ولا بيعُ العِنَبِ أو العصيرِ لمُتَّخِذِهِ خَمرًا.
ولا بيعُ البَيضِ والجَوزِ ونحوهِما للقِمَار.
ولا بيعُ السِّلاح في الفِتنَةِ، أو لأَهلِ الحَربِ، أو قُطَّاعِ الطَّريقِ.
ولا بيعٌ قِنٍّ مُسلمٍ لكافِرٍ لا يَعتَقُ عَليه.
وعُلِمَ ممَّا سبقَ: صحةُ العقدِ ممَّنْ لا تلزمُه، كالعبدِ والمرأةِ والمسافرِ، وإباحتُه له، لكنْ إنْ كانَ أحدُهما تَلزمُه، ووُجِدَ منه الإيجابُ أو القَبولُ بعدَ النداءِ، حَرُمَ ولم يَنعقدْ؛ لما تقدَّمَ. قال الموفَّقُ والشارحُ: وكُرِهَ للآخَرِ (١)
ويَصحُّ إمضاءُ بيع خيارٍ وبَقيَّةِ العقودِ، مِن إجارَةٍ، وصُلحٍ، وقَرضٍ، ورهنٍ، وغَيرِهَا، بعَدَ نِدَاءِ الجُمعةِ؛ لأنَّ النهيَ عن البَيعِ وغَيرِهِ لا يُسَاويه في التشاغُلِ المؤدِّي لفَوَاتِها.
وتحرُمُ مُساوَمَةٌ ومُنَادَاةٌ بعدَ نداءِ جُمُعَةٍ ثانٍ؛ لأنَّهُما وَسيلةٌ للبَيعِ المحرَّمِ إذَنْ.
وتحرُمُ أيضًا الصِّنَاعَاتُ كُلُّها.
(ولا) يَصحُّ (بيعُ العِنَبِ) أو زَبيبٍ ونَحوِه (أو العَصيرِ لمُتَّخذِه خمرًا) ولو ذِمِّيًّا.
(ولا) يَصحُّ (بيعُ البَيْضِ والجَوْزِ ونحوِهما) كبُندُقٍ (للقِمَارِ).
(ولا) يَصحُّ (بَيعُ السِّلاحِ) ونحوِه كتُرْسٍ ودِرْعٍ (في الفِتنَةِ، أو لأهلِ الحربِ، أو قُطَّاعِ الطَّريقِ) ممَّنْ عَلِمَ ذلك ولو بقَرَائِنَ.
(ولا) يَصحُّ (بيعُ قِنٍّ مُسلِمِ لِكافِرٍ) ولو وَكيلًا لمُسلِمٍ (لا يَعتِقُ عَلَيه) أي: عَلى الكافرِ؛ لأنَّه يُمنَعُ مِن استِدَامَةَ مِلكِه عليه، فمُنِعَ من ابتِدَائِه (٢)، كالنِّكاحِ
стр. 772
ولا بَيعٌ على بَيعِ المُسلِم، كقولِه لمن اشترَى شيئًا بعشرَة: أعطيكَ مثلَهُ بتسعَةٍ، ولا شِراءٌ عليه، كقولِه لمن باعَ شَيئًا بتسعةٍ: عندي فيه عَشَرَةٌ.
وأمَّا السَّومُ على سَومِ المُسلِمِ مَعَ الرِّضا الصَّريحِ، وبيعُ المُصحَفِ،
فإنْ كانَ يَعتِقُ عليه، كأَبيهِ وابنِهِ وأَخيهِ، صحَّ شراؤُه له؛ لأنَّ مِلكَهُ لا يَستَقِرُّ عليه، بل يَعتِقُ في الحالِ، ويحصُلُ له من نَفعِ الحريَّةِ (١) أضعافُ ما حصَلَ مِن إهانةِ الرِّقِّ في لحظَةٍ يَسيرَةٍ.
(ولا) يَصحُّ (بيع على بيعِ المسلمِ) فإنَّه محرَّمٌ، لحديثِ: "لا يَبعْ بعضُكم على بيعِ بعضٍ" (٢). (كقولهِ لمن اشترى شيئًا بعشرةٍ: أُعطيك مثلَه بتِسعَةٍ).
(ولا) يصحُّ (شراءٌ عليه) أبي: على شِرَاءِ المسلمِ. محرَّمٌ (كقولِه لمَنْ باعِ شيئًا بتسعةٍ: عندي فيه عشَرَة) زمنَ الخيارينِ -خيارِ المجلسِ، وخيارِ الشرطِ- لأنَّ الشراءَ في معنى البيعِ، بل يُسمَّى بيعًا، ولما فيه من الإضرارِ بالمسلمِ، والإفسادِ عليه.
فإنْ كانَ بعدَ لزومِ البيعِ، لم يحرُمْ؛ لعدمِ التمكُّنِ من الفسخِ إذنْ.
(وأمَّا السَّومُ على سَومِ المسلمِ مع الرِّضا) من بائعٍ (الصَّريحِ): محرَّمٌ؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "لا يَسُمِ الرَّجلُ على سَومِ أخيهِ" رواه مسلمٌ (٣). فإنْ لمْ يصرِّحْ بالرِّضا، لمْ يحرُمْ؛ لأنَّ المسلمينَ لمْ يزالوا يتبايعُونَ في أسواقِهم بالمزايدةِ.
(و) حَرُمَ (بيعُ المصحفِ) مُطلقًا؛ لما فيه من ابتذالهِ وتركِ تعظيمِه. ويصحُّ بيعُه
стр. 773
والأَمَةِ التي يَطؤُها قبلَ استبرائِها، فحرامٌ، ويَصِحُّ العَقدُ.
ولا يَصِحُّ التَّصرُّفُ في المقبوُضِ بعقدٍ فَاسِدٍ، ويُضمنُ هُوَ وزِيادتُهُ، كمَغصُوبٍ.
لمسلمٍ، ولا يصحُّ لكافرٍ.
(و) حَرُمَ بيعُ (الأمَةِ التي يطؤُها قبلَ استبرائِها، فحرامٌ) في الجميعِ (ويصحُّ العقدُ)
ويحرُمُ (ولا يصحُّ التصرُّفُ) في بيعٍ وهبةٍ وغيرِ ذلك (في المقبوضِ بعقدٍ فاسدٍ) لأنَّ وجودَه كعدمِه، فلا يَنتَقلُ المِلكُ به (ويُضمنُ هو) أبي: المبيعُ المقبوضُ بعقدٍ فاسدٍ (و) تُضمنُ (زيادتُه) أي: مِن وَلدٍ، وثمرةٍ، وكسبٍ، وغيرِها (كمغصوبٍ) لحصولِه بيدِه بغيرِ إذنِ الشرعِ، أشبَهَ المغصوبَ، وعليه أجرةُ مثلِه ما كان بيدِه، ويردُّ زوائدَهُ المنفصلةَ، وعليه بدلُ ما تلفَ منه أو من زوائدِه.
стр. 774
بابُ الشُّروطِ في البَيعِ
وهِيَ قِسمَانِ:
صحيحٌ لازِمٌ، وفاسِدٌ مبُطِلٌ للبَيعِ.
فالصُّحيحُ: كَشرطِ تأجِيلِ الثَّمَنِ أو بَعضِهِ، أو رَهنٍ، أو ضَمينٍ مُعيَّنٍ.
(بابُ الشُّرُوطِ في البيع) (١)
جمعُ شَرطٍ، ومعناه لغةً: العلامةُ.
واصطلاحًا: ما يلزمُ من عدمِه العدمُ، ولا يلزمُ من وجودِه وجودٌ ولا عدمٌ.
والمرادُ هنا "في البيعِ": ما يَشتَرِطُه أحَدُ المتعاقِدَين على الآخَرِ فيه
(وهي) أبي: الشُّروطُ (قِسمانِ):
(صَحيحٌ لازمٌ) ليسَ لمن اشتُرِطَ عَليهِ فَكُّهُ.
(و) القِسمُ الثاني: (فاسِدٌ مُبطلٌ للبيعِ) يحرُمُ اشتراطُهُ
(فالصحيحُ كشرطِ تأجيلِ الثَّمنِ، أو) تأجيلِ (بعضِه) إلى وقتٍ معلومٍ
(أو) اشتراطِ (رهنٍ) معيَّنٍ به (أو) اشتراطِ (ضمينٍ) به (معيَّنٍ) أبي: الرَّهنِ والضَّمينِ. وكذا شَرطُ كَفيلٍ. ويَدخُلُ فيه: لو باعَهُ وشرطَ عليه رَهنَ المبيعِ على ثمنِه، فيصحُّ، نصًّا. فإذا قال: بعتُك هذا العبدَ بكذا على أن ترهنِنيهِ على ثمنِه. فقال: اشتريتُ ورهنتُكَ، صحَّ الشراءُ والرَّهنُ
стр. 775
أو شَرطِ صِفَةٍ في المَبيعِ، كا لعَبدِ كَاتِبًا، أو صَانِعًا، أو مُسلِمًا. والأَمةِ بِكرًا، أو تَحيضُ. والدَّابَّةِ هِملاجَةً، أو لَبُونًا، أو حَامِلًا. والفَهْدِ أو البَازِيِّ صَيُودًا.
فإن وُجِدَ المَشرُوطُ، لَزِمَ البَيعُ، وإلَّا فلِلمُشتَري الفَسخُ، أوأَرْشُ فَقدِ الصِّفَةِ.
ويَصِحُّ أن يَشرُطَ البائعُ على المُشتَري منفعةَ ما باعَهُ مُدَّةً معلُومَةً، كَسُكْنَى الدَّار شَهرًا، وحِملانِ الدَّابَّة
(أو شرطِ صفةٍ في المبيعِ، كالعبدِ كاتبًا، أو صانعًا) أبي: خيَّاطًا ونحوَه (أو مُسلِمًا. و) كونِ (الأَمَةِ بِكرًا، أو تحيضُ. و) كونِ (الدَّابة هِمْلاجةً) بكسر الهاءِ؛ أبي: تمشي الهَمْلَجةَ، وهي مِضيةٌ سهلةٌ في سرعةٍ (أو) كونِ الدَّابةِ (لَبُونًا) أبي: ذاتَ لبنٍ (أو) كونِها (حاملًا. و) كونِ (الفهدِ، أو البَازِيِّ صَيُودًا) أبي: معلَّمَ الصيدِ
(فإنْ وجدَ) المشتري (المشروطَ) أبي: بأنْ حصلَ لمَنْ اشترَطَ شرطُهُ (لزِمَ البيعُ، وإلا) بأنْ لمْ يحصُلْ له شَرطُه (فللمُشتَرِي الفَسخُ) لفَواتِ الشرطِ، (أو أرشُ فَقْدِ الصِّفَةِ) يعني: أنَّ مَنْ فاتَ شرطُه يُخيَّرُ بين الفَسخِ وبينَ الإمسَاكِ، مع أرشِ فقدِ الصِّفةِ التي شَرَطَها؛ إلحاقًا له بالعيبِ.
قال الشيخُ منصورٌ في "شرحه" على "الإقناع" (١): قلتُ: فيُؤخذُ منه: أنَّ الأرشَ قِسطُ ما بين قيمتِه بالصِّفةِ وقيمتِه مع عدمِها من الثمنِ.
