنَّها أمتُك، نزَلَتْ بك وأنتَ خيرُ منزولٍ به" زادَ بعضُهم: "ولا نعلَمُ إلَّا خيرًا". قالَ ابنُ عقيلٍ وغيرُه: ولا يقولُه إلَّا إن علِمَ خيرًا، وإلَّا أمسَكَ عنه؛ حذرًا مِن الكذبِ. وزادَ في "الإقناعِ": "اللهمَّ إن كان مُحسِنًا، فجازِه بإحسانِه". وإن كانَ الميِّتُ صغيرًا، أو بلَغَ مجنونًا، واستمرَّ على جنونِه حتَّى ماتَ، قال

стр. 522

ثم يكبِّرَ ويقِفَ قليلًا، بعدَ: "ومَن توفَّيتَه منَّا فتوفَّه عليهما": "اللهمَّ اجعَلْه ذُخرًا لوالدَيه، وفرَطًا، وأجرًا، وشفيعًا مُجابًا، اللهمَّ ثقِّلْ به موازِينَهما، وأعظِمْ به أجورَهما، وألحِقْه بصالحِ سلَفِ المؤمنين، واجعلْه في كفالةِ إبراهيمَ، وقِهِ برحمتِك عذابَ الجحيمِ". لحديثِ المُغيرَةِ بنِ شُعبةَ مرفوعًا: "السِّقطُ يصلَّي عليه، ويُدعى لوالديه بالمغفرةِ والرحمةِ". وفي لفظٍ: "بالعافيةِ والرحمةِ" رواهُما أحمدُ (١). وإنَّما عَدَلَ عنِ الدُّعاءِ بالمغفرةِ إلى الدُّعاءِ لوالدَيه بذلك؛ لأنَّه شافعٌ غيرُ مشفوعٍ فيه، ولم يجرِ عليه قلَمٌ. وإن لم يَعلَمْ مصلٍّ إسلامَ والدَيه، أي: الصغيرِ والمجنونِ، دعا لمواليه (٢) لقيامِهم مقامَهما في المصابِ. ولا بأسَ بإشارةٍ بنحوِ إصبعٍ لميتٍ حالَ دعاءٍ له. نصًّا. ويُؤنِّثُ الضميرَ في صلاةٍ على أُنثَى. ويشيرُ مُصلٍّ بما يَصلُحُ لهما على خُنثَى، فيقول: "اللهمَّ اغفرْ لهذا الميتِ". ونحوِه. (ثمَّ يكبر (٣) ويقِفُ) بعدَ التكبيرةِ الرابعةِ (قليلًا) ولا يدْعُو. وعنه: يقِفُ ويدعُو. اختارَه أبو بكرٍ، والآجُرِّيُّ، وأبو الخطَّابِ، والمجدُ في "شرحِه"، وابنُ عبدوسَ في "تذكرتِه"، وغيرُهم. فعلَى هذه الروايةِ: يُستحبُّ أن يقولَ: "اللهمَّ ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وقنا عذابَ النارِ". على الصحيحِ، اختارَه ابنُ أبي

