← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 803

شرح دليل الطالب - عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

Полный текст (1 686 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

والدُّعاءُ، والذِّكْرُ، والدُّنُوُّ مِنْ البَيتِ، (والدُّعاءُ) بما أحبَّ؛ لحديثِ أحمدَ (١) في "المناسك" عن عبدِ اللهِ بنِ السائبِ: أنَّه سمِعَ النبيَّ ﷺ يقولُ ما بين الركنين (٢): "ربَّنا آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وقِنا عذابَ النَّارِ". وعن أبي هريرةَ مرفوعًا: "وُكِّلَ به -يعني الركنَ اليمانيَّ- سبعونَ ألفَ ملَكٍ، فمَنْ قال: "اللهمَّ إنِّي أسألُكَ العفوَ والعافيةَ في الدنيا والآخرةِ، ربَّنا آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وقِنا عذابَ النَّارِ، قالوا: آمين" (٣). ويقولُ في بقيَّةِ طوافِه: اللهمَّ اجعلْهُ حجًّا مبرورًا، وسعْيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا. ربِّ اغفرْ وارْحمْ، واهدني السَّبيلَ الأقْوَمَ، وتجاوزْ عمَّا تعلمُ، وأنتَ الأعزُّ الأكرمُ. وكان عبدُ الرحمنِ بن عوفٍ يقولُ: ربِّ قِني شُحَّ نفسي (٤). (والذكرُ) (٥) ويصلِّي على النبيِّ ﷺ ، ويدَعُ الحديثَ، إلا ذِكْرًا أو قراءةً، أو أمرًا بمعروفٍ، أو نهيًا عن منكرٍ، وما لابدَّ منه، لحديثِ: "الطوافُ بالبيتِ صلاةٌ، فمَنْ تكلَّمَ فلا يتكلَّمُ إلا بخيرٍ" (٦). وتُسنُّ القراءةُ فيه، نصًّا؛ لأنَّها أفضلُ الذِّكرِ، لا الجهَرُ بها. قالَه الشيخ تقي الدين. وقال أيضًا: جِنسُ القِراءَةِ أفضَلُ مِن الطَّوافِ (٧). (والدَّنُوُّ) أي: القُربُ (من البيتِ)

стр. 702

والركعتانِ بعدَه. (والركعتانِ بعدَه) والأفضلُ كونُهما خلفَ المقامِ، أي: مقامِ إبراهيمَ؛ لحديثِ جابرٍ في صفةِ حجِّهِ ﵇ وفيه: ثمَّ تقدَّمَ إلى مقامِ إبراهيمَ، فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البَقَرَة: ١٢٥] فجعلَ المقامَ بينه وبين البيتِ، فصلَّى ركعتينِ .. الحديثُ. رواه مسلمٌ (١). ولا يُشرَعُ تقبيلُه، ولا مسحُه، فسائرُ المقاماتِ أوْلى. وكذا صخرةُ بيتِ المقدسِ. وتُجزِئُ مكتوبةٌ عنهما. ويُسنُّ عَوْدُه بعد الصَّلاةِ إلى الحَجَرِ الأسودِ، فيستلِمُه نصًّا، لفعلِه ﵇. ذكرَهُ جابرٌ في صفةِ حجِّه ﷺ . الاستلامُ: افتعالٌ من السَّلامِ، وهي التحيةُ. وقيلَ: من السِّلامِ وهي الحجارةُ، واحدُها: سلِمة، بكسرِ اللَّامِ. وقيلَ: من المسالمةِ، كأنَّه فعلَ ما يفعلُه المسالمُ. ولهذا يُسمِّي أهلُ اليمنِ الحجرَ الأسودَ: المُحيَّا (٢). ويُستحبُّ استقبالُ الحجرِ بوجهه، على الصحيحِ من المذهبِ. وفي الحديثِ: "نزلَ الحَجَرُ الأسودُ من الجنةِ أشدُ بياضًا من اللبنِ، فسوَّدَتْه خطايا بني آدمَ" (٣). صحَّحَه الترمذيُّ.

стр. 703

فَصْلٌ وشُرُوطُ صِحَّةِ السَّعي ثمانيةٌ: النَّيةُ، والإسلامُ، والعَقَلُ، والمُوالاةُ، والمَشيُ معَ القُدَرةِ، وكونُه بعدَ طوافٍ ولو مَسنُونًا كطوافِ القُدُومِ، وتَكميلُ السَّبْعِ، (فصلٌ) (وشروط صحَّةِ السعي ثمانيةُ): الأوَّلُ: (النيةُ) لحديثِ: "إنَّما الأعمالُ بالنياتِ". (و) الثاني: (الإسلامُ) (و) الثالثُ: (العقلُ). (و) الرابعُ: (الموالاةُ) على الأصحِّ؛ قياسًا على الطوافِ. قالَهُ القاضي. (و) الخامسُ: (المشيُ مع القدرةِ) أمَّا مع العجزِ، فيصحُّ راكبًا ومحمولًا للطوافِ. ذكرَهُ الخِرقيُّ والقاضي وغيرُهما. وذكرَ الموفَّق إجزاءَ السعيِ راكبًا لغيرِ عذرٍ (و) السادسُ: (كونُه بعد طوافِ) نسكٍ (ولو مسنونًا، كطوافِ القُدومِ) لأنَّه ﵇ سعَى بعدَ الطوافِ. وقال: " لِتأخذُوا عنِّي مناسِكَكُمْ" (١). فلو سعَى بعدَ طوافِه، ثمَّ عَلِمَه بلا طهارةٍ، أعادَ السعيَ. ولا يُسنُّ بعدَ كلِّ طوافٍ (و) السابعُ: (تكميلُ السَّبْعِ) أي: يفعلُه سبْعًا، ذهابُهُ سعْيَةٌ، ورجوعُهُ سعْيَةٌ، يفتتحُ بالصفا، ويختمُ بالمروةِ؛ للخبرِ. فإنْ بدأ بالمروةِ لم يحتسبْ بذلك الشَّوْطِ. ويُكثرُ من الدُّعاءِ والذكرِ فيما بين ذلك. قال أحمدُ: كان ابنُ مسعودٍ إذا سعَى بين

стр. 704

واستيعابُ ما بينَ الصَّفا والمرَوةِ. وإن بَدأَ بالمَروَةِ، لم يَعَتدَّ بذلكَ الشَّوطِ. وسُنَنُه: الطَّهارَةُ، وسترُ العَورَةِ، والموالاةُ بينَه وبينَ الطَّوافِ. الصفا والمروةِ قال: ربِّ اغفرْ وارحمْ، واعفُ عمَّا تعلَّمُ، وأنتَ الأعزُّ الأكرمُ (١). وقال ﵇: "إنَّما جُعِلَ رميُ الجمارِ، والسعيُ بين الصفا والمروةِ؛ لإقامةِ ذكرِ اللهِ " (٢). قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. (و) الثامنُ: (واستيعابُ ما بين الصفا والمروةِ. وإنْ بدأ بالمروةِ لم يَعتدَّ بذلك (٣) الشوطِ) فلا يحتسبُه، ويختمُ بالمروةِ. استيعابُ ما بينَهُما في كلِّ مرةٍ، فيُلصقُ عقِبَه بأصلِهما، إنْ لمْ يرقَهما، فإنْ تركَ ممَّا بينهما شيئًا، ولو دونَ ذراعٍ، لم يصحَّ سعْيُه. (وسنُنُه) أي: السعيِ: (الطهارةُ) من حدَثٍ وخبثٍ (وسترُ العورةِ)، فلو سعَى عُريانًا، أو مُحدِثًا، أجزأَه، لكنْ سترُ العورةِ واجبٌ مطلقًا. (والموالاةُ بينه وبين الطَّوافِ) بأنْ لا يُفرِّقَ بينهما طويلًا. ولا يُسنُّ فيه اضطِبَاعٌ، نصًّا. والمرأةُ لا تَرْقَى الصفا (٤) ولا المروةَ، ولا تسعَى سعيًا شديدًا.

стр. 705

وسُنَّ أن يَشرَبَ من ماءِ زَمزَمَ لِمَا أحبَّ، ويَرُشَّ على بدنهِ وثوبهِ وتُسنُّ مبادرةُ معتمرٍ بذلك. ويدعو بما أحبَّ. قال الإمام: يدعو بدعاءِ ابنِ عمرَ (١)، وهو: اللهمَّ اعصمْنِي بدينِكَ وطواعِيَتِكَ وطواعيةِ رسولِك، اللهمَّ جنبْني حدودَك، اللهمَّ اجعلْني ممَّنْ يحبُّكَ ويحبُّ ملائكتَكَ وأنبياءَكَ ورُسُلَكَ وعبادَكَ الصالحين، اللهمَّ حبِّبني إليكَ، وإلى مَلائِكَتِك، وإلى رُسُلِكَ، وإلى عِبادِك الصالحين (٢)، اللهمَّ يسرْ ليَ اليُسرى، وجنبْني العُسرَى، واغفرْ لي في الآخرةِ والأُولى، واجعلْني من أئمةِ المتقين، واجعلْني من ورثةِ جنَّةِ النَّعيمِ، واغفرْ لي خطيئتي يومَ الدينِ، اللهمَّ قلتَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غَافر: ٦٠] وإنَّكَ لا تُخلفُ الميعادَ، اللهمَّ إذْ هديتني للإسلامِ، فلا تنزِعهُ منِّي، ولا تنزعني منه، حتى تتوفَّاني على الإسلام، اللهمَّ لا تقدمني للعذابِ، ولا تؤخرْني لسوءِ الفتنِ. قال في "الإقناع" (٣): ويُكثرُ من الدُّعاءِ والذكرِ، ومنه: ربٍّ اغفرْ وارحمْ، واعفُ عمَّا تعلمُ، وأنتَ الأعزُّ الأكرمُ. (وسُنَّ أنْ يشربَ من ماءِ زمزمَ لما أحبَّ، ويرشُّ على بدنِه وثوبِه) لحديثِ محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بكرٍ، قال: كنتُ جالسًا عندَ ابنِ عباسٍ، فجاءَه رجلٌ، فقال: من أين جئْتَ؟ قال: من زمزمَ. قال: فشرِبتَ منها كما ينبغي؟ قال: فكيفَ؟ قال: إذا شرِبتَ منها، فاستقبلِ الكعبةَ، واذكرِ اسمَ اللهِ، وتنفَّسْ ثلاثًا من

