← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 803

شرح دليل الطالب - عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

Полный текст (1 686 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وسنَّ كونُ الماشِي أمامَ الجَنَازةِ، والراكِبِ خلفَها. والقربُ منها أفضلُ. ويكره القيامُ لها، (وسُنَّ كونُ الماشي أمامَ الجنازةِ) لحديثِ ابنِ عمرَ: رأيْتُ النبيَّ ﷺ وأبا بكرٍ، وعمرَ، يمشون أمامَ الجنازةِ. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ (١). وعن أنسٍ نحوَه. رواهُ ابنُ ماجَه (٢). ولأنَّهم شفعاؤُه. (و) سُنَّ كونُ (الرَّاكبِ خلفَها) ولو راكبٍ سفينةً؛ لحديثِ المُغيرةِ بنِ شعبةَ مرفوعًا: "الرَّاكبُ خلفَ الجنازةِ". رواهُ الترمذيُّ (٣)، وقال: حسنٌ صحيحٌ. (والقُرْبُ منها أفضلُ) لأنَّها كالإمامِ. وكُرِهَ لمتَّبعِ الجنازةِ ركوب لغيرِ حاجةٍ، كمرَضٍ، ومشقَّةِ طريقٍ، ولغيرِ عَوْدٍ؛ لحديثِ ثوبانَ قالَ: خرَجْنا مع رسولِ اللهِ ﷺ في جنازةٍ، فرأى ناسًا رُكبانًا، فقالَ: "ألا تستحيون؟ إنَّ ملائكةَ اللهِ على أقدامِهم، وأنتم على ظهورِ الدَّوابِّ". رواه الترمذيُّ (٤). وأمَّا العَوْدُ راكبًا لم يُكرَهْ، لحديثِ جابرِ بنِ سمُرَةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ تبعَ جنازةَ ابنِ الدَّحداحِ ماشيًا، ورجَعَ على فرسٍ (٥). قالَ الترمذيُّ: صحيحٌ. (ويُكرَهُ القيامُ لها) أي: الجنازةِ، إن جاءَت وهو جالسٌ، أو مرَّت به وهو جالسٌ؛ لحديثِ علي قال: رأينا رسولَ اللهِ ﷺ . قامَ فقُمْنا تبعًا له، وقعَدَ فقعَدْنا تبعًا

стр. 527

ورفعُ الصَّوتِ معَها، ولو بالذِّكرِ، والقرآنِ. له، يعني: في الجنازةِ. رواهُ مسلمٌ، وغيرُه (١). وعن ابنِ سيرينَ قال: مُرَّ بجنازةٍ علَى الحسنِ بنِ عليٍّ وابنِ عباسٍ، فقامَ الحسنُ، ولم يقُمِ ابنُ عباسٍ، فقال الحسنُ لابنِ عباسٍ: أمَا قامَ لها رسولُ اللهِ ﷺ ؟ قال ابنُ عباسٍ: قامَ ثمَّ قعَدَ. رواهُ النسائيُّ (٢). وعنه: يُستحبُّ القيامُ لها، ولو كانت كافرةً. نصرَه ابن أبي موسَى، واختارَه القاضي، وابنُ عقيلٍ، والشيخُ تقيُّ الدِّينِ، وصاحبُ "الفائقِ" (٣) (و) يُكرَهُ (رفعُ الصَّوتِ معَها) أي: الجنازةِ (ولو بالذِّكرِ والقرآنِ) لأنَّه بدعةٌ. ويُسنُّ القراءةُ والذِّكرُ سرًّا، وإلَّا الصَّمتُ. ويُسنُّ لمتَّبعِ الجنازةِ أن يكونَ متخشِّعًا، متفكِّرًا في مآلِه، متعظًا بالموتِ، وبما يصيرُ إليه الميِّتُ. ويُكرَهُ مسحُه بيدَيه أو بشيءٍ عليها تبرُّكًا. قال أبو المعالي: هو بدعةٌ يُخافُ منه على الميِّتِ. قال: وهو قبيحٌ في الحياةِ، فكذا بعدَ الموتِ. وفي "الفصولِ": يُكرَهُ. قال: ولهذا منَعَ أكثرُ العلماءِ مِن مسِّ القبرِ، فكيف بالجسَدِ؟!. ولأنَّه بعدَ الموتِ كالحياةِ، ثمَّ حالَ الحياةِ، يُكرَهُ أن يُصَرَّ بدنُ الإنسانِ؛ للاحترامِ وغيرِه، سوَى المصافحةِ. وروَى الخلَّالُ في "أخلاقِ أحمدَ": أنَّ عليَّ بنَ عبدِ الصَّمدِ الطيالسيَّ مسَحَ يدَه على أحمدَ (٤) ثمَّ مسَحَها على يديهِ، وهو ينظُرُ! فغضِبَ شديدًا، وجعَلَ

стр. 528

وسُنَّ أن يعمَّقَ القَبرُ، ويوسَّعَ بلا حَدٍّ، ويكفِي ما يمنعُ السِّباعَ والرائحَةَ. وكُرِهَ: إدخالُ القبرِ خَشَبًا، وما مسَّتهُ نارٌ، ووَضعُ فِراشٍ تحتَه، ينفُضُ يدَه، ويقولُ: عمَّن أخذْتُم هذا؟! أو أنكَرَه شديدًا (١). (وسُنَّ أن يعمَّقَ القبرُ، وُيوسَّعَ) القبرُ (بلا حدًّ)، على الصحيحِ؛ لقولِه ﵇ في قتلَى أُحُدٍ: "احفِروا، وأوسِعُوا، وأعمِقُوا" (٢). قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. ولأنَّ التعميقَ أبعدُ لظهورِ الرائحةِ، وأمنعُ للوحشِ. والتوسيعُ: الزيادةُ في الطُّولِ والعرضِ. والتعميقُ، بالعينِ المُهملَةِ: الزيادةُ في النزولِ. وعنه: يُسنُّ إلى الصَّدرِ. وقال أكثرُ الأصحابِ: قامةً وبسطةً. قالَه في "الفروعِ". والبسطَةُ: الباعُ (٣). وقال في "الإقناعِ" (٤): وهي بَسْطُ يدِ قائمةً. (ويكفي ما يمنَعُ السِّباعَ والرائحةَ) لأنَّه يحصُلُ به المقصودُ، ولأنَّه (٥) لم يرِدْ فيه تقديرٌ. (وكُرِهَ إدخالُ القبرِ خشبًا) إلَّا لضرورةٍ. (و) كُرِهَ إدخالُ (ما مسَّتْه نارٌ) كآجُرِّ. وكُرِهَ دفنٌ في تابوتٍ، ولو امرأةً (و) كُرِهَ (وضعُ فراشٍ تحتَه) أي: الميِّتِ. روي عن (٦) ابنِ عباسٍ: أنَّه كَرِهَ أن يُلقَى تحتَ الميِّتِ في القبرِ شيءٌ. ذكَرَه الترمذيُّ (٧). وعن أبي موسَى: لا تجعلُوا

стр. 529

وجعلُ مِخدَّةٍ تحتَ رأسِهِ. وسُنَّ قولُ مُدخلِهِ القبرَ: بسم اللَّه، وعلى مِلَّة رسولِ اللَّه. بيني وبينَ الأرضِ شيئًا (١). والقطيفةُ التي وُضِعَت تحتَه ﵇، إنما وضعَها شُقْرانُ (٢)، ولم يكُنْ عنِ اتفاقٍ مِنَ الصَّحابةِ. (و) كُرِهَ (جعلُ مِخَدَّةٍ تحتَ رأسِه) نصًّا؛ لأنَّه غيرُ لائقٍ بالحالِ، ولم يُنقَلْ عنِ السَّلَفِ. وسُنَّ أن يُجعَلَ تحتَ رأسِه لبِنَةٌ، فإن لم يُوجَدْ فحجَرٌ، فإن لم يُوجَدْ فقليلٌ من تُرابٍ؛ لأنَّه أشبَهُ بالمِخَدَّةِ للنائمِ، ولئلَّا يميلَ رأسُه. ولا يُجعَلُ آجرَّةٌ؛ لأنَّه ممَّا مسَّتْه النارُ. ويُزالُ الكفَنُ عن خدِّه (٣) ويُلصَقُ بالأرضِ؛ لأنَّه أبلَغُ في الاستكانةِ. قال عمَرُ: إذا أنا مِتُّ، فأفضُوا بخدِّي إلى الأرضِ (٤). (وسُنَّ قولُ مُدخِله) أي: الميِّتِ (القبرَ: بسمِ اللهِ، وعلى مِلَّةِ رسولِ اللهِ) لحديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: "إذا وضعْتُم موتاكم في القبرِ، فقولوا: بسمِ اللهِ، وعلى مِلَّةِ رسولِ اللهِ". رواهُ أحمدُ (٥). وإنْ قرأَ: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه: ٥٥]، أو أتَى بذكرٍ أو دُعاءٍ لائقٍ عندَ وضعِهِ وإلحادِهِ، فلا بأسَ.

