← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 803

شرح دليل الطالب - عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

Полный текст (1 686 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فَصْلٌ فإذا بِيعَ المَكِيلُ بجنسِه ، كتَمْرٍ بتَمْرٍ، أو الموزُون بجنسِه، كذَهَبٍ بذَهَبٍ، صَحَّ بشَرطَين: المُمَاثَلة في القَدْرِ، والقَبْضُ قبلَ التَّفرُّقِ. وإذا بِيعَ بغيرِ. . . . (فصلٌ) (فإذا بِيعَ المكيلُ بجنسِه) من الكيلِ، مَطعُومٍ كالبُرِّ، أو غَيرِ مطعُومٍ كالأُشْنانِ بجنسِه؛ لما روى عبادةُ بنُ الصَّامتِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "الذهبُ بالذهبِ، والفضةُ بالفضةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشعيرُ بالشعيرِ، والتمرُ بالتمرِ، والمِلحُ بالمِلحِ، مِثلًا بمثلٍ، يدًا بيدٍ". رواه الإمامُ مسلمٌ (١). (كتمرٍ بتمرٍ) (أو) بِيعَ (الموزونُ بجنسِه) من الموزونِ، أي: أصلهُ الوزنُ (كذَهَبٍ بذَهَبٍ) أو فضَّةٍ بفضةٍ (صحَّ) البيعُ (بشَرطينِ): الشرطُ الأوَّلِ: (المماثلةُ) أي: التَّساوي (في القَدْرِ) كصاعٍ بصاعٍ في مَكيلٍ، أو كرطلٍ برطلٍ في موزونٍ. فلو باعَ صاعًا بصَاعينِ، أو رطلًا برطلينِ، فلا يصحُّ، وهو ربا فضلٍ. (و) الشرطُ الثاني: (القبضُ قبلَ التفرُّقِ) أي: بمجلِسِ العقدِ. ولم يذكرِ المصنِّفُ الشَّرطَ الثالثَ، وهو: الحلولُ؛ لأنَّ شرطَ القَبضِ متضمِّنٌ الحلولَ، فاقتصرَ عليه؛ لتضمنهِ ذلك. (وإذا بِيعَ) موزونٌ بموزونٍ، أو بمكيلِ الموزونِ؛ عِوَضًا عن الوزنِ (بغيرِ

стр. 807

جِنسِه، كذَهَبٍ بِفضَّةٍ، وبُرِّ بشَعِيرٍ، صَحَّ بَشْرطِ القَبضِ قَبلَ التَّفرُّقِ، وجَازَ التَّفاضُلُ. وإنْ بيعَ المَكِيلُ بالموزُونِ، كَبُرِّ بذَهَبٍ مِثْلًا، جازَ التَّفاضُلُ، والتَّفرُّقُ قبلَ القَبْضِ. ولا يَصِحُّ بيعُ المَكيلِ بجنسِه وَزنًا،. . . . . جنسِه، كذهبٍ بفضةٍ)، أ (و) بِيعَ مكيلٌ بمكيلٍ، أو موزونِ المكيلِ؛ عِوَضًا عن الكيلِ (كبُرٍّ بشعيرٍ، صحَّ) البيعُ (بشرطِ القبضِ) لذلك (قبلَ التفرُّقِ) من المجلسِ؛ لقولهِ ﷺ : "فإذا اختلفتْ هذه الأصنافُ فبيعوا كيف شئتم، يدًا بيدٍ" (١)، والمرادُ به: القبضُ. ولم يذكرِ المصنِّفُ أيضًا الحلولَ؛ لتضمنِ القَبضِ (٢) له، كما مرَّ، وهو من ربا النسيئةِ، من النَّساءِ، بالمدِّ، وهو: التأخيرُ، يقالُ: نسأتُ الشئَ، وأنساتُه: أخَّرتُه (وجازَ التفاضلُ) في ذلك؛ لبيعِه بغيرِ جنسِه؛ لأنَّ النهيَ ما وردَ إلا في التفاضلِ الحاصلِ بين جنسٍ واحدٍ (وإنْ بِيعَ المكيلُ بالموزونِ، كبُرٍّ) مكيلٍ بكيلٍ، أو جِزافًا مِثلًا (بذهبِ مِثْلًا) موزونٍ بوزنٍ، أو جِزافًا (جازَ التفاضلُ) في ذلك، (و) جازَ (التفرُّقُ قبلَ القبضِ) من المجلسِ (ولا يصحُّ بيعُ المَكيلِ) أي: ما أصلُه الكيلُ، كالبُرِّ والشعيرِ والتمرِ (بجنسِه وزنًا) أي: بدلًا عن الكيلِ، كرطلِ بُرٍّ برطلِ بُرٍّ، ونحو ذلك.

стр. 808

ولا الموزُونِ بجِنسِه كَيلًا. (ولا) يصحُّ بيعُ (الموزونِ) أي: ما أصلُه الوزنُ، كالذهبِ، والفضةِ، والنُّحاسِ، والحديدِ، والرَّصاصِ، (بجنسِه كيلًا) أي: بدلًا عن الوزنِ، لما روى مسلمٌ (١) عن أبي هريرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "الذهبُ بالذهبِ وزنًا بوزنٍ، مِثلًا بمثلٍ، فمَنْ زادَ أو استزادَ فهو ربا". ولأنَّ التماثُلَ مشترطٌ في المكيلِ بالكيلِ، وفي الموزونِ بالوزنِ، فمتى باعَ رطلًا من المكيلِ برطلٍ منه، حصلَ في الرطلِ من الخفيفِ أكثرُ ممَّا حصلَ من الثقيلِ، فيختلفَانِ في الكيلِ، والتماثلُ فيه مشترطٌ. وكذا إذا باعَ الموزونَ كيلًا (٢). وبكلِّ حالٍ لا يتحقَّقُ التماثلُ في المعيارِ مع المخالفةِ، إلا إذا عُلمَ مساوتُه -أي: المكيلِ المبيعِ بجنسِه وزنًا، والموزونِ المبيع بجنسِه كيلًا- في معيارهِ الشَّرعيِّ، فيصحُّ البيعُ؛ للعلمِ بالتماثلِ. ويصحُّ البيعُ إذا اختلفَ الجنسُ، كتمرٍ ببرٍّ كيلًا، ولو كان المبيعُ موزونًا. ووزنًا، ولو كان المبيعُ مكيلًا، وجِزافًا؛ لقولهِ ﷺ : "إذا اختلفتْ هذه الأشياءُ، فبيعوا كيفَ شئتم إذا كان يدًا بيدٍ". رواه مسلمٌ، وأبو داودَ (٣). ولأنَّهما جنسانِ يجوزُ التفاضلُ بينهما، فجازَا جِزافًا (٤).

стр. 809

ويَصِحُّ بيع اللَّحْمِ بمثلِه إذا نزِعَ عظمُهُ، وبحَيوانٍ مِنْ غَيرِ جِنسِه. (ويصحُّ بيعُ اللَّحِم بمثلهِ) وزنًا، من جنسِه، كلحمِ بقرٍ بلحم بقرٍ (١) -وسيأتي تعريفُ الجنسِ- رطبًا بمثلهِ، ويابسًا تناهَى جَفافُه بمثلهِ (إذا نُزعَ عظمُه) لأنَّه إذا لم يُنْزَعْ أدَّى إلى الجهلِ بالتساوي. فإذا نُزعَ، صحَّ البيعُ، كالذهبِ بالذهبِ مِثلًا بمثلٍ. (و) يصحُّ بيعُ لحمٍ (بحيوانٍ) إذا كانَ (من غير جنسِه) كبيعِ لحمِ ضأنٍ ببقرةٍ، أو أكثرَ، ونحوِ ذلك. والشَّحْمُ، والأَلْيَةُ، والرئةُ، والطِّحالُ، والقلبُ، والأكارعُ، والدِّماغُ، والكَرْشُ: أنواعٌ (٢)؛ لأنَّها مختلفةٌ في الاسمِ والخِلقةِ. فلا يجوزُ بيعُ نوعٍ منها بمثلهِ إلا وزنًا. ويجوزُ التفاضلُ إذا كان بغيرهِ، كرطلِ كبدٍ برطلينِ لحمٍ أو أَليةٍ ونحوِهِ. "فائدةٌ": والجنسُ: ما شملَ أنواعًا، أي: أشياءَ مختلفةً بالحقيقةِ. والنوعُ: ما شملَ أشياءَ مختلفةً بالشخصِ. وقدْ يكونُ الشيءُ جنسًا باعتبارِ ما تحته، ونوعًا باعتبارِ ما فوقهَ. فكلُّ شيئينِ فأكثرَ أصلُهما واحدٌ: جنسٌ واحدٌ، ولو اختلفَت مقاصدُهما، كدهنِ وردٍ وبَنَفسَجٍ وياسَمينٍ ونحوِها، إذا كانتْ من دُهنٍ واحدٍ، فهي جِنسٌ واحدٌ (٣) والمرادُ هنا: الجنسُ الأخصُّ، والنوعُ الأخصُّ. فكلُّ نوعين اجتمعا في اسمٍ

стр. 810

ويصِحُّ بيعُ دَقيْقِ رِبَويٍّ بدَقِيقِه، إذَا استويَا نُعومةً أو خُشُونةً، ورَطْبِهِ برَطْبِه، ويابِسِه بيابِسِه، وعَصِيرِه بَعصيِره، ومطبُوخِه بمطبُوخِه،. . . . خاصٍّ، فهو جنسٌ كذَهبٍ، وأنواعهُ: المغربيُّ، والبُندُقيُّ، والتُّكْروريُّ. والفضةُ جنسٌ، وأنواعُها: الرِّيالُ (١)، والبنادقةُ. والبُرُّ جنسٌ، وأنواعُه: البحيريُّ، والصعيديُّ والتمرُ جنسٌ، وأنواعُه: البَرْنيُّ، والمعقليُّ، والصيحانيُّ. واللَّحمُ أجناسٌ باختلاف أصولهِ؛ لأنَّها فروعُ أصولٍ هي أجناسٌ. وكذلك اللَّبنُ أجناس باختلافِ أصولهِ فضأنٌ ومعزٌ نوعَا جنسٍ، لا يباعُ أحدُهما بالآخرِ إلا مِثلًا بمثلٍ، يدًا بيدٍ. وكذا البقرُ، والجواميسُ، والإبلُ (ويصحُّ بيعُ دقيقٍ ربويٍّ) أي: كدقيق حنطةٍ (بدقيق) حنطةٍ (إذا استويا) أي: الدقيقانِ (نعومةً أو خشونةً) فإنِ اختلفا في النعومةِ أو الخشونةِ، لم يصحَّ البيعُ؛ لعدمِ التساوي، وإنِ اختلفَ جنسُ الدقيقِ، صحَّ كيف تراضيا عليه، يدًا بيدٍ. (و) يصحُّ بيعُ ربويٍّ (رَطْبِه برَطْبِه) كالعنبِ بالعنبِ، والرُّطَبِ بالرُّطبِ، مِثلًا بمثلٍ (و) يصحُّ بيعُ ربويٍّ (يابسِه بيابسه) كالزبيبِ بالزبيبِ، والتمرِ بالتمرِ (و) يصحُّ بيعُ ربويٍّ (عصيرِهِ بعصيرهِ) كعصيرِ عنبٍ بعصيرِ عنبٍ، مِثلًا بمثلٍ (و) يصحُّ بيعُ (مطبوخِه بمطبوخِه) من جنسِه، كمطبوخِ لحمٍ بمطبوخ

