← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 803

شرح دليل الطالب - عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

Полный текст (1 686 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

الثالث: قَصْدُ شَمِّ الطِّيبِ، ومَسِّ ما يَعلِقُ، على وجهِها، فإذا جاوَزونا (١) كشفناه. رواه أبو داودَ (٢)، والأثرمُ. قال أحمدُ: إنَّما لها أنْ تَشدلَ على وجهِها من فوق، وليس لها أنْ ترفعَ الثوبَ من أسفلَ. قال الموفَّقُ: كأنَّ الإمامَ يقصدُ أنَّ النقابَ من أسفلِ وجهِها، ولا يضرُّ مسُّ المسدولِ بشرةَ وجهِها، خلافًا للقاضي، وإنَّما مُنِعتْ من البُرْقُعِ والنقابِ؛ لأنَّه مُعَدٌّ لسترِ الوجهِ. ومتى غطَّتْه لغيرِ حاجةٍ، فدتْ، وحَرُمَ. (الثالثُ) من المحظوراتِ: (قصدُ شمِّ الطيبِ) مسًّا، وشمًّا، واستعمالًا. فمتى طيَّبَ مُحرِمٌ ثوبَه أو بدنَه، أو استعملَ في أكلِ أو شربٍ، أو ادِّهانٍ، أو اكتحالٍ، أو استعاطٍ، أو احتقانٍ، طيبًا يَظهرُ طعمُهُ أو ريحُهُ، أو قَصدَ شمَّ دُهنٍ مُطيَّبٍ، أو مسكٍ، أو كافورٍ، أو عنبرٍ، أو زعفرانٍ، أو وَرْسٍ -وهو نباتٌ أصفرُ، كالسِّمِسمِ، باليمنِ، تُتخذُ منه الحمرةُ للوجهِ- أو بخورِ عودٍ، ونحوِه. أو ما يُنبتُه آدميٌّ لطيبٍ، ويُتخذُ منه، كوردٍ، وبَنَفسَجٍ، ومنثورٍ، ولينوْفَر، ويا سمينَ، وبانٍ، وزنبقٍ، وشمَّهُ، (ومسّ ما يَعلِقُ) به، كماءِ وردٍ، وسحيقٍ نحو مسكٍ، حرُمَ، وفدَى. لا إنْ شمَّ بلا قصدٍ، أو مصرَّ ما لا يعلقُ، كقطعِ نحوِ مسكٍ. أو شمَّ، ولو قصدًا، فواكِهَ أو عُودًا، أو نباتَ صحراءَ، كخُزامى وشِيحٍ ونَرْجسٍ وإذْخِر. أو ما يُنبتُه آدميٌّ، لا بقصدِ طيبٍ، كحِناءٍ، وعُصْفُرٍ، وقَرَنْفُل، ودارِ صينيٍّ ونحوِها. أو لقصدِه ولا يُتخذُ منه، كريحانٍ فارسيٍّ، وهو الحَبَقُ، ونمَّام، وبَرَمٍ، وهو ثمرُ العِضاه، كأمِّ غَيلانَ، ومَردَقوشٍ. أو ادَّهنَ بغيرِ مطيَّبٍ كزيتٍ، وشيْرَج، ولو في رأسِه وبدنِه. أو

стр. 667

واستعِمالُه في أكلٍ أو شُربٍ؛ بحيثُ يظهرُ طعمُهُ، أو ريحُه. فمن لَبِسَ، أو تطيَّبَ، أو غَطَّى رأسَه، ناسيًا، أو جَاهِلًا، أو مُكَرهًا، فلا شَيءَ عليه. ومتَى زالَ عُذْرُه، أزالَه في الحَالِ، وإلَّا فَدَى. الرابِعُ: إزالةُ الشَّعْرِ منَ البدَنِ -ولو من الأَنفِ- شمَّ بلا قصدٍ، كجالسٍ عندَ عطارٍ لحاجةٍ، وحاملِهِ ومقلِّبِهِ بلا (١) مسٍّ، وداخلِ سوقٍ وكعبةٍ (٢). (و) أمَّا (استعمالُه في) نحوِ (أكلٍ أو شربِ، بحيثُ يظهرُ طعمُهُ أو ريحُهُ) ولو كان مطبوخًا، أو مسَّتْهُ النَّارُ، وإنْ كانتْ رائحتُهُ ذهبتْ وبقيَ طعمُه، حَرُمَ، وفدَى. (فمَنْ لبِسَ) مخيطًا، إن كان ذكرًا، فدَى (أو تطيَّبَ) في ثوبه، أو بدنِه، فدَى (أو غطَّى رأسه) فدى، أو غطَّت وجهَهَا. وإنْ غطَّى خنثى مشكلٌ وجهَه ورأسَه، فدَى. وإنْ غطَّى وجهَهُ ولبِسَ مخيطًا، فدَى. ولا يَفدي إنْ لبِسَه فقط، أو غطَّى وجهَهُ فقط. فإنْ استعملَه في نحوِ أكلِ وشربٍ، أو لبِسَ مخيطًا، أو غطَّى رأسَه، أو غطَّتْ وجهَها (ناسيًا، أو جاهلًا) بالحكمِ، (أو مُكْرَهًا، فلا شيء عليه)؛ للحديثِ. (ومتى زالَ عذرُه، أزالَه في الحالِ، وإلَّا فدَى) ويقدِّمُ غَسلَ طيبٍ على نجاسةٍ يُتيمَّمُ لها. قالَهُ في "الفروع". (الرابعُ) من المحظوراتِ: (إزالةُ الشَّعَرِ من البدنِ) أي: من بدنِه كلِّه (ولو من الأنفِ) بلا عذرٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:

стр. 668

وتقليمُ الأظفَارِ. الخامِسُ: قتلُ صيدِ البرِّ الوحشيِّ المأكُولِ، والدِّلالةُ عليهِ، والإعانَةُ على قتلِه، وإفسَادُ بيضِهِ، وقَتلُ الجَرَادِ، والقَمْل، ١٩٦]. وأُلْحِقَ بالحَلْقِ: القلعُ والنتفُ ونحوُه. (وتقليمُ الأظفارِ) بلا عذرٍ؛ لأنَّه إزالةُ جزءٍ من بدنِه يترفَّه به، فأشبَه الشَّعرَ. (الخامسُ) من المحظوراتِ: (قتلُ صيدِ البرِّ) إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] (الوحشيِّ المأكولِ) والمتولِّدِ منه ومِن غيرِه، كمتولِّدٍ بين وحشيٍّ وأهليِّ، أو مأكولٍ وحشيِّ وغيرِه، كسِمْعٍ - ولدُ الضبعِ من الذئب- وكالمتولِّدِ بين بقرِ الوحشي وأهليِّه؛ تغليبًا للحَظرِ. (والدِّلالةُ عليهِ) أي: تحرُمُ الدِّلالةُ عليه، والإشارةُ (والإعانةُ على قتلِه) لأنَّه معونةٌ على محرَّمٍ، أشبَه الإعانةَ على قتلِ آدمِيٍّ معصومٍ. ولا تحرُمُ الدِّلالةُ على طيبٍ ولباسٍ؛ لأنَّه لا ضمانَ فيهما بالسببِ، ولا يتعلَّقُ بهما حكمٌ يختصُّ بالدالِّ عليهما، بخلافِ الصيدِ، فإنَّه يحرُمُ على الدالِّ أكلُه منه، ويجبُ عليه جزاؤُه (وإفسادُ بيضِه) بنقلٍ وغيرِه، يضمنُه بقيمتِه مكانَه؛ لأنَّ فسادَه كتلفِه، أشبَه المباشرَ لنقلِه (وقتلُ الجرادِ) أي: ويضمنُ مُحرِمٌ بقتلٍ أو مباشرةٍ أو سبببٍ؛ لأنَّه بريٌّ يُشاهدُ طيرانُه في البرِّ، ويهلكُه الماءُ إذا وقعَ فيه، كالعصافيرِ، بقيمتِه. (والقَمْلِ): ويحرُمُ بإحرامٍ قتلُ قملٍ وصِئبانِه من رأسهِ، أو بدنِه، أو ثوبِه، ولو برميهِ، لما فيه من الترفُّهِ بإزالتِه، أشبَه قطعَ الشَّعَرِ. ولا جزاءَ فيه؛ لأنَّه لا قيمةَ له، أشبَه

стр. 669

لا البَرَاغِيثِ، بل يُسنُّ قَتلُ كلِّ مُؤذٍ مُطلَقًا. السَّادِسُ: عقدُ النِّكاحِ، ولا يصحُّ. البراغيثَ، ولأنَّه ليس بصيدٍ (لا البراغيثِ) وقُرادٍ، ونحوِهما، كدَلَمٍ، وبَقٍّ، وبعوضٍ (بل يُسنُّ) أيمما: مع وجودِ أذىً، أو بدونِه (قتلُ كلِّ مؤذٍ) أي: من حيوانٍ وطيرٍ (مطلقًا) أي: في الحِلِّ والحرَمِ، غيرَ آدميٍّ؛ لحديثِ عائشةَ: أمرَ رسولُ الله ﷺ بقتلِ خصرِ فواسقَ في الحرمِ: الحِدَأةُ، والغُرابُ، والفأرةُ، والعقربُ، والكلبُ العقورُ. متفقٌ عليه (١). وفي معناها: كلّ مؤذٍ. وأما الآدميُّ غيرُ الحربيِّ، فلا يحِلُّ قتلُه إلا بإحدى الثلاثِ؛ للخبرِ (٢)، وهي: الزنى، والردَّةُ، والقِصاصُ. (السادسُ) من المحظوراتِ: (عقدُ النكاحِ) فيحرُمُ (ولا يَصحُّ) من مُحرِمٍ. فلو تزوَّجَ حُرِمٌ أو زوَّج، أو كان وليًّا، أو وكيلًا فيه، لم (٣) يصحُّ، نصًّا. تعمَّدَهُ أو لا، لحديثِ مسلمٍ (٤) عن عثمانَ مرفوعًا: "لا ينكِحُ المُحرِمُ، ولا يُنكِحُ". وتُكرَه خِطبةُ مُحرِمٍ -بكسر الخاء- أي: أن يخطبَ امرأةً، أو يخطبَ حلالٌ فحرِمةً، لحديثِ عثمانَ مرفوعًا: "لا يَنكِحُ المحرِمُ، ولا يُنكِحُ، ولا يَخطبُ" (٥). وكذا شهادتُه فيه. قال عمُّ والدي العلامةُ الشيخُ مرعي في "غاية المنتهى" (٦):