стр. 530

ويجبُ أن يَستَقبِلَ به القبلَةَ، ويُسنُّ عَلَى جَنبِه الأيمَنِ. ويحرُم دفنُ غيرِه عليه، أو معَه، إلَّا لضَرورَةٍ. وسُنَّ حثوُ الترابِ عليه ثلاثًا، ثمَّ يُهالُ. واستحَبَّ الأكثرُ تلقينَهُ بعدَ الدَّفْنِ. (ويجبُ أن يَستقبلَ به) أي: الميتِ (القبلةَ) لقولِه ﵇ في الكعبةِ: "قِبلتَكم أَحياءً وأمواتًا" (١). ولأنَّه طريقةُ المسلمين بنقلِ الخلَف عنِ السَّلَفِ. وينبغي أن يُدنَى منَ الحائطِ، لئلَّا ينكبَّ على وجهِهِ، وأن يُسنَدَ مِن ورائِه بتُرابٍ، لئلَّا ينقلِبَ. ويُتعاهَدُ خِلالُ اللَّبِنِ بسدِّه بالمدَرِ ونحوِه، ثمَّ يُطيَّنُ فوقَه. (ويُسنَّ على جنبِه الأيمنِ) لأنَّه يُشبِهُ النَّائمَ. (ويحرُمُ دفنُ غيرِه عليه) أي: ميتٍ آخرَ (أو معَهُ) أي: يحرُمُ الدَّفنُ معه في لحدٍ واحدٍ؛ لأنَّه ﵇ كان يدفِنُ كلَّ ميتٍ بقبرٍ. ولا فرقَ بينَ المحارمِ وغيرِهم (إلَّا لضرورةٍ) أو حاجةٍ، ككثرةِ الموتَى بقتلٍ، أو غيرِه، فيجوزُ دفنُ اثنين فأكثرَ، في قبرٍ واحدٍ؛ للعُذرِ. وسُنَّ حجزٌ بينَهما بترابٍ يفصلُ بينَهما، ولا يكفي الكفنُ. (وسُنَّ حثوُ الترابِ عليه) أي: الميتِ (ثلاثًا) باليدِ (ثمَّ يُهالُ) عليه الترابُ (٢)؛ لحديثِ أبي هريرةَ قال فيه: فحثَى عليه مِن قِبَلِ رأسِه ثلاثًا. رواهُ ابنُ ماجَه (٣). (واستحبَّ الأكثرُ تلقينَه بعدَ الدَّفْنِ) أي: الميتِ؛ لحديثِ أبي أمامةَ الباهليِّ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذا ماتَ أحدُكم، فسوَّيتُم عليه التُّرابَ، فليقُمْ

стр. 531

وسُنَّ رشُّ القبرِ بالماءِ، ورفعُهُ قدرَ شِبرٍ. أحدكم (١) على رأسِ قبرِه، تمَّ ليقُلْ: يا فلانَ بنَ فلانةَ، فإنه يسمعُ ولا يجيبُ. تمَّ ليقُلْ: يا فلانَ بنَ فلانةَ (٢)، فإنَّه يستوي قاعدًا، ثم ليقُلْ: يا فلانَ بنَ فلانةَ، فإنَّه يقولُ: أرشِدْنا يرحمْكَ اللهُ. ولكن لا تَسمعُون. فيقولُ: اذكُز ما خرجْتَ عليه منَ الدنيا، شهادةَ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأنَّكَ رضيتَ باللهِ ربًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبمحمدٍ نبيًّا، وبالقرآنِ إمامًا. فإنَّ مُنكرًا ونكيرًا يقولان: ما يُقعدنا عندَه وقد لُقِّنَ حُجَّتَه؟ ". قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، فإن لم يعرفِ اسمَ أُمِّه؟ قال: "فلينسِبَه إلى حوَّاءَ" (٣). رواهُ أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ في "الشَّافي". ويُؤيِّدُه حديثُ: "لقِّنوا موتاكم لا إلهَ إلَّا اللهُ" (٤). وظاهرُه: لا فرقَ بينَ الصغيرِ وغيرِه، بناءً على نزولِ المَلَكَيْنِ إليه. ورجَّحَه في "الإقناعِ"، وصحَّحَه الشيخُ تقيُّ الدِّينِ. وخصَّه بعضُهم بالمُكلَّفِ. (وسُنَّ رشُّ القبرِ بالماءِ) بعدَ وضعِ الحصباء (٥) عليه؛ لما روَى جعفرُ بنُ محمدٍ، عن أبيهِ: أنَّ النبيَّ ﷺ رشَّ على قبرِ ابنِه إبراهيمَ ماءً، ووضَعَ عليه الحصْباءَ. رواهُ الشافعيُّ (٦). ولئلَّا يذهبَ تُرابُه. والحصْباءُ: صغارُ الحصَى. (و) سُنَّ (رفعُه قَدْرَ شبرٍ) ليُعرَفَ أنَّه قبرٌ، فيُتوَقَّى، ويُترَّحمُ على صاحبِه. وروَى

стр. 532

ويُكره: تَزويقُه، وتَجصِيصُه، وتبخِيُره، وتقبيلُه، والطوافُ به، والاتكاءُ إليه، والمَبيتُ والضَّحِكُ عِندَهُ، الشافعيُّ عن جابرٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ رُفِعَ قبرُه عنِ الأرض قَدْرَ شبر (١). ويُكرَهُ رفعُه فوقَ شبرٍ؛ لقولِه ﵇ لعلي: "لا تدَعْ تمثالًا إلَّا طمسْتَه، ولا قبرًا مُشرِفًا إلَّا ساويتَه" رواهُ مسلمٌ وغيرُه (٢). والمُشرِفُ: ما رُفِعَ كثيرًا، لقولِ القاسمِ بنِ محمدٍ في صفةِ قبورِ النبيِّ ﷺ وصاحبَيهِ: لا مُشرِفَةٍ، ولا لاطِئَةٍ (ويُكرَهُ تَزويقُه) أي: القبرِ (و) يُكرَهُ (تجصيصُه، و) يُكرَهُ (تبخيرُه، و) يُكرَهُ (تقبيلُه، و) يُكرَهُ (الطَّوافُ به (٣)، و) يُكرَهُ (الاتَّكاءُ إليه (٤)) لما رُوِيَ أنَّه ﵇: رأى رجلًا قد اتَّكأَ على قبرٍ، فقال: "لا تُؤذِ صاحبَ القبرِ" (٥). (و) يُكرَهُ (المبيتُ) عندَه (و) يُكرَهُ (الضَّحكُ عندَه) والتبسُّمُ. (و) يُكرَهُ

стр. 533

والحديثُ في أمرِ الدُّنيا، والكتابةُ عليه، والجلوسُ، والبِنَاءُ، والمشيُ بالنَّعْلِ، إلا لخَوفِ شَوكٍ ونحوِه. ويحرُمُ إسراجُ المقابِرِ، (الحديثُ) عندَه (في أمرِ الدنيا، و) يُكرَهُ (الكتابةُ عليه) أي: القبرِ (و) يُكرَهُ (الجلوسُ) عليه (و) يُكرَهُ (البناءُ) عليه مِن قُبَّةٍ وغيرِها؛ لحديثِ جابرٍ قال: نهَى رسولُ اللهِ ﷺ أن يُجصَّصَ القبرُ، وأن يُبنَى عليه، وأن يُقعَدَ عليه. رواهُ مسلمٌ، والترمذيُّ (١). وزادَ: وأن يُكتبَ عليه. وقال: حسنٌ صحيحٌ. (و) يُكرَهُ (المشيُ بالنَّعلِ) وسُنَّ خلعُه إذا في خَلَ المقبرَةَ؛ لحديثِ بشيرِ بنِ الخَصَاصيَّةِ، قال: بينَا أنا أُماشي رسولَ اللهِ ﷺ إذا رجُلٌ يمشي في القبورِ، عليه نعلانِ فقالَ له: "يا صاحبَ السِّبتيَّتيْنِ، ألقِ سبْتيَّتيْك". فنظَرَ الرجلُ، فلمَّا عرَفَ رسولَ اللهِ ﷺ ، خلَعَهما، فرمَى بهما. رواهُ أبو داودَ (٢). وقال أحمدُ: إسنادُه جيدٌ. واحترامًا لأمواتِ المسلمين (إلَّا لخوفِ شوْكٍ) أو نجاسةٍ، أو حرارةِ أرضٍ، أو بردِها، فلا يُكرَهُ، للعُذرِ. ولا يُسنُّ خلعُ خُفِّه؛ لأنَّه يشُقُّ. وعن أحمدَ: أنَّه كان إذا أرادَ أن يخرُجَ إلى الجنازةِ لبَسَ خفَّيهِ. فلا يُكرَهُ المشيُ بينَ القبورِ بخُفٍّ؛ لأنَّه ليس بنعلٍ ولا في معناه. وأمَّا وطءُ القبرِ فمكروهٌ مُطلقًا. (ويحرُمُ إسراجُ المقابرِ) لحديثِ: "لعَنَ اللهُ زوَّراتِ القبورِ، والمتَّخِذينَ عليها المساجدَ، والسُّرُجَ" رواهُ أبو داودَ والنسائيُّ (٣) بمعناه (٤). ولأنَّه إضاعةُ مالٍ. بلا

стр. 534

والدَّفنُ بالمسَاجِدِ، وفِي مِلكِ الغَيرِ، ويُنبَشُ. والدَّفنُ بالصَّحراءِ أفضلُ. وإن ماتتِ الحَاملُ، حَرُمَ شَقُّ بطنِها، وأخرجَ النِّساءُ من تُرجَى حياتُه، فإن تعذَّرَ، لم تُدفَن حتَّى يمُوتَ، وإن خَرَجَ بعضُه حيًّا، شُقَّ للبَاقِي. فائدةٍ، ومغالاةٌ في تعظيمِ الأمواتِ، يُشبِهُ تعظيمَ الأصنامِ. (و) يحرُمُ (الدَّفنُ بالمساجدِ) والمدارسِ. (و) جرُمُ الدَّفنُ (في مِلكِ الغَيرِ) ما لم يأذَنْ مالِكُه فيه فيُباحُ. (ويُنبَشُ) مَن دُفِنَ به، ويخرجُ. نصًّا (والدَّفنُ بالصَّحراءِ (١) أفضلُ) مِن دفنٍ بعُمرانَ؛ لأنَّه ﵇ كان يدفِنُ أصحابَه بالبقيعِ. ولم تزَلِ الصَّحابةُ والتابعون ومَنْ بعدَهم يُقبَرُون في الصَّحاري؛ ولأنَّه أشبَهُ بمساكنِ الآخرةِ. (وإن ماتَتِ الحاملُ) بمَن تُرجَى حياتُه (حرُمَ شقُّ بطنِها) للحملِ، مسلمةً كانَت أو ذميَّةً؛ لأنَّه هتْكُ حرمةٍ مُتيقَّنةٍ، لإبقاءَ حياةٍ مُتوهَّمةٍ؛ إذِ الغالبُ أنَّ الولدَ لا يعيشُ. واحتجَّ أحمدُ بحديث عائشةَ مرفوعًا: "كسرُ عظمِ الميِّتِ، ككسرِ عظمِ الحيِّ". رواهُ أبو داودَ (٢). (وأخرَجَ النساءُ مَن تُرجَى حياتُه) بأن كان يتحرَّكُ حركةً قويَّةً، وانفتحَتِ المخارجُ، وله ستَّةُ أشهرٍ فأكثرَ. (فإن تعذَّرَ) عليهنَّ إخراجُه (لم تُدفَنْ حتَّى يموتَ) الحملُ، لحرمتِه. ولا يُشقُّ بطنُها، ولا يُوضَعُ عليه ما يموِّتُه ولا يُخرجُه الرِّجالُ؛ لما فيه مِن هتكِ حُرْمتِها. (وإن خرَجَ بعضُه) أي: الميتِ (حيًّا، شُقَّ) بطنُها، لخروجِ (الباقي) لتيقُّنِ حياتِه بعدَ أن كانَت موهومةً.