стр. 811

إذا استويَا نَشَافًا أو رُطوبَةً. ولا يصِحُّ بيعُ فَرعٍ بأصلِه، كزيتٍ بزيتُونٍ، وشَيْرَج بسِمْسِم، وجُبْنٍ بلَبَنٍ، وخُبزٍ بعَجِينٍ،. . . . لحم (١)، وكرطلِ سمنٍ بقريٍّ برطلٍ منه، مِثلًا بمثل. ويصحُّ بيعُ خبزِه بخبزِه، كخبزِ بُرٍّ، مِثلًا بمثلٍ (إذا استويا) أي: الرِّبويُّ (نَشَافًا) فيما كانَ ناشفًا (أو) استويا (رُطوبةً) فيما كانَ رَطْبًا، مِثلًا بمثل، لحديثِ سعدِ بن أبي وقاصٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عن بيعِ الرُّطبِ بالتمرِ. قال: "أينقصُ الرُّطبُ إذا يبِسَ"؟ قالوا: نعم. فنهىَ عن ذلك. رواه مالكٌ، وأبو داودَ (٢). (ولا يصحُّ بيعُ فرعٍ بأصلِه، كزيتٍ بزيتونٍ، وشَيْرج بسِمسمِ، وجُبنٍ) (٣) أو أقطٍ، أو زُبدٍ، أو سمنٍ، أو مخيضٍ، أو جامِدٍ (بلَبنٍ) لأنَّ الجميعَ فرعُ اللَّبَن، ولا يصحُّ بيعُ أصلٍ بفرعهِ (و) لا يصحُّ بيعُ (خبزٍ بعجينٍ) أي: نيئهِ بمطبوخه، وحنطةٍ مقليَّةٍ بنيئَةٍ؛ لأخذِ النارِ من أحدِهما، فتفوتُ المماثلةُ. ولا يصحُّ بيعُ حنطةٍ بحنطةٍ (٤) فيها شَعيرٌ بقَصدِ تحصيلهِ، أو فِيهَا زُوانٌ (٥)، أو

стр. 812

وزَلابيةٍ بقَمْحٍ. ولا بيعُ الحَبِّ المُشتَدِّ في سُنبُلِه بجنسِه، ويَصِحُّ بغَيرِ جِنسِه. ترابٌ يظهَرُ أثرُهُ؛ لانتفاءِ التساوي، إلا اليسيرَ الذي لم يُقصدْ تحصيلُهُ، ولا يظهَرُ أثرُهُ، فلا يمنعُ الصِّحةَ؛ لأنَّه لا يُخِلُّ بالتماثُلِ (و) لا يصحُّ بيعُ (زَلابِيَةٍ) (١) وهَريسَةٍ، وفالوذجٍ (٢)، ونَشًا، وسَنبوسَكٍ (٣) (بقمحٍ) لأنَّ فيها ماءً، فلا يتأتَّى العِلمُ بالمماثَلَةِ. (ولا) يصحُّ بيعُ المحاقَلَةِ، وهي: (بَيعُ الحَبِّ) كالبُرِّ، والشعيرِ (المشتدِّ في سُنبلِهِ بجنسِه) للجَهلِ بالتساوي. وكذا بيعُ القُطنِ في أصُولِهِ بقُطنٍ؛ لحديث أنصٍ مرفوعًا: نهى عن المحاقَلَةِ. رواه البخاريُّ (٤). فإنْ لمْ يشتدَّ الحبُّ، وبيعَ ولو بجنسه لمالكِ الأرضِ، أو بشرطِ القطعِ، صحَّ إنِ انتفعَ به. (ويصحُّ) بيعُ حبٍّ مشتدٍّ في سنبله (٥) (بغيرِ جنسِه) من حبٍّ وغيرِهِ، كبيع بُرٍّ مشتدِّ في سُنبلهِ بشَعيرٍ أو فضَّةٍ؛ لعدَمِ اشتِرَاطِ التساوي.

стр. 813

ولا يصِحُّ بيعُ رِبَويٍّ بجِنسِه، ومعَهُما -أو مَعَ أحدِهما- مِنْ غَيرِ جنسِهِما، كَمُدِّ عَجْوَةٍ ودِرهَمٍ بمثلِهما، أو ديَنارٍ ودِرهَمٍ بدينَارٍ. (ولا يصحُّ بيعُ ربويٍّ بجنسِه، ومعهما) أي: الثمنِ والمثمنِ (أو مع أحدِهما، من غيرِ جنسِهما، كمُدِّ عَجوةٍ ودرهمِ بمثلِهما) أي: بمُدِّ عَجوةٍ ودِرهَمٍ؛ فهذانِ معهما غيرُ جنسِهما. أو مُدِّ عجوةٍ بمُدِّ عجوةٍ ودرهمٍ، فهذا مع أحدِهما غيرُ جنسِهما. وكذا لو بِيعَ مُدُّ عجوةٍ ودرهمٌ بمدَّينِ عجوةٍ، أو بدرهمينِ، ونحوِ ذلك. (أو) بيعُ (دينارٌ ودرهمٌ بدينارٍ) فلا يصحُّ؛ لأنَّه من مسائلِ مُدِّ عجوةٍ ودرهمٌ. وكبيعِ محلًّى بذهبٍ بذهبٍ (١)، أو محلًّى بفضَّةٍ بفضَّةٍ (٢). وتُسمَّى مسألةَ: "مُدِّ عجوةٍ ودرهمٍ"؛ لأنَّها مُثِّلَتْ بذلك. ونصَّ الإمامُ على عدمِ جوازِها؛ لحديث فضالةَ بنِ عبيدٍ: أُتي النبيُّ ﷺ بقلادةٍ فيها ذهبٌ وخرزٌ، ابتاعَها رجلٌ بتسعةِ دنانيرَ، أو سبعةِ دنانيرَ، فقال النبيُّ ﷺ : "لا، حتى تُميِّزَ بينَهما" قال: فردَّه حتى ميَّزَ بينهما. رواه أبو داودَ (٣). ولمسلمٍ: أنَّه ﷺ أمرَ بالذهبِ الذي في القلادةِ، فنُزِع وحدَهُ، ثمَّ قال لهم: "الذهبُ بالذهبِ، وزنًا بوزنٍ" (٤). ومأخذُ البطلانِ: سَدُّ ذَريعَةِ الرِّبَا؛ لأنَّه قدْ يُتَّخذُ حِيلةً على الرِّبا الصَّريحِ، كبيعِ مائةٍ في كيسٍ بمائتينِ، جعلًا للمائةٍ الثانيةِ في مقابلةِ الكيسِ، وقد لا يُساوي درهمًا، أو أنَّ الصَّفقةَ إذا اشتملتْ على شيئينِ مختلفي القيمةِ، قُسِّطَ الثمنُ على قيمتِهما،

стр. 814

ويَصِحُّ: أَعِطِني بنصْفِ هذَا الدِّرهَمِ فِضَّةً، وبالآخَرِ فُلُوسًا. ويَصِحُّ صَرفُ الذَّهبِ بالذَّهَبِ، والفِضَّةِ بالفِضَّةِ متمَاثِلًا وزنًا، لا عَدًّا، بشَرطِ القَبضِ قبلَ التَّفرُّقِ،. . . . فهو من بابِ التوزيعِ على الجُمَلِ، وهو يُؤدِّي إمَّا إلى يقينِ التفاضلِ، أو إلى الجهلِ بالتساوىِ، وكلاهما يبطلُ العقدَ في باب الرِّبا. (ويصحُّ) قوله: (أعطِني بنصفِ هذا الدِّرهمِ فِضَّةً، وبـ) النصفِ (الآخرِ فُلُوسًا) ونحوه، كدفعِ دينارٍ؛ ليأخذَ بنصفِه نصفًا، وبنصفِه (١) فُلُوسًا، أو حاجةً؛ لوجودِ التساوي؛ لأنَّ قيمةَ النصفِ في الدِّرهمِ كقيمةِ النصفِ مع الفلوسِ أو الحاجةِ، وقيمةَ الفلوسِ أو الحاجةِ كقيمةِ النصفِ الآخرِ سواءً. ويصحُّ قولهُ لصائغٍ: صُغْ لي خاتمًا من فِضةٍ وَزْنُه درهمٌ، وأعطيكَ مثلَ زنتِه، وأعطيكَ أجرتَكَ درهمًا. وللصائغِ أخذُ الدرهمينِ: أحدُهما في مقابلةِ فضةِ الخاتمِ. والدرهمُ الثاني أجرةٌ له. (ويصحُّ صرفُ الذَّهبِ بالذَّهبِ، والفضةِ بالفضةِ متماثلًا وزنًا) أي: مِثلًا بمثلٍ بالوزنِ (لا عَدًّا) لجهالةِ المماثلةِ. ولا يصحُّ ذلك إلا (بشرطِ القبضِ قبلَ التفرُّقِ) من المجلسِ. فإنْ طالَ المجلسُ قبلَ القبضِ، وتقابضا قبلَ التفرُّقِ، جازَ. والقبضُ في المجلسِ شرطٌ لصحةِ الصرُّفِ. حكاه ابنُ المنذرِ إجماعَ مَنْ يحفظُ عنه من أهلِ العلمِ. ولقولِه ﷺ : "وبيعوا الذَّهبَ بالفضةِ كيف شئتمْ، يدًا بيدٍ" (٢).

стр. 815

وأن يُعوَّضَ أحدُ النَّقدَينِ عَنْ الآخَر بسعِرِ يَومِه. (و) بشرطِ (أنْ يُعوَّضَ أحدُ النقدينِ عن الآخَرِ (١) بسعرِ يومِه) أي: يومِ الصرفِ؛ لما روى أبو داودَ (٢)، والأثرمُ في "سننِهما" عن ابنِ عمرَ قال: كنتُ أبيعُ الإبلَ بالبقيع، فأبيعُ بالدَّنانيرِ وآخذُ الدراهمَ، وأبيعُ بالدَّراهمِ وآخذُ الدَّنانيرَ، آخذُ هذه من هذه، وأُعطي هذه من هذه (٣). فأتيتُ النبيَّ ﷺ في بيت حفصةَ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، رويدَك أسألُكَ: إنِّي أبيعُ الإبلَ بالبقيعِ، فأبيعُ بالدَّنانيرِ، وآخذُ الدراهمَ، وأبيعُ بالدَّراهمِ، وآخذُ الدَّنانيرَ، آخذُ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا بأسَ أنْ تأخذَها بسعرِ يومِها، ما لم تفترِقا وبينكما شيءٌ". ويجوزُ الصرفُ بنقدٍ مغشوشٍ، والمعاملةُ بمغشوشٍ، ولو كان الغشُّ بغيرِ جنسِه لمَنْ يعرفُه، أي: يعرفُ الغشَّ. نقلَ صالحٌ عن الإمامِ في دراهمَ يُقالُ لها: "المسيِّبَة" عامَّتُها نُحاسٌ إلا شيئًا فيها فِضَّةٌ؟ فقالَ: إذا كان شيئًا اصْطَلَحوا عليه، مِثلَ الفلوسِ اصْطَلَحوا عليها، فأرجو أنْ لا يكونَ بها بأسٌ. ولأنَّه ليسَ فيه أكثرُ من اشتمالِه على جنسينِ لا غررَ فيهما، فلا يُمنعُ من بيعِهما، كما لو كانا متميِّزينِ. ولأنَّ هذا مستفيضٌ في الأعصارِ، جارٍ بينهم من غير نكير. وفي تحرِيمه مشقَّةٌ وضررٌ. ويحرُمُ كسرُ السِّكةِ الجائزةِ بين المسلمين، إلا أنْ يُختلفَ في شيءٍ منها: هل هو رديءٌ أو جيدٌ؟ فيجوز كسرها

