← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 803

شرح دليل الطالب - عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

Полный текст (1 686 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

ويُسنُّ تَشييعُ الغازِي، لا تَلقِّيهِ. واَفضلُ مُتطَوَّعٍ بِهِ الجِهادُ (ويسَنُّ تشييعُ الغازي، لا تَلَقِّيه) نصًّا؛ لأنَّ عليًّا شيَّعَ رسولَ اللهِ ﷺ في غزوةِ تبوك، ولم يتلَقَّه (١). ورُويَ عن الصِّديق أنَّه شيَّعَ يزيدَ بنَ أي سفيانَ حينَ بعثَه إلى الشامِ. الخبر، وفيه: إنِّي أحتسبُ خُطايَ هذه في سبيلِ اللهِ (٢). قال في "الفروع": ويتوجَّه مثلُه: حجٌّ. وفي "الفنون": تحسُنُ التهنئةُ بالقدومِ للمسافرِ، كالمَرْضَى (٣) (وأفضلُ متطوَّعِ به الجهادُ) قال أحمدُ: لا أعلمُ شيئًا من العملِ بعدَ الفرائضِ أفضلُ من الجهادِ. لحديثِ أبي سعيدٍ، قالَ: قيل (٤): يا رسولَ اللهِ، أيُّ الناسِ أفضلُ؟ فقال: "مؤمِنٌ (٥) يجاهدُ في سبيلِ اللهِ بنفسِه ومالِه" متفقٌ عليه (٦). وقيلَ: الصَّلاةُ أفضلُ من الجهادِ. وهو ظاهرُ كلامِ الموفَّقِ في بابِ صلاةِ التطوُّعِ. وقدَّمَه في "الرعاية الكبرى". وقال الشيخُ تقيُّ الدينِ: استيعابُ عشرِ ذي الحجَّةِ بالعبادةِ ليلًا ونهارًا، أفضلُ من الجهادِ الذي لمْ تذهبْ فيه نفسُهُ ومالُهُ. وعنه: العلمُ تعلُّمُه وتعليمُه أفضلُ من الجهادِ وغيرِه (٧).

стр. 737

وغزُو البَحْرِ أَفضلُ - وتُكَفِّرُ الشَّهادةُ جَميعَ الذُّنوبِ سِوَى الدَّين. (وغزوُ البحرِ أفضلُ) من غزوِ البرِّ؛ لحديثِ ابنِ ماجه (١) مرفوعًا: "شهيدُ البحرِ مثلُ شهيدَي (٢) البرِّ، والمائِدُ (٣) في البَحرِ كالمتشحِّطِ في دَمِه في البرِّ (٤)، وما بينَ الموجتَيْنِ كقاطعِ الدنيا في طاعةِ اللهِ. وإنَّ اللهَ قدْ وكَّلَ ملكَ الموتِ بقبض الأرواح إلا شهيدَ البحرِ، فإنَّه يتولَّى قبضَ أرواحِهم، ويَغفرُ لشهيدِ البرِّ الذنوبَ كلَّها إلَّا الدَّينَ، ويَغفرُ لشهيدِ البحرِ الذنوبَ والدَّينَ". ولأنَّ البحرَ أعظمُ خطرًا ومشقَّةً (وتكفِّرُ الشهادةُ جميعَ الذنوبِ سِوَى الدَّيْنِ) أي: غيرَ الدَّينِ. قال الآجريُّ: هذا فيمَنْ تهاونَ بقضائِه، أمَّا مَنْ استدان دينًا وأنفقَه في غيرِ سرَفٍ ولا تبذيرٍ، ثمَّ لمْ يمكنْهُ قضاؤُه، فإنَّ اللهَ يقضيه عنه، ماتَ أو قُتِلَ. وقال الشَّيخُ تقيُّ الدينِ: وغيرَ مظالمِ العبادِ، كقتلٍ وظلمٍ، وزكاةٍ وحجِّ أخَّرَهُما. وقال: من اعتقدَ أنَّ الحجَّ يُسقِطُ ما وجبَ عليه من الصَّلاةِ والزكاةِ، فإنَّه يُستتابُ، فإنْ تابَ وإلا قُتِلَ. ولا يسقُطُ حقُّ الآدميِّ من دمٍ أو مالٍ أو عرضٍ بالحجِّ. إجماعًا (٥). وتكفِّرُ طهارةٌ، وصلاةٌ، ورمضانُ، وعرفةُ، وعاشوراءُ، الصَّغائرَ فقطْ. ونقلَ المرُّوذيُّ: برُّ الوالدينَ كفَّارةٌ للكبائرِ. وفي "الصحيحين" (٦) أو "الصحيح":

стр. 738

ولا يَتطَوَّعُ بهِ مَديِنٌ لا وفاءَ له، إلَّا بإذنِ غَريمِهِ، ولا مَنْ أحدُ أبوَيهِ حُرٌّ مُسلِمٌ إلَّا بإذنِهِ. "العمرةُ إلى العمرةِ كفَّارةٌ لما بينهما". قالَ ابنُ هبيرةَ: فيه إشارة إلى أنَّ كبارَ (١) الطاعاتِ يُكفِّرُ اللهُ ما بينهما؛ لأنَّه لمْ يقلْ: كفَّارةٌ لصغارِ ذنويه، بلْ إطلاقُه يتناولُ الصَّغائرَ والكبائرَ (٢). وعلى تقديرِ أنَّ ما تقذمَ يُكفِّرُ الذنوبَ الصغائرَ والكبائرَ، فالمرادُ: غيرُ الدَّيْنِ ومظالمَ العبادِ. (ولا يتطوَّعُ به) أي: بالجهادِ (مَدِينٌ لا وفاءَ له) حالًّا كانَ الدَّيْنُ أو مؤجَّلًا؛ لأنَّ الجهادَ يُقصدُ منه الشهادةُ، فتفوتُ به النفسُ، فيفوتُ الحقُّ. فإنْ كانَ الدَّيْنُ للهِ أو لآدميٍّ، وله وفاءٌ، جازَ له التطوُّعُ به (إلا بإذنِ غريمِه) أي: ربِّ الدَّيْنِ، فيجوزُ؛ لرضاه. أو معَ رهنٍ يُحرِزُ الدَّيْنَ، يُمكنُ وفاؤُه منه، أو كفيلٍ مَليءٍ بالدَّيْنِ، فيجوزُ إذًا؛ لأنَّه لا ضررَ على ربِّ الدينِ. فإنْ تعيَّنَ عليه الجهادُ، فلا إذنَ لغريمِه؛ لتعلُّقِ الجهادِ بعينِه، فيقدَّمُ على ما في ذمَّتِهِ، كسائرِ فروضِ الأعمِانِ (ولا مَنْ أحدُ أبوَيْه حُرٌّ مسلمٌ إلا بإذنِه) لحديثِ ابنِ عمروٍ: جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أجاهدُ؟ قال: "لك أبوانِ؟ " قال: نعمْ. قال: "ففيهما فجاهدْ" (٣). وعن ابنِ عباسٍ نحوُه (٤)، قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ.

стр. 739

ويُسنُّ الرِّباطُ، وهو: لُزومُ الثَّغْرِ للجهادِ، وأقلُّه: ساعةٌ، وتمامُهُ: أربعُونَ يومًا، وهُوَ أفضَلُ مِنَ المُقَامِ بمكَّةَ، وأفضَلُه ما كانَ أشدَّ خَوفًا. ولا يجوزُ للمُسلمينَ الفِرارُ من مِثلَيهِم، ولو واحِدًا من اثنينِ، (ويُسنُّ الرِّباطُ) في سبيلِ اللهِ؛ لحديثِ سلمانَ مرفوعًا: "رِباطُ ليلةٍ في سبيلِ اللهِ، خيرٌ من صيامِ شهرٍ وقيامِهِ، فإنْ ماتَ، جَرَى عليه عملُه الذي كانَ يعملُ، وأُجرِيَ عليه رزقُه، وأَمِنَ الفُتَّانَ". رواه مسلمٌ (١). (وهو) لغةً: الحبسُ. وعُرْفًا: (لزومُ الثَّغْرِ للجهادِ) تقويةً لمسلمين (وأقلُّه: ساعةٌ) قال أحمدُ: يومٌ رِباطٌ، وليلةٌ رِباطٌ، وساعةٌ رِباطٌ. والثَّغْرُ: كلُّ مكانٍ يُخيفُ أهلُه العدوَّ ويُخيفُهم. وسُمِّيَ المُقامُ بالثَّغْرِ: رِباطًا؛ لأنَّ هؤلاءِ يَربطونَ خيولَهم، وهؤلاءِ يربطونَ خيولَهم. (وتمامُه) أي: الرِّباطِ (أربعونَ يومًا) رواه أبو الشيخِ في كتابِ "الثوابِ" عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "تمامُ الرِّباطِ أربعونَ يومًا" (٢). (وهو) أي: الرِّباطُ (أفضلُ من المُقامِ بمكَّةَ) ذكرَهُ الشيخُ تقيُّ الدينِ إجماعًا. والصَّلاةُ بمكَّةَ أفضلُ من الصَّلاةِ بالثَّغْرِ (وأفضلُه ما كانَ أشدَّ خَوْفًا) أي: بأشدِّ الثغورِ خَوْفًا؛ لأنَّهم أحوجُ، ومُقامُهُ به أنفعُ. قال أحمدُ: أفضلُ الرِّباطِ أشدُّهم كَلَبًا، بفتحِ اللَّامِ، أي: شَرًّا (ولا يجوزُ للمسلمين الفرارُ من مِثلَيهم، ولو) كانَ الفارُّ (واحدًا من اثنينِ) كافرينِ. قال ابنُ عباسٍ: مَنْ فرَّ من اثنين، فقدْ فرَّ، ومَنْ فرَّ من ثلاثةٍ، فما فرَّ (٣).

