← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 803

شرح دليل الطالب - عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

Полный текст (1 686 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

بابُ إخراجِ الزَّكاةِ يجبُ إخراجُها فورًا، كالنَّذرِ والكفَّارةِ. وله تأخيرُها لِزمَنِ الحَاجَةِ، ولقَريبٍ وجَارٍ، ولتَعذُّرِ إخراجِها مِنْ النِّصاب، (بابٌ) فيما يتعلَّقُ بإخراجِ الزكاةِ (إخراجُ الزكاةِ) أي: زكاةِ المالِ بعدَ أن تستقرَّ (يجِبُ إخراجُها فورًا، كالنَّذرِ والكفَّارةِ) لأنَّ الأمرَ المُطلَقَ للفورِ، ومنه: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البَقَرَة: ٤٣] يقتضِي الفوريَّةَ، بدليلِ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعرَاف: ١٢] فوبَّخَه إذ (١) لم يسجُدْ حينَ أُمِرَ. وعن أبي سعيدِ بنِ المُعلَّى قال: كنْتُ أُصلِّي في المسجدِ، فدعاني رسولُ اللهِ ﷺ ، فلم أُجبْه، ثمَّ أتيتُه فقلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي كنْتُ أُصلِّي. فقال: "ألم يقُلِ اللهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفَال: ٢٤]. رواهُ أحمدُ والبخاريُّ (٢). ولأنَّ السَّيدَ إذا أمَرَ عبدَه بشيءٍ فأهمَلَه، حسُنَ لومُه وتوبيخُه عُرفًا، ولم يكُنِ انتفاءُ قرينةِ الفورِ عُذرًا (وله تأخيرُها) أي: الزكاةِ (لزَمَنِ الحاجةِ) كقَحطٍ ونحوِه، جزَمَ به الأصحابُ. وقيَّدَه جماعةٌ: بزمَنٍ يسيرٍ، (و) له تأخيرُها؛ ليدفعَها (لقريبٍ، وجارٍ) لأنَّها على القريبِ صدقةٌ وصِلَةٌ. والجارُ في معناهُ. (ولتعذُّرِ إخراجِها) أي: الزكاةِ (مِن النِّصابِ) لغيبةِ المالِ، أو

стр. 597

ولو قَدِرَ أن يُخرِجَهَا من غيرِه. ومَنْ جَحَدَ وجوبَها عالِمًا، كَفَرَ، ولو أخرَجَهَا. ومن منَعَها بُخلًا أو تَهاونًا، أُخِذَت مِنه، وعُزِّرَ. ومَنْ ادَّعىَ إخراجَها، أو بَقَاءَ الحَولِ، أو نَقْصَ النِّصابِ، أو زوالَ المِلكِ، صُدِّقَ بلا يَمينٍ. ويلزمُ أن يُخرِجَ عن الصَّغيرِ والمجنونِ وليُّهُما. غَصبِه، وسرقَتِه، وكونِه دَينًا (ولو قَدِرَ أن يُخرِجَها مِن غيرِه) لم يلزَمْه؛ لأنَّ الإخراجَ مِن عينِ المُخرَجِ عنه هو الأصلُ، والإخراجُ مِن غيرِه رخصةٌ، ولا تنقلِبُ الرُّخصةُ تضييقًا. (ومَن جحَدَ وجوبَها) أي: الزكاةِ (عالمًا) بوجوبِها (كفَرَ) لتكذيبِه للهِ ورسولِه، وإجماعِ الأُمَّةِ. فيُستتابُ ثلاثًا، فإن تابَ وإلَّا قُتِلَ كُفرًا (ولو أخرَجَها) جاحدًا؛ لظُهورِ أدلَّةِ الوجوبِ، فلا عُذرَ له (ومَن منَعَها) أي: الزكاةَ (بُخلًا) بها (أو تهاونًا) بلا جَحدٍ (أُخِذَت مِنه) قهرًا، كدَينِ آدَميٍّ وخَراجٍ. (وعُزِّرَ) مَن علمَ تحريمَ المنعِ بخلًا أو تهاونًا. (ومَن ادَّعَى إخراجَها) أي: الزكاةِ (أو) ادَّعَى (بقاءَ الحولِ، أو) ادَّعَى (نقصَ النِّصابِ، أو) ادَّعَى (زوالَ المِلكِ) عنِ النِّصابِ (صُدِّقَ بلا يمينٍ) لأنَّها عبادةٌ مُؤتَمنٌ عليها، فلا يُستحلَفُ عليها، كالصَّلاةِ والكفَّارةِ، بخلافِ وصيَّةٍ لفُقراءَ (١) بمالٍ (ويلزَمُ أن يُخرِجَ عن) مالِ (الصَّغيرِ والمجنونِ وليُّهما) في مالِهما. نصَّ عليه.

стр. 598

ويُسنُّ: إظهارُها، وأن يفرِّقَها ربُّها بنَفسِهِ، ويقولَ عندَ دفعِهَا: اللَّهمَّ اجعلهَا مغنَمًا، ولا تجعَلْهَا مغرَمًا. ويقولُ الآخِذُ: آجركَ اللهُ فيما أعطيتَ، وبارَكَ لكَ فيما أبقيتَ، وجعلَه لكَ طَهُورًا. كما يجِبُ عليه صرفُ النَّفقَةِ الواجبةِ؛ لأنَّ ذلك حقٌّ تدخُلُه النيابةُ، فقامَ الوليُّ فيه مقامَ المُولَّى عليه، كالنَّفقاتِ والغَراماتِ. ومحلُّ ذلك: إذا كان كلٌّ مِنَ الصَّغيرِ والمجنونِ حُرًّا مُسلمًا، تامَّ الِملكِ. وذلك لأنَّ نيَّةَ الصَّغيرِ ضعيفةٌ، والمجنونُ لا تتحقَّقُ منه نيَّةُ الزكاةِ، مع وجوبِ الزكاةِ في مالِهما؛ لمَا تقدَّمَ: أنَّه لس مِن شُروطِ وجوبِ الزكاةِ بلوغٌ ولا عقلٌ (١). (ويُسنُّ: إظهارُها) لتَنتَفِيَ التُّهمَةُ عنه، ويُقتدَى به. (وأن يُفرِّقَها ربُّها) أي: الزكاةِ (بنفسِه) ليتيقَّنَ وصولَها إلى مُستحقِّها، وكالدَّينِ. وسواءٌ المالُ الظَّاهرُ والباطنُ. (و) يُسنُّ أن (يقُولَ عندَ دفعِها) أي: الزكاةِ: (اللهمَّ اجعَلْها مَغنمًا) أي: مُثمرَةً (ولا تجعلها مَغرمًا) أي: منقصَةً؛ لأنَّ التثميرَ كالغنيمةِ، والتنقيصَ كالغرامَةِ؛ لخبَرِ أبي هُريرةَ مرفوعًا: "إذا أعطيْتُم الزكاةَ فلا تنسَوْا ثوابَها: أن تقولُوا: اللهُمَّ اجعَلْها مَغنمًا، ولا تجعَلْها مَغرمًا". رواهُ ابنُ ماجَه (٢). قال بعضُهم: ويحمَدُ اللهَ على توفيقِه لأدائِها. (ويقولُ الآخِذُ) للزكاةِ: (آجرَكَ اللهُ فيما أعطيْتَ، وبارَكَ لكَ فيما أبقيْتَ، وجعَلَه لك طَهُورًا) لقولِه تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ

стр. 599

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عَلَيْهِمْ﴾ [التّوبَة: ١٠٣] أي: ادعُ لهم. قال عبدُ اللهِ بنُ أبي أوفَى: كانَ النبيُّ ﷺ إذا أتاهُ قومٌ بصدقَتِهم قال: "اللهمَّ صلِّ على آلِ فلانٍ". فأتاهُ أبي بصدقَتِه فقال: "اللهمَّ صلِّ على آلِ (١) أبي أوفَى". مُتفَقٌ عليه (٢). وهو محمولٌ على النَّدبِ؛ لأنَّه ﵇ لم يأمُرْ به سُعاتَه. * * *

стр. 600

فَصْلٌ ويُشترطُ لإخراجِها: نيَّةٌ مِن مُكلَّفٍ، وله تقديمُها بيَسيرٍ، والأفضلُ قرنُها بالدَّفع. فينوي الزَّكاةَ أو الصَّدقةَ الواجِبَةَ، ولا يُجزِئُ أنْ ينوي صدقةً مُطلقةً ولو تصدَّق بجميعِ مالِه. (فصلٌ) (ويُشترَطُ لإخراجِها) أي: الزكاةِ (نيَّةٌ) لحديثِ: "إنَّما الأعمالُ بالنيَّاتِ" (١). ولأنَّها عبادةٌ يتكرَّرُ وجوبُها، فافتقَرَت إلى تعيينِ النيَّةِ، كالصلاةِ. ولأنَّ صرفَ المالِ إلى الفقيرِ به جهاتٌ مِن زكاةٍ، وكفَّارَةٍ، ونذرٍ، وصدقَةِ تطوُّعٍ، فاعتُبِرَت نيَّةُ التَّمييزِ. ويُشترَطُ أن يكونَ إخراجُها (مِن مُكلَّفٍ) لأنَّه تصرُّفٌ ماليٌّ أشبَهَ سائرَ التَّصرُّفاتِ الماليَّةِ (وله تقديمُها) أي: النيَّةِ على الإخراجِ (بـ) زمنٍ (يسيرٍ) كصلاةٍ. ولو عزَلَ الزكاةَ، لم تكفِ النيَّةُ. (والأفضَلُ قرنُها) أي: النيَّةِ (بالدَّفعِ) كصلاةٍ (فينوِي) المُخرِجُ (الزَّكاةَ أو الصدقَةَ الواجبَةَ) أو صدقةَ المالِ، أو صدقَةَ الفِطرِ (ولا يُجزِئُ أن ينويَ (٢) صدقَةً مُطلقَةً، ولو تصدَّقَ بجميعِ مالِه) كنيَّةِ صلاةٍ مُطلقَةٍ، فإنَّها لا تُجزئُ عنِ الفرضِ