стр. 706

ويقولَ: بسم الله، اللَّهم اجعَلهُ لنا عِلْمًا نافِعًا، ورِزقًا واسِعًا، وَرِيًّا وشَبَعًا، وشِفاءً من كلِّ داءٍ، واغسِل به قَلِبي، وأملأهُ مِنْ خَشَيتِكَ. وسُنَّ زيارةُ قَبرِ النبيِّ ﷺ وقبرِ صاحبَيه رضوانُ الله عليهِما. زمزمَ، وتضلَّعْ منها، فإذا فرغتَ منها، فاحمدِ اللهِ، فإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "آيةُ ما بيننا وبين المنافقينَ، أنَّهم لا يتضلَّعون (١) من زمزمُ". رواه ابنُ ماجه (٢). (ويقولُ: بسمِ اللهِ، اللهمَّ اجعلْه لنا علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وريًّا وشبعًا، وشفاءً من كلِّ داءٍ، واغسِلْ به قلبي، واملأْه من خشيتِكَ) زاد بعضُهم: وحكمتِكَ. لحديثِ جابرٍ: "ماءُ زمزمَ لما شُرِبَ له". رواه ابنُ ماجه (٣). وهذا الدُّعاءُ شاملٌ لخَيْري الدنيا والآخرةِ (وتُسنُّ زيارةُ قبرِ النبيِّ ﷺ ، وقبْر صاحبَيْه، رضوانُ اللهِ عليهما) (٤) لحديثِ الدارقطنيِّ (٥) عن ابنِ عمرَ مرفوعًا: "مَنْ حجَّ فزارَ قبري بعدَ وفاتي، فكأنَّما زارني حيًّا". وفي روايةٍ: "مَنْ زارَ قبري وجبتْ له شفاعتي" (٦). وعن أبي هريرةَ مرفوعًا:

стр. 707

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "ما من أحدٍ يُسلِّمُ عليَّ عندَ قبري إلَّا ردَّ اللهُ عليَّ رُوحي، حتى أرُدَّ ﵇" (١). قال أحمدُ: وإذا حجَّ الذي لم يَحُجَّ قَطُّ، يعني من غيرِ طريقِ الشامِ، لا يأخذُ على طريقِ المدينةِ؛ لأنِّي أخافُ أنْ يَحدُثَ به حَدَثٌ، فينبغي أنْ يقصِدَ مكَّةَ من أقصِرِ الطرقِ، ولا يتشاغلُ بغيرِه. وإن كان (٢) تطوُّعًا، بدأ بالمدينةِ. وإذا دخلَ المسجدَ قال ما ورَدَ، وصلَّى تحيَّتَهُ، ثمَّ يستقبلُ وسطَ القبرِ، فيسلِّمُ عليه ﷺ مُستقبلًا له، مُولِّيًا (٣) ظهرَه القبلةَ، فيقولُ: السلامُ عليك يا رسولَ اللهِ. كان ابنُ عمرَ لا يزيدُ على ذلك. وإنْ زادَ فحسن. ثمَّ يتقدَّمُ قليلًا فيسلِّمُ على أي بكرٍ، ثمَّ يتقدَّمُ فيسلِّمُ على عمرَ ﵄. ثمَّ يستقبلُ القبلةَ، ويجعلُ الحُجرةَ عن يسارِهِ، ويدعو لنفسِه ووالدَيْه وإخوانِه والمسلمين بما أحبَّ (٤). ويحرُمُ الطوافُ بها. ويُكرَهُ التمسُّحُ بالحجرة. قال الشيخ تقي الدين: اتَّفقوا على أنَّه لا يُقبِّلُه ولا يتمسح به؛ فإنَّه من الشركِ. وكذا مسم القبرِ أو حائطِه، ولصقُ صدرِه به، وتقبيلُهُ. ويُكرَهُ رفعُ الصوتِ عندَ الحُجرةِ. وإذا توجَّه إلى بلدِه، هلَّلَ فقالَ: لا إله إلا الله. ثمَّ قال: آيبونَ -أي: راجعونَ- تائبونَ، عابدونَ، لربِّنا حامدونَ، صدقَ اللهُ وعدَهُ، ونصرَ عبْدَهُ، وهزمَ الأحزابَ وحدَهُ.

стр. 708

وتُستحبُّ الصلاةُ بمسجِدِه ﷺ ، وهي بألفِ صلاةٍ، وفي المسجِدِ الحرامِ بمائةِ ألفٍ، وفي المَسجِدِ الأقصَى بخمسِمِائَةٍ. ويُسنُّ أنْ يأتيَ مسجدَ قُباءَ، ويُصلِّي فيه (١). بل يُسنُّ زيارةُ مشاهدِ المدينةِ، والبقيعِ، ومَنْ عُرِفَ قبرُه بها، كإبراهيمَ ابنِه ﵇، وعثمانَ، والعباسِ، والحسنِ، وأزواجِه، وزيارةُ شهداءِ أحدٍ -وبيتِ المقدسِ. ولا بأسَ أنْ يُقالَ للحاجِّ إذا قدِمَ: تقبَّلَ اللهُ مَنْسَكَكَ، وأعظمَ أجرَكَ، وأخلفَ نفقتَكَ. وقال أحمدُ لرجلٍ: تقبَّلَ اللهُ حجَّكَ، وزكَّى عملَكَ، ورزقنا وإيَّاكَ العَوْدَ إلى بيتِه الحرامِ. وفي "المستوعب": كانوا يغتنمون أدعيةَ الحاجِّ قبلَ أنْ يتلطَّخُوا بالذنوبِ (٢). (وتُستحبُّ الصَّلاةُ بمسجدِه ﷺ ، وهي بألفِ صلاةٍ، وفي المسجدِ الحرامِ بمائةِ ألفِ صلاةٍ، وفي المسجدِ الأقصى بخمسمائةِ) صلاةٍ، وبقيةُ حسناتِ الحَرَمِ كصلاةٍ فيه، وكلُّ عملِ برٍّ فيه بمائةِ ألفٍ. وفي روايةِ أحمدَ وغيرِه: "صلاةٌ في المسجدِ الحرامِ أفضلُ من الصَّلاةِ بمسجدي هذا بمائةِ ألفِ صلاةٍ" (٣). وفي "الفروع": والأظهرُ: أنَّ مرادَهم غيرُ صلاةِ النساءِ في البيوتِ، وأنَّ النفلَ في البيتِ أفضلُ.

стр. 709

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وظاهرُ كلامِهم: أنَّ المسجدَ الحرامَ: نفسُ المسجدِ. وقيلَ: الحَرَمُ كلُّه مسجدٌ. ومع هذا، فالحَرَمُ أفضلُ (١) من الحِلِّ (٢).

стр. 710

بابُ الفَواتِ والإحصَار مَنْ طلَعَ عليهِ فَجرُ يومِ النَّحرِ، ولمْ يقِفْ بعرفَةَ لِعُذرِ حَصرٍ أو غَيرِه، فاتهُ الحجُّ، وانقلَبَ إحرامُه عُمَرةً - ولا تُجزِئُ عن عُمرَةِ (بابُ الفواتِ والإحصارِ) إن ومَا يتعلَّقُ بهما الفواتُ: مصدرُ فاتَ يفوتُ، كالفَوْتِ، وهو سَبقٌ لا يُدركُ، فهو أخصُّ من السَّبقِ. والإحصارُ: مصدرُ أحصرَه، إذا حبَسَه، فهو الحبسُ. وأصلُ الحَصْرِ: المنعُ (مَنْ طلَعَ عليه فجرُ يومِ النحرِ، ولم يقفْ بعرفةَ) في وقتِه العذرِ حصرٍ أو غيرِه، فاتَه الحجُّ) ذلك العامَ؛ لقولِ جابرٍ: لا يفوتُ الحجُّ حتى يطلُعَ الفجرُ من ليلةِ جَمْعٍ. قال أبو الزبيرِ: فقلتُ له: أقالَ رسولُ اللهِ ﷺ ذلك؟ قال: نعم (١). رواه الأثرمُ. ولحديثِ: "الحجُّ عرفةَ، فمَنْ جاءَ قبلَ صلاةِ الفجرِ ليلةَ جَمعٍ، فقدْ تمَّ حجُّه" (٢). فمفهومُهُ: فوتُ الحجِّ، بخروجِ ليلةِ جَمْعٍ، وسقطَ عنه توابعُ الوقوفِ، كمبيتٍ بمُزْدَلِفَةَ، ومنًى، ورمي جمارٍ. (وانقلبَ إحرامُه) بالحجِّ (عمرةً) قارنًا أو غيرَه؛ لأنَّ عمرةَ القارنِ لا يلزمُه أفعالُها، وإنَّما يمنعُ من عمرةٍ على عمرةٍ، إذا لزِمَه المُضِيُّ في كلِّ منهما. (ولا

стр. 711

الإسلامِ- فيتحَلَّلُ بها، وعليه دَمٌ، والقضَاءُ في العَامِ القَابِلِ، لكنْ لو ضدَّ عن الوقُوفِ، فتحلَّل قَبلَ فَواتِه، فلا قضَاءَ. ومَنْ حُصِرَ عن البيتِ، ولو بعدَ الوقُوفِ، ذَبَحَ هديًا بنيَّةِ التَّحلُّل، تُجَزئُ عن عمرةِ الإسلامِ) نصًّا؛ لحديثِ: "وإنَّما لكلِّ امرئ ما نوى". وهذه لمْ ينوِها. ولوجوبها، كعمرةٍ منذورةٍ. وعلى مَنْ لمْ يشترطْ أوَّلًا؛ بأنْ لمْ يقلْ في ابتداءِ إحرامِه: وإنْ حبسَني حابسٌ، فمحلِّي حيثُ حبستي. قضاءُ حجٍّ فاتَهُ، حتى النفلِ. وللدارقطنيِّ (١) عن ابنِ عباسٍ مرفوعًا: " مَنْ فاتَهُ عرفاتٌ، فقدْ فاتَهُ الحجُّ، وليتحلَّلْ بعمرةٍ، وعليه الحجُّ من قابلٍ". وعمومُه شاملٌ للفرضِ والنفلِ. والحجّ يلزمُ بالشروعِ فيه، فيصيرُ كالمنذورةِ، بخلافِ سائرِ التطوُّعاتِ (فيتحلَّلُ بها) أي: بالعمرةِ (وعليه دمٌ، والقضاءُ في العامِ القابلِ، لكنْ لو صُدَّ عن الوقوفِ) أي: عن عرفةَ (فتحلَّلَ قبلَ فواتِه) الوقوفِ (فلا قضاءَ) عليه في ذلك (ومَنْ حُصِرَ عن البيتِ) أي: مُنِعَ الوصولَ إلى الكعبةِ، بحيثُ لمْ يمكنْه التوصلُ إليها بوجهٍ، ولو بعيدًا، (ولو) كان منعُه (بعدَ الوقوفِ) بعرفةَ، كما قبلَه (ذبحَ هديًا بنيَّةِ التحلُّل) وجوبًا؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البَقَرَة: ١٩٦] ولأنَّه ﵇ أمرَ أصحابَه حين حُصِروا في الحديبيةِ أنْ ينحَرُوا ويَحلِقوا ويَحِلُّوا (٢). وسواءٌ كان الحصرُ عامًّا للحاجِّ، أو خاصًّا، كمَنْ حُبِسَ بغيرِ حقٍّ، أو أخذَه لصٌّ؛ لعمومِ النصِّ، ووجودِ المعنَى. ومَنْ حُبِسَ بحقٍّ يمكنُه أداؤُه، فليسَ

