ومَنْ أرادَ قضَاءَ دينٍ عَنْ غَيرِهِ فأبَى ربُّه، لم يُلزَم بقبوُلِه.
وجودُ رأسِ مالِه؛ لعدمِه. بمثلِ مثليٍّ وقيمةِ متقوَّمٍ
(ومن أرادَ قضاءَ دينٍ عن غيرهِ، فأبىَ ربُّه) أي: ربُّ الدينِ قبولَه، أو بذلَ أجنبيٌّ نفقةَ زوجةِ آخرَ، أعسرَ الزوجُ بنفقةِ زوجتِه أو لمْ يعسرْ، فأبتِ الزوجةُ قبولَها (لم يُلزمْ) أي: لم يجبرْ ربُّ الدينِ (بقبولِه) أي: قبولِ دفعِ الدَّينِ. وكذا لم تُجبرِ الزوجة على قبولِ النفقةِ المبذولةِ، وملكتِ الزوجة الفسخَ؛ لإعسارِ الزوجِ. فإنْ كان الأجنبيُّ وكيلًا عنهما، أو ملَّكَة الأجنبيُّ للمدِينِ أو للزَّوجِ، وقضاه ودفَعَاه لهما، أُجبرا على قبولِه.
стр. 842
بابُ القَرْض
يصِحُّ بكلِّ عينٍ يصِحُّ بيعُها، إلَّا بني آدَم.
ويُشتَرطُ:. . . . . . . . . . . . . .
(بابُ القَرْضِ)
بفتحِ القافِ، وحُكيَ كسرُها، مصدرُ قَرَضَ الشيءَ يقرِضُه، بكسرِ الراءِ: إذا قطعَه. واسمُ مصدرٍ بمعنى الاقْتِراضِ.
فهو في اللغةِ: القطعُ. ومنه سُمِّيَ المقِراضُ.
وشرعًا: دفعُ مالٍ إرْفاقًا لمَنْ ينتفعُ به، ويَرُدُّ بدَلَهُ.
وأجمعوا على جوازِه؛ لفعلِه ﵇ (١). وهو من المَرَافِقِ المندوبِ إليها -والمَرْفِقُ: ما ارتفقْتَ به وانتفعْتَ- لحديثِ ابنِ مسعو مرفوعًا: "ما من مسلمٍ يُقرِضُ مسلمً قَرْضًا مرتينِ، إلا كان كصدقةِ مرَّةٍ". رواه ابنُ ماجه (٢). ولأنَّ فيه تفريجًا وقضاءً لحاجةِ أخيه المسلمِ، أشبَهَ الصدقةَ عليه
(يصحُّ) القرضُ (بكلِّ عينٍ يصحَّ بيعُها) من مكيلٍ، وموزونٍ، وجوهرٍ، وحيوانٍ، وغيرِه (إلا بني آدمَ) لأنَّه لم يُنقلْ قرضُهم، ولا هو من المرافقِ. ولا يصحُّ قرضُ المنفعةِ
(ويُشترطُ) في القرضِ:
стр. 843
عِلمُ قَدرِهِ ووصفِهِ، وكونُ مُقرِضٍ يَصِحُّ تبرُّعُهُ.
ويَتِمُّ العَقْدُ بالقَبُولِ ويُملَكُ، ويَلزَمُ بالقَبضِ،
(عِلْمُ قدْرِه) أي: القرضِ، بمقدارٍ معروفٍ. فلا يصحُّ قرضُ دنانيرَ ونحوِها عددًا، إنْ لم يعرفْ وزنَها، إلا إنْ كانتْ يُتعاملُ بها عددًا، فيجوزُ، ويردُّ بدلَها عددًا
(و) معرفةُ (وصفِه) ليتمكَّنَ من ردِّ بدلِه.
(و) يُشترطُ (كونُ مقْرِضٍ يصحُّ تبرُّعُه) فلا يقرضُ نحوُ وليِّ يتيمٍ من مالِه، ولا مكاتَبٌ، ولا (١) ناظرُ وقفٍ من مالِ الوقفِ.
ومِن شأنِه: أن يُصادِفَ ذمَّةً، لا على ما يحدثُ. ذكرَه في "الانتصار" (٢)؛ بأنْ يكونَ في ذمَّةٍ معينةٍ.
فلا يصحّ قرضٌ لجهةٍ، كمسجدٍ، وقنطرةٍ، ونحوِ ذلك ممَّا لا ذمَّةَ له. قالَهُ ابنُ نصرِ اللهِ في "حواشي الفروع". لكنْ يأتي: أنَّه يصحُّ اقتراضُ ناظرِ الوقفِ عليه، والإمامِ على بيتِ المالِ (٣).
قالَ في "الفروع": لا يلزمُ من الاقتراضِ على الوقفِ أنْ يكونَ في جهةِ الوقفِ، بل معناه: أنَّ الناظرَ يقترِضُ في ذمَّتِه للوقفِ؛ ليرجعَ به على جهتِه. وكذا بيتُ المالِ. انتهى.
(ويتمُّ العقدُ) أي: عقدُ القرضِ (بالقبولِ) كبيعٍ (ويُملَكُ) ما اقتُرِضَ بقبضٍ (ويَلزمُ) العقدُ (بالقبضِ) لأنَّه عقلًت يقفُ التصرُّف فيه على القبضِ، فوقفَ المِلكُ
стр. 844
فلا يَملِكُ المُقرِضُ استرجاعَه، ويثبتُ له البَدَلُ حَالًّا. فإن كانَ مُتقَوَّمًا، فقِيمَتُه وقْتَ القَرضِ، وإنْ كانَ مِثلِيًّا، فمِثلُه، ما لَم يَكُنْ مَعِيبًا، أو فُلُوسًا - ونحوَها- فيُحرِّمُهَا السُّلطانُ، فلهُ القِيمَةُ.
عليه (فلا يملكُ المُقرِضُ استرجَاعَهُ) أي: القرضِ من مقترضٍ، كالبيعِ؛ للزومِه من جهتِه، إلا إنْ حُجِرَ على مُقترِضٍ؛ لفلسٍ، فيملكُ مقرِضٌ الرجوعَ فيه إنْ وجدَه؛ لحديثِ: "من أدركَ متاعَه بعينِه" (١).
وللمُقتَرضِ أن يَشتَريَ بالقرضِ من مُقرِضِه
(ويثبتُ له) أي: للمُقرِضِ (البدلُ حالًّا) أي: في الحالِ (فإنْ كان) القرضُ (مُتقوَّمًا، فقيمتُه وقتَ القرضِ) أي: يومَ قبضِه (وإنْ كان) القرضُ (مِثليًّا) من مكيلٍ أو موزونٍ، لا صناعةَ فيه مباحةٌ، يصحُّ السَّلَمُ فيه؛ لأنَّه يُضمنُ في الغصْبِ والإتلافَ بمثلِه، (فـ) كذا هنا (مِثلُه)
وإنْ شرطَ مقرِضٌ الردَّ بعينِه، لم يصحَّ. ويجبُ على مقرِضٍ قبولُ قرضٍ مِثلي رُدَّ بعينِه (ما لمْ يكنِ) المردودُ بعينِه (معيبًا) تعيَّبَ عندَ المقترِضِ، كحنطةٍ ابتلَّتْ، فلا يلزمُه قبولُه؛ لما فيه من الضررِ؛ لأنَّه دونَ حقِّه. بخلافِ متقوَّمٍ رُدَّ بعينِه، فلا يلزمُه قبولُه؛ لأنَّ الواجبَ له قيمتُه (٢)
(و) ما لم يكنِ المردودُ بعينِه (فُلُوسًا، ونحوَها) كدراهمَ مكسَّرةٍ، (فيحرِّمُها) أي: يمنعُ الناسَ من المعاملةِ بها (السلطانُ، فله) أي: المقرِضِ (القيمةُ) عن الفُلُوسِ والدراهمِ المكسَّرةِ وقتَ القرضِ، سواءٌ نقصتْ قيمتُها قليلًا أو كثيرًا؛ لأنَّه
стр. 845
ويَجُوزُ شَرطُ رَهنٍ وضَمِينٍ فيه.
ويَجوزُ قَرضُ المَاءِ كَيلًا،
كالعيبِ، فلا يلزمُه قبولُها. وسواءٌ كانتْ باقيةً أو استهلكَها، وتكونُ القيمةُ من غيرِ جنسِ الدراهمِ. وكذا المغشوشةُ إذا حرَّمَها السلطانُ.
ويجبُ على مقترضٍ ردُّ مثلِ فلوسٍ اقترضَها، غلتْ أو رخُصتْ أو كَسدتْ؛ لأنَّها مثليَّةٌ.
ويجبُ ردُّ مثل (١) مكيلٍ وموزونٍ، فإن أعوزَ المثليُّ -أي: عزَّ المثلُ- فلم يوجدْ، فعليه قيمتُه يومَ إعوازِه؛ لأنَّه يومُ ثبوتِها في الذمَّةِ.
ويجبُ ردُّ قيمةِ غيرِ مكيلٍ وموزونٍ؛ لأنَّه لا مثلَ له، فضُمِنَ بقيمتِه. فجوهرٌ (٢) ونحوُه يومَ قبضٍ؛ لاختلافِ قيمتِه في الزمنِ اليسير، لكثرةِ الراغبِ وقلَّتِه. وغيرُ الجواهرِ، كمعدودٍ ومذروعٍ، يومَ قرضٍ.