(ويصحُّ أنْ يشرُطَ (٢) البائعُ على المشتري مَنفَعَةَ مَا باعَهُ مُدَّةً معلُومةً، كسُكنى الدَّارِ) المبيعةِ (٣) (شهرًا) أو أقلَّ منه أو أكثرَ (وحِملانِ الدَّابةِ) المبيعة (٤)، كبعيرٍ،
стр. 776
إلى مَحَلٍّ مُعيَّنٍ.
وأن يشتَرِطَ المُشتَرِي على البَائِعِ حَمْلَ ما بَاعَهُ، أو تَكسِيرَهُ، أو خِيَاطَتَهُ، أو تَفصِيلَهُ.
ونحوِه (إلى محلٍّ معيَّنٍ) وكاشتِراطِه خدمةَ العَبدِ المبيعِ مُدَّةً معلُومَةً، فيصحُّ. نصًّا.
(و) يَصِحُّ (أنْ يشتَرِطَ على البائعِ حملَ ما باعَهُ، أو تكسيرَهُ، أو خياطتَه، أو تفصيلَه) أو حصادَ زَرعٍ، أو جَزَّ رَطْبَةٍ، وضَربَ قِطعَةِ حَديدٍ اشتَرَاها منه سيفًا أو نحوَه.
стр. 777
فَصْلٌ
والفَاسِدُ المُبطِلُ: كشَرطِ بَيعٍ آخَرَ، أو سَلَفٍ، أو قَرْضٍ، أو إجَارَةٍ، أو شَرِكَةٍ، أو صَرفٍ للثَّمَنِ
وهو بيعتَانِ في بَيعَةٍ المَنهِيُّ عنه.
(فصلٌ)
(والفاسدُ المبطلُ) للعقدِ من أصلِه (كشرطِ بيعٍ آخرَ) كـ: بِعْتُك هذه الدارَ، على أن تَبيعَني هذِه الفَرَسَ.
(أو) شَرطَ (سلَفٍ) كـ: بِعتُكَ عَبدي، على أن تُسلِفَنى كذا في كذا.
(أو) شرطِ (قرضٍ) كـ: على أن تُقرِضَني كذا.
(أو) شرطِ (إجارةٍ) كـ: على أن تُؤجِرَني دارَكَ بكذا.
(أو) شرطِ (شركةٍ) كـ: على أن تُشارِكَني في كذا.
(أو) شرطِ (صرفٍ للثَّمَنِ) كـ: بعتُكَ الأمةَ بعشَرَةِ دنانيرَ، على أن تصرِفَها بمائةِ درهمٍ.
أَو شرطِ صرفِ غيرِه، أي: الثمنِ، كـ: بعْتُكَ الثوبَ، على أن تَصرِفَ ليَ هذه الدَّنانيرَ بدَرَاهِمَ
(وهو) أبي: هذا النوعُ: (بيعتانِ في بيعةٍ المنهيُّ عنه) قال أحمدُ: والنهيُ يقتضي الفسادَ. وقال ابنُ مسعودٍ: صفقتانِ في صفقةٍ ربًا (١).
стр. 778
وكَذَا كُلُّ ما كَانَ في معنَى ذلِكَ، مِتلَ: أنْ تُزوِّجَني ابنتَكَ، أو: أُزوِّجَكَ ابنَتي، أو: تُنفِقَ على عَبدِي، أو دابتي.
ومن باعَ ما يُذرَعُ على أنَّه عشَرَةٌ، فبانَ أكثَرَ أو أقلَّ، صَحَّ البيعُ، ولِكُلٍّ الفَسخُ.
(وكذا كلُّ ما كان في معنى ذلكَ، مثلَ) أنْ يقولَ: بعتُكَ داري بكذا، على (أن تُزوِّجَني ابنتَكَ، أو) على أنْ (أُزوِّجَكَ ابنتي. أو: تُنفِقَ على عَبدِي، أو: دابتي) لأنَّه شَرطُ عقدٍ في عقدٍ، فلم يصحَّ، كنِكَاحِ الشِّغَارِ.
(ومَنْ باعَ ما) أبي: شيئًا (يُذرَعُ) كأرضٍ وثوبٍ (على أنَّه عشرةُ) أذرعٍ، أو أشبارٍ، أو أجربةٍ ونحوِها (فبانَ) المبيعُ (أكثرَ) ممَّا عيَّنَ (أو أقلَّ) ممَّا عيَّنَ (صحَّ البيعُ) والزائِدُ لبائعٍ؛ لأنَّ ذلك نقصٌ على المشتري، فلم يَمنعْ صحَّةَ البيعِ، كالعيب. وإن بانَ أقلَّ ممَّا ذُكِرَ فكذلك، أبي: فالبيعُ صحيحٌ؛ لأنَّ ذلك نقصٌ حصلَ على البائعِ، فلم يمنعْ صحَّةَ البيعِ، والنقصُ على البائعِ؛ لأنَّه التزمَهُ بالبيعِ
(ولكلٍّ) من بائعٍ ومشترٍ (الفَسخُ) لضَررِ الشركةِ في الزائدِ، إلا أنَّ المشتري إذا أعطىَ الزائدَ مجانًا بلا عوضٍ، فلا فسخَ له؛ لأنَّ البائعَ زادَهُ خيرًا.
ولمشترٍ الفسخُ لنقصِ المبيعِ، وله إمضاءُ البيعِ بقسطِه من الثمنِ برضى البائعِ؛ لأنَّ الثمنَ يقسَّطُ على كلِّ جزءٍ من أجزاءِ المبيعِ، فإذا فاتَ جزءٌ استحقَّ ما قابَلَه من الثمنِ. وإن لم يرضَ البائعُ بأخذِ المشتري له بقِسطِه، فللمُشتَري الفسخُ؛ دفعًا لذلك الضررِ.
стр. 779
بابُ الخِيار
وأَقسامُه سَبعةٌ:
أحدُهما: خِيارُ المَجلِسِ.
ويثبُتُ للمتَعَاقِدَينِ مِنْ حِينِ العَقدِ إلى أن يتفرَّقَا،
(بابٌ) يُذكرُ فيه أقسامُ (الخيارِ)
اسمُ مصدرِ اختارَ يختارُ اختِيارًا، لا مَصدَرُهُ؛ لعَدَمِ جَرَيانِه على الفِعل.
وهو: طَلبُ خيرِ الأمرَيْن: الفَسخُ، والإمضاءُ
(وأقسامُهُ) أبي: الخيارِ (سَبعةٌ) زاد في "المنتهى": ثامِنًا. والمصنِّفُ تبعَ صاحبَ "الإقناعِ":
(أحدُها: خيارُ المجلِسِ) بكَسرِ اللامِ: مَوضِعُ الجلوسِ، والمرادُ هنا: مكانُ التبايعِ
(ويثبتُ) خيارُ المجلسِ (للمتعَاقِدَينِ) من بائعٍ ومُشتَرٍ (مِن حينِ العَقدِ إلى أن يتفرَّقَا) أبي: بما يعدَّه الناسُ تفرُّقًا عُرْفًا؛ لإطلاقِ الشارعِ التفرُّقَ، وعدمِ بيانِه، فدلَّ أنَّه أرادَ ما يعرفُه الناسُ.
فإنْ كانا في مكانٍ واسعٍ، كمجلسٍ كبيرٍ وصحراءَ، فبمشي (١) أحدِهما مُستَدبِرًا لصَاحِبِه خُطُواتٍ، ولو لم يَبعُدْ عنه، بحيثُ لا يسمعُ كلامَه في العادةِ، خلافًا "للإقناع".
стр. 780
من غيرِ إكراهٍ، ما لم يَتبايَعا على أنْ لا خِيَار، أو يُسقِطَاه بعدَ العَقدِ، وإن أسقَطَه أحدُهُما بَقِيَ خِيارُ الآخَر.
ويَنقَطِعُ الخِيارُ بمَوتِ أحَدِهما، لا بِجُنُونِه، وهو على خِيارِه إذا أفَاقَ.
وتحرُمُ الفُرقَةُ من المَجلِس خَشيةَ الاستِقَالَة.
وإنْ كانا في دارٍ كبيرةٍ ذاتِ مجالسَ وبُيُوتٍ، فبِمُفارَقَتِه إلى بيتٍ آخرَ، أو مجلسٍ، أو صُفَّةٍ ونحوِها.
وإنْ كانا في دارٍ صغيرةٍ، فبصعودِ أحدِهما السطحَ، أو خروجِه منها.
وإنْ كانا بسفينةٍ كبيرة، فبصعودِ أحدِهما أعلاها إنْ كانا أسفلَ، أو نزولِه أسفلَها إنْ كانا أعلاها. وإنْ كانتْ صغيرةً، فبخروجِ أحدِهما منها
(من غير إكراهٍ) لهما أو لأحَدِهما على التفرُّقِ (ما لمْ يتبايَعَا على أن لا خِيَارَ) بينَهُما، فيلزمُ البيغ بمجرَّدِه (أو يُسقِطَاه) أي: الخيارَ (بعد العقدِ) أي: البيعِ قَبلَ التفرُّقِ؛ لأنَّه حقٌّ ثبَتَ للمُسقِطِ بعقدِ البيعِ، فسقَطَ بإسقَاطِه، كالشُّفعَةِ
(وإنْ أسقطَه) أي: الخيارَ (أحدُهما) أي: المتبايِعَينِ (بقِيَ خيارُ الآخَرِ) أي: خيارُ صاحبِه
(وينقطعُ الخِيارُ بمَوتِ أحَدِهما) أي: المتعاقِدَينِ؛ لأنَّ الموتَ أعظمُ الفُرقَتينِ، و (لا) يَنقَطِعُ الخيارُ (بجنُونِه) في المجلِسِ، لعدَمِ التفرُّقِ، (وهو) أي: المجنونُ (على خيارِه إذا أفاقَ) من جنونِه. ولا يثبتُ الخيارُ لوليِّه؛ لأنَّ الرغبةَ في المبيعِ أو عدمَها لا تُعلَمُ إلا من جهتِه. وإنْ خرِسَ، قامتْ إشارتُه مقامَ نُطقِهِ
(وتحرُمُ الفُرْقةُ من المجلسِ خشيةَ الاستقالَة) (١) أي: خشيةَ أنْ يفسخَ صاحبُه
стр. 781
الثَّانِي: خيارُ الشَّرط.
وهو أن يَشْرِطَا -أو أحدُهُما- الخِيارَ إلى مُدَّةٍ معلُومَةٍ، فَيصِحُّ، وإنْ طالَت، لكنْ يَحرُئم تصرُّفُهما في الثَّمَن والمُثمَنِ في مُدَّةِ الخِيار.
البيعَ في المجلسِ، لحديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه مرفوعًا: "البائعُ والمبتاعُ بالخِيارِ حتى يتفرَّقا، إلا أنْ يكونَ صَفْقَةَ خيارِ، فلا يحلُّ له أنْ يفارِقَ صاحبَهُ، خشيةَ أنْ يستقيلَهُ". رواه النسائيُّ، والأثرمُ، والترمذيُّ (١) وحسنَهُ.
وما رُوِيَ عن ابن عمرَ: أنَّه كان إذا اشترَى شيئًا يعجبُهُ، مشىَ خُطُواتٍ؛ ليلزمَ البيعُ (٢). محمولٌ على أنَّه لم يَبلُغْهُ الخبرُ.