стр. 712

فإن لم يَجِد، صَامَ عشرَةَ أيامٍ بالنيِّةِ، وقد حَلَّ. ومَنْ حُصِرَ عن طوافِ الإفاضَةِ فقط، وقد رَمَى وحَلَق، لم يتحلَّل حتَّى يطُوفَ. بمعذورٍ. ويكونُ ذبحُه في مكانِ إحصارِهِ (فإنْ لمْ يجدْ) هديًا (صامَ عشرةَ أيَّامٍ بالنيَّةِ) أي: بنيَّةِ التحلُّل، (وقدْ حَلَّ) نصًّا. وظاهرُه: أنَّ الحَلْقَ أو التقصيرَ غيرُ واجبٍ هنا، وأنَّ التحلُّلَ يحصلُ بدونِهِ، وهو أحدُ القولَيْن. قدَّمَه في "المحرر" وا بنُ رزينِ في "شرحه"، وهو ظاهرُ الخِرقيِّ؛ لأنَّه من توابعِ الوقوفِ، كالرمي. وقدَّمَ الوجوبَ في "الرعاية"، واختارَهُ القاضي في "التعليق"، وغيرِه. وجزمَ به في "الإقناع" (١). قال العلَّامةُ عمُّ والدي في "غاية المنتهى" (٢): ولا مدخلَ لحلقٍ أو تقصيرٍ، خلافًا لصاحبِ "الإقناع". (ومَنْ حُصِرَ عن طوافِ الإفاضةِ فقط) بأنْ رمىَ وحلَقَ بعدَ وقوفِه، وإليه أشارَ بقولِه: (وقدْ رمىَ وحلَق، لمْ يتحلَّلْ حتى يطوفَ) للإفاضةِ، ويسعَى إنْ لمْ يكنْ سعَى، وكذا لو حُصِرَ عن السعي فقط؛ لأنَّ الشرعَ وردَ بالتحلُّل من إحرامٍ تامِّ يُحرِّمُ جميعَ المحظوراتِ، وهذا يُحرِّمُ النساءَ خاصةً، فلا يلحق (٣) به. ومتى زالَ الحصرُ، أتى بالطوافِ والسعي، إنْ لمْ يكنْ سعَى، وتمَّ حجُّه.

стр. 713

ومَنْ شَرطَ في ابتداءِ إحرامِه: أنَّ محِلِّي حيث حبستَني، أو قال: إن مرِضتُ، أو عَجَزتُ، أو ذَهَبت نَفَقَتي، فَلِيَ أنْ أحِلَّ، كان له أنْ يتحلَّلَ متَى شاءَ من غيرِ شيءٍ، ولا قضَاءَ عليه. (ومَنْ شَرَطَ في ابتداءِ إحرامِه: أنَّ محِلِّي حيثُ حبستني، أو قالَ: إنْ مرِضتُ، أو عَجَزْتُ، أو ذهبتْ نفقتي، فليَ أنْ أحلَّ، كان له أنْ يتحلَّلَ متى شاءَ من غيرِ شيءٍ) أي: من غيرِ هدي ولا صومٍ (ولا قضاءَ عليه) لأنَّ شزطَه صحيحٌ، فكانَ على ما شَرَطَ، لكنْ إنْ تحلَّلَ، ولم يكنْ حجَّ حجَّةَ الإسلامِ قبلُ، فوجوبُها باقٍ؛ لعدمِ ما يسقطهُ. وإنْ أخطأَ الناسُ فوقفوا الثامنَ والعاشرَ، أجزأَهم. وإنْ أخطأَ دونَ الأكثرِ، فاتَهم الحجُّ؛ لأنَّهم لم يقفوا في وقتِه. وفي "المقنع": إنْ أخطأ بعضُهم، فاتَه الحجُّ. قال في "الإنصاف": هذا المذهبُ، وعليه الجمهورُ، ولمْ يخالفْه في "التنقيح". وجزمَ به في "الإقناع". والوقوفُ مرَّتينِ، قال الشيخُ تقيُّ الدينِ: بدْعةٌ لمْ يفعلْه السلفُ. وفي "الفروع": يتوجَّهُ: وقوفٌ مرتينِ إنْ وقفَ بعضُهم، لا سيما مَنْ رآه (١).

стр. 714

بابُ الأضْحِيْةِ وهي سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ (بابُ الأُضحيةِ) بضمِّ الهمزةِ وكسرِها، وتخفيفِ الياءِ وتشديدِها: واحدةُ الأَضاحي (وهي) أي: الأضحيةُ (سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ) - قال في "الرعاية": ويُكرَهُ تركُها مع القدرةِ، نصَّ عليه- بسببِ العيدِ؛ تقرُّبًا إلى اللهِ تعالى. ويُقالُ في الأُضحيةِ: ضَحيَّةٌ، وجمعُها: ضَحَايا. وقدْ أجمعَ المسلمونَ على مشروعيتِها. وسندُ الإجماعِ: قولُه : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكَوثَر: ٢] قال جماعةٌ من المفسرين: المرادُ بذلك التضحيةُ بعدَ صلاةِ العيدِ. وما رويَ أنَّ النبيَّ ﷺ ضحَّى بكبشَيْنِ أمْلَحَيْنِ أقْرنَيْنِ، ذبحَهُمَا بيدِه، وسَمَّى وكبَّرَ، ووضعَ رجلَه على صفاحِهما (١). متفقٌ عليه. الأملحُ: الذي فيه بياضٌ وسوادٌ، وبياضُه أكثرُ. قالَه الكسائيُّ. وقال ابنُ الأعرابيِّ: هو النقيُّ البياضِ (٢). وهي مؤكَّدَةٌ عن مسلمٍ تامِّ الملكِ. وعنه: أنَّها واجبةٌ؛ لما روى أبو هريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "مَنْ كانَ له سعةٌ ولم يضحِ، فلا يقرَبنَّ مُصلَّانا" (٣). وعن

стр. 715

وتجِبُ بالنَّذرِ، مِخنَفِ بنِ سُليمٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "يا أيها الناسُ، إنَّ على أهلِّ كلِّ بيتٍ في كلِّ عامٍ، أضحاةً وعتيرةً" (١). والأوَّلُ المذهبُ؛ لما روى الدارقطنيُّ (٢) بإسنادِه عن ابنِ عباسٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "ثلاثٌ كُتبتْ عليَّ، وهنَّ لكمْ تطوُّعٌ". وفي روايةٍ: " الوترُ، والنحرُ، وركعتا الفجرِ". ولأنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَنْ أرادَ أنْ يضحيَ، فدخلَ العشرُ، فلا يأخَذْ من شَعَرِه وبشَرَتِه شيئًا". رواه مسلمٌ (٣). فعلَّقَه على الإرادةِ، والواجبُ لا يُعلَّقُ على الإرادةِ، ولأنَّ الأضحيةِ ذبيحةٌ لم يجبْ تفريقُ لحمِها، فلمْ تكنْ واجبةً، كالعقيقةِ. والحديثُ الدالُّ على الوجوبِ قدْ ضعَّفَه أصحابُ الحديثِ. ثمَّ نحملُه على تأكُّدِ الاستحبابُ (٤)، كما قالَ: "غسلُ الجمعةِ واجبٌ على كلِّ محتلمٍ" (٥). وحديثِ: "مَنْ أكلَ من هذه الشجرةِ، فلا يقرَبنَّ مُصلَّانا" (٦). (و) الأضحيةُ (تجبُ بالنذرِ) لحديثِ: "مَنْ نذرَ أنْ يطيعَ اللهَ فليطعْهُ" (٧). وكالهدي.

стр. 716

وبقولِه: هذِهِ أُضحِيةٌ، أو: لله. والأفضلُ: الإبلُ، فالبقرُ، فالغنَمُ. ولا تُجزِئُ من غَيرِ هذه الثَّلاثة. وتُجزِئُ الشاةُ عن الواحِد، وعن أهلِ بيتهِ وعيالِه. (و) تجبُ (بقولِه: هذِه أُضحية، أو: للهِ) لأنَّه لفظٌ يقتضي الإيجابَ، فترتَّبَ عليه مقتضاه. وكذا يتعيَّنُ بإشعارِه، أو تقليدِه بنيَّتِه. وإذا تعيَّنتْ، لمْ يجزْ بيعُها، ولا هبتُها، إلا أنْ يبدلَها (١) بخيرٍ منها، فيجوزُ. وكذا لو نَقَلَ الملكَ فيها، وشِراءُ خيرٍ منها، جازَ، نصًا (٢). واختارَهُ الأكثرُ؛ لأنَّ المقصودَ نفعُ الفقراءِ، وهو حاصلٌ بالبدلِ (٣). ويركبُها لحاجةٍ فقط بلا ضررٍ. ويضمنُ النقصَ بركوبِه (٤). وإنْ ولدتْ معيَّنةٌ، من هدي وأضحيةِ، ذُبحَ ولدُها معها؛ لأنَّه تبعٌ لأمِّه. ويُباحُ أنْ يَجُزَّ صوفَها ووبرَها (٥)، ويتصدَّقَ به، وله الانتفاعُ به؛ لجريانِه مجرى جلدِها للانتفاعِ به دوامًا. فإنْ كانَ بقاؤُه أنفعَ لها، لم يجزْ. ولا يشربُ من لبنِها إلا ما فضلَ عن ولدِها (٦). (والأفضلُ) في هَدْي وأضحيةٍ: (الإبلُ، فالبقرُ، فالغنمُ. ولا تُجزئُ) أضحيةٌ (من غيرِ هذه الثلاثةِ) أي: الإبلِ، والبقرِ، والغنمِ، الأهليةِ. (وتجزئُ الشاةُ عن الواحدِ، وعن أهلِ بيتِه وعيالِه) نصًّا؛ لحديثِ أبي أيوبَ:

стр. 717

وتُجزِئُ البدَنةُ والبقرةُ عن سَبعَةٍ. وأقلُّ سِنِّ ما يُجزِئُ من الضَّأن: ما له نِصفُ سَنَةٍ. ومنَ المَعْزِ: ما لهُ سَنَةٌ. ومِنَ البَقرِ والجَامُوسِ: ما لهُ سنتَانِ، كانَ الرَّجلُ في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ يُضحي بالشاةِ عنه، وعن أهلِ بيتِه، فيأكلونَ ويُطعِمونَ (١). قال في "الشرح": حديثٌ صحيحٌ. (وتجزئُ البدنةُ والبقرةُ عن سبعةٍ) روي عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وعائشةَ (٢)؛ لحديث جابرٍ: نحرْنا بالحديبيةِ مع النبيِّ ﷺ البَدَنةَ عن سبعةٍ، والبقرةَ عن سبعةٍ. رواه مسلمٌ (٣). وشاةٌ أفضلُ من سُبعِ بدنةٍ أو بقرةٍ (٤). (وأقلُّ سنِّ ما يُجزئُ) في هديٍ واجبٍ وأُضحيةٍ (من الضأنِ): جذعٌ، وهو (ما لَه نصفُ سنةٍ) وهو ستَّةُ أشهرٍ كوامِلَ؛ لحديث: "يُجزئُ الجَذَعُ من الضأنِ أُضحيةً". رواه ابنُ ماجه (٥). والهديُ مثلُها. ويُعرفُ بنومِ الصوفِ (٦) على ظهرِه. قالَهُ الخِرقيُّ عن أبيه، عن أهلِ الباديةِ. (و) المُجزِيُّ (من المعزِ): ثنيٌّ، وهو (ما له سنةٌ) كاملةٌ؛ لأنَّه قبلَها لا يُلَقِّحُ (و) المجزِيُّ (من البقرِ والجاموسِ): ثنيٌّ، وهو (ما له سنتانِ) كاملتانِ.

стр. 718

ومِنَ الإبِل: ما لَهُ خمسُ سِنِينَ. وتُجزئُ الجمَّاءُ، والبَتراءُ، والخَصِيُّ، والحَامِلُ، وما خُلِقَ بلا أُذُنٍ، أو ذَهَبَ نِصفُ أليَتِهِ، أو أُذُنِه. (و) المجزِيُّ (من الإبلِ): ثنيٌّ (ما له خمسُ سنينَ) كوامِلَ. سُمِّي بذلك لأنَّه ألقى ثنيَّته. (وتُجزئُ) في الهدي والأضحيةِ (الجمَّاءُ): التي لمْ يُخلقْ لها قرنٌ (والبَتْرَاءُ): أي: لا ذَنَبَ (١) لها خِلقةً، أو مقطوعًا (والخَصِيُّ): وهو ما قُطعتْ خصيتاه أو سُلَّتا، (والحاملُ) في ظاهرِ كلامِ أحمدَ والأصحابِ، (وما خُلِقَ بلا أُذنٍ) أي: ويُجزئُ أيضًا في الهدي والأضحيةِ من الإبلِ والبقرِ والغنمِ: ما خُلِقَ بلا أُذنٍ (أو ذهبَ نصفُ أَليته) فما دونَه. ظاهرُه: أنَّه لا يُجزئُ ما ذهبَ أكثرُ أليتِه، أو كلُّها (أو) ذهبَ نصفُ (أُذنِه) فما دونَ، أو ذهبَ نصفُ القرنِ فما دونَ. وكذا بخَرقٍ أو شقٍّ، ويُكرَهُ، لحديثِ عليٍّ: أمرَنا رسولُ اللهِ ﷺ أنَّ نستشرِفَ العينَ والأُذنَ، وأنْ لا نُضحِّيَ بمُقَابَلَةٍ ولا مُدابَرةٍ، ولا خَرقاءَ، ولا شرْقاءَ. قال زهيرٌ: قلتُ لأبي إسحاقَ: ما المقابَلةُ؟ قال: يقطعُ طرفُ الأذنِ. قلتُ: فما المدابَرَةُ؟ قال: تُقطعُ من مُؤخَّرِ الأذنِ. قلتُ: فما الخرقاءُ؟ قال: تُشَقُّ الأُذنُ. قلتُ: فما الشَّرقاءُ؟ قال: تُشقُّ أذنُها للسِّمةِ. رواه أبو داودَ (٢). وهذا نهيُ تنزيهٍ، فيحصلُ الإجزاءُ بها؛ لأنَّ اشتراطَ السلامةِ من ذلك يشُقُّ، ولا يكادُ يوجدُ سالمٌ من هذا كلِّه

стр. 719

لا بيِّنةُ المرَضِ، ولا بيِّنةُ العَوَرِ، بأنْ انخسَفَت عينُها، ولا قائمَةُ العينَينِ مع ذهابِ إبصارِهِما. ولا عجفاءُ: وهي الهَزيلَةُ التي لا مُخَّ فيها. ولا عَرجَاءُ لا تُطيقُ مَشيًا مع صَحِيحَةٍ. (لا بيَّنةُ المرضِ) فلا تُجزئُ المريضةُ، سواءٌ كانتْ بجَرَبٍ أو غيرِه. قال في "الإنصاف" (١): على الصحيحِ من المذهبِ. وقال الخِرقيُّ والشيرازيُّ في "الإيضاح": هي التي لا يُرْجَى بُرْؤُها (ولا) تُجزئ (بيِّنةُ العَوَرِ، بأنِ انخسفتْ عينُها) للخبرِ. فإنْ كانَ بها بياضٌ لا يمنعُ النظرَ، أجزأتْ؛ لأنَّ عوَرَها ليس ببيِّننٍ. وهو ظاهرُ كلامِ كثيرٍ من الأصحابِ. مفهومُ كلامِ المصنِّفِ من طريقِ أوْلى: أنَّ العمياءَ لا تُجزئُ. قال في "الإنصاف" (٢): وهو الصحيحُ، وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ. (ولا قائمةُ العينينِ مع ذهابِ إبصارِهما) لأنَّ العَمى يمنعُ مشيَها مع رفيقتِها، ويمنعُ مشاركتَها في العلَفِ. وهذا مفهومُ ما تقدَّمَ، فلا يحتاجُ إلى ذكرِه. لكن تبع فيه صاحبَ الأصلِ فيعذرُ. (ولا) يُجزئ (عَجْفاءُ: وهي الهزيلةُ التي لا مُخَّ فيها. ولا عَرجَاءُ لا تُطيقُ مَشيًا معَ صَحيحَةٍ) (٣) والأصلُ في ذلك: ما روى البراءُ بنُ عازبٍ قال: قامَ فينا رسولُ اللهِ ﷺ فقال: "أربعٌ لا تجوزُ في الأضاحي: العوراءُ البيِّنُ عَوَرُها، والمريضةُ البيِّنُ مرضُها، والعَزجاءُ البيِّنُ ظَلْعُهَا، والعَجْفاءُ التي لا تُنْقِي". رواه أبو داودَ،

стр. 720

ولا هَتمَاءُ: وهي التي ذَهَبت ثناياهَا مِنْ أصلِها. ولا عَصماءُ: وهي ما انكسر غِلافُ قَرنِها. ولا خَصِيٌّ مجبوبٌ. ولا عَضبَاءُ: وهي ما ذَهَبَ أكثرُ أدنِها أو قَرنِها والنسائيُّ (١). (ولا) تجزيُّ (هتماءُ: وهي التي ذهبتْ ثناياها من أصلِها) ذكرَهُ جماعةٌ، وقال في "التلخيص": وهو قياسُ المذهبِ. (ولا) تُجزيُّ (عصماءُ: وهي ما انكسرَ غِلافُ قرنِها) قالَهُ في "المستوعب" و"التلخيص" (ولا) يُجزئ (خَصِيٌّ مجبوبٌ) بأنِ انقطعَ خِصيتاه مع ذَكَرِه (ولا) تجزيُّ (عضباءُ: وهي ما ذهبَ أكثرُ أُذُنِها، أو) أكثرُ (قرنِها)؛ لحديثِ علي قال: نهى النبيُّ ﷺ أنْ يُضحَّى بأعضبِ الأُذُنِ والقرنِ. قال قتادةُ: فذكرتُ ذلك لسعيدِ بنِ المسيبِ. فقال: العضبُ: النصفُ فأكثرُ. رواه الخمسةُ (٢)، وصحَّحَه الترمذيُّ. ولأنَّ الأكثرَ كالكلِّ.

стр. 721

فَصْلٌ ويُسنُّ نحرُ الإبلِ قائمةً، وذبحُ البَقرِ والغنَمِ على جَنبِهَا الأيسرِ، مُوجَّهةً إلى القِبلَةِ. (فصلٌ) (ويُسنُّ نحرُ الإبلِ قائمةً) معقولةً يدُها اليسرى؛ بأنْ يطعنَها بنحوِ (١) حربةٍ في الوَهْدَةِ، وهي بين العُنُقِ والصدرِ؛ لحديثِ زيادِ بنِ جُبَيْرٍ، قال: رأيتُ ابنَ عمرَ أتى على رجلٍ أناخَ بَدَنةً لينحرَها، فقال: ابعَثْهَا قائمةً مقَيَّدَةً، سُنَّةُ محمدٍ ﷺ . متفقٌ عليه (٢). وروىَ أبو داودَ (٣) عن عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ وأصحابَه كانوا ينحرونَ البَدَنةَ مَعْقُولةَ اليُسرى، قائمةً على ما بقيَ من قوائِمِها. ويؤيِّدُه: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحَجّ: ٣٦] لكنْ إنْ خَشِيَ أنْ تنفِرَ، أناخَها. (و) يُسنُّ (ذبحُ البقرِ والغنمِ علي جَنْبِها الأيسرِ، موجَّهةً إلى القِبلةِ) لقولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البَقَرَة: ٦٧]. ولحديثِ: ضحَّى بكبشَيْنِ أملحَيْنِ أقرَنَيْنِ، ذَبَحَهُما بيدِه (٤). ويجوزُ نحرُ ما يُذبَحُ، وذبحُ ما يُنحرُ، ويحلُّ؛ لأنَّه لم يجاوزُ محلَّ الذبحِ. ولعمومِ حديثِ: "ما أنهرَ الدمَ، وذُكِرَ اسمُ اللهِ عليه، فكُلْ" (٥).