стр. 816

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والكيمياءُ غشٌ، فتحرم. هذا على القولِ بعدمِ قلبِ الأعيانِ حقيقةً، وإلا فلا، فإنَّ للهِ خواصَّ وأسرارًا في العالمِ، ينقلبُ بها نحوُ النُّحاسِ ذهبًا أو فِضةً خالصًا، لكنَّه عزيزٌ (١). ويحرُمُ الرِّبا بدارِ حربٍ، ولو بين مسلمٍ وحربيٍّ. والحِيَلُ غيرُ جائزةٍ في شيءٍ من الدِّينِ. وكُرِهَ كتبُ قرآنٍ على الدَّراهمِ، ونثرُها على الناسِ. وأوَّلُ ضربِ الدَّراهمِ على عهدِ الحجَّاج. ولا يجوزُ للسلطانِ تحريمُ النقودِ التي بأيدي الناسِ، ليفسدَ ما عندَهم من الأموالِ. وكُرِهَ ضربُ نقدٍ مغشوشٍ، واتخاذُهُ، نصًّا. وضربٌ لغيرِ السلطانِ. قال أحمدُ: لا يصلحُ ضربُ الدَّراهمِ إلا في دارِ الضَّربِ بإذن السلطانِ، ويُعطي أجرةَ الصُنَّاعِ من بيتِ المالِ (٢).

стр. 817

بابُ بيعِ الأُصُولِ والثِّمَارِ مَنْ باعَ أو وهَبَ أو رَهَنَ أو وَقَفَ دارًا، أو أقرَّ أو وصَّى بها، تناولَ أرضَهَا، وبناءَهَا، وفِناءَها إن كانَ،. . . . (بابُ بيعِ الأصولِ والثِّمَار) الأصول (١): جمعُ أصلٍ، وهو ما يتفرَّعُ عنه غيرُه. والمرادُ هنا: أرضٌ، ودورٌ، وبساتين، ومَعاصرُ، وطواحينُ، وأشجارٌ. وييعٌ الثمارِ: جمعٌ ثمرٍ، كجبلٍ وجبالٍ. وواحدُ الثمرِ: ثمرةٌ. وجمعُ الثمارِ: ثُمُرٌ، ككِتابٍ وكتبٍ. وجمعُ ثُمُرٍ: أثمارٌ، كعُنُقٍ وأعنَاقٍ. فهو رابعُ جمعٍ، وهي أعمُّ ممَّا يُؤكلُ، فيشمل القَرَظَ (٢)، ونحوَه (مَنْ باعَ) دارًا (أو وهَبَ) دارًا (أو رَهَنَ) دارًا (أو وقَفَ دارًا، أو أقرَّ) بدارٍ (أو وصَّى بها) أي: بدارٍ (تناولَ) البيعُ: (أرضَها) إنْ لم تكنْ موقوفةً، كمصرَ، والشامِ، وسوادِ العراقِ. ذكرَة في "المبدع" وغيرِه. ومقتضى ما سبقَ من صحةِ بيعِ المساكن: خلافُهُ (٣) وتَناوَلَ ما بها من مَعدِنٍ جامدٍ؛ لأنَّه من أجزاءِ الأرضِ، بخلافِ الجاري. (و) تناولَ (بناءَها) أي: الدارِ؛ لأنّهما داخلانِ في مسمَّاها. (و) تناولَ (فِناءَهَما) بكسرِ الفاءِ، أي: ما اتَّسعَ أمامَها (إنْ كانَ) لها فِناءٌ

стр. 818

ومُتَّصِلًا بها لمصلَحَتِها، كالسَّلالِيم، والرُّفُوفِ المسمَّرةِ، والأبوابِ المنصُوبَةِ، والخَوابِي المدفونَةِ، وما فيها مِنْ شَجَرٍ، وعُرُشٍ، لا كَنزٍ وحَجَرٍ مدفُونَين، ولا مُنفَصِلَ كحبلٍ، ودَلوٍ، وبَكرَةٍ، وفُرُشٍ، ومِفتَاحٍ. وإنْ كان المُباغ ونحوُه أرضًا، دخَلَ ما فيها. . . . . (و) تناولَ ما كانَ (متَّصِلًا بها) أي: الدارِ (لمصلحتِها، كالسَّلاليم) (١) من خشَبٍ مُسمَّرةٍ. جمعُ سُلَّمٍ، بضمِّ السِّينِ، وفتحِ اللَّامِ مشدَّدةً، وهو: المِرْقاةُ والدَّرجةُ. عن ابنِ سِيدَه، قال: وتذكرُ وتؤنثُ (و) كـ (الرُّفوفِ المُسمَّرةِ، والأبوابِ المنصُوبةِ) وحِلَقِها، وكحَجَرِ الرَّحَى التحتانيِّ (و) كـ (الخَوابي المدفونةِ) وأجرنةٍ مبنيةٍ، وأساساتِ حيطانٍ، وما في الأرضِ من الحجارةِ المخلوقةِ (و) تناولَ (ما فيها) أي: الدارِ (من شجرٍ) مغروسٍ (و) من (عُرُشٍ): جمعُ عريشٍ، وهو: الظُّلَّةُ؛ لاتصالِهما بها و (لا) يتناولُ البيعَ ما فيها من (كنزٍ وحَجَرٍ مدفُونَينِ) لأنَّهما مُودَعَانِ فيها للنَّقلِ عنها، أشبهَا الفُرُشَ والسُّتُورَ (ولا) يتناولُ (منفصلَ، كحبل، ودلوٍ، وبَكرَةٍ، وفُرُشٍ، ومِفتاحٍ) وقُفلٍ لنحوِ دارٍ؛ لأنَّ اللفظَ لا يشملُه، ولا هو من مصلحِتها. وكذا حجرُ رحًى فوقانيٌّ؛ لعدمِ اتصالهِ، ولعدمِ تناولِ اللفظِ له، بخلافِ: إذا باعَ الطاحونَ أو المعصرةَ ونحوَها، فإنَّه يشملُ التحتانيَّ والفوقانيَّ؛ لتناولِ اللفظِ له (وإنْ كانَ المباعُ ونحوُه) من موهوبٍ، أو مرهونٍ، أو موقوفٍ، أو مُوصًى به، أو أقرَّ به، أو جعلَه صدَاقًا، أو عوضَ خُلْعٍ، أو جعالةً، أو أجرةً (أرضًا، دخلَ مما فيها)

стр. 819

من غِراسٍ، وبناءٍ، لا ما فيها مِن زَرعٍ لا يُحصدُ إلَّا مَرَّةً، كبُرٍّ وشَعيرٍ وبصَلٍ ونحوِه، ويُبقَى للبائِع إلى أوَّلِ وقتِ أخذِه بلا أُجرَةٍ، ما لَمْ يشتَرِطهُ المُشتَري لنَفْسِه. وإن كانَ يُجزُّ مرةً بعدَ أُخْرَى، كرَطْبةٍ وبُقُولٍ،. . . . أي: ما في الأرضِ (من غِراسٍ، وبناءٍ) فيها، ولو لم يقلْ: بحقوقِها؛ لاتصالِهما بها وكونِهما من حقوقِها. و (لا) يدخلُ في نحوِ بيعِ أرضٍ (ما فيها من زرعٍ لا يُحصدُ إلا مرَّةً، كبُرٍّ، وشعيرٍ، وبصلٍ ونحوِه) وأُرزٍ، وقِطْنيَّاتٍ، بكسر القافِ، كعَدَسٍ وحِمِّصٍ والباقلاءِ ونحوِ ذلك. وجزرٍ، وفُجلٍ، وتُومٍ، مما يحصدُ مرَّةً واحدةً، ولِفْتٍ، وقصبِ سكَّرٍ (ويُبقى) في الأرضِ المبتاعةِ (للبائع) والموهوبِ، ونحوِه (إلى أوَّلِ وقتِ أخذِه) كالثمرةِ (بلا أجرةٍ) على البائعِ؛ لأنَّ المنفعةَ حصلتْ مستثناةً له. وعُلمَ منه: أنَّه لا يُبقى بعدَ أوَّلِ وقتِ أخذِه، وإنْ كان بقاؤُه أنفعَ له إلَّا برضا مشترٍ (ما لم يشترطْه) أي: الزرعَ (المشتَري) أو المُتَّهبُ، ونحوُه (لنفسِه) فإنْ شرَطَه، كان له. ولا يضرُّ جهلُه في بيعٍ، ولا عدمُ كمالِه؛ لدخولِه تبعًا. (وإنْ كان) في الأرضِ زرعُ (يُجَزُّ مرةً بعدَ أخرى، كرَطبةٍ) بفتحِ الراءِ، وهي الفِصَّة (١)، فإذا يَبِسَتْ فهي قَتٌّ (و) كـ (بقولٍ) من شَمَرٍ، ونَعْناعٍ، وهِندَبا، ونحوِ ذلك.

стр. 820

أو تتكرَّرُ ثمرتُه، كقِثَّاءٍ، وباذِنجَانٍ، فالأُصول للمُشتَري، والجَزَّةُ الظَّاهِرَةُ، واللَّقْطَة الأُولى للبائِعِ، وعليه قطعُهُمَا في الحَال. (أو) كان في الأرضِ زرعٌ (تتكرَّرُ ثمرتُه، كقِثَّاءٍ، وباذنجانٍ) ودُبَّاءٍ. أو يتكرَّرُ أخذُ زهرِه، كوردٍ، وياسمينِ، ونِسرينٍ (فالأصولُ) في جميعِ هذه (للمُشتَري) ومُتَّهِبٍ ونحوِه؛ لأنَّه يُرادُ للبقاءِ، أشبَه الشجرَ (والجزَّةُ الظاهرةُ) وقتَ عقدٍ لبائعٍ ونحوهِ (واللَّقْطةُ الأُولى) وزهْرٌ تفتَّحَ وقتَ بيعٍ (للبائعِ) ونحوِه؛ لأنَّه يُجنَى مع بقاءِ أصلِه، أشبهَ ثمرةَ الشَّجَرِ المؤبَّرَةِ (وعليه) أي: البائعِ ونحوِه (قطعُهما) أي: الجزَّةِ الظاهرةِ، واللَّقْطَةِ الأُولى (في الحالِ) أي: على الفَورِ؛ لأنَّه ليس له حدّ يَنتَهي إليه، وربَّمَا ظهَرَ غيرُ ما كان ظاهرًا، فيعصرُ التمييزُ. هذا ما لم يشترطْ مشترٍ دخولَ ما لبائعٍ، فإنْ شرَطَه كان له؛ لحديث: "المسلمون عندَ شروطِهم" (١).