(الثاني) من أقسامِ الخيارِ: (خيارُ الشَّرطِ. وهو أن يَشرِطَا) أي: العَاقِدَانِ الخيارَ (أو أحدُهما) في صُلْبِ العقدِ، أو بعدَهُ، زمَنَ الخيارَيْنِ: خِيارِ الشرطِ، وخيارِ المجلسِ؛ لأنَّه بمنزلةِ حالِ العقدِ (الخيارَ إلى مَدَّةٍ معلومةٍ) ولو فوقَ ثلاثةِ أيامٍ (فيصحُّ) الشرطُ، ويثبتُ الخِيارُ فيها (وإنْ طالَتْ) المدَّةُ، لعُمُومِ قولِه ﵇: "المسلمونَ على شروطِهم" (٣). ولأنَّه حقٌّ مقدورٌ يَعتَمِدُ الشرطَ، فيُرجعُ في تَقديرِه إلى شَرطِه.
(لكن يحرُمُ تصرُّفُهما) أي: المتبايعينِ (في الثمنِ والمُثمَنِ) أمَّا تحريمُ تَصرُّفِ البائِعِ في المبيعِ، فَلِكَونِه لا يَملِكُه. وأمَّا تحريمُ تصرُّفِ المشترِي فيه؛ فلِكَونِ المبيعِ لم تنقَطِعْ عِلَقُ البائعِ منه (في مدَّةِ الخِيارِ) أي: خيارِ الشرطِ والمجلسِ
стр. 782
وينتَقِلُ المِلكُ من حينِ العَقدِ، فَمَا حَصَل في تِلكَ المُدَّة من النَّماءِ المُنفَصل، فلِلمُنتَقِلِ له، ولو أنَّ الشَّرطَ للآخَرِ فَقط.
(وينتقلُ المِلكُ) في مبيعٍ إلى مُشتَرٍ، وفي ثمَنٍ إلى بائعٍ (من حينِ العقدِ)
سواءٌ شرَطا الخيارَ لهما، أو لأحدِهما أيَّا كانَ؛ لظاهرِ حديثِ: "مَنْ باعَ عبدًا، وله مالٌ، فمالُهُ للبائِع، إلا أنْ يَشرِطَه المبتاعُ". رواه مسلمٌ (١). فجعلَ المالَ للمبتاعِ باشتراطِه، وأطلقَ البيعَ، فشملَ بيعَ الخيارِ، ولأنَّ البيعَ تمليكٌ؛ بدليلِ صحتِه بقولِ: ملَّكتُكَ. فيثبتُ به المِلكُ في بيعِ الخيارِ، كسائرِ البيوعِ. يحققُهُ: أنَّ التمليكَ يدلُّ على نقلِ المِلكِ إلى المشتري، ويقتضيه (٢) لفظُه، وثبوتُ الخيارِ فيه لا يُنافيه.
(فما حصلَ) في البيعِ (في تلك المدَّةِ) أي: مدَّةِ الخيارِ (من النَّماءِ المنفصِلِ) كثمرةٍ، وولدٍ، ولبنٍ -واحترزَ بالمنفصلِ عن المتصلِ، كسِمَنٍ ونحوِه، فإنَّه يتَبعُ العقدَ -وكَشبٍ، أو أُجرةٍ. ولو حَصلَ في يدِ بائعٍ قبلَ قبضٍ.
(فللمُنتَقلِ له) أي: المشتري. جوابُ: "فما حصلَ"، أو خَبَرُهُ، أي: نَمَاءُ المبيعِ زَمَنَ الخيارينِ، وكسبُه، للمُشتَري. قال في "الإقناع" (٣): أمضياهُ، أو فسَخَاهُ. قال الشيخُ منصورٌ في "شرحه" (٤) عليه: لأنَّ الفسخَ رفغ للعقدِ من حينِ الفسخِ، لا من أصلِه (ولو أنَّ الشرطَ للآخرِ فقط) أي: للبائعِ فقَط.
стр. 783
ولا يفتَقِرُ فَسخُ مَن يملِكُه إلى حُضورِ صَاحِبهِ، ولا رِضَاهُ، فإن مَضَى زمنُ الخِيَارِ ولم يُفسَخ، صارَ لازِمًا.
ويسقُطُ الخِيارُ بالقَولِ، وبالفِعلِ، كتَصرُّفِ المُشتَري في المَبيع بَوقفٍ، أو هِبَةٍ، أو سَومٍ، أو لَمْسٍ لشَهَوةٍ، ويَنفُذُ تصرُّفُه إن كان الخيارُ له فقط.
(ولا يَفتَقِرُ فسخُ مَنْ يملِكُه) من المتبايِعَينِ (إلى حُضُورِ صاحبِه) العاقِدِ معَهُ (ولا) إلى (رِضَاهُ) لأنَّ الفسخَ حَلٌّ عقدٍ جُعِلَ إليه، فجازَ في غيبةِ صاحبِه، ومع سُخْطِه، كالطلاقِ.
(فإنْ مضىَ زمنُ الخيارِ) أي: خيَارِ الشرطِ (ولم يَفسَخِ) البيعَ مَشرُوطٌ له (صَارَ لازمًا) أي: البيعُ؛ لأنَّه لو لم يَلزمْ لأفضَى إلى بقاءِ الخيارِ أكثرَ من مُدَّتِه المشترطةِ، وهو لا يثبتُ إلا بالشرطِ.
(ويسقُطُ الخِيارُ بالقولٍ، وبالفعلِ، كتصرُّفِ المشتري في المبيعِ بوقفٍ، أو هبة، أو سَوْمٍ، أو لمسٍ لشهوةٍ) ونحوِه كتَقبيلِها (وينفُذُ تصرُّفُه) ويكونُ إمضاءً للبَيعِ، وإسقاطًا لخيارِه؛ لأنَّه دليلُ الرِّضَا بالبيعِ. وكذا يَسقُطُ خيارُه برهنٍ، وإجارةٍ، ومساقاةٍ (إنْ كانَ الخيارُ له) أي: للمُشتَري (فقط) وكذا بتصرُّفِ بائعٍ في الثمنِ، إنْ كان الخيارُ له وحدَهُ.
وإنْ تصرَّفَ البائعُ في المبيعِ، لم ينفُذْ تصرُّفُه، ولو كان عِتْقًا؛ لانتقالِ المِلكِ عنه للمشتري، سواءٌ كان الخيارُ له وحدَهُ، أو لا؛ بأنْ كان للمشتري وحدَهُ أو لهما، إلا إذا تصرَّفَ البائعُ في المبيعِ بإذنِ مُشتَرٍ، فيَصحُّ، ويَكونُ إذنُ المشتَري تَوكيلًا للبَائِعِ في التَّصرُّفِ، ويكونُ تصرُّفِ البائعِ بإذنِ المشتري في المبيعِ مسقطًا لخيارِه.
стр. 784
الثَّالِثُ: خيارُ الغَبْن.
وهو أن يَبيعَ ما يُساوِي عشَرَةً بثمانِيةٍ، أو يَشتَرِيَ ما يُساوي ثمانيَةً بعشَرَةٍ، فيثبُتُ الخِيَارُ، ولا أَرشَ معَ الإمسَاك.
(الثالثُ) من أقسامِ الخيارِ: (خيارُ الغَبْنِ) بسكونِ الباءِ. مصدر (١) غبَنَه: مِن بابِ ضَرَبَ، إذا خدَعَهُ
(وهو) أي: خيارُ الغَبْنِ (أنْ يبيعَ ما يُساوي عشَرَةَ) دراهمَ (بثمانيةِ) دراهمَ، (أو يشتريَ ما يساوي ثمانيةَ) دراهمَ (بعشَرَةِ) دراهمَ (فيثبتُ الخيارُ، ولا أرشَ مع الإمساكِ)
ويُقبلُ قولُه مع يمينِه أنَّه جاهلٌ بالقيمةِ؛ لأنَّه الأصلُ، ما لم تكنْ قرينةٌ تكذِّبُهُ في دعوى الجهلِ، فلا تُقبلُ منه.
وقال ابنُ نصر الله: الأظهرُ احتياجُه، يعني: في دعوى الجهل بالقيمةِ، إلى بيِّنةٍ؛ لأنَّه ليس ممَّا تتعذَّرُ البيِّنَةُ به (٢).
وكذا إجارةٌ، يَثبُتُ فيها خِيارُ الغَبْنِ، إذا جَهِلَ أُجرَةَ المثلِ، ولم يُحسنِ المماكسةَ فيها.
فإنْ فَسخَ المغبونُ في أثنائِها، أي: أثناءِ مُدَّةِ الإجارةِ، كان الفسخُ رفعًا للعَقدِ من أصلِه، ويَرجِعُ المؤجِّرُ، إنْ كانَ هو الفاسخَ، على المستأجِرِ بالقِسطِ من أُجرَةِ المثلِ، لا بالقِسطِ من المسمَّى في الإجارةِ؛ لأنَّه لو رَجَعَ عليه بذلك لم يَستَدرِكْ ظُلامَةَ الغبنِ (٣)؛ لأنَّه يلحقُه (٤) فيما يلزمُه من ذلك لمدَّتِه. ويُفارِقُ ما لو ظَهَرَ
стр. 785
الرَّابِعُ: خيارُ التَّدلِيس.
وهو أن يُدَلِّسَ البائِعُ على المُشتَري ما يزَيدُ به الثَّمنُ، كتَصرِيَةِ اللَّبنِ في الضَّرعِ، وتَحمِيرِ الوَجهِ، وتَسويدِ الشَّعرِ، فيحرُمُ، ويثبتُ للمُشتَرِي الخِيَارُ،
على (١) عَيبٍ في الإجارةِ، ففَسَخَ: أنَّه يرجِعُ عليه بقِسطِه مِن المسمَّى؛ لأنَّه يَستَدرِكُ ظُلامَتَه بذَلِكَ؛ لأنَّه يَرجِعُ بقِسطِه منها مَعيبًا، فيرتَفِعُ عنه الضرَّرُ بذلك. قال المجدُ: نقلتُه من خطِ القاضي على ظهرِ الجزءِ الثلاثين من "تعليقه" (٢).
والغَبْنُ محرَّمٌ؛ لأنَّه تَغريرٌ (٣) وغِشٌ. والعقدُ صحيحٌ.
(الرابعُ) من أقسامِ الخيارِ: (خيارُ التدليسِ) مِن الدَّلَسِ، بالتحريكِ، بمعنى: الظُّلمَةِ؛ كأنَّ البائعَ بفعلِه الآتي صيَّرَ المشتَرِيَ في ظُلمَةٍ
(وهو) أي: التدليسُ (أنْ يُدَلِّسَ البائعُ على المشتري ما يزيدُ به الثَّمنُ) وإنْ لمْ يكنْ عيبًا (كتَصْريةِ اللَّبنِ) أي: جمعِه (في الضَّرْع) أي: ضرعِ بهيمةِ الأنعامِ؛ لما روى أبو هريرةَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "لا تُصَرُّوا الإبلَ والغَنمَ، فمَنْ ابتاعَها، فهو بخيرِ النَّظَرَينِ بعدَ أنْ يحلبَها، إنْ شاءَ أمسَكَ، وإنْ شاءَ ردَّها وصاعًا من تَمرٍ" متفقٌ عليه (٤).
(و) كـ (تحميرِ الوجهِ، وتسويدِ الشَّعَرِ) من رقيقٍ، وتجعيدِه، والجعدُ: ضدُّ السَّبْطِ
(فيحرُمُ) التدليسُ (ويثبتُ للمشتري) بالتدليسِ (الخِيارُ) أي: خيارُ الرَّدِّ
стр. 786
حتَّى ولَو حَصَل التَّدلِيسُ من البائِع بلا قَصْدٍ.