стр. 523

ويسلِّمَ. وتُجزئُ واحدةٌ، ولو لم يقل: ورحمةُ اللَّه. ويجوزُ أن يُصلَّىَ على الميِّتِ مِنْ دَفنهِ إلى شَهرٍ وشَيءٍ موسَى. وجزَمَ به فىِ "الهداية"، و"المذهب"، و"مسبوك الذهب"، و"المستوعب". واختارَه المجدُ. وهو ظاهرُ نصِّ الإمامِ أحمدَ. وقدَّمَه في "الفروعِ". وقيلَ: المستحبُّ أن يقولَ: "اللهمَّ لا تحرمْنا أجرَه، ولا تفتنَّا بعدَه، واغفرْ لنا وله". اختارَه أبو بكرٍ. قالَه ابنُ الزَّاغونيِّ، ولأنَّه لائقٌ بالمحلِّ. ذكرَه في "الإنصافِ" (١) (ويُسلِّمُ، وتُجزئُ) تسليمةٌ (واحدةٌ) عن يمينِه، نصَّ عليه، يجهَرُ بها الإمامُ. ويجوزُ أن يُسلِّمَ تلقاءَ وجهِه مِن غيرِ التفاتٍ، (ولو لم يقُلْ: ورحمةُ اللهِ) لما روَى الخلَّالُ وحربٌ عن عليٍّ، أنَّه صلَّى على يزيدَ بنِ المُكفَّفِ (٢)، فسلَّمَ واحدةً عن يمينِه: السَّلامُ عليكم (٣). لكن ذِكرُ الرحمةِ أليقُ بالحالِ، فكان أَوْلَى. (ويجوزُ أن يصلَّى على الميتِ من دفنِه) أي: الميتِ (إلى شهرٍ) لما روَى الترمذيُّ (٤) عن سعيدِ بنِ المُسيَّبِ، أنَّ أمَّ سعدٍ ماتَت، والنبيُّ ﷺ غائبٌ، فلمَّا قدِمَ صلَّى عليها، وقد مضَى لذلك شهرٌ. وإسنادُه ثقاتٌ. قال أحمدُ: أكثرُ ما سمِعْتُ هذا. ولأنَّه لا يُعلَمُ بقاؤُه أكثرَ منه، فتقيَّد به. (وشَيءٍ) أي: زِيادةٍ يسيرةٍ على الشَّهرِ. قال القاضي: كاليَومَين.

стр. 524

ويحرمُ بعدَ ذلِكَ. فإن قيلَ: هل المرادُ بالمدَّةِ: من حينِ موتِه، أو مِن حينِ دفنِه؟ روايتان، أطلَقَهما ابنُ تميمٍ: أحدُهما: أوَّلُ المُدَّةِ من حينِ دفنِه، وهو الصحيحُ. جزَمَ به في "التلخيصِ"، و"البُلغةِ"، و"الوجيزِ"، وغيرِهم. وصحَّحَه النَّاظمُ وغيرُه. وقدَّمَه في "المستوعبِ"، و"الرعايتين"، و"الحاويين"، و"مجمعِ البحرين"، و"الفائقِ"، والزركشي، وقالَ: هذا المشمهورُ. واختارَه ابنُ أبي موسى وغيرُه. فعلى هذا: لو لم يُدفَنْ مدَّةً تزيدُ على شهرٍ، جازَ أن يُصلَّى عليه لشَّهرٍ منذُ دُفنِ. والوجهُ الثَّاني: أوَّلُ المدَّةِ مِن حينِ الموتِ. اختارَه ابنُ عقيل (١). (ويحرُمُ) الصَّلاةُ (بعدَ ذلك) أي: بعدَ الشَّهرِ، حيثُ قُلْنا بالتوقيتِ، نصَّ عليه. وقيلَ: يجوزُ ما لم يَبْلَ، فإن شكَّ في بقائِه. فوجهان: أحدُهما: الجوازُ. قال في "التصحيحِ": قلْت: وهو الصَّوابُ؛ لأنَّه الأصلُ، ما لم يغلِبْ على ظنِّه أنَّه بَلِي، ولم أرَ هذه المسألةَ في غيرِ هذا المكانِ. والوجهُ الثاني: عدمُ الجوازِ (٢). فإن شكَّ في بقاءِ المدَّةِ، صلَّى حتى يعلَمَ فراغَها. * * *

стр. 525

فَصْلٌ وحملُه ودفنُه فرضُ كِفايةٍ، لكنْ يسقُطُ الحملُ، والدَّفنُ، والتكفينُ، بالكَافِرِ. ويُكره أخذُ الأُجرةِ على ذلِكَ، وعلى الغَسْلِ. (فصلٌ) في حملِ الجنازةِ (وحملُه (١)) إلى محلِّ دفنِها (ودفنُه، فرضُ كفايةٍ) إجماعًا. وفروضُ الكفاياتِ: إذا قامَ بها رجلٌ سقَطَ عن الباقين (٢)، ثمَّ إذا فعَلَ الكلُّ ذلك، كان كلُّه فَرضًا. ذكرَه ابنُ عقيلٍ محلَّ وِفاقٍ. لقولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾ [عبس: ٢١]، قالَ ابنُ عباسٍ: أكرَمَه بدفنِه. وقالَ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾. أي: جامعةً للأحياءِ في ظهرِها بالمساكن، وللأمواتِ في بطنها بالقبورِ. والكفتُ: الجمعُ، وهو إكرامٌ للميِّتِ؛ لأنَّه لو تُرِكَ لأنتَنَ، وتأذَّى الناسُ بريحِه. وقد أرشَدَ اللهُ تعالى قابيلَ إلى دفنِ أخيه هابيلَ ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١]. (لكن يسقُطُ الحملُ، والدَّفنُ، والتكفينُ بـ) فعلِ (الكافرِ)؛ لأنَّ فاعلَها لا يختصُّ بكونِه مِن أهلِ القربةِ. (ويُكرَه أخذُ الأجرةِ على ذلك) لأنَّه يذهَبُ بالأجرِ (و) كذا يُكرَه أخذُ الأجرةِ (على الغَسلِ) والتكفينِ.