(ويجوزُ شرطُ رهنٍ وضمينٍ فيه) أي: القرضِ؛ لأنَّه ﵇ استقرضَ من يهوديِّ شعيرًا، ورهنَه دِزعَه. متفقٌ عليه (٣). وما جازَ فعلُه، جازَ شرطُه. ولأنَّه يُرادُ للتوثُّقِ بالحقِّ، وليس ذلك بزيادةٍ. والضمينُ كالرهنِ، فلو عيَّنَهما وجاءَ بغيرهما، لم يلزمْ المقرضَ قبولُه، وإنْ كانَ ما أتى به خيرًا من المشروطِ، وحينئذٍ يُخيَّرُ بين فسخِ العقدِ وبين إمضائِه بلا رهنٍ ولا كفيلٍ (٤).
(ويجوزُ قرضُ الماءِ كَيلًا) كسائرِ المائعاتِ. ويجوزُ قرضُه لسقي أرضٍ إذا قُدِّرَ
стр. 846
والخُبزِ والخَمِيرِ عَددًا، وردُّه عدَدًا، بلا قَصدِ زِيادَةٍ.
وكلُّ قَرضٍ جَرَّ نفعًا فحرامٌ، كأنْ يُسكِنَه دارَه، أو يُعيرَه دابَّته، أو يَقضِيَه خَيرًا منه.
الماغ بأُنبُوبَةٍ (١) أو نحوِها ممَّا ئتَّخذُ من فَخَّارٍ ورَصاصٍ ونحوِه على هيئتِها.
وسُئِلَ الإمامُ أحمدُ عن عينِ ماءٍ بين قومٍ لهم نَوباتٌ في أيَّامٍ، يَقتَرضُ أحدُهم الماءَ من نوبةِ صاحبِ يومِ الخميسِ؛ ليَسقيَ به، ويَردَّ عليه نوبتَهُ يومَ السبتِ؟ فقال الإمامُ: إذا كان الماءُ محدودًا يُعرفُ كم يخرجُ منه، فلا بأسَ؛ لتمكُّنِه من ردِّ المثلِ، وإلا يكنْ محدودًا لا يُعرفُ كم يخرجْ منه، أَكْرَهُهُ؛ لأنَّه لا يمكِنه ردُّ مثلِه.
قال العلَّامةُ الشيخُ منصورٌ في "شرحه" على "الإقناع" (٢): ولعلَّه لا يحرُمُ؛ لأنَّ الماءَ العِدَّ لا يُملَكُ بملكِ الأرضِ، بل ربُّها أحقُّ به.
(و) يجوزُ قرضُ (الخُبْزِ والخميرِ عددًا، وردُّه عددًا، بلا قصدِ زيادةٍ) ولا قصدِ جَودَةٍ، ولا شَرطِهما، جازَ ذلك؛ لحديثِ عائشةَ قالتْ: قلت: يا رسولَ اللهِ، الجيرانُ يَستقرِضونَ الخبزَ والخَمِيرَ، ويردُّونَ زيادةً ونُقصانًا؟ فقال: "لا بأسَ، إنمَّا ذلك من مَرافقِ الناسِ، لا يُرادُ به الفضلُ" (٣). رواه أبو بكرٍ في "الشافي".
ويثبتُ البدلُ في ذمَّةِ المقترِضِ حالًّا، ولو مع تأجيلِه؛ لأنَّه وعدٌ لا يلزمُ الوفاءُ به. وكذا كلُّ دَينٍ حالٍّ، أو مؤجَّلٍ حلَّ، فلا يصحُّ تأجيلُه
(وكلُّ قرضٍ جرَّ نفعًا فحرامٌ، كـ) شرطِه، أي: المقرِضِ (أن يُسكِنَه) المقترضُ (دارَه، أو يُعيرَهُ دابَّتَه، أو يَقضِيَه خيرًا منه) أي: ممَّا أقرضَه؛ لأنَّ القرضَ عقدُ إرفاقٍ
стр. 847
وإن فَعلَ ذلِكَ بلا شَرطٍ، أو قَضَى خَيرًا منه بلا مُواطأةٍ، جَازَ.
وقُربةٍ، فشرطُ النفعِ فيه يُخرجُه عن موضوعِه.
وكذا إنْ شرطَ أن يقضيَه ببلَدٍ آخرَ، ولحملِه مؤنةٌ، فإنْ لمْ يكنْ لحملِه مؤنةٌ، فقال في "المغني": الصحيحُ: جوازُه؛ لأنَّه مصلحةٌ لهما من غيرِ ضررٍ. وكذا لو أرادَ إرسالَ نفقةٍ إلى أهلِه، فأقرضَها ليُوفِّيَها المقترِضُ لهم، جازَ (١).
(وإنْ فعلَ ذلك) كلَّه (بلا شرطِ) جازَ (أو قضىَ) مقترضٌ (خيرًا منه) أي: ممَّا أخذَه، جازَ، كصحاحٍ عن مكسَّرةٍ، أو أجودَ نقدًا أو سكَّةً ممَّا اقترضَ. وكذا ردُّ نوعٍ خيرًا مما أخذَه، أو أرجحَ يسيرًا في قضاءِ ذهبٍ أو فِضَّةٍ. وفي "المغنى" و"الكافي": تجوزُ الزيادةُ في القدرِ والصفةِ؛ للخبر (٢)
(بلا مُواطأةٍ، جازَ) في الجميعِ، نصًّا. أو عُلِمَتْ زيادتُه؛ لشهرةِ سخائِه وكرمِه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ استسلفَ (٣) بَكْرًا، فجاءتْه إبلُ الصدقةِ. قال أبو رافع (٤): فأمرني أن أقضيَ الرَّجلَ بَكْرةً، فقلتُ: إنِّي لم أجدْ في الإبلِ إلا جملًا رَباعيًّا. فقال: "أعطِه إيَّاه، فإنَّ من يخرِ الناسِ أحسنَهم قضاءً". رواه الجماعةُ إلا (٥) البخاريَّ عن أبي رافعٍ.
стр. 848
ومتَى بذلَ المُقتَرِضُ ما عليهِ بغيرِ بَلَدِ القَرضِ، ولا مَؤنَةَ لحَمْلِه، لَزِمَ ربَّه قبولُه، مَعَ أَمنِ البَلَدِ والطَّريق.
وإنْ فعلَ مقترِضٌ ذلك قبلَ الوفاءِ، ولم ينوِ مقترضٌ احتسابَه من دَينِه، أو لم ينوِ مكافأتَهُ، لم يجزْ، إلا إنْ جرتْ عادةٌ بينهما بذلك الفعلِ قبلَ قرضٍ؛ لحديثِ أنسٍ مرفوعًا: "إذا أقرضَ أحدُكم، فأَهدَى إليه، أو حملَه على الدابَّةِ، فلا يركَبْها ولا يقبَلْه، إلا أن يكونَ جرى بينَه وبينَه قبلَ ذلك". رواه ابنُ ماجه (١).
وكذا كلُّ غريمٍ حكمُهُ حكمُ المقترِضِ فيما تقدَّمَ.
فإن استضافَهُ مقترِضٌ، حسَبَ له مُقرِضٌ ما أكل. وهو في الدَّعَوَاتِ كغيرِه
(ومتى بذلَ المقترِضُ) أو الغاصبُ (ما عليه بغيرِ بلدِ القرضِ) أو الغصبِ (ولا مَؤُنَةَ لحملِه) إليه، كأثمانٍ (لزمَ ربَّه) أي: ربَّ القرضِ (قبولُ) أخذِ (هـ) إذا كان ذلك (مع أمنِ البلد والطريقِ) لعدمِ الضررِ عليه إذنْ.
قال العلَّامةُ الشيخُ منصورٌ في "شرحه" (٢): قلتُ: وكذا ثمنٌ، وأجرةٌ، ونحوُهما.
قال في "الإنصاف" (٣) قلتُ: لو قيلَ: بعدمِ اللزومِ، لم يكنْ بعيدًا؛ لأنَّه قدْ يتجدَّدُ عدمُ الأمنِ، وإن كانا غيرَ آمنينِ، لم يلزمْه أخذُه.
فإنْ كانَ لحملِه مَؤُنةٌ، كحديدٍ وقطنٍ وبرٍّ، وقيمتُه ببلدِ القرضِ أو الغصبِ أنقصُ من قيمتِه ببلدِ الطلبِ، [فلا يَلزَمُه إلَّا قِيمَتُه بها، أي: ببَلَدِ القَرض أو الغصب؛
стр. 849
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّه لا يَلزَمُه حملُهُ إلى بَلَدِ الطَّلَبِ] (١)، فيصيرُ كالمتعذِّرِ، وإذا تعذَّرَ المِثلُ، تعيَّنتِ القيمةُ. واعتبرتْ ببلدِ قرضٍ أو غصبٍ؛ لأنَّه الذي يجبُ فيه التسليمُ. فإن كانتْ قيمتُه ببلدِ القرضِ أو الغصبِ مساويةً لبلدِ الطلبِ أو أكثرَ، لزِمَهُ دفعُ المثلِ ببلدِ الطلبِ؛ لما سبقَ.
وعُلِمَ منه: أنَّه إنْ طُولِبَ بعينِ الغصبِ بغيرِ بلدِه (٢)، لم يلزمْهُ. وكذَا لو طُولِبَ بأمَانَةٍ، أو عاريَّةٍ، ونحوِها، بغَيرِ بَلَدِها؛ لأنَّه لا يلزمُه حملُها إليه.