الخَامِسُ: خِيارُ العَيبِ.
(حتى ولو حصلَ التدليسُ) في مبيعٍ (من البائعِ بلا قصدٍ) كحُمرَةِ وَجهِ جارِيَةٍ؛ لخَجَلٍ أو تَعَبٍ ونحوِه؛ لأنَّه لا أثرَ له في إزالةِ ضررِ المشتري.
فإنْ علمَ مشترٍ بتدليسٍ، فلا خيارَ له؛ لدخولِه على بصيرةٍ. وكذا لو دلَّسَه بما لا يزيدُ به الثمنُ، كتسبيطِ الشَّعَرِ؛ لأنَّه (١) لا ضَرَرَ بذلك على مُشترٍ.
وخيارُ التدليسِ على التراخي، إلَّا المُصَرَّاةَ، فيخيَّرُ ثلاثةَ أيَّامٍ مِنهُ مُنذُ عَلِمَ، بين إمساكٍ بلا أَرشٍ، ورَدٍّ مَعَ صاعِ تمرٍ سليمٍ إنْ حلبَها. فإنْ عَدِمَ التَّمرَ، فقيمتُه. ويُقبَلُ رَدُّ اللَّبنِ بحالِه لم يتغيرْ، بدَلَ التَّمرِ، كردِّها به قبلَ الحَلْبِ، إن ثبتتِ التصريةُ.
وله ردُّ مُصرَّاةٍ مِن غَيرِ بهيمةِ الأنعامِ، كأمَةٍ وأتانٍ، مجَّانًا؛ لأنَّه لا يُعتاضُ عنه عادةً. قال في "الفروع": كذا قالوا، وليس بمانعٍ. وقال المنقِّحُ: بل بقيمةِ ما تلِفَ من اللَّبنِ، يعني: إنْ كان له قيمةٌ (٢).
(الخامسُ) من أقسامِ الخيارِ: (خِيارُ العَيبِ) وما بمعنَاه. وهو نقصُ مبيعٍ، أو نصٌّ قيمتِه عادةً. فما عدَّه التجارُ منقِصًا، أُنيطَ الحكمُ به؛ لأنَّه لم يردْ في الشرعِ نصٌّ في كلِّ فردٍ منه، فرُجعَ فيه إلى أهل الشأنِ: كمَرَضٍ بحيوانٍ يحوزُ بيعُه، وبَخَرٍ في عبدٍ، أو أمَةٍ، وحَوَلٍ، وخَرَسٍ، وكَلَفٍ، وطَرَشٍ، وقَرَعٍ، وفَتْقٍ، ورَتَقٍ، واستحاضةٍ، وجنونٍ، وسُعالٍ، وبُحَّةٍ، وحملِ أَمَةٍ، لا بهيمةٍ، وزنا مَنْ بلغَ عشرًا من عبدٍ وأمَةٍ. وشُربه مسكرًا، وسرقتِه، وإباقِه، وبولِه في فراشِه، وحُمْقِ بالغٍ، وهو:
стр. 787
فإذا وَجَدَ المُشتَرِي بمَا اشتراهُ عَيبًا يَجهَلُهُ، خُيِّرَ بينَ ردِّ المَبيعِ بنَمَائِه المُتَّصِل، وعلَيهِ أُجرةُ الرَّد، ويَرجِعُ بالثَّمَنِ كامِلًا، وبينَ إمسَاكِهِ، ويأخذُ الأَرشَ.
ارتكابُهُ الخطأَ على بصيرةٍ. وكونِ الرقيقِ أعسرَ لا يعملُ بيمينِه عملَها المعتادَ، وعدمِ ختانِ ذَكَرٍ، وعثرةِ مركوبٍ، وعَضِّه، ورفسِه، وحَرْنِه، وكونِه شَمُوسًا، أو بعينِهِ ظَفَرةٌ.
وما في معنى العيبِ: كطولِ مدَّةِ نقلِ ما في دارٍ مبيعةٍ عُرْفًا؛ لطول تأخيرِ تسليمِ المبيعِ بلا شرطٍ، كما لو كانت مُؤجَّرةً. فإنْ لم (١) تطُلِ المدَّةُ عُرْفًا، فلا خيارَ. وبقٍّ في دارٍ مبيعةٍ، ودَلَمٍ، وكونِ الدارِ ينزلُها الجندُ
(فإذا وجدَ المشتري بما اشتراهُ عيبًا) ممَّا ذُكِرَ، وما في معناه، وكان (يجهلُه) أي: يجهلُ المشتري العيبَ حين العقدِ، ثمَّ بانَ، أي: ظهَرَ له، فإنْ كان عالمًا به، فلا خيارَ له، لدخولِه على بصيرةٍ
(خُيِّرَ بينَ ردِّ المبيع) المعيبِ (بنمائِه المتَّصلِ) فلا يردّ مشتري نماءً منفصلًا، كثمرة، وولدِ بهيمةٍ (وعليه) أي: المشتري (أُجرةُ الرَّدِّ) إلى البائِع؛ لحديثِ: "على اليدِ ما أخذتْ حتى تُؤدِّيَهُ" (٢). (ويرجعُ بالثَّمَنِ كاملًا) لأنَّ المشتري بالفسخ استحقَّ استرجاعَ جميع الثمنِ، حتى ولو وهبَهُ البائعُ، أو أبرَأَهُ منه، ثمَّ فسَخَ، رجعَ بكلِّ الثمنِ
(وبينَ إمساكهِ) أي: المبيعِ (ويأخذُ الأرشَ) إنْ شاءَ؛ لأنَّ المتبايعين تراضيَا
стр. 788
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على أنَّ العِوضَ في مقابلة المبيعُ، فكلُّ جزءٍ منه يقابلُه جزءٌ من الثمنِ، ومع العيبِ فاتَ، فلهُ الرجوعُ ببدلِه، وهو الأرشُ، وهو: قسطُ ما بين قيمتِه صحيحًا ومعيبًا. فيُقوَّمُ المبيعُ صَحيحًا ثم مَعيبًا (١)، ويُؤخذُ قسطُ ما بينهما من الثمنِ. فإنْ قُوِّمَ صحيحًا بعشرةٍ، ومعيبًا بثمانيةِ، رجعَ بخمسِ الثَّمَنِ، قليلًا أو كثيرًا.
ما لم يُفضِ إلى ربًا (٢)، كشراءِ حليِّ فضةٍ بزنتِه دراهمَ، أو قفيزٍ ممَّا يجري فيه الرِّبا، اشتراه بمثلِه، ثمَّ وجدَهُ معيبًا، فله الردُّ، أو الإمساكُ مجانًا، أي: من (٣) غير أرشٍ؛ لأنَّ أخذَ الأرشِ يؤدِّي إلى ربا الفضلِ (٤)، أو إلى مسألةِ "مُدِّ عجوةٍ".
"تنبيهٌ": إذا وجبَ الأرشُ فهل هو من عينِ الثمنِ، أو صما شاءَ البائعُ؟ فيه احتمالان، أطلقَهما في "الفروع"، و"التلخيص"، و"الرعاية"، والزركشي، وغيرهم:
أحدُهما: يأخذُه من عينِ الثمنِ، مع بقائِه؛ لأنَّه فسخٌ أو إسقاطٌ. قالَهُ القاضي في موضع من "خلافه". قال في "تصحيح الفروع": وهو الصَّوابُ.
والوجه الثاني: يأخذُه من حيثُ شاءَ البائعُ. وقاله (٥) القاضي أيضًا في موضعٍ من "خلافه". قال في "تصحيح الفروع": وهو ظاهر كلام كثيرٍ من الأصحابِ،
стр. 789
ويَتعيَّنُ الأَرشُ مع تَلفِ المَبيعِ عِندَ المُشتَري، ما لم يَكُن البائِعُ عَلِمَ، بالعَيبِ وكتَمَهُ؛ تدليسًا على المُشتَري، فيحرُمُ، ويذهَبُ علَى البائِعِ، ويرجِعُ المُشتَرِي بجمِيعِ ما دَفَعَهُ له.
وصحَّحَه ابنُ نصرِ اللهِ في "حواشي الفروع" في باب الإجارةِ. فقال: لا يجبُ كونُه من عينِ الثمنِ في الأصحِّ (١).
(ويتعيَّنُ الأرشُ) للبائعِ (مع تلفِ المبيعِ عندَ المشتري) بأنْ وطئَ المشتري الأمَةَ البكرَ، أو تعيَّبَ غيرُها من المبيعِ، كثَوبٍ قَطَعَه، أو نسيانِ صَنعةٍ، أو كتابةٍ، فللمشتري الأرشُ للعَيبِ الأوَّلِ، أو رَدُّهُ على بائعِه مع أرشٍ نقصَه الحادثِ عندَه؛ لقولِ عثمانَ في رجل اشترى ثوبًا ولَبِسَه، ثمَّ اطَّلعَ على عيبٍ: يَردُّهُ (٢) وما نقَصَ (٣). فأجازَ الرَّدَّ مع النُّقصانِ. رواه الخلالُ. وعليه اعتمدَ الإمامُ.
والأرشُ هنا: ما بين قيمتِه بالعيبِ الأوَّلِ، وقيمتِه بالعيبينِ.
(ما لمْ يكنْ البائعُ عَلِمَ بالعيبِ وكتَمَه) البائعُ (تدليسًا على المشتري، فيحرُمُ) التدليسُ (ويذهبُ) مبيعٌ (على البائعِ) إنْ تَلِفَ المبيعُ بغيرِ فعلِ المشتري، كموتِه، أو إباقِه؛ لأنَّه غرَّه. ويَتبعُ بائعٌ عبدَه حيثُ كانَ.
(ويرجعُ المشتري بجميع ما دفَعَه له) أي: بالثمنِ كلِّه على البائعِ نصًّا.
وسواءٌ تعيَّبَ المبيعُ عند (٤) المشتري، أو (٥) تَلِفَ بفعلِ اللهِ تعالى، أو بفعلِ
стр. 790
وخِيارُ العَيبِ على التَّراخِي، لا يسقُطُ إلَّا إنْ وُجِدَ من المُشتَري ما يَدلُّ على رِضاه، كتَصرُّفِه، واستِعمَالِه لِغَير تَجرِبَةٍ.
ولا يَفتِقرُ الفَسخُ إلى حُضورِ البائع، ولا لحُكمِ الحَاكِمِ.
والمبيعُ بعدَ الفَسخِ أمانةٌ بيدِ المُشتَرِي.
وإن اختلَفا عندَ من حَدَثَ العيبُ، مع الاحِتَمال، ولا بيِّنةَ،
المشتري، كوَطءِ البكرِ، ونحوِه، ممَّا هو مأذونٌ فيه شرعًا؛ بخلافِ قطعِ عضوٍ، وقلع سنٍّ، فإنَّه لمْ يأذنْ به الشرعُ.