стр. 535

فَصْلٌ تُسَنُّ تعزيةُ المُسلِمِ إلى ثلاثَةِ أيَّامٍ. فيقالُ له: أعظمَ اللَّهُ أجرَكَ، وأحسَنَ عزاءَكَ، وغفَرَ لميِّتِكَ. (فصلٌ) في أحكامِ المُصابِ (تُسنُّ تعزيةُ المُسلمِ) المُصابِ. أمَّا الكافرُ فتحرُمُ تعزيتُه، كما صرَّحَ به في "الإقناعِ" (١). وظاهرُ إطلاقِه: ولو كان الميِّتُ مسلمًا. لحديثِ: "ما مِن مُؤمنٍ يُعزِّي أخاهُ بمصيبةٍ إلا كساهُ اللهُ مِن حُلَلِ الجنَّةِ". رواهُ ابنُ ماجَه (٢). وعن ابنِ مسعودٍ مرفوعًا: "مَن عزَّى مُصابًا فله كمثلِ أجرِه". رواهُ ابنُ ماجَه والترمذيُّ (٣)، وقالَ: غريبٌ. وهي: التسليةُ، والحثُّ على الصبرِ، والدُّعاءُ للميِّتِ والمُصابِ، ولو كان صغيرًا. (إلى ثلاثةِ أيَّامِ) فلا يُعزَّى بعدَها؛ لأنَّها مدَّةُ الإحدادِ المطلق. قال المجدُ: إلَّا إذا كان غائبًا، فلَا بأسَ بتعزيته إذا حضَرَ. قال النَّاظمُ: ما لم تُنْسَ المصيبةُ (فيقالُ له (٤)) في تعزيةِ المسلمِ المُصابِ بمسلمٍ: (أعظَمَ اللهُ أجرَكَ، وأحسَنَ عزاءَكَ، وعْفَرَ لميِّتِكَ) ويقالُ غيرُ ذلك ممَّا يؤدِّىِّ معناه. وروَى حربٌ عن زُرارةَ بنِ

стр. 536

ويقول هو: استجابَ اللَّهُ دعاءَك، ورحِمَنا وإياكَ. ولا بأسَ بالبكاءِ على الميِّتِ. أبي أوفَى قال: عزَّى النبيُّ ﷺ رجلًا على ولدِه فقال: "آجرَكَ اللهُ، وأعظَمَ لك الأجرَ" (١). وكُرِهَ تكرارُها، فلا يُعزِّي عندَ القبرِ مَن عزَّى قبلُ. وله الأخذُ بيدِ مَن يُعزِّيه. (ويقولُ هو) المعزَّى، بفتحِ الزَّايِ مُشدَّدةً: (استجابَ اللهُ دُعاءَكَ، ورحِمَنا وإيَّاكَ) ردَّ به الإمامُ أحمدُ، وكفَى به قُدوةً. ويُسنُّ للمُصابِ أن يَسترجِعَ، فيقولَ: إنَّا للهِ - أي: نحن عبيدُه يفعلُ بنا ما يشاء - وإنَّا إليه راجعونَ - أي: نحنُ مُقرُّونَ بالبعثِ والجزاءِ على أعمالِنا - اللهمَّ أْجُزني في مُصيبَتي، واخلُفْ لي خيرًا منها. قال الآجُرِّيُّ، وجماعةٌ: ويُصلِّي ركعتينِ. قال في "الفروعِ": وهو مُتَّجهٌ، فعَلَه ابنُ عباسٍ (٢)، وقرأَ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]. (ولا بأسَ بالبكاءِ) قال الجوهريُّ: البكاءُ يُمدُّ ويُقصَرُ. فإذا مددتَ، أردَّتَ الصَّوتَ الذي يكونُ مع البكاءِ، وإذا قصرتَ أردَّتَ الدُّموعَ، وخروجَها. (على للميِّتِ) قبلَ الموتِ وبعدَه. قال الشَّارحُ: وأخبارُ النَّهي محمولةٌ على بُكاءٍ معه ندبٌ أو نياحةٌ. قال صاحبُ "المحررِ": أو أنَّه كُرِهَ كثرةُ البُكاءِ، والدَّوامُ عليه

стр. 537

ويحرُم: النَّدبُ، وهو: البُكَاءُ مَعَ تعدَادِ محاسِنِ المَيِّتِ، والنِّياحَةُ، وهيَ: رَفعُ الصَّوتِ بذلك برنَّةٍ. ويحرُمُ: شَقّ الثَّوبِ، ولَطمُ الخَدِّ، والصُّراخُ، ونتفُ الشَّعرِ، ونَشرُهُ، وحَلقُهُ. أيَّامًا كثيرةً (١). (ويحرُمُ النَّدبُ، وهو: البكاءُ، مع تعدَادِ محاسنِ المِّيتِ) بلفظِ النِّداءِ بواوٍ مع زيادةِ الألفِ والهاءِ في آخرِهِ، كقولِه: واسيِّداهُ، واجبَلَاة، وانقطاعَ ظهْراهُ. (و) تحرُمُ (النياحةُ، وهي: رفعُ الصَّوتِ بذلك) أي: بالنَّدبِ، وتعدَادِ محاسِنِ الميِّتِ (برنَّةٍ) لما في الصحيحين (٢)، عن أمِّ عطةَ قالَتْ: أخَذَ علينا رسولُ اللهِ ﷺ في البيعةِ أن لا ننوحَ. وفي "صحيحِ مسلمٍ" (٣) أنَّه ﷺ لعَنَ النائحةَ والمستمعَةَ. (ويحرُمُ شقُّ الثوبِ، ولطمُ الخَدِّ، والصُّراخُ، ونتفُ الشَّعَرِ، ونشرُهُ، وحلقُهٌ) ونحوُ ذلك، كتسويدِ وجهٍ، وخمشِه؛ للأخبارِ، منها: حديثُ "الصحيحين" (٤) مرفوعًا: "ليس منَّا مَنْ لطَمَ الخُدودَ، وشَقَّ الجيوبَ، ودَعا بدعوَى الجاهليةِ". ولما فيه من عدَمِ الرِّضا بالقضاءِ، والسُّخْطِ من فعلِه تعالى. وصحَّت الأخبارُ بتعذيبِ الميِّتِ بالنياحةِ والبُكاءِ عليه. وحمِلَ على مَنْ أوصَى به، أو لم يُوصِ بتركِه إذا كان

стр. 538

وتُسَنُّ زيارةُ القبورِ للرجالِ، وتُكرهُ للنِّساء، وإنِ اجتازَت المرأةُ بقَبرٍ في طريقِهَا، فسلَّمَت عليِه، ودَعَت له، فحَسَنٌ. وسُنَّ لمَنْ زارَ القُبُورَ، أو مرَّ بها، أن يقولَ: السلامُ عليكُم دارَ قومٍ مؤمنينَ، وإنَّا إن شاءَ اللَّه بِكُم للاحِقُونَ، ويرحَمُ اللَّهُ المستَقدِمِينَ مِنكم عادةَ أهلِه، أو على مَن كَذَّبَ به حينَ يموتُ. أو على تأذيِّه به. قال في "الشرح" (١): ولا بُدَّ مِن حملِ الحديثِ على البُكاءِ الذي معه ندبٌ ونياحةٌ، ونحوُ هذا. وما هيَّجَ المُصيبةَ مِن وعظٍ وإنشادِ شعرٍ، فمِنَ النياحةِ. قاله الشيخُ تقيُّ الدِّينِ (٢). (وتُسنُّ زيارةُ القبورِ للرجالِ) نصَّ عليه، وحكاهُ النوويُّ إجماعًا؛ لقولِه ﵇: "كنْتُ نهيتُكم عن زيارةِ القبورِ، فزُورُوها، فإنَّها تُذكِّرُ الموتَ". رواهُ مسلمٌ (٣)، وللترمذيِّ: "فإنَّها تُذكِّرُ الآخرةَ". (وتُكرَهُ) زيارةُ القبورِ اللنساءِ) لحديثِ أمِّ عطيةَ: نُهينا عن زيارةِ القبورِ، ولم يُعْزَمْ علينا. متَّفَقٌ عليه (٤). (وإنِ اجتازَتِ المرأةُ بقبرٍ في طريقِها) ولم تكُنْ خرَجَت له (فسلَّمَت عليه، ودَعَت له، فحسَنٌ) (وسُنَّ لمَن زارَ القبورَ، أو مرَّ بها، أن يقولَ) مُعَرِّفًا: (السَّلامُ عليكم دارَ قومٍ مؤمنين، وإنَّا إن شاءَ اللهُ بكم للاحقونَ، ويرحَمُ اللهُ المستقدمينَ مِنكم

стр. 539

والمستأخِرِين، نسألُ اللَّهَ لنا ولكُم العافِيةَ. اللَّهم لا تحرِمنَا أجرَهُم، ولا تَفتِنَّا بعدَهُم، واغفِر لنا ولَهُم. وابتداءُ السَّلامِ على الحيِّ سُنَّةٌ، والمُستأخرين، نسألُ اللهَ لنا ولكم العافية. اللهمَّ لا تحرمْنا أجرَهم، ولا تفتنَّا بعدَهم، واغفرْ لنا ولهم) للأخبارِ. وقولُه: "إن شاءَ اللهُ" للتبرُّكِ، أو في الموتِ على الإسلامِ، أو في الدَّفنِ عندَهم، ونحوِه ممَّا أُجيبَ به (١)؛ إذ الموتُ مُحقَّقٌ، فلا يُعلَّقُ بـ "إنْ". (وابتداءُ السَّلام على الحيِّ سُنَّةُ) عَينٍ مِن مُنفرِدٍ. ومِن جمعٍ اثنينِ فأكثرَ، سنَّةُ كفايةٍ؛ لحديثِ: "أفْشوا السَّلامَ" (٢). وما بمعناهُ. والأفضلُ أن يسلِّموا كلُّهم، ولا يجبُ، إجماعًا. قالَه في "الشرحِ" (٣). ويُكرَهُ في الحمَّامِ، وعلى مَنْ يأكلُ، أو يقاتلُ، أو يبولُ، أو يتغوَّطُ، أو يخطُبُ، أو يتلُو، أو يذكُز، أو يلبِّي، أو يعِظُ، أو يستمِعُ لهم، ومَن يُكرِّرُ فقهًا، أو يدرِّسُ، أو يبحَثُ في العلمِ، أو يؤذِّنُ، أو يُقيمُ، أو يتمتَّعُ بأهلِهِ، أو يشتغِلُ بالقضاءِ، ونحوِهم (٤). أو على أجنبيَّةٍ غيرِ عجوزٍ. قال الشيخُ عبدُ القادرِ: ولا يُسلِّمُ على المُتلَبِّسِ بالمعاصي، كمَنِ اجتازَ على قومٍ يلعبون بالشِّطْرَنجِ، أو النَّردِ، أو يشربونَ الخمرَ، أو يلعبونَ بالجوزِ والقِمارِ. وإن