стр. 821

فَصْلٌ وإذا بيعَ شَجَرُ النَّخْلِ بعدَ تشقّقِ طَلعِه، فالثَّمرُ للبائِعِ مترُوكًا إلى أوَّلِ وقتِ أَخذِه. (فصل) (وإذا بيعَ) أو وهِبَ، أو رُهِنَ، ونحَوهِ (شَجرُ النَّخلِ بعدَ تَشقُّقِ طلعِه) بكسرِ الطاء: غلافُ العُنقُودِ. مبتدأ، خبرُهُ: ولو لم يؤبَّرْ. أي: يُلقَّحْ، وهو: وضعُ طَلعِ الفُحَّالِ الذَّكَرِ في طَلعِ الأُنثَى (١). يقالُ: أَبَّرتُ النَّخلةَ. بالتَّخفيفِ، والتشديد (فالثمرُ للبائعِ) إنْ لمْ يشترِطْه مشترٍ لنفسِه (مَتروكًا) له على شَجَرِهِ (إلى أوَّلِ وقتِ أخذِه) وهو وقتُ الجذاذِ، وذلك حين تتناهى حلاوةُ ثمرِها. ولا يلزمُه قطعُها في الحالِ. وأوانُ الجذاذِ في غيرِ النَّخلِ حينَ يَتنَاهى إدراكُ الثَّمَرِ؛ لحديثِ: "مَنْ ابتاعَ نخلًا بعد أَنْ تُؤبَّرَ، فثمرتُها للذي باعَها، إلا أنْ يشترطَ المُبتاعُ". متفقٌ عليه (٢). ما لم تجرِ عادةٌ بأخذهِ بُسرًا، أو يكنْ بُسرُه خيرًا من رُطَبهِ، فيجذُّهُ بائعٌ إذا استحكَمتْ حلاوةُ بُسرِه؛ لأنَّه عادةُ أخذه (٣). إنْ لمْ يشترطْ مشترٍ قطعَه على بائعٍ، فإنْ شرَطَه عليه، قُطِعَ. وما لم يتضرَّرِ النخلُ

стр. 822

وكذَا إنْ بيعَ شجَرُ ما ظَهَرَ مِنْ عِنَبٍ، وتينٍ، وتُوتٍ، ورمَّانٍ، وجَوزٍ. أو ظَهَرَ مِنْ نَورِهِ، كمِشْمِشٍ، وتفَّاحٍ، وسَفَرْجَلٍ ولَوْزٍ. أو خَرَجَ مِنْ أَكمَامِه، كوردٍ. وما بيعَ قبلَ ذلِكَ، فللمُشتَري. ولا تدخُلُ الأرضُ تَبعًا للشَّجَرِ،. . . ببقائِه، فإنْ تضرَّرَ، قُطِعَ؛ لأنَّ الضرَّرَ لا يُزالُ بالضرَّرِ. بخلافِ وقفٍ، ووصيةٍ، فإنَّ الثمرةَ تدخلُ فيهما نصًّا، أُبِّرتْ أو لمَ تؤبَّرْ، كفسخِ بيعٍ أو نكاحٍ قبل دخولٍ لعيبٍ، ومُقايَلةٍ في بيعٍ، ورجوعِ أبٍ في هبةٍ وهبَها لولدِه، حيثُ لا مانعَ منه، فتدخلُ الثمرةُ في هذه الصُّورِ كلِّها؛ لأنَّها نماءٌ متصلٌ أشبهتِ السِّمَنَ (وكذا) أي: كطلعٍ تَشقَّقَ: (إنْ بيعَ شجرُ ما ظهرَ) فيها من ثمرةٍ لا قشرَ عليها، ولا نَوْرَ (١) لها (من عنبٍ، وتينٍ، وتُوتٍ) وجُمَّيْزٍ. وكذا ما بدا في قشرِه (و) بقيَ فيه إلى الأكلِ، كـ (رمَّانٍ) ومَوزٍ (و) ما بدا في قِشرينِ، كـ (جوزٍ. أو ظَهَرَ من نَورِه، كمِشْمِشِ، وتُفَّاحٍ، وسَفَرْجَلٍ، ولَوْزٍ) وخوخٍ، وأجاصٍ (أو خرجَ من أكمامِه) جمعُ كِمِّ -بكَسرِ الكافِ- وهو الغِلافُ (كوردٍ) وياسَمِين، وبَنفْسَجٍ، وقطنٍ يحملُ كلَّ عامٍ؛ لأنَّ ذلك كلَّه بمثابةِ تشقُّقِ الطلعِ (وما بيعَ قبلَ ذلك) أي: قبلَ البدوِّ في نحوِ عنبٍ، والخروجِ من النَّوْرِ في نحوِ مِشْمِشٍ، والظهورِ من الأكمامِ في نحوِ الوردِ (فللمشتري) ومُتَّهبٍ (ولا تدخلُ الأرضُ تبعًا للشجرِ) وإنْ لمْ يَشتَرِطْ قطعَها، أبقاهَا في أرضِ بائعٍ،

стр. 823

فإذا بَادَ، لم يَملِك غَسَ مَكانِهِ. كثمرِ على شجرٍ بلا أجرةٍ (فإذا بَادَ) أي: ذهبَ وانقطعَ (لم يملِكْ) المشتري (غَرْسَ مكانِه) أي: مكانِ ما بادَ من الشجرِ؛ لعدمِ ملكِه الأرضَ تبعًا للشجرِ. وللمشتري الدخولُ لمصالِحها، لثُبوتِ حقِّ الاجتيازِ له. ولا يدخُلُ لتفرُّجٍ ونحوِه. فإنْ انكسرتْ أو احترقتْ ونحوُه، ونبتَ شيءٌ من عروقِها، فإنَّه يكونُ لمالِكها. قالَهُ العلَّامةُ الشيخُ منصور البهوتيُّ رحمه الله تعالى.

стр. 824

فَصْلٌ ولا يَصِحُّ بَيعُ الثَّمَرَةِ قبِلَ بُدُوِّ صَلاحِها لغَيرِ مالِكِ الأَصْلِ، ولا بيعُ الزَّرعِ قَبْلَ اشتدَادِ حبِّه لغير مالِكِ الأَرض. وصَلاحُ بعضِ ثَمَرَةِ شَجَرَةٍ صَلاحٌ لجَميعِ نوعِها الذي بالبُستَانِ. (فصلٌ) (ولا يصحُّ بيعُ الثمرةِ قبلَ بُدُوِّ صلاحِها) لأنَّه عيه السلام نهى عن بيعِ الثمارِ حتى يبدوَ صلاحُها، نهى البائعَ والمُبتاعَ. متفق عليه (١). والنهيُ يقتضي فسادَ المنهيِّ عنه. (لغيرِ مالكِ الأصلِ) (ولا) يصحُّ (بيعُ الزرعِ قبلَ اشتدادِ حبِّه) لحديثِ ابنِ عمرَ: أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن بيعِ النخلِ حتى تزهوَ، وعن بيعِ السنبلِ حتى يبيضَّ ويأمَن العاهةَ، نهى البائعَ والمشتري. رواه مسلمٌ (٢). (لغيرِ مالكِ الأرضِ) فإنْ بيعَ الثمرةُ المذكورةُ لمالكِ أصلِها، أو بيعَ الزرعُ لمالكِ أرضِه، صحَّ البيعُ؛ لأنَّ الثمرةَ مع الشجرِ، والزرعَ مع الأرضِ، دخلا تبعًا في البيعِ؛ لحصولِ التسليمِ لمالكِ الأصلِ، ومالكِ الأرضِ (٣) (وصلاحُ بعضِ ثمرةِ شجرةٍ صلاحٌ لجميعِ) ثمرةِ أشجارِ (نوعِها الذي بالبُستانِ) لأنَّ اعتبارَ الصلاحِ في الجميعِ يَشقُّ، وكالشجرةِ الواحدةِ؛ ولأنَّه يَتتابَعُ غالبًا.

стр. 825

فصَلاحُ البلَحِ: أن يَحمَرَّ أو يَصفَرَّ. والعِنَبِ: أن يَتَمَوَّه بالمَاءِ الحُلوِ. وبقيَّةِ الفَواكِهِ: طِيبُ أكلِها، وظُهورُ نُضْجِها. وما يظهَرُ فَمًا بَعْدَ فَمٍ، كالقِثَّاءِ والخِيارِ: أنْ يؤكَلَ عادَةً. وكذا اشتدادُ بعضِ حبٍّ، فيصحُ بيعُ الكلِّ تبعًا لأفرادِه، ما لم يبدُ صلاحُه بالبيعِ. وعُلِمَ منه: أنَّ صلاحَ نوعٍ ليس صلاحًا لغيرهِ (فصلاحُ البلحِ: أن يحمرَّ أو يصفرَّ) لأنَّه ﵇ نهى عن بيعِ الثمرةِ حتى تزهوَ. قيل لأنسٍ: وما زهْوُها؟ قال: تحمَارُّ، أو تصفارُّ (١). (و) صلاحُ (العنب: أن يتمَوَّه بالماءِ الحُلْوِ) أي: أن يصفوَ لونُه، ويظهرَ ماؤُه، وتذهبَ عفوصتُهُ (٢) من الحلاوةِ. قالَهُ الحجاويُّ في "حاشية التنقيح" (٣). قال: فإنْ كانَ أبيضَ، حسُنَ قشرُه وضَرَبَ إلى البياضِ، وإنْ كان أسودَ، فحينَ يظهرُ فيه السوادُ. لقولِ أنسٍ: نهى النبيُّ ﷺ عن بيعِ العنبِ حتى يسودَّ. رواه أحمدُ (٤). (و) صلاحُ (بقيَّةِ الفواكهِ) كرمَّانٍ، ومِشمِشٍ، وخوخٍ، وجوزٍ، وبِطيخٍ بـ: (طيبِ أكلِها، وظهورِ نُضجِها) لحديثِ: نهى عن بيعِ الثمرةِ حتى تطيبَ. متفقٌ عليه (٥). (و) صلاحُ (ما يظهرُ فَمًا بعدَ فمٍ، كالقِثَّاءِ، والخيارِ: أنْ يُؤكلَ عادةً) كالثمرةِ.