"فائدة": لو أقرضَ ذميٌّ ذميًّا خمرًا، ثمَّ أسلَما، أو أحدُهما، بطلَ القرضُ، ولم يجبْ على المقترِضِ شيءٌ.
стр. 850
بابُ الرَّهنِ
يَصِحُّ بشرُوطٍ خَمسَةٍ:
كونُه مُنَجَّزًا، وكوُنه معَ الحَقِّ، أو بَعدَهُ،
(بابُ الرَّهنِ)
هو لغةً: الثبوتُ والدوامُ، يقالُ: ماءٌ راهنٌ، أي: راكدٌ. ونعمةٌ راهنةٌ، أي: دائمةٌ. وقيل: هو من الحبسِ، قال اللهُ تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطُّور: ٢١]، وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدَّثر: ٣٨]. أي: محبوسةٌ.
وشرعًا: توثقةُ دَيْنٍ بعينٍ يمكنُ استيفاؤُه منها، أو من ثمنِها.
وهو جائزٌ بالإجماعِ. ولا يصحُّ بدونِ إيجابٍ وقبولٍ، أو ما يدلُّ عليهما. قال في "الرعاية": وتصحُّ المعاطاةُ (١).
ويُعتبرُ معرفةُ قدرِه، وصفتِه، وصفتِه، وكونُ راهنٍ جائزَ التصرُّفِ، مالكًا للمرهونِ، أو مأذونًا له فيه (٢)
(يصحُّ) الرهنُ (بشروطٍ خمسةٍ):
أحدُها: (كونُه) أي: الرهنِ (مُنجَّزًا) فلا يصحُّ معلَّقًا
(و) الثاني: (كونُه) أي: الرهنِ (مع الحقِّ) أي: مع الدَّينِ، لا قبلَه؛ لأنَّ الرَّهنَ تابعٌ له، فلا يتقدَّمُه (أو بعدَه) أي: الحقِّ، لقولِه تعالى: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٣] فجعلَه بدلًا عن الكتابةِ، فيكونُ في محلِّها، وهو بعدَ
стр. 851
وكُونُه مِمَّن يَصِحُّ بيعُه، وكونُه مِلكَهُ، أو مأذُونًا له في رَهنِه، وكونُه معلُوما جِنسُه، وقدرُهُ، وصِفَتُه.
وجوبِ الحقِّ.
وعُلِمَ منه: أنَّه لا يصحُّ قبلَ الدَّينِ؛ لأنَّ الرَّهنَ تابعٌ له، كالشهادةِ، فلا يتقدَّمُه
(و) الثالثُ: (كونُه ممَّنْ يصحُّ بيعُه) وتبُّرعُه؛ لأنَّه نوعُ تصُّرفٍ في المالِ، فلم يصحَّ إلا من جائزِ التصرُّفِ، كالبيعِ
(و) الرابعُ: (كونُه مِلكَهُ) أي: لراهنِه، أو مالكًا لمنافعِه بإجارةٍ، أو للانتفاعِ به بعاريةٍ بإذنِ ربِّهما. لكن ينبغي أنْ يذكرَ لهما القدرَ الذي يُرهنُ عليه، وصفتَه، ومدَّتَه؛ دفعًا لتغريرِهما. فمتى أعلمَ ربَّهما بشيءٍ من ذلك، ثمَّ خالفَه ورهنَه بغيرِه، لم يصحَّ الرهنُ. فإنْ أذِنَ المؤجرُ أو المعيرُ أنْ يرهنَ العينَ على قدرٍ معينٍ، فرهنَه على أكثرَ، صحَّ أَذِنَ له، وبطلَ في الزائدِ. فإنْ رهنَه على دونِ ذلك، صحَّ. ويَملِكَانِ -ربُّهما- الرجوعَ فيهِمَا (١) قبلَ إقباضِه، لكن لا يملكُ المؤجرُ الرجوعَ في الإجارةِ إلا بعدَ انقضاءِ مدَّةِ التواجرِ. فإنْ بيعَ رهنٌ مُؤجرٌ أو مُعارٌ في وفاءِ دَينٍ، رجعَ مُؤجرٌ أو مُعيرٌ على راهنٍ بمثلِ مثلي، وبالأكثرِ من قيمةِ متقوَّمٍ؛ لأنَّه إنْ بيعَ بأقلَّ من قيمتِه، ضمِنَ راهنٌ نقصَه، وبأكثرَ، فثمنُه كلُّه لمالِكه (٢).
وإنْ تلِفَ رهنٌ معارٌ أو مُؤجَرٌ بتفريطٍ، ضمِنَه راهن ببدلِه، وبلا تفريطٍ، ضمِنَ الراهنُ المُعارَ، لا المُرجَرَ؛ لأنَّ العاريةَ مضمونةٌ، والمُؤْجَرَةُ أمانةٌ إنْ لمْ يتعدَّ أو يفرِّطْ
(أو مأذونًا له) من مالِكه (في رهنِه) فلا يصحُّ رهنُ مالِ غيرِه بغيرِ إذنِه
(و) الخامسُ: (كونُه) أي: الرَّهنِ (معلومًا جنسُه، وقدرُه، وصفتُه) لأنَّه عقدٌ
стр. 852
وكُلُّ ما صَحَّ بيعُه صَحَّ رهنُه، إلَّا المُصحَفَ.
وما لا يَصِحُّ بيعُه، لا يَصِحُّ رهنُه، إلَّا الثَّمرَةَ قَبلَ بدُوِّ صَلاحِها، والزَّرعَ قبلَ اشتِدَادِ حَبِّه، والقِنَّ دونَ رَحِمِهِ المَحْرَم.
على مالٍ، فاشتُرِطَ العلمُ به. فلو قالَ: رهنتُكَ ما في هذا الكيسِ. ولم يعلمْ، لم يصحَّ.
(وكلُّ ما صحَّ بيعُه) من الأعيانِ، ولو كان نقدًا، أو مُؤْجَرًا، أو ضعارًا، أو شركةً مُشاعًا (صحَّ رهنُه) ولو على ثمنِه (إلا المصحفَ) فلا يصحُّ رهنُه، ولو لمسلمٍ؛ لأنَّه وسيلةٌ إلى بيعِه المحرَّمِ
(وما لا يصحُّ بيعُه) كحرٍّ، وأمِّ ولدٍ، ووقفٍ، وآبقٍ، ومجهولٍ، وكلبٍ، وخنزيرٍ (لا يصحُّ رهنُه) لأنَّ القصدَ منه استيفاءُ الدَّيْنِ من ثمنِه عند التعذُّرِ، وما لا يصحُّ بيعُه لا يمكنُ فيه ذلك.
ويصحُّ رهنُ المساكنِ من أرضِ مصرَ والشامِ والعراقِ، ولو كانتْ آلتُها منه؛ لأنَّه يصحُّ بيعُها، بخلافِ أرضِها فلا يصحُّ
(إلا) رهنَ (الثمرةِ قبلَ بُدُوِّ صلاحِها) بلا شرطِ قطعٍ، فيصحُّ
(و) إلا رهنَ (الزرعِ قبلَ اشتدادِ حبِّه) بلا شرطِ قطعٍ، فيصحُّ؛ لأنَّ النهيَ عن بيعِهما لعدمِ أمنِ العاهةِ، وبتقديرِ تلفِها لا يفوتُ حقُّ المُرْتهِنُ من الدَّينِ؛ لتعلُّقِه بذمَّةِ الرَّاهنِ
(و) إلا رهنَ (القنِّ) ذكرٍ أو أنثى، فيصحُّ رهنُه (دونَ رَحِمِه المحرَّمِ) وهو مفقودٌ هنا؛ لأنَّه إذا استحقَّ بيعَ الرَّهنِ، يباعُ هو ورَحِمُهُ المحرَّمُ، ويستوفي ربُّ الدَّيْنِ عن ثمنِ الرَّهنِ بما خصَّه؛ كأنْ كانتْ قيمةُ أمِّ الولدِ المرهونةِ إذا بِيعتْ مع ولدِها مائةً،
стр. 853
ولا يَصِحُّ رهنُ مالِ اليتيمِ للفَاسِقِ.
وقيمةُ ولدِها خمسونَ؛ الجملةُ: مائةٌ وخمسونَ، فيستوفي المائةَ من ثمنِ الرَّهنِ في مقابلةِ دَيْنِه، إن كانَ دَينُه مائةً، والخمسونَ لصاحبِ الرهنِ. وإن نقصَ فباقيه بذمَّةِ الرَّاهنِ يطلبُ منه.
"فائدةٌ": يصحُّ الرَّهنُ بكلِّ دَيْنٍ واجبٍ، كقرضٍ، وقيمةِ مُتلَفٍ، أو دَيْنٍ ماَلُه إلى الوجوبِ، كثمنٍ مدَّةَ خيارٍ. ويصحُّ أخذُ الرَّهنِ على عينٍ مضمونةٍ، كالغُصوبِ، والعواري، والمقبوضِ بعقدٍ فاسدٍ.
قال في "الفائق": قلتُ: وعليه: يُخرَّجُ الرَّهنُ على عواري الكتب الموقوفةِ، والأسلحةِ والدروعِ الموقوفةِ على الغزاةِ.