стр. 526

وسنَّ كونُ الماشِي أمامَ الجَنَازةِ، والراكِبِ خلفَها. والقربُ منها أفضلُ. ويكره القيامُ لها، (وسُنَّ كونُ الماشي أمامَ الجنازةِ) لحديثِ ابنِ عمرَ: رأيْتُ النبيَّ ﷺ وأبا بكرٍ، وعمرَ، يمشون أمامَ الجنازةِ. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ (١). وعن أنسٍ نحوَه. رواهُ ابنُ ماجَه (٢). ولأنَّهم شفعاؤُه. (و) سُنَّ كونُ (الرَّاكبِ خلفَها) ولو راكبٍ سفينةً؛ لحديثِ المُغيرةِ بنِ شعبةَ مرفوعًا: "الرَّاكبُ خلفَ الجنازةِ". رواهُ الترمذيُّ (٣)، وقال: حسنٌ صحيحٌ. (والقُرْبُ منها أفضلُ) لأنَّها كالإمامِ. وكُرِهَ لمتَّبعِ الجنازةِ ركوب لغيرِ حاجةٍ، كمرَضٍ، ومشقَّةِ طريقٍ، ولغيرِ عَوْدٍ؛ لحديثِ ثوبانَ قالَ: خرَجْنا مع رسولِ اللهِ ﷺ في جنازةٍ، فرأى ناسًا رُكبانًا، فقالَ: "ألا تستحيون؟ إنَّ ملائكةَ اللهِ على أقدامِهم، وأنتم على ظهورِ الدَّوابِّ". رواه الترمذيُّ (٤). وأمَّا العَوْدُ راكبًا لم يُكرَهْ، لحديثِ جابرِ بنِ سمُرَةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ تبعَ جنازةَ ابنِ الدَّحداحِ ماشيًا، ورجَعَ على فرسٍ (٥). قالَ الترمذيُّ: صحيحٌ. (ويُكرَهُ القيامُ لها) أي: الجنازةِ، إن جاءَت وهو جالسٌ، أو مرَّت به وهو جالسٌ؛ لحديثِ علي قال: رأينا رسولَ اللهِ ﷺ . قامَ فقُمْنا تبعًا له، وقعَدَ فقعَدْنا تبعًا