стр. 826

وما تَلِفَ من الثَّمرَةِ قَبلَ أخذِهَا، فَمِنْ ضَمَانِ البَائِعِ، ما لَمْ تُبَعْ معَ أصلِها، أو يُؤَخِّرِ المُشتَرِي أخذَهَا عن عادَتِه. وصلاحُ الحبِّ: أنْ يشتدَّ أو يبيضَّ (وما تلِفَ من الثمرةِ) التي أُبيعتْ بعدَ بُدوِّ صلاحِها -لكن يُسامَحُ في تلفٍ يسيرٍ لا ينضبطُ، فلا يرجعُ بقسطِه من الثمنِ- بجائحةٍ سماويةٍ، وهو ما لا صُنعَ لآدميٍّ فيها، كريحٍ، ومطرٍ، وثلجٍ، وبَرَدٍ -بفتح الراء: المطرُ المنعقدُ- وبَرْدٍ - بسكون الراءِ: ضدُّ الحرِّ، وجليدٍ، وصاعقةٍ، وحرٍّ، وعطشٍ، وجرادٍ، وجُندُبٍ، ونحوِ ذلك (قبلَ أخذِها) ولو بعدَ قبضٍ وتسليمٍ بالتخليةِ؛ لأنَّها ليستْ بقبضٍ تامٍّ (فمن ضمانِ البائعِ) والأصلُ في ذلك كلِّه: حديثُ جابرٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ أمرَ بوضعِ الجوائح. وعنه: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنْ بعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ" رواه مسلمٌ (١). وإنْ أتلفَ الثمرَ آدميُّ، خُيرِّ مشترٍ بين الفسخِ، ويَرجعُ بما دفعَه من الثمنِ، والإمضاءِ، أي: البقاءِ على البيعِ، ومطالبةِ المتلفِ بالبدلِ (ما لم تُبعْ) الثمرةُ (مع أصلِها) فإنْ أُبيعتْ معه، فمن ضمانِ مشترٍ. وكذا لو بيعتْ لمالكِ أصلِها؛ لحصولِ القبضَ التامِّ، وانقطاعِ علقِ البائعِ عنه (أو يُؤخِّرِ المشتري أخذَهَا عن عادتِه) أي: عن عادةِ الأخذِ، فإنْ أخرَّه عنه، فمن ضمانِ المشتري؛ لتلفِه بتقصيرِه. "تتمَّةٌ": مَنْ باعَ رقيقًا، شملَ بيعُه لباسًا معتادًا عليه، إلا ما كان عليه لجمالٍ، فإنَّه لبائعٍ. وإنْ كانَ معه مالٌ -ملَّكَه له سيِّدُهُ أو خصَّه به- أو كانتْ أمةً عليها حليُّ،

стр. 827

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فهو لبائعِه، ما لم يشترِطْه أو بعضَه مشترٍ، فيكونُ له؛ لحديثِ ابنِ عمرَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَنْ باعَ عبدًا وله مالٌ، فمالهُ للبائعِ، إلا أن يشترِطَه المبتاعُ". رواه مسلمٌ (١). فإنْ كان المشتري (٢) قَصَدَ ما اشترطَه مما كان مع الرقيقِ، اشتُرِط له شروطُ البيعِ، من العلمِ به، وغيرِه. وإنْ لم يكنْ المشتري قصدَ مالَ الرقيقِ، أو ثيابَ جمالِه، أو حُليَّهِ، فلا يُشترطُ له شروطُ البيعِ؛ لدخولهِ تبعًا بغيرِ قصدٍ، أشبهَ أساساتِ الحيطانِ. ولو باعَ العبدَ وله سُرِّيةٌ، لم يفرِّقْ بينهما، كامرأتِه، وهي مِلكُ للسيِّدِ. نقلَهُ حربٌ. ذكرهَ في "الفروع" (٣) ويَشملُ بيعُ دابَّةٍ لجامًا، ومِقودًا، ونَعلًا، ونحوَ ذلك (٤).

стр. 828

بابُ السَّلَمِ (بابُ السَّلَمِ) والتصرُّفِ في الدَّين، وما يتعلَّقُ به قال الأزهريُّ: السَّلَمُ والسلفُ واحدٌ في قولِ أهلِ اللغةِ، إلا أنَّ السلفَ يكونُ قرْضًا، لكنَّ السَّلَمَ لغةُ أهلِ الحجازِ، والسلفَ لغةُ أهلِ العراقِ. قالَهُ الماورديُّ (١). وسُمِّيَ سلَمًا؛ لتسلَيمِ رأسِ المالِ في المجلسِ، وسلفًا؛ لتقديمه (٢). والسَّلَمُ شرعًا: عقدٌ على شيءٍ موصوفٍ في الذمَّةِ، مُؤجَّلٍ بثمنٍ مقبوضٍ بمجلسِ العقدِ. وهو جائزٌ بالإجماعِ، وسندُهُ: قولهُ تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وروى سعيدٌ بإسناده، عن ابنِ عباسٍ، قال: أشهدُ أن السَّلَفَ المضمونَ إلى أجلٍ مُسمًّى قدْ أحلَّه الله في كتابِه، وأَذِنَ فيه، ثمَّ قرأ هذه الآيةَ (٣). وهذا اللفظُ يصلُحُ للسَّلَمِ، ويشملُه بعمومِه. وقولهُ ﵇: "مَنْ أسلفَ في شيءٍ، فليُسلِفْ في كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ" متفقُ عليه (٤) من حديثِ ابنِ عباسٍ. ولأنَّ المثمنَ (٥) أحدُ عِوضي البيعِ، فجازَ أنْ يثبتَ في الذمَّةِ، كالثمنِ، ولحاجةِ الناسِ إليه

стр. 829

ينعقِدُ بكلِّ ما يدلُّ عليه، وبلَفظِ البَيعِ وشُروطُه سَبعَةٌ: أَحدُها: انضِباطُ صِفَاتِ المُسلَمِ فيه، كالمَكيلِ، والموزُونِ،. . . . (ينعقدُ) أي: السَّلمُ (بكلِّ ما يدلُّ عليه) أي: على السَّلَمِ، كـ: أسلمْتُكَ، أو: أسلفْتُكَ؛ لأنَّهما حقيقةٌ فيه؛ إذ هُما اسمٌ للبيع الذي عُجِّل ثمنُه، وأُجِّلَ مثمَنُه. (و) ينعقدُ السَّلَمُ (بلفظِ البيعِ) لأنَّه بيعٌ حقيقةً إلا أنَّه إلى أجلٍ. (وشروطُه) أي: السَّلَمِ (سبعةٌ) زائدةٌ على شروطِ البيعِ. قال في "الإنصاف": ذكرَه جماعةٌ. وذكرَ في "الفروع" وغيرِه ستَّةً. وذكرَ في "الهداية" وغيرِها خمسةً، وذكرَ في "الكافي" و"المحرر" وغيرِهما أربعةً، مع ذكرِهم كلِّهم جميعَ الشروطِ. والظاهرُ: أنَّ الذي لم يُكملْ عددَ ذلك، جعلَ الباقيَ من تتمةِ الشروطِ، لا شروطًا لنفسِ السَّلَمِ (١): (أحدُها): كونُ مسلمٍ فيه ممَّا يمكنُ (انضباطُ صفاتِ المسلَمِ فيه) لأنَّ ما لا تنضبطُ صفاتهُ يختلفُ كثيرًا، فيفضي إلى المنازعةِ والمشاقَّةِ، وعدمُها مطلوبٌ شرعًا، (كالمكيلِ) من حبوبٍ، وثمارٍ، وخلِّ، ودهنٍ، ولبنٍ ونحوِها (والموزونِ) من ذهبٍ، وفِضَّةٍ، ومن قطنٍ، وحريرٍ، وصوفٍ، ونُحاسٍ، وزئبقٍ، وشَبٍّ، وكِبريتٍ، ورصاصٍ، وشحمٍ ولحمٍ نيئٍ، ولو مع عظمِه؛ لأنَّه كالنَّوى في التمرِ، إنْ عُيِّنَ محلٌّ يُقطعُ منه كظهرٍ وفخذٍ. وعُلِمَ منه: أنَّه لا يصحُّ في مطبوخٍ ومشويٍّ، ولا في لحمٍ بعظمه.

стр. 830

والمَذرُوعِ، والمعدُودِ مِنْ الحَيوانِ، ولو آدميًّا. فلا يصِحُّ في المَعدُودِ من الفَوَاكِه، ولا فيما لا ينضَبِطُ، كالبُقولِ، والجُلودِ، والرُّؤوسِ، والأكَارعِ، والبَيضِ، والأوَاني المختَلِفَةِ رُؤُوسًا وأوسَاطًا، كالقمَاقِم ونحوِها. ويُعتَبرُ قولُه: مِن بَقَرٍ أو غنمٍ، أو ضأنٍ أو معزٍ، جذعٍ أو ثنيٍّ، ذكرٍ أو أنثى، خَصيٍّ أو غيرِه، رضيعٍ أو فطيمٍ، معلوفةٍ أو راعيةٍ، سمينٍ أو هزيلٍ. قالهُ في "الإنصاف" (١). (والمذروعِ) كثيابٍ، وخُيوطٍ (والمعدودِ من حيوانٍ) كعشرينَ فرسًا، (ولو) كان (آدميًا) كعشرينَ عبدًا (فلا يصحُّ) السَّلَمُ (في المعدودِ من الفواكهِ) كرمَّانٍ، وكُمَّثرى، وخوخٍ، وإجَّاصٍ (ولا) يصحُّ السَّلَمُ (فيما لا ينضبِطُ، كالبُقولِ) لاختلافِها، ولا يمكنُ تقديرُها بالحِزَمِ (والجلودِ) لاختلافِها، ولا يمكنُ ذرعُها، لاختلافِ أطرافِها (والرُّؤوسِ، والأكارعِ) لأنَّ أكثرَها العظامُ، ولحمُها قليلٌ، وليستْ موزونةً (والبيضِ) والجوزِ؛ لاختلافِ ذلك كِبَرًا وصِغَرًا (والأوَاني المختلفةِ رؤوسًا وأوسَاطًا، كالقمَاقِمِ): جمعُ قُمْقُمْ، بضمَّتين؛ لاختلافِها، فإنْ لم تختلفْ رؤوسُها وأوساطُها، صحَّ السَّلَمِ فيها (ونحوِها) كأسطالٍ وأباريقَ؛ لاختلافِها. ولا يصحُّ السَّلَمُ فيما لا ينضبِطُ، كالجواهِر كلِّها، من دُرِّ، وياقوتٍ، ومَرجانٍ؛ لأنَّه يختلفُ اختلافًا متباينًا بالكِبَرِ والصِغَرِ، وحُسنِ التدويرِ، وزيادةِ ضوئِها. ويصحُّ السَّلَمُ في فُلوسٍ، ولو نافقةً، وزنًا وعددًا، على ما في "الإقناع". ويكونُ

стр. 831

الثَّاني: ذِكرُ جنسِه ونوعِه بالصِّفات التي يختَلِفُ بها الثَّمن. رأسُ مالِها عرْضًا لا نقدًا؛ لأنَّها ملحقةٌ بالنقدِ (١). "تتمَّةٌ": يصحُّ السَّلَمُ في السُّكَّرِ، والبانيدِ (٢)، والدِّبسِ ونحوِها، ممَّا مستْهُ نارٌ؛ لأنَّ عملَ النارَ فيه معلومٌ عادةً، يمكنُ ضبطُه بالنَّشافِ والرطوبةِ، أشبَه المجفَّفَ بالشمسِ. الشرطُ (الثاني) من شروطِ السَّلَمِ: (ذكرُ جنسِه) أي: جنسِ المسلَمِ فيه، كبُرٍّ، أو شعيرٍ، أو عَدَسٍ (ونوعِه، بالصفاتِ التي يختلفُ بها الثمنُ) غالبًا اختلافًا ظاهرًا. فيذكرُ جنسَه، فيقولُ مثلًا: برٌّ. ويذكرُ نوعَه: صعيديٌّ، أو: بحيريٌّ. و: تمرٌ، ويذكرُ نوعَه، فيقولُ: برنيٌّ، أو: مَعقِليٌّ، أو: طَبرُزدٌ. ويذكرُ قدْرَ حبِّه، فيقولُ: صِغار، أو: كِبارٌ. ويذكرُ لونَه إنِ اختلفَ اللَّونُ، كالطَّبرزدِ: نوعٌ من التمرِ، يكون منه أسودُ وأحمرُ. ويذكرُ بلدَه، فيقولُ: كوفيٌّ، أو: بصريٌّ. ويذكرُ حداثتَه وقِدَمَه، فيقولُ: حديثٌ، أو: قديمٌ. جيَّدٌ، أو: رديٌ. ويبينُ قديمَ سنةٍ أو سنتينِ، ونحوِه. ويبيِّنُ كونَه مُشعِرًا، أي: به شعيرٌ ونحوُه. ويذكرُ سنَّ حيوانٍ، من آدميِّ وغيرِه، فيقول: بنتُ مخاضٍ، أو: لبونٍ، ونحو ذلك. ويذكرُ نوعَه، كضأنٍ ومَعْزٍ، ثنيٍّ أو جَذَعٍ. ويذكرُ ذكوريتَه وأنوثتَه، سمينًا أو معلوفًا، هزيلًا أو راعيًا (٣). وفي إبلٍ: بُختيَّةً، أَو عِرابيَّةً، بيضاءَ، أو حمراءَ. وكذا