стр. 601

ولا تَجِبُ نيَّةُ الفرضِيَّةِ، ولا تَعييِنُ المالِ المُزكَّى عنهُ. وإن وكَّلَ في إخراجِها مُسلِمًا، أَجزَأَت نيَّةُ الموَكِّلِ معَ قُربِ الإخراجِ، وإلَّا نَوَى الوَكيلُ أيضًا. (ولا تجِبُ نيَّةُ الفرضيَّةِ) اكتفاءً بنيَّةِ الزكاةِ؛ لأنَّها لا تكونُ إلَّا فرضًا. (ولا) يجِبُ (تعيينُ المالِ (١) المُزكَّى عنه) ولو اختلَفَ المالُ، كشاةٍ عن خمسٍ مِن إبلٍ، وأُخرَى عن أربعينَ مِن غنمٍ، ودينارٍ عن أربعينَ تالفَةً، وآخرَ عن أربعينَ قائمةً. وصاعٍ عن فِطرَةٍ، وآخرَ عن زرعٍ أو ثمرٍ. (وإن وكَّلَ) ربُّ المالِ (في إخراجِها) أي: الزكاةِ (مُسلِمًا) ثِقةً مُكلَّفًا، ذَ كَرًا أو أُنثَى. قالَه في "شرحِه" (٢) (أجزأَت نيَّةُ المُوكِّلِ) فقَط، عن نيَّةِ الوكيلِ (مع قُربِ) زمَنِ (الإِخراجِ) مِن زمنِ توكيلٍ؛ لأنَّ الفرضَ مُتعلِّقٌ بالمُوكِّلِ. وتأخُّرُ الأداءِ عنِ النيَّةِ بزمَنٍ يسيرٍ جائزٌ. (وإلَّا) يقرب زمنُ إخراجٍ مِن زمنِ توكيلٍ (نوَى الوكيلُ أيضًّا) كما ينوي المُوكِّلُ؛ لئلَّا يخلُوَ الدَّفعُ إلى (٣) المُستحِقِّ عن نيَّةٍ مقارنةٍ أو مقارِبةٍ. فينوي مُوكِّلٌ عندَ التوكيلِ، ووكيلٌ عندَ الدَّفعِ لنحوِ الفُقراءِ، أو قريبًا منه. ولو نوَى وكيلٌ فقط، لم يُجزئْ؛ لتعلُّقِ الفرضِ بالمُوكِّلِ ووقوعِ الإجزاءِ عنه. وفي توكيلِ مُميِّزٍ في إخراجِها خلافٌ، ذكَرَه العلَّامةُ الشيخُ منصورُ في "حاشيتِه"، وجزَمَ في "الإقناعِ" بالصِّحةِ (٤). وخالَفَه العلَّامةُ عمُّ والدي الشيخُ

стр. 602

والأفضَلُ جَعْلُ زكاةِ كُلِّ مالٍ في فُقراءِ بلَدِه، ويحرُمُ نقلُها إلى مسافَةِ قَصرٍ، وتُجزِئُ. مرعي في "غايةِ المُنتهى" (١)، وعلَّلَ ذلك بأنه ليسَ أهلًا لأداءِ العبادةِ الواجبةِ، ولأنَّه لا يُخرِجُ زكاةَ نفسِه، فغيرُه أَوْلَى. انتهى. (والأفضَلُ جعلُ زكاةِ كلِّ مالٍ في فقراءِ بلَدِه) ويجوزُ نقلُها إلى دونَ مسافةِ قصرٍ مِن بلدِ المالِ، نصَّ عليه؛ لأنَّه في حكمِ بلدٍ واحدٍ؛ بدليلِ الأحكامِ، ورُخَصِ السَّفرِ (٢). (ويحرُمُ نقلُها إلى مسافةِ قصرٍ) أي: إلى بلدٍ تقصُرُ الصَّلاةُ فيه، مع وجودِ مُستحقٍّ؛ لحديثِ مُعاذٍ: "أعلِمْهم أنَّ اللهَ قد افتَرَضَ عليهم صدقةً تُؤخَذُ مِن أغنيائِهم، فتُرَدُّ على فقرائِهم" (٣). فظاهرُه: عودُ الضميرِ إلى أهلِ اليمنِ. ولإنكارِ عُمَرَ على معاذٍ لمَّا بعَثَ إليه بثلُثِ الصدقَةِ، ثمَّ بشطرِها، ثم بها. وأجابَه معاذٌ بأنَّه لم يبعَثْ إليه شيئًا وهو يجدُ أحدًا يأخذُهُ منه. رواهُ أبو عُبيدٍ (٤). ومحلُّه: إن لم يُفضِ إلى تشقيصٍ، كما ذكَرَه في "شرحِهِ" (٥). (وتُجزئُ) زكاةُ نقَلَها فوقَ المسافةِ، وأخرجَها في غيرِ بلَدِ المالِ، مع حُرمَةِ النقلِ؛ لأنَّه دفَعَ الحقَّ إلى مُستحقِّهِ، فبرئَ، كالدَّينِ.

стр. 603

ويَصِحُّ تَعجِيلُ الزَّكاةِ لِحَولَين فَقَط، إذا كَمُلَ النِّصابُ، لا مِنهُ للحولَينِ، فإن تلِفَ النِّصابُ أو نَقَصَ، وقعَ نفلًا. (ويصحُّ تعجيلُ الزكاةِ لحولَيْنِ) لحديثِ أبي (١) عُبيدٍ في "الأموالِ" (٢) عن عليٍّ: أنَّ النبيَّ ﷺ تعجَّلَ مِنَ العباسِ صدقةَ سَنتينِ (فقط) أي: لا أكثرَ مِن حولينِ؛ اقتصارًا على ما ورَدَ، مع مخالفَتِه القياسَ. (إذا كمُلَ النِّصابُ) لأنَّه سببُها، فلا يجوزُ تقديمُها عليه، كالكفَّارةِ على الحلفِ. قال في "المغني": بغيرِ خلافٍ نعلَمُه (لا منه للحولَيْنِ) أي: فلا يصحُّ أن يُعجِّلَ مِنَ النِّصابِ للحولينِ؛ لنقصِ النِّصابِ، (فإنْ تلِفَ النِّصابُ) أي: المُعجَّلُ (٣)، (أو نقَصَ، وقَعَ نفلًا) نصًّا. وقيلَ: يملِكُ الرجوعَ فيما أخرَجَه. قال القاضي في "الخلافِ": وأومأَ إليه في روايةِ مهنَّا (٤). * * *

стр. 604

بابُ أهلِ الزَّكاةِ وهم ثمانيةٌ: الأوَّلُ: الفقيرُ، وهو مَنْ لَم يجِدْ نِصفَ كِفَايَتهِ. (بابُ) مَن يُجزِئُ دفعُ الزكاةِ إليه ومَن لا يُجزئُ، وحُكمِ السُّؤالِ، وصدقةِ التَّطوعِ (أهل) أخذِ (الزكاةِ) (وهم ثمانيةُ) أصنافٍ. فلا يجوزُ صرفُها لغيرِهم، كبناءِ مساجدَ، وقناطِرَ، وتكفينِ موتَى، ووقفِ مصاحِفَ وغيرِها؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التّوبَة: ٦٠]. وكلمةُ: "إنِّما" تفيدُ الحصرَ، فتُثبِتُ المذكورين، وتنفِي مَن عدَاهُم. وكذا تعريفُ "الصدقاتِ" بـ"أل"، فإنَّه يَستغرِقُها. فلو جازَ صرفُ شيءٍ منها إلى غيرِ الثَّمانيةِ، لكانَ لهم بعضُها، لا كلُّها. ولحديثِ: "إنَّ اللهَ لم يرضَ بحُكمِ نبيٍّ ولا غيرِه في الصدقاتِ حتى حكَمَ فيها هو، فجزَّأَها ثمانيةَ أجزاءٍ، فإن كنْتَ مِن تلك الأجزاءِ أعطيتُكَ". رواهُ أبو داودَ (١). (الأوَّلُ: الفقيرُ، وهو مَن لم يجِدْ نصفَ كفايتِه) وهو أشدُّ حاجةً مِنَ المِسكينِ؛ لأنَّ اللهَ بدأَ به، وإنَّما يُبدأُ بالأهمِّ فالأهمِّ. وقال : ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩] فأخبرَ أنَّ المساكينَ لهم سفينةٌ يعملون فيها. ولأنَّ الفقيرَ مُشتقٌّ مِن فِقَرِ الظَّهرِ، فعيلٌ بمعنَى

стр. 605

الثاني: المسكينُ، وهو مَنْ يجِدُ نِصفَها، أو أَكثَرهَا. الثالثُ: العاملُ علَيها، كجَابٍ، وحَافِظٍ، وكَاتِبٍ، وقَاسِمٍ. مفعولٍ، أي: مفقورٍ، وهو الذي نُزِعَت فِقرَةُ ظهرِه، فانقطَعَ صُلبُه (١). والصِّنفُ (الثاني: المسكينُ، وهو مَن يجِدُ نصفَها) أي: نصفَ كفايتِه، (أو أكثرَها) وهو تفعيلٌ مِنَ السُّكونِ، وهو الذي أسكَنتْهُ الحاجةُ. فعُلِمَ: أنَّ مَن كُسِرَ صُلبُه أشدُّ حالًا مِنَ السَّاكنِ. إذا تقدَّرَ هذا: فالفقراءُ همُ الذين لا يجدونَ ما يقَعُ موقِعًا مِن كفايتِهم، كالزَّمنَى والعُميانِ، وأنَّ هؤلاءَ في الغالبِ لا يقدرونَ على اكتسابِ ما يقَعُ موقعًا مِن كفايتِهم، وربَّما لا يقدِرونَ على شيءٍ أصلًا. قالَ اللهُ : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البَقَرَة: ٢٧٣]. الصِّنفُ (الثَّالثُ: العامِلُ عليها، كجابٍ) يبعثُه إمامٌ لأخذِ زكاةٍ مِن أربابِها (وحافِظٍ، وكاتبٍ، وقاسِمٍ) ومَن يُحتاجُ إليه فيها؛ لدخولِهم في قولِه تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التّوبَة: ٦٠] وكانَ ﵇ يبعَثُ على الصدقَةِ سُعاةً، ويُعطِيهم عِمالَتَهم (٢). وشُرِطَ: كونُه "مُكلَّفًا"؛ لأنَّ الصَّغيرَ والمجنونَ، لا قبضَ لهما. "مُسلمًا"؛ فإنَّ ذلك ولايةٌ على المسلمينَ، فاشتُرِطَ له الإسلامُ. "أمينًا"؛ لأنَّ غيرَ الأمينِ يذهَبُ