стр. 670

السابعَ: الوطءُ في الفَرجِ ودواعِيْهِ، والمُبَاشَرَةُ دونَ الفَرجِ، والاستِمنَاءُ. وفي جميعِ المَحظُوراتِ: الفِديُة، إلَّا قتلَ القَمْلِ، وعقدَ النِّكاحِ. ويتَّجه: لحلالٍ، وإلا فالشهادةُ في عقدٍ فاسدٍ حَرامٌ. (السابعُ) من المحظوراتِ: (الوطءُ في الفرجِ) وهو: تغييبُ (١) حشَفةٍ أصليَّةٍ في فرجٍ أصليٍّ، قُبُلًا كان أو دُبُرًا، من آدميٍّ أو غيرِه؛ لقولِه تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧] قال ابنُ عباسٍ: هو الجماعُ (٢). فمتى فعلَ ذلك قبلَ التحلُّلِ الأوَّلِ، فسدَ نُسُكُه. هذا المذهبُ قولًا واحدًا، وعليه أكثرُ الأصحابِ (٣). عامدًا كان أو ساهيًا، وكذا الجاهلُ والمُكْرَه، وكذا النائمةُ. قال عم والدي الشيخُ مرعي في "غاية المنتهى" (٤): ويتَّجه: أو مجنونَة. وعليهما المُضِيُّ في فاسدِه. ويقضي مَنْ أفسدَ نُسُكَه بذلك فورًا (ودواعِيْهِ) أي: يحرُمُ دواعي الوطءِ، من تقبيلٍ ولمسٍ (والمباشرةُ دونَ الفرجِ) للذَّةٍ، واستدعاءِ الشهوةِ المنافي للإحرامِ. ولا تُفسدُ المباشرةُ النُّسُكَ، ولو أنزلَ؛ لأنَّ ذلك استمتاعٌ لا يجبُ بنوعِه الحدُّ، فلمْ يَفسدْ به الحجُّ. (والاستمناءُ) كذلك محرَّمٌ، ولا يَفسُدُ به النُّسُكُ (وفي جميعِ المحظوراتِ: الفديةُ، إلَّا قتلَ القمْلِ) فإنَّه لا قيمةَ له. (وعقدَ النكاحِ) فلا فديةَ فيه؛ لأنَّه عقدٌ فاسدٌ للإحرامِ، كشراءِ العبيدِ. وسواءٌ كان الإحرامُ صحيحًا أو فاسدًا.

стр. 671

وفي البَيضِ والجرَادِ: قيمتُه مكَانَه. وفي الشَّعْرَةِ أو الظُّفرِ: إطعامُ مِسكينٍ، وفي الاثنَين: إطعامُ اثنينِ، وفيما زادَ: فِديةٌ. والضروراتُ تبيحُ للمُحرِمِ المحظُوراتِ، ويَفدِي. (وفي البيضِ والجرادِ: قيمتُهُ مكانَه) أمَّا البيضُ؛ فلقولِ ابنِ عباسٍ: في بيضِ النعامِ قيمتُه (١). ولأنَّه لا مِثلَ له، فوجَبتْ فيه القيمةُ. وكذا الجرادُ بقيمتِه؛ لأنَّه غيرُ مِثليِّ (وفي الشَّعَرةِ أو الظُّفرِ: إطعامُ مسكينٍ. وفي الاثنينِ: إطعامُ اثنينِ. وفيما زادَ: فدية) لقولِه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وقولِه ﵇ لكعبِ بنِ عُجْرَةَ: "لعلَّكَ آذاكَ هَوَامُّ رأسِكَ؟ " قال: نعمْ يا رسولَ اللهِ. فقال: "احلِقْ رأسَكَ، وصُمْ ثلاثةَ أيامٍ، أو أطعمْ ستَّةَ مساكينَ، أو انْسُكْ شاةً". متفقٌ عليه (٢). ولفظةٌ "أو" للتخييرِ. وخُصَّتْ الفديةُ (٣) بالثلاثِ؛ لأنَّها جمعٌ. واعتبرتْ في مواضعَ، بخلافِ ربعِ الرأسِ لكل مسكين مدُّ برٍّ (٤)، أو نصفُ صاعِ تمرٍ، أو نصفُ صاعِ شعيرٍ، أو زبيبٍ، أو أقِطٍ (والضروراتُ تبيحُ للمحرم (٥) المحظوراتِ) المتقدِّمِ ذكرُها (ويَفدِي) إنْ فعلَ شيئًا منها.

стр. 672

بابُ الفِديَةِ وهي: ما يجبُ بسببِ الإحرَامِ، أو الحَرَمِ. وهي قِسمَان: قِسمٌ على التَّخيير، وقِسمٌ على التَّرتيبِ. فقِسمُ التَّخيير: كفِديةِ اللُّبْسِ، والطِّيبِ، وتَغطيَةِ، الرَّأسِ، وإزالةِ أكثرَ من شَعرتَين أو ظُفرَين، والإمناءِ بنَظرَةٍ، والمُباشَرَةِ بغيرِ إنزالِ منيٍّ. (بابُ الفِديةِ) وبيانُ أقسامِها وأحكامِها وهي مصدرٌ: فدَى يَفْدي فِدَاءً. وشرعًا: (وهي ما يجبُ بسببِ الإحرامِ، أو الحرَمِ) وهو بفعلِ محظورٍ في إحرامٍ، أو تركِ واجِبٍ. أو بسببِ الحَرمِ، كصيدِ الحرمِ المكيِّ، ونباتِه. (وهي) أي: الفِدية (قِسمانِ: قسئم على التخييرِ، وقسمٌ على الترتيبِ): (فقسمُ التخييرِ: كفديةِ اللُّبسِ) أي: لبسِ المخيطِ (والطِّيبِ، وتغطيةِ الرأسِ) للذَّكَرِ، والوجهِ للأنثى، (وإزالةِ أكثرَ من شعرتَيْنِ، أو) أكثرَ من (ظُفِريْنِ) ففيه فديةٌ (والإمناءِ بنظرةٍ، والمباشرةِ بغيرِ إنزالِ منيٍّ) ففيه فديةٌ؛ لما في ذلك من الترفُّهِ. وقد قالَ ابنُ عباسٍ فيمَنْ وقعَ على امرأتِه في العمرةِ قبلَ التقصيرِ: عليه فديةٌ من صيامٍ، أو صدقةٌ، أو نسكٌ (١). رواه الأثرمُ.

стр. 673

يخيَّرُ بين ذَبحِ شاةٍ، أو صيامِ ثلاثةِ أيَّامٍ، أو إطعَامِ سَتَّةِ مساكينَ، لكلِّ مِسكينٍ مُدّ بُرٍّ، أو نِصفُ صاعٍ مِنْ غَيرِه. ومِنَ التَّخييرِ: جَزاءُ الصَّيدِ، يُخيَّرُ فيه بينَ المِثْلِ مِنْ النَّعَم، أو تَقويمِ المِثلِ بمحَلِّ التَّلفِ، ويشتَري بقيمتِه طعامًا يُجزئُ في الفِطرةِ، فيُطعِمُ كلَّ مِسكينٍ مُدَّ بُرٍّ، أو نصفَ صَاعٍ من غَيرِه، أو يصومُ عن طَعَامِ كلِّ مِسكينٍ يومًا. فإذا فعلَ ذلك (يُخيَّرُ) المُخرِجُ (بين ذبحِ شاةٍ، أو صيامِ ثلاثةِ أيامٍ، أو إطعامِ ستَّةِ مساكين، لكلِّ مسكينِ) منهم (مُدُّ برٍّ، أو نصفُ صاعِ من غيرِه) أي: من نحوِ شعيرٍ، وزبيبٍ، وتمرٍ، أو أَقِطٍ (ومن التخييرِ: جزاءُ الصَّيدِ، يُخيَّرُ فيه) مَنْ وجبَ عليه (بين) ذبحِ (المِثْلِ) أي: مثلِ الصيدِ (من النَّعَمِ) وإعطائِه لفقراءِ الحَرمِ، أيَّ وقتٍ شاءَ، فلا يختصُّ بأيامِ النحرِ. ولا يُجزِئُهُ أنْ يتصدَّقَ به حيًّا من النَّعَمِ (أو تقويمِ المثلِ بمحَلِّ التَّلفِ) أي: تلفِ الصَّيدِ، أو بقُربِ محلِّ التلف (ويشتري بقيمتِه طعامًا) نصًّا؛ لأنَّ كلَّ مِثليٍّ قُوِّمَ إنَّما يقوَّمُ مِثلُه. ولا يجوزُ أنْ يتصدَّقَ بالدراهمِ (يُجزئُ في الفطرةِ) وهو البُرُّ، والشَّعيرُ، والتمرُ، والزبيبُ، والأقِطُ. وله أنْ يُخرجَ من طعامٍ عنده بعدلِ ذلك (فيُطعِمُ كلَّ مسكينٍ مُدَّ بُرٍّ، أو نصفَ صاعِ من غيرِه، أو يصومُ عن (١) طعامِ كلِّ مسكينٍ يومًا) لقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]