стр. 832

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . خيلٌ. وتنسبُ بغالٌ وحميرٌ لبلدِها. وفي صيدٍ يقولُ بعدَ ذكرِ نوعِه، كحَمَامٍ، وكُرْكِيٍّ، وذكرِ لونِه وكِبَره إنِ اختلفَ به، لا ذكوريتَه وأنوثتَه إلا في نحو دجاجٍ مما يختلفُ بها. وما يميِّزُ مختَلِفَه، من صيدِ أُحبولةٍ، أو صيدِ كلبٍ، أو صيدِ صقرٍ، أو شبكةٍ، أو فخٍّ، ونحوِه. ويَذكرُ في لبنٍ النوعَ والمرعَى. وفي جبنٍ النوعَ والمرعى، ورَطْبٍ أو يابسٍ، جيِّدٍ أو رَديءٍ. وفي ثوبٍ النوعَ، والبلَدَ، واللونَ، والطُّولَ، والعرضَ، والخشونَةَ، والصفاقةَ، أو ضدَّهما. فإنْ زادَ الوزنُ، لم يصحَّ السَّلَمُ. وفي غزلٍ اللَّونَ، والنوعَ، والبلدَ، والوزنَ، والغِلظَ، والرِّقَّةَ. وفي صوفٍ ونحوِه ذكرَ بلدٍ ولونٍ، وطولٍ أو قصرٍ، وذكوريةٍ أو أنوثةٍ، وزمانٍ. وفي كاغَدٍ (١) يذكرُ بلدًا، وطولًا، وعَرْضًا، وغِلَظًا، أو رِقَّةً، واستواءَ الصفةِ واللَّونِ، وما يختلفُ به الثمنُ وفي رقيقٍ ذِكْرَ نوعٍ، كروميٍّ، أو حبشيٍّ، أو زِنجيِّ، وطولِ رقيقٍ بشبرٍ - قال أحمدُ: يقول: خماسيٌّ، أو سُداسيٌّ، أعْجميٌّ أو فصيحٌ، وذكَرٌ أو أنثى- وكحلاءَ أو دعجاءَ. وبَكارةٍ، أو ثيوبةٍ ونحوِها، كسِمَنٍ، وهزالٍ، وسائرِ ما يختلفُ به ثمنُه. قال في "القاموس": والكَحَلُ: سوادُ العينِ مع سعَتِها. والدَّعَجُ: أنْ يعلوَ الأجفانَ سوادٌ خِلقَةً موضعَ الكحلِ (٢).

стр. 833

ويجوزُ أن يأخُذَ دونَ ما وُصِفَ له، ومِن غَيرِ نوعِه مِنْ جنسِه. ولا يحتاجُ لذكرِ الجعُودةِ والسُّبوطةِ. وإنْ شرطَ شيئًا من صفاتِ الحُسنِ، كأقْنى الأنفِ، أو أزجِّ (١) الحاجبين، لزمَه ذكْرٌ (٢). ولا يصحُّ شرطُ المتعاقدينِ الأردأَ أو الأجودَ؛ لأنَّه لا ينحصرُ، إذ ما مِنْ رديءٍ أو جيِّدٍ إلا ويحتملُ وجودَ أردأَ أو أجودَ منه. بل يصحُّ شرطُ جيَّدٍ ورديءٍ، ويجزئُ ما صدقَ عليه أنَّه جيِّدٌ أو رديءٌ، فينزلُ الوصفُ على أقلِّ درجةٍ (ويجوزُ) لمُسْلَمٍ له (أنْ يأخذَ دونَ ما وُصِفَ له) من جنسِه؛ لأنَّ الحقَّ له، وقد رضيَ بدونِه (و) له الأخذُ (من غيرِ نوعِه) كمعزٍ عن ضأنٍ، وجواميسَ عن بقرٍ، (من جنسِه) لأنَّهما كالشيءِ الواحدِ؛ لتحريمِ التفاضلِ بينهما. وإنْ دفعَ أجودَ ممَّا أسلمَ فيه، من نوعِه، يلزمُ أخذُه؛ لأنَّه زادَه نفعًا. وعُلِمَ منه: أنَّه لا يلزمُه أخذُه من غيرِ نوعهِ، ولو أجودَ منه، كضأنٍ عن معزٍ. وإنْ كان من غيرِ جنسِه، كلحمِ بقرٍ عن ضأنٍ، لم يجزْ، ولو رضيا عليه؛ لحديثِ: "مَنْ أسَلمَ في شيءٍ فلا يصرِفْه إلى غيرهِ". رواه أبو داودَ (٣). ولأنَّه بيعٌ، بخلافِ غير نوعِه من جنسِه، فإنَّه قضاءٌ للحقِّ. وإنْ دفعَ إليه أجودَ من جنسِه، ممَّا وقعَ عليه العقدُ، وطلبَ منه شيئًا نظيرَ الجودةِ، لم يصحَّ. وإنْ أحضرَ له بزيادةٍ عن القدرِ. وقال: خذْهُ وزدْني درهمًا، صحَّ؛ لأنَّ الدرهمَ في مقابلةِ الزيادةِ.

стр. 834

الثَّالِثُ: معرِفة قدرِهِ بمعيارِه الشَّرعي. فلا يصِحُّ في مَكيلٍ وَزنًا، ولا في موزونٍ كَيلًا. ولا يجوزُ أخذُ عِوضٍ في جودةٍ إنْ جاءَه بأجودَ ممَّا عليه؛ لأنَّ الجودةَ صفةٌ لا يجوزُ إفرادُها بالبيعِ. ويجوزُ ردُّ معيب، وأخذُ أرشِه مع إمساكِه. ولا يجوزُ أخذُ عِوضِ نقصِ رداءةٍ، لو جاءَه بأردأَ (١) (الثالثُ) من شروطِ السَّلَمِ: (معرفةُ قدرِه) أي: قَدرِ المسلَمِ فيه (بمعيارِه الشرعيِّ) في قدرِ كيلٍ في مكيلٍ، وقدرِ وزنٍ في موزونٍ، وقدرِ ذرعٍ في مذروعٍ، وعددٍ في معدودٍ، لحديثِ: "مَنْ أسلمَ في شيءٍ فليُسلِفْ في كيل معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ" (٢). ولأنَّه عِوضٌ في الذمَّةِ، فاشتُرطَ معرفةُ (٣) قدرِه، كالثمنِ (فلا يصحُّ) السَّلَمُ (في مَكيلٍ وزنًا، ولا) يصحُّ (في موزونٍ كيلًا) نصَّ عليه؛ لأنَّه مبيعٌ يُشترطُ معرفةُ قدرِه، فلم يجزُ بغيرِ ما هو مقدَّرٌ به في الأصلِ، فلم يجزْ، كما لو أسلَمَ في مذروعٍ وزنًا (٤). ولابدَّ أنْ يكونَ المكيالُ، والصَنجةُ، والذراعُ، معلومًا عند عامَّةِ الناسِ؛ لأنَّه إذا كان مجهولًا تعذَّرَ الاستيفاءُ به عندَ التلفِ. لكن لو عيَّنَ مكيالَ رجلٍ واحدٍ أو ميزانَه، لم يتعيَّنْ على الصحيحِ من المذهبِ.

стр. 835

الرَّابعُ: أن يكونَ في الذِّمة إلى أَجلٍ مَعلُوم، له وقعٌ في العَادَةِ، كشَهرٍ ونحوِه. قال في "الفروع": لم يتعيَّنْ في الأصحِّ. قال في "الرعاية": صحَّ ولم يتعيَّنَا في الأصحِّ. وجزمَ به في "المغني"، و"التلخيص"، و"الشرح" وغيرِهم. قال الزركشيُّ: هذا المذهبُ. وقيلَ: يتعيَّنُ. فعلى المذهبِ: في فسادِ العقدِ وجهانِ. وأطلقَهما في "التلخيص" و "الفروع" والزركشي. وأطلقَ أبو الخطابِ روايتينِ في صحةِ العقدِ بتعيُّنِ مكيالٍ: أحدُهما: يصحُّ، وهو الصحيحُ، جزمَ به في "الرعاية الكبرى"، وهو ظاهرُ كلامِ الموفَّقِ والشارحِ وغيرِهما. والثاني: لا يصحَّ. قالهُ في "الإنصاف" (١). (الرابعُ) من شروطِ السَّلَمِ: (أنْ يكونَ) السَّلَمُ (في الذِّمَّةِ إلى أجلٍ معلومٍ) نصًّا؛ للخبرِ. فأمرَ بالأجلِ، والأمرُ للوجوبِ. ولأنَّ السَّلَمَ رخصةٌ جازَ للرِّفْقِ، ولا يحصلُ إلا بأجلٍ، فإذا انتفىَ الأجلُ، انتفَى الرِّفْقُ، فلا يصحُّ، كالكتابةِ. والحلولُ يُخرجُه عن اسمِه ومعناه (له) أي: الأجلِ المعلومِ (وقْعٌ في العادةِ، كشهرٍ ونحوِه) قال في "الكافي": أو نصفِه، ونحوه (٢). أي: نحوِ النصفِ. وفي "المغني" و"الشرح": وما قاربَ الشهرَ. قال الزركشيُّ: وكثيرٌ من الأصحابِ يمثِّلُ بالشهرِ والشهرينِ، فمِن ثَمَّ قال بعضُهم: أقلُّه شهرٌ. قال في "الفروع": وليس هذا في كلامِ أحمدَ.