стр. 606

الرابعُ: المؤلَّفُ، وهو السِّيدُ المُطَاعُ في عَشِيرَتِه؛ ممَّن يُرجَى إسلامُه، أو يُخشَى شَرُّه، أو يُرجَى بعطيَّتِه قوَّةُ إيمانِه، … ... … ... … ... … ... … بمالِ الزكاةِ ويُضيِّعُه. "كافيًا" في ذلك. "مِن غيرِ ذوي القُربَى"، وهم: بنو هاشمٍ. ولو كانَ قِنًّا، أو كانَ العاملُ غنيًّا، ويُعطَى قدرَ أُجرتِه منها. قال في "الإقناعِ" (١): واشتراطُ ذُكوريَّتِه أَوْلَى. الصِّنفُ (الرابعُ: المُؤلَّفُ) لقولِه : ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التّوبَة: ٦٠]. (و) المُؤلَّفُ (هو: السَّيِّدُ المُطاعُ في عشيرتِه، ممَّن يُرجَى إسلامُه، أو يُخشَى شرُّه) لحديثِ أبي سعيدٍ قالَ: بعَثَ عليٌّ وهو باليمنِ بذُهيبةٍ (٢)، فقسَمَها رسولُ اللهِ ﷺ بينَ أربعةِ نفَرٍ: الأقرعِ بنِ حابسٍ الحنظليِّ، وعُيينةَ بنِ بدرٍ الفَزاريِّ، وعلقَمةَ بنِ عُلاثَةَ العامريِّ، ثمَّ أحدِ بني كِلابٍ (٣)، وزيدِ الخيرِ الطائيِّ، ثمَّ أحدِ بني نبهانَ، فغضِبَتْ قريشٌ، وقالوا: تُعطِي صناديدَ نجدٍ وتدَعُنا؟! فقال: "إنِّي إنِّما فعَلْتُ ذلك؛ لأتألَّفَهم" مُتَّفَقٌ عليه (٤). قال أبو عُبيدٍ القاسمُ بنُ سلَّامٍ: وإنِّما الذي يُؤخَذُ مِن أموالِ أهلِ اليمَنِ الصدَقَةُ. (أو يُرجَى بعطيَّتِه قوَّة إيمانِه) لقولِ ابنِ عباسٍ في المُؤلَّفَةِ قُلوبُهم: هم قومٌ كانوا يأتون رسولَ اللهِ ﷺ ، وكانَ رسولُ اللهِ ﷺ يرضَخُ لهم مِنَ الصَّدقاتِ، فإذا أعطَاهُم مِنَ الصدقَةِ، قالوا: هذا دِينٌ صالحٌ. وإن كانَ غيرَ ذلك، عابُوه (٥). رواهُ

стр. 607

أو جِبايتُها ممَّن لا يُعطيِها. الخامِسُ: المُكاتَبُ. السادِسُ: الغارمُ، وهوَ من تَديَّنَ للإِصلاحِ بينَ النَّاس، أو تَديَّن لنفسِهِ وأَعسَرَ. أبو بكرٍ في "التفسيرِ". (أو) لأجلِ (جبايتِها) أي: الزكاةِ (ممَّن لا يُعطِيها) إلَّا بالتخويفِ الصِّنفُ (الخامسُ: المُكاتَبُ) قدِرَ على تكسُّبٍ، أو لا؛ لقولِه تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البَقَرَة: ١٧٧]. الصِّنفُ (السادِسُ: الغارِمُ، وهو) ضربانِ: الأوَّلُ: (مَن تَديَّنَ للإصلاحِ بينَ النَّاسِ) أي: وصْلٍ، كقبلتَينِ، أو أهلِ قريتيْنِ، ولو ذِمِّيِّين تشاجرُوا في دماءٍ أو أموالٍ، وخيفَ منه، فتوسَّطَ بينَهم رجُلٌ، وأصلَحَ بينَهم، والتزَمَ في ذِمَّتِه مالًا، عِوضًا عمَّا بينَهم؛ لتسكينِ الفتنةِ، فقد أتَى معروفًا عظيمًا، فكانَ مِنَ المعروفِ حملُه عنه مِنَ الصدقَةِ؛ لئلَّا يُجحِفَ بسادةِ القومِ المُصلِحينَ. وكانت العرَبُ تفعَلُ ذلك، فيتحمَّلُ الرَّجلُ الحَمالَةَ -بفتحِ الحاءِ- ثمَّ يخرُجُ في القبائلِ، يسألُ حتَّى يُؤدِّيَها، فأقرَّت الشريعةُ ذلك، وأباحَتِ المسألةَ فيه، وجعَلَ لهم نصيبًا مِنَ الصدقَةِ. الثَّاني: مِن ضَربَي (١) الغارِمِ، ما أشارَ إليه بقولِه: (أو تَديَّنَ لنفسِه) في شيءٍ مُباحٍ. أو تَديَّنَ لنفسِه في شيءٍ مُحرَّمٍ وتابَ منه (وأَعسَرَ) بالدَّينِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التّوبَة: ٦٠].

стр. 608

السابعُ: الغازِي في سَبيلِ الله. الثامِنُ: ابنُ السَّبيلِ، وهو الغَريبُ المُنقَطِعُ بغَيرِ بلَدِه. فيُعطى غارمٌ وفاءَ دَينِه. ودَيْنُ اللهِ كدَيْنِ الآدميِّ. لعُمومِ قولِه : ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التّوبَة: ٦٠] ولأنَّ النبيَّ ﷺ أعطَى سلَمَةَ (١) بنَ صخرٍ صدقَةَ بني زُرَيقٍ؛ ليُكفِّرَ منها كفَّارةَ الظِّهارِ (٢). وإن دَفَعَ إلى غارمٍ ما يَقضِي به دينَه، لم يجز له صرفُه في غَيرِه، ولو كان فقيرًا. وإن دفَعَ إلى الغارِمٍ لفَقرِه (٣)، جازَ أن يَقضِيَ به دينَهُ. الصِّنفُ (السَّابعُ: الغَازي في سبيلِ اللهِ) لقولِه تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التّوبَة: ٦٠] فيُعطَى، ولو غنيًّا، ما يحتاجُ إليه لغزوهِ ذهابًا وإيابًا، وثمنَ سلاحٍ ودِرعٍ وفرَسٍ إن كان فارِسًا. وإن لم يغْزُ مَن أخَذَ فرسًا أو غيرَها مِنَ الزكاةِ، ردَّها على إمامٍ؛ لأنَّه أُعطِيَ على عملٍ ولم يعمَلْه. الصِّنفُ (الثَّامنُ: ابنُ السَّبيلِ، وهو الغريبُ المُنقطِعُ بغيرِ بلدِه) لقولِهِ تعالى: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [البَقَرَة: ١٧٧] وهو المسافرُ المُنقطِعُ بغيرِ بلَدِه بسفَرٍ مُباحٍ، أو مُحرَّمٍ وتابَ مِنه؛ لأنَّ التَّوبةَ تجُبُّ ما قبلَها. ولا يُعطَى ابنُ السَّبيلِ في سفَرٍ مكروهٍ، ولا في سفَرِ نُزهَةٍ

стр. 609

فيعُطِي للجَميعِ مِنَ الزَّكاةِ بقدِرِ الحاجَةِ، إلَّا العامِلَ فيعُطَى بقدرِ أُجرَتِه، ولو غَنِيًّا، أو قِنًّا. ويُجزِئُ دفعُها إلى الخَوَارِج والبُغاةِ، وكذلِكَ مَنْ … ... … ... … ... … ... … ... (فيُعطِي للجميعِ) أي: مِنَ الأصنافِ الثَّمانيةِ (مِنَ الزكاةِ بقدرِ الحاجةِ) التي أُخِذَ بسببِها، فيزيدُ ذا الحاجةِ بقدرِ حاجتِه (إلَّا العاملَ فيُعطَى بقدرِ أُجرَتِه) منها، سواءٌ جاوزَت ثمَنَ ما جبَاه، أو لا. نصًّا. فإن تلِفَتِ الزكاةُ بلا تفريطٍ، أُعطِيَ مِن بيتِ المالِ. ويُقدَّمُ العاملُ بأُجرتِه على غيرِه مِن أهلِ الزكاةِ. قاله في "الإنصافِ" (١). "تنبيهٌ": بنَى بعضُ الأصحابِ الخلافَ هنا على ما يأخذُهُ العامِلُ: إن قُلْنا: ما يأخُذُه أُجرَةٌ. لم يُشترَطْ إسلامُه. وإن قُلْنا: هو زكاةٌ. اشتُرِطَ إسلامُه. والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ المنصوصِ عنِ الإمامِ: أنَّ ما يأخُذُه أجرَةٌ. قالَه في "الإنصافِ" (٢). (ولو) كان العاملُ (غنيًّا) لخبرِ أبي سعيدٍ مرفوعًا: "لا تحِلُّ الصدقَةُ لغنيٍّ إلَّا لخمسَةٍ: لعاملٍ، أو رَجُلٍ اشتراها بمالِه، أو غَارمٍ، أو غازٍ في سبيلِ اللهِ، أو مِسكينٍ تُصدِّقَ عليه منها، فأهدَى منها لغنيٍّ". رواهُ أبو داودَ، وابنُ ماجَه (٣). (أو) كان العاملُ (قِنًّا) فلا تُشترَطُ حرِّيتُه؛ لحديثِ: "اسمَعُوا وأطيعُوا، وإن استُعمِلَ عليكم عبدٌ حبشيٌّ كأنَّ رأسَه زبيبةٌ". رواهُ أحمدُ، والبُخاريُّ (٤). (ويُجزئُ دفعُها) أي: الزكاةِ (إلى الخَوارجِ والبُغاةِ) نصًّا. (وكذلك مَن

стр. 610

أخذَهَا مِنَ السَّلاطِينِ، قَهرًا أو اختَيارًا، عدَلَ فيها أو جَارَ. أخذَها) أي: الزكاةِ (مِنَ السَّلاطينِ؛ قهرًا أو اختيارًا، عدَلَ فيها أو جارَ). قال في "الشرحِ": لا يختلِفُ المذهَبُ أنَّ دفعَها للإمامِ جائزٌ، سواءٌ كانَ عدْلًا أو غيرَ عدْلٍ، وسواءٌ كانت مِنَ الأموالِ الظَّاهرةِ أو الباطنةِ. ويبرأُ بدفعِها، سواء تلفتْ في يد الإمامِ أو لا، أو صَرَفَها في مَصرِفِها، أو لم يصرفْها. انتهَى. وقيلَ لابنِ عمَرَ: إنَّهم يُقلِّدونَ بها الكلابَ، ويشربون بها الخُمورَ. فقالَ: ادفعْها إليهم (١). حكاهُ عنه أحمدُ. وفي "الأحكامِ السُّلطانيَّةِ" و"الإقناعِ": يحرُمُ دفعُها إليه إن وضعَها في غيرِ مواضعِها. ويجِبُ كتمُها عنه إذَنْ. انتهَى (٢). * * *