قال العلَّامةُ الشيخُ منصورٌ في "شرحه" على "الإقناع": إنْ قلنا: هي مضمونةٌ، صحَّ أخذُ الرَّهنِ بها، وإلا فلا. ويأتي في العاريةِ: أنَّها غيرُ مضمونةٍ، فلا يصحُّ أخذُ الرَّهنِ.
وعُلِمَ من ذلك: أنَّه يصحُّ أخذُ الرَّهنِ للوقفِ، فيصحُّ الضمانُ أيضًا لجهةِ الوقفِ؛ لأنَّ ما صحَّ رهنُه، صحَّ ضمانُه (١).
(ولا يصحُّ رهنُ مالِ اليتيمِ للفاسقِ) لأنَّه تعريضٌ به للهلاكِ؛ لأنَّه قدْ يجحدُ الفاسقُ، أو يفرِّطُ، فيضيعُ.
ومثلُه: مكاتَبٌ، وسفيهٌ، وصغيرٌ، ومجنونٌ، وقنٌّ مأذونٌ له في تجارةٍ.
стр. 854
فَصْلٌ
وللرَّاهِنِ الرُّجوعُ في الرَّهنِ ما لَم يقبِضْة المرتَهِن، فإن قَبَضَه، لَزِمَ. ولم يصِحَّ تصرُّفُهُ
(فصلٌ)
(وللراهنِ الرجوعُ في الرهنِ) أي: له فسخُ الرَّهنِ؛ لعدمِ لزومِه بدونِ القبضِ. فإنْ تصرَّفَ الرَّاهنُ فيه بنحوِ بيعٍ أو عتقٍ، بطلَ.
ولا يُجبرُ الرَّاهنُ على إقباضِه إن امتنعَ؛ لعدمِ لزومِه، ويبقى الدَّينُ بغيرِ رهنٍ.
لكن إنْ شرطَ البائع (١) الزَهنَ في عقدِ بيعِ، وامتنعَ المشتري من إقباضِه، فللبائعِ الفسخُ. ولا يبطلُ بنحوِ إجارةٍ أو تدبيرٍ؛ لأنَّه لا يمنعُ البيعَ.
هذا (ما لم يقبضْه المرتَهِنُ) لقولِه تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٣]. (فإنْ قبضَه) المرتهِنُ (لزمَ) الرَّهنُ في حقِّ الرَّاهنِ فقط؛ لأنَّ الحظَّ فيه لغيرِه، فلزِمَ من جهتِه، فلا رجوعَ للرَّاهنِ فيه. فإنْ جُنَّ راهنٌ قبلَ إقباضِه، اعتُبرَ فيه إذنُ حاكمٍ (٢).
وإنْ ماتَ راهنٌ قبلَ إقباضِه، قامَ وارثُه مقامَه، فإنْ أبَى، لم يُجبَرْ، كالميِّتِ. وإنْ أحبَّ إقباضَه، وليس على الميِّتِ سوى هذا الدَّينِ، فله ذلك.
وليس لورثةِ راهنٍ إقباضُه، وثمَّ غريمٌ للميِّتِ لم يأذنْ فيه.
(ولم (٣) يصحَّ تصرُّفُه) أي: تصرُّفُ الرَّاهنِ (فيه) أي: في الرَّهنِ المقبوضِ (بلا
стр. 855
فيه بلا إذنِ المُرتَهِن، إلَّا بالعِتقِ، وعَلَيه قِيمَتُه مكانَه، تكونُ رَهنًا.
وكَحسْبُ الرَّهنِ ونماؤُه رَهنٌ، وهو أَمانَةٌ بيدِ المُرتَهِنِ، لا يَضمَنُهُ، إلَّا بالتَّفرِيطِ،
إذنِ المرتهِنِ، إلا) إذا تصَّرفَ فيه (بالعتقِ) فيصحُّ العتقُ، سواءٌ كان الرَّاهنُ موسرًا أو مُعْسرًا. نصًّا؛ لأنَّه مبني على السِّرايةِ والتغليبِ. لكنْ يحرُمُ العتقُ بلا إذنِ المرتهِنِ؛ لإبطالِه حقَّه من عينِ الرَّهنِ (وعليه) أي: على الرَّاهنِ الموسرِ، أو معسرٍ أيسرَ (قيمةُ) الرَّ (هـ) ـنِ (مكانَه، تكونُ رَهْنًا) كبدلِ أضحيةٍ ونحوِها؛ لإبطالِه حقَّ مرتهنٍ من الوثيقةِ بغيرِ إذنِه، فلزمتْهُ قيمتُه. وتعتبرُ قيمتُه حالَ إعتاقٍ
(وكسْبُ الرَّهنِ، ونماؤُه) أي: الرَّهنِ المتصلِ، كصِمَنٍ وتعلُّمِ صَنعَةٍ، والمنفَصلِ، كولدٍ، وصوف، ولبن، وورق شجر مقصود (رَهن) أي: يكونُ رهنًا معه، ويباعُ معه لوفاءِ الدَّيْنِ إذا بِيعَ
(وهو) أي: الرَّهنُ (أمانةٌ بيدٍ المرتهِنِ) ولو قبلَ عقدٍ عليه، كبعدَ وفاءِ دَيْنٍ، أو أبراءٍ منه؛ لحديثِ أبي هريرةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا يَغلَقُ الرَّهنُ من صاحبِه الذي رهَنَه، له غُنْمُه وعليه غُرْمُه". رواه الشافعيُّ، والدراقطنيُّ (١)، وقال: إسنادٌ حسنٌ متصلٌ. ولأنَّه لو ضُمِنَ لامتنعَ الناسُ منه خوفَ ضمانِه، فتُعطَّلُ المدايناتُ، وفيه ضررٌ عظيمٌ.
فإنْ تَلِفَ (لا يضمنُه) المرتهنُ (إلا بالتفريطِ) أو بالتعدِّي عليه، كسائرِ الأماناتِ
стр. 856
ويُقبَلُ قولُه بيمينِه في تَلَفِهِ، وأنَّه لم يُفرِّط.
وإن تَلِفَ بعضُ الرَّهنِ، فباقِيهِ رهنٌ بجَميعِ الحَقِّ، ولا ينفَكُّ مِنه شَيءٌ حتَّى يُقضَى الدَّينُ كلُّه.
(و) إنْ ادَّعَـ (ي) المرتهنُ تلفَ الرَّهنِ بحادثٍ ظاهرٍ، كنهبٍ، وحريقٍ، وقامتْ بيِّنَةٌ به قُبِلُ. فإن أنكرَ الرَّاهنُ التلفَ به، حلفَ أنَّه تلفَ به، وبرئَ.
وإن لم يُقِمْ بينةً بالحادثِ الظاهرِ، لم يُقبلْ قولُه؛ لأنَّ الأصلَ عدمُه؛ لأنَّه لا تعذُّرَ لإقامةِ البيِّنةِ عليه.
وإنِ ادَّعَى تَلَفَه بسببٍ خفيٍّ، كسرقةٍ ونحوِها. أو لم يُعيِّنْ سببًا (قُبِلَ قولُه بيمينِه في تلفِه) بذلك، وبرِئَ منه؛ لأنَّه أمينٌ. فإنْ لمْ يحلفْ، قُضِيَ عليه بالنكولِ
(و) كذا يقبلُ قولُه بيمينِه (أنَّه لمْ يفرِّطْ) في الرَّهنِ.
ولا يسقطُ الدَّيْنُ بتلفِ الرَّهنِ. ولا يلزمُ الرَّاهنَ أن يرهنَ مكانَ ما تلفَ من الرَّهنِ رهنًا آخرَ؛ لأنَّ الرَّهنَ من أصلِه جائزٌ غيرُ واجبٍ.
(وإنْ تلِفَ بعضُ الرَّهنِ، فباقيه رهنٌ بجميعِ الحقِّ) لتعلُّقِ الحقِّ كلِّه بجميعِ أجزاءِ الرَّهنِ
(ولا ينفكُّ منه) أي: من الرَّهنِ (شيءٌ حتى يُقضَى الدَّينُ كلُّه) حكاه ابنُ المنذرِ إجماعَ مَنْ يُحفظُ عنه؛ لأنَّ حقَّ الوثيقةِ متعلِّقٌ بجميعِ الرَّهنِ، فيصيرُ محبوسًا بكلِّ الحقِّ، وبكلِّ جزءٍ منه، لا ينفكُّ منه شيءٌ حتى يَقضِيَ جميعَه.
وإنْ رهنَه عندَ رجلينِ فوفَّى أحدُهما، انفكَّ في نصيبِه؛ لأنَّ عقدَ الواحدِ مع الاثنينِ بمنزلةِ عقدين، فكأنَّه رهنَ كلَّ واحدٍ منهما النصفَ منفردًا.
أو رهنَه رجلانِ شيئًا، فوفَّاه أحدُهما ما عليه، انفكَّ الرَّهنُ في نصيبِه؛ لأنَّ الرَّهنَ
стр. 857
وإذا حَلَّ أجلُ الدَّينِ، وكانَ الراهِن قد شَرطَ للمُرتَهِنِ: أنه إن لم يأتِه بحقِّه عندَ الحلول، وإلَّا فالرَهنُ له، لم يَصِحَّ الشَّرطُ، بل يَلزَمُه الوفاءُ، أو يأذَنَ للمُرتَهِنِ في بيعِ الرَّهنِ، أو يبيعُه هُو بنَفسِه؛ ليوفِّيَه حقَّه، فإن ألَى، حُبِسَ أو عُزِّرَ، فإن أَصرَّ، باعَه الحَاكِم.