стр. 722

ويُسمِّي حين يُحرِّكُ يدَهُ بالفِعْلِ، ويُكبِّر، ويقولُ: اللَّهمَّ هذا لكَ ومِنكَ. وأوَّلُ وقتِ الذَّبحِ: مِنْ بعدِ أسبَقِ صلاةِ العيدِ بالبلَدِ، أو قَدرِهَا لمن لم يُصلِّ، فلا تُجزِئُ قبلَ ذلِكَ. (ويُسمِّي) وجوبًا (حينَ يُحرِّكُ يدَهُ بالفعلِ) أي: النَّحرِ، أو الذبحِ، وتسقُطُ سهوًا، (ويُكبِّرُ) ندْبًا، (ويقولُ: اللهمَّ هذا لكَ ومنكَ) لحديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: ذبحَ يومَ العيدِ كبْشَيْن، ثمَّ قالَ حينَ وجَّهَهُما: وجَّهتُ وَجْهِيَ للذي فطرَ السمواتِ والأرضَ حنيفًا وما أنا من المشركين، إنَّ صلاتي ونُسُكي ومَحيايَ ومَمَاتي للهِ ربِّ العالمينَ، لا شريكَ له، وبذلكَ أُمِرْتُ وأنا من (١) المسلمين، بسمِ اللهِ واللهُ أكبرُ، اللهمَّ هذا منكَ ولكَ". رواه أبو داودَ (٢). ولا بأسَ بقولِه، أي: الذابحِ: اللهمَّ تقبَّلْ من فلانٍ. لحديثِ: "اللهمَّ تقبَّلْ من محمدٍ وآلِ محمدٍ وأُمَّةِ محمدٍ". ثمَّ ضحَّى. رواه مسلمٌ (٣). ويذبحُ واجبًا قبلَ نفلٍ. وسُنَّ إسلامُ ذابحٍ، وتولِّيهِ بنفسِه أفضلُ. (وأوَّلُ وقتِ الذبحِ) لأضحيةٍ، وهدي نذرٍ، أو تطوُّعٍ، أو متعةٍ، أو قِرانٍ: (من بعدِ أسبقِ صلاةِ العيدِ بالبلدِ) الذي تُصلَّي به، ولو قبلَ الخُطبةِ (أو) من بعدِ (قدرِها) أي: الصَّلاةِ (لمَنْ لمْ يصلِّ) يعني: لمَنْ بمحلٍّ لا تُصلَّى فيه، كأهلِ البوادي من أصحابِ الطُّنُبِ والخَرْكاوَاتِ (٤) ونحوِهم ممَّنْ لا يصلُّون، فدخولُ وقتِ الذبحِ في حقِّهم بمُضِي قدرِ ما تُفعلُ فيه الصَّلاةُ. (فلا تُجزئُ قبلَ ذلك) أي:

стр. 723

ويَستمِرُّ وقت الذَّبح، نهارًا وليلًا، إلى آخِرِ ثاني أيَّام التَّشريقِ. فإن فاتَ الوقتُ، قضَى الواجِبَ، قبلَ صلاةِ العيدِ (ويستمرُّ وقتُ الذبحِ نهارًا وليلًا، إلى آخرِ ثاني أيَّامِ التشريقِ) فتكونُ أيَّامُ النحرِ ثلاثةً، يومٌ العيد (١)، ويومانِ بعدَهُ. قال أحمدُ: أيَّامُ النحرِ ثلاثةٌ، عن غيرِ واحدٍ من أصحابِ رسولِ الله ﷺ . وفي روايةٍ قال: عن (٢) خمسةٍ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ لأنَّه ﷺ (٣) نهى عن ادِّخارِ لحومِ الأضاحي فوقَ ثلاثٍ (٤). ويستحيلُ أنْ يُباحَ ذبحُها في وقتٍ يحرُمُ أكلُها فيه، ونسخُ أحدِ الحكمينِ، وهو الادِّخارُ، لا يلزمُ رفعَ الآخرِ؛ وهو إجزاءُ الذبحِ فيما زادَ على الثلاثةِ أيَّامٍ. وفي "الإيضاح": إلى آخرِ أيَّامِ التشريقِ (٥). والأوَّلُ المذهبُ. قولُه: "ليلًا" أي: يُجزئْ مع الكراهةِ. والأُضحيةُ في أوَّلِ أيَّامِ الذبحِ أفضلُ، وهو يومُ العيدِ، فما يَليه، أي: يومَ العيدِ، أفضلُ. قال في "الإنصاف" (٦): قلتُ: والأفضلُ: اليومُ الأوَّلُ عَقِيبَ الصَّلاةِ والخطبةِ وذبحِ الإمامِ (فإنْ فاتَ الوقتُ) للذبحِ (قضَى الواجبَ) وفعلَ به كالأداءِ المذبوحِ في وقتِهِ،

стр. 724

وسَقَطَ التَّطوُّعُ. وسُنَّ له الأكلُ مِنْ هَديهِ التَّطوُّعِ، ومِنْ أُضحِيَتِه ولو واجِبَةً. فلا يسقطُ الذبحُ بفواتِ وقْتِهِ، كما لو ذبحَهَا في وقتِها ولمْ يفرِّقُها حتى خرجَ (وسقَطَ التطوُّعُ) بخروجِ وقتِه؛ لأنَّه سُنَّةٌ فاتَ محلُّها، فلو ذبحَهُ وتصدَّقَ به، كان لحمًا تصدَّق به لا أضحيةً. (وسُنَّ له الأكلُ) والتفرقةُ (من هدْيِهِ التطوُّعِ) لقولِهِ تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [البَقَرَة: ٥٨]. وأقلُّ أحوالِ الأمرِ الاستحبابُ. وقال جابرٌ: كنَّا لا نأكُلُ من بُدْنِنَا فوقَ ثلاثٍ، فرخَّصَ لنا النبيُّ ﷺ فقال: "كلُّوا وتَزَوَّدُوا". فأكلْنَا وتَزَوَّدْنا. رواه البخاريُّ (١). والمُستحبُّ أكلُ اليسيرِ، لحديث جابرٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ أمرَ من كلِّ بَدَنةٍ ببِضْعَةٍ، فجُعِلَتْ في قِدْرٍ، فأكلْنَا منها، وحَسَيْنا من مَرَقِها (٢). ولأنَّه نُسُكٌ فاستُحِبَّ الأكلُ منه. (و) سُنَّ له الأكلُ (من أُضحيتِهِ ولو واجبةً) قال في "الإنصاف" (٣): ويُستحبُّ أنْ يتصدَّقَ بأفضلِها، ويهديَ الوسَطَ، ويأكلَ الأدْوَنَ. قالَهُ في "المستوعب"، و"التلخيص"، وغيرِهما. وظاهرُ كلامِ أكثرِ الأصحابِ: الإطلاقُ. وكان من شعارِ السلفِ تناولُ لقمةٍ من الأُضحيةِ من كبدِها أو غيرِها، تبرُّكًا. قالَهُ في "التلخيص" وغيرِه.

стр. 725

ويَجُوزُ مِنَ المُتعَةِ والقِرَانِ. ويَجِبُ أن يتصدَّقَ بأقلِّ ما يَقَعُ عليه اسمُ اللَّحمِ. ويُعتَبرُ تَمليكُ الفَقيرِ، فلا يَكفِي إطعامُهُ. والسُّنةُ أن يأكلَ من أُضحِيتهِ ثُلُثَها، ويُهدِيَ ثُلُثَها، ويتصدَّقَ بثُلُثِها. "فائدةٌ": قال الشيخُ تقيُّ الدينِ: الأُضحيةُ من النفقةِ بالمعروفِ، فتُضحِّي المرأةُ من مالِ زوجِها عن أهلِ البيتِ بلا إذنِهِ، ومدينٌ لمْ يطالبْهُ ربُّ الدينِ (١). (ويجوزُ) أنْ يأكلَ (من) دمِ (المتعةِ والقِرانِ) نصًّا؛ لأنَّ سبَبَهُما غيرُ محظورٍ، فأشبَها هديَ التطوُّعِ، ولأنَّ أزواجَ النبيِّ ﷺ تمتعْنَ معه في حَجَّةِ الوداعِ. وأدخلتْ عائشةُ الحجَّ على العمرةِ، فصارتْ قارِنةً، ثمَّ ذبحَ عنهنَّ النبيَّ ﷺ البقرَ، فأكلْنَ من لحومِها (٢). احتجَّ به أحمدُ. (ويجبُ أنْ يتصدَّقَ بأقلَّ ما يقعُ عليه اسمُ اللَّحم) ولو مقدارَ أُوقيةٍ. (ويُعتبرُ تمليكُ الفقيرِ) لشيءٍ من اللَّحمِ نيئًا (٣) (فلا يكفي إطعامُهُ) كالواجبِ في الكفَّارةِ (والسُنَّةُ أنْ يأكلَ من أُضحيتِهِ ثُلُثَها، ويُهديَ ثُلُثَها، ويتصدَّقَ بثُلُثِها) أي: يأكلُ هو وأهلُ بيتِه الثلثَ، ويُهدي الثلثَ، ويتصدَّقُ بالثلثِ. حتى من أضحيةٍ واجبةٍ، وحتى الإهداء لكافرٍ من أضحيةِ تطوُّعٍ. قال أحمدُ: نحنُ نذهبُ إلى حديثِ عبدِ اللهِ: يأكلُ الثلثَ، ويُطعِمُ مَنْ أرادَ الثلثَ، ويتصدَّقُ بالثلثِ على المساكينِ. قال علْقمةُ: بعثَ معي عبدُ اللهِ بهدْيِهِ، فأمرَني أنْ آكلَ ثُلُثًا، وأنْ أرسِلَ إلى أهلِ أخيهِ

стр. 726

ويحرم بيع شيءٍ مِنها، بثُلُثٍ، وأنْ أتصدَّقَ بثلثٍ. وهو قولُ ابنِ مسعودٍ؛ ولقولِه تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحَجّ: ٣٦]. والقانعُ: السَّائلُ، من قَنَعَ يقْنَعُ -بفتحِ النون فيهما- إذا سألَ. وأمَّا قَنِعَ بمعنى رضيَ بالقليلِ، فبكسر (١) النونِ في الماضي، وفتحِها في المضارعِ. قال الشاعرُ: والعَبْدُ حرٌّ إنْ قَنِعْ … الحُرُّ عَبْدٌ إنْ طَمِعْ (٢) فاقْنَعْ ولا تَطْمَع (٣) فما … شيءٌ يَشِينُ سِوَى الطَّمَعْ والمُعْتَرُّ: الذي يَعتيرك، أي: يتعرَّضُ لكَ لتُطْعِمَهُ، ولا يَسألُ. فذكرَ ثلاثةً، فينبغي أنْ تُقسَمَ بينهم أثلاثًا، ولا يجبُ الأكلُ منها؛ لأنَّه ﵇ نحرَ خمسَ بَدَناتٍ، وقال: "مَنْ شاءَ فليقتطِعْ" (٤). ولمْ يأكلْ منهنَّ شيئًا. وعُلِمَ منه: أنَّه لا يجوزُ الهديَّةُ من واجبةٍ لكافرٍ، كزكاةٍ، وكفَّارةٍ، بخلافِ التطوُّعِ؛ لأنَّه صدقةٌ (ويحرُمُ بيعُ شيءٍ منها) أي: الذبيحةِ، هدْيًا أو أُضحيةً، ولو تطوُّعًا (حتى من شعرِها وجلدِها) ولا فرقَ في ذلك بين كونِ الأُضحيةِ واجبةً أو تطوُّعًا؛ لأنَّها تعينتْ بالذبحِ؛ لقولِه ﷺ في حديثِ قتادةَ بنِ النعمانِ: "ولا تبيعوا لحومَ الأضاحي والهدي، وتصدَّقوا واستمتعوا بجلودِها" (٥).