стр. 836

الخامِسُ: أن يكونَ ممَّا يوجَدُ غَالبًا عندَ حُلولِ الأَجَل. وظاهرُ كلامِه: اشتراط الأجل، ولو كان قريبًا. ومال إليه، وقال: هو أظهر (١). وعن الإمامِ: يصحُّ ولو يومًا. ذكرها القاضي. (الخامسُ) من شروطِ السَّلَمِ: (أن يكونَ) المسلَمَ فيه (ممَّا يوجدُ غالبًا عندَ حلولِ الأجلِ) في محِلِّه -بكسرِ الحاءِ- أي: وقتِ حُلُولِه؛ لوجوبِ تسليمِه إذنْ. فإنْ كانَ لا يوجدُ فيه، أو يوجدُ نادرًا، كالسَّلَمِ في العنبِ والرُّطبِ إلى الشتاءِ، لم يصحَّ. وإنْ أسلَمَ إلى وقتٍ يوجدُ فيه مسلَمٌ فيه عامًا، فانقطَعَ، وتحقَّقَ بقاؤُه، لزِمَه تحصيلُه ولو شقَّ. وإنْ تعذَّرَ مسلَمٌ فيه، أو تعذَّرَ بعضُه، بأنْ لمْ يُوجدْ، خُيِّرَ مُسلِمٌ بين صَبْرٍ إلى وجودِه، فيطالِبُ به، أو فسخٍ فيما تعذَّرَ منه، كمنِ اشترى قِنًّا، فأبَقَ قبلَ قبضِه. ويرجعُ إنْ فسخَ لتعذَّرِه كلِّه، برأسِ مالِه إنْ وُجِدَ، أو عِوضِه إنْ عَدِمِ؛ لتعذُّرِ ردِّه. وإنْ أسلَمَ ذميٌّ إلى ذميٍّ في خمرٍ، ثمَّ أسلَمَ أحدُهما، رجعَ مُسْلِمٌ برأسِ مالِه، أو عِوضِه؛ لتعذُّرِ الاستيفاءِ أو الإيفاءِ، بأنْ يرجعَ في مثلِه إنْ كان مثليًّا، وقيمتِه إنْ كان متقوَّمًا. هذا إنْ فسخَ في الكلِّ، فإنْ فسخَ في البعضِ فبقسْطِه. "فائدةٌ": لو اختَلَفَا في قدرِ الأجلِ، أو مُضيِّه، ولا بينةَ، فالقولُ قولُ المدينِ مع يمينِه في قدرِ الأجلِ، على المذهبِ. ونقلَه حربٌ. وفيه احتمالٌ ذكرَه في "الرعاية". وكذا في مضيِّه، على الصحيحِ من المذهبِ. جزمَ به في "المحرر" وغيرهِ، وصحَّحَه في "الفروع".

стр. 837

السَّادِسُ: معرِفةُ قدرِ رأسِ مالِ السَّلم، وانضباطُه. فلا تَكِفي مشاهَدَتُه، ولا يصِحُّ بما لا ينضبِطُ. وقيلَ: لا يُقبلُ قولُه، ويقبلُ قولُ المسلَمِ إليه، وهو المدينُ في مكانِ تسليمِه. نقلَهُ حربٌ، وجزمَ به في "الفروع" وغيرِه. قالَهُ في "الإنصاف" (١). (السادسُ) من شروطِ السَّلَمِ: (معرفةُ قدرِ رأسِ مالِ (٢) السَّلَمِ) ومعرفةُ صفتِه؛ لأنَّه لا يُؤمَنُ فسخُ السَّلَمِ؛ لتأخُّرِ المعقودِ عليه، فوجبَ معرفةُ رأسِ مالِه؛ ليردَّ بدلَه، كالقرضِ. وقبضُ (٣) رأسِ مالِ السَّلَمِ قبلَ التفرُّقِ من مجلسِ العقدِ تفرُّقًا يُبطلُ خيارَ مجلسٍ، لئلا يصيرَ بيعَ دينٍ بدينٍ. (و) يُشترطُ أيضًا (انضباطُه) فلا يصحُّ جعلُ رأسِ مالِ السَّلَمِ في جواهرَ ونحوِه، ممَّا لا ينضبِطُ بالصفةِ (فلا تكفي مشاهدتُه) أي: رأسِ مالِ السَّلَمِ، كما لو عقداه على صُبرَةٍ لا يعلمانِ قدرَها. (ولا يصحُّ) السَّلَمُ (بما لا ينضبطُ) كجوهرٍ، وكتبٍ. ويُردُّ ما قُبضَ من ذلك على أنَّه رأسُ مالِ السَّلَمِ، لفسادِ العقدِ إنْ وُجِدَ، وإن لم يوجدْ فقيمتُه ولو مِثليًّا. قالَه في "شرح المنتهى" للمصنِّفِ (٤). قالَ العلَّامةُ الشيخُ منصورٌ في "شرحِه" على "المنتهى" (٥): وفيه نظرٌ.

стр. 838

السَّابِعُ: أن يقبِضَه قبلَ التفرُّقِ من مجلِس العَقدِ. ولا يُشتَرطُ ذِكرُ مكَانِ الوَفاءِ؛. . . . فإنِ اختَلَفا في قدرِ القيمةِ، فالقولُ قولُ مُسلَمٍ إليه بيمينِه؛ لأنَّه غارمٌ. فإنْ تعذَّرَ قولُ مُسلَمٍ إليه، بأنْ قالَ: لا أعرفُ قيمةَ ما قبضتُه، فعليه قيمة مسلَمٍ فمِه مؤجَّلةً بأجلِ السَّلَمِ. ويُقبلُ قولُ مسلَمٍ إليه في قبضِ رأسِ مالِه. وإنْ قالَ أحدُهما: قبضَ قبلَ التفرُّقِ، والآخرُ: بعدَه. فقولُ مدعي الصحَّةِ، وتقدَّمُ بينتُه عند التعارضِ. وإنْ وجدَه مغصوبًا، أو معيبًا من غيرِ جنسِه، بطلَ (١) العقدُ إنْ عُيِّنَ، أو كانَ في الذِّمةِ وتفرَّقا قبلَ أخذِ بدلِه. وإنْ كانَ العيبُ من جنسِه، فله إمساكُه مع أرشِه، وردُّه، وطلبُ بدلِ ما في الذِّمةِ ما داما بالمجلسِ. (السابعُ) من شروطِ السَّلَمِ: (أن يقبضَه): رأسَ مالِ السَّلَمِ (قبلَ التفرُّقِ من مجلسِ العقدِ) تَفرُّقًا يُبطلُ خيارَ مجلسٍ؛ لئلا يصيرَ بيعَ دينٍ بدينٍ. وكقبضِ: ما بيدِه، أي: المسلَمِ إليه، أمانةٌ أو غصبٌ (٢)، فيصحُّ جعلُه رأسَ مالِ السَّلَمِ في ذمَّةِ مَنْ هو تحتَ يدِه. ولا يصحُّ جعل ما في ذمَّتِه رأسَ مالِ سلمٍ؛ لأنَّ المسلَمَ فيه دينٌ، فإذا كان رأسُ مالِه دينًا، كانَ بيعَ دينٍ بدينٍ، بخلافِ أمانةٍ وغصبٍ (ولا يُشترطُ) في السَّلَمِ (ذكرُ مكانِ الوفاءِ) لأنَّه لم يردْ في الحديثِ، وكباقي

стр. 839

لأنَّه يجِبُ مكانَ العَقدِ، ما لم يُعقَد ببريَّةٍ ونحوِها، فيُشتَرطُ. ولا يصِحُّ أخذُ رَهنٍ أو كَفيلٍ بمُسْلَمٍ فيه،. . . . البيوعِ (لأنَّه يجبُ) الوفاءُ (مكانَ العقدِ) أي: عقدِ السَّلَمِ إذا كان محلَّ إقامةٍ؛ لأنَّ مقتضى العقدِ التسليمُ في مكانِه (ما لم) يكنْ (يُعقَد (١) ببريَّةٍ ونحوِها) كسفينةٍ، أو دارِ حربٍ، أو جبلٍ غيرِ مسكونٍ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ التسليمُ في ذلك المكانِ، فيكونُ محلُّ التسليمِ مجهولًا، فاشتُرِطَ تعيينُه بالقولِ، كالزمانِ (فيُشترطُ) تعيينُ مكانِ الوفاءِ. فإنْ دفعَ السَّلَمَ في غير محلِّ ما وقعَ عليه العقدُ، من غيرِ أُجرةِ حملٍ، وتَراضيا جازَ، ومعَ الأجرَةِ لا يَصِحُّ، ولو تَراضَيا عليه؛ لأنَّه اعتياضٌ عن بعضِ السَّلَمِ (ولا يصحُّ أخذُ رهنٍ أو كفيلٍ بمسلَمٍ فيه) رُويتْ كراهتُه عن عليٍّ، وابنِ عباسٍ، وابن عمرَ (٢). ولأنَّ الرهنَ إنًّما يجوزُ بشيءٍ يمكنُ استيفاؤُه من ثمنِ الرهنِ، والضَّمانُ يقيمُ ما في ذِمَّةِ الضَّامنِ مقامَ ما في ذِمَّةِ المضمونِ عنه، فيكونُ في حكمِ العِوَضِ والبدلِ عنه، وكلاهما لا يجوزُ؛ للخبرِ. وردَّه الموفَّقُ (٣). "تتمَّةٌ": تصحُّ الإقالةُ في سلَمٍ، وفي بعضِه. ومن له سلَمٌ، وعليه سلَمٌ من جنسِه، فقال لغريمِه: اقبِضْهُ لكَ، لم يصحَّ؛ لأنَّه حوالةٌ به. ويصحُّ إنْ قال: اقبضْه لي، ثمَّ لكَ. وتصحُّ هبةُ كلِّ دَينٍ لمدينٍ فقط؛ لأنَّه إسقاطٌ، فهو يمتنعُ لغير مَنْ هو عليه.

стр. 840

وإنْ تعذَّرَ حصُولُه، خُيِّر ربُّ المُسلَمِ بينَ صَبرٍ، أو فَسخٍ، ويرجِعُ برأسِ مالِه، أو بدَلِه إن تعذَّرَ. ويصحُّ بيعُ دَينٍ مستقِرٍّ، من ثمنٍ وقرضٍ، وأجرةٍ استُوفيَ نفعُها، ونحوِها، لمدينٍ فقط، بشرطِ قبضِ عِوضِه قبلَ التفرُّقِ من المجلسِ. وعدمُ صحةِ بيعِ الدينِ لغيرِ مَنْ هو عليه؛ لعدمِ القدرة على تسليمِه، أشبَه الرقيقَ الآبقِ. ولا يصحُّ بيعُ غير مستقرٍّ، كدينِ كتابةٍ، وأجرةٍ قبلِ استيفاءِ نفعِها. ومن استحقَّ على غريمِه مثلَ ما لَهُ عليه قدرًا وصفةً، حالَّيْن، أو مؤجَّلَيْنِ أجلًا واحدًا، تساقطا؛ لاستوائِهما، أو أُسقطَ الأقلُّ من الأكثرِ إنْ تفاوتا. هذا إذا كان أحدُ الدَّينَينِ، أو هما غيرَ سلَمٍ، أو كانَ لمْ يتعلَّقْ به حقٌّ، كرهنٍ بيعَ لربِّ الدَّينِ ليُقضى به دينٌ آخر، فإنَّه لا يقاصَصُ بذلك؛ لتعلُّقِ حقِّ الغيرِ به. وكذا عينٌ لمفلسٍ، تعلَّقَ به غرماؤُه. ومَنْ دفعَ دَينًا نَوىَ به وفاءَ دَينِه، برِئَ، وإلا فمتبرِّعٌ؛ لعدمِ النيَّةِ. وما ذكروه في الأصولِ: أنَّ ردَّ الأمانةِ وقضاءَ الدَّينِ واجبٌ لا يحتاجُ إلى النيةِ، أي: نيةِ التقرُّبِ. وتكفي نيةُ حاكمٍ في وفائِه قهْرًا من مديونٍ؛ لامتناعِه، أو مع غيبتِه؛ لقيامِه مقامَه. ومَنْ عليه دَينٌ لا يعلمُ به ربُّه، وجَبَ عليه إعلامُه به (١). (وإنْ تعذَّرَ حصولُه) أي: حصول السَّلَمِ، أو تعذَّرَ بعضه؛ بأنْ لمْ يوجدْ (خُيِّرَ ربُّ المسلَم) (٢) فيه (بين) أنْ بـ (صبرَ) لحصولِه، (أو) بين أن بـ (فسخَ) العقدَ فيما تقدَّمَ حصوله (ويرجعَ بـ) ما دفعَه من (رأسِ مالِه، أو) أن يرجعَ بـ (بدلِه إنْ تعذَّرَ)