стр. 611

فَصْلٌ ولا يُجزِئُ دفعُ الزَّكاةِ للِكافِر، ولا للِرَّقِيقِ، ولا للِغَنيِّ بمَالٍ أو كَسْبٍ، ولا لِمَنْ تلزَمُهُ نفقَتُهُ، ولا للِزَّوجِ، ولا لِبني هَاشمٍ. فإن دفَعَها لغيرِ مُستَحِقِّهَا وهو يَجهَلُ، ثُمَّ عَلِمَ، لم يُجزِئْه ويَستَرِدُّها مِنهُ بنَمائِها. وإن دَفَعَها لمن يَظنُّه فقيرًا، فبانَ غَنيًا، أجزأَ. (فصلٌ) (ولا يُجزئُ دفعُ الزكاةِ للكافرِ) غيرِ مُؤلَّفٍ. حكاهُ ابنُ المُنذرِ إجماعًا. (ولا) يُجزئُ دفعُ الزكاةِ (للرقيقِ) أي: كاملِ الرِّقِّ، مِن قِنٍّ ومُدبَّرٍ ومُعلَّقٍ عتقُه بصفَةٍ، ولو كانَ سيِّدُه فقيرًا ونحوه، لاستغنائِه بنفقَةِ سيِّدِه. (ولا) يُجزئُ دفعُها (للغنيِّ بمالٍ أو كسبٍ، ولا) يُجزئُ دفعُها (لمَن تلزمُه نفقَتُه) أي: سائرِ مَن تلزمُه نفقتُه، ممَّن يَرِثُه بفرضٍ أو تعصيبٍ. (ولا) يُجزئُ دفعُها (للزَّوجِ) لأنَّها تعودُ إليه بإنفاقِه عليها. (ولا) يُجزِئُ دفعُها (لبني هاشمٍ) ذكورًا كانوا أو إناثًا (فإن دفعَها) أي: الزكاةَ (لغيرِ مُستحقِّها، وهو يجهَلُ) حالَه؛ بأن دفعَها لعبدِ، أو كافرٍ، أو هاشميٍّ، وهو لا يعلَمُ، (ثمَّ عَلِمَ) حالَه (لم يُجزئْهُ) لأنَّه لا يخفَى حالُه غالبًا (ويَستَرِدُّها منه بنمائِها). فإن تلِفَت، ضمِنَها قابضٌ. وإن كانَ الدَّافعُ الإمامَ أو نائبَه، فعليه الضَّمانُ. (وإن دفعَها) أي: الزكاةَ (لمَن يظنُّه فقيرًا، فبانَ غنيًّا، أجزأَ) لأنَّ الغِنى ممَّا يخفَى.

стр. 612

وسُنَّ أن يفرِّقَ الزَّكاةَ على أقارِبِه الذين لا تلزمُه نفقتُهم، على قدرِ حاجتِهم، وعلى ذَوِي أرحامِه كعمَّتِه، وبنتِ أخيهِ. وتُجزِئُ إن دَفَعها لِمن تبرَّع بنفقتِه بضَمِّه إلى عِيَالِه. (وسُنَّ أن يُفرِّقَ الزكاةَ على أقاربِه الذين لا تلزمُهم نفقَتُهم) كخالِه وخالتِه (على قَدرِ حاجَتِهم) فيزيدُ ذا الحاجةِ بقدرِ حاجَتِه؛ لحديثِ: "صدقَتُك على ذي القرابةِ صدقةٌ وصِلَةٌ" رواهُ الترمذيُّ، والنسائيُّ (١). ويبدأُ بأقربَ فأقرَبَ (وعلى ذوي أرحامِهِ، كعمَّتِه وبنتِ أخيهِ) والعمِّ لأمِّ، والعمَّاتِ، وأبي الأمِّ. (وتُجزئُ) (٢) أي: الزكاةُ (إنْ دفعَها لمَن تبرَّعَ بنفقَتِه بضمِّه إلى عيالِه) كيتيمٍ غيرِ وارثٍ؛ لدخُولِه في العُموماتِ، ولا نصَّ، ولا إجماعَ يُخرجُه، بل روَى البخاريُّ (٣): أنَّ امرأةَ عبدِ اللهِ سألَتِ النبيَّ ﷺ عن بني أخٍ لها أيتامٍ في حجرِها، أفتُعطِيهم (٤) زكاتَها؟ قال "نعَم". * * *

стр. 613

فَصْلٌ وتُسَنُّ صدَقةُ التَّطوُّع في كُلِّ وقتٍ، لا سِيَّمَا سِرًّا، وفي الزَّمَانِ أو المكانِ الفاضِلِ، وعلى جارِه وذَويِ رَحِمِه فهِيَ صَدَقةٌ وصِلَةٌ. ومن تصدَّقَ بما يُنقِصُ مؤُنةً تلزَمُه، … ... … ... … ... … ... … ... … . (فصلٌ) (وتُسنُّ صدقةُ التَّطوعِ) بفاضِلٍ عن كفايةٍ دائمةٍ بمتجرٍ، أو غلَّةٍ، أو صنعَةٍ، عنه وعمَّن يمونُه (في كلِّ وقتٍ) لإطلاقِ الحثِّ عليها في الكتابِ والسُّنَّةِ (لا سيَّما سرًّا) بطيبِ نفسٍ في صحَّةٍ أفضلُ؛ لقولِه : ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٧١]. وروَى أبو هريرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "سبعةٌ يُظلُّهم اللهُ في ظلِّه يومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه" ذكَرَ مِنهم: "رجلًا تصدَّقَ بصدقَةٍ فأخفاها؛ حتى لا تعلَمَ شِمالُه ما تُنفِقُ يمينُه" مُتَّفَقٌ عليه (١). (وفي الزَّمانِ أو المكانِ الفاضلِ) كالعَشرِ الأُوَلِ مِن ذي الحِجَّةِ، وكالحرمينِ، وفي رمضانَ، ويومِ الجُمُعَةِ، أفضلُ (و) كونُها (على جارِه) أفضلُ، (و) كونُها على (ذَوي رَحِمِه) أفضلُ (فهي صدقَةٌ وصِلَةٌ) لقولِ النبيِّ ﷺ : "الصَّدقَةُ على المِسكينِ صدقَةٌ، وعلى ذي الرَّحمِ اثنانِ؛ صدَقةٌ وصِلَةٌ" (٢). وهو حديثٌ حسنٌ. (ومَن تصدَّقَ بما ينقُصُ مُؤنَةً تلزمُه) كمؤنَةِ زوجةٍ أو قريبٍ، أَثِمَ؛ لحديثِ:

стр. 614

أو أضرَّ بنفسِهِ أو غَرِيمِه، أَثِمَ بذلك. وكُرِه لِمَنْ لا صَبرَ له، أو لا عادةَ له على الضِّيقِ، أن يُنقِصَ نفسَه عن الكفاية التَّامَّةِ. والمَنُّ بالصَّدقَةِ كبيرةٌ، ويبطلُ به الثَّوابُ. "كفَى بالمرءِ إثمًا أن يُضيِّعَ مِن يقوت" (١). إلَّا أن يُوافقَه عيالُه على الإيثارِ، فهو أفضلُ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحَشر: ٩]. وقولِه ﵇: "أفضلُ الصَّدقةِ جَهدٌ مِن مُقلِّ إلى فقيرٍ في السِّرِّ" (٢) (أو أضرَّ بنفسِه، أو غريمِه، أَثِمَ بذلك) أي: بسببِ صدقتِه؛ لحديثِ: "لا ضرَرَ ولا ضِرارَ" (٣). (وكُرِهَ لمَن لا صبرَ له) على الضِّيقِ (أو لا عادةَ له على الضِّيقِ، أن ينقُصَ نفسَه عنِ الكفايةِ التَّامَّةِ) نصًّا؛ لأنَّه نوعُ إضرارٍ به. وعُلِمَ منه: أنَّ الفقيرَ لا يقترِضُ ليتصدَّقَ. (والمَنُّ بالصدقَةِ كبيرةٌ) قال في "الفروعِ": ويحرُمُ المَنُّ بالصدقةِ وغيرِها، وهو كبيرةٌ على نصِّ أحمدَ. الكبيرةُ: ما فيه حدٌّ في الدُّنيا، أو وعيدٌ في الآخرةِ. (ويبطُلُ به) أي: بالمَنِّ (الثَّوابُ) لقولِه تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البَقَرَة: ٢٦٤]. قال في "الفروعِ": وتجوزُ صدقةُ التَّطوعِ على كافرٍ وغنيٍّ وغيرِهما. نصَّ عليه، ولهم أخذُها.

стр. 615

كِتابُ الصِّيامِ يَجِبُ صومُ رمضَانَ: برؤيةِ هلالِه على جميع النَّاسِ. وعلَى مَنْ حَالَ دونَهُم ودُونَ مطلَعِهِ … ... … ... … ... … ... … ... … . (كتابُ الصيامِ) لغةً: الإمساكُ. يُقالُ: صامَ النَّهارُ، إذا وقَفَ سيرُ الشَّمسِ. وللسَّاكتِ: صائمٌ؛ لإمساكِه عنِ الكلامِ، ومِنه: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريَم: ٢٦]. وصامَ الفرَسُ: أمسَكَ عنِ العَلْفِ وهو قائمٌ، أو عنِ الصَّهيلِ في موضعِه. وشرعًا: إمساكٌ بنيَّهٍ عن أشياءَ مخصوصَةٍ، في زمنٍ مُعيَّنٍ، مِن شخصٍ مخصوصٍ. (يجِبُ صومُ رمضانَ برؤيةِ هلالِه على جميعِ النَّاسِ) لحديثِ: "صومُوا لرؤُيتِه، وأفطِرُوا لرؤيتِه" (١). ويُستحَبُّ ترائي الهلالِ، وقولُ ما ورَدَ، ومنه حديثُ طلحةَ بنِ عبيدِ اللهِ: أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا رأى الهلالَ قالَ: "اللهمَّ أهلَّه علينا باليُمنِ والإيمانِ، والسَّلامةِ والإسلامِ، والتوفيقِ لما تُحِبُّ وترضَى. ربِّي وربُّك اللهُ" (٢). ويجِبُ (على مَن حالَ دونَهم ودونَ مطلعِه) أي: الهلالِ ليلةَ الثلاثينَ مِن شَعبانَ