стр. 727

حتَّى مِن شَعرِهَا وجِلدِهَا. ولا يُعطِي الجازِرَ بأُجرَتِه منها شيئًا، وله إعطاؤُه صدقَةً وهديَّةً. وإذا دخلَ العشرُ حرُمَ على مَنْ يُضَحِّي أو يُضحَّى قال أحمدُ: سبحانَ اللهِ، كيفَ يبيعُها وقدْ جعلَها للهِ ﵎ أضحيةً. قال الميمونيُّ: قالوا لأبي عبدِ اللهِ: فجِلْدُ الأُضحيةِ نُعطيهِ السلَّاخَ؟ قال: لا. وحكَى قولَ النبيِّ ﷺ : "لا تعطِ في جزارتِها شيئًا منها" (١). قال: إسنادٌ جيدٌ. وهذا المذهبُ. وعنه: يجوزُ بيعُ الجِلْدِ ويتصدَّقُ بثمنِه. وعنه: ويشتري به آلةَ البيتِ، كالغربالِ ونحوِه. لا مأكولًا (٢) (ولا يُعطي الجزَّارَ بأُجرَتِه منها شيئًا) ولو من تطوُّعٍ؛ لأنَّها تعيَّنتْ بالذبحِ؛ لما رُوِيَ عن عليٍّ قال: أمرَني رسولُ اللهِ ﷺ أنْ أقومَ على بَدَنهِ، وأنْ أقسِمَ جلودَها وجلالَها، وأنْ لا أُعطيَ الجزَّارَ منها شيئًا، وقال: "نحنُ نُعطيهِ من عندِنا". متفقٌ عليه (٣). ولأنَّ ما يدفعُه إلى الجزَّارِ عن أجرَتِه، عوضٌ عن عملِهِ وجزارتِه، ولا تجوزُ المعاوضةُ بشيءٍ منها (وله) أي: المُضحي والمُهدي (إعطاؤُه) أي: الجازرِ (صدقةً وهديةً) لأنَّه في ذلك كغيرِه؛ بل هو أوْلى؛ لأنَّه باشرَها وتاقتْ إليها نفسُه (وإذا دخلَ العشْرُ) أي: عشرُ ذي الحجَّةِ (حرُمَ على مَنْ يُضحِّي، أو يُضحَّى

стр. 728

عنه، أخذ شَيءٍ من شَعرِه، أو ظُفُرِه إلى الذَّبحِ. ويُسَنُّ الحَلقُ بعدَه. عنه، أخذُ شيءٍ من شَعَرِه، أو ظُفْرِه) أو بشَرَتِه (إلى الذَّبحِ) أي: ذبحِ الأُضحيةِ؛ لحديثِ أمِّ سلمةَ مرفوعًا: "إذا دخلَ العشْرْ وأرادَ أحدُكم أنْ يضحِّيَ، فلا يأخذْ من شَعَرِه ولا من أظْفَارِه شيئًا حتى يُضحِّيَ". رواه مسلمٌ (١). وفي روايةٍ: "ولا من بَشَرِه". وأمَّا حديثُ عائشةَ: كنتُ أفْتِلُ قلائِدَ هَدْيِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ثمَّ يُقلِّدُها بيدِه، ثمَّ يبعثُ بها، ولا يحرمُ عليه شيءٌ أحلَّه الله له، حتى ينحَرَ الهديَ. متفقٌ عليه (٢). فهو في الهدي لا في الأُضحيةِ، على أنَّه عامٌّ، وما قبلَه خاصٌّ. ويمكنُ حملُه على نحوِ اللِّباسِ، والطِّيبِ، والجماعِ، فإنْ فعلَ شيئًا من ذلك، استغفرَ اللهَ منه، ولا فديةَ به، عمدًا، أو سهوًا، أو جهلًا. قال المنقِّحُ: ولو ضحَّى بواحدةٍ لمَنْ يضحِّى بأكثرَ منها، فيحلُّ له ذلك؛ لعمومِ: "حتى يضحِّي" (٣). وحكمةُ عدمِ الأخذِ من الشَعَرِ والظُفرِ أو البدنِ لمَنْ يُضحِّي، كما قال المناويُّ (٤): لتشملَ المغفرةُ والعتقُ من النَّارِ جميعَ أجزائِه؛ فإنَّه يُغفرُ له بأوَّلِ قطرةٍ من دمِها. وتوجيهُهُ بالمحرمينَ فاسدٌ؛ لعدمِ كراهةِ مسِّهِ الطِّيبَ والمخيطَ. انتهى كلامُهُ. (ويُسنُّ الحَلْقُ بعدَهُ) أي: الذبحِ. قالَهُ أحمدُ على ما فعلَ ابنُ عمرَ؛ تعظيمًا لذلك اليومِ.

стр. 729

فَصْلٌ في العَقِيقَةِ وهيَ سُنَّةٌ في حَقِّ الأبِ، ولو مُعسِرًا. (فصلٌ في العقيقةِ) أي: الذبيحةِ التي (١) تُذْبَحُ عن المولودِ. وقيل: هي الطعامُ الذي يُصنعُ ويُدعى إليه من أجلِ المولودِ. قال أبو عبيدٍ: الأصلُ في العقيقةِ: الشعرُ الذي على المولودِ، وجمعُها: عقائقُ، تمَّ إنَّ العربَ سمَّتِ الذبيحةَ عندَ حَلْقِ شعرِ المولودِ: عقيقةً، على عادَتهم في تسميةِ الشيءِ باسمِ سببهِ، أو ما يجاورُه، ثمَّ اشتُهِر ذلك حتى صارَ من الأسماءِ العُرْفيَّةِ، بحيثُ لا يُفهمُ من العقيقةِ عندَ الإطلاقِ إلا الذبيحةُ. قال ابنُ عبدِ البرِ: أنكرَ أحمدُ هذا التفسيرَ، وقال: إنَّما العقيقةُ: الذَّبحُ نفسُهُ. ووجهُهُ: أنَّ أصلَ العقِّ: القطعُ، ومنه: عَقَّ والدَيه، إذا قَطَعَهما. والذَّبحُ: قطعُ الحُلْقومِ والمَريءِ والودَجَيْنِ (٢). قال الفهَّامَةُ الشيخُ منصورٌ في "حاشيته" (٣): وقيلَ: العقيقةُ: الطعامُ الذي يُصنعُ ويُدعى إليه من أجل المولودِ (وهي) أي: العقيقةُ (سُنةٌ) مؤكَّدَةٌ في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ (في حقِّ الأبِ، ولو) كان (مُعْسِرًا) ويَقترضُ استحبابًا. وقالَ أصحابُ الرأي: ليستْ سُنَّةً، وهي من أمرِ الجاهليةِ، لما رُويَ أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عن العقيقةِ؟ فقال: "إنَّ اللهَ لا يُحبُّ

стр. 730

فَعَنِ الغُلامِ: شاتَانِ، وعَنِ الجَاريَةِ: شَاةٌ. العُقوق" (١). فكأنَّه كَرِهَ الاسمَ. وقال: "مَنْ وُلِدَ له مولودٌ، فأحبَّ أنْ يَنسُكَ عنه، فليفعلْ". رواه مالكٌ في "الموطأ" (٢). وعنه: أنَّها واجبةٌ، اختارَهُ أبو بكرٍ، وأبو إسحاقَ البَرْمَكيُّ، وأبو الوفاءِ (٣)، والأوَّلُ المذهبُ. قال أحمدُ: العقيقةُ سُنةٌ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، قدْ عقَّ عن الحسنِ والحسينِ (٤). وفعلَهُ أصحابُه. وقال النبيَّ ﷺ : "الغُلامُ مُرْتَهَنٌ بعقيقتِهِ" (٥). وهو إسنادٌ جيدٌ، يرويهِ أبو هريرةَ عن النبيِّ ﷺ . ومَنْ جعلَها من أمرِ الجاهليةِ، فلأنَّه لمْ يبلُغْه ما وردَ فيها من الأحاديثِ (٦). (فـ) تُسنُّ (عن الغلامِ: شاتانِ) متقارِبتانِ سَنًّا وشبَهًا، فإنْ عَدِمَ فواحدةٌ (وعن الجاريةِ: شاةٌ) لحديثِ أمِّ كُرْزٍ الكعْبيَّةِ، قالتْ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "عن الغلامِ شاتانِ متكافئتانِ، وعن الجاريةِ شاةٌ" (٧).