стр. 740

فإن زادُوا على مِثلَيهِم، جَازَ. والهِجرَةُ واجبَةٌ على كلِّ مَنْ عَجَزَ عن إظهارِ دينهِ بمَحَلٍّ يغلِبُ فيه حُكمُ الكُفرِ، والبِدَعِ المُضِلَّةِ، فإن قَدَرَ على إظهارِ دينِهِ فمسنُونَةٌ. (فإنْ زادُوا على مِثلَيهم، جازَ) الفرارُ. والفرارُ مع زيادةِ الكفَّارِ على مِثلَي المسلمين مع ظنِّ تلفٍ أوْلَى من الثباتِ؛ حفظًا للنفوسِ. (والهجرةُ واجبة) الهجرةُ: الخروجُ من دارِ أهلِ الكفرِ إلى دارِ أهلِ الإسلامِ. ويُقاسُ على ذلك: الخروجُ من دارِ أهلِ البدعِ إلى دارِ أهلِ السنةِ. والأصلُ في ذلك قولُه : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النِّساء: ٩٧]. الآيات. وعنه ﵇: "أنا بريءٌ من مسلمٍ بين مشركينَ. لا تَراءَى ناراهُما". رواه أبو داودَ، والترمذيُّ (١). أي: لا يكونُ بموضعٍ يَرى نارَهم، ويَرَوْن نارَه إذا أُوقِدَتْ (٢). ولا تجبُ الهجرةُ من بينِ أهلِ المعاصي. (على كلِّ مَنْ عَجَزَ عن إظهارِ دينِه بمَحَلٍّ يغلبُ فيه حُكْمُ الكفرِ، و) حُكْمُ (البدعِ المُضِلَّةِ) كاعتزالٍ، وتشيُّعٍ (فإنْ قَدرَ على إظهارِ دينهِ) بنحوِ دارِ كفرٍ، ليتخلَّصَ من تكثيرِ الكفَّارِ، ويتمكَّنَ من جهادِهم (فمسنونةٌ) أي: الهجرةُ لقادرٍ. وعُلِمَ ممَّا تقدَّمَ: بقاءُ حُكمِ الهجرةِ؛ لحديثِ: "لا تنقطعُ الهجرةُ حتى تنقطعَ

стр. 741

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . التوبةَ، ولا تنقطعَ التوبة حتى تطلعَ الشمسُ من مغربها". رواه أبو داودَ (١). وأمَّا حديث: "لا هجرةَ بعدَ الفتحِ" (٢). أي: من مكَّةَ. ومثلُها كلُّ بلدٍ فُتِحَ؛ لأنَّه لمْ يبقَ بلدَ كفرٍ.

стр. 742

فَصْلٌ والأُسَارَى من الكُفَّارِ على قِسمَينِ: قِسمٌ يكونُ رقيقًا بمُجَرَّدِ السَّبي، وهم النِّساءُ والصِّبيانُ. وقِسمٌ لا، وهمُ الرِّجالُ البالِغونَ المُقاتِلُون، والإمامُ فيهم مخيَّر بينَ قتلٍ، ورِقِّ، ومَنٍّ، وفِدَاءٍ بمالٍ، أو بأسيرٍ مُسلِمٍ. ويَجِبُ عليه فِعلُ الأصلَحِ. (فصلٌ) (والأُسَارَى من الكفَّارِ على قسمينِ): (قسمٌ يكونُ رقيقًا بمجرَّدِ السَّبيِ، وهم النساءُ والصِّبيانُ). (وقسمٌ لا) يكون أسيرًا (وهم الرِّجالُ البالغونَ المقاتِلُونَ، والإمامُ فيهم مخيَّرٌ بين قتلٍ) لعمومِ قولِه تعالى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾. وقتَلَ ﵇ رِجالَ بني قريظةَ (١)، وهم بين الستِّمائِةٍ والسبعمائةٍ (و) بين (رِقٍّ)؛ لأنَّه يجوزُ إقرارُهم على كفرِهم بالجزيةِ، فبالرقِّ أوْلَى؛ لأنَّه أبلغُ في صَغَارِهم (و) بين (مَنٍّ) عليهم (و) بين (فداءٍ بمالٍ، أو) فداءٍ (بأسيرٍ مسلمٍ). (ويجبُ عليه) أي: على الإمامِ (فعلُ الأصلحِ) للمسلمينَ من هذه، فهو تخييرُ مصلحةٍ واجتهادٍ، لا شهوةٍ. فلا يجوزُ عدول عمَّا رآه مصلحةً؛ لأنَّه يتصرفُ للمسلمين على سبيلِ النظرِ إليهم والشفقةِ بهم.

стр. 743

ولا يَصِحُّ بيعُ مُستَرَقِّ منهم لِكَافِر. ويُحكَمَ بإسلامِ مَنْ لَم يبلُغ من أولادِ الكُفَّار عِندَ وُجُودِ أحَدِ ثَلاثَة أسبَابٍ: أحَدُها: أن يُسلِمَ أحدُ أبَوَيهِ خاصَّةً. الثَّانِي: أن يُعدَمَ أحدُهُمَا بدَارِنَا. الثَّالِثُ: أن يَسبِيَهُ مُسلِمٌ، منفَرِدًا عن أَحدِ أَبَويهِ. فإن سَباة ذِمِّيٌّ، فعَلَى دينِه، أو سُبِيَ معَ أبويهِ، فعلَى دينِهِما. (ولا يصحُّ بيعُ مُستَرَقٍّ منهم لكافرٍ) أبي: من سَبيِ المسلمين. وقال الشريفُ أبو جعفرٍ: لا يجوزُ أنْ يَشتريَ الكافرُ العبدَ الذي ملكَه المسلمُ (ويُحكمُ بإسلامِ مَنْ لمْ يبلغْ من أولادِ الكفَّارِ عندَ وجودِ أحدِ ثلاثةِ أسبابِ): (أحدُها: أنْ يُسلِمَ أحدُ أبويْهِ خاصَّةً) فهو مسلمٌ (الثاني: أنْ يُعدَمَ أحدُهُما) أبي: أحدُ أبوَي مَنْ لمْ يبلغْ (بدارِنا) أبي: بدارِ الإسلامِ. قال في "الإقناع": ويرثُ ممَّنْ جعلناه مسلمًا بموتِهِ حتى ولو تُصُوِّرَ موتُهما معًا لورَثتِهما. (الثالثُ: أنْ يَسبِيَهُ مسلئم منفردًا عن أحدِ أبوَيْهِ) فهو مسلمٌ (فإنْ سبَاه ذِمِّيٌّ، فعلى دينِه) قال في "الإنصاف": لو سبَى ذميٌّ حربيًّا تبعَ سابِيَه، حيثُ يتبعُ المسلمَ على الصحيحِ من المذهبِ (أو سُبِيَ مع أبوَيْهِ، فعلى دينِهما)؛ للخبرِ. وملكُ الثاني له لا يمنعُ تبعيتَهُ لأبويهِ في الدينِ، كما لو ولدتْه أمَتُه الكافرةُ في ملكِه من كافرٍ.

стр. 744

فَصْلٌ ومَنْ قَتلَ قَتيلًا في حالةِ الحَربِ، فلَة سَلَبُه -وهو: ما عَلَيه مِنْ ثيابٍ، وحُلِيٍّ، وسِلاح- وكذا دابّته التي قاتَلَ عليها، وما عَليهَا. وأمَّا نفقتُه ورحلُه وخيمتُه وجنيبُه، فغنيمةٌ. (فصل) (ومَنْ قَتَلَ قتيلًا في حالةِ الحربِ، فلَهُ سَلَبُه) والسَلَبُ (وهو: ما عَليه (١) من ثيابِ، وحليٍّ وسلاحِ، وكذا دابَّتُه التي قاتلَ عليها، وما عليها) لأنَّه تابعٌ لهما، ويُسَتعانُ به في الحربَ، فأشبَهَ السلاحَ. (وأمَّا نفقتُه، ورحْلُه، وخيمتُه، وجَنِيبُه) أبي: الدابَّةُ التي لمْ يكنْ راكبَها حالَ القتالِ (فـ) ــــــهو (غنيمةٌ) لأنَّه ليسَ من سلَبِه. وإنْ كانَ راكبًا على دابتِه، فصرعَهُ عنها، ثمَّ قتلَهُ بالأرضِ، فهي من السلَبِ. ويجوزُ سلبُ القتلَى، وتركُهم عُراةً، لقولِه ﵇ في قتيلِ سلمةَ بنِ الأكْوَعِ: "له سلَبُه أجْمَعُ" (٢). وقال: "مَنْ قتلَ قتيلًا فلَهُ سلبُهُ" (٣). وهذا يتناولُ جميعَهُ. قال في "الإقناع" (٤): ويجوزُ سلبُ القتلى، وتركُهم عراةً غيرَ مستورِي العورةِ

стр. 745

وتُقسَمُ الغَنيمةُ بينَ الغانِمِين، فيُعطَى لهم أربعةُ أخماسِهَا، للرَّاجِل سَهْمٌ، وللفارِسِ على فَرسٍ هَجِينٍ سَهمَان، وعلَى فَرسٍ عَربيٍّ ثَلاثةٌ. ولا يُسهَمُ لغيرِ الخَيلِ. (وتُقسَمُ الغنيمةُ بين الغانمين، فيُعطَى لهم أربعةُ أخماسِها) أبي: الغنيمةِ (للرَّاجِلِ) ولو كان كافرًا (سهمٌ) (وللفارسِ على فرسٍ هَجِينٍ) وهو ما أبوه فقط عربيٌّ، أو على فرسٍ مُقرِفٍ -عكسُ الهَجِينِ- وهو ما أمّه فقط عربيةٌ، أو على فرسٍ برْذَوْنٍ، وهو: ما (١) أبواهُ نبَطِيَّان (سهمانِ) سهمٌ له، وسهمٌ لفرسِه؛ لحديثِ مكحولٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ أعطىَ الفرسَ العربيَّ (٢) سهمين، وأعطَى الهَجِينَ سهمًا. رواه سعيدٌ (٣). (و) للفارسِ (على فرسٍ عربيٍّ) ويُسمَّى: العتيقَ (ثلاثةُ) أسهمٍ، سهمٌ له، وسهمانِ لفرسِه (ولا يُسهَمُ لغيرِ (٤) الخيلِ) لأنَّه لمْ يُنقلْ عنه ﵇ أنَّه أسهمَ لغيرِ الخيلِ، ولأنَّه لا يمكنُ عليها كرٌّ ولا فرٌّ.