متعددٌ، فتعلَّقَ على كل منهما بنصيبِه، كتعددِ العقدِ. فلو رهنَ اثنانِ عبدًا لهما عندَ اثنينِ بألفٍ، فهذه أربعةُ عقودٍ، ويصير كلُّ ربعٍ منه رهنًا بمائتينِ وخمسينَ، فمتى قضاه في كلِّ شيءٍ، انفكَّ مِن الرَّهنِ بقدرِ ذلك. ذكرَه القاضي، ومشَي عليه في "الإقناع" (١).
(وإذا حلُّ أجلُ الدَّينِ) المؤجَّلِ (وكانَ قدْ شرطَ للمرتهنِ: أنَّه إنْ لمْ يأتِه بحقِّه عندَ الحلولِ) أي: حلولِ الأجلِ (وإلا فـ) يكونُ (الرَّهنُ له) أي: للمرتهنِ (لم يصحَّ الشرطُ) لفسادِه، (بل يلزمُه) أي: المدِينَ (الوفاءُ) أي: وفاءُ دَينِه، (أو) أنّ الرَّاهنَ (يأذنُ للمرتهنِ في بيعِ الرَّهنِ، أو) أنَّ الرَّاهنَ (يبيعُه هو بنفسِه؛ ليُوفِّيَه) منه (حقَّه. فإنْ أبى) الرَّاهنُ وفاءَ الدَّينِ، أو الإذنَ للمرتهنِ في بيعه، أو أبَى أن يبيعَهُ هو بنفسِه (حبسَـ) ـهُ الحاكمُ (أو عزَّر) هُ على ذلك. (فإذا أصرَّ) بعد الحبسِ والتعزيرِ (٢) (باعَه الحاكمُ) قهرًا عليه، ووفَّى ربَّ الدَّينِ حقَّه من ثمنِه.
وحُكمُ الغائبِ حكمُ الممتنعِ مِن الوفاءِ، فيبيعُ الحاكمُ عليه الرَّهنَ، ويُوفِّي منه؛ لأنَّ له النظرَ في مالِ الغائبِ، كما قطعَ به في "التنقيح" (٣).
стр. 858
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"تتمَّةٌ": وإذا رهنَ أرضًا، أو دارًا، أو بستانًا، أو طاحونًا، أو حمَّامًا، تبعَه في الرَّهنِ ما يتبعُ المبيعَ في البيعِ مِن شجرٍ وغيرِه. وما لا يبتعُ في البيعِ، فلا يتبعُ في الرَّهنِ.
وإذا أَذِنَ الراهنُ للمرتهِنِ في بيعِ الرَّهنِ، وعيَّنَ له نقدًا، تعيَّنَ، وإلَّا فيبيعُ بنقدِ البلدِ. فإنْ كانَ بالبلدِ نقودٌ، باعَ بأغلبِها رَواجًا. فإنْ تساوتْ، باعَ بجنسِ الدَّيْنِ. فإنْ لم يكنْ في البلدِ جنسُ الدَّيْنِ، باعَ بما يراه أصلحَ.
стр. 859
فَصْلٌ
وللمُرتَهِنِ رُكوبُ الرَّهنِ، وحَلبُه بقَدْرِ نفَقَتِه بلا إذنِ الرَّاهِن، ولو حَاضِرًا،
(فَصْلٌ)
(وللمرتهِنِ ركوبُ) الدَّابةِ (الـ) ـــــمـ (رهـ) ـو (نـ) ـــــــةِ، (و) له (حلبُه) (١) الحيوان المرهون، ولو أمةً مُرضِعةً؛ بأنْ يُؤجِرَهَا للاسترضَاعِ -لا لاستخدامِ عبدٍ، وسكنى دارٍ، واستعمالِ متاعٍ بقدرِ نفقتِه- ونحوِ ذلك.
فلا يجبُ على الرَّاهنِ، بل يكونُ (بقدرِ نفقتِه) لا بأكثرَ منها، متحرَّيًا للعدلِ في ذلك بقدرِ النفقةِ، فلا يُنْهِكُه، بحيثُ يضرُّ بها أو بولَدِها؛ إذ الانتفاعُ عِوضُ النفقةِ، وذلك إنَّما يتأتَّى من المرتهِنِ. أمَّا الزَاهنُ فإنفاقُه وانتفاعُه ليسا بسببِ الركوبِ والشربِ، بل بسببِ المِلكِ. لحديثِ أبي هريرةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: " الظَهْرُ يُركبُ بنفقتِه إذا كان مرهونًا، ولبنُ الدَّرِّ يُشربُ بنفقتِه إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركبُ النفقةُ". رواه البخاريُّ (٢).
(بلا إذنِ الرَّاهن، ولو) كان الرَّاهنُ (حاضرًا) ولم يمتنعْ مِنَ النفقةِ عليه؛ لأنَّه مأذونٌ فيه شرعًا.
فإنْ فضلَ شيءٌ من اللَّبنِ بعد النفقةِ، باعَه المأذونُ له، من مرتهِنٍ أو غيرِه. وإنْ لم يُؤذَنْ فيه، باعَه حاكمٌ.
وإنْ لم يفِ الركوبُ أو اللَّبنُ بالنفقةِ، رجعَ المرتهِنُ على الرَّاهنِ بالزائدِ، إنْ نوى
стр. 860
وله الانتِفاعُ به مجَّانًا بإذنِ الرَّاهِن، لكِنْ يصيرُ مضمُونًا عَلَيهِ بالانتِفَاِعِ.
ومَؤُنَةُ الرَّهنِ، وأُجرَةُ مَخزَنِه، وأُجرَةُ ردِّهِ مِنْ إباقِه، عَلَى مالِكِه.
الرجوعَ، وإنْ لم ينوِ الرجوعَ كان متبرِّعًا لم يرجعْ به (١).
(وله) أي: للمرتهِنِ (الانتفاعُ به) أي: بالرَّهنِ (مجَّانًا) بلا عِوضٍ، وله أنْ ينتفعَ به بعوضٍ. ولو بمحاباةِ في (٢) الأجرةِ؛ بأنْ كانتْ دونَ أجرةِ المثلِ؛ لأنَّه كانتفاعٍ به بغيرِ عِوضٍ. ما لمْ يكنْ الدَّينُ قَرْضًا، فلا ينتفعُ به المرتهِنُ، ولو أذِنَ الرَّاهِنُ مجانًا أو بمحاباةٍ؛ لأنَّه يصيرُ قرضًا جرَّ نفعًا، فيحرُمُ
(بإذنِ الرَّاهنِ) وله أيضًا أن يَستأجرَه، وأن يَستعيرَه من الرَّاهنِ، ولا يخرجُ بذلك عن الرَّهنِ؛ لاستدامةِ القبض بيده، خلافا للقاضي
(لكن يصير) الرهن (مضمُونًا عليه بالانتفاعِ) به مجَّانًا؛ لصيرورتِه عاريةً.
وظاهرهُ: لا يصيرُ مضمونًا قبلَ الانتفاعِ به.
فإنِ انتفعَ المرتهِنُ بالرَّهنِ بغيرِ إذنِ الرَّاهنِ، فعليه أجرتُه في ذمَّتِه، كالغاصبِ. فإنْ كانتْ من جنسِ الدَّيْنِ، سقطَ منه بقدرِها بالمقاصَّةِ بشرطِها. وإن تلِفَ الرَّهنُ، ضمِنَه المرتهِنُ، لتعدِّيهِ بانتفاعِه به بغيرِ إذنِ ربِّه، كالوديعةِ
(ومَؤُنَةُ الرَّهنِ) من طعامِه، وكسوتِه، ومسكنه، وحافظٍ، وسَقيٍ، وتجفيفٍ، وكفَنِه إذا ماتَ، وبقيَّةِ تجهيزِه (وأجرةُ مَخزَنِه) إنِ احتاجَ إلى خزنٍ (وأُجرةُ ردِّه) أي: ردِّ الرَّهنِ (من إباقِه) أو شرودِه لو كان قِنًّا أو حيوانًا، فأبقَ أو شَرَدَ (على مالكِه) وكذا أُجرةُ سَقْيِه وتلقيحِه وزِبارِه -وهو قطعُ الأغصانِ الرديئةِ- وجِذاذِه، وثمنُ
стр. 861
وإنْ أنفَقَ المُرتَهِنُ على الرَّهنِ بلا إذنِ الرَّاهِنِ -مَعَ قُدرَتِه على استئذَانِه- فمُتَبرِّعٌ.
دوائِه، وأجرةُ مُداواتِه، وخِتانِه، على الرَّاهنِ؛ لما رَوى سعيدُ بنُ المسيبِ، عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا يَغلقُ الرَّهنُ مِن صاحبِه الذي رهنَه، له غُنْمُه وعليه غُرْمُه". رواه الشافعيُّ (١).
فإنِ امتنعَ راهنٌ، أجبَره حاكمٌ. فإنْ لم يفعلْ، أخذَه حاكمٌ مِن مالِه. فإنْ لم يكنْ له مالٌ، أو كان الرَّاهنٌ غائبًا، بِيعَ مِن الزَهبِن بقدرِ الحاجةِ ما يجبُ عليه مِن المؤنةِ وغيرِها.
فإنْ خِيفَ استغراقُ ثمنِ الرَّهنِ في الإنفاقِ ونحوِه، بِيعَ كلُّه، وجُعِلَ ثمنُه رهنًا مكانَه.
