فَصْلٌ في المُفطِّرَاتِ
وهيَ اثنَا عَشَرَ:
خُروجُ دمِ الحيضِ والنِّفاسِ، والموتُ، والردَّةُ، والعزمُ على الفِطْرِ، والتردُّدُ فيه، والقيءُ عَمدًا، والاحتِقَانُ من الدُّبُرِ، … ... … ... … ... … ... … ...
(فصلٌ في المُفطِّراتِ)
(وهي اثنا عشَرَ):
أحدُها: (خُروجُ دمِ الحيضِ والنِّفاسِ)
(و) الثاني: (الموتُ) يعني: يفسُدُ الصَّومُ بالموتِ. وحيثُ قلْنا ببطلانِ الصَّومِ بالموتِ، فإنَّه يُطعَمُ مِن تركَتِه -إن ماتَ صائمًا- في نذرٍ وكفَّارةٍ مِسكينٌ؛ لفسادِ صومِ ذلك اليومِ الذي ماتَ فيه؛ لتعذُّرِ قضائِه.
(و) الثالثُ: (الرِّدَّةُ) ولا يختصُّ ذلك بالصَّومِ، بل تُفسِدُ الرِّدَّةُ كلَّ عبادَةٍ حصَلَت في أثنائِها. قال اللهُ : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزُّمَر: ٦٥].
(و) الرابعُ: (العزمُ على الفِطرِ)
(و) الخامسُ: (التَّردُّدُ فيه) أي: في الصَّومِ.
(و) السَّادسُ: (القَيءُ عمدًا)
(و) السَّابعُ: (الاحتقانُ مِنَ الدُّبُرِ) انظُرْ إلى هذا القيدِ الذي ذكَرَهُ المُصنِّفُ ﵀! فإنِّي لم أرَهُ لغيرِه. فعلىَ هذا: فلو احتقَنَ في قُبُلِه، لم يفطرْ. ومفهومُ هذا القيدِ ذكَرَهُ صاحبُ "الإقناعِ" بقولِه: أو قطَرَ في إحليلِه، ولو وصَلَ مثانَتَه. وهو
стр. 632
وبَلعُ النُّخَامَةِ إذا وصلَت إلى الفَم.
التاسِعُ: الحِجامةُ خاصَّةً، حاجِمًا كانَ أو محجُومًا.
العُضوُ الذي يجتمِعُ فيه (١) البولُ داخلَ الجوفِ، لم يفطرْ. فتأمَّلْ، وانظُرْ.
(و) الثَّامنُ: (بلعُ النُّخامَةِ إذا وصَلَت إلى الفَم) أي: سواءٌ كانَت مِن دماغِه، أو حلْقِه، أو صدرِه، فابتلَعَها، فسَدَ صومُه؛ لعدَمِ مشقُّةِ التحرُّزِ منها، بخلافِ البُصاقِ.
و (التاسِعُ: الحِجامَةُ خاصَّةً) وظهر دمٌ (٢)، نصًّا. لا إن جَرَحَ نفسَه لغيرِ التَّداوي بدَلَ الحجامَةِ، ولا بفَصدٍ وشَرْطٍ، ولا بإخراجِ دَمِه برُعافٍ (حاجمًا كانَ أو محجومًا) أي: فسَدَ صومُ كلٍّ مِن حاجِمٍ ومُحتجِمٍ، ولزمَهما قضاءُ صومٍ واجبٍ. نصًّا. وبه قالَ عليٌّ، وابنُ عبَّاسٍ، وأبو هريرةَ، وعائشةُ؛ لحديثِ: "أفطَرَ الحاجِمُ والمحجومُ" (٣). رواهُ عن النبيِّ ﷺ أحدَ عَشَرَ نفسًا. قال أحمدُ: حديثُ شدَّادِ بنِ أوسٍ مِن أصحِ حديثٍ يُروَى في هذا البابِ. وإسنادُ حديثِ رافعٍ -يعني: ابنَ خديجٍ- إسنادٌ جيِّدٌ. وقالَ: حديثُ ثوبانَ وشدَّادٍ صحيحانِ. وقالَ عليُّ بنُ الَمدِينيِّ: أصحُّ شيءٍ في هذا البابِ، حديثُ شدَّادٍ وثوبانَ.
وحديثُ ابنِ عباسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ احتَجَمَ، وهو صائمٌ. رواهُ البُخاريُّ (٤).
منسوخٌ؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ راويه كانَ يُعِدُّ الحجَّامِ والمحاجِمِ، قبلَ مغيبِ الشَّمسِ، فإذا غابَتِ الشَّمسُ، احتجَمَ كذلك. رواهُ الجَوزَجانيُّ.
стр. 633
العاشِرُ: إنزالُ المَنيِّ بِتَكرَارِ النَّظرِ، لا بِنَظرَةٍ، ولا بالتَّفكُّرِ والاحتِلامِ، ولا بالمَذْيِ.
الحاديَ عَشَرَ: خروجُ المَنيِّ، أو المَذْيِ بتقبيلٍ، أو لَمْسٍ، أو استِمنَاءٍ، أو مُباشَرَةٍ دونَ الفَرجِ.
الثانيَ عَشَرَ: كُلُّ ما وَصَلَ إلى الجَوفِ، … ... … ... … ... … ... … ... … .
فإن لم يَظهرْ دمٌ، لم يفطِرْ؛ لأنَّها لا تُسمَّى إذَنْ حِجامَةٌ.
(العاشِرُ) مِن المفطِّراتِ: (إنزالُ المنيِ بتكرارِ النَّظَرِ) لأنِّه إنزالٌ بفعلٍ يتلذَّذُ به، يمكِنُ التَّحرُّزُ منه، أشبَهَ الإنزالَ باللَّمسِ
(لا بنظرَةٍ) واحدةٍ، أي: فلا يُفطرُ لو أمنَى بنظرةٍ، (ولا) يفطرُ (بالتفكُّرِ، و) لا يفطرُ بـ (الاحتلَامِ (١)، ولا) يفطُرُ (بالمذيِ) أي: مِن غيرِ لمسٍ ولا مُباشَرَةٍ.
(الحادي عشرَ) مِنَ المُفطِّراتِ: (خروجُ المنيِّ، أو المَذْيِ بتقبيلٍ، أو لمسٍ، أو استمنَاءٍ) بيدِه أو غيرِها، فأمنَى أو أمذَى (٢)، فسَدَ صومُهُ (أو مباشرةٍ دونَ الفرجِ) فأمنَى أو أمذى، فسَدَ صومُه.
أمَّا الإمناءُ: فلمُشابهَته الإمناءَ بجماعٍ؛ لأنَّه إنزالٌ بمُباشرَةٍ. وأمَّا الإمذاء: فلتخلُّلِ الشَّهوةِ له وخروجِه بالمُباشرَةِ، فيُشبِهُ المنيَّ. وبهذا فارَقَ البولَ.
(الثاني عشرَ) مِنَ المُفطِّراتِ: (كلُّ ما وصَلَ إلى الجوفِ) شيئًا مُطلقًا مِن كلِّ محلٍّ ينفُذُ إلى مِعدَتِه، سواءٌ كانَ ينماعُ (٣) ويُغذِّي، أو لا، كحصاةٍ، وقطعةِ حديدٍ
стр. 634
أو الحَلقِ، أو الدِّماغِ، من مائعٍ وغَيرِه.
فيُفطِرُ إن قَطَرَ في أُذُنِه ما وصَلَ إلى دِماغِه، أو دَاوَى الجائفَةَ، فوصَلَ إلى جَوفِه، أو اكتَحَلَ بما عَلِمَ وصُولَه إلى حَلقِه، … ... … ... … ... … ... …
ورصاصٍ، ونحوِهما، ولو طرَفَ سكِّينٍ، مِن فعلِه أو فعلِ غيرِه بإذنِه، فسَدَ صومُه (أو) وصَلَ (الحَلْقَ) فسَدَ صومُه، (أو) وصَلَ (الدِّماغَ مِن مائعٍ وغيرِه)
(فيفطرُ) إن وصَلَ إلى دماغِه؛ بأن عَلِمَ بوصولِه، على الصَّحيحِ مِنَ المذهَبِ (إن قطَرَ في أُذُنِه ما) أي: شيئًا (وصلَ إلى دماغِه) فسَدَ صومُه؛ لأنَّه واصلٌ إلى جوفِه باختيارِه، أشبَه الأكلَ
(أو داوَى الجائفةَ) وهي: الجرحُ في الجوفِ (فوصلَ) الدواءُ (إلى جوفِه) فسدَ صومُه (أو اكتحلَ بما) أي: شيءٍ (عَلِمَ وصولَه إلى حلقِه) لرطوبتِه أو حِدَّتِه، من كُحلٍ، أو صَبِرٍ، أو قُطورٍ، كالأشيافِ (١)، أو ذَرورٍ، أو إثمدٍ كثيرٍ أو يسيرٍ مُطَيَّبٍ. قولُه: "بما علِمَ وصولَه إلى حلقِه" أي: بأنْ وجدَ طعمَه به، أو خرجَ في نُخامَتِه ونحوِه. وظاهرُ تقيدِه بالعلمِ: أنَّه لا يُفطرُ بغلَبةِ الظنِّ. وهو صريحُ "الإنصاف"، حيثُ قيَّدَ بالتحقيقِ، ونقلَ عن المجدِ أنَّه يفطرُ بغلبةِ الظنِّ، لكنْ مقتضى التقييدِ بالكثيرِ، وبالمطيَّبِ في اليسيرِ: أنَّه يكتفي فيهما بغلبةِ الظنِّ؛ لقوةِ السرايةِ في الكثيرِ والمطيَّبِ، بخلافِ اليسيرِ غيرِ المطيَّبِ؛ إذ تحقُّقِ الوصولِ في ذلك مُفطِّرَةٌ، سواءٌ كان كثيرًا أو يَسيرًا، مُطيَّبًا أو غيرَ مطيَّبٍ، فيكون التقيدُ بالكثيرِ والمطيَّبِ لا فائدةَ به إلا على الاكتفاءِ بغَلبةِ الظنِّ. انتهى من حاشيةِ العلَّامةِ الشيخِ يوسفَ الفتوحيِّ على "المنتهى".
стр. 635
أو مَضَغَ عِلكًا أو ذاقَ طعامًا ووجدَ الطَّعمَ بحلقِه، أو بلَعَ ريقَه بعدَ أن وصَلَ إلى بينَ شَفتَيهِ. ولا يُفطِرُ إن فعلَ شيئًا من جَميع المُفَطِّراتٍ ناسيًا، أو مُكرهًا، ولا إنْ دَخَلَ الغُبَارُ حَلقَهُ، أو الذُّبَابُ بغيرِ قصدِهِ، ولا إن جَمَعَ ريقَه فابتلَعَهُ.