стр. 540

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . سلَّموا هم، رُدَّ عليهم. وقال أبو داودَ: قلْتُ لأحمدَ: جماعةٌ يتقاذفونَ، أسلِّمُ عليهم؟ قال: هؤلاء قومٌ سفهاءُ. والسلامُ اسمٌ من أسماءِ اللهِ. ورفعُ الصَّوتِ بالسَّلامِ سُنَّةٌ؛ بحيثُ يسمعُه المسلَّمُ عليهم سماعًا مُحقَّقًا. ولو سلَّمَ على إنسانٍ، ثمَّ لقِيَه على قُربٍ، سلَّمَ ثانيًا وثالثًا وأكثرَ. ويُسنُّ أن يبدأَ بالسَّلامِ قبلَ الكلامِ. ولا يتركُ السَّلامَ إذا غلَبَ على ظنِّه أنَّ المسلَّمَ عليه لا يرُدُّ. وإن دخَلَ على جماعةٍ فيهم علماءَ، سلَّمَ على الكُلِّ، ثمَّ على العلماءِ سلامًا ثانيًا. ويُكرَهُ أن يخُصَّ بعضَ طائفةٍ لقِيَهم بالسَّلامِ. وأن يقولَ: سلامُ اللهِ عليكم. ويُسنّ السَّلامُ أيضًا عندَ الانصرافِ. ويُسنّ أن يُسلِّمَ الصغيرُ والقليلُ والماشي والراكبُ على ضدِّهم، فإن عكسَ، حصَلَت السنَّةُ. هذا إذا تلاقَوا في طريقٍ، أمَّا إذا وردُوا على قاعدٍ، فالواردُ يبدأُ مُطلقًا. ويُستحبُّ لكلٍّ مِنَ المتلاقِيَيْنَ أن يحرصَ على الابتداءِ بالسَّلامِ. فإن بدأَ كلٌّ منهما به معًا، وجَبَ على كلٍّ الإجابةُ. وإرسالُ السَّلامِ إلى الأجنبيةِ، وإرسالُها إليه، لا بأسَ به (١)؛ للمصلحةِ وعدمِ المحذورِ. ومَن بُعِثَ معه سلامٌ، وجَبَ تبليغُه. ولو سلَّمَ على أصمَّ، جمَعَ بينَ اللَّفظِ والإشارةِ. وسلامُ الأخرسِ وجوابه (٢) بالإشارةِ.

стр. 541

وردُّه فَرضُ كِفَايَةٍ. (وردُّه) أي: السَّلامِ، إن لم يكُنْ ابتداؤُه مكروهًا (فرضُ كفايةٍ) فإن كان المسلَّمُ عليه واحدًا، تعيَّنَ عليه. ورَدّ السلامِ سلامٌ (١) حقيقةً؛ لأنَّه يجوزُ بلفظِ: سلامٌ عليكم. ولا يسقطُ بردِّ غيرِ المُسلَّمِ عليه؛ لأنَّه ليس مِن أهلِ الفرضِ. ولا تجِبُ زيادةُ الواوِ؛ بأن يقولَ الرَّادُّ: وعليك السَّلامُ. ولا تُسنُّ الزيادةُ في الابتداءِ، ولا في الزَدِّ على قولِه: ورحمةُ اللهِ وبركاتِه. ويُجزئُ إن زادَ الابتداءَ على لفظِ الرَّدِّ وعكسِه. ويُسنُّ أن يأتيَ المُبتدئُ بلفظِ الجمعِ، فيقول: السلامُ عليكم. وإن كان المُسلَّمُ عليه واحدًا (٢). وإن سلَّمَ على مَن وراءَ جدارٍ، أو على غائبٍ عنِ البلدِ برسالةٍ، أو كتابةٍ، وجَبَت الإجابةُ عندَ البلاغِ. ويُستحبّ أن يرُدَّ على الرسولِ، فيقول: وعليك وعليه السلامُ (٣). ولا يُقالُ في الرد: السلامُ عليكم. ولا: سلامٌ عليكم. قال ابنُ (٤) القيِّمِ ﵀ (٥): لأنَّه إذا قال ذلك، لم يَعرِفْ أهذا ردٌّ لسلامِه عليه (٦) أم ابتداءُ تحيَّةٍ؟!.

стр. 542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومطلوبُ المسلِّم (١) مِن المسلَّم عليه (٢) أن يَرُدَّ عليه سلامَه، وليس مقصودُه أن يبدأَه بالسلامِ، كما بدأَه به. ولأَنَّ المسلِّمَ لمَّا تضمَّنَ سلامُه الدُّعاءَ للمُسلَّمِ عليه، بوقوعِ السلامة (٣) وحلولِها عليه، وكان الرَّدُّ مُتضمِّنًا الطَّلبَ أن يحلَّ عليه ما دُعِيَ به له، وذلك لا يحصُلُ إلَّا بصفةِ الرَّدِّ؛ لأنَّ معناها: وعليكَ مِن ذلك ما طلَبْتَ لي، كان الرَّدُّ بالتعريفِ عبثًا، بخلافِ ابتداءِ السلامِ، فإنَّه يكونُ مُنكَّرًا أو مُعرَّفًا؛ لأنَّ معنى: سلامٌ عليكَ. جارٍ مجرَى: سلَّمَكَ اللهُ. والفعلُ نكرةٌ فأحبّوا أن يجعلُوا اللَّفظَ الجاري مجراهُ نكرةً مثلَه. وأمَّا الرَّدُّ فمعناه: السلامُ الذي طلَبْتَه لي مردودٌ عليك، فلو أتَى به مُنكَّرًا، لم يكُنْ فيه إشعارٌ بذلك. انتهى ما قالَه ابنُ القيِّمِ ﵀. وسلامُ النساءِ على النساءِ، كسلامِ الرِّجالِ على الرِّجالِ. قال في "الإقناعِ": ولا بأسَ بالمُعانقَةِ. وقال أبو المَعالي في "شرحِ الهدايةِ": تُستحبُّ زيارةُ القادمِ، ومُعانقتُه والسلامُ عليه. قال: وإكرامُ العلماءِ وأشرافِ القومِ بالقيامِ سنَّةٌ مُستحبَّةٌ. قال: ويُكرَهُ أن يطمَعَ في قيامِ الناسِ له. وقال ابنُ تميمٍ ﵀: لا يُستحبّ القيامُ إلَّا للإمامِ العادلِ، والوالدين، وأهلِ العلمِ والدِّينِ والوَرَعِ، والكرَمِ والنَّسبِ. وهو معنَى كلامِه في "المجرَّد" و"الفصولِ". وكذا ذكَرَ الشيخُ عبدُ القادرِ. قال: ويُكرَهُ لأهلِ المعاصي والفجورِ.

стр. 543

وتَشمِيت العاطِسِ- إذا حَمِدَ - فرضُ كِفَايَةٍ، وردُّه فرضُ عَينٍ. والذي يُقامُ إليه ينبغي أن لا تستكبِرَ نفسُه إليه، ولا تطلبُه. والنهيُ قد وقَعَ على السُّرورِ بذلك، فقد قال ﵇ (١): "مَن سرَّهُ أن يتمثَّلَ الناسُ له قيامًا، فليتبوَّأ مقعدَه مِنَ النارِ" (٢). فإذا لم يُسرَّ بالقيامِ إليه، وقاموا إليه، فغيرُ ممنوعٍ منه. ذكَرَه في "الآدابِ". ولا بأسَ بتقبيلِ الرَّأسِ واليدِ لأهلِ العلمِ والدِّينِ ونحوِهم؛ لحديثِ عائشةَ، قالَت: قَدِمَ زيدُ بنُ حارثةَ المدينةَ ورسولُ اللهِ ﷺ في بيتي، فأتاه، فقرع الباب، فقام إليه رسول اللَّه ﷺ فاعتنقَه وقبَّلَه (٣). حسَّنَه الترمذيّ (٤). وكُرِهَ تقبيلُ فمِ غيرِ زوجةٍ وسُرِّيَّةٍ. قالَ عمُّ والدي العلَّامةُ الشيخُ مرعي في كتابِه "غايةِ المُنتهَى" (٥): ويتَّجِهُ هذا في محارمِه، وإلَّا فالأجنبيَّةُ حرامٌ. (وتشمِيتُ العاطسِ إذا حَمِدَ) اللهَ تعالى (فرضُ كفايةٍ، ورَدُّه فرضُ عينٍ) لأنَّ التَّشميتَ تحية، فحُكمُه كالسلامِ. ولهذا لا يُشمَّتُ الكافرُ، كما لا يُبدأُ بالسَّلامِ. فيقالُ لعاطسٍ حَمِدَ اللهَ: يرحمُكَ اللهُ. أو: يرحمُكُم اللهُ. ويُجيبُ بقولِه: يهديكُم اللهُ، ويُصلِحُ بالكُم. أو يغفِرُ اللهُ لنا ولكُم. فإن لم يحمَدْ، لم يُشمَّتْ؛ لحديثِ أبي هريرةَ: "فإذا عَطس أحدُكم،