стр. 746

ولا يُسهَمُ إلَّا لمن فيه أربعةُ شُروطٍ: البلوغُ، والعَقلُ، والحُريَّة، والذُّكُورةُ. فإن اختلَّ شرطٌ، رُضِخَ له، ولا يُسهَم. ويُقسَمُ الخُمسُ الباقِي خمسَةَ أسهُمٍ: سهمٌ للَّه ولرسوله، يُصرفُ مَصرِفَ الفَيءِ (ولا يُسهَمُ إلا لمَنْ فيه أربعةُ شروطٍ): الأول: (البلوغُ. و) الثاني: (العقلُ. و) الثالثُ: (الحريةُ. و) الرابعُ: (الذكورةُ). (فإنِ اختلَّ شرطٌ، رُضِخَ له) من الغنيمةِ دون السهمِ (ولا (١) يُسهَمُ) له من الغنيمةِ. فيُرضَخُ له على ما يراه الإمامُ، فيُفضِّلُ العبدَ المقاتلَ، وذا البأسِ، على من ليسَ مثلَه. ويُفضِّلُ المرأةَ المقاتلةَ، والتي تَسقي الماءَ وتُداوِي الجرحَى على من ليستْ مثلَها (٢). (ويقسمُ) الإمامُ (الخمسَ الباقي خمسةَ أسهمٍ) منها: (سهمٌ للهِ) تعالى (ولرسولِه) ﷺ (يُصرَفُ مَصرِفَ الفَيءِ) في مصالحِ المسلمين، ولا يختصُّ بالمقاتلةِ. ويبدأُ بالأهمِّ فالأهمِّ؛ من سدِّ ثغرٍ، وتعزيلِ نهرٍ (٣)، وعملِ قنطرةٍ، ورَزقِ نحو قُضاةٍ. ويُقسَمُ فاضلٌ (٤) بين أحرارِ المسلمين، غنيِّهم وفقيرِهم (٥)

стр. 747

وسَهمٌ لذوي القُربى، وهم بنو هاشِم، وبنو المُطَّلب، حيثُ كانوا، للذَّكر مثلُ حَظِّ الأُنثيينِ. وسهمٌ لفقراءِ اليتامَى، وهم من لا أبَ له ولم يبلُغ. (وسهمٌ لذوي القُرْبى؛ وهم بنو هاشمٍ، وبنو المُطَّلبِ) ابني عبدِ منافٍ، دون غيرِهم من بني عبدِ منافٍ، لحديثِ جبيرِ بنِ مُطعمٍ، قال: لمَّا قسمَ رسولُ اللهِ ﷺ من خيبرَ بين بني هاشمٍ وبني المُطَّلبِ، أتيتُه أنا وعثمانُ بنُ عفانٍ رضي الله تعالى عنه، فقلنا: يا رسولَ اللهِ، أمَّا بنو هاشمٍ، فلا ننكرُ فضلَهم، لمكانِكَ الذي وصفَكَ اللهُ به منهم، فما بالُ إخوانِنَا من بني المُطَّلبِ أعطيتَهم وتركتَنَا، وإنَّما نحنُ وهم منك بمنزلةٍ واحدةٍ؟ فقال: "إنَّهم لمْ يفارقوني في جاهليةٍ ولا إسلامٍ، وإنَّما بنو هاشمٍ وبنو المُطَّلبِ شيءٌ واحدٌ، وشبَّكَ بين أصابِعه". رواه أحمدُ، والبخاريُّ (١). ولا يستحقُّ منه مولاهم، ولا مَنْ أمُّه منهم دونَ أبيه (حيثُ كانوا) أبي: بنو هاشمٍ وبنو المُطَّلبِ، يُقسَمُ بينهم (٢) (للذَّكرِ مثلُ حظِّ الأنثَيَيْنِ) لأنَّهم يستحقُّونَه بالقرابةِ، أشبَهَ الميراثَ والوصيةَ، غنيّهم وفقيرُهم فيه سواءٌ؛ لعمومِ قولِه تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفَال: ٤١]. وكان ﵇ يُعطي أقاربَهُ كلَّهم، وفيهم الغنيُّ (٣) كالعباسِ. (وسهمٌ لفقراءِ اليتامى، وهم) أبي: اليتامى: (مَنْ لا أبَ له) أبي: ماتَ أبوه، (ولم يبْلُغْ) لحديثِ: "لا يُتمَ بعدَ احتلامٍ" (٤). واعتُبِرَ فقرُهم؛ لأنَّ الصرفَ إليهم

стр. 748

وسَهمٌ للمساكينِ. وسَهمٌ لأبناءِ السَّبيل. لحاجتِهم، ولأنَّ وجودَ المالِ أنفعُ من وجودِ الأبِ. ويُسوَّى فيه بين ذكورِهم وإناثِهم (وسهمٌ للمساكينِ) أبي: أهلِ الحاجةِ. فيدخلُ فيهم الفقراءُ (وسهمٌ لأبناءِ السَّبيلِ) ما يُبلِّغُهم بلَدَهم، أو منتهى قصدِهم. بشرطِ إسلامِ الكلِّ، فلا حقَّ في الخُمُسِ لكافرٍ. ويعمُّ مَنْ بجميعِ البلادِ حسَبَ الطاقةِ. ومَنْ فيه سببانِ فأكثرُ، كابن سبيلٍ مسكينٍ من ذوي القُرْبَى، أخَذَ بها، أي: بما فيه من الأسبابِ.

стр. 749

فَصْلٌ والفَئُ هو: ما أُخِذَ من مالِ الكُفَّار بحقٍّ، من غيرِ قِتالٍ، كالجِزيَةِ، والخَراجِ، وعُشْرِ التِّجارَةِ مِنَ الحربيِّ، ونِصْفِ العُشرِ من الذِّميِّ، وما تركوهُ فَزَعًا، أو عَن مَيِّتٍ ولا وارثَ له. ومصرِفُه في مصالحِ المُسلمين، ويَبدَأُ بالأهمِّ فالأهمِّ مِنْ (فصلٌ) (والفَيءُ): الرجوعُ. يقالُ: فاءَ الظِّلُّ: إذا رجعَ نحوَ المشرقِ. وسُمِّيَ المالُ الحاصلُ (١) من الكفَّارِ فيئًا؛ لأنَّه رجعَ منهم إلى المسلمين، قال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحَشر: ٧] الآية. و (هو: ما أُخِذَ من مالِ الكُفَّارِ) غالبًا (بحقٍّ، من غيرِ قتالٍ، كالجزيةِ، والخَراجِ) من مسلمٍ وكافرٍ (وعُشرِ التجارةِ من الحربيِّ، ونصفِ العُشرِ من الذِّمِّيِّ، وما تركوه) من كفَّارٍ لمسلمينَ (فَزَعًا) منهم (أو) تُرِكَ (عن ميِّتٍ) مسلمٍ، أو كافرٍ (ولا وارثَ له) يَستغرقُ. وخرجَ بقولِه: "بحقٍّ": ما أخِذَ من كافرٍ ظلمًا، كمالِ مُستأمَنٍ. وقولِه: "بلا قتالٍ" الغنيمةُ. (ومَصرِفُه) أبي: الفيءِ (في مصالحِ المسلمين. ويبدأُ بالأهمِّ فالأهم (٢)، من

стр. 750

سدِّ ثغرٍ، وكِفَايَةِ أهلِه، وحاجَةِ مَن يَدفَعُ عن المُسلِمِين، وعِمَارَةِ القَناطِر، ورَزْقِ القُضاةِ والفُقهَاءِ، وغيرِ ذلِكَ. فإن فَضَلَ شيءٌ، قُسِمَ بين أحرارِ المُسلمين غنيِّهِم وفقيرِهِم. وبيتُ المالِ مِلكٌ للمُسلمينَ، يَضمَنُه مُتلِفُه، ويَحرمُ الأخذُ منه بلا إذنِ الإمام. سدِّ ثغرٍ، وكفايةِ أهلِهِ) أي: الثِّغرِ، (وحاجةِ مَنْ يدفَعُ عن المسلمين) لأنَّ أهمَّ الأمورِ حفظُ بلادِ المسلمين، وأمنُهم من عدوِّهم، وسدُّ الثغورِ، وعمارتُها، وكفايتُها بالخيلِ والسلاحِ (وعمارةِ القناطرِ، ورَزقِ القُضاةِ والفقهاءِ، وغيرِ ذلك) كإصلاحِ طُرُقٍ، وعمارةِ مساجدَ، وأرزاقِ أئمةٍ ومؤذِّنينَ، وكلِّ ما يعودُ نفعُه على المسلمينَ (فإنْ فَضَلَ شيءٌ) عمَّا يعمُّ نفعُه (قُسِمَ بين أحرارِ المسلمين غنيِّهم وفقيرِهم) لأنَّهم استحقُّوه بمعنًى مشتركٍ، فاستوَوْا فيه، كالميراثِ (وبيتُ المالِ مِلكٌ للمسلمينَ، يضمنُهُ مُتلِفُهُ) كغيرِه من المتلَفَاتِ (ويحرُمُ الأخذُ منه (١) بلا إذنِ الإمامِ) لأنَّه افتئاتٌ عليه فيما هو مُفوَّضٌ إليه.

стр. 751

بابُ عَقدِ الذِّمَّةِ لا تنعقِدُ إلا لأهلِ الكِتابِ، أو لِمن لهُ شُبهةُ كِتَابٍ، كالمجُوسِ. (بابُ عقدِ الذِّمَّةِ) وهي لغةً: العهدُ، والضمانُ، والأمانُ؛ لحديثِ: "يسعى بذمَّتهم أدناهُم" (١). من أذَمَّه يذِمُّه: إذا جعلَ له عهدًا. ومعنى عقدِ الذِّمَّةِ: إقرارُ بعضِ الكُفَّارِ على كفرِهم، بشرطِ بذلِ الجزيةِ، والتزامِ أحكامِ المِلَّةِ. والأصلُ فيها: قولُه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التّوبَة: ٢٩]. الآية. وحديثُ المغيرةِ بنِ شعبةَ، قالَ لجندِ كِسرَى يومَ نهاوند: أمرَنا نبيُّنَا رسولُ ربِّنا أنَّ نقاتلَكم حتى تعبدُوا اللهَ وحدَهُ، أو تُؤَدُّوا الجزيةَ. رواه البخاريُّ (٢). (لا تنعقدُ إلا لأهلِ الكتابِ) التوراةِ والإنجيلِ، وهم: اليهودُ والنصارى، ومن تدَيَّنَ بالتوراةِ، كالسَّامرةِ، فإنَّهم يَدينونَ بشريعةِ موسى، ويخالفونَ اليهودَ في فروعٍ من دينِهم، أو تدَيَّنَ بالإنجيلِ، كالفِرَنْجِ، والصَّابئينَ، والرومِ، والأرْمَنِ، وكلِّ مَنْ انتسبَ لدينِ عيسى (أو لمن (٣) له شبهةُ كتابٍ، كالمجوسِ) فإنَّه يُروىَ أنَّه كانَ لهم كتابٌ ورُفِعَ، فذلك شبهة لهم أوجَبتْ حقنَ دمائِهم بأخذِ الجزيةِ منهم.