стр. 841

ومَنْ أرادَ قضَاءَ دينٍ عَنْ غَيرِهِ فأبَى ربُّه، لم يُلزَم بقبوُلِه. وجودُ رأسِ مالِه؛ لعدمِه. بمثلِ مثليٍّ وقيمةِ متقوَّمٍ (ومن أرادَ قضاءَ دينٍ عن غيرهِ، فأبىَ ربُّه) أي: ربُّ الدينِ قبولَه، أو بذلَ أجنبيٌّ نفقةَ زوجةِ آخرَ، أعسرَ الزوجُ بنفقةِ زوجتِه أو لمْ يعسرْ، فأبتِ الزوجةُ قبولَها (لم يُلزمْ) أي: لم يجبرْ ربُّ الدينِ (بقبولِه) أي: قبولِ دفعِ الدَّينِ. وكذا لم تُجبرِ الزوجة على قبولِ النفقةِ المبذولةِ، وملكتِ الزوجة الفسخَ؛ لإعسارِ الزوجِ. فإنْ كان الأجنبيُّ وكيلًا عنهما، أو ملَّكَة الأجنبيُّ للمدِينِ أو للزَّوجِ، وقضاه ودفَعَاه لهما، أُجبرا على قبولِه.

стр. 842

بابُ القَرْض يصِحُّ بكلِّ عينٍ يصِحُّ بيعُها، إلَّا بني آدَم. ويُشتَرطُ:. . . . . . . . . . . . . . (بابُ القَرْضِ) بفتحِ القافِ، وحُكيَ كسرُها، مصدرُ قَرَضَ الشيءَ يقرِضُه، بكسرِ الراءِ: إذا قطعَه. واسمُ مصدرٍ بمعنى الاقْتِراضِ. فهو في اللغةِ: القطعُ. ومنه سُمِّيَ المقِراضُ. وشرعًا: دفعُ مالٍ إرْفاقًا لمَنْ ينتفعُ به، ويَرُدُّ بدَلَهُ. وأجمعوا على جوازِه؛ لفعلِه ﵇ (١). وهو من المَرَافِقِ المندوبِ إليها -والمَرْفِقُ: ما ارتفقْتَ به وانتفعْتَ- لحديثِ ابنِ مسعو مرفوعًا: "ما من مسلمٍ يُقرِضُ مسلمً قَرْضًا مرتينِ، إلا كان كصدقةِ مرَّةٍ". رواه ابنُ ماجه (٢). ولأنَّ فيه تفريجًا وقضاءً لحاجةِ أخيه المسلمِ، أشبَهَ الصدقةَ عليه (يصحُّ) القرضُ (بكلِّ عينٍ يصحَّ بيعُها) من مكيلٍ، وموزونٍ، وجوهرٍ، وحيوانٍ، وغيرِه (إلا بني آدمَ) لأنَّه لم يُنقلْ قرضُهم، ولا هو من المرافقِ. ولا يصحُّ قرضُ المنفعةِ (ويُشترطُ) في القرضِ:

стр. 843

عِلمُ قَدرِهِ ووصفِهِ، وكونُ مُقرِضٍ يَصِحُّ تبرُّعُهُ. ويَتِمُّ العَقْدُ بالقَبُولِ ويُملَكُ، ويَلزَمُ بالقَبضِ، (عِلْمُ قدْرِه) أي: القرضِ، بمقدارٍ معروفٍ. فلا يصحُّ قرضُ دنانيرَ ونحوِها عددًا، إنْ لم يعرفْ وزنَها، إلا إنْ كانتْ يُتعاملُ بها عددًا، فيجوزُ، ويردُّ بدلَها عددًا (و) معرفةُ (وصفِه) ليتمكَّنَ من ردِّ بدلِه. (و) يُشترطُ (كونُ مقْرِضٍ يصحُّ تبرُّعُه) فلا يقرضُ نحوُ وليِّ يتيمٍ من مالِه، ولا مكاتَبٌ، ولا (١) ناظرُ وقفٍ من مالِ الوقفِ. ومِن شأنِه: أن يُصادِفَ ذمَّةً، لا على ما يحدثُ. ذكرَه في "الانتصار" (٢)؛ بأنْ يكونَ في ذمَّةٍ معينةٍ. فلا يصحّ قرضٌ لجهةٍ، كمسجدٍ، وقنطرةٍ، ونحوِ ذلك ممَّا لا ذمَّةَ له. قالَهُ ابنُ نصرِ اللهِ في "حواشي الفروع". لكنْ يأتي: أنَّه يصحُّ اقتراضُ ناظرِ الوقفِ عليه، والإمامِ على بيتِ المالِ (٣). قالَ في "الفروع": لا يلزمُ من الاقتراضِ على الوقفِ أنْ يكونَ في جهةِ الوقفِ، بل معناه: أنَّ الناظرَ يقترِضُ في ذمَّتِه للوقفِ؛ ليرجعَ به على جهتِه. وكذا بيتُ المالِ. انتهى. (ويتمُّ العقدُ) أي: عقدُ القرضِ (بالقبولِ) كبيعٍ (ويُملَكُ) ما اقتُرِضَ بقبضٍ (ويَلزمُ) العقدُ (بالقبضِ) لأنَّه عقلًت يقفُ التصرُّف فيه على القبضِ، فوقفَ المِلكُ

стр. 844

فلا يَملِكُ المُقرِضُ استرجاعَه، ويثبتُ له البَدَلُ حَالًّا. فإن كانَ مُتقَوَّمًا، فقِيمَتُه وقْتَ القَرضِ، وإنْ كانَ مِثلِيًّا، فمِثلُه، ما لَم يَكُنْ مَعِيبًا، أو فُلُوسًا - ونحوَها- فيُحرِّمُهَا السُّلطانُ، فلهُ القِيمَةُ. عليه (فلا يملكُ المُقرِضُ استرجَاعَهُ) أي: القرضِ من مقترضٍ، كالبيعِ؛ للزومِه من جهتِه، إلا إنْ حُجِرَ على مُقترِضٍ؛ لفلسٍ، فيملكُ مقرِضٌ الرجوعَ فيه إنْ وجدَه؛ لحديثِ: "من أدركَ متاعَه بعينِه" (١). وللمُقتَرضِ أن يَشتَريَ بالقرضِ من مُقرِضِه (ويثبتُ له) أي: للمُقرِضِ (البدلُ حالًّا) أي: في الحالِ (فإنْ كان) القرضُ (مُتقوَّمًا، فقيمتُه وقتَ القرضِ) أي: يومَ قبضِه (وإنْ كان) القرضُ (مِثليًّا) من مكيلٍ أو موزونٍ، لا صناعةَ فيه مباحةٌ، يصحُّ السَّلَمُ فيه؛ لأنَّه يُضمنُ في الغصْبِ والإتلافَ بمثلِه، (فـ) كذا هنا (مِثلُه) وإنْ شرطَ مقرِضٌ الردَّ بعينِه، لم يصحَّ. ويجبُ على مقرِضٍ قبولُ قرضٍ مِثلي رُدَّ بعينِه (ما لمْ يكنِ) المردودُ بعينِه (معيبًا) تعيَّبَ عندَ المقترِضِ، كحنطةٍ ابتلَّتْ، فلا يلزمُه قبولُه؛ لما فيه من الضررِ؛ لأنَّه دونَ حقِّه. بخلافِ متقوَّمٍ رُدَّ بعينِه، فلا يلزمُه قبولُه؛ لأنَّ الواجبَ له قيمتُه (٢) (و) ما لم يكنِ المردودُ بعينِه (فُلُوسًا، ونحوَها) كدراهمَ مكسَّرةٍ، (فيحرِّمُها) أي: يمنعُ الناسَ من المعاملةِ بها (السلطانُ، فله) أي: المقرِضِ (القيمةُ) عن الفُلُوسِ والدراهمِ المكسَّرةِ وقتَ القرضِ، سواءٌ نقصتْ قيمتُها قليلًا أو كثيرًا؛ لأنَّه

стр. 845

ويَجُوزُ شَرطُ رَهنٍ وضَمِينٍ فيه. ويَجوزُ قَرضُ المَاءِ كَيلًا، كالعيبِ، فلا يلزمُه قبولُها. وسواءٌ كانتْ باقيةً أو استهلكَها، وتكونُ القيمةُ من غيرِ جنسِ الدراهمِ. وكذا المغشوشةُ إذا حرَّمَها السلطانُ. ويجبُ على مقترضٍ ردُّ مثلِ فلوسٍ اقترضَها، غلتْ أو رخُصتْ أو كَسدتْ؛ لأنَّها مثليَّةٌ. ويجبُ ردُّ مثل (١) مكيلٍ وموزونٍ، فإن أعوزَ المثليُّ -أي: عزَّ المثلُ- فلم يوجدْ، فعليه قيمتُه يومَ إعوازِه؛ لأنَّه يومُ ثبوتِها في الذمَّةِ. ويجبُ ردُّ قيمةِ غيرِ مكيلٍ وموزونٍ؛ لأنَّه لا مثلَ له، فضُمِنَ بقيمتِه. فجوهرٌ (٢) ونحوُه يومَ قبضٍ؛ لاختلافِ قيمتِه في الزمنِ اليسير، لكثرةِ الراغبِ وقلَّتِه. وغيرُ الجواهرِ، كمعدودٍ ومذروعٍ، يومَ قرضٍ. (ويجوزُ شرطُ رهنٍ وضمينٍ فيه) أي: القرضِ؛ لأنَّه ﵇ استقرضَ من يهوديِّ شعيرًا، ورهنَه دِزعَه. متفقٌ عليه (٣). وما جازَ فعلُه، جازَ شرطُه. ولأنَّه يُرادُ للتوثُّقِ بالحقِّ، وليس ذلك بزيادةٍ. والضمينُ كالرهنِ، فلو عيَّنَهما وجاءَ بغيرهما، لم يلزمْ المقرضَ قبولُه، وإنْ كانَ ما أتى به خيرًا من المشروطِ، وحينئذٍ يُخيَّرُ بين فسخِ العقدِ وبين إمضائِه بلا رهنٍ ولا كفيلٍ (٤). (ويجوزُ قرضُ الماءِ كَيلًا) كسائرِ المائعاتِ. ويجوزُ قرضُه لسقي أرضٍ إذا قُدِّرَ
следующие страницы →