(أو مضَغَ عِلْكًا) ووجدَ طعمَ ذلك بحلقِه، فسدَ صومُه؛ لأنَّه دليلُ وصولِ أجزائِه إليه (أو ذاقَ طعامًا، ووجدَ الطَّعمَ بحلقِه) فسدَ صومُه (أو بلعَ ريقَه بعدَ أنْ وصلَ إلى بينَ شَفتَيْهِ) فسدَ صومُه
(ولا يُفطرُ إنْ فعلَ شيئًا) يُفسدُ صومَه (من جميعِ المفطِّراتِ ناسيًا، أو) أي: ولا إنْ فعلَه (مُكرَهًا) سواءٌ أُكْرِه على الفعلِ حتى فعلَه، أو فُعِلَ به؛ كمَنْ صُبَّ في حلقِه الماءُ مُكرَهًا، أو وهو نائمٌ ونحوُه، نصًّا؛ لأنَّه ﵇ علَّلَ في الناسي بقولِه: "فإنَّما أطعمَه اللهُ وسقاه" (١). وفي لفظٍ: "فإنَّما هو رزقٌ ساقَه اللهُ إليه" (٢).
وهذا موجودٌ في حقِّ مَنْ دخلَ الماءُ في جوفِه وهو نائمٌ ونحوه.
"فائدةٌ": قال في "الإنصاف" (٣): الصحيحُ من المذهبِ: أنَّ الجاهلَ بالتحريمِ، يفطرُ بفعل المفطِّراتِ. وتبعَه في "الإقناع" و"المنتهى" (٤).
(ولا) يفطرُ (إنْ دخلَ الغبارُ حلقَهُ) في طريقٍ، أو نخلٍ، نحوَ دقيقٍ أو دُخَانٍ بلا قَصدٍ؛ لعدمِ إمكانِ التحرُّزِ منه (أو) دخلَ إلى حلقِه (الذُّبابُ بغيرِ قصدِه) في جميعِ ما تقدَّم.
(ولا) يفطرُ (إنْ جمعَ ريقَه فابتلَعَهُ) بل يُكرَه. أما ابتلاعُ ريقِه على جاري عادتِه، فلا بأسَ به.
стр. 636
فَصْلٌ
ومَنْ جامَعَ نهارَ رمضَانَ في قُبلٍ أو دُبُرٍ، ولو لميِّتٍ أو بهيمةٍ، في حالةٍ يلزمُهُ فيها الإمسَاكُ، مُكرَهًا كان أو ناسيًا، لزِمَهُ القَضَاءُ والكفَّارَةُ.
(فصلٌ)
(ومَنْ جامعَ نهارَ رمضانَ في قُبُلٍ أو دُبُرٍ، ولو لميِّتٍ أو بهيمةٍ) لأنَّه يُوجبُ الغسلَ (في حالةٍ يلزمَه فيها الإمساكُ) أي: لا مسافرًا ولا مريضًا. فمَنْ جاءَ في حالةٍ يلزمُه فيها الإمساكُ، فعليه الكفارةُ (مُكرَهًا كانَ أو ناسيًا) أو مُخطِئًا؛ كأنِ اعتقَدَه ليلًا فبانَ نهارًا. وكذا لو جامعَ مَنْ أصبحَ مفطرًا؛ لاعتقادِه أنَّه من شعبانَ، ثمَّ قامتِ البينةُ أنَّه من رمضانَ. صرَّحَ به في "المغني"؛ ولأنَّه ﵇ لم يَستَفصِلِ المُواقِعَ عن حالِه، ولأنَّ الوطءَ يُفسدُ الصومَ، فأفسدَه على كلِّ حالٍ، كالصَّلاةِ والحجِّ
(لزِمَه القضاءُ والكفارةُ): لفَسادِ صومِه؛ لحديثِ أبي هريرةَ: بَيْنا نحنُ جلوسٌ عندَ النبيِّ ﷺ إذْ جاءَهُ رجلٌ، فقال: يا رسولَ اللهِ! قال: "مالَكَ؟ " قال: وقعتُ على امرأتي وأنا صائمٌ. فقال رسول الله ﷺ : "هل تجِدُ رقبةً تعتِقُها؟ " قال: لا. قال: "فهل تستطيعُ أنْ تصوم شَهريْنِ متتابعيْنِ؟ " قال: لا. قال: "فهل تجدُ إطعامَ ستِّينَ مسكينًا؟ " قال: لا. فمكثَ النبيُّ ﷺ ، فبينا نحنُ على ذلك، أُتيَ النبيُّ ﷺ بعَرْقٍ فيه تمرٌ -والعَرْقُ: المِكتلُ- فقال: "أينَ السائلُ؟ " فقال: أنا. قال: "خذْ هذا، فتصدَّقْ به". فقال: على أفقرَ منِّي يا رسول الله! فوالله ما بينَ لابتَيْها أهلُ بيتٍ أفقرُ من أهلِ بيتي. فضحِكَ النبيُّ ﷺ حتى بَدَتْ أنيابُهُ، ثمَّ قال: "أطعِمْهُ أهلَ بيتِكَ".
стр. 637
وكَذَا من جُومِعَ إنْ طاوَعَ، غيرَ جاهِلٍ وناسٍ.
والكفارةُ: عِتقُ رَقبةٍ مؤمِنَةٍ، فإن لم يَجِد فصيامُ شهرَينِ متتابِعَين، فإن لم يستَطِع فإطعامُ ستِّينَ مِسكِينًا، فإن لم يجد سقطت،
متفقٌ عليه (١). وفي روايةِ ابنِ ماجه (٢): "وتصومُ يومًا مكانه".
وأُلحِقَ به المجبوبُ ومساحَقَةُ النساءِ مع الإنزالِ؛ لوجوبِ الغسلِ. وقال الأكثرُ: ليس فيه غيرُ القضاءِ. وجزمَ به في "الإقناع" تبعًا لصاحبِ "الإنصاف" (٣) فإنَّه قال: وأصحُّ الوجهين: لا كفَّارةَ عليهما؛ لأنَّه ليس بمنصوصٍ عليه، ولا في معنى المنصوصِ عليه، فيبقى على الأصلِ.
(وكذا) يلزمُ القضاءُ والكفارةُ (مَنْ جُومِعَ إنْ طاوَعَ، غيرَ جاهلٍ وناسٍ) فإنْ كانتْ ناسيةً أو جاهلةً أو مكرهةً، فلا كفَّارةَ عليها. وتَدفعُهُ إذا أكرَهَهَا بالأسهلِ فالأسهلِ، وإنْ أدَّىَ إلى قَتلِه.
(والكفَّارةُ: عِتقُ رقبةٍ مؤمنةٍ) سليمةٍ، على ما يأتي في الظِّهارِ، (فإنْ لمْ يجدْ) رقبةً، أو وجدَها تُباعُ دونَ ثمنِها (فصيامُ شهرينِ متتابعينِ) للخبرِ (فإنْ لمْ يستطعْ) الصومَ، (فإطعامُ ستِّينَ مسكينًا) للخبرِ. لكلِّ مسكينٍ مدٌّ من بُرٍّ، أو نصفُ صاعٍ من غيرِه، مما يُجزئُ في فِطرَةٍ
(فإنْ لمْ يجدْ، سقطتْ) لظاهرِ الخبرِ؛ لأنَّه ﵇ أمرَهُ أنْ يُطعِمَه أهلَه، ولم يأمرْه بكفَّارةٍ أخرى، ولا بيَّنَ له بقاءَها في ذِمَّتِه، وكصدقةِ الفطرِ، وكفَّارةِ الوطءِ في
стр. 638
بخلافِ غيرِها من الكفَّاراتِ.
ولا كفَّارةَ في رَمضَانَ بغيرِ الجِمَاعِ، والإِنزالِ بالمُسَاحَقَةِ.
الحيضِ (بخلافِ غيرِها من الكفَّاراتِ) ككفَّارةِ الحجِّ بأنواعِها، والظهارِ، واليمينِ باللهِ، والقتلِ.
وتسقطُ بتكفيرِ غيرِه عنه، أي: جميعُ الكفاراتِ. وله إنْ مُلِّكَها، إخراجُها عن نفسِه، وأكلُها إنْ كانَ أهلًا لأكلِها.
"فرعٌ": لا يحرُمُ وطءٌ قبلَ كفَّارةِ رمضانَ، ولا في ليالي صيامِها، عكسُ كفَّارةِ ظهارٍ (١).
(ولا كفَّارةَ في رمضانَ بغيرِ الجماعِ، والإنزالِ بالمُساحقةِ) من مجبوبٍ أو امرأةٍ في نهارِ رمضانَ، فلا كفَّارةَ بمباشرةٍ أو قُبلةٍ، ولو مع إنزالٍ. ولا بالجماعِ ليلًا، أو في قضاءٍ، أو نذرٍ، أو كفارةٍ؛ لأنَّ النصَّ إنَّما وردَ بالجماعِ في رمضانَ، وليس غيرُه في معناه؛ لاحترامِه وتعيُّنِه لهذه العبادةِ، فلا يقاسُ غيرُه عليه.
* * *
стр. 639
فَصْلٌ
ومن فَاتَه رمَضَانُ، قَضَى عدَدَ أيَّامِه.
ويُسنُّ القضاءُ على الفَورِ، إلَّا إذا بقيَ مِن شعبَانَ بقَدرِ ما علَيهِ، فيجِبُ.
ولا يَصِحُّ ابتداءُ تطوُّعِ مَنْ عليه قَضاءُ رمضانَ،
(فصلٌ)
(ومَنْ فاتَه رمضانُ، قضى عددَ أيَّامِه) تامًّا كان أو ناقصًا، كأعدادِ الصَّلواتِ الفائتةِ. فمَنْ فاتَه رمضانُ، فصامَ من أوَّلِ شهرٍ أو أثنائِه تسعةً وعشرين يومًا، وكان الفائتُ ناقصًا، أجزأهُ عنه؛ اعتبارًا بعددِ الأيَّامِ؛ للآيةِ.
(ويُسنَّ القضاءُ على الفورِ) أي: قضاءُ شهرٍ رمضانَ فورًا. نصًّا، وفاقًا؛ مسارعةً لبراءةِ ذِمَّتِه. ولا بأسَ أنْ يُفرَّقَ. قالَهُ البخاريُّ عن ابنِ عباسٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٤]. وعن ابنِ عمرَ مرفوعًا: "قضاءُ رمضانَ، إنْ شاءَ فرَّقَ، وإنْ شاءَ تابعَ". رواه الدارقطنيُّ (١). ولأنَّ وقتَه موسَّعٌ. وإنَّما لزِمَ التتابعُ في الصومِ أداءً لمقيمٍ لا عذرَ له؛ للفورِ وتعيُّنِ الوقتِ، لا لوجوبِ التتابعِ في نفسِه.
وقيل: يجبُ. والمذهبُ: لا يجبُ التتابعُ (إلا إذا بقي من شعبانَ بقدرِ ما عليه) من الأيَّامِ التي فاتتْهُ من رمضانَ (فيجبُ) التتابعُ لضيقِ الوقتِ، كأداءِ رمضانَ في حقِّ مَنْ لا عذرَ له.