стр. 752

ويجِبُ على الإمامِ عَقدُها حَيثُ أَمِنَ مَكرَهُم، والتَزموا لنَا بأربعَةِ أحكامٍ: أحدُهما: أن يُعطُوا الجِزيَةَ عن يدٍ وهم صاغِرون. ولحديثِ أخْذِه ﵇ الجزيةَ من مجوسِ هجرَ. رواه البخاريُّ (١). (ويجبُ على الإمامِ) أو نائبِه (عقدُها) أبي: عقدُ الذِّمَّةِ. وصفتُه: قولُ الإمامِ أو نائبِه: أقررتُكم بجزيةٍ واستسلامٍ. أبي: انقيادٍ لأحكامِنا. ولا يُعتبرُ تقديرُ الجزيةِ في العقدِ. و (حيثُ أمِنَ مكرَهم) أبي: الإمامُ (والتزموا لنا بأربعةِ أحكامٍ): (أحدُها: أنْ يُعطوا الجزيةَ): من الجزاءِ، وهي: مالٌ يُؤخذُ منهم على وجه الصَّغارِ كُلَّ عامٍ بدلًا عن قتلِهم، وإقامتِهم بدارِنا. قال في "الأحكام السلطانية" (٢): مشتقَّةٌ من الجزاءِ، إمَّا جزاءٌ على كفرِهم؛ لأخذِها منهم صغارًا. أو جزاءٌ على أمانِنا لهم؛ لأخذِها منهم رِفقًا (عن يدٍ): حالٌ من الضميرِ، أبي: عن يدٍ مؤاتيةٍ، بمعنى منقادينَ. أو عن يدِهم بمعنى مسلِّمِينَ بأيدِيهِم غيرَ باعِثينَ بأيدِى غَيرِهم، ولذلكَ مُنِعَ من التوكيلِ فيه. أو عن غِنىً، ولذلكَ قيلَ: لا تُؤخذُ من الفقراءِ. أو عن يدٍ قاهرةٍ عليهم، بمعنى: عاجزينَ أذلَّاءَ. انتهى (٣) (وهم صاغِرونَ): أذلاءَ. وعن ابنِ عباسٍ: تُؤخذُ الجزيةُ من الذِّمِّيِّ. ومفهومُ الآيةِ يقتضي تخصيصَ الجزيةِ بأهلِ الكتابِ. ويُؤيِّدُه: أنَّ عمرَ ﵁ لمْ يكنْ يأخذُ الجزيةَ من المجوسِ حتى شَهِدَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ أنَّه عليه

стр. 753

الثَّاني: أن لا يَذكُرُوا دينَ الإسلامِ إلَّا بالخَير. الثالِثُ: أن لا يفعلُوا ما فيهِ ضَررٌ على المُسلمين. الرابِعُ: أن تَجريَ عليهم أحكامُ الإسلامِ في نَفسٍ، ومالٍ، وعِرضٍ، وإقامةِ حدِّ فيما يُحرِّمونَه كالزِّنَى، السلام أخذَها من مجوسِ هجرَ (١). وذلك لأنَّ لهم شَبهةَ كتابٍ، فأُلحقوا بالكتابيِّين، وأمَّا سائرُ الكفرةِ، فلا تؤخذ منهم الجزية (٢). ومرجعُ (٣) الجزيةِ إلى اجتهادِ الإمامِ. وعنه: إلى ما ضربَهُ عمرُ. فيجبُ أن يقسِمَه الإمامُ عليهم، فيجعل على الموسرِ ثمانيةً وأربعين درهمًا، وعلى المتوسِّطِ أربعةً وعشرين، وعلى الأدونِ اثني عشرَ (٤). ولا يُقبلُ إرسائها مع غيرِهم، لزوالِ الصَّغارِ. (الثاني) من الأحكامِ: (أنْ لا يذكروا دينَ الإسلامِ إلا بالخيرِ) فإنْ ذكرَهُ بسوءٍ، قُتِلَ. (الثالثُ) من الأحكامِ: (أنْ لا يفعلوا ما فيه ضررٌ على المسلمينَ) من قطعِ طريقٍ، وتعليةِ بناءٍ، أو تجسَّسَ، أو آوىَ جَاسُوسًا (الرابعُ) من الأحكامِ: (أنْ تجريَ عليهم (٥) أحكامُ الإسلامِ في نفسٍ، ومالٍ، وعِرضٍ، وإقامةِ حدٍّ فيما يُحرِّمونَهُ) أبي: يعتقدونَ تحريمَة (كالزِّنى) وسَرِقَةٍ، أو

стр. 754

لا فِيمَا يُحِلُّونَه كالخَمر. ولا تؤخذُ الجِزيةُ من امرأةٍ، وخُنثَى، وصَبيٍّ، ومجنونٍ، وقِنٍّ، وزَمِنٍ، وأَعمَى، وشيخٍ فانٍ، وراهبٍ بصَومَعَةٍ. قَطعٍ. فمَنْ قتلَ (١)، أو قطعَ طرَفًا، أو تعدَّى على مالٍ، أو قذفَ، أو سبَّ مسلمًا أو ذمِّيًّا، أُخِذَ بذلك. وكذا لو سَرقَ، أُقيمَ عليه حدُّه بشرطه، لحديثِ أنسٍ: أنَّ يهوديًّا قتلَ جاريةً على أوضاحٍ لها، فقتلَهُ رسولُ اللهِ ﷺ . متفقٌ عليه (٢). وعن ابنِ عمرَ أنَّ النبيَّ ﷺ أُتِيَ بيهوديَّيْن قدْ فَجَرا بعد إحصانِهما، فرجَمَهُما (٣). ولأنَّهم التزمُوا حكمَ الإسلامِ، وهذه أحكامُه. و (لا) يُحدُّونَ (فيما يُحلُّونَهُ) أبي: يعتقدونَ حِلَّه (كالخمرِ) وأكلِ لحمِ الخنزيرِ، ونكاحِ ذاتِ مَحرمٍ؛ لأنَّهم يُقَرّونَ على كفرِهم، وهو أعظمُ جُزمًا وإثمًا من ذلك، إلا أنَّهم يُمنعونَ من إظهارِه. (ولا تُؤخذُ الجزيةُ من امرأةٍ، وخنثى، وصبيٍّ) لأنَّهم لا يُقتلونَ، وهي بدلُ القتلِ (٤). ولقولِ عمرَ: ولا تضرِبوها على النساءِ والصبيانِ. رواه سعيدٌ (٥). (و) لا تُؤخذُ من (مجنونٍ، و) لا (قنٍّ، و) لا (زَمِنٍ، و) لا (أعمَى، و) لا (شيخٍ فانٍ، و) لا (راهبٍ بصومعةٍ) لأنَّهم لا يُقتلونَ.

стр. 755

ومن أسلَم منهم بعدَ الحَولِ، سقَطَت عنه الجِزْيَةُ. (ومَنْ أسلمَ منهم) أبي: ممَّنْ استحقتْ عليه الجزيةُ (بعدَ الحولِ، سقطتْ عنه الجزيةُ) نصًّا. وقال: يدخلُ في قولِه: "مَنْ أسلمَ على شيءٍ فهو له" (١). لأنَّها عقوبةٌ، لا أُجرَةٌ. رُوِيَ أنَّ ذِميًّا أسلمَ فطُولِبَ بالجزيةِ، وقيل: إنَّما أسلمَ تعوُّذًا. قال: إنَّ في الإسلامِ مَعَاذًا. فرُفِعَ إلى عمرَ، فقال: إنَّ في الإسلامِ معاذًا. وكتبَ: أنْ لا تُؤخذَ منه الجزيةُ. رواه أبو عبيدٍ بمعناه (٢). ولا تسقُطُ عنه إنْ ماتَ، أو جُنَّ، أو عَمِيَ، بعدَ الحولِ. فتُؤخذُ الجزيةُ من تركةِ ميِّتٍ، ومالِ حيٍّ جُنَّ بعدَ الحولِ. وإنْ ماتَ أو جُنَّ في أثنائِه، تسقطُ (٣) الجزيةُ. وتُؤخذُ عندَ انقضاءِ كلِّ سنةٍ هلاليةٍ، كالزكاةِ.

стр. 756

فَصْلٌ ويَحرُم قتلُ أهلِ الذِّمةِ، وأَخذُ مالِهم. ويجبُ على الإمامِ حِفظهم، ومنعُ من يُؤذيهم. ويُمنَعونَ مِنْ رُكوبِ الخَيلِ، وحَملِ السِّلاحِ، ومِنْ إحداثِ الكَنائِسِ، ومن بِنَاءِما انهَدَمَ مِنها، (فصل) (ويحرُمُ قتلُ أهلِ الذِّمةِ، وأخذُ مالِهم. ويجبُ على الإمامِ حفظُهُم) أبي: أهلِ الذمَّةِ (ومنعُ مَنْ يُؤذيهم) من مسلمٍ، وذمِّيٍّ، وحربيٍّ؛ لأنَّه التزمَ بالعهدِ حِفْظَهم، ولهذا قال عليٌّ: إنما بَذلُوا الجزيةَ؛ لتكونَ دماؤُهم كدمائِنا، وأموالُهم كأموالِنا (ويُمنعونَ من ركوبِ الخيلِ) ولهم ركوبُ غيرِ الخيلِ، كالحميرِ بغيرِ سرجٍ، فيركبون بإكافٍ، وهو البْرذَعةُ؛ لما روىَ الخلَّالُ: أنَّ عمرَ أمرَ بجزِّ نواصي أهلِ الذِّمَّةِ، وأنْ يَشُدُّوا المناطِقَ، وأنْ يركبوا الأُكُفَ بالعرضِ (١). (و) يُمنعونَ من (حملِ السِّلاحِ) ولا يتقلَّدون بالسيوفِ. (و) يمنعون (من إحداثِ الكنائسِ) وييَعٍ، ومُجتمعٍ لصلاةٍ في شيءٍ من أرضِ المسلمين. وما وُجدَ في بلادِ المسلمينِ من كنائسَ وبِيَعٍ حالَ فتحِها، لم يجبْ هدْمُه؛ لأنَّ الصحابةَ فتحوا كثيرًا من البلادِ عَنْوَةً، فلمْ يهدِموا شيئًا من ذلك. (و) يُمنعونَ (من بناءِ مما انهدمَ منها) ولو ظُلمًا من نحوِ كنيسةٍ وبِيَعةٍ.