стр. 544

ويعرِفُ الميِّتُ زائرَة يومَ الجُمُعَةِ قَبلَ طلوعِ الشَّمسِ. فحمِدَ اللهَ، فحقٌّ على كلِّ مسلمٍ سمِعَه أن يقولَ له: يرحمُك اللهُ" (١). ولا يُشمَّتُ أكثرَ مِن ثلاثٍ في مجلسٍ واحدٍ. والاعتبارُ بفعلِ التَّشميتِ، لا بعدَدِ العَطَساتِ. ويُعلَّمُ صغيرٌ الحمدَ إذا عطَسَ، ثمَّ يُقالُ له: يرحمُكَ اللهُ، أو بُورِكَ فيكَ. ومَن عطسَ فلم يحمَدْ، فلا بأسَ بتذكيرِه (٢). تتمَّةٌ: إذا عَطسَ، خمَّرَ (٣) وجهَه، وغَضَّ صوتَه، وجهَرَ بالحمدِ، ولا يُستحبُّ تحميدُ الذِّمِّيِّ، وإن قيلَ: يهديكُمُ اللهُ. جازَ. ولا يُشمَّتُ. ولا يجيبُ المتجشئَ (٤) بشيءٍ، فإن حَمِدَ، يقالُ له: هنيئًا مريئًا. أو هنَّاكَ اللهُ وأمرأكَ. ويجِبُ الاستئذانُ على مَن أرادَ الدُّخولَ عليه، قريبًا كان أو غيرَه. فإن أذِنَ وإلَّا رجَعَ. ولا يزيدُ على ثلاثٍ، إلَّا أن يظُنَّ عدمَ سماعِهم (ويعرِفُ الميَّتُ زائِرَه يومَ الجُمُعَةِ قبلَ طلوعِ الشَّمسِ) قالَه أحمدُ. وفي "الغُنيةِ": يعرِفُه كُلَّ وقتٍ، وهذا الوقتُ آكدُ. وقال ابنُ القيِّمِ: الأحاديثُ والآثارُ تدلُّ على أنَّ الزَّائرَ متى جاءَ، علِمَ به المَزورُ، وسمِعَ سلامَه، وأنِسَ به، ورَدَّ عليه، وهذا عامٌّ في حقِّ الشُّهداءِ ويخرِهم، وأنَّه لا توقيتَ في ذلك، وهو أصحُّ مِن أثرِ الضَّحاكِ الدالِّ على التوقيت. انتهى يشير إلى ما روي عن الضحاك، قال: مَن زارَ قبرًا يومَ السَّبتِ قبلَ طُلوعِ

стр. 545

ويتأذَّى بالمُنكَرِ عِندَهُ، وينتفِعُ بالخَيرِ. الشَّمسِ، علِمَ الميِّتُ بزيارتِه. قيلَ له: وكيفَ ذلك؟ قال: لمكانِ يومِ الجمعةِ. ونحوُه ما روَى ابنُ أبي الدُّنيا عن محمدِ بنِ واسعٍ، قال: بلغَني أنَّ الموتَى يعلمون مَن زارَهم يومَ الجمعةِ، ويومًا قبلَه، ويومًا بعدَه (١). (ويتأذَّى بالمُنكَرِ عندَه، وينتفِعُ بالخيرِ) ويجِبُ الإيمانُ بعذابِ القبرِ. وسُنَّ لزائرِ الميِّتِ فعلُ ما يُخفِّفُ عنه، ولو بجعلِ جريدةٍ رطبَةٍ في القبرِ؛ للخبر (٢). وأوصَى به بُريدَةُ. ذكَرَه البخاريُّ (٣). ولو بذكرٍ وقراءةٍ عندَه؛ لخبرِ الجريدَةِ؛ لأنَّه إذا رُجَي التخفيف بتَسبيحِها، فالقراءةُ أَوْلَى. وعن ابنِ عمرَ، أنَّه كان يَستحبُّ إذا دُفِنَ أن يُقرأَ عندَ رأسِه بفاتحةِ (٤) سورةِ البقرةِ، وخاتمتِها. رواهُ اللالكائيُّ (٥). ويؤيدُه عمومُ: "اقرؤُوا يس على موتاكُم" (٦). وعن عائشةَ، عن أبي

стр. 546

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بكرٍ مرفوعًا: "مَن زارَ قبرَ والديه في كلِّ جمعةٍ، أو أحدِهما، فقرأَ عندَه يس، غفَرَ اللهُ له بعدَدِ كلِّ آيةٍ، أو حرفٍ" (١) رواهُ أبو الشيخِ في "فضائلِ القرآنِ". وكُلُّ قُربةٍ فعَلَها مسلمٌ، وجعَلَ ثوابَها لمسلمٍ حيٍّ أو ميِّتٍ، حصَلَ ثوابُها له، ولو جهِلَ الثوابَ الجاعلُ؛ لأنَّ اللهَ يَعلَمُه، كالدُّعاءِ (٢)، والاستغفارِ، وواجبٍ تدخلُه النيابةُ، وصدقةِ التَّطوُّعِ، إجماعًا. وكذا العِتقُ، وحجُّ التطوُّعِ، والقراءةُ، والصَّلاةُ، والصيامُ. قال أحمدُ: الميتُ يصِلُ إليه كلُّ شيءٍ مِنَ الخيرِ، مِن صدقةٍ، أو صلاةٍ أو غيرِه؛ للأخبارِ. ومنها ما روَى أحمدُ (٣) أنَّ عُمرَ سألَ النبيَّ ﷺ فقال: "أمَّا أبوكَ فلو أقرَّ بالتوحيدِ، فصُمْتَ أو تصدَّقْتَ عنه، نفعَه ذلك". وروَى أبو حفصٍ، عنِ الحسنِ (٤) والحُسينِ، أنَّهما كانا يُعتقانِ عن عليٍّ بعدَ موتِه (٥). وأعتَقَت عائشةُ عن أخيها عبدِ الرحمنِ بعدَ موتِه (٦). ذكَرَه ابنُ المُنذرِ.

стр. 547

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولا يُشترَطُ في الإهداءِ، ونقلِ الثَّوابِ، نئتُه به، ابتداءً. بل يتَّجهُ حصولُ الثَّوابِ له ابتداءً بالنيَّةِ له قبلَ الفعلِ، أهداهُ أو لا. وظاهرُه: لا يُشترَطُ أن يقول: إن كنْتَ أثثتَني على هذا، فاجعَلْ ثوابَه لفلانٍ. ولا يضُرُّ كونُه أهدَى ما يتحقَّقُ حصولُه؛ لأنَّه يظُنّه، ثقةً بوعدِ اللَّه، وحُسنًا للظنِّ به. ولو صلى فرضًا، وأهدى ثوابَه (١) لميِّتٍ، لم يصِحَّ في الأشهرِ. وقالَ القاضي: يصِحُّ. وإهداءُ القُرَبِ مُستحبٌّ. قال في "الفنونِ ": ويُسستحبُّ إهداؤُها حتى للنبيِّ ﷺ . وكذا قال صاحبُ "المحرَّرِ". وقالَ الشيخُ تقيُّ الدِّينِ: لم يكُنْ مِن عادةِ السَّلَفِ إهداءُ ذلك إلى موتَى المسلمين، بل كانوا يدعُون لهم، فلا ينبغي الخروجُ عنهم. وذكرَ عنهم: أنَّ أقدَمَ، مَن بلَغَه أنَّه أهدىَ للنبيِّ ﷺ : عليُّ بن المُوفَّقِ، أحدُ الشيوخِ المشهورينَ مِن طبقةِ أحمدَ، وشيخ الجُنيدِ (٢). ويدلُّ لما في المتنِ مِن كونِ الحيِّ في ذلك كالميِّتِ: ما رواهُ أحمدُ (٣) مِن حديثِ أبي رافعٍ أنَّ النبيَّ ﷺ ضحَّى بكبشينِ أملَحَينِ أقرنَينِ، فلمَّا ذبَحَ أحدَهما قال: "اللهمَّ إنَّ هذا عن أمَّتي جميعًا، مَن شهِدَ لك بالتوحيدِ، وشهِدَ لي بالبلاغِ".

стр. 548

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهذا يدلُّ على أنَّ أُمَّتَه أحياءَهم وأمواتَهم، قد نالَهم الأجرُ والنَّفعُ بتضحيَتِه، وإلَّا كان ذلك عبَثًا. وظاهرُ هذا: جوازُ الصَّدقةِ، وإهداءِ الثوابِ على الأمة (١) إلى يومِ القيامةِ (٢). وما تقدَّمَ كلُّه فيمَن يأتي بالقُرَبِ احتسابًا. فأمَّا اكتراءُ مَن يقرأُ ويُهدِي ثوابَ قراءتِه، فقد قال الشيخُ تقيُّ الدِّينِ: ما علِمْت أحدًا ذكَرَه، ولا ثوابَ له، فلا شيءَ للميِّتِ. قالَه العلماءُ. انتهَى (٣). وقال بعضُهم: إذا قُرِئَ القرآنُ عندَ الميِّتِ، وأُهدِيَ إليه ثوابُه، كان الثَّوابُ لقارئِه، ويكونُ الميِّتُ كأنَّه حاضِرُها، فتُرجَى له الرحمةُ. وأُجيبَ بما تقدَّمَ مِنَ الأدلَّةِ، وبأنَّ الإجماعَ قائمٌ على إهداءِ ثوابِ القراءةِ، فإنَّه في كلِّ عصرٍ ومصرٍ، يجتمعون ويقرأون القرآنَ، ويهدونَ ثوابَه إلى موتاهم مِن غيرِ نكيرٍ، ولأنَّه قد صحَّ عنِ النبيِّ ﷺ : "إنَّ الميِّتَ يُعذَّبُ ببكاءِ أهلِه" (٤). والله أكرَمُ مِن أن يوصِلَ عقوبةَ المعصية (٥) إليه، ويحجُبَ ثوابَ القُربةِ عنه. وأمَّا الآيةُ (٦) فمخصوصةٌ بما سلَّمَه الخصمُ، مِن حصولِ ثوابِ الواجباتِ، والصدقَةِ، والدُّعاءِ، والاستغفارِ، فيُقاسُ عليه ما وقَعَ الاختلافُ فيه، لكونِه في معناهُ.