(ولا يصحُّ ابتداءُ) أي: قبلَ رمضانَ (تَطوُّعِ مَنْ عليه قضاءُ رمضانَ) نصًّا. نقل حنبلٌ: أنَّه لا يجوزُ، بل يَبدأُ بالفرضِ حتى يقضيَهُ. وإنْ كانَ عليه نذرٌ صامَهُ، يعني:
стр. 640
فإن نَوَى صَومًا واجِبًا، أو قَضَاءً، ثمَّ قلَبَه نفلًا، صَحَّ.
ويُسَنُّ صومُ التَطوُّع، وأفضلُهُ يومٌ ويومٌ.
وسُنَّ: صومُ أيَّامِ البِيضِ -وهي: ثلاثَ عشرَةَ، وأربعَ عشرَةَ، وخَمسَ
بعد الفرض. قاله في "شرح المقنع الكبير" (١)
(فإنْ نوىَ صومًا واجبًا، أو قضاءً، ثمَّ قلَبَهُ نفْلًا، صحَّ) كقلبِ فرضِ الصَّلاةِ نفْلًا. وخالفَ في "الإقناع" في قلبِ القضاءِ نفْلًا؛ مستدلًا بعدمِ صحةِ نفلِ مَنْ عليه قضاءُ رمضانَ. وكُرِه قلبُه نفلًا لغيرِ غرضِ صحيحٍ.
(ويُسنُّ صومُ التطوُّعِ، وأفضلُه) أي: صومِ التطوُّعِ: صومُ (يومٍ، و) فطرُ (يومٍ) نصًّا؛ لقولِه ﵇ لابنِ عمرٍو: "صمْ يومًا وأفطرْ يومًا، فذلك صَيامُ داودَ، وهو أفضلُ الصيامِ": قلتُ: فإنِّي أُطيقُ أفضلَ من ذلك. فقال: "لا أفضلَ من ذلك" متفقٌ عليه (٢).
"وسُنَّ: صومُ أيَّامِ" الليالي (البيضِ) نصَّ عليه. وسُمِّيتْ بيضًا، لبياضِ ليلِها بالقمرِ، ونهارِها بالشمسِ. وهذا الصحيحُ. وذكَرَ أبو الحسن التميميُّ في كتابِه "اللطيف": إنَّما سُمِّيتْ بيضًا؛ لأنَّ الله تعالى تابَ فيها على آدمَ، وبيَّضَ صحيفتَهُ
(وهي: ثلاثَ عشرةَ، وأربعَ عشرةَ، وخمسَ عشرةَ) لحديثِ أبي ذرٍ: "يا أبا ذرٍّ، إذا صُمْتَ من الشهرِ ثلاثةً، فصمْ ثلاثَ عشْرةَ، وأربعَ عشْرةَ، وخمسَ عشْرةَ". رواه أحمدُ، والنسائيُّ، والترمذيُّ (٣).
стр. 641
عشرَةَ- وصومُ الخميسِ والاثنَينِ، وسِتَّةٍ من شوَّال.
وسُنَّ: صومُ المحرَّمِ، وآكدُهُ عاشُوراءُ، وهو كفَّارةُ سَنَةٍ،. . . . . . . . . . . . .
(و) سُنَّ (صومُ) يومِ (الخميسِ، و) سُنَّ صومُ يومِ (الاثنينِ)؛ لأنَّه ﵇ كان يصومُهما، فسُئِلَ عن ذلك؟. فقال: "إنَّ أعمالَ الناسِ تُعرضُ يومَ الاثنينِ والخميسِ". رواه أبو داودَ (١) عن أسامةَ بنِ زيدٍ. وفي لفظٍ: "وأُحبُّ أنْ يُعرضَ عملي وأنا صائمٌ" (٢).
(و) سُنَّ صومُ (ستَّةٍ من شوَّالٍ) والأوْلى تتابُعُها، وكونُها عَقِبَ العيدِ. وصائِمُها مع رمضانَ كأنَّما صامَ الدهرَ؛ لحديثِ أبي أيوب مرفوعًا: "مَنْ صامَ رمضانَ، وأتبعَهُ ستًّا من شوَّالٍ، فكأنَّما صامَ الدهرَ". رواه أبو داودَ، والترمذيُّ (٣) وحسَّنَهُ. قال أحمدُ: هو من ثلاثةِ أوجهٍ عن النبيِّ ﷺ .
(وسُنَّ: صومُ) شهرِ اللهِ (المُحرَّمِ) لحديثِ: "أفضلُ الصَّلاةِ بعد المكتوبةِ جوفُ الليلِ، وأفضلُ الصيامِ بعد رمضانَ شهرُ اللهِ المُحَرَّمِ". رواه مسلمٌ (٤). (وآكدُهُ) وعبارةُ بعضِهم: أفضلُه (عاشوراءُ) أي: العاشرُ (٥). وينبغي التوسعةُ فيه على العيالِ. قالَهُ في "المبدع" (٦) (وهو) أي: صيامُ عاشوراءَ (كفَّارةُ سنةٍ) لحديثِ: "إنِّي لأحتسبُ على اللهِ أن يكفِّرَ السنةَ التي قبلَهُ" (٧)
стр. 642
وصومُ عَشرِ ذِي الحِجَّةِ، وَآكدُه يومُ عرفَةَ، وهو كفَّارةُ سنَتَين.
وكُرِهَ إفرادُ رجَبٍ، والجُمُعَةِ،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(و) سُنَّ (صومُ عشرِ ذي الحجَّةِ) أي: التسعةِ الأُوَلِ منه؛ لحديثِ: "ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى اللهِ من هذه الأيَّامِ العشرِ" (١). (وآكدُه يومُ عرفةَ، وهو) أي: صومُه (كفَّارةُ سنتينِ)، لحديثِ مسلمٍ (٢) عن أبي قتادةَ مرفوعًا في صومِه: "إنِّي لأحتسبُ على اللهِ أن يكفِّرَ السنةَ التي قبلَه والسنةَ التي بعدَه". قال في "الفروع": والمرادُ: الصغائرُ. حكَاهُ في "شرح مسلم" عن العلماءِ، فإنْ لمْ يكنْ صغائرُ، رُجِيَ التخفيفُ من الكبائرِ، فإنْ لمْ تكنْ، رُفعتْ درجاتٌ.
(وكُرِهَ إفرادُ رجبِ) بصومٍ. قال أحمدُ: مَنْ كان يصومُ السنةَ صامَه، وإلا فلا يصمْه متواليًا، بل يفطرُ فيه، ولا يُشبِّهُهُ برمضانَ. انتهى. لما روى أحمدُ عن خرشةَ بنِ الحرِّ قال: رأيتُ عمرَ يضربُ أكفَّ المترجبين، حتى يَضعوها في الطعامِ، ويقول: كلُوا، فإنَّما هو شهرٌ كانتْ تعظِّمُه الجاهليةُ (٣). وبإسنادِه عن ابنِ عمرَ: أنَّه كانَ إذا رأى الناسَ وما يعدُّونه لرجبٍ، كرهَهُ، وقال: صومُوا فيه وأفطِرُوا (٤). ولا يُكرَهُ إفرادُ شهرٍ غيرِه به.
(و) كُرِهَ إفرادُ يومِ (الجمعةِ) بصومٍ؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "لا يصومَنَّ أحدُكم يومَ الجمعةِ، إلا أنْ يصومَ يومًا قبلَهُ أو يومًا بعدَهُ". متفقٌ عليه (٥).
стр. 643
والسَّبتِ بالصَّوم.
وكُرِهَ صَومُ يومِ الشَّكِّ، وهو الثلاثُون من شَعبَان إذا لم يكُن غَيمٌ، أو قَتَرٌ.
ويحرمُ صومُ العِيدَين، وأيَّامِ التَّشريقِ.
(و) كُرِهَ إفرادُ يومِ (السبتِ بالصومِ) لحديثِ: "لا تصوموا يومَ السبتِ إلا فيما افتُرِضَ عليكم". حسَّنَهُ الترمذيُّ (١). فإنْ صامَ معه غيرَه، لم يُكرَهْ؛ لحديثِ أبي هريرةَ. قال في "الكافي" (٢): فإنْ صامَهما- أي: الجمعةَ والسبتَ- معًا، لم يُكرَه؛ لحديثِ أبي هريرةَ
(وكُرِهَ صومُ يومِ الشكِّ) ولو تطوّعًا (وهو الثلاثونَ من شعبانَ، إذا لمْ يكنْ) حينَ الترائي عِلَّةٌ من نحوِ (غَيْمِ، أو قَتَرٍ) فإنْ كانتْ، وجبَ صومُه بنيَّةِ رمضانَ.
(ويحرُمُ صومُ العيدين) لحَديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: نهى عن صومِ يومين؛ يومِ فطرٍ، ويومِ أضحى. متفقٌ عليه (٣).
ولا يُكرَهُ صومُ الدهرِ، إنْ لمْ يَتركْ به حقًّا، ولا خافَ منه ضررًا، ولا صامَ أيامَ النهيِّ.
(و) يحرُمُ صومُ (أيامِ التشريقِ) لحديثِ: "وأيام منىً أيام (٤) أكل وشربٍ ". رواه مسلمٌ (٥) مختصرًا. وهي ثلاثةُ أيامٍ عقبَ عيدِ النحرِ.
стр. 644
ومن دخَلَ في تطوُّعٍ، لم يَجِبْ إتمامُه، وفي فرضٍ، يَجِب ما لم يقِلبْهُ نفلًا.
(ومَنْ دخلَ في تطوُّعِ) صومٍ أو غيرِه (لمْ يجبْ) عليه (إتمامُه)، لحديثِ عائشةَ، وفيه: "إنَّما مثلُ صومِ التطوُّعِ، مَثَلُ الرجلِ يُخرِجُ من مالِه الصدقةَ، فإنْ شاءَ أمضاها، وإنْ شاءَ حبسَها". رواه النسائيُّ (١). (وفي فرضٍ) من صومٍ وغيرِه (يجبُ) إتمامُه (ما لمْ يقلبْه نفْلًا) فلا يجب إتمامُه. وتقدَّمَ الكلامُ عليه.
стр. 645
كِتابُ الاعتكافِ
وهو سُنَّةٌ، ويجِبُ بالنَّذرِ.
وشرطُ صِحَّتِه سِتَّةُ أشياء:
النيَّةُ، والإسلامُ، والعقلُ، والتمييزُ، وعدمُ ما يوجِبُ الغُسلَ،
(كِتابُ الاعتكافِ)
لغةً: لزومُ الشيءِ، ومنه: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] بفتحِ الكافِ في الماضي، وضمِّها وكسرِها في المضارع.
وشرعًا: لزومُ مسلمٍ لا غُسلَ عليه، عاقلٌ ولو كانَ مميِّزًا، مسجدًا، ولو ساعةً، لطاعةٍ على صفةٍ مخصوصةٍ.
(وهو سنةٌ) في كلِّ وقتٍ. (ويجبُ بالنذرِ)، لحديثِ: "مَنْ نذرَ أنْ يطيعَ اللهَ، فليطعْهُ". رواه البخاريُّ (١).