стр. 757

ومِنْ إظهَارِ المُنْكَرِ، والعِيدِ، والصَّليبِ، وضَربِ النَّاقوسِ، ومنْ الجَهرِ بكتابِهِم، ومنَ الأكلِ والشُّربِ نهارَ رمضَانَ، ومِنْ شُربِ الخَمرِ، وأَكلِ الخِنزِيرِ. وئمنَعُونَ من قراءةِ القُرآنِ، وشِراءِ المُصحَفِ، وكتُبِ الفِقِه والحديث، ومن تَعْلِيَةِ البِنَاءِ على المُسلمينَ. (و) يُمنعونَ (من إظهارِ المنكرِ) كنكاحِ محارمَ (و) إظهارِ (العيدِ، و) إظهارِ (الصَّليبِ، و) يُمنعونَ من (ضربِ النَّاقُوسِ) أبي: من إظهارِه (و) يمنعون (من الجهرِ بكتابِهم) لأنَّ في شروطِهم لابنِ غُنمٍ: وأنْ لا نضرِبَ ناقُوسًا إلا ضَربًا خفيفًا في جوفِ كنائِسنا، ولا نُظهِرَ عليها، ولا نرفعَ أصواتنا في الصَّلاةِ، ولا القراءةِ في كنائِسنا فيما يحضرُه المسلمون، وأن لا نُخرِجَ صليبًا، ولا كتابًا في سوقِ المسلمينِ، وأنْ لا نُخرِجَ باعوثًا (١)، ولا سَعانينَ (٢)، ولا نرفعَ أصواتَنا مع موتانا، وأنْ لا نُجاوِرَهم بالجنائزِ، ولا نُظهرَ شِزكًا. وقيسْ على ذلكَ: (و) يُمنعونَ (من الأكلِ والشربِ نهارَ رمضانَ) وإظهارُه (و) يُمنعونَ (من شربِ الخمرِ، وأكلِ الخنزيرِ) لأنَّه يُؤذينا (ويُمنعونَ من قراءةِ القرآنِ، وشراءِ المصحفِ، وكتبِ الفقهِ والحديثِ) (و) يُمنعونَ (من تعليةِ البناءِ على المسلمينَ) ولو مُشتَركًا بين مسلمٍ وذميٍّ، ولو رضِيَ جارُهم المسلمُ (٣) بتعليةِ بنائِهم عليه؛ لأنَّه لحقِّ اللهِ تعالى، ولحقِّ مَنْ

стр. 758

ويَلزَمُهُم التَّمييزُ عنَّا بلُبْسِهِم يحدُثُ بعدُ. وذلك لحديثِ: "الإسلامُ يعلُو، ولا يُعلَى عليه" (١). "تنبيهٌ": لمْ يتعرَّضْ المصنِّفُ لسُكنى الذِّمِّيِّ فوقَ المسلمِ، قال الشيخُ عبدُ الرحمنِ البُهوتيُّ: وقدْ أفتيتُ بأنَّه يُمنعُ من السكنى فوقَ المسلمِ؛ إذْ منعُه من السُّكنى فوقَه أوْلى من منعِ تعليةِ البناءِ (٢). قال في "الشرح" (٣): وإنَّما يُمنعُ من تعليةٍ على بناءِ المسلمِ المجاورِ دونَ غيرِه. انتهى. قال في "الإنصاف" (٤): وكذا لو كان البناءُ لمسلمٍ وذميٍّ؛ لأنَّ ما لا يتمُّ اجتنابُ المُحرَّمِ، إلا باجتنابِهِ، مُحرَّمٌ. ولو خالفُوا وفعلُوا، وجبَ هدمُه. انتهى. ولو وجدْنَا دارَ ذميٍّ عاليةً، ودارَ مسلمٍ أنزلَ منها، وشكَكْنَا في السابقةِ: فقال ابنُ القيمِ في كتاب "أحكام الذمة" (٥) له: لا تُقرُّ؛ لأنَّ التعليةَ مفسدةٌ، وقدْ شككنا (٦) في شرطِ الجوازِ. (ويلزمُهم التمييزُ عنَّا بلُبْسِهم) من الثيابِ وغيرِها. فلُبسُ اليهودِ عَسَليٌّ، ولباسُ النصارى أدكَنُ (٧)، وهو الفَاخِتيُّ -لونٌ يضربُ إلى السوادِ- ويكونُ ذلك في ثوبٍ

стр. 759

ويُكرَهُ لنَا التشبُّهُ بِهِمْ. ويَحرُمُ القِيامُ لهم، وتصدِيرُهُم في المجَالِسِ، وبَداءَتُهُم بالسَّلامِ، وبـ: كَيفَ أصبَحتَ، أو: أَمسيَتَ، و: كيفَ أنتَ، أو حالُكَ. وتَحرُمُ تهنئتُهُم، وتعزِيَتُهم، وعِيادَتُهُم. واحدٍ لا جميعِ الثيابِ. وشَدُّ خِرَقٍ بقلانِسهم وعمائِمهم، وشدُّ زُنَّارٍ فوقَ ثيابِ نصرانيٍّ، وتحتَ ثيابِ نصرانيَّةٍ. ويغايرُ نساءُ كلٍّ من يهودٍ ونصارى بين لونِ خُفٍّ؛ ليمتازوا عنَّا. ولا يُمنعونَ فاخرَ الثيابِ ولا العمائمَ والطَّيلسانِ. ويلزمُهم لدخولِ حَمَّامِنا بجُلجُل (١)، أو خاتمِ رصاصٍ، ونحوِه، كحديدٍ، أو طوقٍ من ذلك، لا من ذهبٍ. برقابِهم؛ ليتمَيَّزوا عنَّا في الحمَّامِ. ولا يجوزُ جعلُ صليبٍ مكانَهُ لمنعِهم من إظهارِه. (ويُكرَهُ التشبُّهُ بهم) في لباسٍ وغيرِه (ويحرُمُ القيامُ لهم) أبي: لأهلِ الذِّمِّةِ؛ لأنَّه تعظيمٌ لهم، كبداءَتِهم بالسلامِ. (و) يحرُمُ (تصديرُهُم في المجالسِ) لأنَّه نوعٌ تعظيمٍ. (و) جرُمُ (بَداءَتُهُم بالسلامِ، و) بَداءتُهُم (بـ: كيفَ أصبحتَ؟ أو:) كيفَ (أمسيتَ؟ و: كيفَ أنتَ؟ أو:) كيفَ (حالُكَ؟) (وتحرُمُ تهنئتُهم، و) تحرُمُ (تعزيتُهم، و) تحرمُ (عيادتُهم) وشهادةُ أعيادِهم.

стр. 760

ومَنْ سَلَّم على ذِمِّيٍّ، ثمَّ عَلِمَهُ، سُنَّ قولُه: رُدَّ عليَّ سَلامِي. وإن سَلَّم الذِّميُّ، لَزِمَ ردُّهُ، فيقُالُ: وعليكم. وإنْ شمَّتَ كافِرٌ مُسلِمًا، أجابَه. وتُكرهُ مصافحَتُهُ. (ومَنْ سلَّمَ على ذميٍّ) لا يعلَمُه ذمِّيًّا (ثمَّ عَلِمَهُ) ذمِّيًّا (سُنَّ قولُه) له: (رُدَّ عليَّ سَلامي) لما رُويَ عن ابنِ عمرَ: أنَّه مرَّ على رجلٍ فسلَّمَ عليه. فقيلَ: إنَّه كافرٌ. فقال: رُدَّ عليَّ ما سلَّمتُ عليكَ، فردَّ عليه، فقال: أكثرَ اللهُ مالَكَ وولدَكَ. ثمَّ التفتَ إلى أصحابِه، فقال: أكثر للجزيةِ (١). فإنْ كانَ مع الذميِّ مسلمٌ، سلَّمَ ناويًا المسلمَ. نصًّا (وإن سلَّم الذِّميُّ) على مسلمٍ (لزِمَ) المسلمَ (ردُّه. فيقالُ) في ردِّه: (وعليكم) أو: عليكم، بلا واو، وبها أوْلى، لحديثِ أحمدَ عن أنسٍ قال: نُهينا، أو أُمزنا أن (٢) لا نزيدَ أهلَ الذِّمةِ على: وعليكم. (وإنْ شمَّتَ كافرٌ مسلمًا، أجابَه) المسلمُ بقولِه: يهديكُمُ اللهُ. وكذا إنْ عطسَ الذميُّ؛ لحديثِ أبي موسى: أنَّ اليهودَ كانوا يتعاطسُونَ عندَ النبيِّ ﷺ رجاءَ أنْ يقولَ لهم: يرحمُكُمُ اللهُ. فكانَ يقولُ: "يهديكُمُ اللهُ، ويصلِحُ بالَكُمْ". رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ (٣) وصحَّحَه. (وتُكرَهُ مصافحتُه) نصًّا. وإذا كتبَ كتابًا، كتبَ: سلامٌ على مَن اتَّبعَ الهُدَى.

стр. 761

فَصْلٌ ومَن أبَى مِنْ أهلِ الذِّمَّةِ بذْلَ الجِزيَةِ، أو أبى الصَّغَارَ، أو أبَى التِزَامَ حُكمِنَا، أو زَنَى بمُسلِمَةٍ، أو أصابَها بنِكَاحٍ، أو قَطَعَ الطَّريقَ، أو ذَكَرَ اللهَ تعالى، أو رسولَه بِسوءٍ، أو تعدَّى على مُسلِمٍ بِقتْلٍ، أو فِتنَةٍ عن دِينِه، انتقَضَ عَهدُهُ. (فصلٌ) (ومَنْ أبَى من أهلِ الذِّمةِ بذلَ الجزيةِ، أو أبَى الصَّغارَ، أو أبَى التزامَ حُكمِنا) سواءٌ شُرطَ عليهم ذلكَ أو لا، ولو لمْ يَحكمْ عليه بها حاكِمُنَا؛ لقولِه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التّوبَة: ٢٩] قيل: الصَّغارُ: التزامُ أحكامِنا (أو زنَى بمسلمةٍ، أو أصابَها بنكاحٍ، أو قطَعَ الطريقَ) لعدمِ وفائِه بمقتضى الذِّمةِ من أمنِ جانبِهَ (أو ذكَرَ اللهَ تعالى، أو) ذكَرَ (رسولَه بسوءٍ) ونحوه، كقولِه لمَنْ سمِعَه يُؤذِّنُ: كذَبَ. فيُقتلُ، نصًّا، لما رُوي أنَّه قيلَ لابنِ عمرَ: إنَّ راهبًا (١) يشتُمُ رسولَ اللهِ ﷺ ؟ فقال: لو سمعتُه لقتلتُه، إنَّا لمْ نعطِ الأمانَ على هذا (٢). (أو تعدَّى على مسلمٍ بقتلٍ، أو قتنةٍ عن دينِه) لأنَّه ضررٌ يعمُّ المسلمين، أشبَهَ ما لو قاتلَهم: (انتقضَ عهدُه)