стр. 549

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولا حُجَّةَ للمُخالِفِ في حديثِ: "إذا ماتَ ابنُ آدمَ انقطَعَ عمَلُه .. " (١) لأنَّه إنما دلَّ على انقطاع عملِه (٢)، وليس هذا مِن عمَلِه. فلا دَلالَةَ عليه فيه، ولو دلَّ عليه كان ذلك مخصوصًا بما سلَّمَه، فتعدَّى إلى ما منَعَه. وما ذُكِرَ مِنَ النَّفعِ لا يتعدَّى فاعِلَه، ولا يتعدَّاه ثوابُه. غيرُ صحيحٍ، فإنَّ تعدِّي الثَّوابِ ليصر بفرعٍ (٣) لتعدِّي النفعِ. ثمَّ هو باطلٌ بالصَّومِ والدّعاءِ والحجِّ، وليس له أصلٌ يُعتبَز به. واللهُ أعلمُ (٤). * * *

стр. 550

كِتابُ الزَّكاةِ شَرطُ وجُوبِها خمسَةُ أشياءَ: (كتابُ الزكاةِ) أحدُ أركانِ الإسلامِ ومَبانِيه المُشارِ إليها بقولِه ﵇: "بُنيَ الإسلامُ على خمسٍ". مِن: زَكَا يزكُو، إذا نمَا وتطهَّر؛ لأنها تُطهِّر (١) مُؤدِّيها مِنَ الإثمِ، أي: تُنزِّهُه عنه، وتُنمِّي أجرَه، أو تنمِّي المالَ أو الفقراءَ. وأجمعُوا على فرضيَّتِها، واختلفُوا هل فُرِضَت بمكَّةَ أو بالمدينةِ؟ وذكَرَ صاحبُ "المُغني" و"المُحرَّرِ" والشيخُ تقيُّ الدِّينِ: أنَّها مدنيَّةٌ. قال في "الفروعِ": المُرادُ طلبُها وتجما السُّعاةِ لقبضِها، فهذا بالمدينةِ. وقال الحافظُ شرَفُ الدِّينِ الدِّمياطيُّ: فُرِضَت في السنة الثانية من الهجرة بعد زكاة الفطر. وفي "تاريخ ابن جرير الطبري": أنها فُرضت (٢) في السَّنةِ الرَّابعةِ مِنَ الهجرةِ (٣). وهي في الشَّرعِ: حقٌّ واجبٌ في مالٍ خاصٍّ، لطائفةٍ مخصوصةٍ، بوقتٍ مخصوصٍ. و (شُرِطَ) لـ (وجوبِها) (٤) أي (٥): الزكاةِ (خمسةُ أشياءَ) وليس منها بلوغٌ، ولا

стр. 551

أحدُهما: الإسلامُ، فلا تجِبُ على الكافرِ، ولو مُرتَدًّا. الثاني: الحُريَّةُ، فلا تجِبُ على الرَّقيقِ، ولو مكاتَبًا، لكن تجِبُ على المُبعَّضِ بقدرِ مِلكِهِ. عقلٌ. فتجِبُ في مالِ الصغيرِ والمجنونِ: (أحدُها: الإسلامُ، فلا تجِبُ) زكاةٌ (على الكافرٍ) (١) لحديثِ مُعاذٍ حينَ بعثَه النبيُّ ﷺ إلى اليمنِ: "إنَّك تأتي قومًا أهلَ كتابٍ، فادعُهم إلى أن يشهدُوا أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، فإن هم أطاعُوكَ (٢) لذلك، فأعلِمْهم أنَّ اللهَ قد افترَضَ عليهم صدقَةً، تُؤخَذُ مِن أغنيائِهم، فتُرَدُّ على فقرائِهم. متَّفَق عليه (٣). ولأنَّها أحدُ أركانِ الإسلامِ، فلم تجِبْ على كافرٍ، كالصيامِ (ولو) كان الكافرُ (مرتدًّا) لأنَّه كافرٌ، فأشبَهَ الأصليَّ. فإذا أسلَمَ، لم تُؤخَذْ منه لزمنِ رِدَّتِه؛ لعُمومِ قولِه تعالى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفَال: ٣٨]. وقولِه ﵇: "الإسلامُ يجُبُّ ما قبلَه" (٤). (الثاني: الحُريَّةُ) ولا يُشترَطُ كمالُها (فلا تجِبُ على الرَّقيقِ) أي: كاملِ الرِّقِّ، ولو قيلَ: يملِكُ بالتَّمليكِ (ولو) كان (مُكاتبًا) لحديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ مرفوعًا: " ليسَ في مالِ المُكاتَبِ زكاةٌ حتى يَعتِقَ ". رواهُ الدَّارقُطنيُّ (٥). ولأنَّ مِلكَه ضعيفٌ لا يحتمِلُ المُواساةَ. ومَتى عتَقَ، استأنَفَ الحولَ بما بقِيَ له إن بلَغَ نصابًا

стр. 552

الثالِثُ: مِلكُ النِّصابِ، تقريبًا في الأثمانِ، وتَحديدًا في غَيرِها. الرابعُ: المِلكُ التَّامُّ، فلا زكاةَ على السيِّد في دَيْنِ الكِتَابَةِ، ولا في حِصَّةِ المُضَارِبِ، قبلَ القِسمَةِ. (لكن تجِبُ على المُبعَّضِ بقدرِ مِلكِه) مِنَ المالِ بجُزئِهُ الحُرِّ. (الثالثُ: مِلكُ النِّصابِ) وهو سببُ وجودِ الزكاةِ، فلا زكاةَ في مالٍ حتى يبلُغَ نصابًا، لما يأتي في أبوابِه. ويكونُ النِّصابُ (تقريبًا في الأثمانِ) والعروض (١)، فتجِبُ مع نقصٍ يَسيرٍ كحبةٍ وحثتينِ؛ لأنَّه لا ينضبِطُ غالبًا، أشبَهَ نقصَ الحولِ ساعةً أو ساعتينِ (وتحديدًا في غيرِها) أي: غيرِ الأثمانِ والعُروضِ، مِنَ الحبوبِ والثِّمارِ والمواشي. فإن نقَصَ نصابُها، ولو بجزءٍ يسيرٍ، لم تجِبْ، لكن لا اعتبارَ بنقصٍ يدخُلُ في الكيلِ. (الرابعُ: المِلكُ التَّامُّ) لأنَّ الزكاةَ في مُقابلَةِ تمَام (٢) النعمةِ، والمِلكُ النَّاقصُ ليس بنعمةٍ تامَّةٍ. (فلا زكاةَ على السيِّدِ في دَيْنِ (٣) الكِتابةِ) لنقصِ مِلكِه فيه، لعدَمِ (٤) استقرارِه بحالٍ، وعدمِ صحَّةِ الحوالَةِ عليه وضمانِه. وما قبَضَه منه سيدُه يستقبل به الحولَ إن بلَغَ نصابًا. (ولا) زكاةَ (في حصَّةِ المُضارِبِ قبلَ القِسمةِ) ولو ملِكَت حصَّتهُ له بالظّهورِ لعدَمِ استقرارِه؛ لأنَّه وقايةٌ لرأسِ المالِ، فمِلكُه ناقصٌ.

стр. 553

الخامسُ: تمامُ الحَوْلِ، ولا يضُرُّ لو نقصَ نِصفَ يومٍ. وتجِبُ في مالِ الصَّغيرِ والمجنُونِ. (الخامسُ: تمامُ الحولِ) أي: مُضيُّ الحولِ على نصابٍ تامٍّ، لحديث: "لا زكاة في مالٍ، حتى يحولَ عليه الحَوْلُ" (١) رفقًا بالمالكِ، وليتكامَلَ النَّماءُ فيُواسَى منه، ولأنَّ الزكاةَ تتكرَّرُ في هذه الأموالِ، فلا بُدَّ لها من ضابطٍ، لئلَّا يفضِيَ إلى تعاقُبِ الوجوبِ في الزَّمنِ المُتقارِبِ، فيفْنَى المالُ. أمَّا الزَّرعُ والثَّمَرُ، والمَعدِنُ، ونحوُه، فهي نماءٌ في نفسِها، تُؤخَذُ الزكاةُ منها عندَ وجودِها، تمَّ لا تجِبُ فيها زكاةٌ ثانيةٌ، لعدَمِ إرصادِها للنَّماءِ، إلَّا أن يكونَ المَعدِنُ أثمانًا. وقولُه تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعَام: ١٤١] ينفِي اعتبارَ الحوْلِ في الحُبوبِ ونحوِها. (ولا يضرُّ لو نقَصَ نصفَ يومٍ) أي: فلا يبطلُ الحولُ لو تلِفَ النِّصابُ بعدَ مُضيِّ الحوْلِ إلَّا نصفَ يوم. وظاهرُ عبارةُ المُصنِّفُ: يضرُّ مُعظمُ اليومِ، كما صرَّحَ به في "مُنتهَى الغايةِ". (وتجِبُ) الزكاةُ (في مالِ الصغيرِ والمجنونِ) لعُمومِ قولِ النبيِّ ﷺ لمُعاذٍ: "أعلِمْهم أنَّ عليهم صدقَةً، تُؤخَذُ مِن أغنيائِهم، فتُرَدُّ على فقرائِهم ". رواهُ الجماعةُ (٢). ولفظةُ: "الأغنياء". تشملُ الصغيرَ والمجنونَ، كما شملتْها لفظةُ " الفقراء".

стр. 554

وهي في خمسةِ أشياء: في سائمةِ بَهيمةِ الأَنعَامِ، وفي الخَارِجِ من الأرضِ، وفى العَسَلِ، وفي الأثمانِ، وفي عُرُوضِ التِّجارةِ. ويَمنَعُ وجُوبَها دَينٌ يُنقِصُ النِّصابَ. ولا تجبُ الزكاةُ في المالِ المنسوبِ إلى الجنينِ، أي: الذي وُقِفَ له في إرثٍ أو وصيَّةٍ؛ لأنَّه لا مالَ له ما دامَ حملًا. واختارَ ابنُ حمدانَ: يجِبُ لحُكمِنا له بالمِلكِ ظاهرًا حتى منعنا باقي الورثَةِ (١). (وهي) الزكاةُ (في خمسةِ أشياءَ): أحدُها: (في سائمةِ بهيمةِ الأنعامِ). (و) الثاني: (في) الخارج مِنَ الأرضِ. (و) الثالثُ: (في العَسَلِ). (و) الرابعُ: (في الأثمانِ). (و) الخامسُ: (في عُروضِ التجارةِ) (ويمنَعُ وجوبَها) أي: الزكاةِ (دَين، ينقُصُ النِّصابَ) باطنًا كانَ المالُ، كأثمانٍ وعُروضِ تجارةٍ، أو ظاهرًا، كماشيةٍ وحبوبٍ وثمارٍ؛ لما روَى أبو عبيدٍ في "الأموالِ" (٢) عنِ السَّائبِ بنِ يزيدَ، قال: سمِعْتُ عثمانَ بنَ عفَّانَ رضيَ اللهُ تعالى عنه يقولُ: هذا شهرُ زكاتِكم، فمَن كانَ عليه دَيْق فليؤدِّه، حتى تخرجوا زكاةَ أموالِكم. وفي لفظٍ: مَن كان عليه دَيْنٌ فليقضِ دَينَه، وليُزَكِّ بقيَّةَ مالِه. وقد قالَه