(وشرطُ صِحَّتِه ستَّةُ أشياءَ):
الأوَّلُ: (النيَّةُ) لأنَّه عبادةٌ محضةٌ، ولحديثِ: "إنَّما الأعمالُ بالنياتِ" (٢).
(و) الثاني: (الإسلامُ) فلا يصحّ اعتكافُ الكافرِ؛ لأنَّه ليصرَ من أهلِ النيَّةِ.
(و) الثالثُ: (العقلُ) فلا يصحُّ من مجنونٍ.
(و) الرابعُ: (التمييزُ) فلا يصحُّ من الصغيرِ.
(و) الخامسُ: (عدمُ ما يوجبُ الغُسلَ) من نحوِ نكاحٍ.
стр. 646
وكونُه بمسجِدٍ.
ويُزادُ في حقِّ مَنْ تلزمُه الجمَاعةُ: أن يكونَ المسجِدُ ممَّا تُقامُ فيهِ.
ومن المسجِدِ: ما زِيدَ فيه، ومِنه: سطحُه، ورحَبتُهُ المحوطَة، ومَنارتُه التي هي أو بابُها فيه.
ومن عيَّن الاعتِكافَ بمسجدٍ غيرِ الثَّلاثةِ، لم يتعيَّن.
(و) السادسُ: (كونُه بمسجدٍ)
(ويُزادُ في حقِّ مَنْ تلزمُه الجماعةُ: أن يكونَ المسجدُ ممَّا تُقامُ فيه). أي: الجماعةُ (ومن المسجدِ: ما زيدَ فيه) أي: المسجدِ (ومنه: سطحُه، ورحَبتُهُ المحوطَةُ) قال القاضي: إنْ كانَ عليها حائطٌ وبابٌ، كرحبةِ جامعِ المهديِّ بالرُّصافةِ، فهي كالمسجدِ؛ لأنَّها معه وتابعةٌ له، وإنْ لمْ تكنْ محوطةً، كرحبةِ جامعِ المنصورِ، لم يثبت لها حكمُ المسجدِ (ومنارتُه التي هي أو بابُها فيه) أي: المسجدِ؛ لمنعِ الجنبِ منها. فإنْ كانتْ هي أو بابُها خارجه، ولو قريبةً، وخرجَ المعتكفُ إليها للأذانِ، بطلَ اعتكافُهُ؛ لأنَّه مشَى حيثُ يمشي جنبٌ لأمرٍ له منه بدٌّ، كخروجِه إليها لغيرِه.
(ومَنْ عيَّنَ) أي: بنذرِه، أي: لاعتكافِه أو صلاتِه (الاعتكافَ بمسجدٍ غيرِ الثلاثةِ) أي: المسجدِ الحرامِ، ومسجدِ المدينةِ، والأقصى (لم يتعيَّنْ)؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "لا تُشدُّ الرحالُ إلا إلى ثلاثةِ مساجدَ، المسجدِ الحرامِ، ومسجدي هذا، والمسجدِ الأقصى" متفقٌ عليه (١). ولو تعيَّنَ غيرُها بالتعيينِ، لزمَ
стр. 647
ويبطُلُ الاعتكافُ: بالخُروجِ من المسجِدِ لغيرِ عُذرٍ، وبنيَّة الخُروجِ ولو لم يخرج، وبالوَطءِ في الفَرجِ،
المُضِيُّ إليه. واحتاجَ إلى شدِّ الرَّحْلِ لقضاءِ نذرِه، ولأنَّ اللهَ لمْ يُعيِّنْ لعبادتِه مكانًا في غيرِ الحجِّ.
ثمَّ إنْ أرادَ الناذرُ الاعتكافَ فيما عيَّنَه غيرَها، فإنْ كان قريبًا، فهو أفضلُ، وإلا بأنِ احتاجَ لشدِّ رحلٍ، خُيِّرَ عندَ القاضي وغيرِه. وجزمَ بعضُهم بإباحتِه. واختارَهُ الموفَّقُ في السفرِ (١) القصيرِ، واحتجَّ بخبرِ قُباء (٢)، وحملَ النهيَ على أنَّه لا فضيلةَ فيه. وحكاهُ في "شرح مسلم" عن جمهورِ العلماءِ، ولمْ يجوِّزْه ابنُ عقيلٍ والشيخُ تقيُّ الدين (٣).
(ويبطلُ الاعتكافُ: بالخروجِ من المسجدِ لغيرِ عذرٍ). وأمَّا إذا كان لعذرٍ لما لا بدَّ منه لحاجةِ الإنسانِ؛ وهي البول، والغائطُ، والطهارةُ، والقيءُ، وغَسلُ متنجِّسٍ. وكذلك الأكلُ والشربُ، لعدمِ مَنْ يأتيه به.
(و) يبطلُ (بنيَّةِ الخروجِ ولو لمْ يخرجْ) من محلِّ اعتكافِه.
(و) يبطلُ الاعتكافُ (بالوطءِ في الفرجِ) أو دونَه، ولو ناسيًا أو مُكرهًا. قالَهُ العلَّامةُ الشيخُ مرعي. نصًّا؛ لما روى حربٌ عن ابنِ عباسٍ: إذا جامعَ المعتكفُ، بطلَ اعتكافُه، واستأنفَ الاعتكافَ (٤).
стр. 648
وبالإنزالِ بالمُباشرَةِ دونَ الفرجِ، وبالردَّةِ، وبالسُّكرِ.
وحيثُ بطَلَ الاعتكافُ، وجبَ استئَنافُ النَّذرِ المتتَابعِ، غيرِ المُقيَّدِ بزمَنٍ، ولا كفارة. وإن كان مُقيَّدًا بزمَنٍ معيَّنٍ، استأنفَهُ، وعليه كفَّارةُ يمينٍ؛
стр. 649
لفواتِ المَحَلِّ.
ولا يبطُلُ الاعتكافُ إن خَرجَ من المسجِدِ لبولٍ، أو غائطٍ، أو طهارةٍ واجبةٍ، أو لإزالةِ نجاسَةٍ، أو لجُمُعَةٍ تلزمُه، ولا إن خرجَ للإتيانِ بمأكَلٍ ومَشرَبٍ؛ لعَدَمِ خادِمٍ، وله المشيُ على عادَتِه.
وينبغي لِمن قَصَدَ المسجِدَ أن ينوِيَ الاعتكافَ مُدَّةَ لُبثِه فيه، لا سِيَّمَا إن كان صائِمًا.
لفواتِ المَحَلَّ) أي: الزَّمنِ المنذورِ فيه.
(ولا يبطلُ الاعتكافُ إنْ خرجَ من المسجدِ لبولٍ، أو غائطٍ، أو طهارةٍ واجبةٍ، أو لازالةِ نجاسةٍ، أو لجمعةٍ تلزمُه، ولا إنْ خرجَ للإتيانِ بمأكلٍ ومشربٍ؛ لعدمِ خادمٍ) يأتيه به (وله المشيُ على عادتِه) فلا يلزمُه مخالفتُها في سرعةٍ.
(وينبغي لمَنْ قصدَ المسجدَ أنْ ينويَ الاعتكافَ مدَّةَ لُبْثِه، لا سِيَّمَا إنْ كَان صائمًا)
ولا بأسَ أنْ يتنظَّفَ المعتكِفُ، ويُكرَهُ له التطيُّبُ، ويستحبُّ له ترك رفيعِ الثيابِ، والتلذُّذِ بما يُباحُ له قبلَ الاعتكافِ، وأنْ لا ينامَ إلا عن غلبةٍ، ولو مع قربِ ماءٍ، وأنْ لا ينامَ مضطجعًا، بل متربِّعًا مستنِدًا. ولا يُكرَهُ شيءٌ من ذلك، ولا أخذُه شعرَه وأظفارَه.
ولا يجوزُ البيغ والشراءُ للمعتكِفِ وغيرِه في المسجدِ، نصًّا. قال ابنُ هبيرة: منعَ صحَّتَه وجوازَهُ أحمدُ. قال في "الفروع": والإجارة كالبيعِ والشراءِ (١).
كِتابُ الحَجِّ
(كتابُ الحجِّ)
بفتحِ الحاءِ، لا كسرِها، في الأشهرِ. وعكسُه: شهرُ الحِجَّةِ.
وهو لغةً: القصدُ إلى مَنْ يعظِّمُه. وقيل: كثرةُ القصدِ إليه. وهو أحدُ مباني الإسلامِ وأركانِه. فُرِضَ سنةَ تسعٍ عندَ الأكثرِ. والعمرةُ لغةً: الزيارةُ. وقيل: القصدُ. وشرعًا: قصدُ مكةَ لعمل مخصوصٍ في زمنٍ مخصُوصٍ. والعُمرَةُ: زِيارَةُ البيتِ على وجهٍ مخصُوصٍ. وقال السعديُّ في "مناسكه": الحجُّ: هو قصدُ البيتِ الشريفِ بإحرامٍ مخصوصٍ مع أفعالٍ مخصوصةٍ، من وقوفٍ وطوافٍ وغيرِهما، في وقتٍ معيَّنٍ، على وجهٍ مخصوصٍ.
تتمةٌ: ينبغي لمَنْ قصدَ الحجَّ أنْ يبادرَ به، ويجتهدَ في الخروجِ من المظالمِ، ورفيقٍ حَسَنٍ. قال أحمدُ: كلّ شيءٍ من الخيرِ يبادِرُ به.
قال أبو بكير الآجريُّ وغيرُه: يصلِّي ركعتين، ثمَّ يستخيرُ في خروجِه، ويبكِّرُ، ويكونُ يومَ خميسٍ، ويصلِّي في منزلِه ركعتين، ويقول إذا نزلَ منزلًا، أو دخلَ بلدًا ما وردَ.
قالَ ابنُ الزاغونيِّ وغيرُه: يُصلِّي ركعتينِ ويدعو بعدَهما بدعاءِ الاستخارةِ، ويصلِّي في منزلِهِ ركعتينِ، ثمَّ يقولُ: اللهمَّ هذا ديني وأهلي ومالي، وديعةً عندَكَ، اللهمَّ أنتَ الصاحبُ في السفرِ، والخليفةُ في الأهلِ والمالِ والولدِ. وأنْ يخرجَ يومَ خميسٍ أو اثنينِ. ويستخيرُ: هلْ يحجُّ العامَ أو غيرَه (١)
стр. 652
وهو واجِبٌ مع العُمرَةِ في العُمُرِ مَرَّةً.
وشَرطُ الوجُوبِ خَمسَةُ أشياءَ:
الإسلامُ، والعقلُ، والبلوغُ، وكمالُ الحُريَّةِ.
لكن يصِحَّانِ من الصَّغير والرَّقيقِ، ولا ئجزِئَانِ عن حَجَّةِ الإسلامِ وعُمرَتِه. فإن بلَغَ الصَّغيرُ أو عَتَقَ الرَّقيق قبلَ الوقوفِ، أو بعدَه إن عادَ فوقَفَ في وقتِه، أجزأة عن حجَّةِ الإسلام، ما لَمْ يكُن أحرمَ مُفرِدًا أو قارِنًا وسعَى بعدَ طوافِ القدومِ.