стр. 616

غيمٌ، أو قَتَرٌ، ليلةَ الثلاثينَ من شعبانَ؛ احتياطًا بنيَّةِ رمضَان، (غَيْمٌ) أي: سِحابٌ (أو قَتَرٌ) بالتَّحريكِ: الغَبَرةُ، أو غيرُهما كالدُّخَانِ (ليلةَ الثلاثين مِن شعبانَ) وجَبَ صومُه (احتياطًا) للخروجِ مِن عُهدةِ الوجوبِ (بنيَّةِ) أنَّه مِن (رمضانَ) في قولِ عُمرَ، وابنِه، وعمرِو بنِ العاصِ، وأبي هريرةَ، وأنسٍ، ومعاويةَ، وعائشةَ وأسماءَ ابنتَي أبي بكرٍ ﵃؛ لحديثِ نافعٍ، عنِ ابنِ عُمرَ مرفوعًا: "إنَّما الشَّهرُ تسعٌ وعشرونَ، فلا تصومُوا حتَّى تَرَوا الهلالَ، ولا تفطرُوا حتَّى تَرَوه، فإن غُمَّ عليكم فاقْدُرُوا له". قال نافعٌ: كانَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ إذا مضَى مِنَ الشَّهرِ تسعةٌ وعشرون يومًا، يبعَثُ مَن ينظُرُ له الهلالَ، فإن رُئِيَ فذاك. وإنْ لم يُرَ ولم يحُلْ دونَ منظرِه سحابٌ ولا قترٌ، أصبَحَ مُفطِرًا، وإن حالَ دونَ منظَرِه سحابٌ أو قترٌ، أصبَحَ صائمًا (١). ومعنَى "اقدرُوا له": ضيِّقُوا. كقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطّلَاق: ٧]، ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١] والتضييقُ: جعلُ شعبانَ تسعةً وعشرينَ يومًا. وقد فسَّرَه ابنُ عُمرَ بفعلِه، وهو راويهِ وأعلَمُ بمعناهُ، فوجَبَ الرجوعُ إليه، كتفسيرِ التفرُّقِ في خيارِ المُتبابعَيْن. وقد صنَّفَ الأصحابُ في المسألةِ التصانيفَ، ونصرُوا المذهبَ، وردُّوا حُجَجَ المُخالِفِ بما يطولُ ذِكرُه. وإن اشتغلُوا عنِ التَّرائي لعدوٍّ أو حريقٍ ونحوِه، فذلك نادرٌ (٢)، فينسحِبُ عليه

стр. 617

ويُجزئُ إن ظَهَر منه، وتصلَّى التَّراويحُ، ولا تثبُت بقيَّةُ الأحكَامِ، كوقوعِ الطَّلاقِ، والعِتقِ، وحُلولِ الأجَلِ. وتثبُتُ رؤيةُ هِلالِه بخبَرِ مُسلِمٍ مكلَّفٍ عَدلٍ، ولو عَبدًا أو أنثى. ذيلُ الغالبِ، وفارقَ الغَيْمَ والقَتَرَ، فإنَّ وقوعَهما غالبٌ، وقد استوَى معهما الاحتمالانِ، فعمِلْنا بأحوطِهما. قالَه الشيخُ تقيُّ الدِّينِ (ويُجزِئُ إن ظهَرَ منه) أي: مِن رمضانَ؛ بأن ثبَتتَ رُؤيتُه بموضعٍ آخرَ؛ لأنَّ صومَه واقعٌ بنيَّةِ رمضانَ لمُستنَدٍ شرعيِّ، أشبَهَ الصَّومَ للرُّؤيَةِ. (وتُصلَّى التَّراويحُ) احتياطًا؛ لأنَّه ﵇، وعَدَ مَن صامَه وقامَه بالغُفرانِ، ولا يتحقَّقُ قيامُه كلُّه إلَّا بذلك. (ولا تثبُتُ بقيَّةُ الأحكامِ) الشهريَّةِ بالغَيْمِ (كوقوعِ الطلاقِ، والعِتقِ، وحُلولِ الأجَلِ) ولا تنقضِي عدَّةٌ، ولا مُدَّةُ إيلائِه؛ عملًا بالأصلِ (وتثبُتُ رُؤيةُ هلالِه بخبرِ مُسلِمٍ) فلا يُقبَلُ خبرُ الكافرِ (مُكلَّفٍ) لا مُميِّزٍ (عدلٍ) نصًّا. لا مستورٍ؛ لحديثٍ ابنِ عباسٍ: جاءَ أعرابيٌّ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: رأيْتُ الهلالَ. قال: "أتشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه؟ " قال: نعم. قالَ: "يا بلالُ، أذِّنْ في النَّاسِ، فليصومُوا غدًا". رواهُ أبو داودَ، والترمذيُّ، والنسائيُّ (١). وعنِ ابنِ عُمرَ قال: تراءَى النَّاسُ الهلالَ، فأخبرْتُ رسولَ اللهِ ﷺ أنِّي رأيتُه، فصامَ وأمَرَ النَّاسَ بصيامِهِ. رواهُ أبو داودَ (٢). ولأنَّه خبرٌ دينيٌّ لا تُهمَةَ فيه، بخلافِ آخرِ الشَّهرِ (ولو) كان المُخبِرُ به (عبدًا أو أُنثَى) كالرِّوايةِ

стр. 618

وتثبُتُ بقيَّةُ الأحكامِ تَبَعًا. ولا يُقبلُ في بقيَّةِ الشُّهُورِ إلا رجُلانِ عدلان. (وتثبُتُ) بخبرِ الواحدِ (بقيَّةُ الأحكامِ) مِن حُلولِ ديونٍ ونحوِه تبعًا. وأمَّا بقيَّةُ الشَّهورِ، فلا يُقبلُ فيها إلَّا رجلانِ عدلانِ بلفظِ الشَّهادةِ، كالنِّكاحِ وغيرِه. والفَرقُ: الاحتياطُ للعبادةِ. وقد نصَّ عليه بقولِه: (ولا يقبلُ في بقيَّةِ الشهورِ إلَّا رجلانِ عدْلانِ) قال في "الإنصافِ" (١): وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وقطَعَ به أ كثرُهم. * * *

стр. 619

فَصْلٌ وشروطُ وجوبِ الصَّومِ أربعةُ أشياء: الإسلامُ، والبُلُوغُ، والعَقلُ، والقدرةُ عليه. فمَن عَجَزَ عنهُ لِكِبَرٍ، … ... … ... … ... … ... … ... … . (فصلٌ) (وشروطُ (١) وجوبِ الصومِ أربعةُ أشياءَ): أحدُها: (الإسلامُ) لقولِه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البَقَرَة: ١٨٣] فلا يجِبُ على كافرٍ. ولو أسلَمَ في أثنائِه، لم يلزَمْه مَا مضَى مِنَ الأيامِ؛ لحديثِ ابنِ ماجَه (٢) في وفدِ ثقيفٍ: قدِمُوا عليه في رمضانَ، وضرَبَ عليهم قُبَّةً في المسجدِ، فلمَّا أسلمُوا، صامُوا ما بقِيَ مِنَ الشَّهرِ. ولأنَّ كلَّ يومٍ عبادةٌ مُفردَةٌ (و) الثاني: (البلوغُ) فلا يجِبُ على صغيرٍ. (و) الثالثُ: (العقلُ) فلا يِجبُ على مجنونٍ؛ لحديثِ: "رُفِعَ القلَمُ عن ثلاثٍ" (٣). (و) الرابعُ: (القُدرَةُ عليه) فلا يجِبُ على عاجزٍ عنه لنحوِ مرَضٍ؛ للآيةِ. (فمَن عجَزَ عنه) أي: الصَّومِ (لكبَرٍ) كشيخٍ هَرِمٍ وعجوزٍ يجهدُهما الصَّومُ،

стр. 620

أو مَرَضٍ لا يرُجى زوالُه، أَفطَرَ، وأطعَمَ عن كلِّ يومٍ مسكينًا مُدَّ بُرٍّ، أو نِصْفَ صاعٍ من غيرِهِ. وشرطُ صِحَّته سِتةٌ: الإسلامُ، وانقطاعُ دمِ الحَيضِ والنِّفاسِ. ويشُقُّ عليهما مشقَّةً شديدةً (أو) عجَزَ عنه لـ (مرَضٍ لا يُرجَى زوالُه، أفطَرَ، وأطعَمَ عن كلِّ يومٍ مسكينًا مُدَّ بُرٍّ، أو نصفَ صاعٍ مِن غيرِه) لقولِ ابنِ عباسٍ في قولِه تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البَقَرَة: ١٨٤]: ليسَت بمنسوخَةٍ، هي للكبيرِ الذي لا يستطيعُ الصَّومَ. رواهُ البُخاريُّ (١). ومعناهُ عنِ ابنِ أبي ليلَى، عن معاذٍ، ولم يُدركْهُ. رواهُ أحمدُ (٢). ولأبي داودَ (٣) -بإسنادٍ جيِّدٍ- عن ابنِ أبي ليلَى: حدَّثَنا أصحابُنا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ .. فذكَرَه. وأُلحِقَ به مَن لا يُرجَى برءُ مرَضِه. فإن كان العاجزُ عنه لكبَرٍ أو مرَضٍ لا يُرجَى برؤُه مُسافرًا، فلا فِديةَ؛ لفطرِه بعُذرٍ مُعتادٍ، ولا قضاءَ لعجزِه عنه. فيعايا بها. (وشُرِطَ) لـ (صحَتِه) أي: الصَّومِ (ستَّةٌ): أحدُها: (الإسلامُ) (و) الثاني: (انقطاعُ دمِ الحيضِ) (و) الثالثُ: (النِّفاسُ).