стр. 555

ومن ماتَ وعليهِ زكاةٌ، أخِذَت من تَرِكَتهِ. بمَحضَرٍ مِنَ الصَّحابةِ، فدلَّ على اتفاقِهم عليه؛ حيثُ لم يُنكرُوه. ولأنَّ الزكاةَ وجَبَت مواساةً للفقراءِ، وشُكرًا لنعمةِ الغِنَى. وحاجةُ المَدينِ لوفاءِ دَينِه كحاجةِ الفقيرِ أو أشدَّ. وليس مِنَ الحِكمةِ تعطيلُ حاجةِ المالكِ؛ لدفعِ حاجةِ غيرِه. (ومَن ماتَ وعليه زكاةٌ، أُخِذَت مِن تركَتِه) نصًّا، ولو لم يُوصِ به، كالعُشرِ؛ لقولِه ﷺ : "فدَين اللهِ أحقُّ بالقضاءِ" (١). وفاقًا للأئمَّةِ الثلاثةِ، ولأنَّ الزكاةَ حقٌّ واجبٌ تصحُّ الوصيَّةُ به، فلم يسقُطْ بالموتِ، كدَينِ الآدميِّ. * * *

стр. 556

بابُ زكاةِ السَّائِمَةِ تجِبُ فيها بثلاثةِ شُرُوطٍ: أحدُهما: أن تُتَّخذَ لِلدَّرِ والنَّسلِ والتَّسمِينِ؛ (بابُ زكاةِ السَّائمةِ) مِن بهيمةِ الأنعامِ. سُمِّيَت بهيمةً؛ لأنَّها لا تتكلَّمُ. وبدأَ بها اقتداءً بالصدِّيقِ في كتابِه لأنسٍ ﵄. أخرجَه البخاريُّ (١) بطولِه. ويأتي بعضُه مُفرَّقًا. وخرَجَ بالسائمةِ: المعلوفةُ، فلا زكاةَ فيها؛ لمفهومِ حديثِ بهزِ بنِ حكيمٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه مرفوعًا: "في كلِّ إبلٍ سائمةٍ في كلِّ أربعينَ، ابنةُ لبونٍ" رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ (٢). وحديثِ الصِّدِّيقِ مرفوعًا: "وفي الغنَمِ في سائمتِها إذا كانَت أربعينَ، ففيها شاةٌ .. ". الحديث. وفي آخرِه أيضًا: "إذا كانت سائمةُ الرَّجلِ ناقصةً عن أربعينَ شاةً، شاةٌ واحدةٌ، فليسَ فيها شيءٌ إلَّا أن يشاءَ ربُّها" (٣). فقيَّدَ بالسَّومِ، وأبدَلَ البعضَ، مِنَ الكُلِّ، وأعادَ المُقيِّدَ مرَّةً أُخرَى، وذلك دليلُ اشتراطِه، خصوصًا مع اشتمالِه على مناسبةٍ. وحيثٌ تقرَّرَ هذا (تجبُ بثلاثةِ (٤) شروطٍ): (أحدُها: أن تُتَّخذَ للدَّرِّ والنَّسلِ) قال في "الفروعِ ": زادَ بعضُهم: (والتسمين)

стр. 557

لا للعَمَلِ. الثاني: أن تَسُومَ -أي: تَرعَى المُباحَ- أكثرَ الحَولِ. الثالِث: أنْ تبلُغَ نِصَابًا. فأقلُّ نِصابِ الإبِلِ خَمسٌ، فلا تجبُ في سائمةٍ، للانتفاعِ بظهرِها كالإبلِ التي تُكرَى وتُؤجَّرُ، وبقَرِ حرثٍ، ونحوِه، أكثرَ الحولِ، كما في "الإقناعِ" وغيرِه. ولو سامَت اكترَه. ولهذا قال المصنف: (لا للعملِ) ولو نوَى بالسائمةِ العملَ، لم تُؤثِّرْ نيَّتُه، ما لم يُوجَدِ الشَّرطُ (الثاني) في وجوبِ الزكاةِ: (أن تسومَ -أي: ترعَى المباحَ- أكثرَ الحوْلِ) نصَّ عليه في روايةِ صالحٍ. وقيلَ: كلَّ الحوْلِ. ووجهُ المذهبِ: أنَّ علَفَ السَّوائمِ يقَعُ في العادةِ في السنةِ كثيرًا، ووقوعُه في جميعِ فصولِها مِن غيرِ عارضٍ يقطعُه أحيانًا، كمطرٍ أو ثلجٍ أو برد أو خوفٍ أو غيرِ ذلك، نادرٌ، فاعتبارُ السَّومِ في كلِّ العامِ إجحافٌ بالفقراءِ، والاكتفاءُ به في البعض إجحافٌ بالملَّاكِ، وفي اعتبارِ الأكثرِ تعديلٌ بينَهما، ودفعٌ لأعلَى الضَّررينِ بأدناهُما. وقد أُلحِقَ الأكثرُ بالكلِّ في أحكامٍ كثيرةٍ (١). الشرطُ (الثالثُ) في وجوبِ الزكاةِ: (أن تبلُغَ نصابًا) تجِبُ فيه الزكاةُ (فأقلُّ نصابِ الابلِ) حتى تبلُغَ: (خَمْسٌ) لقولِ النبيِّ ﷺ : "ليسَ فيما (٢) دُونَ خمسِ ذَودٍ صدقةٌ" (٣). وبدأَ (٤) بالإبلِ تأسِّيًا بكتابِ الشَّارعِ حينَ فرَضَ زكاةَ

стр. 558

وفيها: شاةٌ. ثمَّ في كلِّ خَمسٍ شاة، إلى خَمسةٍ وعشرين، فتَجِبُ: بنتُ مَخَاضٍ، وهيَ ماتمَّ لها سَنَةٌ. الأنعامِ؛ لأنَّها أعظُم النَّعمِ قيمةً وأجسامًا، وأكثرُ أموالِ العربِ. وإذا بلَغَت خمسًا فـ (فيها (١) شاةٌ) إجماعًا، لحديثِ: "إذا بلَغَت خمسًا، ففيها شاةٌ". رواه البخاريُّ (٢). (ثمَّ في كلِّ خمسٍ شاةٌ) فلا يجزئُ عن خمسٍ مِنَ الإبلِ بعير (٣)، نصًّا. ذَكَرٌ أو أُنثَى. ولا بقرةٌ، ولو أكثرَ قيمةً مِنَ الشاةِ؛ لأنَّها غيرُ المنصوصِ عليه من غيرِ جنسِه، أشبَهَ ما لو أخرَجَ بعيرًا أو بقرةً عن أربعينَ شاةً (إلى خمسةٍ (٤) وعشرين، فتجِبُ) في عشرٍ: شاتان، وفي خمسَ عشرةَ: ثلاث شياهٍ، وفي عشرين: أربعُ شياهٍ. فإذا بلغَت خمسًا وعشرينَ، ففيها (بنتُ مخاضٍ) إجماعًا؛ لحديثِ البخاريِّ (٥): "فإذا بلَغَت خمسًا وعشرين إلى خمسٍ وثلاثين، ففيها بنت مخاضٍ". (وهي): أي: بنتُ المخاضِ: (ما تمَّ لها سنةٌ) سمِّيت بذلك، لأن أمَّها قد حمَلَت. والماخِض: الحامِلُ. وهو تعريفٌ لها بغالبِ أحوالِها، لا أنَّها شرطٌ

стр. 559

وفي سِتٍّ وثلاثينَ: بِنتُ لَبُونٍ، لها سنتَان. وفي سِتٍّ وأربعين: حِقَّة، لها ثلاثُ سنين. وفي إِحْدَى وستِّينَ: جَذَعَةٌ، لها أربعُ سنين. وفي سِتٍّ وسبعينَ: ابنتا لبوُنٍ. وفي إحدَى وتسعينَ: حِقَّتان. وفي مائةٍ وإحدَى وعشرين ثلاثُ بناتِ لَبُونٍ، إلى مائةٍ وثلاثينَ، فيستَقِرّ في كُلِّ أربعينَ: بنتُ لَبُونٍ، وفي كلِّ خمسيِنَ: حِقَّة. (وفي ستٍّ وثلاثين: بنتُ لَبُونٍ) سُمِّيَت بنتَ لَبُونٍ. لأنَّ أمَّها وضَعَتْ، فهي (١) ذاتُ لبنٍ. وهي ما تمَّ (لها سنتانِ) (وفي ستٍّ وأربعين: حِقَّةٌ) وسُمِّيَت حِقَّةً؛ لأنَّها استحقَّت أن تُركَبَ ويُحمَلَ عليها ويَطرُقَها الفحلُ، وهي ما تمَّ (لها ثلاثُ سنينَ) (وفي إحدَى وستِّينَ: جَذَعَةٌ) سُمِّيَتْ جَذَعَةً؛ لأنَّها ئجذَعُ إذا سقَطَت سنُّها. وهي ما تمَّ (لها أربعُ سنين). (وفي ستٍّ وسبعين: ابنتا لَبُونٍ). (وفي إحدَى وتسعين: حِقَّتانِ) إجماعًا (وفي مائةٍ وإحدَى وعشرين: ثلاثُ بناتِ لَبُونٍ) لحديثِ البخاريِّ (٢) عن أنسٍ فيما كتَبَ له الصدِّيقُ، لمَّا وجَّهَه إلى اليمنِ (إلى مائةٍ وثلاثين، فيستقرُّ) الفرضُ (في كلِّ أربعين: بنتُ لَبُونٍ، وفي كلِّ خمسين حِقَّةٌ) للأخبارِ. ففي مائةٍ وثلاثين:

стр. 560

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حِقَّةٌ وبنتا لَبُونٍ. وفي مائةٍ وأربعين: حِقَّتانِ وبنتُ لبونٍ. وفي مائةٍ وخمسين: ثلاثُ حِقاقٍ. وفي مائةٍ وستين: أربعُ بناتِ لَبُونٍ. وفي مائةٍ وسبعين: حِقَّةٌ وثلاثُ بناتِ لبونٍ. وفي مائةٍ وثمانين: حِقَّتانِ وبنتا لَبُونٍ. وفي مائةٍ وتسعين: ثلاثُ حِقاقٍ وبنتُ لبونٍ. * * *