стр. 674

وقسِمُ التَّرتيبِ: كدَمِ المُتعَةِ والقِرانِ، وتركِ الواجبِ، والإحصَارِ، والوَطءِ، ونحوه. فيجبُ على مُتمتِّعٍ، وقارِنٍ، وتاركِ واجبٍ، دمٌ، فإنْ عدِمَه أو ثَمنَه، صامَ ثلاثةَ أيامٍ في الحجِّ -والأفضَلُ كونُ آخِرِها يومَ عرفَةَ، وتصِحُّ أيَّامَ التَّشرِيقِ- وسبعةً إذا رجَعَ إلى أهلِهِ. ويَجِبُ على مُحصَرٍ دمٌ، فإن لم يجِدْه صامَ عشَرَةَ أيَّامٍ، ثم حَلَّ. (وقسمُ التَّرتيبِ) أي: ما يجبُ مرتَّبًا: (كدمِ المتعةِ، والقِرانِ، وتركِ الواجبِ) من واجباتِ الحجِّ أو العمرةِ (والإحصارِ) أي: إذا لمْ يشترطْ (والوطءِ، ونحوِه) كمباشرةٍ، واستمناءٍ، أو تقبيلٍ، ولمسٍ لشهوةٍ. (فيجبُ على متمتعٍ، وقارنٍ، وتاركِ و اجبٍ، دم) أي: هديٌّ، وهو شاةٌ، أو سُبعُ بدنةٍ، أو سُبعُ بقرةٍ (فإنْ عَدِمَه) أي: عَدِمَ ذلكَ في موضعِه، وهو الحَرمُ، (أو ثمنَه) أي: وجدَه يُباعُ ولا ثمنَ معه (صامَ ثلاثةَ أيامٍ في الحجِّ) أي: وقتَهُ؛ لأنَّ الحجَّ أفعالٌ لا يُصامُ فيها، كقولِه تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، أي: فيها (والأفضلُ كونُ آخِرِها) أي: الثلاثةِ (يومَ عرفةَ) نصًّا، فيقدِّمُ الإحرامَ؛ ليصومَها في إحرامِ الحجِّ، واستُحِبُّ له هنا صومُ يومِ عرفةَ، لموضعِ الحاجةِ (وتصحُّ أيَّامَ التشريقِ) وهي أيامُ منًى. (وسبعةً) أيَّامٍ (إذا رجعَ إلى أهلِهِ) لقولِه تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [البَقَرَة: ١٩٦] أي: هديًا ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البَقَرَة: ١٩٦]. (ويجبُ على مُحصَرٍ دمٌ) أي: هديٌّ، لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. (فإنْ لمْ يجدْ) هديًا، (صامَ عشْرةَ أيَّامٍ) بنيةِ التحلّلِ (ثمَّ حلَّ)

стр. 675

ويجِبُ على من وَطِئَ في الحجِّ قبلَ التحلُّلِ الأوَّل، أو أنزلَ منيًّا بمباشرةٍ، أو استمناءٍ، أو تقبيلٍ، أو لَمْسٍ لشهوة، أو تَكرارِ نَظرٍ، بدنَةٌ، فإن لم يجِدهَا صامَ عشَرةَ أيَّامٍ، ثلاثةً في الحَجِّ، وسبعةً إذا رجَعَ. وفي العُمرةِ إذا أفسدَها قبلَ تمامِ السَّعي، شاةٌ. والتَّحلُّل الأوَّلُ يحصُلُ باثنينِ مِنْ رميٍ، وحَلقٍ، وطَوافٍ، قياسًا على دمِ تمتُّعٍ. وليس له التحلُّلُ قبلَ الذبحِ أو الصومِ (ويجبُ على مَنْ وطِئَ في الحجِّ قبلَ التحلُّل الأوَّلِ، أو أنزلَ منيًّا بمباشرةٍ، أو استمناءٍ، أو تقبيلٍ، أو لمسٍ لشهوةٍ، أو تَكرارِ نظرٍ) فأنزلَ في الجميعِ، وجبَ (بدنةٌ، فإنْ لمْ يجدْها (١) صامَ عشْرةَ أيامِ؛ ثلاثةً في الحجِّ، وسبعةً إذا رجعَ) إلى أهلِه. (وفي العمرةِ إذا أفسدَها قبلَ تمامِ السعي) لا بعدَ السعي، قبلَ حَلْقٍ؛ لأنَّه بعدَ تحلُّل أوَّلٍ. وعليه لوطئِه في عمرتِه (شاةٌ) لنقصِ حُرمةِ إحرامِها عن الحجِّ، لنقصِ أركانِها، ودخولِها فيه إذا جامعتْهُ، سواءٌ وطِئَ قبلَ تمامِ السعي، أو بعدَه قبلَ الحلقِ. ولا فديةَ على مُكرَهَةٍ في وطءٍ في حجٍّ أو عمرةٍ، لحديثِ: "وعمَّا استُكرهوا عليه" (٢). ومثلُها النائمةُ. ولا يلزمُ الواطئَ أنْ يَفدِيَ عنها (والتحلُّلُ الأوَّلُ يحصلُ باثنينِ) من ثلاثٍ: (من رميٍّ، وحَلْقٍ، وطوافِ) إفاضةٍ. فلو حلَقَ وطافَ، نمَّ وطِئَ ولم يزمِ (٣)، فعليه دمٌ لوطئِه، ودمٌ لتركِه الرميَ،

стр. 676

ويَحِلُّ له كلُّ شيءٍ إلَّا النِّساء. والثَّاني يحصُلُ بما بقيَ، معَ السعي، إن لم يكْن سعَى قَبْلُ. وحجُّهُ صحيحٌ (ويحلُّ له كلُّ شيءٍ) حرُمَ بالإحرامِ (إلا النساءَ) نصًّا. وطئًا، ومباشرةً، وقُبْلةً، ولمسًا لشهوةٍ، وعقدَ نكاحٍ، لحديثِ عائشةَ مرفوعًا: "إذا رميتُمْ وحلقتُكمْ، فقدْ حلَّ لكم الطِّيبُ، والثيابُ، وكلُّ شيءٍ، إلا النساءَ" (١). رواه سعيدٌ. وقالتْ عائشةُ: طيَّبْتُ رسولَ اللهِ ﷺ لإحرامِه حينَ أحرمَ، ولحلِّه قبلَ أنْ يطوفَ بالبيتِ. متفقٌ عليه (٢). (و) التحلُّلُ (الثاني يحصلُ بما بقيَ) من الثلاثِ (مع السعي) من متمتِّعٍ مطلقًا، ومفردٍ وقارنٍ لم يسعيا مع طوافِ قدومٍ؛ لأنَّه ركنٌ. وإليه أشارَ بقولِه: (إنْ لمْ يكن سعى قبلُ) وإنْ لمْ يُعِدْ إذنْ. وهذا التحلُّلُ هو الذي يحلُّ به النساءُ أيضًا. * * *

стр. 677

فَصْلٌ والصَّيدُ الذي له مِثْلٌ مِن النَّعَم، كالنَّعامَةِ وفيها: بدنةٌ، وفي حِمَارِ الوَحشِ وبقَرِهِ: بقَرَةٌ، وفي الضَّبُعِ كَبشٌ، (فصلٌ) في جزاءِ الصيدِ أي: مثلُه في الجملةِ إنْ كان، وإلَّا فقيمتُه. (والصيدُ الذي له مِثلٌ) أي: شبيهٌ (من النَّعَمِ) أي: في الخِلقةِ: (كالنَّعامةِ، وفيها: بدنةٌ) فيجبُ فيه ذلك المِثلُ، نصًّا؛ لقولِه تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] وجعلَ ﵇ في الضَّبعِ: كبشًا (١). روي عن عمرَ، وعثمانَ، وعلىِّ، وزيدٍ، وابنِ عباسٍ، ومعاويةَ (٢)؛ لأنَّها تُشبِهُهَا (٣). (وفي حمارِ الوحش): بقرةٌ. روي عن عمرَ (و) في (بَقَرِه) أي: الوحشِ: (بقرَةٌ) روي عن ابنِ مسعودٍ (٤) (وفي الضَّبُعِ: كبشٌ) قال الإمامُ: حَكَمَ فيها رسولُ اللهِ ﷺ بكبشِ (٥).

стр. 678

وفي الغَزالِ: شاةٌ، وفي الوَبْرِ والضَّبِ: جدْيٌ، له نِصفُ سَنةٍ، وفي اليربُوعِ: جَفَرةٌ، لها أربعةُ أشهُرٍ، وفي الأرنَب عَنَاقٌ، دونَ الجَفرَةِ، وقضى به عمرُ، وابنُ عباسٍ (١). (وفي الغزالِ (٢): شاةٌ) روي عن عليٍّ (٣)، وابنِ عمرَ. وروى جابرٌ مرفوعًا: "في الظبي (٤): شاةٌ". قالَهُ في "شرحه" (٥). (وفي الوَبْرِ) بسكون الباءِ: جدْيٌ، وهو دُوَيْبَّةٌ كحلاءُ، دونَ السِّنَّوْرِ، لا ذنَبَ لها. (و) في (الضبِّ: جدْيٌ) قضَى به عمرُ (٦). والجدْيُ: الذكرُ من أولادِ المعزِ، ما (له نصفُ سنةٍ) أي: ستَّةُ أشهرٍ. (وفي اليربُوعِ: جَفْرةٌ، لها أربعةُ أشهرٍ) رُويَ عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وجابرٍ (٧). (وفي الأرنبِ: عَناقٌ، دونَ الجَفْرةِ) أي: أنثى من أولادِ المعزِ، أصغرُ من الجَفْرةِ. يُروى عن عمرَ قضَى بذلك (٨).