стр. 527

ورفعُ الصَّوتِ معَها، ولو بالذِّكرِ، والقرآنِ. له، يعني: في الجنازةِ. رواهُ مسلمٌ، وغيرُه (١). وعن ابنِ سيرينَ قال: مُرَّ بجنازةٍ علَى الحسنِ بنِ عليٍّ وابنِ عباسٍ، فقامَ الحسنُ، ولم يقُمِ ابنُ عباسٍ، فقال الحسنُ لابنِ عباسٍ: أمَا قامَ لها رسولُ اللهِ ﷺ ؟ قال ابنُ عباسٍ: قامَ ثمَّ قعَدَ. رواهُ النسائيُّ (٢). وعنه: يُستحبُّ القيامُ لها، ولو كانت كافرةً. نصرَه ابن أبي موسَى، واختارَه القاضي، وابنُ عقيلٍ، والشيخُ تقيُّ الدِّينِ، وصاحبُ "الفائقِ" (٣) (و) يُكرَهُ (رفعُ الصَّوتِ معَها) أي: الجنازةِ (ولو بالذِّكرِ والقرآنِ) لأنَّه بدعةٌ. ويُسنُّ القراءةُ والذِّكرُ سرًّا، وإلَّا الصَّمتُ. ويُسنُّ لمتَّبعِ الجنازةِ أن يكونَ متخشِّعًا، متفكِّرًا في مآلِه، متعظًا بالموتِ، وبما يصيرُ إليه الميِّتُ. ويُكرَهُ مسحُه بيدَيه أو بشيءٍ عليها تبرُّكًا. قال أبو المعالي: هو بدعةٌ يُخافُ منه على الميِّتِ. قال: وهو قبيحٌ في الحياةِ، فكذا بعدَ الموتِ. وفي "الفصولِ": يُكرَهُ. قال: ولهذا منَعَ أكثرُ العلماءِ مِن مسِّ القبرِ، فكيف بالجسَدِ؟!. ولأنَّه بعدَ الموتِ كالحياةِ، ثمَّ حالَ الحياةِ، يُكرَهُ أن يُصَرَّ بدنُ الإنسانِ؛ للاحترامِ وغيرِه، سوَى المصافحةِ. وروَى الخلَّالُ في "أخلاقِ أحمدَ": أنَّ عليَّ بنَ عبدِ الصَّمدِ الطيالسيَّ مسَحَ يدَه على أحمدَ (٤) ثمَّ مسَحَها على يديهِ، وهو ينظُرُ! فغضِبَ شديدًا، وجعَلَ

стр. 528

وسُنَّ أن يعمَّقَ القَبرُ، ويوسَّعَ بلا حَدٍّ، ويكفِي ما يمنعُ السِّباعَ والرائحَةَ. وكُرِهَ: إدخالُ القبرِ خَشَبًا، وما مسَّتهُ نارٌ، ووَضعُ فِراشٍ تحتَه، ينفُضُ يدَه، ويقولُ: عمَّن أخذْتُم هذا؟! أو أنكَرَه شديدًا (١). (وسُنَّ أن يعمَّقَ القبرُ، وُيوسَّعَ) القبرُ (بلا حدًّ)، على الصحيحِ؛ لقولِه ﵇ في قتلَى أُحُدٍ: "احفِروا، وأوسِعُوا، وأعمِقُوا" (٢). قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. ولأنَّ التعميقَ أبعدُ لظهورِ الرائحةِ، وأمنعُ للوحشِ. والتوسيعُ: الزيادةُ في الطُّولِ والعرضِ. والتعميقُ، بالعينِ المُهملَةِ: الزيادةُ في النزولِ. وعنه: يُسنُّ إلى الصَّدرِ. وقال أكثرُ الأصحابِ: قامةً وبسطةً. قالَه في "الفروعِ". والبسطَةُ: الباعُ (٣). وقال في "الإقناعِ" (٤): وهي بَسْطُ يدِ قائمةً. (ويكفي ما يمنَعُ السِّباعَ والرائحةَ) لأنَّه يحصُلُ به المقصودُ، ولأنَّه (٥) لم يرِدْ فيه تقديرٌ. (وكُرِهَ إدخالُ القبرِ خشبًا) إلَّا لضرورةٍ. (و) كُرِهَ إدخالُ (ما مسَّتْه نارٌ) كآجُرِّ. وكُرِهَ دفنٌ في تابوتٍ، ولو امرأةً (و) كُرِهَ (وضعُ فراشٍ تحتَه) أي: الميِّتِ. روي عن (٦) ابنِ عباسٍ: أنَّه كَرِهَ أن يُلقَى تحتَ الميِّتِ في القبرِ شيءٌ. ذكَرَه الترمذيُّ (٧). وعن أبي موسَى: لا تجعلُوا