(وخيارُ العيبِ على التَّراخي) لأنَّه لدفعِ ضررٍ محقَّقٍ. فـ (لا يسقطُ) بالتأخيرِ، كالقصاصِ (إلا إنْ وُجِدَ من المشتري ما يدلُّ على رِضاه) أي: المشتري (كتصرُّفِه) في مبيعٍ، عالمًا بعيبِه، بنحوِ بيعٍ، أو إجارةٍ، أو إعارةٍ، أو هبةٍ (و) كـ (استعمالِهِ) المبيعَ (لغيرِ تجربةٍ) كوطءٍ، وحَمْلٍ على دابَّةٍ
(ولا يفتقرُ الفسخُ) لعيبٍ (إلى حضورِ البائعِ) ولا إلى رضاهُ، (ولا لحكمِ الحاكم) (١) كالطلاقِ
(والمبيعُ بعدَ الفسخِ) لعيبٍ (٢) وغَيرِه (أمانةٌ بيدِ المشتري) لحصولِهِ في يدِه بلا تعدٍّ، لكنْ إنْ قصَّرَ في ردِّه، فتلِفَ، ضمنِه؛ لتفريطِه، كثوبٍ أطارتْهُ الريحُ إلى دارِه، فقصَّرَ في ردِّه حتى تَلِفَ
(وإنِ اختَلَفا) أي: بائغٌ ومُشتَرٍ (عندَ مَنْ حدثَ العيبُ) في المبيعِ (مع الاحتمالِ) لحصولِه عند بائعٍ، وحدوثِه عندَ مشترٍ، كإباقٍ (ولا بينةَ) لأحدِهما،
стр. 791
فقولُ المشتَري بيمينِه، وإنْ لم يَحتَمِل إلَّا قولَ أَحدِهِما، قُبِلَ بلا يمينٍ
السَّادِسُ: خيارُ الخُلْفِ في الصِّفةِ.
فإذا وَجَدَ المُشتَرِي ما وُصِفَ له، أو تقدَّمَت رؤيتُه العَقدَ بزمنٍ يَسيرٍ مُتَغيِّرًا، فله الفَسْخُ، ويَحلِفُ إن اختلَفَا.
(فقولُ المشتري بيمينِهِ) لأنَّه ينكرُ القبضَ في الجزءِ الفائتِ. والأصلُ عدمُه كقبضِ المبيعِ. وهذه المسألةُ من المفرداتِ
(وإنْ لمْ يَحتَملْ إلا قولَ أحدِهما) كالإصبعِ الزائدةِ، والجرحِ الطريِّ الذي لا يحتملُ أن يكونَ قبلَ العقدِ (قُبِلَ) قولُ المشتري في المثالِ الأوَّلِ، والبائعِ في المثال الثاني (بلا يمينٍ) لعدمِ الحاجةِ إليه.
(السادسُ) من أقسامِ الخيارِ: (خيارُ الخُلْفِ في الصِّفةِ) إذا باعَه بالوصفِ
(فإذا وجدَ المشتري ما وُصِفَ له، أو تقدَّمتْ رؤيتُه) قبلَ (العقدِ بزمنٍ) لا يتغيرُ فيه المبيعُ تغيرًا ظاهرًا، أي: (بزمنٍ يسيرٍ، مُتَغيِّرًا، فله) (١) أي: المشتري (الفسخُ) لأنَّ ذلك بمنزلةِ عَيبهِ. وكذا لو وجدَ المبيعَ بالصِّفةِ ناقصًا صفةً (ويحلفُ) مشترٍ (إنِ اختلفا) في نقصِه أو تغيُّرِه عمَّا كان رآه؛ لأنَّ الأصلَ براءتُه من الثمنِ.
وهو على التراخي، فلا يسقطُ خيارُه إلا بما يدلُّ على الرِّضا، من مشترٍ بنقصِ صفتِه أو تغيُّرِه، من سَوْمٍ ونحوِه، كوطءِ أمَةٍ بيعتْ كذلك بعدَ العِلْمِ، كخيارٍ عيبٍ.
ولا يسقطُ خيارُه بركوبِ دابَّةٍ مبيعةٍ بطريقٍ ردَّها؛ لأنَّه لا يدلُّ على الرِّضا بالنقصِ أو التغيُّرِ.
وإنْ أسقطَ مشترٍ حقَّه من الرِّد بنقصِ صفةٍ شُرطتْ، أو تغيُّرٍ بعدَ رؤيةٍ، فلا أرشَ
стр. 792
السَّابِعُ: خيارُ الخُلْفِ في قَدرِ الثَّمن.
فإذا اختلفا في قَدرِه، حَلَف البائِعُ: ما بعتُه بكذا، وإنَّما بعتُه بكذا. ثم المُشتَري: ما اشتريتُه بكَذا، وإنَّما اشتريتُه بكَذا.
له؛ لأنَّ الصِّفةَ لا يُعتاضُ عنها، وكالمسلَمِ فيه. قالَهُ في "الفروع". فيخيَّرُ بين الردِّ والإمساكِ مجانًا.
وهذا بخلافِ البيعِ بشرطِ صفةٍ، فإنَّ له أرشَ فقدها، كما تقدَّم (١).
(السابعُ) من أقسامِ الخيارِ: (خيارُ الخُلْفِ) أي: اختلافِ المتبايعَين. وكذا لو اختلفَ المؤجِّرُ والمستأجِرُ في الأُجرَةِ (في قَدرِ الثَّمَنِ) أي: في مقدارِه
(فإذا اختلفا) أي: المتعاقدانِ. أو اختلفَ ورثتُهما، أو أحدُهما وورثةُ الآخرِ (في قدرِه) أي: في قدرِ الثمنِ، بأنْ قالَ بائعٌ، أو وارثُه: الثمنُ ألفٌ. وقال مشترٍ، أو وارثُه: ثمانمائةٍ. ولا بينة لأحدِهما، تحالفا؛ لأنَّ كلًا منهما مدَّعٍ ومنكرٌ صورةً، وكذا حكمًا، لسماعِ بينةِ كلٍّ منهما. أو كان لهما، أي: لكلٍّ منهما (٢)، بينةٌ بما ادَّعاه، تحالفا؛ لتعارضِ البيِّنتينِ وتساقطا، فيصيرانِ كمَنْ لا بينةَ لهما.
وإذا أرادا التحالفَ (حلفَ البائعُ) أوَّلًا، لقوةِ جَنْبَتِهِ؛ لأنَّ المبيعَ يُرَدُّ إليه: (ما بعتُه بكذا، وإنَّما بعتُه بكذا) فيجمعُ بين النفيِ والإثباتِ، فالنفيُ لما ادُّعِيَ عليه، والإثباتُ لما ادَّعاه، ويُقدَّمُ النفيُ عليه؛ لأنَّه الأصلُ في اليمين
(ثمَّ) حلف (المشتري: ما اشتريتُه بكذا، وإنَّما اشتريتُه بكذا) لما تقدَّمَ.
ويحلفُ وارثٌ على البَتِّ، إن علمَ الثمنَ، وإلا فعلى نفيِ العلمِ.
стр. 793
ويتفَاسَخَان.
ثمَّ بعد التحالفِ: إنْ رضيَ أحدُهما، أي: البائعِ أو المشتري، بقولِ الآخرِ، أو لمْ يتحالفا، بل نكلَ أحدُهما عن اليمينِ، وحلفَ الآخرُ، أُقِرَّ العقدُ بما حلفَ عليه الحالفُ منهما؛ لأنَّ النكولَ كإقامةِ البينة على مَنْ نكلَ، وإنْ لمْ يرضَ أحدُهما بقولِ الآخرِ بعدَ التحالفِ (ويتفاسخانِ) أي: البائعُ والمشتري، ولو بلا حاكمٍ؛ لأنَّه لاستدراكِ الظلامةِ، أشبَهَ ردَّ المعيب.
وعُلِمَ منه: أنَّه لا ينفسخُ بنفسِ التحالفِ؛ لأنَّه عقدٌ صحيحٌ، فلَم ينفسخْ باختلافِهما وتعارضِهما في الحجَّةِ، كما لو أقامَ كلُّ منهما بينةً.
فإنِ امتنعَ البائعُ والمشتري من الحلفِ، صرفَهما الحاكمُ، كما لو امتنعَ مَنْ تُردُّ عليه اليمينُ، على القول بردِّها، وهو ضعيفٌ.
وكذا إجارةٌ، فإذا اختلفَ المؤجرانِ أو ورثتُهما في قدرِ الأجرةِ، فكما تقدَّمَ. فإذا تحالفَا -المؤجرانِ، أو ورثتُهما- وفُسِختِ الإجارةُ بعدَ فراغِ مدَّةِ إجارةٍ، فعلى مستأجرٍ أجرةُ مثلِ العينِ المؤجرةِ مدَّةَ إجارةٍ. وإنْ فُسِخَتْ بعدَ تحالفٍ في أثنائِها، أي: مدَّةِ الإجارةِ، فعلى مستأجرٍ بالقسطِ من أجرةِ مثلٍ؛ لأنَّه بدلُ ما تلفَ من المنفعةِ.
ويحلف بائعٌ فقط، إذا اختلفا في قدرِ الثمنِ، بعدَ قبضِ الثمنِ، وفسخِ العقدِ، بتقايلٍ أو غيرِه؛ لأنَّ البائعَ منكرٌ لما يدَّعيهِ المشتري بعدَ انفساخِ العقدِ، فأشبَهَ ما لو اختلفا (١) في القبضِ.
وإنْ تَلِفَ مبيعٌ قبلَ قبضِ ثمنٍ وفسخِ عقدٍ، واختلفَ المتبايعانِ في قدرِ ثمنِهِ قبلَ قبضِه، تحالفَا، كما لو كان المبيعُ باقيًا، وغرِمَ مشترٍ قيمةَ المبيعِ، إن فُسِخَ البيعُ.
стр. 794
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وظاهرُه: ولو مثليًّا؛ لأنَّ المشتري لم يدخلْ بالعقدِ على ضمانِه بالمثلِ.
ويُقبل قولُ المشتري في قيمةِ المبيعِ التالفِ، نصًّا؛ لأنَّه غارمٌ.
ويُقبلُ قولُ المشتري في قدرِ المبيعِ، وفي صفتِه؛ بأنْ قالَ بائعٌ: كان العبدُ كاتبًا، وأنكرَهُ مشترٍ، فقولُه؛ لأنَّه غارمٌ.
وإنْ تعيَّبَ مبيعٌ عند مشترٍ قبلَ تلفِه، ضُمَّ أرشُه إليه. وكذا كلُّ غارمٍ يُقبلُ قولُه في قيمةِ ما يَغرِمُه، وقدرِه، وصفتِه، كمشترٍ.
فلو وصفَها مشترٍ بعيبٍ، كبَرصٍ، وخرقِ ثوبٍ، وقطعِ إصبعٍ، فقولُ بائعٍ بيمينِه؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ العيبِ. وإنْ ثبتَ أنَّه معيبٌ، قُبِلَ قولُ المشتري في تقدُّمِ العيبِ على البيعِ، أو التلفِ؛ لأنَّ الأصلَ براءته ممَّا يُدَّعَى عليه.
فصلٌ
وإنِ اختلفَا -المتعاقدانِ- في صفةِ تمنٍ اتفقا على تسميتِه في العقدِ، أُخِذَ نَقدُ البلدِ، إنْ لمْ يكنْ بها إلا نقدٌ واحدٌ، وادَّعاه أحدُهما، فيُقضَى له به؛ عملًا بالقرينةِ، على ما ذكرَهُ ابنُ نصرِ اللهِ.