стр. 679

وفي الحَمَامِ -وهُو كُلّ ما عَبَّ الماءَ كالقَطَا، والوَرَشِ، والفواخِتِ- شاةٌ، وما لا مِثلَ لهُ كالإوَزِّ، والحُبَارَى، والحَجَلِ، والكُركِيِّ، ففيهِ: قِيمتُه مكانَه. (وفي الحَمَامِ) أي: كلِّ واحدةٍ منه (وهو) أي: الحَمَامُ: (كلُّ ما عَبَّ الماءَ) أي: وضعَ منقارَه فيه، وكرَعَ كما تَكْرَعُ الشاةُ، ولا يأخذُ قطرةً قطرةً، كالدَّجاجِ، والعصافيرِ، زاد في "المنتهى": وهَدَر، أي: صوَّتَ. فيدخلُ فيه ما أشارَ إليه بقولِه: (كالقَطَا، والوَرَشِ) ولدُ القمارى (والفواخِتُ) والقمريّ والدُّبْسِيُّ (١). ففي ذلك: (شاةٌ) نصًّا. قضى به عمرُ، وعثمانُ، وابنُ عمرَ، وابنُ عباسٍ (٢)، ونافعُ بنُ عبدِ الحارثِ، في حَمَامِ الحرمِ. وقِيسَ عليه: حَمَامُ الإحرامِ. ورُويَ عن ابنِ عباسٍ أنَّه قضى به في حَمَامِ الإحرامِ (٣). (و) النوعُ الثاني: مِن (ما لا مِثلَ له) من النَّعَمِ، وهو باقي الطيرِ، فيجبُ فيه، ولو أكبرَ من الحَمَامِ (كالإوَزِّ، والحُبَارَى، والحَجَل، والكُّركِيِّ، ففيه: قيمتُه مكانَه) أي: محلِّ الإتلافِ، كإتلافِ مالِ آدميٍّ. فيشتري به طعامًا يُجزئُ في فِطرَةٍ، ويفعلُ به كما تقدَّم في الفديةِ. * * *

стр. 680

فَصْلٌ ويحُرمُ صَيدُ حَرَمِ مكَّةَ، وحُكمُه حُكمُ صَيدِ الإحرَامِ. ويحرُمُ قَطعُ شَجرِهِ وحَشيشِهِ، (فصلٌ) في حكمِ صيدِ حرمِ مكةَ (ويحرُمُ صيدُ حرمِ مكَّةَ، وحكمُه حكمُ صيدِ الإحرامِ) فيحرُمُ حتى على مُحِلٍّ، إجماعًا؛ لخبرِ ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ يومَ فتحِ مكةَ؛ "إنَّ هذا البلدَ حرَّمَه اللهُ يومَ خلقَ السمواتِ والأرضَ، فهو حرامٌ بحرمةِ اللهِ إلى يومِ القيامةِ … " الحديث. وفيه: "ولا يُنفَّرُ صيدُها". متفقٌ عليه (١). ويُضمنُ برِّيُّهُ بالجزاءِ، نصًّا؛ لما سبقَ عن الصَّحابةِ. ويدخلُهُ الصومُ، كصيدِ الإحرامِ. وصغيرٌ وكافرٌ كغيرِهما (ويحرُمُ قطعُ شجرِه) أي: حَرَمِ مكَّةَ الذي لم يزرعْه آدمِيٌّ، إجماعًا؛ لقوله ﵇: "ولا يُعضدُ شجرُها" (٢) (و) يحرُمُ قطعُ (حشيشِه) أي: الحَرَمِ؛ لقولِه ﵇: "ولا يُحَشُّ حشيشُمها" (٣). حتى الشَّوكِ ولو ضرَّ؛ لعمومِ: "ولا يُختَلَى شوكُها". والمرادُ به:

стр. 681

والمُحِلّ والمُحرِمُ في ذلكَ سَواءٌ. فتُضمَنُ الشَّجَرةُ الصَّغيرَةُ عُرفًا بشاةٍ، وما فَوقَها ببقَرَةٍ، ويُضمَنُ الحشِيشُ والورَقُ بقيمَتِه. الأخضر. ويجوزُ قطعُ اليابسِ، والثمرةِ، وما زرعَه الآدميُّ. والكَمْأةُ والفَقْعُ. وكذا الإذخرُ، حتى ما زرعَه آدميٌّ من شجرٍ وبقلٍ. والمرادُ: ما لا يملكُهُ أحدٌ؛ لأنَّ هذا يُضافُ إلى مالكِه. ويُباحُ رفي حشيشِه. ويُباحُ انتفاعٌ بما زالَ من شجرِ الحَرَمِ، أو انكسرَ منه بغيرِ فعلِ آدميِّ، ولو لمْ ينفصِلْ. فإنْ قطعَهُ آدميٌّ، لم ينتفِعْ به هو ولا غيرُه، كصيدٍ ذبحَه حُرِمٌ (والمُحِلُّ والمُحرِمُ في ذلك سواءٌ). (فتُضمنُ الشَّجرةُ الصغيرةُ) قُلِعَتْ أو كُسِرَتْ (عُرْفًا بشاةٍ. و) يُضمَنُ (ما فوقَها) أي: الصغيرةِ من الشجرِ، وهي المتوسِّطةُ والكبيرةُ (ببقرةٍ) لقولِ ابنِ عباسٍ: في الدَّوحةِ: بقرةٌ، وفي الجزلةِ: شاةٌ. قال: والدَّوحةُ: الشجرةُ العظيمةُ، والجزلةُ: الصغيرةُ (١). (ويُضمَنُ الحشيشُ والورَقُ بقيمتِه) نصًّا؛ لأنَّه متقوَّمٌ (٢) ويُفعلُ بقيمتِه كما (٣) سبق؛ بأنْ يشتريَ بها (٤) طعامًا، يُجزئُ في فطرَةٍ، فيُطعمُه كلَّ مسكينٍ مُدَّ بُرِّ، أو نصفَ صاعٍ من غيرِه، أو يصومَ عن طعامِ كلِّ مسكينٍ يومًا.

стр. 682

ويُجزِئُ عن البدَنَةِ: بقَرةٌ، كَعَكسِهِ. ويُجزِئُ عن سَبعِ شِياهٍ: بدَنةٌ أو بقرَةٌ. والمرادُ بالدَّم الواجِبِ: ما يُجزِئُ في الأضحِية؛ جذعُ ضَأنٍ، أو ثَنِيٌّ مَعْزٍ، أو سُبُعُ بَدَنَةٍ أو بَقرَةٍ، (ويُجزئُ عن البدَنةِ: بقرةٌ) لحديثِ أبي الزبير (١)، عن جابرٍ: كنَّا ننحَرُ البدنةَ عن سبعةٍ. فقيلَ له: والبقرةُ؟ فقال: وهل هي إلا من البُدْنِ؟!. رواه مسلمٌ. (كعكسِه) يعني: عن البقرةِ بدنةٌ. (ويُجزِئُ عن سبعِ شِياهٍ: بدَنة أو بقرةٌ) مطلقًا. أي: وجدَ الشياهَ أو عَدِمَها، في جزاءِ الصيدِ أو غيرِه؛ لحديثِ جابرٍ: أمرَنا رسولُ اللهِ ﷺ أنَّ نشتركَ في الإبلِ والبقرِ، كلُّ سبعةٍ منَّا في بدنةٍ. رواه مسلمٌ (٢). (والمرادُ بالدمِ) المطلقِ (الواجبِ: ما يُجزِئُ في الأضحيةِ) أي: يُجزِئُ فيه (٣) ما يُجزِئُ فيها، فإنْ قُيِّدَ بنحوِ بدنةٍ، تقيَّدَ. وهو (جذعُ ضأنٍ) وهو ما له ستَّةُ أشهرٍ (أو ثَنِيُّ معزٍ) وهو ما له سنةٌ (أو سُبُعُ بدَنةٍ، أو بقرةٍ)؛ لقولِه تعالى في التمتعِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال ابنُ عباسٍ: شاةٌ، أو شِرْكٌ في دمٍ (٤). وقولُه: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] فسَّره ﵇ في حديثِ كعبِ بنِ عُجْرَةَ بذبحِ شاةٍ (٥). وقِيسَ (٦) عليهما الباقي.

стр. 683

فإن ذَبَحَ إحدَاهُما، فأفضَلُ، وتَجِبُ كلُّها. (فإنْ ذبحَ) مَن وجبَ عليه دمٌ مطلقٌ (إحدَاهما) أي: بدنةً أو بقرةً (فأفضلُ) أي: فذلك أفضلُ من جذعِ الضأنِ، أو ثَنيِّ المعزِ؛ لأنَّهما أوفرُ لحمًا، وأنفعُ للفقراءِ. (وتجبُ كلُّها) لأنَّه اختارَ الأعلى لأداءِ فرضِه، فكان كلُّه واجبًا، كما لو اختارَ الأعلى (١) من خصالِ الكفَّارةِ. وقيل: يكونُ سبعُها واجبًا (٢)، وباقيها تطوُّعًا، فيكونُ له الشرفُ فيه بالأكلِ والهديةِ وغيرِهما. فيُثابُ عليها كلِّها ثوابَ الواجبِ، فلا يجوزُ أنْ يُخرِجَ سبعَها ويتصرَّفَ في الباقي. "فرعٌ": كُرِهَ إخراجُ ترابِ الحَرَمِ وحجارتِه إلى الحِلِّ، لا ماءِ زمزمَ. ويحرُمُ إخراجُ ترابِ المساجدِ وطيبِها للتبرُّكِ (٣) وغيرِه (٤). ولهذا قال أحمدُ: فإنْ أرادَ أنْ يستشفِي بطيبِ الكعبةِ، لمْ يأخذْ منه شيئًا، ويُلزِقُ عيها طيبًا من عندِه، ثم يأخذُه. حَدُّ الحرمِ من طريقِ المدينةِ: ثلاثةُ أميالٍ عند بيوتِ السُّقيا. ومن اليَمَنِ: سبعةُ أميالٍ عندَ أضاةِ لِبنٍ. ومن العراقِ: سبعةُ أميالٍ على ثنِيَّةِ رِجْل، وهو جبل بالمُنْقَطَعِ. ومن الجِعْرَانةِ: تسعةُ أميالٍ في شِعْبٍ يُنسبُ إلى عبدِ اللهِ بنِ خالدِ بنِ أسيدٍ. ومن جُدَّةَ: عشرةُ أميالٍ عندَ مُنقطعِ الأعشاشِ. ومن الطائفِ: سبعةُ أميالٍ عندَ طرفِ عرفةَ.

стр. 684

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومن بطنِ عُرَنةَ: أحدَ عشرَ مِيلًا. تتمةٌ: يحرُمُ صيدُ حرمِ المدينةِ، ولا جزاءَ فيه. وكذا حشيشُها وشجرُها، إلا ما تدعو الحاجةُ إليه من شجرِها للرَّحلِ، والعارضةِ، والقائمةِ ونحوِها، كالوسادةِ، والمِسنَدِ. ومن حشيشِها للعلفِ. والمسندُ: عودُ البَكرَةِ. ومَنْ أدخلَها صيدًا، فله إمساكُهُ وذبحُهُ. وحدُّ حرَمِها: بَريدٌ في بريدٍ، وهو ما بين عَيْرٍ؛ جبلٌ مشهورٌ بها، إلى ثورٍ؛ جبلٍ صغيرٍ، لونُه إلى الحُمْرةِ، فيه تدويرٌ ليسَ بالمستطيلِ، خلفَ أُحدٍ من جهةِ الشمالِ. وما بين عيْرٍ إلى ثورٍ هو ما بين لابَتَيْها. واللَّابةُ: الحرَّةُ. وهي: أرضٌ تركبُها حجارةٌ سودٌ. وتُستحبّ المجاورةُ بمكَّةَ، وهي أفضلُ من المدينةِ. قال في "الفنون": الكعبةُ أفضلُ من مجرَّدِ الحجرةِ، فأمَّا والنبيُّ ﷺ فيها، فلا واللهِ، ولا العرشُ، وحملتُه، والجنةُ؛ لأنَّ بالحجرةِ جسدًا لو وُزِنَ به لرجحَ. انتهى (١).