стр. 621

الرابع: التمييزُ، فيجِبُ على وليِّ المميِّز المُطيقِ للصَّومِ أمرُهُ بِه، وضربُه عليه ليعتَادَهُ. الخامِسُ: العقلُ، لكن لو نَوى ليلًا ثمَّ جُنَّ، أُو أغمِيَ علَيه جَميعَ النَّهارِ، وأفاقَ منه قليلًا، صَحَّ. (الرَّابعُ: التمييزُ) وهو مَن بلَغَ سبعَ سنين (فيجِبُ على وليِّ المُميِّزِ) ذكرًا كان أو أُنثَى (المُطيقِ) قالَ في "الإنصافِ" (١): أكثرُ الأصحابِ أطلَقَ الإطاقةَ. وهو ظاهرُ ما قدَّمه في "الفروع"، وقدَّمه في "الرعاية"، وحدَّ ابنُ أبي موسَى إطاقتَه بصومِ ثلاثةِ أيامٍ مُتواليَةٍ، ولا يضرُّه (للصَّومِ أمْرُه به، وضَرْبُه عليه) أي: الصومِ؛ (ليعتادَه) إذا بلَغَ. وقال المجدُ: لا يُؤاخَذُ به. ولا يُضرَبُ (٢) عليه، فيما دُونَ العشرِ، كالصَّلاةِ. (الخامسُ: العقلُ) فلا يجِبُ على المجنونِ (لكن لو نوَى ليلًا، ثمَّ جُنَّ، أو أُغمِىَ عليه جميعَ النَّهارِ) (٣) لأنَّ الصومَ: الإمساكُ مع النيَّةِ؛ لحديثِ: "يقولُ اللهُ تعالى: كلُّ عمَلِ ابنِ آدَمَ له إلَّا الصَّومَ، فإنَّه لي وأنا أجزِي به، يدَعُ طعامَه وشرابَه مِن أجلِي" (٤). فأضافَ التَّركَ إليه، وهو لا يُضافُ إلى المجنونِ والمُغمَى عليه، فلم يجُزْ، والنيَّةُ وحدُها لا تُجزئُ. (و) مَن (أفاقَ) مِن جنونٍ أو إغماءٍ (منه) أي: النَّهارِ (قليلًا، صحَّ) صومُه. أو نامَ جميعَه، أي: النَّهارِ. فيصحُّ صومُه؛ لأنَّ النَّومَ عادةٌ، ولا يزولُ به الإحساسُ بالكليَّةِ؛

стр. 622

السادِسُ: النيَّةُ من اللَّيلِ لكلِّ يومٍ واجبٍ. فمن خَطَر بقلبِه ليلًا أنه صائِمٌ، فقد نَوى، وكذا الأكلُ والشُّربُ بنيَّةِ الصَّوم. لأنَّه متَى نُبِّهَ انتبَهَ. ويقضِي مُغمًى عليه زمَنَ إغمائِه؛ لأنَّه مُكلَّفٌ، دونَ المجنونِ؛ لأنَّه غيرُ مُكلَّفٍ، ومُدَّةُ الإغماءِ لا تطولُ غالبًا. ولا تثبُتُ الولايةُ على المُغمَى عليه. (السَّادسُ) مِن شُروطِ صحتِه: (النيَّةُ مِنَ اللَّيلِ) لحديثِ: "مَن لم يُبَيِّتِ الصيامَ مِنَ اللَّيلِ، فلا صيامَ له". رواهُ أبو داودَ، والترمذيُّ، والنسائيُّ (١). وللدَّارقُطنيِّ (٢) عن عَمرَةَ، عن عائشةَ مرفوعًا: "مَن لم يُبَيِّتِ الصيامَ قبلَ طلوعِ الفجرِ، فلا صيامَ له". وقالَ: إسنادُه كلُّهم ثِقاتٌ. وأوَّلُ اللَّيلِ، ووسَطُه، وآخرُه محلُّ النيَّةِ، فأيَّ جُزءٍ نوَى فيه، أجزأَهُ. قولُه: "مِنَ اللَّيلِ" قال ابنُ نصرِ اللهِ: فُهِمَ مِن اشتراطِ كونِ النيَّةِ مِنَ اللَّيلِ، أنَّه لو نوَى مع طلوعِ الفجرِ، لم يُجزئْه. انتهَى. (لكلِّ يومٍ واجبٍ) بأن يعتقِدَ أنَّه يصومُ مِن رمضانَ، أو قضائِه، أو نذرٍ، أو كفَّارةٍ؛ لأنَّ كلَّ يومٍ عبادةٌ مُفردَةٌ؛ لأنَّه لا يفسُدُ يومٌ بفسادِ يومٍ آخرَ. وعنِ الإمامِ: يُجزئُ في أوَّلِ رمضانَ نيَّةٌ واحدةٌ لكُلِّه. نصَرَها أبو يعلَى الصَّغيرُ (فمَن خطَرَ بقلبِه ليلًا أنَّه صائمٌ، فقد نوَى. وكذا الأكلُ والشُّربُ بنيَّةِ الصَّومِ) لأنَّ محلَّ النيَّةِ القلبُ. قال الشيخُ تقيُّ الدِّينِ (٣): هو حينَ يتعشَّى، يتعشَّى عشاءَ مَن

стр. 623

ولا يضُرُّ إن أتَى بعدَ النيَّةِ بمُنَافٍ للصَّوم، أو قالَ: إن شاء الله -غيرَ متردِّدٍ- وكذَا لو قال ليلةَ الثلاثينَ من رَمضان: إنْ كانَ غَدًا من رمضَانَ ففرضِي، وإلَّا فمُفطِرٌ، ويَضُرُّ إن قالَه في أوَّلِه. يُريدُ الصَّومَ، ولهذا يُفرِّقُ بينَ عشاءِ ليلَةِ العيدِ، وعشاءِ ليالي رمضانَ. (ولا يضُرُّ إن أتَى بعدَ النيَّةِ بمنافٍ للصومِ) لا للنيَّةِ، كأكلٍ وشُربٍ وجِماعٍ؛ لظاهرِ الخبرِ، ولأنَّ اللهَ أباحَ الأكلَ إلى آخرِ اللَّيلِ، فلو بطَلَتْ به، فاتَ محلُّها. وإن نوَتْ حائضٌ صومَ الغَدِ الواجِبِ، وقد عرَفَتْ أنَّها تطهُرُ ليلًا، صحَّ؛ لمشقَّةِ المُقارنَةِ. (أو قال: إن شاءَ اللهُ، غيرَ مُتردِّدٍ) في العزمِ، فلا تفسُدُ نيَّتُه؛ لأنَّه قصدَ أن فعله للصوم (١) بمشيئةِ اللهِ وتوفيقِه وتيسيرِه، كما لا يفسُدُ الإيمانُ بقولِه: أنا مؤمنٌ، إن شاءَ الله، غيرَ مُتردِّدٍ في الحالِ. قال القاضي: وكذا نقولُ في سائر العِباداتِ: لا تفسدُ بذكرِ المشيئةِ في نيَّتِها. أي: إذا لم يقصِد الشكَّ والتردُّد (وكذا لو قالَ ليلةَ الثلاثين مِن رمضانَ: إن كانَ غدًا مِن رمضانَ، ففرضِي، وإلَّا فمُفطِرٌ) فيُجزئِه إن بانَ مِن رمضانَ؛ لأنَّه بنىَ على أصلٍ لم يثبُتْ زوالُه، ولا يقدحُ تردُّدُه؛ لأنَّه حكْمُ صومِه مع الجزمِ. (ويضرُّ إن قالَه في أوَّلِه) يعني: لو قالَ ليلةَ الثلاثين مِن شعبانَ: إن كان غدًا مِن رمضانَ ففرضي، وإلَّا فنفلٌ. لم يُجزئْه.

стр. 624

وفرضُهُ: الإمساكُ عنِ المُفطِّراتِ مِنْ طُلوعِ الفجرِ الثَّاني إلى غُروبِ الشمس. وسننُه سِتَّةٌ: تَعجيلُ الفطرِ، وتأخيرُ السُّحُور، … ... … ... … ... … ... … ... … . (وفرضُه: الإمساكُ عن) جميعِ (المُفطراتِ) مِن أكلٍ وشُربٍ وجماعٍ (مِن طُلوعِ الفجرِ الثاني إلى غُروبِ الشَّمسِ) عنِ الأفقِ. (وسننُه) أي: الصومِ (ستَّةٌ): أحدُها: (تعجيلُ الفِطرَ) إذا تحقَّقَ غروبَ الشَّمسِ؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "يقولُ اللهُ: إنَّ أحبَّ عبادِي إليَّ أعجَلُهم فِطرًا". رواهُ أحمدُ، والترمذيُّ (١) وقال: حسنٌ غريبٌ. (و) الثاني: (تأخيرُ السُّحورِ) إن لم يخشَ طلوعَ الفجرِ؛ لحديثِ زيدِ بنِ ثابتٍ قال: تسحَّرْنا مع رسولِ اللهِ ﷺ ثم قُمْنا إلى الصَّلاةِ. قلْتُ: كم كان قدرُ ذلك؟ قال: قدرُ خمسين آيةً. متَّفَقٌ عليه (٢). ولأن قصدَ السُّحورِ: التقوِّي على الصَّومِ. وما كانَ أقربَ إلى الفجرِ، كانَ أعونَ عليه. وتحصُلُ فضيلةُ السُّحورِ بشربٍ؛ لحديثِ: "ولو أن يجْرعَ (٣) أحدُكم جُرعَةً مِن ماءٍ" (٤). ويحصلُ كمالُها أي: فضيلة السحور (٥) بأكلٍ؛ للخَبرِ. وأن يكونَ مِن

стр. 625

والزِّيادة في أعمَالِ الخيرِ، وقولُهُ جهرًا إذا شُتِمَ: إني صائم، وقولُه عندَ فِطرِه: اللَّهمَّ لك صُمتُ، وعلى رِزقِكَ أفطرتُ، سبحانَكَ وبحمدِكَ، اللَّهمَّ تقبَّل منِّي إنَّك أنت السميعُ العليمُ … ... … ... … ... … ... … ... تمرٍ؛ لحديثِ "نِعمَ سَحورُ المُؤمنِ التمرُ". رواه أبو داودَ (١). (و) الثالثُ: (الزيادةُ في أعمالِ الخيرِ) أي: يكثرُ مِن قراءةِ القرآنِ، والذِّكرِ، والصدقَةِ. (و) الرابعُ: (قولُه) أي: الصائمِ (جهرًا إذا شُتِمَ) أي: إن شتَمَه أحدٌ قال: (إنِّي صائمٌ) لخبرِ "الصحيحين" (٢) عن أبي هريرةَ مرفوعًا: "إذا كانَ يومُ صومِ أحدِكم، فلا يرفُثْ يومئذٍ، ولا يصخَبْ، فإن شاتمَهُ أحدٌ، أو قاتلَه، فليقُلْ: إنِّي صائمٌ". قال في "القاموسِ": الصَّخَبُ، مُحرَّكًا: شدِّةُ الصَّوتِ، يُقالُ: صخِبَ كفَرِحَ، فهو صخَّابٌ، وصخِبٌ وصَخُوبٌ وصَخبانُ، وجمعُ الأخيرِ: صُخْبَانُ (٣). (و) الخامسُ: (قولُه عندَ فِطرِه: اللهمَّ لكَ صُمْتُ، وعلى رِزقِك أفطرْتُ، سبحانَك وبحمدِك، اللهمَّ تقبَّلْ منِّي إنَّك أنتَ السَّميعُ العليمُ) لحديثِ الدَّارقُطنيِّ (٤) عن أنسٍ وابنِ عباسٍ: كانَ النبيُّ ﷺ إذا أفطَرَ قال: "اللهمَّ لكَ صُمْنا، وعلى رزقِكَ أفطرْنا، فتقبَّلْ منَّا، إنَّك أنتَ السَّميعُ العليمُ". وعن ابنِ عمَرَ مرفوعًا: كانَ إذا أفطَرَ قالَ: "ذهَبَ الظَّمأُ، وابتلَّتِ العُروقُ، ووصا الأجرُ إن شاءَ اللهُ