وكذلِكَ تُجزِئُ العُمرَةُ إن بلَغَ أو عَتَقَ قبلَ طوافِها.
(وهو) أي: الحجُّ (واجبٌ مع العمرةِ في العُمُر (١) مرَّةً) واحدةً، إجماعًا.
(وشَرْطُ الوجوبِ خمسةُ أشياءَ):
الأوَّلُ: (الإسلامُ): أي: فلا يجبُ على كافرٍ.
(و) الثاني: (العقلُ) فلا يصحُّ من مجنونٍ.
(و) الثالثُ: (البلوغُ) فلا تجبُ على الصغيرِ.
(و) الرابعُ: (كمالُ الحريةِ) فلا يجبُ على الرقيقِ
(لكنْ يصِحَّانِ) أي: الحجُّ والعمرةُ (من الصغيرِ والرقيقِ، ولا يُجزئانِ عن حجَّةِ الإسلامِ وعمرتِه. فإنْ بلغَ الصغيرُ، أو عتَقَ الرقيقَ قبلَ الوقوفِ) بعرفةَ (أو بعدَه) أي: بعدَ الوقوفِ (إنْ عادَ) إلى عرفةَ، (فوقفَ) بها (في وقتِه) أي: الوقوفِ، (أجزأهُ) ذلك (عن حجَّةِ الإسلامِ، ما لمْ يكنْ أحرمَ مُفرِدًا أو قارنًا، وسعى بعدَ طوافِ القدومِ. وكذلك تُجزئُ العمرةُ إنْ بلغَ أو عتقَ قبلَ طوافِها) ثمَّ طافَ وسعى
стр. 653
الخامِسُ: الاستِطاعَةُ، وهي مِلكُ زادٍ، وراحِلَةٍ تصلُحُ لمثلِه، أو مِلكُ ما يَقِدرُ به على تَحصِيلِ ذلِك، بشرطِ كونِه فاضِلًا عمَّا يحتاجُهُ من كُتُبٍ، ومَسكَنٍ، وخادِمٍ، وأن يكونَ فاضِلًا عن مؤُنتِه ومؤُنةِ عيالِه
لها، فتجزئهِ عن عمرةِ الإسلامِ. ويكونُ صغيرٌ بلغَ محرِمًا، وقنٌّ عتقَ محرِمًا (١).
(الخامسُ) من شروطِ وجوبِ الحجِّ: (الاستطاعةُ) للآيةِ والأخبارِ (وهي) أي: الاستطاعةُ (مِلكُ زادٍ) يحتاجُه في سفرِه ذهابًا وإيابًا، من مأكولٍ ومضروبٍ وكسوةٍ (و) مِلكُ (راحلةٍ) لركويه باَقِها، بشراءٍ أو كِراءٍ (تَصلُحُ) أي: الرَّاحلةُ (لمثلِه) لحديثِ أحمدَ عن الحسنِ: لمَّا نزلتْ هذه الآيةُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قال رجلٌ: يا رسول الله، ما السَّبيلُ؟ قال: "الزادِ والرَّاحلةِ" (٢) (أو مِلكُ ما يقدرُ به) من نقدٍ أو عرْضٍ (على تحصيلِ ذلك) أي: الزادِ والرَّاحلةِ وآلتِهما. فإنْ لمْ يملكْ ذلك، لمْ يلزمْه الحجُّ، لكنْ يُستحبّ لمَنْ أمكنَهُ المشيُ والكسْبُ بالصنعةِ، ويُكرَهُ لمَنْ حِرْفتُه المسألةُ.
وذلك (بشرطِ كونِه) أي: الزادِ والراحلةِ (فاضلًا عمَّا يحتاجُه من كتبِ) علمٍ. فإنِ استغنَى بأحدِ نسختَيْن من كتابٍ، باعَ الأخرى. (و) من (مسكنٍ) يصلُحُ لمثلِه (وخادمٍ) أي: خادمٍ يحتاجُه. وما لا بدَّ منه، أي: من لباسٍ وغطاءٍ يصلُحُ لمثلِه، (وأنْ يكونَ فاضلًا عن مؤُنتِه ومؤُنةِ عيالِه)؛ لحديثِ: "كفَى بالمرءِ إثمًا أنْ يضيَّعَ
стр. 654
على الدَّوام.
فَمَن كَمُلَت له هذه الشُّروطُ، لزِمَهُ السَّعيُ فَورًا، إن كانَ في الطَّريقِ أَمنٌ.
فإن عَجَزَ عن السَّعي لعُذرٍ، ككِبَرٍ، أو مرضٍ لا يُرجَى برؤُهُ، لزِمَه أن يقيمَ نائبًا حُرًّا، ولو امرأةً،
مَنْ يقوت" (١). (على الدَّوامِ) أي: بأنْ يكونَ له إذا رجعَ ما يقومُ بكفايته وكفايةِ عيالِه على الدوامِ.
(فمَنْ كمُلَتْ له هذه الشروطُ) المتقدِّمُ ذِكْرُها (لزِمَه السَّعيُ) أي: وجبَ عليه السعيُ للحجِّ والعمرةِ (فورًا) نصًّا، فيأثمُ إنْ أخَّرَهُ بلا عذرٍ، بناءً على أنَّ الأمرَ للفورِ؛ ولحديثِ ابنِ عباسٍ مرفوعًا: "تعجَّلُوا إلى الحجِّ -يعني: الفريضةَ- فإنَّ أحدَكم لا يدري ما يعرِضُ له". رواه أحمدُ (٢). ولأنَّ الحجَّ والعمرةَ فرضُ العُمُرِ، فأشبَها الإيمانَ. وأما تأخيرُه ﵇ وأصحابُه، فيحتملُ أنَّه لعذرٍ، كخوفِه على المدينةِ من المنافقين واليهودِ وغيرِهم، أو نحوِه.
(إنْ كانَ في الطريقِ أمنٌ) لأنَّ إيجابَ الحجِّ مع عدمِ ذلك ضررٌ، وهو منفي شرعًا.
(فإنْ عجَزَ عن السَّعي لعذرٍ، ككِبرٍ، أو مرضٍ لا يُرجَى بُرْؤه) نحو زَمانةٍ (لزِمَه أنْ يقيمَ نَائبًا) يحجُّ ويعتمرُ عنه. ويكونُ النائب (حُرًّا) لا رقيقًا، (ولو) كان (امرأةً) فيصحُ أنْ ينوبَ عن الرجلِ المرأةُ، وعن المرأةِ الرجلُ، ويكفي النائب أنْ ينويَ عن
стр. 655
يَحُجُّ ويعتَمِرُ عنهُ مِن بلَدِه. ويُجزِئُه ذلِكَ ما لَم يَزُل العُذرُ قبلَ إحرامِ نائِبِه.
فلو ماتَ قبلَ أن يستَنيبَ، وجَبَ أن يُدفَعَ من تَرِكَتِه لمن يَحُجُّ ويَعتَمِرُ عنه.
المستنيبِ، ولا يُعتبرُ تسميتُه لفظًا، نصًّا. وإنْ جهلَ اسمَه (١) أو نسبَه، لبَّى عمَّنْ سلَّم إليه المالَ ليحجَّ به عنه
(يحجُّ ويعتمرُ عنه) لحديث ابنِ عباسٍ: أنَّ امرأةً من خثعمَ (٢) قالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أبي أدركتْه فريضةُ اللهِ في الحجِّ شيخًا كبيرًا، لا يستطيعُ أنْ يستويَ على الرَّاحلةِ، أفأحجُّ عنه؟ قال: "حُجِّي عنه". متفقٌ عليه (٣). وعُلِمَ من الخبرِ: جوازُ نيابةِ المرأةِ عن الرجلِ، فعكسُهُ أوْلى.
فورًا (من بلدِه) أي: العَاجزِ؛ لأنَّه وجبَ عليه كذلك. ويكفى أنْ ينويَ النائبُ عن المستنيبِ، وإنْ لَمْ يُسمِّهِ لفظًا.
(ويُجزِئُه ذلك) أي: فعلُ النائب (ما لمْ يزُلْ العذرُ) من نحوِ مرضٍ أُبيحَ لأجلِه الاستنابةُ؛ لأنَّه أتى بما أُمِرَ به، فخرجَ عن عهدتِه، كما لو لمْ يبرأْ. والمعتبرُ لجوازِ الاستنابةِ: اليأسُ ظاهرًا، وسواءٌ عُوفيَ قبلَ فراغِ نائبِه من النُّسُكِ، أو بعدَه. (قبلَ إحرامِ نائبِه) لقدرتِه على المبدَلِ قبلَ الشروعِ في البدلِ. ومَنْ يُرجَى برؤْه لا يستنيبُ، فإنْ فعلَ، لمْ يُجزئْه
(فلو ماتَ قبلَ أنْ يستنيبَ، وجبَ أنْ يُدفعَ من تَركتِه لمَنْ يحجُّ ويعتمرُ عنه) من
стр. 656
ولا يصِحّ ممَّن لم يحُجَّ عن نفسِه حَجٌّ عن غيرِهِ.
وتزيدُ الأنثى شَرطًا سادسًا وهو: أن تَجِدَ لها زَوجًا، أو محرَمًا
بلدِ الميتِ؛ لأنَّ القضاءَ يكونُ بصفةِ الأداءِ. ولو لمْ يوصِ بذلك، لحديثِ ابنِ عباسٍ: أنَّ امرأةً قالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أمِّي نذرتْ أنْ تحجَّ، فلمْ تحجَّ حتى ماتتْ، أفأحجّ عنها؟ قال: "نعم، حُجِّي عنها، أرأيتِ لو كانَ على أُمُّكِ دَيْنٌ، أكنتِ قاضيَته؟ اقضُوا اللهَ، فاللهُ أحقُّ بالوفاءِ". رواه البخاريُّ (١).
(ولا يصحُّ ممَّنْ لمْ يحجَّ عن نفسِه) وكذا مَنْ عليه حجُّ قضاءٍ، أو نذرٍ (حَجٌّ عن) فرضِ (غيرِه) ولا عن نذرِه، ولا عن نافلتِه. حيًّا كان المحجوجُ عنه، أو ميِّتًا. فإنْ حجَّ عن غيرِه قبلَ نفسِه، انصرفَ إلى حجِّةِ (٢) الإسلامِ؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ: أنَّ النَّبِيَّ سمِعَ رجلًا يقولُ: لبيكَ عن شُبرُمةَ. قال: "حججت عن نفسك؟ " قال: لا. قال: "حجَّ عن نَفسِكَ ثمَّ حُجَّ عَن شُبرُمَةَ" رواه أحمدُ، واحتجَّ به، وأبو داود (٣) وابنُ حبانَ والطبرانيُّ (٤). قال البيهقيُّ: إسنادُه صحيحٌ. وقولُه: "حُجَّ عن نفسِك". أي: استدِمْه عن نفسِك، كقولِكَ للمؤمنِ: آمِنْ. أي: دُمْ على إيمانِكَ.