стр. 685

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وتُضاعفُ الحسنةُ والسيئةُ (١) بمكانٍ وزمانٍ فاضلٍ.

стр. 686

بابُ أركانِ الحجِّ وواجبَاتِه أركانُ الحجِّ أربعةٌ: الأوَّل: الإحرامُ، وهو مجرَّدُ النيَّةِ، فمن تَرَكَه، لم ينعقِد حجُّه. الثاني: الوقوفُ بعَرفَة. (بابُ أركانِ الحجِّ وواجباتِه) فأمَّا (أركانُ الحجِّ أربعةٌ): (الأوَّلُ: الإحرامُ، وهو مجرَّدُ النيَّةِ): الدخولُ فيه، فلا يصحُّ بدونِه؛ لحديثِ: "إنَّما الأعمالُ بالنياتِ" (١). وكبقيَّةِ العباداتِ، لكن قياسُها أنَّه شرطٌ (فمَنْ تركَهُ) أي: الإحرامَ، (لم ينعقدْ حجُّه) وكُرِه إحرامٌ بحجِّ قبلَ أشهرِه، وهي -أشهرُ الحجِّ-: شوَّالٌ، وذو القَعْدةِ، وعشرٌ من ذي الحِجَّةِ. وينعقدُ في غيرِ أشهرِ الحجِّ. وكُرِهَ إحرامٌ بحج أو عمرةٍ قبلَ ميقاتٍ، وينعقدُ. (الثاني) من أركَانِ الحجِّ: (الوقوفُ بعرفةَ) وكلُّها موقفٌ؛ لقولِه ﵇: "قدْ وقفتُ هاهنا، وعرفةُ كلُّها موقفٌ" رواه أبو داود، وابن ماجه (٢). إلَّا بَطنَ عُرَنَةَ؛ لحديثِ: "كُلُّ عرفَةَ مَوقِفٌ (٣) وارفَعُوا عن بَطنِ عُرَنةَ". رواه ابنُ ماجه (٤). فلا

стр. 687

ووقته: مِنْ طُلُوعِ فجرِ يوم عَرفةَ إلى طُلُوعِ فَجرِ يومِ النَّحر. يُجزئُ وقوفُه فيه؛ لأنَّه ليسَ من عرفةَ. وهي (١): من الجبلِ المشرفِ على عرفةَ، إلى الجبالِ المقابلةِ له (٢)، إلى ما يلي حوائطَ بني عامرٍ (ووقتُه) أي: الوقوفِ بعرفةَ: (من طلوعِ فجرِ يومِ عرفةَ، إلى طلوعِ فجرِ يومِ النحرِ) لقولِ جابرٍ: لا يفوتُ الحجُّ حتى يطلُعَ الفجرُ من ليلةِ جمعٍ. قال أبو الزُّبيرِ: فقلتُ له: أقال رسولُ اللهِ ﷺ ذلك؟ قال: نعمْ (٣). وعن عُروةَ بنِ مُضرِّسٍ الطائيِّ، قال: أتيتُ النَّبِيَّ ﷺ بالمزدلفةِ حين خرجَ إلى الصَّلاةِ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي جئتُ من جبلَي طيئ، أكلَلْتُ راحلتي، وأتعبتُ نفسي، واللهِ ما تركتُ من جبلٍ إلا وقفتُ عليه، فهل لي من حجٍّ؟ فقال النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ شَهِدَ صلاتَنا هذه، ووقفَ معنا حتى ندفعَ، وقدْ وقفَ قبلَ ذلك بعرفةَ ليلًا أو نهارًا، فقدْ تمَّ حجُّهُ، وقضى تفثَهُ". رواه الخمسةُ (٤)، وصحَّحه الترمذيُّ، ولفظُه له. ورواه الحاكمُ وقال: صحيحٌ على شرطِ كافَّةِ أئمةِ الحديثِ. ولأنَّ ما قبلَ الزوالِ من يومِ عرفةَ، فكانَ وقتًا للوقوفِ، كما بعدَ الزوالِ. وتركُه ﵇ الوقوفَ فيه لا يمنعُ كونَة وقتًا له، كما بعدَ العشاءِ، وإنَّما وقفَ وقتَ الفضيلةِ

стр. 688

فمَنْ حصَلَ في هذَا الوَقتِ بعرفةَ لحظةً واحِدةً وهو أهلٌ، ولو مارًّا، أو نائِمًا، أو حائِضًا، أو جاهِلًا أنَّها عَرفةُ، صحَّ حجُّه، لا إنْ كانَ سَكرَانًا، أو مجنونًا، أو مغمًى عليه. ولو وقَفَ النَّاسُ كلُّهم، أو كُلُّهم إلَّا قليلًا، في اليومِ الثَّامن أو العاشرِ خطَأً، أجزأهُم. (فمَنْ حصَلَ في هذا الوقتِ) أي: وقتِ الوقوفِ (بعرفةَ) ولو (لحظةً واحدةً (١)، وهو) أي: الحاصِلُ بعرفةَ لحظةً (أهلٌ) للحجِّ؛ بأنْ كان مسلمًا محرِمًا به، عاقلًا، (ولو مارًّا) بعرفةَ، راجلًا أو راكبًا، (أو) مرَّ بها (نائمًا، أو حائضًا، أو جاهلًا أنَّها عرفةُ، صحَّ حجُّه) للخبرِ. وكما لو عَلِمَ بها (لا إنْ كانَ سكرانًا، أو مجنونًا، أو مغمًى عليه) ما لمْ يُفقْ بها (ولو وقفَ الناسُ كلُّهم) أي: كلّ الحجيجِ الثامنَ أو العاشرَ (أو كلُّهم إلا قليلًا، في اليومِ الثامنِ أو العاشرِ) من ذي الحجة (خطأً، أجزأَهم) نصًّا فيهما؛ لحديثِ الدارقطنيِّ (٢): عن عبدِ العزيزِ بن جابرِ بنِ أُسيدٍ مرفوعًا: "يومُ عرفةَ الذي يعرِّفُ الناس فيه". وله ولغيرِه، عن أبي هريرة مرفوعًا: "فِطرُكم يومَ تُفطِرونَ، وأضحاكم يومَ تُضَحُّونَ" (٣). ولأنَّه لا يُؤْمَنُ مثلُ ذلك فيما إذا قيلَ بالقضاءِ. وظاهرُه: سواءٌ أخطؤوا لغلطٍ في العددِ، أو الرؤيةِ، أو الاجتهادِ في الغَيْمِ. قال في "الفروع" (٤): وهو ظاهرُ كلامِ الإمامِ وغيرِه.

стр. 689

الثالِثُ: طوافُ الإفاضَةِ، وأوَّلُ وقتهِ: مِنْ نِصفِ ليلَةِ النَّحرِ لمَن وقفَ، وإلَّا فبعدَ الوُقُوفِ، ولا حدَّ لآخِرِه. وإنْ أخطأَ دونَ الأكثرِ، فاتَهم الحجُّ؛ لأنَّهم لمْ يقفوا في وقتِه، وأمَّا الأكثرُ، فقدْ أُلحِقَ بالكلِّ في مواضعَ، فكذا هنا على ظاهرِ "الانتصار" وغيرِه. وفي "المقنع": وإنْ أخطأ بعضُهم، فقدْ فاتَه الحجُّ. قال في "الإنصاف": هذا المذهبُ، وعليه الجمهورُ، ولمْ يخالفْه في "التنقيح"، وجزمَ به في "الإقناع". والوقوفُ مرَّتينِ، قال الشيخُ تقيُّ الدينِ: بدعةٌ، لمْ يفعلْه السلفُ. وفي "الفروع": يتوجَّه: وقوف مزَتينِ إنْ وقفَ بعضُهم لا سيَّما مَنْ رآه (١). (الثالث) من أركانِ الحجِّ: (طوافُ الإفاضةِ) (٢) لكلِّ من متمتِّعٍ، أو مفردٍ، أو قارنٍ (وأوَّلُ وقتِه) أي: طوافِ الإفاضةِ (٣): (من نصفِ ليلةِ النحرِ لمَنْ وقفَ) بعرفةَ قبلُ (وإلا) يكنْ وقفَ (فـ) وقتُه (بعدَ الوقوفِ) بعرفةَ، فلا يُعتدُّ به قبلَهُ (ولا حدَّ لآخِرِه) أي: طوافِ الإفاضةِ؛ لأنَّه لا آخِرَ لوقتِه. ولا شيءَ في تأخيرِه. وفعلُه يومَ النَّحرِ أفضلُ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ: أفاضَ رسولُ اللهِ ﷺ يومَ النَّحرِ. متفقٌ عليه (٤). وسُمِّيَ طوافَ الإفاضةِ؛ لأنَّه يأتي به عندَ إفاضتِه من منًى إلى مكَّةَ المشرفةِ. قولُه: وفعلُه يومَ النَّحرِ أفضلُ. ظاهرُه: أنَّه أفضلُ حتى من الطوافِ بعد نصفِ ليلةِ النحرِ في الليلِ.