ثمَّ إنْ كانَ بالبلدِ نقودٌ، واختلفَت رواجًا، أُخِذَ غالبُه رواجًا؛ لأنَّ الظاهرَ وقوعُ العقدِ به لغلبتِه. فإذا استوتِ النقودُ رواجًا، فالوسطُ؛ تسويةً بين حقَّيهما؛ لأنَّ العدولَ عنه ميلٌ على أحدِهما، وعلى مدِّعي نقدِ البلدِ، أو غالبِه رواجًا، أو الوسطِ اليمينُ.
وإنِ اختلفا في جنسِ الثمنِ، كما لو ادَّعى أحدُهما أنَّه عقدٌ بنقدٍ، والأخرُ بعَرْضٍ، أو أحدُهما أنَّه عقدٌ بذهبٍ، والآخرُ بفضةٍ. فالظاهرُ أنَّهما يتحالفان؛ لأنَّهما اختلفا في قدرِه. وكذا حكمُ الإجارةِ في سائرِ ما تقدَّمَ.
стр. 795
فَصْلٌ
ويملِكُ المُشتَري المَبيعَ مُطلقًا بمجرَّدِ العَقدِ، ويصِحُّ تصرُّفُه فيه قَبلَ قَبضِهِ، وإن تَلِفَ، فمِن ضَمَانِه، إلَّا المبيعَ بكيلٍ، أو وَزنٍ، أو عَدٍّ، أو ذَرعِ، فمِن ضَمانِ بائِعِه حتَّى يقبِضَه فشتَرِيه، ولا يَصِحُّ تصرُّفُه فيه ببيعٍ، أو هِبَةٍ، أَو رَهنٍ، قَبلَ قبضِه.
(فصل)
(ويملكُ المشتري المبيعَ مطلقًا) سواءٌ قبضَه، أو لا (بمجرَّدِ العقدِ) حيثُ لا خيارَ (ويصحُّ تصرُّفُه) أي: المشتري (فيه) ببيعٍ، أو هبةٍ، أو إجارةٍ، أو رهنٍ، أو حوالةٍ (قبل قبضِه) أي: المبيعِ
(وإنْ تَلِفَ) المبيعُ (فمن ضمانِه) أي: ضمانِ المشتري (إلا المبيعَ بكيلٍ) كقفيزٍ من صبرةٍ (أو وزنٍ) كرطلٍ من زبرةِ حديدٍ (أو عَدٍّ) كبيضٍ، على أنَّه مائةٌ (أو ذَرعٍ) كثوبٍ، على أنَّه عشرةُ أذرعٍ (فمن ضمانِ بائعِه حتى يقبضَهُ) أي: المبيعَ (مشترِيهِ) والمبيعُ بصفةٍ أو رؤيةٍ سابقةٍ، من ضمانِ بائعٍ.
ومَنْ تَعيَّنَ مِلكُه في إرثٍ، أو وصيةٍ، أو غنيمةٍ، فله التصرُّفُ فيه قبلَ قبضِه.
(ولا يصحُّ تصرُّفُه فيه) أي: في المبيعِ قبلَ قبضِه (ببيعٍ، أو هبةٍ، أو رهنٍ، قبلَ قبضِه) لحديث: "مَنْ ابتاعَ طعامًا فلا يبعْه حتى يستوفيَه" متفقٌ عليه (١). وهو يشملُ بيعَه من بائعِه وغيره. وقيسَ على البيع ما ذُكِرَ بعدَهُ. ولأنَّه من ضمانِ بائعِه، فلمْ يجزْ فيه شيءٌ من ذلك، كالسَّلَمِ.
стр. 796
وإن تَلِفَ بآفةٍ سماويَّةٍ قبلَ قبضِهِ، انفسَخَ العَقدُ، وبفعلِ بائعٍ أو أجنبيٍّ، خُيِّرَ المُشتَري بين الفَسخِ ويَرجِعُ بالثَّمن، أو الإمضَاءِ ويطالِبُ مَنْ أتلَفَه ببدَلِه.
والثَّمنُ كالمُثمَنِ في جَميعِ ما تقدَّم.
فإنْ بِيعَ مكيِلٌ ونحوُه جِزافًا، كصبرةٍ معينةٍ، وثوبٍ، جازَ تصرُّفٌ فيه قبلَ قبضِه. نصًّا؛ لقولِ ابنِ عمرَ: مضتِ السنةُ أنَّ ما أدركَتْهُ الصَّفقةُ حيًّا مجموعًا، فهو من مالِ المشتري (١). ولأنَّ التعيينَ كالقبضِ
(وإنْ تَلِفَ) المبيعُ (بآفةٍ سماويةٍ) لا صنعَ لأَدميٍّ فيها (قبلَ قبضِه، انفسخَ) أي: بطلَ (العقدُ) أي: البيعُ. إنْ بقيَ البعضُ، خُيَّرَ المشتري في أخذِه بقسطِه من الثمنِ
(و) إنْ تَلِفَ (بفعل بائعٍ، أو) تَلِفَ بفعلِ (أجنبيِّ، خُيِّرَ المشتري بين الفسخِ) أي: فسخِ البيعِ (ويَرجِعُ بالثمنِ) كاملًا؛ لأنَّه مضمونٌ عليه إلى قبضِه (أو الإمضاءِ) في البيعِ (ويطالِبُ مَنْ أتلفَه ببدلِه) أي: بمثلهِ إنْ كانَ مثليًّا، أو قيمتهِ إنْ كانَ متقوَّمًا.
وإنْ تَلِفَ بفعلِ المشتري، فلا خيارَ له؛ لأنَّ إتلَافه كقبضهِ
(والثمنُ) المَعَّينُ، أي: ليس في ذمةٍ (كالمثمَنِ في جميعِ ما تقدَّمَ) أي: ما سبقَ من أحكامِ التلفِ، وجواز القبضِ بغيرِ إذنِ المشتري.
فلو اشترى شاةً بشعيرٍ، فأكلْتهُ قبلَ قبضِه، فإنْ لمْ تكنْ بيدِ أحدٍ، انفسخَ البيعُ، وإنْ كانتْ بيدِ بائعٍ، فكقبضِه، وإنْ كانتْ بيدِ مشتري أو أجنبيٍّ، خُيِّرَ بائعٌ كما مرَّ
وما في الذمةِ من ثمنٍ أو مثمن (٢)، له أخذُ بدلِه إنْ تَلِفَ قبلَ قبضِه، ويصحُّ بيعُه وهبتهُ لمَنْ هو عليه، غيرُ سلَمٍ، ويأتي. لاستقرارِه في ذمتِه.
стр. 797
فَصْلٌ
ويحصُلُ قبضُ المَكيلِ بالكَيلِ، والموزُونِ بالوَزنِ، والمعدُودِ بالعَدِّ، والمذرُوعِ بالذَّرِع". . . .
(فصلٌ)
(ويحصلُ قبضُ المكيلِ بالكيلِ، و) يحصلُ قبضُ (الموزونِ بالوزنِ، و) يحصلُ قبضُ (المعدودِ بالعدِّ، و) يحصلُ قبضُ (المذروعِ بالذَّرعِ) ويحصلُ القبضُ في صُبرةٍ، وما يُنقلُ كثيابٍ وحيوانٍ، بنقلهِ، وقَبضُ ما يُتناولُ، كالجواهرِ والأثمانِ، بتناولِه، إذِ العُرْفُ فيه ذلك.
والعَقَارُ، والثمرةُ على الشَّجرَةِ، قبضُه: بتَخلِيَتِه بلا حائلٍ، بأنْ يفتحَ له بابَ الدارِ، أو يُسلِّمَه مِفتاحَها ونحوَه، وإنْ كان فيها مَتاعٌ للبَائِعِ. قالَهُ الزركشيُّ (١).
ويُعتبرُ لجوازِ قَبضِ مُشَاعٍ يُنقَلُ، كنِصفِ فَرَسٍ أو بعيرٍ، إذنُ شريكِه في قبضِه؛ لأنَّ قبضَه نقلُه، ونقلُه لا يتأتَّى إلا بنقلِ حِصَّةِ شَريكِه. والتصرُّف في مالِ الغَيرِ بغَيرِ إذنِه حرامٌ.
وعُلِمَ منه: أنَّ قبضَ مشاعٍ لا يُنقلُ، كنصفِ عَقَارٍ، لا يُعتبرُ له إذنُ شريكِه؛ لأنَّ قبضَه تخليتُه، وليسَ فيها تصرُّفٌ.
فيُسلِّمُ البائعُ الكلَّ المبيعَ بَعضُه بإذنِ شَريكِه إلى المشتَري، ويكونُ سهمُ الشَّريكِ في يدِ القابضِ أمانةً.
فإنْ أبىَ الشريكُ الإذنَ للبائعِ في تسليمِ الكلِّ للمُشتَري، قِيلَ للمُشتَري: وَكِّل
стр. 798
بشرطِ خضورِ المُستَحِقِّ، أو نائِبِه.
وأُجرةُ الكيَّالِ والوزَّانِ والعدَّادِ والذرَّاعِ والنقَّاد. . . . .
الشَّريكَ في القَبضِ. فإنْ أبَى أنْ يوكِّلَ، وأبىَ الشريكُ أنْ يَتوكَّل، نصَبَ الحاكمُ مَنْ يقبضُ الكلَّ؛ جمعًا بين الحقَّينِ، فيكونُ في يدِهِ لهما أمانَةً، أو بأجرةٍ، والأَجرَةُ (١) عليهما
ولو سَلَّمَه بائعٌ بلا إذنِ شريكِه، فالبائعُ غاصبٌ لحصَّةِ شريكِه؛ لتعدِّيه بتسليمِها بلا إذنهِ.
فإنْ علمَ المشتري ذلك، أي: أنَّ للبائعِ شَريكًا لم يأذنْ في تسليمِ حصَّتهِ، وتلفتِ العينُ بيدهِ، فقرارُ الضَّمانِ عليه، لحصولِ التلفِ بيَدهِ، وإلا؛ بأنْ لمْ يعلمْ أنَّه لمْ يأذنْ، فقرارُ الضَّمانِ على البائعِ؛ لتغريرهِ للمشتري.
وكذلك إن (٢) جَهِلَ المشتَري الشَّرِكَةَ، أو علِمَها وجَهِلَ وجوبَ الإذنِ، ومِثلُهُ يجهَلهُ، فقَرارُ الضَّمانِ على البائعِ؛ لما تقدَّمَ.
والقبضُ (بشرطِ حضورِ المستَحِقِّ) لمَكيلٍ ونحوِه (أو) حُضُورِ (نائبِه) أي: المستحقِّ؛ لقِيامِه مُقامَه.
(وأُجرَةُ الكيَّالِ) لمكيلٍ (والوزَّانِ) لموزونٍ (والعَدَّادِ) لمعدودٍ (والذرَّاعِ) لمذروعٍ (والنقَّادِ) لمنقودٍ قبلَ قَبضِها.
والمرادُ بالنقَّادِ الذي تجبُ أجرَتُهُ على الباذِلِ: نقَّادُ الثمنِ قبلَ قبضِ البائعِ له؛ لأنَّ على المشتري تسليمَ الثمنِ صحيحًا، وهذِه طَريقُهُ.
стр. 799
علَى الباذِلِ، وأُجرَةُ النَّقلِ على القَابِضِ.
ولا يَضمَنُ ناقِدٌ حاذِقٌ أمينٌ خَطأً.
وتُسنُّ الإقَالةُ للنَّادِمِ مِنْ بائعٍ ومُشتَرٍ.