стр. 762

ويُخيَّرُ الإمامُ فيهِ كالأسير، ومالُه فَيءٌ، ولا ينَتَقِضُ عَهدُ نسائِه وأولادِهِ. فإنْ أسلَمَ، حَرُمَ قتلُه، ولو كان يسَبَّ النبيَّ ﷺ . (ويخيَّرُ الإمامُ فيه) أبي: المنتقِضِ عهدُه (كالأسيرِ) الحربيِّ: بين قتلٍ، ورِقٍّ، ومَنٍّ، وفداءٍ. لأنَّه كافرٌ لا أمانَ له، قَدرنا عليه في دارِنا بغير عقدٍ، ولا شبهةٍ لذلك، أشبَه اللصَّ الحربيَّ (ومالُه فيءٌ) في الأصحِّ. قالَهُ في "الإنصاف" و"شرح المنتهى" للمصنِّفِ؛ لأنَّ المالَ لا حرمةَ له في نفسِه، بل هو تابعٌ لمالكِه حقيقةً، وقد انتقَضَ عهدُ المالكِ في نفسِه، فكذا في مالِه. وقال أبو بكرٍ: مالُه لورثتِه. ومشى عليه صاحبُ "المنتهى" في الأمانِ (١) (ولا يُنتقضُ عهدُ نسائِه وأولادِه) حيثُ انتُقضَ عهدُه، نصًّا؛ لوجودِ النَّقض منه دونَهم، فاختصَّ حكمُه به. (فإنْ أسلمَ حرُمَ قتلُه، ولو كان سَبَّ النبيَّ ﷺ ) لعمومِ حديثِ: "الإسلامُ يَجبُّ ما قبلَه" (٢). وأمَّا قاذفُه ﵇، فيُقتلُ بكلِّ حالٍ. وإليه أشارَ بقولِه: "ولو كانَ سبَّ النبيَّ ﷺ ". وكذا يحرُمُ رِقُّ مَنْ أسلمَ؛ لأنَّه عصمَ نفسَه بإسلامِه. لا إنْ رُقَّ قبلَ إسلامِه، فلا يزولُ رِقُّه به، بل يستمرُّ. "فائدةٌ": مَنْ تولَّى منهم ديوانًا للمسلمين، انتقضَ عهدُه.

стр. 763

كِتابُ البيعِ وينعَقِدُ -لا هَزلًا- بالقَولِ الدَّالِّ علَى البَيعِ والشِّراء، (كتابُ البيعِ) مأخوذٌ من الباعِ؛ لمدِّ كُلٍّ مِن المتبايِعَينِ يدَه للآخَرِ، أَخْذًا وإعطاءً. أو: مِن المُبايعةِ. أبي: المصافحةِ، لمصافَحَةِ كُلٍّ منهما الآخرَ عندَه، ولذلك سُمِّيَ صَفْقةً وهو جائزٌ بالإجماعِ؛ لقولهِ تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البَقَرَة: ٢٧٥]. وحديثِ: "البيِّعانِ بالخِيارِ ما لمْ يَتفرَّقا" متفقٌ عليه (١). وهو لُغةً: دَفعُ عِوَضٍ، وأَخذُ مُعوَّضٍ عنه. وشرعًا: مُبادَلَةُ عَينٍ ماليَّةٍ، أو منفعةٍ مُباحَةٍ بمثلِ إحدَاهُما، على التَّأبيدِ، غَيرِ رِبًا وقَرضٍ. وأركَانُ البيعِ ثلاثةٌ: عَاقِدٌ، ومَعقُودٌ عَليه، ومَعقودٌ به؛ وهو الصِّيغَةُ، ولها صورتانِ: قَوليَّةٌ، وبَدَأ بها؛ للاتِّفاق عليها في الجملةِ، فقال: (ويَنعَقِدُ) البيعُ إنْ أُريدَ حَقيقَتُهُ (٢)، بأنْ رَغِبَ كلٌّ منهما فيما بُذِلَ له من العوضِ، (لا) إنْ وقَعَ (هزلًا) بلا قَصدٍ لحقيقَتِهِ (بالقولِ الدَّالِّ على البيعِ والشراءِ) وهي: الإيجابُ من بائع، فيقولُ: بِعتُكَ، أو: ملَّكتُكَ، أو: ولَّيتُكَه، أبي: بِعتُكَ برأسِ مالِهِ يَعلَمَانِه. أو: وهَبتُكَه بكَذا، ونحوِه، كـ: أعطَيتُكَهُ بكَذا، أو: رَضيتُ به عِوَضًا عن هذا.

стр. 764

وبالمُعَاطَاةِ، كـ: أَعطِني بِهذَا خُبزًا، فيعُطِيِهِ ما يُرضِيهِ. وشُروطُه سبعَة: أحدُها: الرِّضا، فلا يَصِحُّ بيعُ المُكرَهِ بغيرِ حَقٍّ. الثَّانِي: الرُّشدُ، والقبولُ بَعدَه مِن مُشتَرٍ، بلفظٍ دالِّ على الرِّضَا، فيقولُ: ابتَعتُ ذلك، أو: قَبِلتُ، أو: تملَّكْتُه، أو: اشتريتُهُ، أو: أخذتُه. (و) ينعقدُ أيضًا (بالمُعَاطاةِ) وهيِ الصِّيغةُ الفعليَّةُ. ومثَّلَ لها بقولِه: (كـ: أَعْطِني بهذا) الدِّرهَمِ ونحوِه (خُبزًا، فيُعْطيه مما يُرضيه) مِن الخبزِ، معَ سُكُوتِهِ. أو وَضْعِ ثمنِه عادَةً، وأَخذِه عَقِبَه أي: عَقِبَ وضعِ الثمنِ، من غيرِ لفظٍ لواحدٍ منهما. وظاهِرُه: ولو لمْ يَكنِ المالكُ حاضرًا؛ للعُرْفِ. فإنْ حصلَ تراخي، لم يصحَّ البيعُ. (وشروطُهُ) أبي: البيعِ (سبعةٌ): (أحدُهما: الرِّضا) بأنْ يَتبايعا اختيارًا، فلا يصحُّ إنْ أُكرِها، أو أحدُهما؛ لحديثِ: "إنَّما البيعُ عن تراضٍ" (١). (فلا يصحُّ بيعُ المُكْرَه بغير حقٍّ) كالذي يُكرِهُه الحاكمُ على بيعِ مالِه؛ لوفاءِ دَينِه، فيصحُ؛ لأنَّه قولٌ حُمِلَ عليه بحقٍّ. وإنْ أُكْرِهَ على وَزنِ مالٍ، فباعَ مِلكَهُ، كُرِه الشراءُ منه، وصحَّ. الشرطُ (الثاني: الرُّشدُ) يعني: أن يكونَ العاقدُ جائزَ التصرُّفِ، أبي: حُرًّا، مكلَّفًا، رشيدًا. فلا يصحُّ من مجنونٍ مُطلقًا، ولا مِن صغيرٍ وسفيهٍ؛ لأنَّه قولٌ يُعتبرُ له الرِّضا، فاعتُبِرَ فيه الرُّشدُ، كالإقرارِ. إلا في شيءٍ يَسيرٍ، كرغيفٍ، وحُزمةِ بَقْلٍ،

стр. 765

فلا يَصِحُّ بيعُ المُميِّزِ، والسَّفيهِ، ما لم يأذَن وليُّهُمَا. الثَّالِثُ: كونُ المَبيعِ مالًا، فلا يَصِحُّ بيعُ الخَمْرِ، والكَلبِ، ونحوِهما، فيصحُّ. (فلا يصحُّ بيعُ المميِّزِ، والسَّفيهِ، ما لم يأذنْ وليُّهُما) فيصحُّ، ولو في الكَثيرِ. الشرطُ (الثالثُ: كونُ المبيعِ) أبي: المعقودِ عليه، ثمنًا كان أو مُثمَنًا (مالًا) لأنَّ غيرَه لا يُقابلُ به (فلا يصحَّ بيعُ الخمرِ) ولو كان المتبايعانِ ذِمِّيينِ؛ لحديثِ جابرٍ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "إنَّ اللهَ ورسولَهُ حرَّمَ بيعَ الخمرِ والميتةِ والخنزيرِ والأنصابِ". متفق عليه (١) (و) لا يصحَّ بيعُ (الكَلبِ) ولو مُباحَ الاقتِناءِ ككَلبِ صَيدٍ؛ لحديثِ أبي سعيدٍ الأنصاريِّ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نهى عن ثمنِ الكلبِ. متفقٌ عليه (٢). ومَنْ قَتلَه وهُو مُعلَّمٌ الصيدَ، والمرادُ: مَن قَتَلَ كَلبًا يُباحُ اقتناؤُه -كما في "الكافي" وغَيرِه -أَسَاءَ؛ لأنَّه فَعَلَ مُحرَّمًا. ولَا غُزمَ عليه؛ لأنَّ الكلبَ لا يُملكُ، ولا قيمةَ له. ويحرُمُ اقتناؤُهُ، غَيرَ كَلبِ الصَّيدِ والماشيةِ؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "مَنْ اتخذَ كلبًا إلا كلبَ ماشيةٍ، أو صيدٍ، أو زرعٍ، نَقَصَ مِن أجرِه كلَّ يومٍ قِيراطٌ" متفقٌ عليه (٣). وإنَّما يجوزُ اقتناءُ الكلبِ للماشيةِ والصيدِ والحرثٍ: إنْ لمْ يَكن أسودَ

стр. 766

والمَيتَةِ. الرَّابِعُ: أن يكونَ المبيعُ مِلكًا للبائِع، أو مأذُونًا له فيهِ وقتَ العَقدِ، فلا يَصِحُّ بَيعُ الفُضُولِيِّ، ولو أُجِيزَ بَعدُ. بهيمًا، أو عَقورًا. قالَهُ في "الإقناع" (١). (و) لا يصحُّ بيعُ (الميتةِ) ولا شيءٍ منها، ولو لمضطرٍّ، إلا سَمَكًا وجَرادًا ونحوَهما، كجُندَبٍ (٢)، لحلِّ أكلِها. الشرطُ (الرابعُ: أنْ يكونَ المبيعُ مِلكًا للبائعِ) ومِثلُه الثَّمَنُ، مِلْكًا تَامًّا، لقولِه ﵇ لحكيمِ بنِ حزامٍ: "لا تبعْ ما ليسَ عندكَ". رواه ابنُ ماجه، والترمذيُّ (٣) وصحَّحه. وخرجَ بقولهِ: "ملكًا تامًا": الموقوفُ على مُعيَّنٍ، والبيعُ زمنَ الخِيارينِ. (أو مأذونًا له فيه) أبي: البيعِ، مِن مالِكِه، أو مِن الشَّارعِ، كالوَكيلِ، ووليِّ الصغيرِ، وناظرِ وقفٍ (وَقتَ العَقدِ) للبيعِ. (فَلا يَصحُّ بيعُ الفُضُوليِّ) ولا شِراؤُه (ولو أُجيزَ) تَصرُّفُه (بَعد) وقوعِه، إلَّا إنِ اشترَىَ الفُضوليُّ في ذمَّتِه، ونَوىَ الشراءَ لشخصٍ لم يُسمِّه، فيصحُّ، سواءٌ نقَدَ الثمنَ من مالِ الغيرِ، أم لا؛ لأنَّ ذمَّتَه قابلةٌ للتصرُّفِ. فإنْ سمَّاه، أو اشتَرَى للغيرِ بعينِ مالهِ، لم يصحَّ الشراءُ.