стр. 690

الرابِعُ: السَّعيُ بينَ الصَّفا والمَروَةِ. وواجِباتُهُ سَبْعة: الإحرامُ من المِيقاتِ، والوقوفُ إلى الغروبِ لِمَنْ وقَفَ نهارًا، وإنْ أخَّرَهُ عن أيامِ منًى، جازَ؛ لأنَّه لا آخِرَ لوقتِه، ولا شيءَ فيه إنْ أخَّرَهُ. (الرابعُ) من أركانِ الحجِّ: (السَّعي بينَ الصفا والمرْوةِ) لحديث عائشةَ قالتْ: طافَ رسولُ اللهِ ﷺ ، وطافَ المسلمون -يعني: بين الصفا والمرْوةِ- فكانتْ سُنَّةً، فلعمري! ما أتمَّ اللهُ حجَّ مَنْ لمْ يطُفْ بينَ الصف والمرْوةَ. رواه مسلمٌ (١). ولحديث: "اسعَوْا فإنَّ اللهَ كتبَ عليكم السَّعْيَ". رواه ابنُ ماجه (٢). (وواجباتُه) أي: الحجِّ (سبعةٌ): الأوَّلُ: (الإحرامُ من الميقاتِ) لما تقدَّمَ. (و) الثاني من الواجبات: (الوقوفُ إلى الغروبِ) أي: غروبِ الشمسِ من يومِ عرفةَ، ولو غلبَهُ نومٌ بعرفةَ (لمَنْ وقفَ) بعرفةَ (نهارًا) فمَنْ وقفَ بعرفةَ نهارًا، ودفعَ منها قبلَ الغروبِ ولمْ يعدْ إليها قبلَهُ، ويستمرُ بها إليه، فعليه دمٌ؛ لأنَّه تركَ واجبًا، فإنْ عادَ إليها واستمرَّ للغروبِ، أو عادَ بعدَه قبلَ الفجرِ، فلا دمَ؛ لأنَّه أتى بالواجبِ، وهو الوقوفُ بالليلِ والنهارِ. ومَنْ وقفَ ليلًا فقط، فلا دمَ عليه. قال في "شرح المقنع": لا نعلمُ فيه خلافًا (٣)، لقولِ النبيِّ ﷺ : "مَنْ أدركَ عرفاتٍ بليلٍ، فقدْ أدركَ الحجَّ" (٤).

стр. 691

والمبيتُ ليلةَ النَّحرِ بمُزدَلِفَةَ إلى بعدَ نِصفِ اللَّيل، والمبيتُ بمِنًى فِي ليالي التَّشرِيقِ، ورَميُ الجِمَارِ مُرتبًا، والحَلقُ أو التَّقصيرُ، وطوافُ الودَاعِ. وأركانُ العُمرَةِ ثلاثة: الإحرامُ، والطَّوافُ، والسَّعيُ. (و) الثالثُ من واجباتِ الحجِّ: (المبيتُ ليلةَ النحرِ بمزدلِفةَ، إلى بعدَ نصفِ اللَّيلِ) إن وافاها قبلَه، فإنْ دفعَ قبلَ نصفِ الليلِ، ففيه دمٌ. (و) الرابعُ من واجباتِ الحجِّ: (المبيتُ بمنًى في ليالي التشريقِ) لفعلِه ﵇، وأمرِه به. (و) الخامسُ من واجباتِ الحجِّ: (رمي الجمارِ مرتَّبًا) واحدةً بعدَ واحدةٍ، فلو رمَى دفعةً واحدةً، فواحدةٌ. ولا يُجزئُ الوضعُ. يرفعُ يدَه اليمنى حالَ الرمي حتى يُرى بياضُ إبطِه. ولا يُجزئُ الرميُ بغيرِها، كجوهرٍ، وذهبٍ، ومعادنَ. ولا يُجزئُ الرميُ بها ثانيًا؛ لأنَّها استُعملتْ في عبادةٍ، فلا تستعملُ ثانيًا، كماءِ الوضوءِ. ولا يقفُ عندَ جمرةِ العقبةِ بعدَ رميها؛ لضيقِ المكانِ. ونُدِبَ أنْ يستبطنَ الواديَ، وأنْ يستقبلَ القبلةَ، وأنْ يرميَ على جانبِه الأيمنِ. وإنْ وقعتْ الحصاةُ خارجَ المرمى، ثمَّ تدحرجتْ فيه، أجزأتْ. ويرمي بعد طلوعِ الشمسِ ندْبًا. ويُجزئُ رميُها بعدَ نصفِ الليلِ من ليلةِ النحرِ (١).

стр. 692

وواجبها شَيئَان: الإحرامُ بها مِنَ الحِلِّ، والحَلقُ (و) السادسُ من واجباتِ الحجِّ: (الحلقُ والتقصيرُ) (و) السابعُ من واجباتِ الحجِّ: (طوافُ الوداعِ) وهو الصَّدَرُ بفتحِ الدَّالِ المهملةِ. وقدَّمَ الزركشيُّ، وتبِعَهُ في "الإقناع": أنَّ طوافَ الصَّدَرِ، هو طوافُ الزيارةِ. قال في "الترغيب" و"التلخيص": لا يجبُ على غيرِ الحاجِّ. قال الآجريُّ: ويطوفُهُ مَنْ أرادَ الخروجَ من مكَّةَ أو منًى (١). قال في "المستوعب": ومتى أرادَ الحاجُّ الخروجَ من مكةَ، لم يخرجْ حتى يودِّعَ. قالَهُ في "الإنصاف" (٢). (وأركانُ العمرةِ ثلاثة): الأوَّلُ من أركانِ العمرةِ: (الإحرامُ) بها؛ لما تقدَّمَ في الحجِّ. (و) الثاني: (الطوافُ) (٣) (و) الثالثُ: (السعيُ) (٤) كالحجِّ؛ لأنَّ كلًّا منهما نسكٌ في الحجِّ والعمرةِ، فكان ركنًا فيهما. (وواجبُها) أي: العمرةِ (شيئانِ): الأوَّلُ: (الإحرامُ بها من الحلِّ) والأفضلُ: من التنعيمِ، فالجِعْرانَةُ تليه، فالحديبيةُ، فما بَعُدَ. وحَرُمَ من الحرَمِ، ويَنعقدُ، وعليه دمٌ.

стр. 693

أو التَّقصيرُ. والمَسنُونُ: كالمَبيتِ بمنًى ليلةَ عَرفَةَ، وطوافِ القُدُومِ، والرَّمَلِ في الثَّلاثةِ أشواطٍ الأُولِ مِنهُ، والاضطِبَاعِ فيهِ، (و) الثاني: (الحلقُ أو التقصيرُ) (١) كالحجِّ. (والمسنونُ) من أفعالِ الحجِّ وأقوالِه: (كالمبيتِ بمنًى ليلةَ عرفةَ، وطوافِ القدومِ، والرَّمَلِ) وصفتُه: وهو أن يسرِعَ المشيَ، ويقاربَ الخُطَى. ويكونُ الرَّمَلُ بمشي ثلاثةِ أشواطٍ، وإليه أشارَ بقولِه: (في الثلاثةِ أشواطٍ) ثمَّ يمشي أربعةَ أشواطٍ من غيرِ رَمَلٍ؛ وذلك لأنَّ النبيَّ ﷺ رَمَلَ ثلاثةَ أشواطٍ، ومشى أربعًا. رُوي ذلك عن جابرٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، وأحاديثُهم متفقٌ عليها (٢). فإنْ قيلَ: إنَّما رَملَ النبيُّ ﷺ وأصحابُه، لإظهارِ الجَلَدِ للمشركين، ولمْ يبقَ ذلك المعنى؛ إذْ نفى اللهُ المشركين، فلِمَ قلتمْ: إنَّ الحكمَ يبقَى بعدَ زوالِ علَّتِه؟ قلنا: قدْ رَمَلَ النبيُّ ﷺ وأصحابُه، واضطبعَ، في حَجَّةِ الوداع بعدَ الفتح، فثبتَ أنَّها سنةٌ ثابتةٌ (٣) (والاضطِبَاعِ فيه) أي: في كلِّ أسبوعِه. وصفةُ الاضطِباعِ: أنْ يجعلَ وسطَ

стр. 694

وتجرُّدِ الرَّجُلِ من المَخيطِ عندَ الإحرامِ، ولُبْسِ إزارٍ ورداءٍ أبيضينِ نظيفَينِ، ردائِه تحتَ عاتقِه الأيمنِ، وطرفيْهِ على عاتقِه الأيسرِ. مأخوذٌ من الضَّبْعِ، وهو عَضُدُ الإنسانِ، افتعالٌ منه، وكان أصلُه: اضتَبَعَ بالتاء، فقلبوا التاءَ طاءً؛ لأنَّ التاءَ متى وقعتْ بعدَ صادٍ أو ضاد (١) أو طاءٍ ساكنةٍ، قُلبت طاءً. والأصلُ في استحبابِ الاضطِبَاعِ في طوافِ العمرةِ للمتمتِّعِ، وفي طوافِ القدومِ للمفردِ والقارنِ: ما روى أبو داودَ، وابنُ ماجه (٢)، عن يعلى بنِ أميَّةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ طافَ مُضْطبِعًا. وروَيا (٣) عن ابنِ عباسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ وأصحابَه اعتمروا من الجِعْرَانةِ، فرمَلوا بالبيتِ، وجعَلوا أرديتَهم تحتَ آباطِهم، ثمَّ قَذَفوها على عواتقِهم اليُسرَى (٤). فإذا فرَغَ من الطوافِ أزالَ الاضطِبَاع. (وتجردِّ الرَّجلِ من المخيطِ عندَ الإحرامِ) وهو كلُّ ما يُخاطُ على قدرِ الملبوسِ، كالقميصِ، والسراويلِ. (و) سُنَّ (لُبسُ إزارٍ ورداءٍ أبيضيْنِ نظيفيْنِ) جديدَيْن أو خَلِقَيْنِ (٥)، ونَعْلَيْنِ؛ لقولِه ﵇: "وليحرمْ أحدُكم في إزارٍ، ورداءٍ، ونَعْلَيْنِ". رواه أحمدُ (٦). والمرادُ بالنعلَيْنِ: التَّاسُومَةُ. ولا يجوزُ له لُبْسُ السرموزةِ (٧) والجمجمِ (٨).