وكذا يلزمُ المالكَ (٢) فِطرتُه، فإنْ لم يكنْ له (٣) شيءٌ غيرَ العبدِ، بِيعَ منه بقدرِ الفطرةِ. قالَهُ في "الإقناع" (٤) في بابِ زكاةِ الفطرِ.
(وإنْ أنفقَ المرتهِنُ على الرَّهنِ) ليرجعَ على راهنٍ (بلا إذنِ الرَّاهنِ) متعلِّقٌ بـ: "أنفق" (مع قدرتِه على استئذانِه) لوجودِه (فـ) المنفقُ (متبرِّعٌ) حُكْمًا؛ لتصدُّقِه به. فلم يرجعْ، ولو نوىَ الرجوعَ فيه؛ لتفريطِه في ذلك.
وإنْ عجزَ عن استئذانِه؛ لتعذُّرِه من نحوِ غَيْبَةٍ، رجعَ المرتهِنُ بما قامَ عنه من
стр. 862
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الواجبِ بالأقلِّ ممَّا أنفقَ من نفقةِ مثلِه، كما لو كانَ نفقةُ المثلِ خمسةً، فأنفقَ أربعةً، رجعَ بالأربعةِ إنْ نوىَ الرجوعَ، وإلا فمتبرِّعٌ. ولو أنفقَ ستةً، وكان نفقةُ المثلِ خمسةً، فليعرَ له الرجوعُ إلا بالخمسةِ، إن نوىَ الرجوعَ، وإلا فلا. والواحدُ الزائدُ تبرُّعٌ؛ لعدمِ وجوبِه.
ولا يُشترطُ استئذانُ حاكمٍ لتعذُّرِ استئذانِ مالكٍ، ولا إشهادٌ عليه بنيَّةِ الرجوعِ، بل يُقبلُ قولُه في نيةِ الرجوعِ.
стр. 863
فَصْلٌ
مَنْ قَبَضَ العَينَ لحظِّ نفسِهِ -كمُرتَهِنٍ ، وأَجِيرٍ، ومُستأجِرٍ، ومُشتَرٍ، وبائِعٍ، وغاصِبٍ، وملتَقِطٍ، ومُقتَرِضٍ، ومُضَارِبٍ- وادَّعَى الردَّ للمَالِكِ، فأنكَرَهُ، لم يُقبَل قولُه إلَّا ببيِّنةٍ.
(فصلٌ)
(مَنْ قبضَ العينَ لحظِّ نفسِه، كمرتِهنٍ) قبضَ عينَ الرَّهنِ (وأَجيرٍ) كخيَّاطٍ، وحَيَّاكٍ، ونحوِهما (ومستأجرٍ) قبضَ العينَ المؤجرةَ (ومشترٍ) قبضَ العينَ المبتاعةَ (وبائعٍ) قبضَ الثمنَ (وغاصبٍ) قبضَ العينَ المغصوبة (١) (وملتقطٍ) قبضَ اللُّقطةَ (ومقترضٍ) قبضَ عينَ القرضِ (ومضاربِ) قبضَ شركةَ المضاربةِ (وادَّعَى) قابضُ العينِ ممَّا ذُكِرَ (الردَّ) أي: ردَّ العينِ المقَبوضةِ (للمالكِ) (٢) العينِ (فأنكرَ) المالكُ ردَّ (هـ) ــا، أي: ردَّ العينِ المقبوضةِ (لم يقبلْ) في ذلك (قولُه) أي: قولُ مدَّعي الردَّ (إلا) إذا كانَ (بـ) إقامةِ (بيِّنةٍ) في ردِّها
(وكذا) لا يُقبلُ قولُ (مُودِعٍ) في ردِّ ما قبضَه من وديعةٍ، (و) لا قولُ (وكيل) في ردِّ ما قبضه بطريق وكالة (٣) (و) لا قولُ (وصيٍّ) فيما ردَّه بطريقِ وصايةٍ، إلا ببيِّنةٍ.
стр. 864
وكَذَا مُودِعٌ، ووَكِيلٌ، ووصِيٌ، ودلَّالٌ بجُعلٍ، إذا ادَّعى الرَّدَّ، وبلا جُعلٍ، يُقبَلُ قولُه بيَمينه.
(و) كذا لا يُقبلُ قولُ (دلَّالٍ) إذا كانَ (جعْل، إذا ادَّعى الردَّ) لما قبضَه، (و) إذا كانَ الدلَّالُ (بلا جُعْلٍ، قُبِلَ قولُه بيمينِه) لأنَّه أمينٌ.
стр. 865
بابُ الضَّمَانِ والكَفَالَةِ
(بابُ الضَّمَانِ والكَفَالةِ)
الضمانُ: مشتقٌّ من الضمِّ. ورُدَّ: بأنَّ لامَ الكلمةِ في الضمِّ ميمٌ، وفي الضمانِ نونٌ، وأُجيبَ: بأنَّه مِن الاشتقاقِ الأكبرِ، وهو المشاركةُ في أكثرِ الأصولِ، مع ملاحظةِ المعنى.
وقال القاضي: مشتقٌّ من التضمينِ؛ لأنَّ ذمَّةَ الضامنِ تتضمَّنُ الحقَّ.
وقال ابنُ عقيلٍ: من الضِّمْنِ، فذمَّةُ الضامنِ في ضمنِ ذمَّةِ المضمونِ عنه؛ لأنَّه زيادةُ وثيقةٍ
وهو جائز إجماعًا؛ لقولِة تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يُوسُف: ٧٢]. قال ابنُ عباسٍ: الزعيمُ: الكفيلُ (١). ولقولِه ﵊: "الزعيمُ غارمٌ". رواه الترمذيُّ (٢).
وشرعًا: التزامُ مَنْ يصحُّ تبرُّعُه، ولو مفلسٌ لالتزامِه في ذمَّتِه؛ لأنَّ الحجرَ عليه في مالِه، أو قنٌّ أو مكاتبٌ بإذن سيَّدَهما؛ لأنَّ الحَجْرَ عليهما لحقِّه، فبإذنِه ينفَكُّ الحَجْرُ، كسائرِ تصرفاتِهما. ويُؤخذُ ما ضمِنَه قِنٌّ بإذنِ سيِّدِه مِن سيِّدِه؛ لتعلُّقِه بذمَّتِه. وكذا مكاتبٌ مِن سيِّدِه.
والالتزامُ: بما (٣) يجبُ على آخرَ، من ثمنٍ، وقرضٍ، وقيمةِ مُتْلَفٍ، مع بقاءِ ما
стр. 866
يصِحَّانِ تَنجِيزًا، وتعَلِيقًا، وتَوقِيتًا، ممَّن يصِحُّ تبرُّعُه،
وجبَ على مضمونٍ عنه. فلا يسقطُ ذلك عنه بالضمانِ؛ لحديثِ: "نفسُ المؤمنِ مُعلَّقةٌ بدَيْنِه، حتى يُقضَى عنه" (١). وقولِه ﷺ في حديثِ أبي قتادةَ: "الآنَ برَدَت جِلدتُه" (٢). حينَ أخبرَه بقضاءِ دَيْنِه.
وما ضمِنَه مريضٌ مرضَ الموتِ المَخُوفِ مِن ثُلُثِه
(يصحَّانِ) أي: الضمانُ والكفالةُ (تنجِيزًا) أي: في الحالِ، (و) يصحَّانِ (تعليقًا) أي: معلَّقًا على شيءٍ، كـ: أنا كفيلٌ عندَ قدومِ الحاجِّ، ونحوِه. (و) يصحَّانِ (تَوْقِيتًا) أي: موقَّتًا، كـ: أنا كفيلٌ بدَينِه (٣) شَهرًا، أو سنةً، ونحوَه. ويَبرأُ كفيلٌ إنْ لم يُطالبْه بإحضارِه فيه
(ممَّنْ): مُتعلِّقٌ بـ: "يصحَّان". (يصحُّ تبرُّعُه) وهو جائزُ التصرُّفِ. فلا يصحُّ من صغيرٍ، ولا مجنونٍ، ولا سفيهٍ؛ لأنَّه إيجابُ مالٍ بعقدٍ، فلمْ يصحَّ منهم، كالشراءِ. وإذا قالَ ضامنٌ: كنتُ حينَ الضمانِ صغيرًا، أو مجنونًا. وأنكرَهُ مضمونٌ له، فقولُه؛ لأنَّه يدَّعي سلامةَ العقدِ، ولو عُرِفَ لضامنٍ حالُ جنونٍ.
ويحصلُ الالتزامُ بلفظِ: ضَمِنْتُ دَينَكَ، أو: تحمَّلتُه، أو: عندي، أو: عليَّ ما لَكَ عندَه، وكـ: بِعْه، أو: زَوِّجْه وعليٍّ الثمنُ، أو المهرُ.
ومَنْ قالَ لآخرَ: اضمَنْ، أو: اكفَلْ عن فلانٍ، ففعلَ، لزِمَ المباشرَ دونَ الآمرِ.
ويصحُّ ضمانُ الأخرسِ بإشارةٍ مفهومةٍ منه. ولا يثبتُ ضمانُ الأخرسِ بكتابةٍ
стр. 867
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
متجرِّدةٍ عن إشارتِه المفهومةِ في خصوصِ ذلك. ومَنْ لا تُفهمُ إشارتُه فلا يصحُّ ضمانُه. وفي حكمِ الضمانِ سائرُ تصرُّفاتِه، فلا يصحُّ إلا بإشارةٍ مفهومةٍ.