стр. 626

وفِطرُهُ على رُطَبٍ، فإن عُدِمَ فتمرٌ، فإن عُدِمَ فماءٌ. تعالى". رواهُ الدَّارقُطنيُّ (١). وفي الخبرِ: "للصائمِ عندَ فطرِه دعوةٌ لا تُرَدُّ" (٢). ويُستحَبُّ تفطيرُ صائمٍ، وله مثلُ أجرِهِ؛ للخبرِ (٣). (و) السَّادسُ: (فِطرُهُ على رُطَبٍ، فإن عُدِمَ فتمرٌ، فإن عُدِمَ فماءٌ)؛ لحديثِ أنسٍ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يفطِرُ علَى رُطَبَاتٍ قبلَ أن يُصلِّي، فإن لم يكُنْ، فعلَى تمراتٍ، فإن لم تكُنْ تمراتٌ، حسَا حَسَواتٍ مِن ماءٍ. رواهُ أبو داودَ، والترمذيُّ (٤)، وقال: حسنٌ غريبٌ. وفي معنَى الرُّطَبِ والتَّمرِ: كلُّ حُلُوٍ لم تمسَّه النارُ. * * *

стр. 627

فَصْلٌ يحُرم على مَنْ لا عُذرَ لهُ الفِطرُ برمضانَ. ويجِبُ الفِطرُ على الحائِضِ والنُّفسَاءِ، وعلَى من يحتَاجُهُ لإنقَاذِ معصُومٍ من مَهلكَةٍ. ويُسنُّ لمسافِرٍ يباحُ له القصرُ، … ... … ... … ... … ... … ... … . (فصلٌ) و (يحرُمُ على مَن لا عُذرَ له) مِن نحوِ مرَضٍ وغيِره (الفطرُ برمضانَ) (ويجِبُ الفطرُ على الحائضِ والنُّفساءِ. و) يجِبُ الفِطرُ (على مَن يحتاجُه لإنقاذِ معصومٍ مِن مهلَكَةٍ) كغريقٍ ونحوِه؛ لأنَّه يُمكنُه تدارُكُ الصومِ بالقضاءِ، بخلافِ الغريقِ ونحوِه. ومَن خافَ تلَفًا بصومِه، أجزأَه، وكُرِهَ. صححَّه في "الإنصافِ". وقال جماعةٌ: يحزمُ صومُه. قال العلَّامةُ الشيخُ مرعي عمُّ والدِي في "غايةِ المُنتهَى" (١): ويتجه: وهو الأصح. ونقل الشيخ منصور في "شرحه على المنتهى" (٢): ومَن صنعَتُه شاقَّةٌ، وتضرَّرَ بتركِها، وخافَ تلفًا، أفطَرَ وقضَى. ذكَرَه الآجرِّيُّ. (ويُسنُّ) الفطرُ (لمسافرٍ يباحُ له القصرُ) ولو بلا مشقَّةٍ؛ لحديثِ: "ليسَ مِنَ البرِّ

стр. 628

ولمريضٍ يَخَافُ الضَّررَ. ويُباحُ لحاضِرٍ سافَرَ في أثناءِ النَّهارِ، ولحامِلٍ وَمُرضعٍ خافتَا على أنفُسِهِمَا، أو علَى الوَلَدِ، لكنْ لو أفطَرتَا للخَوفِ على الولَدِ فقط، لَزِمَ وليَّه إطعامُ مِسكِينٍ لِكلِّ يومٍ. الصَّيامُ (١) في السَّفرِ". متفقٌ عليه (٢). ورواهُ النسائيُّ (٣) وزادَ: "عليكُم برخصَةِ اللهِ التي رخَّصَ لكم، فاقبلُوها". وإن صامَ، أجزأَه نصًّا؛ لحديثِ: "هي رخصةٌ مِنَ اللهِ، فمَن أخَذَ بها فهو حسَنٌ، ومَن أحَبَّ أن يصومَ فلا جُناحَ عليه". رواهُ مسلمٌ، والنسائيُّ (٤). وكُرِهَ الصَّومُ بسفرِ قَصرٍ، ولو بلا مشقَّةٍ. فلو سافَرَ ليُفطِرْ، حرُمَ سفرٌ وفِطرٌ. وسُنَّ فطرٌ، (و) كُرِهَ صومٌ (لمريضٍ يخافُ الضَّررَ) لقولِه تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٥] (ويُباحُ) الفطرُ (لحاضرٍ) صامَ، ثمَّ (سافرَ في أثناءِ النَّهارِ)، فلَه الفِطرُ، على الأصحِّ؛ لظاهرِ الآيةِ والأخبارُ الصحيحةُ. وكالمرَضِ الطَّارئ، ولو بفعلِه. وسُنَّ فِطرٌ، (و) كُرِهَ صومٌ (لحاملٍ ومُرضِعٍ خافتَا على أنفسِهما، أو) خافَتا (على الولَدِ) كالمريضِ وأَوْلَى (لكن لو أفطَرَتا للخوفِ على الولَدِ فقط) مِن الصَّومِ (لزِمَ وليَّه) أي: مِن أبيهِ، ووصيِّه، والحاكمِ، وكُلِّ مَن يلزَمُه نفقَتُه لإعسارِه. ولا يلزمُها هي ذلك إن خافَت عليه: (إطعامُ مسكينٍ لكلِّ يومٍ) أفطرَتْه حاملٌ أو مُرضِعٌ

стр. 629

وإن أسلَم الكافِرُ، وطَهُرَتِ الحَائضٌ، أو برئَ المريضُ، وقَدِمَ المُسافِر، وبلغَ الصَّغيرُ، وعَقَلَ المجنُونُ، في أثناءِ النَّهار، وهم مُفطِرونَ، لزِمَهُم الإمساكُ، والقَضاءُ. وليسَ لِمَن جازَ لهُ الفِطرُ برمضانَ أنْ يصومَ غيرَهُ فِيهِ. خوفًا على الوَلَدِ، ما يُجزئُ في كفَّارةٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البَقَرَة: ١٨٤] قال ابن عباس (١): كانَت رُخصةً للشيخِ الكبيرِ والمرأةِ الكبيرةِ، وهما يطيقان الصيامَ، أن يُفطِرا ويُطعِما مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا، والحُبْلَى والمُرضِعُ إذا خافَتا على أولادِهما، أفطَرَتا وأطعَمَتا. رواهُ أبو داودَ (٢). ورُوِيَ عن ابنِ عمرَ (٣). ولأنَّه فِطرٌ، بسببِ نفسٍ عاجزةٍ مِن طريقِ الخِلقَةِ، فوجَبَت به الكفَّارةُ، كالشَّيخِ الهَرِمِ (٤). ويُجزئُ دفعُها إلى مِسكينٍ واحدٍ؛ جملةً واحدةً. قال في "الفروعِ": على الفورِ؛ لوجوبِه. (وإن أسلَمَ الكافرُ، وطهُرَتِ الحائضُ، أو برِئ المريضُ، وقدِمَ المُسافرُ، وبلَغَ الصغيرُ، وعقَلَ المجنونُ، في أثناءِ النَّهارِ، وهم مُفطرونَ، لزِمَهم الإمساكُ، والقضاءُ). (وليسَ لمَن جازَ له الفطرُ برمضانَ) كمسافرٍ (أن يصومَ غيرَه) أي: رمضانَ

стр. 630

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (فيه) أي: في رمضانَ؛ لأنَّه لا يسَعُ غيرَ ما فُرِضَ فيه. ويلغُو صومُه، وكذا لو قلَبَه نفلًا. "فرعٌ": لمَن أُبيحَ له فطرٌ برمضانَ، وصامَ: أن يفطُرَ بما شاءَ مِن جماعٍ وغيرِه، ولا كفَّارةَ. "تتمَّةٌ": يُنكَرُ على مَن أكَلَ في رمضانَ ظاهرًا، وإن كانَ هناكَ عُذرٌ. قالَه القاضي. وقال ابنُ عقيلٍ: إن كانَت أعذارٌ خفيَّةً، مُنِعَ مع إظهارِه. * * *

стр. 631

فَصْلٌ في المُفطِّرَاتِ وهيَ اثنَا عَشَرَ: خُروجُ دمِ الحيضِ والنِّفاسِ، والموتُ، والردَّةُ، والعزمُ على الفِطْرِ، والتردُّدُ فيه، والقيءُ عَمدًا، والاحتِقَانُ من الدُّبُرِ، … ... … ... … ... … ... … ... (فصلٌ في المُفطِّراتِ) (وهي اثنا عشَرَ): أحدُها: (خُروجُ دمِ الحيضِ والنِّفاسِ) (و) الثاني: (الموتُ) يعني: يفسُدُ الصَّومُ بالموتِ. وحيثُ قلْنا ببطلانِ الصَّومِ بالموتِ، فإنَّه يُطعَمُ مِن تركَتِه -إن ماتَ صائمًا- في نذرٍ وكفَّارةٍ مِسكينٌ؛ لفسادِ صومِ ذلك اليومِ الذي ماتَ فيه؛ لتعذُّرِ قضائِه. (و) الثالثُ: (الرِّدَّةُ) ولا يختصُّ ذلك بالصَّومِ، بل تُفسِدُ الرِّدَّةُ كلَّ عبادَةٍ حصَلَت في أثنائِها. قال اللهُ : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزُّمَر: ٦٥]. (و) الرابعُ: (العزمُ على الفِطرِ) (و) الخامسُ: (التَّردُّدُ فيه) أي: في الصَّومِ. (و) السَّادسُ: (القَيءُ عمدًا) (و) السَّابعُ: (الاحتقانُ مِنَ الدُّبُرِ) انظُرْ إلى هذا القيدِ الذي ذكَرَهُ المُصنِّفُ ﵀! فإنِّي لم أرَهُ لغيرِه. فعلىَ هذا: فلو احتقَنَ في قُبُلِه، لم يفطرْ. ومفهومُ هذا القيدِ ذكَرَهُ صاحبُ "الإقناعِ" بقولِه: أو قطَرَ في إحليلِه، ولو وصَلَ مثانَتَه. وهو