стр. 731

ولا تُجزِئُ بَدَنةٌ وبَقرةٌ، إلَّا كامِلَةً. والسُّنةُ ذبحُها في سَابِعِ يَومِ ولادَتِه، فإنْ فاتَ، ففَي أربعةَ عشَرَ، فإنْ فاتَ، ففي أحدٍ وعِشرينَ، ولا تُعتبَر الأسابيعُ بعدَ ذلِكَ. وكُرِهَ لطخُه مِن دَمِهَا. ويُسنُّ الأذانُ في أُذُنِ المولُودِ اليُمنى حينَ يُولَدُ، والإقَامَةُ في اليُسرَى. (ولا تُجزئُ بَدَنةٌ وبقرةٌ) تُذبَحُ عقيقةً (إلا كاملةً) نصًّا. قال في "النهاية": وأفضلُهُ: شاةٌ (والسُنَّةُ ذبحُها في سابعِ يومِ ولادتِه) قال في "الإنصاف" (١): ذبْحُها يومَ السابعِ أفضلُ، ويجوزُ ذبحُها قبلَ ذلكَ، ولا يجوزُ قبلَ الولادةِ (فإنْ فاتَ) أي: الذبحُ في السابعِ، (ففي أربعةَ عشَرَ) يُسنُّ، (فإنْ فاتَ) أي: الذبحُ في أربعةَ عشَرَ (ففي أحدٍ وعشرينَ) من ولادتِه يُسنُّ؛ روي عن عائشةَ (ولا تُعتبرُ الأسابيعُ بعدَ ذلك) فيعقُّ أيَّ يومٍ أرادَ، كقضاءِ أُضحيةٍ وغيرِها. فإنْ لمْ يعقَّ الأبُ، فبلغَ المولودُ، لمْ يُسنَّ له أنْ يَعقَّ عن نفسِه، نصَّ عليه؛ لأنَّ العقيقةَ مشروعةٌ في حقِّ الوالدِ، فلا يفعلُها غيره، كالأجنبيِّ. (وكُرِهَ لطخُهُ) أي: المولودِ (من دمِها) أي: العقيقةِ؛ لأنَّه أذًى وتنجيس (٢). (ويُسَنُّ الأَذانُ في أُذُنِ المولودِ اليُمنَى حينَ يُولدُ، والإقامةُ في اليُسرى) فإنَّ فِعلَ ذلك يَمنَعُ أمَّ الصِّبيانِ.

стр. 732

ويسنُّ أنْ يُحلَقَ رأسُ الغُلامِ في اليومِ السَّابِعِ، ويُتَصَدَّقَ بوزنِهِ فِضَّةً، ويُسمَّى فيه. وأَحبُّ الأسماءِ: عبدُ الله، وعبدُ الرحمن. (ويُسنُّ أنْ يُحْلَقَ رأسُ الغلامِ) أي: المولودِ (في اليومِ السابعِ) من ولادتِهِ (ويُتصدَّقَ بوزنِهِ فِضَّةً) لحديثِ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ مرفوعًا: "كلُّ غلامٍ رهينةٌ بعقيقتِهِ، تُذبَحُ عنه يومَ سابعِهِ، ويُسمَّى، ويُحلَقُ رأسُه". رواه الأثرمُ وأبو داودَ (١). وعن أبي هريرةَ مثلُه. قال أحمدُ: إسنادٌ جيدٌ. وقال ﵇ لفاطمةَ لما ولدَتِ الحسنَ: احلِقي رأسَه، وتَصدَّقِي بوزنِ شَعَرِه فِضَّةً على المساكينِ والأوفاضِ (٢) - يعني: أهلَ الصُّفَّةِ. رواه أحمدُ (٣). (ويُسمَّى فيه) أي: يومَ السابعِ مولودٌ؛ للخبرِ. وفي "الرعاية": يُسمَّى يومَ الولادةِ، ويُحسِنُ اسمَهُ؛ لحديثِ: "إنَّكم تُدْعَوْنَ يومَ القيامةِ بأسمائِكم، وأسماءِ آبائِكم، فأحْسِنُوا أسماءَكم". رواه أبو داودَ (٤). والتسميةُ حقُّ للأبِ (٥). (وأحبُّ الأسماءِ: عبدُ اللهِ، وعبدُ الرحمنِ) لخبرٍ رواهُ مسلمٌ (٦). ويُسنُّ

стр. 733

وتحرُمُ التَّسمِيةُ بعبدِ غَيرِ الله، كعَبدِ النَّبيِّ، وعَبدِ المَسيحِ. وتُكره بحَربٍ، ويسارٍ، ومُبارَكٍ، ومُفِلحٍ، وخَيْرٍ، وسُرُورٍ. لا بأَسمَاءِ الملائَكةِ والأنبيَاءِ. وإن اتَّفَقَ وقتُ عَقِيقَةٍ وأُضحِيَةٍ، أجزأَتْ إحداهُما عنِ الأُخرى. تغييرُ (١) اسمٍ قبيحٍ (وتحرُمُ التَّسميةُ بعبدِ غيرِ اللهِ؛ كعبدِ النبيِّ، وعبدِ المسيحِ) وعبدِ شمسٍ، وعبدِ الكعبةِ (وتُكَرَهُ) التسميةُ (بحربٍ، ويسارٍ، ومباركٍ، ومُفلحِ، وخيرٍ، وسُرورٍ) ورَباحٍ، ونجيحٍ، ونافعٍ، وأفلحَ، وبركَةَ، ومُقبلٍ، ورافعٍ. قال القاضي: وكلُّ اسمٍ فيه تفخيمٌ أو تعظيمٌ (٢). ويُستحبُّ أنْ يُغيَّرَ الاسمُ القبيحِ. (لا) يُكرَهُ (بأسماءِ الملائكةِ والأنبياءِ) وعن مالكٍ: سمعتُ أهلَ مكَّةَ يقولون: ما من أهلِ بيتٍ فيهم اسمُ محمدٍ إلا رُزِقوا، ورُزِقَ خيرًا (٣). قالَ في "الإقناع" (٤): ولا يُكرَهُ التكنِّي بأبي القاسمِ بعدَ موتَ النبيِّ ﷺ . (وإنْ اتفقَ وقتُ عقيقةٍ وأُضحيةٍ) بأنْ يكونَ السابعَ، أو نحوَه من أيَّامِ النحرِ، فحقَّ أو ضحَّى (أجزأتْ إحداهُما عن الأُخرى) كما لو اتفقَ يومُ عيدٍ وجمعةٍ فاغتسلَ لأحدِهما. وكذا ذبحُ مُتمتِّعٍ أو قارنٍ شاةً يومَ النحرِ، فتُجزئُ عن الهديِ الواجبِ، وعن الأُضحيةِ.

стр. 734

كتابُ الجِهادِ وهُوَ فرضُ كِفَايَةٍ. ويُسنُّ معَ قِيامِ مَنْ يَكِفي به. ولا يَجِبُ إلا على ذَكَرٍ، (كتابُ الجهادِ) مصدرُ جاهدَ جهادًا، أو مُجاهدةً، من جَهِدَ، أي: بالغَ في قتلِ عدُوِّه. فهو لغةً: بذلُ الطَّاقةِ والوُسْعِ. وشرْعًا: قتالُ الكفارِ (وهو فرضُ كفايةٍ) لقولِه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البَقَرَة: ٢١٦]، ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١٩٠]. فإذا قامَ به مَنْ يكفي، سقَطَ عن الباقين، وإلا أثِموا كلُّهم. (ويُسنُّ) الجهادُ (مع قيامِ مَنْ يكفي به) للآياتِ والأخبارِ. ومعنى الكفايةِ هنا: نهوضُ قومٍ يكْفونَ في قتالِهم، جندًا كانوا لهم دواوينَ، أو أَعدُّوا أنفسَهم له تَبَرُّعًا، بحيثُ إذا قصدَهم العدوُّ، حصلتِ المنَعَةُ (١) بهم، ويكونُ بالثغورِ مَنْ يدْفعُ العدوَّ عن أهلِها. ويبعثُ الإمامُ في كلِّ (٢) سنةٍ جيشًا، يُغيرونَ على العدوِّ في بلادِهم. (ولا يجبُ) جهاد (إلَّا على ذَكرٍ) لحديثِ عائشةَ: هلْ على النِّساءِ جهادٌ؟ فقال: "عليهنَّ جهادٌ لا قتالَ فيه: الحجّ والعُمرةُ" (٣). ولضَعفِ المرأةِ وخَوَرِها، فليستْ من أهلِ القتالِ. ولا يجبُ على خُنثى مُشْكِلٍ؛ للشكِّ في شزطِه

стр. 735

حُرِّ، مُسلِمٍ، مُكلَّفٍ، صَحِيحٍ، واجدٍ مِنْ المَالِ ما يكفيهِ، ويَكِفي أهلَهُ في غَيبَتِهِ، ويَجِدُ معَ مسافَةِ قَصرٍ ما يحمِلُهُ. (حُرٍّ) فلا يجبُ على عبدٍ، لما رُويَ أنَّه ﵇ كان يبايعُ الحرَّ على الإسلامِ والجهادِ، ويبايعُ العبدَ على الإسلامِ دونَ الجهادِ (١). (مسلمِ) كسائرِ فروعِ الإسلامِ. (مكلَّفٍ) فلا يجبُ على صغيرٍ ولا مجنونٍ؛ لحديثِ: "رُفِعَ القلمُ عن ثلاثٍ" (٢). (صحيحٍ) أي: سليمٍ من العَمَى والعَرَجِ والمرضِ؛ لقولِه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النُّور: ٦١] وكذلك لا يلزمُ أشلَّ، ولا أقطعَ يدٍ أو رِجلٍ، ومَنْ أكثرُ أصابِعه ذاهبةٌ، أو إبهامُهُ، أو ما يذهبُ بذهابِه نفعُ اليدِ أو الرِّجلِ. (واجدٍ من المالِ ما يكفيه، ويكفي أهلَه في غيبتِهِ)؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التّوبَة: ٩١] الآية. (و) أن (يجد مع مسافةِ قصرٍ) فأكثرَ من بلدِه (ما يحمِلُهُ) لقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التّوبَة: ٩٢]. الآية. ويعتبر أن يفضلَ ذلك عن قضاءِ دينِه وحوائجِه، كحجٍّ.

стр. 736

ويُسنُّ تَشييعُ الغازِي، لا تَلقِّيهِ. واَفضلُ مُتطَوَّعٍ بِهِ الجِهادُ (ويسَنُّ تشييعُ الغازي، لا تَلَقِّيه) نصًّا؛ لأنَّ عليًّا شيَّعَ رسولَ اللهِ ﷺ في غزوةِ تبوك، ولم يتلَقَّه (١). ورُويَ عن الصِّديق أنَّه شيَّعَ يزيدَ بنَ أي سفيانَ حينَ بعثَه إلى الشامِ. الخبر، وفيه: إنِّي أحتسبُ خُطايَ هذه في سبيلِ اللهِ (٢). قال في "الفروع": ويتوجَّه مثلُه: حجٌّ. وفي "الفنون": تحسُنُ التهنئةُ بالقدومِ للمسافرِ، كالمَرْضَى (٣) (وأفضلُ متطوَّعِ به الجهادُ) قال أحمدُ: لا أعلمُ شيئًا من العملِ بعدَ الفرائضِ أفضلُ من الجهادِ. لحديثِ أبي سعيدٍ، قالَ: قيل (٤): يا رسولَ اللهِ، أيُّ الناسِ أفضلُ؟ فقال: "مؤمِنٌ (٥) يجاهدُ في سبيلِ اللهِ بنفسِه ومالِه" متفقٌ عليه (٦). وقيلَ: الصَّلاةُ أفضلُ من الجهادِ. وهو ظاهرُ كلامِ الموفَّقِ في بابِ صلاةِ التطوُّعِ. وقدَّمَه في "الرعاية الكبرى". وقال الشيخُ تقيُّ الدينِ: استيعابُ عشرِ ذي الحجَّةِ بالعبادةِ ليلًا ونهارًا، أفضلُ من الجهادِ الذي لمْ تذهبْ فيه نفسُهُ ومالُهُ. وعنه: العلمُ تعلُّمُه وتعليمُه أفضلُ من الجهادِ وغيرِه (٧).