(وتزيدُ الأنثى) أي: مع ما تقدَّمَ (شرطًا سادسًا) لوجوبِ الحجِّ والعمرةِ (وهو: أنْ تجدَ لها زوجًا، أو مَحْرَمًا) نصًّا. قال أحمد (٥): المَحرَمُ من السبيلِ، فمَنْ
стр. 657
مكلَّفًا، وتقدِرُ على أُجرَتِه،
لمْ يكنْ لها مَحرَمٌ، لم يلزمْها الحجُّ بنفسِها ولا بنائبِها.
ولا فرقَ بين الشابَّةِ والعجوزِ، نصًّا. ولا بين طويلِ السفرِ وقصيرِه؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ: "لا تسافرِ امرأةٌ إلا مع مَحرَمٍ، ولا يدخلْ عليها رجلٌ إلا ومعها مَحرَمٌ". فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أريدُ أنْ أخرجَ في جيشِ كذا وكذا، وامرأتي تريدُ الحجَّ؟ فقال: "اخرجْ معها". رواه أحمدُ (١) بإسنادٍ صحيحٍ. وفي "الصحيحين" (٢): أنَّ امرأتي خرجتْ حاجَّةً، وإني اكتُتِبتُ في غزوةِ كذا. قال: "فانطلقْ فحجَّ معها"
ولا فرقَ بين حجِّ الفرضِ والتطوُّع في ذلك؛ لأنَّه ﵇ لم يستفصِلْه عن حبها، ولو اختلفَ، لمْ يجزْ تأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ.
والمَحرَمُ: مَنْ تحرمُ عليه على التأبيدِ بنَسَبٍ: وهو أبو المرأةِ، وإنْ علا، وابنُها، وإنْ سَفَلَ، وأخوهَا من كلِّ جهةٍ، وعمُّها من كلِّ جهةٍ، وكذا عمُّ أبيها، وعمُّ جدِّها، وإنْ علا، وأبو أمِّها، وبنو بناتِها، وإنْ سَفَلْنَ، وبنو إخوتِها وأخواتِها، وبنو أبنائِهم، وإنْ سَفَلوا. أو بسببٍ مباحٍ: من رَضاعٍ، أو مصاهرةٍ. بخلافِ وطءِ شُبهَةٍ وزنًا؛ لأنَّ المَحرميةَ نعمةٌ، فاعتُبرَ إباحةُ سببِها، كسائرِ الرخصِ. وطئًا مباحًا من غيرِ نكاحٍ، كالوطءِ بملكِ اليَمينِ، فإنَّ سيِّدَ الأمةِ التي وطِئَها يكونُ مَحرَمًا لأمِّ سُرِّيتِه وبنتِها من غيرِه. والملاعِنُ ليسَ مَحرَمًا للملاعنةِ؛ لأنَّ تحريمَها عليه أبدًا عقوبةٌ وتَغليظٌ عليه، لا لحرمَتِها.
ونفقةُ المَحرَمِ عليها.
وأنْ يكونَ المَحرَمُ (مكلَّفًا) فلا مَحرميَّةَ لصغيرٍ ومجنونٍ (وتقدرُ على أُجرتهِ)
стр. 658
وعلى الزَّادِ والراحِلَةِ لهَا ولَة. فإن حجَّت بلا مَحَرمٍ حَرُمَ، وأجزأَ.
ذهابًا وإيابًا (و) تقدرُ (على الزادِ والراحلةِ لها وله) أي: للمرأةِ ومَحرَمِها. وأنْ تكونَ الراحلة وآلتها صالحين لهما، على ما تقدَّمَ. فإنْ لمْ تملِك ذلك لهما، لم يلزمْها
(فإنْ حجَّتْ) أي: المرأةُ (بلا مَحرَمٍ، حرُمَ) سفرُها بدونِه (وأجزأ) ها حجُّها، كمَنْ حجَّ وتركَ حقًّا يلزمُه، من نحوِ دَيْنٍ. قال الفهَّامةُ الشيخُ منصورٌ في "شرحه" على الأصلِ: قلتُ: فلا تترخَّصُ (١).
стр. 659
بابُ الإحرَامِ
وهو واجبٌ من الميقاتِ. ومَنْ منزِلُه دونَ المِيقَاتِ، فميقاتُه منزِلُه.
(بابُ الإحرامِ)
لغةً: نيَّةُ الدخولِ في التحريمِ؛ لأنَّه يحرِّمُ على نفسِه بنيَّتِه ما كان مباحًا له قبلَ الإحرامِ من النكاحِ والطيبِ ونحوِهما.
وشرعًا: نيَّةُ النُّسُكِ.
(وهو) أي: الإحرامُ (واجبٌ من الميقاتِ) لأنَّه ﵇ وقَّتَ المواقيتَ، ولم يُنقلْ عنه، ولا عن أحدٍ من الصحابةِ، أنَّه تجاوزَ ميقاتًا بلا إحرامٍ.
وعُلِمَ منه: أنَّه يجوزُ الإحرامُ من أوَّلِ الميقاتِ وآخرِه، لكنَّ أوَّلَه أوْلَى.
(ومَنْ منزِلُه دونَ الميقاتِ، فميقاتُه مَنزلُه) أي: من منزلِه لحجٍّ وعمرةٍ؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ: وقَّتَ رسولُ اللهِ ﷺ لأهلِ المدينةِ ذا الحُليفَةِ، ولأهلِ الشَّامِ الجُحفة (١)، ولأهلِ نجدٍ قرنًا، ولأهلِ اليمنِ يلَمْلَمَ، هنَّ لهنَّ، ولمَنْ أتى عليهنَّ من غيرِ أهلهنَّ، ممَّنْ يريدُ الحجَّ والعمرةَ. ومَنْ كانَ دونَ ذلك فمهِلُّهُ من أهلِه، وكذلك أهلُ مكَّةَ يُهلُّون منها". متفقٌ عليه (٢). وعن عائشةَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وقَّتَ لأهلِ العراقِ ذاتَ عِرْقٍ. رواه أبو داودَ، والنسائيُّ (٣). وعن جابرٍ نحوُه مرفوعًا، رواه مسلمٌ (٤).
стр. 660
ولا ينعقِدُ الإحرامُ معَ وجودِ الجُنونِ، أو الإغماءِ، أو السُّكر.
وإذا انعقَدَ لم يبطُل إلَّا بالردَّة، لكن يفسُدُ بالوطءِ في الفَرجِ قبلَ التحلُّلِ الأوَّل، ولا يبطُل، بل يلزمُه إتمامُه، والقَضاءُ.
ويُخيَّر من يريدُ الإحرامَ بين
(ولا ينعقدُ الإحرامُ مع وجودِ الجنونِ، أو الإغماءِ، أو السُّكْرِ) (١) لعدمِ صحةِ القصدِ إذنْ.
(وإذا انعقدَ) الإحرامُ (لم (٢) يبطلُ) بذلك (إلا بالردَّةِ) لعمومِ قولِه تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] (لكنْ يفسدُ بالوطءِ في الفرجِ قبلَ التحلُّلِ الأوَّلِ) حكاه ابنُ المنذرِ إجماعًا. (ولا يبطلُ) الإحرامُ بالوطءِ (بل يلزمُ) المحرمَ (إتمامُه) أي: الحجِّ. ولا يخرجُ منه بالوطءِ، رُويَ عن عمرَ، وعليٍّ، وأبي هريرةَ، وابنِ عباسٍ. وحكمُه كالإحرامِ الصحيحِ، لقولِه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١٩٦] وروي مرفوعًا أمر المجامعِ بذلك، (و) لأنَّه معنًى يجب به (٣) (القضاءُ) فلم يخرجْ به منه، كالفواتِ، فيفعلُ بعدَ الإفسادِ، كما كانَ يفعلُه قبلَه، من وقوفٍ وغيرِه. ويجتنبُ ما يجتنبُه قبلَه، من وطءٍ وغيرِه، ويَفدي لمحظورٍ فعلَه (٤) بعدَه.
ويقضي مَنْ أفسدَ نُسُكَه بالوطءِ، كبيرًا كان أو صغيرًا، واطئًا أو موطوءًا، فرضًا كان الذي أفسَدَه أو نفْلًا، فورًا.
(ويُخيَّرُ مَنْ يريدُ الإحرامَ بين) ثلاثةِ أشياءَ:
стр. 661
أن ينويَ التَّمتُّعَ - وهو أفضَلُ - أو ينويَ الإفرادَ، أو القِرانَ.
فالتَّمتُّعُ: هو أن يُحرِمَ بالعُمرةِ في أشهُرِ الحجِّ، ثم بعدَ فراغِه منهَا يُحرِمُ بالحجِّ.
أحدُها: وهو (أنْ ينويَ التمتُّعَ - وهو أفضلُ) نصًّا. قال: لأنَّه آخِرُ ما أمرَ به النبيُّ ﷺ . ففي "الصحيحين" (١) أنَّه ﵇: أمرَ أصحابَه لما طافوا وسعَوْا، أنْ يجعلوها عمرةً إلا مَنْ ساقَ هديًا، وثبتَ على إحرامِه؛ لسوقِه الهديَ، وتأسَّفَ بقولِه: "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ، ما سُقْتُ الهديَ، ولأحلَلْتُ معكم" (٢). ولا ينقلُ (٣) أصحابَه إلَّا إلى الأفضَلِ، ولا يتأسَّفُ إلَّا عليه.
وما أُجيبَ به عنه، من أنَّه لاعتقادِهم عدمَ جوازِ العمرةِ في أشهرِ الحجِّ! مردودٌ بأنَّهم لم يعتقدوه. ثمَّ لو كان كذلك، لم يخصَّ به مَنْ لمْ يَسُقِ الهديَ؛ لأنَّهم سواءٌ في الاعتقادِ. ثمَّ لو كان كذلكِ، لمْ يتأسَّفْ هو؛ لأنَّه يعتاقدُ جوازَ العمرةِ في أشهرِ الحجِّ، وجعلَ العلَّةَ فيه سوقَ الهدي. ولما في التمتُّعِ من اليسرِ والسهولةِ، مع كمالِ أفعالِ النُّسكَيْنِ. (أو ينويَ الإفرادَ، أو) ينويَ (القِرانَ)
(فـ) صفةُ (التمتُّعِ: هو أنْ يُحرمُ بالعمرةِ في أشهرِ الحجِّ) نصًّا.
قال الأصحابُ: ويفرَغُ منها. وفي "المستوعب": ويتحلَّلُ (ثمَّ بعدَ فراغِه منها) أي: العمرةِ (يُحرِمُ بالحجِّ) في عامِه مطلقًا، أي: من مكةَ أو قُربِها، أو بعيدٍ منها.
стр. 662
والإفردُ: هو أن يُحرِمَ بالحجِّ، ثمَّ بعدَ فراغِه منهُ يُحرِمُ بالعُمَرةِ.