ولا يُعتبرُ لصحةِ الضمانِ رضَا المضمونِ له؛ لأنَّ أبا قتادةَ ضمِنَ الميِّتَ بغيرِ رضَا المضمونِ له. وأقرَّه الشارعُ ﷺ (١).
ولا يُعتبرُ رضِا المضمونِ عنه؛ لحديثِ أبي قتادةَ. ولأنَّه لو قضَى الدَّيْنَ عنه بغيرِ إذنِه ورضاه، صحَّ، فكذا إذا ضمِنَ عنه.
ولا يُعتبرُ أيضًا للضامنِ أنْ يعرفَ المضمونَ له، والمضمونَ عنه؛ لأنَّه لا يُعتبرُ رِضاهُما، فكذا معرفتُهُما.
ولا يُعتبرُ أيضًا كونُ الحقِّ معلومًا للضَّامنِ، ولا كونُه واجبًا، حيثُ يكونُ مآلُه إلى العلمِ والوجوبِ. فيصحُّ ما لم يجبْ إذا آلَ إلى الوجوبِ، لقولِه تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يُوسُف: ٧٢] فدلَّت الآية على ضمانِ حِمْلِ البعير، مع أنَّه لم يكنْ وجَبَ. فيصحُّ إنْ قال: ضمنتُ لكَ ما تُداينُه، و: ما تقومُ عليه البيِّنةُ، و: ما يُقضَى عليه. وهذه من الأمثلةِ المجهولةِ.
ومنه (٢): ضمانُ ما يلزمُ التُّجارَ في الأسواقِ، من دَيْنٍ، وما يقبضُه من (٣) عينٍ مضمونةٍ.
واختارَ شيخ الإسلامِ ابنُ تيميةَ: صحَّةَ (٤) ضمانِ حارسٍ، ونحوِه.
стр. 868
ولِربِّ الحَقِّ مطالَبةُ الضَّامِنِ والمَضْمُونِ معًا، أو أيِّهِمَا شَاءَ.
ويصحُّ ضمانُ تجَّارِ حربٍ، في بلدٍ كانوا أو في بحرٍ. قال الإمامُ أحمدُ ﵁: الطائفةُ الممتنعةُ من أهلِ الحربِ التي ينصُرُ بعضُها بعضًا، تجري مجرَى الشخصِ الواحدِ في معاهدتِهم. وإذا شورِطوا (١) على أنَّ تُجَّارَهم يدخلُونَ دارَ الإسلامِ بشرطٍ أنْ لا يأخذُوا للمسلمِينَ شيئًا، وما أخذُوه ضامنينَ له، والمضمونُ يُؤخذُ من أموال التُجَّارِ: جازَ ذلك. ويجبُ على وليِّ الأمرِ، إذا أخذُوا مالًا لتجَّارِ المسلمينَ أنْ يُطالبَهم بما ضمِنُوه، ويحبِسَهم على ذلك، كالحقوقِ الواجبةِ.
(ولربِّ الحقِّ مطالبةُ الضَّامنِ والمضمونِ معًا) لثبوتِ الحقِّ في ذمَّتِهما (أو) له مطالبةُ (أيِّهما شاءَ) من ضامنٍ، أو مضمونٍ عنه؛ لحديثِ: "الزعيمُ غارمٌ". رواه أبو داودَ (٢).
ولصاحبِ الدَّيْنِ مطالبتُهما في الحياةِ والموتِ؛ لأنَّ الحقَّ ثابتٌ في ذمَّتِهما، فملكَ مطالبةَ مَنْ شاءَ منهما.
فإنْ قيلَ: الشيءُ الواحدُ لا يَشغلُ محلَّينِ؟.
أُجيبَ: بأنَّ اشتغالَه على سبيلِ التعلُّقِ والاستيثاقِ، كتعلُّقِ دَيْنِ الرَّهنِ به، وبذمَّةِ الرَّاهنِ.
ولا يحلُّ دَيْنٌ مؤجَّلٌ بموتِ مضمونٍ عنه، ولا بموتِ ضامنٍ. وليس لربِّ الدَّيْنِ مطالبتُه بذلك إلا بعدَ حلولِ الأجلِ.
стр. 869
لكِنْ لو ضَمِنَ دَينًا حالًّا إلى أجَلٍ مَعلُومٍ، صَحَّ، ولم يُطالِبِ الضَّامِنَ قبلَ مُضيِّهِ.
(لكنْ) استدركٌ مِن قولِه: "يصحَّانٍ توقيتًا" (لو ضمِنَ) الضامنُ (دَيْنًا حالًّا إلى أجلٍ معلومٍ) كأنْ ضمِنَ الدَّيْنَ الحالَّ إلى شهرٍ ونحوِه، وكذا لو كان الدَّيْنُ مؤجَّلًا إلى شهرٍ، فضمِنَه إلى شهرين، (صحَّ) الضَّمانُ، (ولم) يكنْ لربِّ الدَّيْنِ أنْ (يُطالبَ الضَّامنَ قبلَ مُضيِّه) أي: مُضيِّ الأجلِ المعلومِ الذي أجَّلَه الضَّامنُ؛ لما روى ابنُ ماجه عن ابنِ عباسٍ مرفوعًا (١).
ولصاحبِ الدَّينِ مطالبةُ المديونِ (٢) في الحالِّ، دونَ الضَّامنِ الذي ضمِنَ بالتأجيلِ.
ويصحُّ الضَّمانُ في بعضِ الدَّيْنِ، كما لو كانَ الدَّيْنُ عشرة، فضمِنَ خمسةً، فيطالبُ الضَّامنُ بالخمسةِ.
وإنْ ضمِنَ الدَّيْنَ المؤجَّلَ حالًّا، لئم يلزمْهُ أداؤُه قبلَ حلولِ أجلِه؛ لأنَّه فرعُ المضمونِ عنه، فلا يلزمُه ما لا يلزمُ المضمونَ عنه، كما أنَّ المضمونَ لو ألزمَ نفسَه بتعجيلِ المؤجَّلِ، لم يلزمْه تعجيلُه. وإنْ عجَّلَه ضامنٌ، لم يرجعْ به على المضمونِ قبلَ حلولِ الأجلِ.
стр. 870
ويَصِحُّ ضَمانُ عُهدَةِ الثَّمنِ والمُثمَنِ، والمَقبُوضِ على وَجهِ السَّومِ،
(ويصحُّ ضمانُ) العُهْدةِ، وهو: ضمانُ (عهدةِ الثمنِ والمُثْمَنِ)
وألفاظُ ضمانِ العُهْدةِ: ضمنتُ عُهْدَتَه، أو: ثمنَه، أو: دَرَكَه، أو يقولُ الضَّامنُ للمشتري: ضمِنْتُ خَلاصَكَ منه. أو: متى خرجَ المبيعُ مُستحقًّا، فقدْ ضمِنْتُ لك الثمنَ.
وعهدةُ المبيعِ لغةً: الصَّكُّ يُكتبُ فيه الابتياعُ.
واصطلاحًا: ضَمانُ الثمنِ عن بابعٍ لمشترٍ، بأنْ يضمنَ ضامنٌ عن البائعِ الثمنَ، ولو قبلَ قبضِه؛ لأنَّه يؤولُ إلى الوجوبِ، إنْ ظهرَ المبيعُ مستحقًّا لغيرِ بابعٍ، أو رُدَّ المبيعُ على بابعٍ بعيبٍ أو غيرِه، أو يضمنُ أرشَهُ إن اختارَ مشترٍ إمساكًا مع عيبٍ.
وضمانُ المثمنِ (١)، بأنْ يضمنَ المثمنَ (٢) عن المشتري لبابعٍ، إنْ ظهرَ الثمنُ مستحقًّا لغيرِ مشترٍ، أو رُدَّ الثمنُ بعيبٍ، أو يضمنُ أرشَهُ إنِ اختارَه بابعٌ.
فضمانُ العهدةِ للمشتري والبائعِ في الموضعينِ هو ضمانُ الثمنِ، أو جزءٍ منه، عن أحدِهما للآخرِ.
ولو بنَى مشترٍ بناءً في مبيعٍ، فبانَ المبيعُ مستحقًّا للغيرِ، فالأنقاضُ للمشتري، لجريانِها في مِلكِه. ويرجعُ بقيمةِ تالفٍ مِن ثمنِ جصٍّ، وطينٍ، ورمادٍ، وأجرةِ بنَّائينَ ونحوِهم، على بائعٍ؛ لأنَّه غرَّه. وكذا أجرةُ مبيعٍ مدَّةَ وضعِ يدِ مشترٍ. ويدخلُ في مِلكِ ضمانِ العهدةِ، فيرجعُ مشترٍ بذلك على ضامِنها؛ لأنَّه مِن دَرَكِ المبيعِ.
(و) يصحّ ضمانُ عينٍ مضمونةٍ، كـ (المقبوضِ على وجه السَّومِ) في بيعٍ ليُريَه
стр. 871
والعَينِ المَضمُونَة، كالغَصَبِ والعَارِيَّة.
أهلَه أو غيرَهم، إنْ رَضوه، وإلا ردَّه. وكذا إذا ساومَه فقط لنفسِه، إنْ أعجَبَه، وإلا ردَّه.