стр. 695

والتَّلبيةِ من حِينِ الإحرامِ إلى أوَّلِ الرَّميِ. قالَهُ في "الفروع" (١). (و) سُنَّ (التلبيةُ من حينِ الإحرامِ) لقولِ جابرٍ: فأهلَّ رسولُ اللهِ ﷺ بالتوحيدِ: لبيكَ اللهمَّ لبَّيكَ، لبَّيكَ (٢) لا شريكَ لك لبَّيكَ، إنَّ الحمدَ والنعمةَ لك والملكَ، لا شريكَ لك. الحديثُ متفقٌ عليه (٣). حتى عن أخرسَ ومريضٍ. زادَ بعضُهم: ومجنونٍ ومغمًى عليه. زاد بعضُهم: ونائمٍ. والتلبية: من ألبَّ بالمكانِ، إذا لزِمَه، كأنَّه قالَ: أنا مقيمٌ على طاعتِكَ وأمرِكَ. وثُنِّيتْ وكُرِّرتْ؛ لإرادةِ إقامةٍ بعدَ إقامةٍ. ولفظُ "لبَّيكَ" مثنى، ولا واحدَ له من لفظِه، ومعناه: التكثيرُ. ولا تُستحبُّ الزيادةُ عليها. وكان ابنُ عمرَ يزيدُ: لبَّيكَ لبَّيكَ، لبيك وسعديْكَ، والخيرُ بيدَيْكَ، والرغبةُ إليك، والعملُ. وسُنَّ ذكرُ نُسُكِه في التلبيةِ. وسُنَّ إكثارُ التلبيةِ، والجهرُ بها. وتُشرعُ التلبيةُ بالعربيةِ لقادرٍ عليها، فإنْ لمْ يقدرْ بالعربيةِ فيلبِّي بلغتِه. وسُنَّ دعاءٌ بعدَها. وسُنَّ صلاةٌ على النبيِّ ﷺ بعدَها، ولا يرفعُ بذلك صوتَه. وكُرِه لأنثى جهرٌ بها بأكثرَ ما تُسمِعُ رفيقَتَها، لكن يعتبرُ أنْ تُسمِعَ نفسَها. ولا يُكرَهُ لحلالٍ تلبيةٌ (إلى أوَّلِ الرَّمي) أي: وتنقطعُ التلبيةُ بأوَّلِ الرمي؛ لحديثِ الفضلِ بنِ عباسٍ

стр. 696

فمن تَركَ رُكنًا، لم يَتِمَّ حجُّه إلا بِهِ، ومَنْ تَركَ واجِبًا، فعليهِ دَمٌ، وحجُّه صَحيحٌ، ومَنْ تَركَ مسنونًا، فلا شَيءَ عليهِ. مرفوعًا: لمْ يزلْ يلبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ (١). متفقٌ عليه (٢). وفي بعضِ ألفاظِه: حتى إذا (٣) رمى جمرةَ العقبةِ، قطعَ عند أوَّلِ حصاةٍ (٤). رواه حنبلٌ في "المناسك". (فمَنْ تركَ ركنًا) غيرَ الإحرامِ (لمْ يتمَّ حجُّهُ إلَّا به) أي: بالإتيانِ بالرّكنِ بنيَّةٍ. (ومَنْ تركَ واجبًا) عمدًا، أو سهوًا، أو جهلًا، أو لعذرِ (فعليه دمٌ) بتركِه (وحجُّه صحيحٌ) إنْ لمْ يمكنْه الإتيانُ به. فإنْ تحلَّلَ أو فاتَ محلَّه وإلا لزِمَه الإتيانُ به، ولمْ يلزمْه شيءٌ. (ومَنْ تركَ مسنونًا، فلا شيء عليه) قال في "الفروع" (٥): ومَنْ تركَ سنةً، فهدرٌ. قال في "الفصول" وغيرُه: ولمْ يُشرعِ الدمُ عنها. فوائدُ: كُرِهَ تسميةُ مَنْ لمْ يحجَّ صَرُورةً؛ لأنَّه اسمٌ جاهليٌ. قال الأزهريُّ: الصرورةُ: الذي لم يحجَّ؛ سُمِّيَ بذلك لصرِّه على نفقتِه. وفي الحديثِ: "لا صرورةَ في الإسلامِ" (٦). وقولُ: حجَّةُ الوداعِ؛ لأنَّه اسمٌ على أن لا يعودَ.

стр. 697

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقولُ: شَوطٌ. بل طَوفةٌ وطوفَتانِ. والمرَّاتُ: طوفات (١)، والمجموعُ: طوافٌ. وقع خُلْفٌ: هل الأفضلُ الحجُّ راكبًا (٢) أم ماشيًا؟ قال العلَّامةُ عمُّ والدي، الشيخُ مرعي (٣) في "غاية المنتهى" (٤). ويتجه: الحجُّ (٥) من مكَّةَ ماشيًا أفضلُ. وللبعيدِ راكبًا؛ لحديثِ: "مَنْ حجَّ من مكَّة ماشيًا حتى يرجعَ إلى مكَّةَ، كتبَ اللهُ له بكلِّ خطوةٍ سبعمائةِ حسنةٍ من حسناتِ الحَرَمِ" (٦).

стр. 698

فَصْلٌ وشُروطُ صِحَّةِ الطَّوافِ أحَدَ عَشَرَ: النيَّةُ، والإسلامُ، والعَقلُ، ودخولُ وقتِه، وسَتُر العَورَةِ، واجتنابُ النَّجاسَةِ، والطَّهارةُ من الحَدَثِ، وتَكمِيلُ السَّبْعِ، (فصلٌ) (وشروطُ صحةِ الطوافِ أحدَ عشَرَ): أحدُها: (النيةُ) (و) الثاني: (الإسلامُ) (و) الثالثُ: (العقلُ) (و) الرابعُ: (دخولُ وقتِه) أي: وقتِ الطوافِ. والمرادُ به: طوافُ الإفاضةِ، وتقدَّمَ وقتُه. (و) الخامسُ: (سترُ العورةِ) لحديثِ أبي هريرةَ: أنَّ أبا بكرٍ بعثَه -في الحجَّةِ التي أمَّرَ أبا بكرٍ عليها رسولُ اللهِ ﷺ قبلَ حجَّةِ الوداعِ- يومَ النحرِ يؤذِّنُ: "لا يحجُّ بعدَ العامِ مشركٌ، ولا يطوفُ بالبيتِ عُريانٌ". متفقٌ عليه (١). (و) السادسُ: (اجتنابُ النجاسةِ). (و) السابعُ: (الطهارةُ من (٢) الحدثِ) أكبرَ أو أصغرَ. (و) الثامنُ: (تكميلُ السَّبْعِ) فلا يصحُّ إنْ نقصَ عن السبعِ ولو يسيرًا، فلا

стр. 699

وجَعلُ البيتِ عن يسارِه، وكَونُه ماشِيًا مع القُدرةِ، والمُوالاة، يجزئُه. وقدْ طافَ النبي ﷺ من وراءِ الحِجرِ والشاذَرْوانِ، مِن الحَجرِ الأسودِ إلى الحَجرِ الأسودِ (١) (و) التاسعُ: (جعلُ البيتِ عن يسارِه) لأنَّه ﵇ طافَ كذلك وقال: "خذوا عنِّي مناسِكَكم" (٢). وليقَرِّبْ (٣) جانبَهُ الأيسرَ من البيتِ. فأوَّلُ ركنٍ يمرُّ به يُسمَّى الشاميَّ، وهو جهةُ الشامِ، ثمَّ الغربيَّ، وهو جهةُ المغربِ، ثمَّ اليمانيَّ جهةُ اليمنِ. (و) العاشرُ: (كونُه ماشيًا مع القدرةِ) أمَّا مع العجزِ فيصحُّ راكبًا أو محمولًا؛ لأنَّ ركوبَه وحملَه لعذرٍ. لحديثِ: "الطوافُ بالبيتِ صلاةٌ" (٤). ولأنَّه عبادةٌ تتعلَّقُ بالبيتِ، فلم يجزْ فعلُها راكبًا أو محمولًا لغيرِ عذرٍ، كالصَّلاةِ. وإنَّما طافَ النبيُّ ﷺ راكبًا لعذرٍ، فإنَّ ابنَ عباسٍ روى أنَّ النبيَّ ﷺ كثُرَ عليه الناسُ، يقولون: هذا محمدٌ، هذا محمدٌ، حتى خرجَ العواتقُ من البيوتِ، وكان ﷺ لا تُضربُ الناسُ بين يديه، فلمَّا كَثُروا، ركِبَ. رواه مسلمٌ (٥). (و) الحادي عشرَ: (الموالاةُ) فيه، كالصَّلاةِ؛ ولأنَّه ﵇ والَى طوافَهُ، وقال: "خذوا عنِّي مناسِكَكم" (٦).

стр. 700

فيستأنِفُه لِحَدَثٍ فيه، وكذَا لقَطعٍ طَويلٍ. وإن كانَ يَسيرًا، أو أُقيمَتِ الصَّلاةُ، أو حَضَرَت جَنازَةٌ، صلَّى، وبَنَى من الحَجَرِ الأسوَدِ. وسُنَنُه: استلامُ الرّكنِ اليَمانيِّ بيدِه اليُمنَى، وكذا الحَجَرِ الأسوَدِ، وتَقبيلُهُ، (فيستأنفُه) أي: يبتدئُ الطوافَ (لحدَثٍ فيه) تعمَّده، أو سَبَقَه، بعدَ أن يتطهَّرَ، كالصَّلاةِ. (وكذا) يستأنفُه (لقطعٍ طويلٍ) أي: يبتدئُ لقطعٍ طويلٍ عُرْفًا؛ لأنَّ الموالاةَ شرطٌ فيه، كالصَّلاةِ (وإنْ كان يسيرًا، أو أقيمتِ الصَّلاةُ) وهو في الطوافَ، (أو حضرتْ جنازةٌ) وهو فيه، (صلَّى، وبنَى) على ما سبقَ من طوافِه؛ لحديثِ: "إذا أقيمتِ الصَّلاةُ فلا صلاةَ إلا المكتوبةُ" (١). ولأنَّ الجنازةَ تفوتُ بالتشاغلِ. ويبتدئُ الشوطَ (من الحَجرِ الأسودِ) فلا يعتدّ ببعضِ شوطٍ قُطِعَ فيه. قالَهُ أحمدُ. (وسنَنُهُ) أي: الطوافِ: (استلامُ الرُكنِ اليمانيِّ بيدِه اليمنى، وكذا الحَجَرِ الأسودِ، وتقبيلُه) لحديثِ ابنِ عمرَ: كان رسولُ الله ﷺ لا يدَعُ -أي: لا يتركُ- أن يَستَلِمَ (٢) الركنَ اليمانيَّ والحجرَ في طوافِه. قال نافعٌ: وكان ابنُ عمرَ يفعلُه. رواه أبو داودَ (٣). لكن لا يُقبِّلُ إلَّا الحجرَ الأسودَ.