стр. 561

فَصْلٌ وأقلُّ نِصابِ البقَرِ -أهليَّةً كانت أو وحشيَّةً- ثلاثونَ، وفيهَا: تَبيعٌ، وهو ما لَهُ سنةٌ. (فصلٌ) في زكاةِ البقرِ وهو اسمُ جنسٍ. والبقرةُ تقَعُ على الأُنثَى والذَّكَرِ، ودخَلَتْها الهاءُ على أنَّها واحدة مِن جنسٍ. والبقرات: الجمعُ. والأباقرُ (١): جماعة البقرِ مع رُعاتِها. وهي مُشتقَّةٌ من: بقَرتُ الشَّيءَ، إذا شقَقْتَه؛ لأنَّها تبقُرُ الأرضَ بالحرثِ. والزكاةُ في الأهليَّةِ واجبةٌ، إجماعًا. وسندُه ما روَى أبو ذرٍّ عنِ النبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: "ما مِن صاحبِ إبلٍ ولا بقرٍ ولا غنيم، لا يؤدِّي زكاتَها، إلَّا جاءَت يومَ القيامةِ أعظمَ ما كانتْ وأسمَنَهُ تنطَحُه بقرونِها وتطؤُه بأخفافِها، كلَّما نفَدَتْ (٢) أُخرَاها عادَت عليه أُولَاها، حتى يُقضَى بينَ النَّاسِ ". مُتَّفَقٌ عليه (٣). (وأقلُّ نصابِ البقرِ -أهليَّةً كانت أو وحشيَّة- ثلاثونَ) لحديثِ معاذٍ: أمرَني رسول اللهِ ﷺ حينَ بعثَني إلى اليمنِ أن لا أخُذَ مِنَ البقرِ شيئًا حتى تبلُغَ ثلاثين (٤). (وفيها: تبيعٌ) أو تبيعةٌ (وهو ما له سنةٌ) سُمِّيَ بذلك؛ لأنَّه يتبَعُ أمَّه، وهو جذَعُ البقرِ الذي استوَى قَرْناه، وحاذَى قرنُه أُذُنَه غالبًا.

стр. 562

وفي أربعينَ: مُسِنَّةٌ، لها سَنَتَانِ. وفي سِتِّينَ: تبيعَان. ثمَّ في كلِّ ثلاثينَ: تبيعٌ، وفي كلِّ أربعينَ مُسِنَّة (و) يجِبُ (في أربعين) مِن بقرٍ (مُسنَّةٌ) لحديثِ معاذِ بنِ جبلٍ، وفيه: وأمرَني أن أخُذَ مِن كلِّ ثلاثينَ مِنَ البقرِ تبيعًا، أو تبيعةً، ومِن كلِّ أربعين، مُسنَّةً. رواهُ الخمسةُ (١)، وحسَّنَه الترمذيُّ. وقال ابنُ عبدِ البرِّ: هو حديثٌ ثابتٌ مُتَّصلٌ. وهي ما تمَّ (لها سنتانِ) سُمِّيَت بذلك؛ لأنَّها ألقَت سنًّا غالبًا، وهي الثنيَّةُ. ولا فرضَ في البقرِ غيرَ هذَينِ السِّنيَّن (وفي سِتِّينَ) من بقرٍ: (تبيعَانِ. ثمَّ) إنْ زادَتْ فـ (في كلِّ ثلاثين: تبيعٌ، وفي كلِّ أربعينَ: مُسنَّةً) وإذا بلَغَتْ، أي: عددًا يتفقُ فيه الفرضان، كمائةٍ وعشرين، فكإبلٍ. فإن شاءَ أخرَجَ أربعةَ أتبعةٍ، أو ثلاثَ مُسنَّاتٍ؛ لحديثِ يحيى بنِ الحكَمِ، عن معاذٍ، وفيه: فأمرَني أن آخُذَ مِن كلِّ ثلاثين تبيعًا، ومِن كلِّ أربعينَ مُسِنَّةً، ومِن السِّتيِّن تبعينِ، ومِنَ السَّبعينَ مُسِنَّةً وتبيعًا، ومِن الثمانينَ مُسِنَّتينِ، ومِن التسعينَ ثلاثةَ أتباعٍ، ومِن المائةِ مسنَّةً وتبعينِ، ومِن العشرةِ ومائةٍ مُسِنَّتين وتبيعًا، ومِن العشرين ومائةٍ ثلاثَ مسنَّاتٍ أو أربعةَ أتباعٍ. قال: وأمرَني رسولُ اللهِ ﷺ أن لا آخُذَ فيما بينَ ذلك شيئًا، إلَّا أن يبلُغَ مُسِنَّةً أو جَذَعًا. وزعَمَ أن الأوقاصَ لا فريضةَ فيها. رواهُ أحمدُ (٢). ولا يُجزئُ ذَكَرٌ في زكاةٍ إلَّا هُنا، وهو التبيعُ. والمُسِنُّ عن التبيعِ؛ لأنَّه خيرٌ منه.

стр. 563

وأقلُّ نصابِ الغَنَمِ -أهليَّةً كانت أو وحشيَّةً- أربعون، وفيها: شاةٌ، لها سَنةٌ، أو جَذَعَةُ ضأنٍ؛ لها سِتَّةُ أشهُرٍ. وفي مائةٍ وإحدَى وعِشرينَ: شاتان. وفي مائتين وواحدةٍ: ثلاثُ شِيَاه. وفي أربعمائة: أربعُ شِياه. فصلٌ في زكاةِ الغنمِ وهو اسمُ جنسٍ مُؤنَّثٍ، يقَعُ على الذَّكرِ والأُنثَى مِن ضأنٍ ومعزٍ (وأقلُّ نصابِ الغَنَمِ -أهليَّةً كانت أو وحشيَّةً- أربعون) إجماعًا في الأهليَّةِ. فلا شيءَ فيما دونَها. (و) يجِبُ (فيها: شاةٌ) إجماعًا في الأهليةِ. وهي: ما تمَّ (لها سنةٌ، أو جذعةُ ضأنٍ) وهي ما تمَّ (لها ستَّةُ أشهرٍ) لحديثِ سُوَيدِ بنِ غَفَلَةَ قال: أتانا مُصدِّقُ رسولِ اللهِ ﷺ قال: أمرَنا أن نأخُذَ الجذعَةَ مِنَ الضَّأنِ، والثنيةَ مِن المعزِ. ولأنَّهما يُجزيان في الأضحيةِ، فكذا هنا. ولا يُعتبرُ كونهما (١) مِن جنسِ غنمِه، ولا مِن جنسِ غنمِ البلدِ. فإن وُجِدَ الفرضُ في المالِ، أخَذَه السَّاعي، وإن كان أعلَى، خُيِّرَ مالكٌ بينَ دفعِه وتحصيلِ واجبٍ، فيُخرجُه. (وفي مائةٍ وإحدَى وعشرين: شاتان) إجماعًا. (وفي مائتين وواحدةٍ: ثلاثُ شياهٍ) (وفي أربعِ مائةٍ: أربع شياه) (٢).

стр. 564

ثم في كلِّ مائةٍ: شاةٌ. (ثمَّ) تستقِرُّ الفريضةُ (في كلِّ مائةٍ: شاة) لحديثِ ابنِ عمرَ في كتابِه ﵇ في الصدقاتِ الذي عملَ به أبو بكرٍ بعدَه حتى تُوفِّيَ، وعمرُ حتى تُوفِّيَ: "وفي الغنمِ مِن أربعينَ شاةً شاةٌ، إلى عشرين ومائةٍ، فإذا زادَتْ شاهٌ، ففيها شاتانِ إلى مائتينِ، فإذا زادَتْ واحدةٌ، ففيها ثلاثُ شياهٍ إلى ثلاثمائةٍ، فإذا زادَتْ، فليس فيها شيءٌ بعدُ حتى تبلُغَ أربعمائةٍ، فإذا كثُرَتِ الغنمُ، ففي كلِّ مائةٍ شاةٌ". رواهُ الخمسةُ إلَّا النسائيُّ (١). ففي خمسمائةٍ: خمسُ شياهٍ، وفي ستمائةٍ: ستّ شياهٍ، وهكذا. * * *

стр. 565

فَصْلُ وإذا اختلَطَ اثنانِ فأَكثرُ مِنْ أهلِ الزَّكاةِ في نِصابِ ماشيةٍ لَهم جميعَ الحَولِ، واشتَرَكا في المَبيتِ، والمَشرَحِ، والمَحْلَبِ، والفَحْلِ، والمرعَى، زَكّيا كالواحِدِ. (فصلٌ) في الخُلطةِ (وإذا اختلَطَ اثنانِ فأكثرُ مِن أهلِ الزكاةِ) فلا تأثيرَ لخُلطةِ كافرٍ، ولو مرتدًّا، ومكاتَبٍ، ومَن عليه دَينٌ مُستغرِقٌ (في نصاب) فلا أثرَ لخُلطةٍ في نحوِ تسعةٍ وثلاثين شاةً (ماشيةٍ) فلا أثرَ لخُلطةٍ في غيرِها؛ لما يأتي (لهم) فلا أثرَ لخلطةِ مغصوبٍ (جميعَ الحوْلِ) فلا أثرَ لخلطةٍ في بعضِه ولو أكثرَه. (واشتَركا في المبيتِ) وهو المُرَاحُ بضمِّ الميمِ. والمأوَى للماشيةِ (و) في (المَسْرَحِ) وهو ما تجتمِعُ فيه السائمةُ لتذهَبَ إلى المرعَى (و) في (المحلَبِ) بأن تُحلَبَ كلُّها في موضعٍ واحدٍ. (و) في (الفحلِ) بأن لا يختصَّ بطرْقِ أحذِ المالينِ المخلوطين، إن اتَّحدَ النَّوعُ، فلا يُعتبرُ أن يكونَ مملوكًا لهما (و) في (المرعَى) وهو موضعُ الرَّعيِ ووقتُه (زَكَّيا) أي: الخليطَينِ (كالواحدِ): جوابُ "إذا" في الزكاةِ إيجابًا وإسقاطًا؛ لحديثِ الترمذيِّ (١): "لا يُجمعُ بينَ متفرِّقٍ، ولا يُفرَّقُ بينَ مجتمعٍ، خشيةَ
следующие страницы →