стр. 767

الخَامِسُ: القُدرةُ على تسلِيمِه، فلا يَصِحُّ بيعُ الآبِقِ، والشَّارِدِ، ولو لقادِرٍ على تَحِصيلِهِمَا. السَّادِسُ: مَعرِفَةُ الثَّمنِ والمُثمَنِ، إمَّا بالوصْفِ، أو المُشاهَدَةِ الشرطُ (الخامسُ: القدرةُ على تسليمهِ) أبي: المبيعِ، وكذا الثَّمَنُ المعيَّنُ؛ لأنَّ غيرَ المقدورِ على تسليمِهِ كالمعدُومِ (فلا يَصحُّ بيعُ الآبقِ) كالقِنِّ (و) لا يَصِحُّ بيعُ (الشَّاردِ) لنَحوِ جَمَلٍ، عُلِمَ مكانُه أوْ لا؛ لحديث مسلمٍ (١) عن أبي هريرةَ مرفوعًا: نهى عن بَيعِ الغررِ. وفسَّرَه القاضي وجماعةٌ: بما تردَّدَ بين أمرينِ، ليسَ أحدُهما أظهرَ (ولو) كانَ بيعُ آبقٍ وشاردٍ (لقادرٍ على تحصيلِهما) لأنَّه مجرَّدُ توهُّمٍ لا يُنافي تحقُّقَ عَدَمِه ولا ظنِّه، بخلافِ ظنِّ القدرةِ على تحصيلِ مغصُوبٍ. ولا يَصحَّ بيعُ سَمَكٍ بماءٍ؛ لأنَّه غَرَرٌ، إلا سمكًا مَرئيًا لصَفاءِ الماءِ، بماءٍ مَحُوزٍ يَسهُلُ أخذُه منه كحوضٍ، فيصحُّ؛ لأنَّه معلومٌ ممكنٌ تسليمُه، كما لو كانَ بطَسْتٍ. فإنْ لم يَسهُلْ بحيثُ يَعجَزُ عن تَسليمِه، لم يصحَّ بيعُه. وكذا إنْ لمْ يكنْ مرئيًا، أو لمْ يكنْ بمحوزٍ، كمتَّصِلٍ بنَهَرٍ. الشرط (السادس: معرفةُ الثمنِ) أبي: بأنْ يكونَ معلومًا للمتعاقدَينِ حَالَ العقدِ (والمُثمَنِ) أبي: المجيعِ حالَ العقدِ (إمَّا بالوَصفِ أو المشاهدةِ) حالَ العقدِ. لجميعِه، أو بعضِه الدالَ على بقيتِه، أو بالوصفِ؛ بأنْ يصِفَهُ بصِفَةٍ تَكفِي في السَّلَمِ فيه؛ بأن انضَبَطَتْ صفاتُه؛ بأنْ يقولَ: بعتُك عبدًا تركيًا. ثمَّ يَستَقصِي صِفَاتِ السَّلَمِ

стр. 768

حَالَ العَقدِ، أو قبلَه بيَسير. السَّابِعُ: أن يكونَ منَجَّزًا، لا معلَّقًا، كـ: بِعتُكَ إذا جاءَ رأسُ الشَّهرِ. أو: إنْ رضِيَ زَيدٌ. ويَصِحُّ: بِعتُ وقَبِلتُ إنْ شاءَ اللهُ. ومن باعَ مَعلُومًا ومجهُولًا لم يتَعذَّرْ عِلمُه، صَحَّ في المعلُومِ بقِسطِهِ، فيه، فهذا في مَعنى السَّلَمِ، وليس سلَمًا؛ لحلُولِه. فهذا يُشترطُ (حالَ العقدِ، أو قبلَه بـ) زمنٍ (يسيرٍ) أبي: بزَمَنٍ لا يتغيَّرُ فيه المبيعُ تَغيّرًا ظاهِرًا؛ لأنَّ شرطَ الصحَّةِ العِلمُ، وقد حَصَلَ بطريقِه، وهيِ الرؤيةُ المتقدِّمةُ. والمبيعُ منه ما يُسرِع فَسَادُه كالفَاكهةِ، وما يَتوسَّطُ كالحيوانِ، وما يتباعَدُ كالعَقَارَاتِ، فيُعتَبرُ كلُّ نَوعٍ بحَسَبِه. الشرطُ (السابعُ: أن يكونَ مُنَجَّزًا) أبي: لا مُؤقَّتًا، و (لا مُعلَّقًا) بشَهرٍ أو سَنَةٍ (كـ: بِعتُكَ إذا جاءَ رَأسُ الشَّهرِ) أو رَأسُ السَّنَةِ (أو إن رضيَ زيدٌ) بكذا. فلا يصحُّ؛ لعدمِ العلمِ بذلك؛ لأنَّه عقدُ مُعاوَضَةٍ يَقتَضِي نَقلَ المِلكِ حَالَ العَقدِ، والشَّرطُ يَمنَعُه (ويَصِحُّ: بِعتُ وقَبِلتُ إنْ شاءَ اللهُ) تَبرُّكًا لا مُتَرَدِّدًا. قال عَمُّ والدي الشيخ مَرعيٌّ في "الغاية" (١): ويَتَّجه: ولو للشَّكِّ. (ومَنْ باعَ معلومًا ومجهولًا لم يتعذَّر عِلمُه) كهَذَا العَبدِ، وثَوبٍ غيرِ معيَّنٍ، (صحَّ) البيعُ (في المعلُومِ بقِسْطِه) مِن الثَّمَنِ، وبَطَلَ في المجهولِ؛ لأنَّ المعلومَ صدرَ فيه البيعُ من أهلِه بشَرطِه، ومَعرِفَةُ ثمنِه ممكنةٌ بتَقسيطِ الثمنِ على كلٍّ منهما، وهو ممكنٌ.

стр. 769

وإن تَعذَّرَ مَعرِفةُ المَجهولِ، ولمْ يُبيَّن ثَمن المعلُومِ، فباطِلٌ. (وإنْ تعذَّرَ معرفةُ المجهولِ، ولم يُبيَّنْ ثمنُ المعلومِ، فَباطِلٌ) كـ: بِعتُكَ هذِه الفَرَسَ، وحَملَ الأُخرَى بكذا، فلا يَصحُّ؛ لأنَّ المجهولَ لا يصحُّ بيعُه، لجهالتِهِ، والمعلومُ مجهولُ الثمنِ، ولا سبيلَ إلى معرفتِهِ؛ لأنَّها إنَّما تكونُ بتقسيطِ الثمنِ عليهما، والمجهولُ لا يمكنُ تقويمُه. فإنْ بيَّنَ ثمنَ كلٍّ منهما، صحَّ في المعلومِ بثمنِه.

стр. 770

فَصْلٌ ويحرُمُ -ولا يَصِحُّ- بيعٌ ولا شِراءٌ في المَسجِدِ. ولا مِمَّن تلزمُه الجُمُعةُ بعدَ ندائِها الذي عندَ المِنبَر، وكذا لو تَضَايَقَ وقتُ المَكتُوبةِ. (فصلٌ) في مَوانعِ صِحَّةِ البَيعِ (ويحرُمُ -ولا يَصِحُّ- بَيعٌ) ولو قَلَّ المبيعُ، في المسجدِ. وقال الموفَّقُ وجمعٌ: يَصِحُّ. (ولا) يَصِحُّ (شراءٌ) ولو قلَّ (في المسجدِ) قال بَعضُهُم: يَنبغي: إلَّا في الشَّيءِ اليَسيرِ، فيَصِحُّ. وإجارَةٌ كبَيعٍ (ولا) يصحُّ بيعٌ ولا شراءٌ، ولو قلَّ (ممَّنْ تلزمُه الجمعةُ) احترزَ به عن المريضِ، والمسافرِ، والعبدِ، فإنَّه يَصح مِنهُم البَيعُ والشِّرَاءُ (بعدَ ندائِها) أي: أذانِ الجمعةِ، أبي: الشُّرُوعِ فيه (الذي عندَ المِنبرِ) عَقِبَ جُلُوسِ الإمامِ عليه؛ لقولهِ تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجُمُعَة: ٩]. والنَّهيُ يَقتَضِي الفسَادَ. وخُصَّ بالنِّدَاءِ الثَّاني؛ لأنَّه المعهودُ في زَمَنِه ﵇، فتعلَّقَ الحكمُ به. والشِّراءُ أحدُ شِقيِّ العَقدِ، فكانَ كالشِّقِّ الآخَرِ. ويستمرُّ التَّحريمُ إلى انقِضَاءِ الصَّلاةِ (وكذا) لا يَصحَّ بيعٌ ولا شِراءٌ مِن مُكلَّفٍ (لو تَضايَقَ وقتُ المكتُوبةِ) ولو جُمُعَةٍ لم يُؤذَّن لها، حتى يُصلِيَها؛ لوجودِ المعنى الذي لأجلِه مُنِعَ من البيعِ والشراءِ بعد نداءِ الجمعةِ.