стр. 737

وغزُو البَحْرِ أَفضلُ - وتُكَفِّرُ الشَّهادةُ جَميعَ الذُّنوبِ سِوَى الدَّين. (وغزوُ البحرِ أفضلُ) من غزوِ البرِّ؛ لحديثِ ابنِ ماجه (١) مرفوعًا: "شهيدُ البحرِ مثلُ شهيدَي (٢) البرِّ، والمائِدُ (٣) في البَحرِ كالمتشحِّطِ في دَمِه في البرِّ (٤)، وما بينَ الموجتَيْنِ كقاطعِ الدنيا في طاعةِ اللهِ. وإنَّ اللهَ قدْ وكَّلَ ملكَ الموتِ بقبض الأرواح إلا شهيدَ البحرِ، فإنَّه يتولَّى قبضَ أرواحِهم، ويَغفرُ لشهيدِ البرِّ الذنوبَ كلَّها إلَّا الدَّينَ، ويَغفرُ لشهيدِ البحرِ الذنوبَ والدَّينَ". ولأنَّ البحرَ أعظمُ خطرًا ومشقَّةً (وتكفِّرُ الشهادةُ جميعَ الذنوبِ سِوَى الدَّيْنِ) أي: غيرَ الدَّينِ. قال الآجريُّ: هذا فيمَنْ تهاونَ بقضائِه، أمَّا مَنْ استدان دينًا وأنفقَه في غيرِ سرَفٍ ولا تبذيرٍ، ثمَّ لمْ يمكنْهُ قضاؤُه، فإنَّ اللهَ يقضيه عنه، ماتَ أو قُتِلَ. وقال الشَّيخُ تقيُّ الدينِ: وغيرَ مظالمِ العبادِ، كقتلٍ وظلمٍ، وزكاةٍ وحجِّ أخَّرَهُما. وقال: من اعتقدَ أنَّ الحجَّ يُسقِطُ ما وجبَ عليه من الصَّلاةِ والزكاةِ، فإنَّه يُستتابُ، فإنْ تابَ وإلا قُتِلَ. ولا يسقُطُ حقُّ الآدميِّ من دمٍ أو مالٍ أو عرضٍ بالحجِّ. إجماعًا (٥). وتكفِّرُ طهارةٌ، وصلاةٌ، ورمضانُ، وعرفةُ، وعاشوراءُ، الصَّغائرَ فقطْ. ونقلَ المرُّوذيُّ: برُّ الوالدينَ كفَّارةٌ للكبائرِ. وفي "الصحيحين" (٦) أو "الصحيح":

стр. 738

ولا يَتطَوَّعُ بهِ مَديِنٌ لا وفاءَ له، إلَّا بإذنِ غَريمِهِ، ولا مَنْ أحدُ أبوَيهِ حُرٌّ مُسلِمٌ إلَّا بإذنِهِ. "العمرةُ إلى العمرةِ كفَّارةٌ لما بينهما". قالَ ابنُ هبيرةَ: فيه إشارة إلى أنَّ كبارَ (١) الطاعاتِ يُكفِّرُ اللهُ ما بينهما؛ لأنَّه لمْ يقلْ: كفَّارةٌ لصغارِ ذنويه، بلْ إطلاقُه يتناولُ الصَّغائرَ والكبائرَ (٢). وعلى تقديرِ أنَّ ما تقذمَ يُكفِّرُ الذنوبَ الصغائرَ والكبائرَ، فالمرادُ: غيرُ الدَّيْنِ ومظالمَ العبادِ. (ولا يتطوَّعُ به) أي: بالجهادِ (مَدِينٌ لا وفاءَ له) حالًّا كانَ الدَّيْنُ أو مؤجَّلًا؛ لأنَّ الجهادَ يُقصدُ منه الشهادةُ، فتفوتُ به النفسُ، فيفوتُ الحقُّ. فإنْ كانَ الدَّيْنُ للهِ أو لآدميٍّ، وله وفاءٌ، جازَ له التطوُّعُ به (إلا بإذنِ غريمِه) أي: ربِّ الدَّيْنِ، فيجوزُ؛ لرضاه. أو معَ رهنٍ يُحرِزُ الدَّيْنَ، يُمكنُ وفاؤُه منه، أو كفيلٍ مَليءٍ بالدَّيْنِ، فيجوزُ إذًا؛ لأنَّه لا ضررَ على ربِّ الدينِ. فإنْ تعيَّنَ عليه الجهادُ، فلا إذنَ لغريمِه؛ لتعلُّقِ الجهادِ بعينِه، فيقدَّمُ على ما في ذمَّتِهِ، كسائرِ فروضِ الأعمِانِ (ولا مَنْ أحدُ أبوَيْه حُرٌّ مسلمٌ إلا بإذنِه) لحديثِ ابنِ عمروٍ: جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أجاهدُ؟ قال: "لك أبوانِ؟ " قال: نعمْ. قال: "ففيهما فجاهدْ" (٣). وعن ابنِ عباسٍ نحوُه (٤)، قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ.

стр. 739

ويُسنُّ الرِّباطُ، وهو: لُزومُ الثَّغْرِ للجهادِ، وأقلُّه: ساعةٌ، وتمامُهُ: أربعُونَ يومًا، وهُوَ أفضَلُ مِنَ المُقَامِ بمكَّةَ، وأفضَلُه ما كانَ أشدَّ خَوفًا. ولا يجوزُ للمُسلمينَ الفِرارُ من مِثلَيهِم، ولو واحِدًا من اثنينِ، (ويُسنُّ الرِّباطُ) في سبيلِ اللهِ؛ لحديثِ سلمانَ مرفوعًا: "رِباطُ ليلةٍ في سبيلِ اللهِ، خيرٌ من صيامِ شهرٍ وقيامِهِ، فإنْ ماتَ، جَرَى عليه عملُه الذي كانَ يعملُ، وأُجرِيَ عليه رزقُه، وأَمِنَ الفُتَّانَ". رواه مسلمٌ (١). (وهو) لغةً: الحبسُ. وعُرْفًا: (لزومُ الثَّغْرِ للجهادِ) تقويةً لمسلمين (وأقلُّه: ساعةٌ) قال أحمدُ: يومٌ رِباطٌ، وليلةٌ رِباطٌ، وساعةٌ رِباطٌ. والثَّغْرُ: كلُّ مكانٍ يُخيفُ أهلُه العدوَّ ويُخيفُهم. وسُمِّيَ المُقامُ بالثَّغْرِ: رِباطًا؛ لأنَّ هؤلاءِ يَربطونَ خيولَهم، وهؤلاءِ يربطونَ خيولَهم. (وتمامُه) أي: الرِّباطِ (أربعونَ يومًا) رواه أبو الشيخِ في كتابِ "الثوابِ" عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "تمامُ الرِّباطِ أربعونَ يومًا" (٢). (وهو) أي: الرِّباطُ (أفضلُ من المُقامِ بمكَّةَ) ذكرَهُ الشيخُ تقيُّ الدينِ إجماعًا. والصَّلاةُ بمكَّةَ أفضلُ من الصَّلاةِ بالثَّغْرِ (وأفضلُه ما كانَ أشدَّ خَوْفًا) أي: بأشدِّ الثغورِ خَوْفًا؛ لأنَّهم أحوجُ، ومُقامُهُ به أنفعُ. قال أحمدُ: أفضلُ الرِّباطِ أشدُّهم كَلَبًا، بفتحِ اللَّامِ، أي: شَرًّا (ولا يجوزُ للمسلمين الفرارُ من مِثلَيهم، ولو) كانَ الفارُّ (واحدًا من اثنينِ) كافرينِ. قال ابنُ عباسٍ: مَنْ فرَّ من اثنين، فقدْ فرَّ، ومَنْ فرَّ من ثلاثةٍ، فما فرَّ (٣).

стр. 740

فإن زادُوا على مِثلَيهِم، جَازَ. والهِجرَةُ واجبَةٌ على كلِّ مَنْ عَجَزَ عن إظهارِ دينهِ بمَحَلٍّ يغلِبُ فيه حُكمُ الكُفرِ، والبِدَعِ المُضِلَّةِ، فإن قَدَرَ على إظهارِ دينِهِ فمسنُونَةٌ. (فإنْ زادُوا على مِثلَيهم، جازَ) الفرارُ. والفرارُ مع زيادةِ الكفَّارِ على مِثلَي المسلمين مع ظنِّ تلفٍ أوْلَى من الثباتِ؛ حفظًا للنفوسِ. (والهجرةُ واجبة) الهجرةُ: الخروجُ من دارِ أهلِ الكفرِ إلى دارِ أهلِ الإسلامِ. ويُقاسُ على ذلك: الخروجُ من دارِ أهلِ البدعِ إلى دارِ أهلِ السنةِ. والأصلُ في ذلك قولُه : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النِّساء: ٩٧]. الآيات. وعنه ﵇: "أنا بريءٌ من مسلمٍ بين مشركينَ. لا تَراءَى ناراهُما". رواه أبو داودَ، والترمذيُّ (١). أي: لا يكونُ بموضعٍ يَرى نارَهم، ويَرَوْن نارَه إذا أُوقِدَتْ (٢). ولا تجبُ الهجرةُ من بينِ أهلِ المعاصي. (على كلِّ مَنْ عَجَزَ عن إظهارِ دينِه بمَحَلٍّ يغلبُ فيه حُكْمُ الكفرِ، و) حُكْمُ (البدعِ المُضِلَّةِ) كاعتزالٍ، وتشيُّعٍ (فإنْ قَدرَ على إظهارِ دينهِ) بنحوِ دارِ كفرٍ، ليتخلَّصَ من تكثيرِ الكفَّارِ، ويتمكَّنَ من جهادِهم (فمسنونةٌ) أي: الهجرةُ لقادرٍ. وعُلِمَ ممَّا تقدَّمَ: بقاءُ حُكمِ الهجرةِ؛ لحديثِ: "لا تنقطعُ الهجرةُ حتى تنقطعَ
следующие страницы →