أمَّا أجرَةُ النَّقدِ بعدَ قبضهِ، أي: قبضِ البائعِ الثمنَ، فهي على البائعِ؛ لأنَّه ملَكَه بقبضهِ، فعليه أن يبَّينَ أنَّه معيبٌ ليردَّه، ولا غرَضَ للمشتري في ذلك
(على الباذِلِ): بائعٍ أو غيرهِ؛ لأنَّه يتعلَّقُ به حقُّ توفيةٍ.
(وأجرةُ النقلِ) لمبيعٍ يحصل قبضهُ به (على القابضِ) أي: على المشتَري؛ لأنَّ التسليمَ قدْ تمَّ. وكذا غيرُ المبيعِ، أجرةُ نقلهِ على قابضهِ؛ لأنَّه مِلكُه، فمؤنتُه عليه. ولو قال: "أَخْذٍ"، لتناول غيرَ المشتري (١).
(ولا يضمنُ ناقدٌ حاذقٌ أمينٌ خطأً) متَبرِّعًا كانَ أو بأجرةٍ؛ لأنَّه أمينٌ. فإنْ لمْ يكنْ حاذقًا أو أمينًا، ضمِنَ، كما لو تعمَّدَ.
قال العلَّامةُ، عمُّ والدي، الشيخُ مرعي في "غاية المنتهى" (٢): ويتجَّه: وكذا نحوُ كيَّالٍ.
(وتُسنُّ الإقالةُ للنادمِ من بائعِ ومشتري) وهي فسخٌ لا بيعٌ، يُقالُ: أقالَ اللهُ عثرتَكَ. أي: أزالهَا. ولإجماعِهم عَلى جوازِ الإقالةِ في السَّلَمِ قبلَ قبضِ مبيعٍ، حتى فيما بِيعَ بكيلٍ ونحوهِ.
وتصحُّ بعدَ نداءِ جمعةٍ.
стр. 800
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وتصحُّ الإقالةُ من مضاربٍ، وشريكٍ، ولو بلا إذنِ ربِّ مالٍ، أو شريكٍ، لا وكيلٍ في شراءٍ، وكذا وكيلٌ في بيعٍ.
وتصحُّ من مفلسٍ بعدَ حجرٍ عليه لمصلحةٍ فيهنَّ.
وتصحُّ بلا شروطِ بيعٍ، كما لو تقابلا في آبقٍ أو شاردٍ، كما لو فسخَ فيهما لخيارِ شرطٍ، بخلافِ بيعٍ.
وتصحُّ بلفظِ الإقالةِ، وبلفظِ صلحٍ، ولفظِ بيعٍ، وبما يدلُّ على معاطاةٍ؛ لأنَّ القصدَ المعنى، فيُكتَفىَ بما أدَّاه، كالبيعِ.
ولا خيارَ فيها، ولا شفعةَ. ولا يحنثُ بها (١) مَنْ حلفَ لا يبيعُ.
ومؤنةُ ردٍّ على بائعٍ.
والفسخُ بإقالةٍ أو غيرِها، رفعُ عقدٍ من حينِ فسخٍ، لا من أصلهِ. فما حصلَ من كسبٍ ونماءٍ منفصلٍ، فللمشتري.
стр. 801
بَابُ الرِّبَا
يَجرِي الرِّبا في كُلِّ مَكيلٍ وموزُونٍ، ولو لَمْ يُؤكَل.
(بابُ الرِّبا) والصرفِ
الرِّبا محرَّمٌ إجماعًا؛ لقولِه تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وهو من الكبائرِ. وحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "اجتنبوا السبعَ الموبقاتِ" (١).
وهو لغةً: الزيادةُ.
وشرعًا: تفاضلٌ في أشياءَ، وهي: المكيلاتُ بجنسِها، والموزوناتُ بجنسِها. ونَساءٌ في أشياءَ، هي: المكيلاتُ بالمكيلاتِ، ولو من غير جنسِها، والموزوناتُ بالموزوناتِ كذلك، ما لمْ يكنْ أحدُهما نقدًا.
والصرفُ: بيعُ نقدٍ بنقدٍ قبلَ تفرُّقِهما. سُمِّي به لصريفِهما، وهو تصويتهما في الميزانِ. وقيلَ: لانصرافِهما عن مقتضى البياعاتِ (٢)، من عدمِ جوازِ التفرُّق (٣) قبلَ القبضِ.
والرِّبا نوعانِ: ربا الفضلُ، وربا النسيئةِ.
فقال المصنِّفُ: (يجري الرِّبا) أي: ربا الفضلِ (في كلِّ مكيلٍ) مطعومٍ كبُرٍّ وأُرزٍّ، أو لا كأُشنَانٍ، بجنسِه (وموزونٍ) من نقدٍ أو غيرهِ، مطعومٍ كَسُكَّرٍ، أو غيرهِ كقُطنٍ (ولو لم يُؤكلْ) أي: المكيلُ.
стр. 802
فالمَكيلُ: كسَائِر الحُبُوبِ، والأبازِيرِ، والمائِعَاتِ، لكِنْ المَاءُ ليسَ برَبَويٍّ. ومِنَ الثِّمارِ، كالتَّمرِ، والزَّبيبِ، والفُستُق، والبُندُق، واللَّوز". . . .
أي: فلا يُباعُ بعضُ المكيلِ ببعضٍ جِزافًا من جنسِه. فلو باعَه صُبرةً بأخرى، وعلِما كيلَهما، أو تبايعاهما (١) مِثلًا بمثل، وكِيلَتَا فكانتا سواءً، صحَّ. وكذا زُبرةُ حديدٍ بأخرى من جنسِها
(فالمكيلُ) الذي يجري فيه الرِّبا:
(كـ) البُرِّ، والأُرزِ، والشعيرِ، والدُّخْنِ، والذُّرَةِ، ونحوِ ذلك من (سائِر) أي: جميعِ (الحبوبِ)
(و) سائرِ (الأبازِيرِ) كبِزْرِ الكَتَّانِ، وبَزرِ الفطنِ، وبَزرِ الفُجْلِ، وبزرِ البَصلِ، ونحوه
(و) كسائرِ (المائعاتِ) كالسَّمنِ، والَّلبَنِ، والزَّيتِ، والشَّيْرَج، ونحوهِ (لكنِ الماءُ ليس بربويٍّ) وإنْ كانَ مكيلًا؛ لاباحتهِ؛ لحديث: كان يتوضأُ بالمُدِّ، ويغتسلُ بالصَّاعِ (٢). ويغتسل هو وبعضُ نسائِه من الفَرَقِ (٣). وهي مكاييلُ قُدِّرَ بها الماءُ، فكذا سائرُ المائعاتِ. ويؤيِّدُه حديثُ ابنِ ماجه (٤) مرفوعًا: نهى عن بيعِ ما في ضروعِ الأنعام إلا بكيلٍ.
(ومن) نوعِ (الثمارِ) الذي فيه الرِّبا: (كالتمرِ، والزبيبِ، والفُستُقِ، والبُندُقِ،
стр. 803
والبُطْمِ، والزَّعرُور، والعُنَّاب، والمِشْمِش، والزَّيتُونِ، والمِلْحِ.
والموزُونُ: كالذَّهب، والفِضَّة، والنُّحاسِ، والرَّصاصِ، والحَديد، وغَزلِ الكتَّان، والقُطنِ، والحَرِير، والشَّعرِ، والعنب، والشَّمع، والزَّعفَرَان، والخُبزِ، والجُبْن.
وما عَدَا ذلِك، فمعدُودٌ لا يجري فيه الرِّبا، ولو. . . . .
واللَّوزِ، والبُطْمِ (١)، والزَّعرُورِ، والعُنَّاب، والمشمشِ، والزيتونِ، والمِلْحِ) ونحوِ ذلك
(والموزونُ) مِن نقدٍ وغيرِهِ، الذي يجري فيه الرِّبا:
(كالذهبِ، والفضةِ) لقوله ﵇: "الذهبُ بالذهبِ وزنًا بوزنٍ، والفضةُ بالفضةِ وزنًا بوزنٍ، والبُرُّ بالبُرِّ كيلًا بكيل، والشعيرُ بالشعيرِ كيلًا بكيل" (٢). رواه الأثرمُ من حديثِ عبادةَ. ولمسلمٍ (٣) عن أبي هريرةَ مرفوعًا: "الذهبُ بالذهبِ وزنًا بوزنٍ، مِثلًا بمثل، فمَنْ زادَ أو استزادَ فهو ربا". ولأَنَّه لا يحصلُ العلمُ بالتساوي مع مخالفةِ المعيارِ الشرعيِّ
(والنُّحاسِ، والرَّصاصِ، والحديدِ، وغزلِ الكتَّان، والقطنِ، والحريرِ، والشَّعرِ، والعنبِ، والشَّمعِ، والزَّعفرانِ، والخُبْزِ، والجُبْنِ) والسكرِ، واللَّحمِ، والشحمِ، والعُصْفُرِ، ونحوِه
(وما عدا ذلك) أي: ما عَدَا ما يُكالُ وما يوزنُ (فمعدود لا يجري فيه الرِّبا، ولو
стр. 804
مَطعُومًا، كالبِطِّيخ، والقِثَّاء، والخِيَارِ، والجَوزِ، والبَيضِ، والرُّمَّان.
ولا فيما أخرجَتهُ الصِّناعةُ عن الوزنِ، كالثِّيابِ، والسِّلاح، والفُلُوسِ، والأَوانِي. . . . .
مطعومًا، كالبِطِّيخِ، والقِثَّاءِ، والخِيارِ، والجَوْزِ، والبَيْضِ، والرُّمَّانِ) والتفاحِ، والكُمَّثرى، والخوخِ، والثيابِ، والحيوانِ.
فيجوز بيعُ بيضةٍ وخيارةٍ وبطيخةٍ بمثلِها. نصَّ عليه؛ لأنَّه ليس مكيلًا ولا موزونًا. لكنْ نقلَ مهنا عن الإمام: أنَّه كَرِهَ بيعَ بيضةٍ ببيضتينِ. وقال: لا يصلحُ إلا موزونًا بوزنٍ؛ لأنَّه مطعومٌ.
(ولا) يجري الرِّبا (فيما أخرجتْهُ الصناعةُ عن الوزنِ) لارتفاعِ سعرهِ بها.
إلا بمثلهِ وزنًا (١)، سواءٌ ماثلَه في (٢) الصناعةِ أوْ لا؛ لعمومِ الحديثِ السابقِ.
وجوَّزَ الشيخُ بيعَ مصنوعٍ مباحِ الاستعمالِ، كخاتمٍ ونحوهِ بِيعَ بجنسِه بقيمتهِ حالًّا، جَعْلًا للزَّائدِ عن وزن الخاتمِ في مقابلةِ الصَّنْعةِ، فهو كالأجرةِ
(كالثيابِ) من الحريرِ، والقطنِ، والكَتَّانِ، والصوفِ، والشَّعرِ، والوبر (٣) (و) كـ (السِّلاحِ) كسكاكينَ ونحوِها، (و) كـ (الفلوسِ) حيثُ كانَ يتعاملُ بها عددًا، ولو كانتْ نافقةً؛ لأنَّ هذه الأشياءَ ليستْ بمكيلٍ ولا موزونٍ، إذ لا معنى لثبوتِ الحكمِ مع انتفاءِ العلَّةِ، وعدمِ النصِّ والإجماعِ فيه.