стр. 632

وبَلعُ النُّخَامَةِ إذا وصلَت إلى الفَم. التاسِعُ: الحِجامةُ خاصَّةً، حاجِمًا كانَ أو محجُومًا. العُضوُ الذي يجتمِعُ فيه (١) البولُ داخلَ الجوفِ، لم يفطرْ. فتأمَّلْ، وانظُرْ. (و) الثَّامنُ: (بلعُ النُّخامَةِ إذا وصَلَت إلى الفَم) أي: سواءٌ كانَت مِن دماغِه، أو حلْقِه، أو صدرِه، فابتلَعَها، فسَدَ صومُه؛ لعدَمِ مشقُّةِ التحرُّزِ منها، بخلافِ البُصاقِ. و (التاسِعُ: الحِجامَةُ خاصَّةً) وظهر دمٌ (٢)، نصًّا. لا إن جَرَحَ نفسَه لغيرِ التَّداوي بدَلَ الحجامَةِ، ولا بفَصدٍ وشَرْطٍ، ولا بإخراجِ دَمِه برُعافٍ (حاجمًا كانَ أو محجومًا) أي: فسَدَ صومُ كلٍّ مِن حاجِمٍ ومُحتجِمٍ، ولزمَهما قضاءُ صومٍ واجبٍ. نصًّا. وبه قالَ عليٌّ، وابنُ عبَّاسٍ، وأبو هريرةَ، وعائشةُ؛ لحديثِ: "أفطَرَ الحاجِمُ والمحجومُ" (٣). رواهُ عن النبيِّ ﷺ أحدَ عَشَرَ نفسًا. قال أحمدُ: حديثُ شدَّادِ بنِ أوسٍ مِن أصحِ حديثٍ يُروَى في هذا البابِ. وإسنادُ حديثِ رافعٍ -يعني: ابنَ خديجٍ- إسنادٌ جيِّدٌ. وقالَ: حديثُ ثوبانَ وشدَّادٍ صحيحانِ. وقالَ عليُّ بنُ الَمدِينيِّ: أصحُّ شيءٍ في هذا البابِ، حديثُ شدَّادٍ وثوبانَ. وحديثُ ابنِ عباسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ احتَجَمَ، وهو صائمٌ. رواهُ البُخاريُّ (٤). منسوخٌ؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ راويه كانَ يُعِدُّ الحجَّامِ والمحاجِمِ، قبلَ مغيبِ الشَّمسِ، فإذا غابَتِ الشَّمسُ، احتجَمَ كذلك. رواهُ الجَوزَجانيُّ.

стр. 633

العاشِرُ: إنزالُ المَنيِّ بِتَكرَارِ النَّظرِ، لا بِنَظرَةٍ، ولا بالتَّفكُّرِ والاحتِلامِ، ولا بالمَذْيِ. الحاديَ عَشَرَ: خروجُ المَنيِّ، أو المَذْيِ بتقبيلٍ، أو لَمْسٍ، أو استِمنَاءٍ، أو مُباشَرَةٍ دونَ الفَرجِ. الثانيَ عَشَرَ: كُلُّ ما وَصَلَ إلى الجَوفِ، … ... … ... … ... … ... … ... … . فإن لم يَظهرْ دمٌ، لم يفطِرْ؛ لأنَّها لا تُسمَّى إذَنْ حِجامَةٌ. (العاشِرُ) مِن المفطِّراتِ: (إنزالُ المنيِ بتكرارِ النَّظَرِ) لأنِّه إنزالٌ بفعلٍ يتلذَّذُ به، يمكِنُ التَّحرُّزُ منه، أشبَهَ الإنزالَ باللَّمسِ (لا بنظرَةٍ) واحدةٍ، أي: فلا يُفطرُ لو أمنَى بنظرةٍ، (ولا) يفطرُ (بالتفكُّرِ، و) لا يفطرُ بـ (الاحتلَامِ (١)، ولا) يفطُرُ (بالمذيِ) أي: مِن غيرِ لمسٍ ولا مُباشَرَةٍ. (الحادي عشرَ) مِنَ المُفطِّراتِ: (خروجُ المنيِّ، أو المَذْيِ بتقبيلٍ، أو لمسٍ، أو استمنَاءٍ) بيدِه أو غيرِها، فأمنَى أو أمذَى (٢)، فسَدَ صومُهُ (أو مباشرةٍ دونَ الفرجِ) فأمنَى أو أمذى، فسَدَ صومُه. أمَّا الإمناءُ: فلمُشابهَته الإمناءَ بجماعٍ؛ لأنَّه إنزالٌ بمُباشرَةٍ. وأمَّا الإمذاء: فلتخلُّلِ الشَّهوةِ له وخروجِه بالمُباشرَةِ، فيُشبِهُ المنيَّ. وبهذا فارَقَ البولَ. (الثاني عشرَ) مِنَ المُفطِّراتِ: (كلُّ ما وصَلَ إلى الجوفِ) شيئًا مُطلقًا مِن كلِّ محلٍّ ينفُذُ إلى مِعدَتِه، سواءٌ كانَ ينماعُ (٣) ويُغذِّي، أو لا، كحصاةٍ، وقطعةِ حديدٍ

стр. 634

أو الحَلقِ، أو الدِّماغِ، من مائعٍ وغَيرِه. فيُفطِرُ إن قَطَرَ في أُذُنِه ما وصَلَ إلى دِماغِه، أو دَاوَى الجائفَةَ، فوصَلَ إلى جَوفِه، أو اكتَحَلَ بما عَلِمَ وصُولَه إلى حَلقِه، … ... … ... … ... … ... … ورصاصٍ، ونحوِهما، ولو طرَفَ سكِّينٍ، مِن فعلِه أو فعلِ غيرِه بإذنِه، فسَدَ صومُه (أو) وصَلَ (الحَلْقَ) فسَدَ صومُه، (أو) وصَلَ (الدِّماغَ مِن مائعٍ وغيرِه) (فيفطرُ) إن وصَلَ إلى دماغِه؛ بأن عَلِمَ بوصولِه، على الصَّحيحِ مِنَ المذهَبِ (إن قطَرَ في أُذُنِه ما) أي: شيئًا (وصلَ إلى دماغِه) فسَدَ صومُه؛ لأنَّه واصلٌ إلى جوفِه باختيارِه، أشبَه الأكلَ (أو داوَى الجائفةَ) وهي: الجرحُ في الجوفِ (فوصلَ) الدواءُ (إلى جوفِه) فسدَ صومُه (أو اكتحلَ بما) أي: شيءٍ (عَلِمَ وصولَه إلى حلقِه) لرطوبتِه أو حِدَّتِه، من كُحلٍ، أو صَبِرٍ، أو قُطورٍ، كالأشيافِ (١)، أو ذَرورٍ، أو إثمدٍ كثيرٍ أو يسيرٍ مُطَيَّبٍ. قولُه: "بما علِمَ وصولَه إلى حلقِه" أي: بأنْ وجدَ طعمَه به، أو خرجَ في نُخامَتِه ونحوِه. وظاهرُ تقيدِه بالعلمِ: أنَّه لا يُفطرُ بغلَبةِ الظنِّ. وهو صريحُ "الإنصاف"، حيثُ قيَّدَ بالتحقيقِ، ونقلَ عن المجدِ أنَّه يفطرُ بغلبةِ الظنِّ، لكنْ مقتضى التقييدِ بالكثيرِ، وبالمطيَّبِ في اليسيرِ: أنَّه يكتفي فيهما بغلبةِ الظنِّ؛ لقوةِ السرايةِ في الكثيرِ والمطيَّبِ، بخلافِ اليسيرِ غيرِ المطيَّبِ؛ إذ تحقُّقِ الوصولِ في ذلك مُفطِّرَةٌ، سواءٌ كان كثيرًا أو يَسيرًا، مُطيَّبًا أو غيرَ مطيَّبٍ، فيكون التقيدُ بالكثيرِ والمطيَّبِ لا فائدةَ به إلا على الاكتفاءِ بغَلبةِ الظنِّ. انتهى من حاشيةِ العلَّامةِ الشيخِ يوسفَ الفتوحيِّ على "المنتهى".

стр. 635

أو مَضَغَ عِلكًا أو ذاقَ طعامًا ووجدَ الطَّعمَ بحلقِه، أو بلَعَ ريقَه بعدَ أن وصَلَ إلى بينَ شَفتَيهِ. ولا يُفطِرُ إن فعلَ شيئًا من جَميع المُفَطِّراتٍ ناسيًا، أو مُكرهًا، ولا إنْ دَخَلَ الغُبَارُ حَلقَهُ، أو الذُّبَابُ بغيرِ قصدِهِ، ولا إن جَمَعَ ريقَه فابتلَعَهُ. (أو مضَغَ عِلْكًا) ووجدَ طعمَ ذلك بحلقِه، فسدَ صومُه؛ لأنَّه دليلُ وصولِ أجزائِه إليه (أو ذاقَ طعامًا، ووجدَ الطَّعمَ بحلقِه) فسدَ صومُه (أو بلعَ ريقَه بعدَ أنْ وصلَ إلى بينَ شَفتَيْهِ) فسدَ صومُه (ولا يُفطرُ إنْ فعلَ شيئًا) يُفسدُ صومَه (من جميعِ المفطِّراتِ ناسيًا، أو) أي: ولا إنْ فعلَه (مُكرَهًا) سواءٌ أُكْرِه على الفعلِ حتى فعلَه، أو فُعِلَ به؛ كمَنْ صُبَّ في حلقِه الماءُ مُكرَهًا، أو وهو نائمٌ ونحوُه، نصًّا؛ لأنَّه ﵇ علَّلَ في الناسي بقولِه: "فإنَّما أطعمَه اللهُ وسقاه" (١). وفي لفظٍ: "فإنَّما هو رزقٌ ساقَه اللهُ إليه" (٢). وهذا موجودٌ في حقِّ مَنْ دخلَ الماءُ في جوفِه وهو نائمٌ ونحوه. "فائدةٌ": قال في "الإنصاف" (٣): الصحيحُ من المذهبِ: أنَّ الجاهلَ بالتحريمِ، يفطرُ بفعل المفطِّراتِ. وتبعَه في "الإقناع" و"المنتهى" (٤). (ولا) يفطرُ (إنْ دخلَ الغبارُ حلقَهُ) في طريقٍ، أو نخلٍ، نحوَ دقيقٍ أو دُخَانٍ بلا قَصدٍ؛ لعدمِ إمكانِ التحرُّزِ منه (أو) دخلَ إلى حلقِه (الذُّبابُ بغيرِ قصدِه) في جميعِ ما تقدَّم. (ولا) يفطرُ (إنْ جمعَ ريقَه فابتلَعَهُ) بل يُكرَه. أما ابتلاعُ ريقِه على جاري عادتِه، فلا بأسَ به.
следующие страницы →