стр. 529

وجعلُ مِخدَّةٍ تحتَ رأسِهِ. وسُنَّ قولُ مُدخلِهِ القبرَ: بسم اللَّه، وعلى مِلَّة رسولِ اللَّه. بيني وبينَ الأرضِ شيئًا (١). والقطيفةُ التي وُضِعَت تحتَه ﵇، إنما وضعَها شُقْرانُ (٢)، ولم يكُنْ عنِ اتفاقٍ مِنَ الصَّحابةِ. (و) كُرِهَ (جعلُ مِخَدَّةٍ تحتَ رأسِه) نصًّا؛ لأنَّه غيرُ لائقٍ بالحالِ، ولم يُنقَلْ عنِ السَّلَفِ. وسُنَّ أن يُجعَلَ تحتَ رأسِه لبِنَةٌ، فإن لم يُوجَدْ فحجَرٌ، فإن لم يُوجَدْ فقليلٌ من تُرابٍ؛ لأنَّه أشبَهُ بالمِخَدَّةِ للنائمِ، ولئلَّا يميلَ رأسُه. ولا يُجعَلُ آجرَّةٌ؛ لأنَّه ممَّا مسَّتْه النارُ. ويُزالُ الكفَنُ عن خدِّه (٣) ويُلصَقُ بالأرضِ؛ لأنَّه أبلَغُ في الاستكانةِ. قال عمَرُ: إذا أنا مِتُّ، فأفضُوا بخدِّي إلى الأرضِ (٤). (وسُنَّ قولُ مُدخِله) أي: الميِّتِ (القبرَ: بسمِ اللهِ، وعلى مِلَّةِ رسولِ اللهِ) لحديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: "إذا وضعْتُم موتاكم في القبرِ، فقولوا: بسمِ اللهِ، وعلى مِلَّةِ رسولِ اللهِ". رواهُ أحمدُ (٥). وإنْ قرأَ: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه: ٥٥]، أو أتَى بذكرٍ أو دُعاءٍ لائقٍ عندَ وضعِهِ وإلحادِهِ، فلا بأسَ.

стр. 530

ويجبُ أن يَستَقبِلَ به القبلَةَ، ويُسنُّ عَلَى جَنبِه الأيمَنِ. ويحرُم دفنُ غيرِه عليه، أو معَه، إلَّا لضَرورَةٍ. وسُنَّ حثوُ الترابِ عليه ثلاثًا، ثمَّ يُهالُ. واستحَبَّ الأكثرُ تلقينَهُ بعدَ الدَّفْنِ. (ويجبُ أن يَستقبلَ به) أي: الميتِ (القبلةَ) لقولِه ﵇ في الكعبةِ: "قِبلتَكم أَحياءً وأمواتًا" (١). ولأنَّه طريقةُ المسلمين بنقلِ الخلَف عنِ السَّلَفِ. وينبغي أن يُدنَى منَ الحائطِ، لئلَّا ينكبَّ على وجهِهِ، وأن يُسنَدَ مِن ورائِه بتُرابٍ، لئلَّا ينقلِبَ. ويُتعاهَدُ خِلالُ اللَّبِنِ بسدِّه بالمدَرِ ونحوِه، ثمَّ يُطيَّنُ فوقَه. (ويُسنَّ على جنبِه الأيمنِ) لأنَّه يُشبِهُ النَّائمَ. (ويحرُمُ دفنُ غيرِه عليه) أي: ميتٍ آخرَ (أو معَهُ) أي: يحرُمُ الدَّفنُ معه في لحدٍ واحدٍ؛ لأنَّه ﵇ كان يدفِنُ كلَّ ميتٍ بقبرٍ. ولا فرقَ بينَ المحارمِ وغيرِهم (إلَّا لضرورةٍ) أو حاجةٍ، ككثرةِ الموتَى بقتلٍ، أو غيرِه، فيجوزُ دفنُ اثنين فأكثرَ، في قبرٍ واحدٍ؛ للعُذرِ. وسُنَّ حجزٌ بينَهما بترابٍ يفصلُ بينَهما، ولا يكفي الكفنُ. (وسُنَّ حثوُ الترابِ عليه) أي: الميتِ (ثلاثًا) باليدِ (ثمَّ يُهالُ) عليه الترابُ (٢)؛ لحديثِ أبي هريرةَ قال فيه: فحثَى عليه مِن قِبَلِ رأسِه ثلاثًا. رواهُ ابنُ ماجَه (٣). (واستحبَّ الأكثرُ تلقينَه بعدَ الدَّفْنِ) أي: الميتِ؛ لحديثِ أبي أمامةَ الباهليِّ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذا ماتَ أحدُكم، فسوَّيتُم عليه التُّرابَ، فليقُمْ
следующие страницы →