стр. 701

والدُّعاءُ، والذِّكْرُ، والدُّنُوُّ مِنْ البَيتِ، (والدُّعاءُ) بما أحبَّ؛ لحديثِ أحمدَ (١) في "المناسك" عن عبدِ اللهِ بنِ السائبِ: أنَّه سمِعَ النبيَّ ﷺ يقولُ ما بين الركنين (٢): "ربَّنا آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وقِنا عذابَ النَّارِ". وعن أبي هريرةَ مرفوعًا: "وُكِّلَ به -يعني الركنَ اليمانيَّ- سبعونَ ألفَ ملَكٍ، فمَنْ قال: "اللهمَّ إنِّي أسألُكَ العفوَ والعافيةَ في الدنيا والآخرةِ، ربَّنا آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وقِنا عذابَ النَّارِ، قالوا: آمين" (٣). ويقولُ في بقيَّةِ طوافِه: اللهمَّ اجعلْهُ حجًّا مبرورًا، وسعْيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا. ربِّ اغفرْ وارْحمْ، واهدني السَّبيلَ الأقْوَمَ، وتجاوزْ عمَّا تعلمُ، وأنتَ الأعزُّ الأكرمُ. وكان عبدُ الرحمنِ بن عوفٍ يقولُ: ربِّ قِني شُحَّ نفسي (٤). (والذكرُ) (٥) ويصلِّي على النبيِّ ﷺ ، ويدَعُ الحديثَ، إلا ذِكْرًا أو قراءةً، أو أمرًا بمعروفٍ، أو نهيًا عن منكرٍ، وما لابدَّ منه، لحديثِ: "الطوافُ بالبيتِ صلاةٌ، فمَنْ تكلَّمَ فلا يتكلَّمُ إلا بخيرٍ" (٦). وتُسنُّ القراءةُ فيه، نصًّا؛ لأنَّها أفضلُ الذِّكرِ، لا الجهَرُ بها. قالَه الشيخ تقي الدين. وقال أيضًا: جِنسُ القِراءَةِ أفضَلُ مِن الطَّوافِ (٧). (والدَّنُوُّ) أي: القُربُ (من البيتِ)

стр. 702

والركعتانِ بعدَه. (والركعتانِ بعدَه) والأفضلُ كونُهما خلفَ المقامِ، أي: مقامِ إبراهيمَ؛ لحديثِ جابرٍ في صفةِ حجِّهِ ﵇ وفيه: ثمَّ تقدَّمَ إلى مقامِ إبراهيمَ، فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البَقَرَة: ١٢٥] فجعلَ المقامَ بينه وبين البيتِ، فصلَّى ركعتينِ .. الحديثُ. رواه مسلمٌ (١). ولا يُشرَعُ تقبيلُه، ولا مسحُه، فسائرُ المقاماتِ أوْلى. وكذا صخرةُ بيتِ المقدسِ. وتُجزِئُ مكتوبةٌ عنهما. ويُسنُّ عَوْدُه بعد الصَّلاةِ إلى الحَجَرِ الأسودِ، فيستلِمُه نصًّا، لفعلِه ﵇. ذكرَهُ جابرٌ في صفةِ حجِّه ﷺ . الاستلامُ: افتعالٌ من السَّلامِ، وهي التحيةُ. وقيلَ: من السِّلامِ وهي الحجارةُ، واحدُها: سلِمة، بكسرِ اللَّامِ. وقيلَ: من المسالمةِ، كأنَّه فعلَ ما يفعلُه المسالمُ. ولهذا يُسمِّي أهلُ اليمنِ الحجرَ الأسودَ: المُحيَّا (٢). ويُستحبُّ استقبالُ الحجرِ بوجهه، على الصحيحِ من المذهبِ. وفي الحديثِ: "نزلَ الحَجَرُ الأسودُ من الجنةِ أشدُ بياضًا من اللبنِ، فسوَّدَتْه خطايا بني آدمَ" (٣). صحَّحَه الترمذيُّ.

стр. 703

فَصْلٌ وشُرُوطُ صِحَّةِ السَّعي ثمانيةٌ: النَّيةُ، والإسلامُ، والعَقَلُ، والمُوالاةُ، والمَشيُ معَ القُدَرةِ، وكونُه بعدَ طوافٍ ولو مَسنُونًا كطوافِ القُدُومِ، وتَكميلُ السَّبْعِ، (فصلٌ) (وشروط صحَّةِ السعي ثمانيةُ): الأوَّلُ: (النيةُ) لحديثِ: "إنَّما الأعمالُ بالنياتِ". (و) الثاني: (الإسلامُ) (و) الثالثُ: (العقلُ). (و) الرابعُ: (الموالاةُ) على الأصحِّ؛ قياسًا على الطوافِ. قالَهُ القاضي. (و) الخامسُ: (المشيُ مع القدرةِ) أمَّا مع العجزِ، فيصحُّ راكبًا ومحمولًا للطوافِ. ذكرَهُ الخِرقيُّ والقاضي وغيرُهما. وذكرَ الموفَّق إجزاءَ السعيِ راكبًا لغيرِ عذرٍ (و) السادسُ: (كونُه بعد طوافِ) نسكٍ (ولو مسنونًا، كطوافِ القُدومِ) لأنَّه ﵇ سعَى بعدَ الطوافِ. وقال: " لِتأخذُوا عنِّي مناسِكَكُمْ" (١). فلو سعَى بعدَ طوافِه، ثمَّ عَلِمَه بلا طهارةٍ، أعادَ السعيَ. ولا يُسنُّ بعدَ كلِّ طوافٍ (و) السابعُ: (تكميلُ السَّبْعِ) أي: يفعلُه سبْعًا، ذهابُهُ سعْيَةٌ، ورجوعُهُ سعْيَةٌ، يفتتحُ بالصفا، ويختمُ بالمروةِ؛ للخبرِ. فإنْ بدأ بالمروةِ لم يحتسبْ بذلك الشَّوْطِ. ويُكثرُ من الدُّعاءِ والذكرِ فيما بين ذلك. قال أحمدُ: كان ابنُ مسعودٍ إذا سعَى بين

стр. 704

واستيعابُ ما بينَ الصَّفا والمرَوةِ. وإن بَدأَ بالمَروَةِ، لم يَعَتدَّ بذلكَ الشَّوطِ. وسُنَنُه: الطَّهارَةُ، وسترُ العَورَةِ، والموالاةُ بينَه وبينَ الطَّوافِ. الصفا والمروةِ قال: ربِّ اغفرْ وارحمْ، واعفُ عمَّا تعلَّمُ، وأنتَ الأعزُّ الأكرمُ (١). وقال ﵇: "إنَّما جُعِلَ رميُ الجمارِ، والسعيُ بين الصفا والمروةِ؛ لإقامةِ ذكرِ اللهِ " (٢). قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. (و) الثامنُ: (واستيعابُ ما بين الصفا والمروةِ. وإنْ بدأ بالمروةِ لم يَعتدَّ بذلك (٣) الشوطِ) فلا يحتسبُه، ويختمُ بالمروةِ. استيعابُ ما بينَهُما في كلِّ مرةٍ، فيُلصقُ عقِبَه بأصلِهما، إنْ لمْ يرقَهما، فإنْ تركَ ممَّا بينهما شيئًا، ولو دونَ ذراعٍ، لم يصحَّ سعْيُه. (وسنُنُه) أي: السعيِ: (الطهارةُ) من حدَثٍ وخبثٍ (وسترُ العورةِ)، فلو سعَى عُريانًا، أو مُحدِثًا، أجزأَه، لكنْ سترُ العورةِ واجبٌ مطلقًا. (والموالاةُ بينه وبين الطَّوافِ) بأنْ لا يُفرِّقَ بينهما طويلًا. ولا يُسنُّ فيه اضطِبَاعٌ، نصًّا. والمرأةُ لا تَرْقَى الصفا (٤) ولا المروةَ، ولا تسعَى سعيًا شديدًا.

стр. 705

وسُنَّ أن يَشرَبَ من ماءِ زَمزَمَ لِمَا أحبَّ، ويَرُشَّ على بدنهِ وثوبهِ وتُسنُّ مبادرةُ معتمرٍ بذلك. ويدعو بما أحبَّ. قال الإمام: يدعو بدعاءِ ابنِ عمرَ (١)، وهو: اللهمَّ اعصمْنِي بدينِكَ وطواعِيَتِكَ وطواعيةِ رسولِك، اللهمَّ جنبْني حدودَك، اللهمَّ اجعلْني ممَّنْ يحبُّكَ ويحبُّ ملائكتَكَ وأنبياءَكَ ورُسُلَكَ وعبادَكَ الصالحين، اللهمَّ حبِّبني إليكَ، وإلى مَلائِكَتِك، وإلى رُسُلِكَ، وإلى عِبادِك الصالحين (٢)، اللهمَّ يسرْ ليَ اليُسرى، وجنبْني العُسرَى، واغفرْ لي في الآخرةِ والأُولى، واجعلْني من أئمةِ المتقين، واجعلْني من ورثةِ جنَّةِ النَّعيمِ، واغفرْ لي خطيئتي يومَ الدينِ، اللهمَّ قلتَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غَافر: ٦٠] وإنَّكَ لا تُخلفُ الميعادَ، اللهمَّ إذْ هديتني للإسلامِ، فلا تنزِعهُ منِّي، ولا تنزعني منه، حتى تتوفَّاني على الإسلام، اللهمَّ لا تقدمني للعذابِ، ولا تؤخرْني لسوءِ الفتنِ. قال في "الإقناع" (٣): ويُكثرُ من الدُّعاءِ والذكرِ، ومنه: ربٍّ اغفرْ وارحمْ، واعفُ عمَّا تعلمُ، وأنتَ الأعزُّ الأكرمُ. (وسُنَّ أنْ يشربَ من ماءِ زمزمَ لما أحبَّ، ويرشُّ على بدنِه وثوبِه) لحديثِ محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بكرٍ، قال: كنتُ جالسًا عندَ ابنِ عباسٍ، فجاءَه رجلٌ، فقال: من أين جئْتَ؟ قال: من زمزمَ. قال: فشرِبتَ منها كما ينبغي؟ قال: فكيفَ؟ قال: إذا شرِبتَ منها، فاستقبلِ الكعبةَ، واذكرِ اسمَ اللهِ، وتنفَّسْ ثلاثًا من
следующие страницы →