(و) لا يجري الرِّبا فيما أخرجتْهُ الصِّناعةُ أيضًا، كـ (الأواني) المعمولةِ من
стр. 805
غيرَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ.
نُحاسٍ، من طاسةٍ، وخواتمَ، ودُسُوتٍ، وصحونٍ، ونحوِ ذلك من الحديدِ
(غيرَ) ما خرجَ من الصِّناعةِ من (الذهبِ والفضةِ) قال المنقِّحُ في "حواشي التنقيح" (١): الذي يظهرُ أنَّ محلَّ ما لا يوزن لصناعتِه: في غيرِ الذهبِ والفضةِ، فأمَّا الذهبُ والفضةُ، فلا يصحُّ فيهما مطلقًا، ولهذا لم نرهم مثَّلُوا بهما، إنَّما يمثلُونَ بالنُّحَاسِ، والرَّصاصِ، والحديدِ، ونحوِه.
فلا يصحُّ بيعُهما إلا بوزنِهما. فلو باعَ إنسان خَلْخالًا أو طَوْقًا ذهبًا بمائةِ دينارٍ، لم يصحَّ البيعُ بالدنانيرِ، وإنَّما يصحُّ بوزنِهما ذهبًا، سواءٌ كانتْ دنانيرَ أو لا، ولا عبرةَ لصياغتِهم، ولا عبرةَ أيضًا بنقشِ الدينارِ، والصناعةُ غيرُ معتبرةٍ فيهما.
وكذلك لو باع الشخصُ خَلخَالًا فِضَّةً، أو طَوقًا فضَّةً بمائةِ نِصفٍ، فإنَّه لا يصحُّ بيعُهما بالأنصافِ، وإنَّما يوزنُ الخَلخَالُ (٢) أو الطَّوقُ، ويأخذُ وزنَهما من الفضةِ، سواءٌ كانتْ مضروبةً، أو لا.
وينبغي أنْ يُتنبَّهَ لهذه المسألةِ؛ لأنَّ غالبَ الناسِ واقعٌ في ذلك، لكنْ تقدَّمَ كلامُ الشيخِ تقيِّ الدينِ في جوازِ بيعِ ذلك بجنسِه، بجعلِ الزَّائدِ في الثمنِ عن الوزنِ في مقابلةِ الصنعةِ، فهو كالأُجرةِ.
стр. 806
فَصْلٌ
فإذا بِيعَ المَكِيلُ بجنسِه ، كتَمْرٍ بتَمْرٍ، أو الموزُون بجنسِه، كذَهَبٍ بذَهَبٍ، صَحَّ بشَرطَين: المُمَاثَلة في القَدْرِ، والقَبْضُ قبلَ التَّفرُّقِ.
وإذا بِيعَ بغيرِ. . . .
(فصلٌ)
(فإذا بِيعَ المكيلُ بجنسِه) من الكيلِ، مَطعُومٍ كالبُرِّ، أو غَيرِ مطعُومٍ كالأُشْنانِ بجنسِه؛ لما روى عبادةُ بنُ الصَّامتِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "الذهبُ بالذهبِ، والفضةُ بالفضةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشعيرُ بالشعيرِ، والتمرُ بالتمرِ، والمِلحُ بالمِلحِ، مِثلًا بمثلٍ، يدًا بيدٍ". رواه الإمامُ مسلمٌ (١). (كتمرٍ بتمرٍ)
(أو) بِيعَ (الموزونُ بجنسِه) من الموزونِ، أي: أصلهُ الوزنُ (كذَهَبٍ بذَهَبٍ) أو فضَّةٍ بفضةٍ (صحَّ) البيعُ (بشَرطينِ):
الشرطُ الأوَّلِ: (المماثلةُ) أي: التَّساوي (في القَدْرِ) كصاعٍ بصاعٍ في مَكيلٍ، أو كرطلٍ برطلٍ في موزونٍ.
فلو باعَ صاعًا بصَاعينِ، أو رطلًا برطلينِ، فلا يصحُّ، وهو ربا فضلٍ.
(و) الشرطُ الثاني: (القبضُ قبلَ التفرُّقِ) أي: بمجلِسِ العقدِ.
ولم يذكرِ المصنِّفُ الشَّرطَ الثالثَ، وهو: الحلولُ؛ لأنَّ شرطَ القَبضِ متضمِّنٌ الحلولَ، فاقتصرَ عليه؛ لتضمنهِ ذلك.
(وإذا بِيعَ) موزونٌ بموزونٍ، أو بمكيلِ الموزونِ؛ عِوَضًا عن الوزنِ (بغيرِ
стр. 807
جِنسِه، كذَهَبٍ بِفضَّةٍ، وبُرِّ بشَعِيرٍ، صَحَّ بَشْرطِ القَبضِ قَبلَ التَّفرُّقِ، وجَازَ التَّفاضُلُ.
وإنْ بيعَ المَكِيلُ بالموزُونِ، كَبُرِّ بذَهَبٍ مِثْلًا، جازَ التَّفاضُلُ، والتَّفرُّقُ قبلَ القَبْضِ.
ولا يَصِحُّ بيعُ المَكيلِ بجنسِه وَزنًا،. . . . .
جنسِه، كذهبٍ بفضةٍ)، أ (و) بِيعَ مكيلٌ بمكيلٍ، أو موزونِ المكيلِ؛ عِوَضًا عن الكيلِ (كبُرٍّ بشعيرٍ، صحَّ) البيعُ (بشرطِ القبضِ) لذلك (قبلَ التفرُّقِ) من المجلسِ؛ لقولهِ ﷺ : "فإذا اختلفتْ هذه الأصنافُ فبيعوا كيف شئتم، يدًا بيدٍ" (١)، والمرادُ به: القبضُ.
ولم يذكرِ المصنِّفُ أيضًا الحلولَ؛ لتضمنِ القَبضِ (٢) له، كما مرَّ، وهو من ربا النسيئةِ، من النَّساءِ، بالمدِّ، وهو: التأخيرُ، يقالُ: نسأتُ الشئَ، وأنساتُه: أخَّرتُه
(وجازَ التفاضلُ) في ذلك؛ لبيعِه بغيرِ جنسِه؛ لأنَّ النهيَ ما وردَ إلا في التفاضلِ الحاصلِ بين جنسٍ واحدٍ
(وإنْ بِيعَ المكيلُ بالموزونِ، كبُرٍّ) مكيلٍ بكيلٍ، أو جِزافًا مِثلًا (بذهبِ مِثْلًا) موزونٍ بوزنٍ، أو جِزافًا (جازَ التفاضلُ) في ذلك، (و) جازَ (التفرُّقُ قبلَ القبضِ) من المجلسِ
(ولا يصحُّ بيعُ المَكيلِ) أي: ما أصلُه الكيلُ، كالبُرِّ والشعيرِ والتمرِ (بجنسِه وزنًا) أي: بدلًا عن الكيلِ، كرطلِ بُرٍّ برطلِ بُرٍّ، ونحو ذلك.
стр. 808
ولا الموزُونِ بجِنسِه كَيلًا.
(ولا) يصحُّ بيعُ (الموزونِ) أي: ما أصلُه الوزنُ، كالذهبِ، والفضةِ، والنُّحاسِ، والحديدِ، والرَّصاصِ، (بجنسِه كيلًا) أي: بدلًا عن الوزنِ، لما روى مسلمٌ (١) عن أبي هريرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "الذهبُ بالذهبِ وزنًا بوزنٍ، مِثلًا بمثلٍ، فمَنْ زادَ أو استزادَ فهو ربا". ولأنَّ التماثُلَ مشترطٌ في المكيلِ بالكيلِ، وفي الموزونِ بالوزنِ، فمتى باعَ رطلًا من المكيلِ برطلٍ منه، حصلَ في الرطلِ من الخفيفِ أكثرُ ممَّا حصلَ من الثقيلِ، فيختلفَانِ في الكيلِ، والتماثلُ فيه مشترطٌ. وكذا إذا باعَ الموزونَ كيلًا (٢).
وبكلِّ حالٍ لا يتحقَّقُ التماثلُ في المعيارِ مع المخالفةِ، إلا إذا عُلمَ مساوتُه -أي: المكيلِ المبيعِ بجنسِه وزنًا، والموزونِ المبيع بجنسِه كيلًا- في معيارهِ الشَّرعيِّ، فيصحُّ البيعُ؛ للعلمِ بالتماثلِ.
ويصحُّ البيعُ إذا اختلفَ الجنسُ، كتمرٍ ببرٍّ كيلًا، ولو كان المبيعُ موزونًا. ووزنًا، ولو كان المبيعُ مكيلًا، وجِزافًا؛ لقولهِ ﷺ : "إذا اختلفتْ هذه الأشياءُ، فبيعوا كيفَ شئتم إذا كان يدًا بيدٍ". رواه مسلمٌ، وأبو داودَ (٣). ولأنَّهما جنسانِ يجوزُ التفاضلُ بينهما، فجازَا جِزافًا (٤).
стр. 809
ويَصِحُّ بيع اللَّحْمِ بمثلِه إذا نزِعَ عظمُهُ، وبحَيوانٍ مِنْ غَيرِ جِنسِه.
(ويصحُّ بيعُ اللَّحِم بمثلهِ) وزنًا، من جنسِه، كلحمِ بقرٍ بلحم بقرٍ (١) -وسيأتي تعريفُ الجنسِ- رطبًا بمثلهِ، ويابسًا تناهَى جَفافُه بمثلهِ (إذا نُزعَ عظمُه) لأنَّه إذا لم يُنْزَعْ أدَّى إلى الجهلِ بالتساوي. فإذا نُزعَ، صحَّ البيعُ، كالذهبِ بالذهبِ مِثلًا بمثلٍ.
(و) يصحُّ بيعُ لحمٍ (بحيوانٍ) إذا كانَ (من غير جنسِه) كبيعِ لحمِ ضأنٍ ببقرةٍ، أو أكثرَ، ونحوِ ذلك.
والشَّحْمُ، والأَلْيَةُ، والرئةُ، والطِّحالُ، والقلبُ، والأكارعُ، والدِّماغُ، والكَرْشُ: أنواعٌ (٢)؛ لأنَّها مختلفةٌ في الاسمِ والخِلقةِ. فلا يجوزُ بيعُ نوعٍ منها بمثلهِ إلا وزنًا. ويجوزُ التفاضلُ إذا كان بغيرهِ، كرطلِ كبدٍ برطلينِ لحمٍ أو أَليةٍ ونحوِهِ.
"فائدةٌ": والجنسُ: ما شملَ أنواعًا، أي: أشياءَ مختلفةً بالحقيقةِ. والنوعُ: ما شملَ أشياءَ مختلفةً بالشخصِ. وقدْ يكونُ الشيءُ جنسًا باعتبارِ ما تحته، ونوعًا باعتبارِ ما فوقهَ.
فكلُّ شيئينِ فأكثرَ أصلُهما واحدٌ: جنسٌ واحدٌ، ولو اختلفَت مقاصدُهما، كدهنِ وردٍ وبَنَفسَجٍ وياسَمينٍ ونحوِها، إذا كانتْ من دُهنٍ واحدٍ، فهي جِنسٌ واحدٌ (٣)
والمرادُ هنا: الجنسُ الأخصُّ، والنوعُ الأخصُّ. فكلُّ نوعين اجتمعا في اسمٍ