والقِرانُ: هو أن يُحرِمَ بالحَجِّ والعُمرةِ معا، أو يُحرِمَ بالعُمرَةِ، ثمَّ يُدخِلَ الحجَّ عليهَا قَبلَ الشُّروعِ في طَوافِهَا. فإن أحرمَ به ثمَّ بِهَا، لم تصِحَّ.
ومن أحرَمَ وأطلَق، صحَّ، وصرفَه لِمَا شاءَ، وما عَمِلَ قبلُ، فَلغوٌ.
(و) الثاني: (الإفرادُ): و (هو أنْ يُحرِمَ بالحجِّ، ثمَّ بعدَ فراغِه منه) أي: من الحجِّ (يُحرِمُ بالعمرةِ) مطلقًا.
(و) الثالثُ: (القِرانُ): و (هو أنْ يُحرِمَ بالحجِّ والعمرةِ معًا، أو يُحرِمَ بالعمرةِ، ثمَّ يُدخِلَ الحجَّ عليها) أي: العمرةِ. ويصحُّ؛ لما في "الصحيحين" (١): أنَّ ابنَ عمرَ فعلَهُ" وقال: هكذا صنعَ رسولُ ﷺ .
ويكونُ إدخالُ الحجِّ عليها، كما أشارَ إليه بقولِه: ثمَّ يُدخِلَ الحجَّ عليها (قبلَ الشروعِ في طوافِها) أي: العمرةِ، فلا يصحُّ بعدَ الشروعِ فيه لمَنْ لا هديَ معه، كما لو أدخلَهُ عليها بعدَ سعيِها، وسواءٌ كان في أشهرِ الحجِّ، أو لا
(فإنْ أحرمَ به) أي: الحجِّ، (ثمَّ) أحرمَ (بها) أي: العمرةِ (لم تصحَّ) أي: العمرةُ؛ لأنَّه لم يَردْ به أثرٌ، ولم يستفدْ به فائدةً، بخلافِ ما سبقَ.
(ومَنْ أحرمَ وأطلقَ، صحَّ) إحرامُه؛ لتأكُّدِه، وكونِه لا يخرجُ منه بمحظوراتِه (وصرَفَه) أي: الإحرامَ (لما شاءَ) من الأنساكِ، كما في الابتداءِ بالنيَّةِ دونَ اللفظِ (وما عَمِلَ) من إحرامٍ مطلقٍ (قبلَ) صرفِه لأحدِهما (فـ) ــهو (لغوٌ) لا يُعتدُّ به؛ لعدمِ التعيينِ
стр. 663
لكنَّ السُّنةَ لمن أرادَ نُسُكًا: أن يُعيِّنهُ، وأن يشتَرِطَ، فيقولَ: اللَّهم إنِّي أريدُ النُّسُكَ الفُلانيَّ، فيسِّرهُ لي، وتقبَّلْهُ منِّي، وإن حَبسَني حابسٌ، فَمَحِلِّي حيثُ حبستَني.
(لكنَّ السُّنةَ لمَنْ أرادَ نُسُكًا: أنْ يُعيِّنَه) في ابتداءِ إحرامِه، من عمرةٍ، أو حجٍّ، أو قِرانٍ، ويَلفِظَ به (وأنْ يَشتَرِطَ)؛ لحديثِ ضباعةَ بنتِ الزبيرِ حين قالتْ: إنِّي أريدُ الحجَّ، وأجدُني وَجِعَةً، فقال: "حُجَّي، واشترِطي، وقولي: اللهمَّ محلِّي حيثُ حبستَني". متفقٌ عليه (١).
(فيقولُ: اللهمَّ إنِّي أريدُ النُّسُكَ الفُلانيَّ، فيسِّرْهُ لي (٢) وتقبَّلْه منِّي، وإنْ حبسني حابسٌ، فمَحِلِّي حيثُ حبستَني) فيستفيدُ: أنَّه متى حُبِسَ بمرضٍ أو عدوٍّ ونحوِه، حلَّ ولا شيءَ عليه. نصًّا. قال في "المستوعب" وغيرِه: إلا أنْ يكونَ معه هديٌ، فيلزمُه نحرُه. ولو قال: فلي أنْ أحلَّ، خُيِّرَ.
ولو شرطَ أنْ يحلَّ متى شاءَ، أو إنْ أفسدَه لم يقضِه، لمْ يصحَّ الشرطُ؛ لأنَّه لا عذرَ له فيه.
وعُلِمَ ممَّا سبقَ: أنَّه لا يكفيهِ اشتراطُه بقلبِه.
* * *
стр. 664
بابُ محظُورَاتِ الإِحرَامِ
وهي سَبعةُ أشيَاءَ:
أحدُها: تَعمُّدُ لُبْسِ المَخيطِ على الرَّجُلِ، حتَّى الخُفَّينِ.
(بابُ محظُورَاتِ الإِحرَامِ)
أي: الممنوعاتِ بسببِه (وهي سبعةُ أشياءَ):
(أحدُها) أي: المحظوراتِ: (تعمُّدُ لُبْسِ المخيطِ) في بدنِه أو بعضِه، وهو ما عُمِلَ على قدرِ ملبوسٍ عليه، ولو دِرْعًا منسوجًا، أو لِبدًا مَعقودًا، ونحوه (على الرَّجُلِ، حتى الخُفَّين) لأنَّهما منه. إلا أنْ لا يجدَ المُحرِمُ إزارًا، فليلبسْ سراويلَ، أو لا يجدَ نعليْنِ، فليلبسْ خُفَّينِ أو نحوَهما، كرانٍ، وسرموزةٍ. ويحرُمُ قطعُهما، أي: الخُفَّينِ؛ لحديثِ ابنِ عباسِ: سمعتُ النَّبِيَّ ﷺ يخطبُ بعرفاتٍ، يقولُ: "مَنْ لمْ يجدْ نعلينِ، فليلبسْ الخُفَّينِ، ومَنْ لمْ يجدْ إزارًا فليلبسْ السراويلَ، للمُحرِمِ" متفقٌ عليه (١).
ولا يعقدُ عليه رداءً ولا غيرَه، ولا يَخُلُّه بنحوِ شوكةٍ، ولا يزرُّه في عروتِه، ولا يغرزُه في إزاره. فإنْ فعلَ، أَثِمَ وفدَى؛ لأنَّه كمخيطٍ؛ ولقولِ ابنِ عمرَ لمُحرِمٍ: لا تعقدْ عليكَ شيئًا (٢). قال أحمدُ في محرمٍ حزمَ عمامتَهُ على وسطِه: لا يعقدُها، ويُدخِلُ بعضَها في بعضٍ.
стр. 665
الثَّانِي: تعمُّدُ تغطِيةِ الرأس مِنْ الرَّجُلِ -ولو بِطينٍ، أو استظلالٍ بمَحْمَلٍ- وتَغطِيةِ الوجهِ منَ الأُنثى، لكِنْ تسدُلُ على وجهِها للحاجَة.
ومِنْطَقَتُه وهِمْيانُه فيهما نفقةٌ (١) تُعقدُ مع حاجةٍ لعقدٍ. فإنْ ثبت (٢) بغيرِ عقدٍ، لم يعقدْه؛ لعدمِ الحاجةِ. وإنْ لم يكن في مِنطقتِه أو هِميانِه نفقةٌ، لمْ يعقدْهُما، فإنْ فعلَ ولو لبسَهما لحاجةٍ، أو وجَعٍ، فدَى.
(الثاني) من المحظوراتِ: (تعمُّدُ تغطيةِ الرأسِ من الرَّجُل) إجماعًا؛ لنهيهِ ﵇ عن لبسِ العمائمِ والبَرانِسِ (ولو بِطينٍ) أو نُورَةٍ، أو حنَّاء، أو عصبَه ولو بصيرٍ، حرُمَ بلا عذرٍ، وفدَى؛ لقولِه ﵇: "إحرامُ الرَّجُلِ في رأسِه، وإحرامُ المرأةِ في وجهِها" (٣). ونهى أنْ يشدَّ الرَّجلُ رأسَه بالسَّيرِ (أو استظلالٍ بمَحْمِلٍ) ونحوِه كمِحَفَّةٍ، أو ريشٍ يَعلو الرأسَ، حرُمَ بلا عذرٍ، وفدَى.
وإن استظلَّ بخيمةٍ أو شجرةٍ، ولو بطرحِ شيءٍ عليها يَستظلُّ به تحتَها، أو غطَّى وجهَه، فلا إثمَ، ولا فديةَ
(وتغطيةِ الوجهِ من الأنثى) لقولِه ﵇: "إحرامُ الرَّجُلِ في رأسِه، وإحرامُ المحرأةِ في وجهِها" (٤). (لكنْ تسدلُ على وجهِها للحاجةِ) أي: تضعُ الثوبَ فوقَ رأسِها وتُرْخيهِ على وجهِها لمرورِ أجانبَ قريبًا منها؛ لحديثِ عائشةَ: كان الرُّكبانُ يمرّونَ بنا ونحنُ محرِماتٍ مع رسولِ اللهِ ﷺ ، فإذا حاذَوْنا، سدَلَتْ إحدانا جِلبابَها
стр. 666
الثالث: قَصْدُ شَمِّ الطِّيبِ، ومَسِّ ما يَعلِقُ،
على وجهِها، فإذا جاوَزونا (١) كشفناه. رواه أبو داودَ (٢)، والأثرمُ. قال أحمدُ: إنَّما لها أنْ تَشدلَ على وجهِها من فوق، وليس لها أنْ ترفعَ الثوبَ من أسفلَ. قال الموفَّقُ: كأنَّ الإمامَ يقصدُ أنَّ النقابَ من أسفلِ وجهِها، ولا يضرُّ مسُّ المسدولِ بشرةَ وجهِها، خلافًا للقاضي، وإنَّما مُنِعتْ من البُرْقُعِ والنقابِ؛ لأنَّه مُعَدٌّ لسترِ الوجهِ. ومتى غطَّتْه لغيرِ حاجةٍ، فدتْ، وحَرُمَ.
(الثالثُ) من المحظوراتِ: (قصدُ شمِّ الطيبِ) مسًّا، وشمًّا، واستعمالًا. فمتى طيَّبَ مُحرِمٌ ثوبَه أو بدنَه، أو استعملَ في أكلِ أو شربٍ، أو ادِّهانٍ، أو اكتحالٍ، أو استعاطٍ، أو احتقانٍ، طيبًا يَظهرُ طعمُهُ أو ريحُهُ، أو قَصدَ شمَّ دُهنٍ مُطيَّبٍ، أو مسكٍ، أو كافورٍ، أو عنبرٍ، أو زعفرانٍ، أو وَرْسٍ -وهو نباتٌ أصفرُ، كالسِّمِسمِ، باليمنِ، تُتخذُ منه الحمرةُ للوجهِ- أو بخورِ عودٍ، ونحوِه. أو ما يُنبتُه آدميٌّ لطيبٍ، ويُتخذُ منه، كوردٍ، وبَنَفسَجٍ، ومنثورٍ، ولينوْفَر، ويا سمينَ، وبانٍ، وزنبقٍ، وشمَّهُ، (ومسّ ما يَعلِقُ) به، كماءِ وردٍ، وسحيقٍ نحو مسكٍ، حرُمَ، وفدَى.