стр. 771

ولا بيعُ العِنَبِ أو العصيرِ لمُتَّخِذِهِ خَمرًا. ولا بيعُ البَيضِ والجَوزِ ونحوهِما للقِمَار. ولا بيعُ السِّلاح في الفِتنَةِ، أو لأَهلِ الحَربِ، أو قُطَّاعِ الطَّريقِ. ولا بيعٌ قِنٍّ مُسلمٍ لكافِرٍ لا يَعتَقُ عَليه. وعُلِمَ ممَّا سبقَ: صحةُ العقدِ ممَّنْ لا تلزمُه، كالعبدِ والمرأةِ والمسافرِ، وإباحتُه له، لكنْ إنْ كانَ أحدُهما تَلزمُه، ووُجِدَ منه الإيجابُ أو القَبولُ بعدَ النداءِ، حَرُمَ ولم يَنعقدْ؛ لما تقدَّمَ. قال الموفَّقُ والشارحُ: وكُرِهَ للآخَرِ (١) ويَصحُّ إمضاءُ بيع خيارٍ وبَقيَّةِ العقودِ، مِن إجارَةٍ، وصُلحٍ، وقَرضٍ، ورهنٍ، وغَيرِهَا، بعَدَ نِدَاءِ الجُمعةِ؛ لأنَّ النهيَ عن البَيعِ وغَيرِهِ لا يُسَاويه في التشاغُلِ المؤدِّي لفَوَاتِها. وتحرُمُ مُساوَمَةٌ ومُنَادَاةٌ بعدَ نداءِ جُمُعَةٍ ثانٍ؛ لأنَّهُما وَسيلةٌ للبَيعِ المحرَّمِ إذَنْ. وتحرُمُ أيضًا الصِّنَاعَاتُ كُلُّها. (ولا) يَصحُّ (بيعُ العِنَبِ) أو زَبيبٍ ونَحوِه (أو العَصيرِ لمُتَّخذِه خمرًا) ولو ذِمِّيًّا. (ولا) يَصحُّ (بيعُ البَيْضِ والجَوْزِ ونحوِهما) كبُندُقٍ (للقِمَارِ). (ولا) يَصحُّ (بَيعُ السِّلاحِ) ونحوِه كتُرْسٍ ودِرْعٍ (في الفِتنَةِ، أو لأهلِ الحربِ، أو قُطَّاعِ الطَّريقِ) ممَّنْ عَلِمَ ذلك ولو بقَرَائِنَ. (ولا) يَصحُّ (بيعُ قِنٍّ مُسلِمِ لِكافِرٍ) ولو وَكيلًا لمُسلِمٍ (لا يَعتِقُ عَلَيه) أي: عَلى الكافرِ؛ لأنَّه يُمنَعُ مِن استِدَامَةَ مِلكِه عليه، فمُنِعَ من ابتِدَائِه (٢)، كالنِّكاحِ

стр. 772

ولا بَيعٌ على بَيعِ المُسلِم، كقولِه لمن اشترَى شيئًا بعشرَة: أعطيكَ مثلَهُ بتسعَةٍ، ولا شِراءٌ عليه، كقولِه لمن باعَ شَيئًا بتسعةٍ: عندي فيه عَشَرَةٌ. وأمَّا السَّومُ على سَومِ المُسلِمِ مَعَ الرِّضا الصَّريحِ، وبيعُ المُصحَفِ، فإنْ كانَ يَعتِقُ عليه، كأَبيهِ وابنِهِ وأَخيهِ، صحَّ شراؤُه له؛ لأنَّ مِلكَهُ لا يَستَقِرُّ عليه، بل يَعتِقُ في الحالِ، ويحصُلُ له من نَفعِ الحريَّةِ (١) أضعافُ ما حصَلَ مِن إهانةِ الرِّقِّ في لحظَةٍ يَسيرَةٍ. (ولا) يَصحُّ (بيع على بيعِ المسلمِ) فإنَّه محرَّمٌ، لحديثِ: "لا يَبعْ بعضُكم على بيعِ بعضٍ" (٢). (كقولهِ لمن اشترى شيئًا بعشرةٍ: أُعطيك مثلَه بتِسعَةٍ). (ولا) يصحُّ (شراءٌ عليه) أبي: على شِرَاءِ المسلمِ. محرَّمٌ (كقولِه لمَنْ باعِ شيئًا بتسعةٍ: عندي فيه عشَرَة) زمنَ الخيارينِ -خيارِ المجلسِ، وخيارِ الشرطِ- لأنَّ الشراءَ في معنى البيعِ، بل يُسمَّى بيعًا، ولما فيه من الإضرارِ بالمسلمِ، والإفسادِ عليه. فإنْ كانَ بعدَ لزومِ البيعِ، لم يحرُمْ؛ لعدمِ التمكُّنِ من الفسخِ إذنْ. (وأمَّا السَّومُ على سَومِ المسلمِ مع الرِّضا) من بائعٍ (الصَّريحِ): محرَّمٌ؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "لا يَسُمِ الرَّجلُ على سَومِ أخيهِ" رواه مسلمٌ (٣). فإنْ لمْ يصرِّحْ بالرِّضا، لمْ يحرُمْ؛ لأنَّ المسلمينَ لمْ يزالوا يتبايعُونَ في أسواقِهم بالمزايدةِ. (و) حَرُمَ (بيعُ المصحفِ) مُطلقًا؛ لما فيه من ابتذالهِ وتركِ تعظيمِه. ويصحُّ بيعُه

стр. 773

والأَمَةِ التي يَطؤُها قبلَ استبرائِها، فحرامٌ، ويَصِحُّ العَقدُ. ولا يَصِحُّ التَّصرُّفُ في المقبوُضِ بعقدٍ فَاسِدٍ، ويُضمنُ هُوَ وزِيادتُهُ، كمَغصُوبٍ. لمسلمٍ، ولا يصحُّ لكافرٍ. (و) حَرُمَ بيعُ (الأمَةِ التي يطؤُها قبلَ استبرائِها، فحرامٌ) في الجميعِ (ويصحُّ العقدُ) ويحرُمُ (ولا يصحُّ التصرُّفُ) في بيعٍ وهبةٍ وغيرِ ذلك (في المقبوضِ بعقدٍ فاسدٍ) لأنَّ وجودَه كعدمِه، فلا يَنتَقلُ المِلكُ به (ويُضمنُ هو) أبي: المبيعُ المقبوضُ بعقدٍ فاسدٍ (و) تُضمنُ (زيادتُه) أي: مِن وَلدٍ، وثمرةٍ، وكسبٍ، وغيرِها (كمغصوبٍ) لحصولِه بيدِه بغيرِ إذنِ الشرعِ، أشبَهَ المغصوبَ، وعليه أجرةُ مثلِه ما كان بيدِه، ويردُّ زوائدَهُ المنفصلةَ، وعليه بدلُ ما تلفَ منه أو من زوائدِه.

стр. 774

بابُ الشُّروطِ في البَيعِ وهِيَ قِسمَانِ: صحيحٌ لازِمٌ، وفاسِدٌ مبُطِلٌ للبَيعِ. فالصُّحيحُ: كَشرطِ تأجِيلِ الثَّمَنِ أو بَعضِهِ، أو رَهنٍ، أو ضَمينٍ مُعيَّنٍ. (بابُ الشُّرُوطِ في البيع) (١) جمعُ شَرطٍ، ومعناه لغةً: العلامةُ. واصطلاحًا: ما يلزمُ من عدمِه العدمُ، ولا يلزمُ من وجودِه وجودٌ ولا عدمٌ. والمرادُ هنا "في البيعِ": ما يَشتَرِطُه أحَدُ المتعاقِدَين على الآخَرِ فيه (وهي) أبي: الشُّروطُ (قِسمانِ): (صَحيحٌ لازمٌ) ليسَ لمن اشتُرِطَ عَليهِ فَكُّهُ. (و) القِسمُ الثاني: (فاسِدٌ مُبطلٌ للبيعِ) يحرُمُ اشتراطُهُ (فالصحيحُ كشرطِ تأجيلِ الثَّمنِ، أو) تأجيلِ (بعضِه) إلى وقتٍ معلومٍ (أو) اشتراطِ (رهنٍ) معيَّنٍ به (أو) اشتراطِ (ضمينٍ) به (معيَّنٍ) أبي: الرَّهنِ والضَّمينِ. وكذا شَرطُ كَفيلٍ. ويَدخُلُ فيه: لو باعَهُ وشرطَ عليه رَهنَ المبيعِ على ثمنِه، فيصحُّ، نصًّا. فإذا قال: بعتُك هذا العبدَ بكذا على أن ترهنِنيهِ على ثمنِه. فقال: اشتريتُ ورهنتُكَ، صحَّ الشراءُ والرَّهنُ

стр. 775

أو شَرطِ صِفَةٍ في المَبيعِ، كا لعَبدِ كَاتِبًا، أو صَانِعًا، أو مُسلِمًا. والأَمةِ بِكرًا، أو تَحيضُ. والدَّابَّةِ هِملاجَةً، أو لَبُونًا، أو حَامِلًا. والفَهْدِ أو البَازِيِّ صَيُودًا. فإن وُجِدَ المَشرُوطُ، لَزِمَ البَيعُ، وإلَّا فلِلمُشتَري الفَسخُ، أوأَرْشُ فَقدِ الصِّفَةِ. ويَصِحُّ أن يَشرُطَ البائعُ على المُشتَري منفعةَ ما باعَهُ مُدَّةً معلُومَةً، كَسُكْنَى الدَّار شَهرًا، وحِملانِ الدَّابَّة (أو شرطِ صفةٍ في المبيعِ، كالعبدِ كاتبًا، أو صانعًا) أبي: خيَّاطًا ونحوَه (أو مُسلِمًا. و) كونِ (الأَمَةِ بِكرًا، أو تحيضُ. و) كونِ (الدَّابة هِمْلاجةً) بكسر الهاءِ؛ أبي: تمشي الهَمْلَجةَ، وهي مِضيةٌ سهلةٌ في سرعةٍ (أو) كونِ الدَّابةِ (لَبُونًا) أبي: ذاتَ لبنٍ (أو) كونِها (حاملًا. و) كونِ (الفهدِ، أو البَازِيِّ صَيُودًا) أبي: معلَّمَ الصيدِ (فإنْ وجدَ) المشتري (المشروطَ) أبي: بأنْ حصلَ لمَنْ اشترَطَ شرطُهُ (لزِمَ البيعُ، وإلا) بأنْ لمْ يحصُلْ له شَرطُه (فللمُشتَرِي الفَسخُ) لفَواتِ الشرطِ، (أو أرشُ فَقْدِ الصِّفَةِ) يعني: أنَّ مَنْ فاتَ شرطُه يُخيَّرُ بين الفَسخِ وبينَ الإمسَاكِ، مع أرشِ فقدِ الصِّفةِ التي شَرَطَها؛ إلحاقًا له بالعيبِ. قال الشيخُ منصورٌ في "شرحه" على "الإقناع" (١): قلتُ: فيُؤخذُ منه: أنَّ الأرشَ قِسطُ ما بين قيمتِه بالصِّفةِ وقيمتِه مع عدمِها من الثمنِ. (ويصحُّ أنْ يشرُطَ (٢) البائعُ على المشتري مَنفَعَةَ مَا باعَهُ مُدَّةً معلُومةً، كسُكنى الدَّارِ) المبيعةِ (٣) (شهرًا) أو أقلَّ منه أو أكثرَ (وحِملانِ الدَّابةِ) المبيعة (٤)، كبعيرٍ،
следующие страницы →