لا إنْ شمَّ بلا قصدٍ، أو مصرَّ ما لا يعلقُ، كقطعِ نحوِ مسكٍ. أو شمَّ، ولو قصدًا، فواكِهَ أو عُودًا، أو نباتَ صحراءَ، كخُزامى وشِيحٍ ونَرْجسٍ وإذْخِر. أو ما يُنبتُه آدميٌّ، لا بقصدِ طيبٍ، كحِناءٍ، وعُصْفُرٍ، وقَرَنْفُل، ودارِ صينيٍّ ونحوِها. أو لقصدِه ولا يُتخذُ منه، كريحانٍ فارسيٍّ، وهو الحَبَقُ، ونمَّام، وبَرَمٍ، وهو ثمرُ العِضاه، كأمِّ غَيلانَ، ومَردَقوشٍ. أو ادَّهنَ بغيرِ مطيَّبٍ كزيتٍ، وشيْرَج، ولو في رأسِه وبدنِه. أو
стр. 667
واستعِمالُه في أكلٍ أو شُربٍ؛ بحيثُ يظهرُ طعمُهُ، أو ريحُه.
فمن لَبِسَ، أو تطيَّبَ، أو غَطَّى رأسَه، ناسيًا، أو جَاهِلًا، أو مُكَرهًا، فلا شَيءَ عليه. ومتَى زالَ عُذْرُه، أزالَه في الحَالِ، وإلَّا فَدَى.
الرابِعُ: إزالةُ الشَّعْرِ منَ البدَنِ -ولو من الأَنفِ-
شمَّ بلا قصدٍ، كجالسٍ عندَ عطارٍ لحاجةٍ، وحاملِهِ ومقلِّبِهِ بلا (١) مسٍّ، وداخلِ سوقٍ وكعبةٍ (٢).
(و) أمَّا (استعمالُه في) نحوِ (أكلٍ أو شربِ، بحيثُ يظهرُ طعمُهُ أو ريحُهُ) ولو كان مطبوخًا، أو مسَّتْهُ النَّارُ، وإنْ كانتْ رائحتُهُ ذهبتْ وبقيَ طعمُه، حَرُمَ، وفدَى.
(فمَنْ لبِسَ) مخيطًا، إن كان ذكرًا، فدَى (أو تطيَّبَ) في ثوبه، أو بدنِه، فدَى (أو غطَّى رأسه) فدى، أو غطَّت وجهَهَا.
وإنْ غطَّى خنثى مشكلٌ وجهَه ورأسَه، فدَى. وإنْ غطَّى وجهَهُ ولبِسَ مخيطًا، فدَى. ولا يَفدي إنْ لبِسَه فقط، أو غطَّى وجهَهُ فقط.
فإنْ استعملَه في نحوِ أكلِ وشربٍ، أو لبِسَ مخيطًا، أو غطَّى رأسَه، أو غطَّتْ وجهَها (ناسيًا، أو جاهلًا) بالحكمِ، (أو مُكْرَهًا، فلا شيء عليه)؛ للحديثِ.
(ومتى زالَ عذرُه، أزالَه في الحالِ، وإلَّا فدَى) ويقدِّمُ غَسلَ طيبٍ على نجاسةٍ يُتيمَّمُ لها. قالَهُ في "الفروع".
(الرابعُ) من المحظوراتِ: (إزالةُ الشَّعَرِ من البدنِ) أي: من بدنِه كلِّه (ولو من الأنفِ) بلا عذرٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:
стр. 668
وتقليمُ الأظفَارِ.
الخامِسُ: قتلُ صيدِ البرِّ الوحشيِّ المأكُولِ، والدِّلالةُ عليهِ، والإعانَةُ على قتلِه، وإفسَادُ بيضِهِ، وقَتلُ الجَرَادِ، والقَمْل،
١٩٦]. وأُلْحِقَ بالحَلْقِ: القلعُ والنتفُ ونحوُه. (وتقليمُ الأظفارِ) بلا عذرٍ؛ لأنَّه إزالةُ جزءٍ من بدنِه يترفَّه به، فأشبَه الشَّعرَ.
(الخامسُ) من المحظوراتِ: (قتلُ صيدِ البرِّ) إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] (الوحشيِّ المأكولِ) والمتولِّدِ منه ومِن غيرِه، كمتولِّدٍ بين وحشيٍّ وأهليِّ، أو مأكولٍ وحشيِّ وغيرِه، كسِمْعٍ - ولدُ الضبعِ من الذئب- وكالمتولِّدِ بين بقرِ الوحشي وأهليِّه؛ تغليبًا للحَظرِ.
(والدِّلالةُ عليهِ) أي: تحرُمُ الدِّلالةُ عليه، والإشارةُ (والإعانةُ على قتلِه) لأنَّه معونةٌ على محرَّمٍ، أشبَه الإعانةَ على قتلِ آدمِيٍّ معصومٍ.
ولا تحرُمُ الدِّلالةُ على طيبٍ ولباسٍ؛ لأنَّه لا ضمانَ فيهما بالسببِ، ولا يتعلَّقُ بهما حكمٌ يختصُّ بالدالِّ عليهما، بخلافِ الصيدِ، فإنَّه يحرُمُ على الدالِّ أكلُه منه، ويجبُ عليه جزاؤُه
(وإفسادُ بيضِه) بنقلٍ وغيرِه، يضمنُه بقيمتِه مكانَه؛ لأنَّ فسادَه كتلفِه، أشبَه المباشرَ لنقلِه
(وقتلُ الجرادِ) أي: ويضمنُ مُحرِمٌ بقتلٍ أو مباشرةٍ أو سبببٍ؛ لأنَّه بريٌّ يُشاهدُ طيرانُه في البرِّ، ويهلكُه الماءُ إذا وقعَ فيه، كالعصافيرِ، بقيمتِه.
(والقَمْلِ): ويحرُمُ بإحرامٍ قتلُ قملٍ وصِئبانِه من رأسهِ، أو بدنِه، أو ثوبِه، ولو برميهِ، لما فيه من الترفُّهِ بإزالتِه، أشبَه قطعَ الشَّعَرِ. ولا جزاءَ فيه؛ لأنَّه لا قيمةَ له، أشبَه
стр. 669
لا البَرَاغِيثِ، بل يُسنُّ قَتلُ كلِّ مُؤذٍ مُطلَقًا.
السَّادِسُ: عقدُ النِّكاحِ، ولا يصحُّ.
البراغيثَ، ولأنَّه ليس بصيدٍ
(لا البراغيثِ) وقُرادٍ، ونحوِهما، كدَلَمٍ، وبَقٍّ، وبعوضٍ
(بل يُسنُّ) أيمما: مع وجودِ أذىً، أو بدونِه (قتلُ كلِّ مؤذٍ) أي: من حيوانٍ وطيرٍ (مطلقًا) أي: في الحِلِّ والحرَمِ، غيرَ آدميٍّ؛ لحديثِ عائشةَ: أمرَ رسولُ الله ﷺ بقتلِ خصرِ فواسقَ في الحرمِ: الحِدَأةُ، والغُرابُ، والفأرةُ، والعقربُ، والكلبُ العقورُ. متفقٌ عليه (١). وفي معناها: كلّ مؤذٍ. وأما الآدميُّ غيرُ الحربيِّ، فلا يحِلُّ قتلُه إلا بإحدى الثلاثِ؛ للخبرِ (٢)، وهي: الزنى، والردَّةُ، والقِصاصُ.
(السادسُ) من المحظوراتِ: (عقدُ النكاحِ) فيحرُمُ (ولا يَصحُّ) من مُحرِمٍ. فلو تزوَّجَ حُرِمٌ أو زوَّج، أو كان وليًّا، أو وكيلًا فيه، لم (٣) يصحُّ، نصًّا. تعمَّدَهُ أو لا، لحديثِ مسلمٍ (٤) عن عثمانَ مرفوعًا: "لا ينكِحُ المُحرِمُ، ولا يُنكِحُ".
وتُكرَه خِطبةُ مُحرِمٍ -بكسر الخاء- أي: أن يخطبَ امرأةً، أو يخطبَ حلالٌ فحرِمةً، لحديثِ عثمانَ مرفوعًا: "لا يَنكِحُ المحرِمُ، ولا يُنكِحُ، ولا يَخطبُ" (٥).
وكذا شهادتُه فيه. قال عمُّ والدي العلامةُ الشيخُ مرعي في "غاية المنتهى" (٦):
стр. 670
السابعَ: الوطءُ في الفَرجِ ودواعِيْهِ، والمُبَاشَرَةُ دونَ الفَرجِ، والاستِمنَاءُ.
وفي جميعِ المَحظُوراتِ: الفِديُة، إلَّا قتلَ القَمْلِ، وعقدَ النِّكاحِ.
ويتَّجه: لحلالٍ، وإلا فالشهادةُ في عقدٍ فاسدٍ حَرامٌ.
(السابعُ) من المحظوراتِ: (الوطءُ في الفرجِ) وهو: تغييبُ (١) حشَفةٍ أصليَّةٍ في فرجٍ أصليٍّ، قُبُلًا كان أو دُبُرًا، من آدميٍّ أو غيرِه؛ لقولِه تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧] قال ابنُ عباسٍ: هو الجماعُ (٢).
فمتى فعلَ ذلك قبلَ التحلُّلِ الأوَّلِ، فسدَ نُسُكُه. هذا المذهبُ قولًا واحدًا، وعليه أكثرُ الأصحابِ (٣). عامدًا كان أو ساهيًا، وكذا الجاهلُ والمُكْرَه، وكذا النائمةُ. قال عم والدي الشيخُ مرعي في "غاية المنتهى" (٤): ويتَّجه: أو مجنونَة.
وعليهما المُضِيُّ في فاسدِه. ويقضي مَنْ أفسدَ نُسُكَه بذلك فورًا
(ودواعِيْهِ) أي: يحرُمُ دواعي الوطءِ، من تقبيلٍ ولمسٍ (والمباشرةُ دونَ الفرجِ) للذَّةٍ، واستدعاءِ الشهوةِ المنافي للإحرامِ. ولا تُفسدُ المباشرةُ النُّسُكَ، ولو أنزلَ؛ لأنَّ ذلك استمتاعٌ لا يجبُ بنوعِه الحدُّ، فلمْ يَفسدْ به الحجُّ.
(والاستمناءُ) كذلك محرَّمٌ، ولا يَفسُدُ به النُّسُكُ
(وفي جميعِ المحظوراتِ: الفديةُ، إلَّا قتلَ القمْلِ) فإنَّه لا قيمةَ له. (وعقدَ النكاحِ) فلا فديةَ فيه؛ لأنَّه عقدٌ فاسدٌ للإحرامِ، كشراءِ العبيدِ. وسواءٌ كان الإحرامُ صحيحًا أو فاسدًا.