ولو أخذَه ليُريَه أهله (١) بلا مساومةٍ ولا قطعِ ثمنٍ، فغيرُ مضمونٍ، إلا أنْ يضمنَ التعدِّي والتفريطَ فيه.
والمقبوضُ على وجهِ السَّومِ في حكمِ المقبوضِ بعقدٍ فاسدٍ؛ لأنَّه قبضَهُ على وجهِ البدلِ والعِوضِ، لكنْ في الإجارة ينبغي ضمانُ المنفعةِ، لا العينِ، إذ فسادُ العقودِ كصحيحِها، كما يأتي.
(و) مِن ضمانِ (العينِ (٢) المضمونِة، كالغصبِ والعاريةِ) لأنَّ هذه الأعيانَ يضمنُها من هي بيدِه لو تلِفَتْ، فهي كالحقوقِ الثابتةِ في الذمَّةِ، وضمانُها في الحقيقةِ ضمانُ استنقاذِها وردِّها، أو قيمتِها عندَ تلفِها، فهي كعهدةِ المبيعِ (٣).
ويصحُّ ضمانٌ في الجعالةِ، والمسابقةِ، والمناضلةِ، ولو قبلَ العملِ؛ لأنَّه يؤولُ إلى اللُّزُومِ إذا عَمِلَ العَملَ، لا ضمانُ العملِ فيها.
ويصحُّ ضمانُ نفقةِ الزوجةِ، مسشقبلةً كانتْ أو ماضيةً. ولو زادَ على نفقةِ المعسر (٤).
стр. 872
ولا يصِحُّ ضَمانُ غيرِ المَضمُونَةِ، كالوَدِيعَةِ ونَحوِها، ولا دَينِ الكِتَابَةِ، ولا بعضِ دَينٍ لم يُقدَّر.
(ولا يَصحُّ ضَمانُ غَيرِ) العينِ (المضمُونَةِ) من أعيانِ الأمانَاتِ (كالوديعةِ ونحوِها) كالعينِ المُؤْجَرةِ، ومالِ الشركةِ، والمضاربةِ، وعينٍ أو ثمنٍ بيدِ وكيلٍ في بيعٍ أو شراءٍ؛ لأنَّها غيرُ مضمونةٍ على صاصِط اليدِ، فكذا على ضامِنِه، إلا أنْ يضمنَ التعدِّي فيها، فيصحُّ ضمانُها، كالغصبِ.
فعلى هذا: لا يصحُّ ضمانُ الدَّلَّالِين فيما يُعطَونَه لبيعةٍ، إلا أن يضمنَ تعدِّيهم فيه، أو هربَهم به، ونحوَه (١)، فيصحُّ.
(ولا) يصحُّ ضمانُ (دَيْنِ الكتابةِ) لأنَّه يؤولُ للوجوبِ.
(ولا) يصحُّ ضمانُ (بعضِ دَيْنٍ لمْ يُقدَّرْ) لجهالتِهِ حالًا ومآلًا.
ولا يصحُّ ضمانُ ولا كفالةُ جزيةِ مَنْ هي عليه، ولو بعدَ وجوبها بتمامِ الحولِ؛ لفواتِ صَغارِ المضمونِ عنه.
وإنْ شُرِطَ خيارٌ في ضمانٍ أو كفالةٍ فَسدَا؛ بمنافاتِه لهما.
"تتمَّةٌ": لو قالَ جائزُ التصرُّفِ لآخرِ: أَلْقِ متاعَكَ في البحرِ، أو في النَّارِ، ونحوِه، وعَليَّ ضمانُه، صحَّ، وضمِنَه.
ويجبُ إلقاءُ متاعٍ بسفينةٍ أو مكانِ حرقٍ ونحوِه إنْ خِيفَ تَلَفُ معصومٍ بسببِه. فإنْ ألقَى بعضُهم متاعَه في البحر؛ لتخِفَّ السفينةُ، لم يرجعْ به على أحدٍ.
وكذا لو قالَ إنسان: ألْقِ متاعَكَ. فألقاهُ، لم يرجعْ عليه؛ لأنَّه لم يُكْرِهْهُ على ذلك، ولا ضمِنَه له.
стр. 873
وإن قَضَى الضَّامِنُ ما علَى المَدِينِ، ونَوَى الرُّجُوعَ عليه، رَجَعَ، ولو لم يأذَن له المَدِينُ في الضَّمانِ والقَضَاءِ،
وإنْ ألقى متاعَ غيرِه بغيرِ إذنِ ربِّه من السفينةِ، ليخفِّفَها (١)، ضمِنَه.
وإنْ سقطَ عليه متاعُ غيرِه، فخشِيَ أنْ يُهلكَه، فدفعَه، فوقعَ في الماءِ ونحوِه، لم يضمنْهُ.
(وإنْ قضىَ الضَّامنُ ما على المدينِ) من الدَّيْنِ، أو أحالَ ربَّ الدَّيْنِ (ونوىَ الرجوعَ عليه) أي (٢): على المدينِ بما دفعَه لربِّ الدَّيْنِ (رجعَ) به عليه، سواءٌ كان الضَّمانُ والقضاءُ أو الحوالةُ بإذنِ مضمونٍ عنه، أو لا؛ لأنَّه قضاءٌ مُيرِئٌ مِن دَيْنٍ واجبٍ، فكانَ من ضمانِ مَن هو عليه، كالحاكمِ إذا قضَاهُ عنه عندَ امتناعِه.
وإنْ قضاه ضامنٌ، أو أحالَ (٣) ضامنٌ ربَّ دَيْنِ به، ولم ينوِ ضامنٌ رجوعًا على مضمونٍ عنه بما قضاه، أو أحالَ به عنه، لم يرجعْ؛ لأنَّه متطوِّعٌ
سواءٌ ضمِنَ بإذنِه، أو لا. وإليه أشارَ بقولِه: (ولو لمْ يأذنْ له المدينُ في الضَّمانِ والقضاءِ) بالأقلِّ (٤) ممَّا قضَى ضامنٌ، ولو كان ما قضَاهُ قيمةَ عَرْضٍ عوَّضَه الضامنُ به، أي: الدَّيْنِ، أو قَدْرِ الدَّينِ. فلو كان الدَّينُ عشرةً، ووفَّاه عنه ثما نيةً، أو عوَّضَه عنه عَرْضًا قيمتُه ثمانيةٌ، أو بالعكس، رجعَ بالثمانيةِ؛ لأنَّه إنْ كانَ المقضيُّ أقلَّ، فإنَّما يرجعُ بما غرِمَ، ولهذا لو أَبرأَه غريمُه، لمْ يرجعْ بشيءٍ، وإنْ كانَ الأقلُّ الدَّيْنَ، فالزائدُ غيز لازمٍ، ولم ينوِ رجوعًا ليس له الطلب.
стр. 874
وكَذَا كلُّ من أدَّى عن غَيرِهِ دَينًا واجِبًا.
وإن بَرِئ المَديونُ، بَرِئَ ضامِنُه، ولا عَكْسَ.
ولو ضَمِنَ اثنانِ واحدًا، وقالَ كلٌّ: ضَمِنت لكَ الدَّينَ، كان لِربِّه طلَبُ كُلِّ واحدٍ بالدَّين كلِّه. وإنْ قَالا: ضَمِنَّا لكَ الدَّين، فبينَهُما بالحِصَص.
(وكذا) في الرجوعِ وعدمِه: (كلُّ مَنْ أدُّى) مِن كفيلٍ ومُؤدٍّ (عن غيرِه دَيْنًا واجبًا) فيرجعُ إنْ نوىَ الرجوعَ، وإلا فلا.
ولا يرجعُ مَنْ أدًّى عن غيرِه زكاةً، أو كفارةً، لافتقارِ النيَّةِ ممَّنْ هي عليه
(وإنْ برئَ المديونُ) (١) بوفاءٍ، أو إبراءٍ، أو حوالةٍ (برِئَ ضامنُه) لأنَّه تبعٌ له، والضَّمانُ وثيقة، فإذا برِئَ الأصلُ، زالتِ الوثيقةُ، كالرَّهنِ -ضامنًا واحدًا كان أو أكثرَ- من مَبلغِ الضَّمانِ
(ولا عكسَ) أي: لا يبرأُ مدينٌ ببراءةِ ضامنِه؛ لعدمِ تبعيَّتِه له.
وإنْ تعدَّدَ ضامنٌ، لم يبرأْ أحدُهم بإبراءِ غيرِه، سواءٌ ضمِنَ كلُّ واحدٍ منهم (٢) جميعَ الدَّيْنِ أو جُزءًا منه. ويبرؤنَ بإبراءِ مضمونٍ عنه.
(ولو ضمِنَ اثنانِ واحدًا) عليه دَيْنٌ لآخرَ (وقال كلُّ) واحدٍ من الضامنَينِ: (ضمِنْتُ لكَ الدَّيْنَ، كان لربِّه) أي: ربِّ الدَّيْنِ المضمونِ له (طلبُ كلِّ واحدٍ) منهما، أو هما معًا، أو هما والمديونُ معًا (بالدَّيْنِ كلِّه) لأنَّ ضمانَ كلِّ واحدٍ منهما بالدَّيْنِ صادقٌ بجميعِه.
(وإنْ قالا) الضَّامنانِ: (ضمِنًّا لكَ الدَّيْنَ، (فـ) يكونُ (بينهما بالحصصِ) فإنْ
стр. 875
فَصْلٌ
والكَفَالَةُ: هِيَ أنْ يلتَزِمَ بإِحضَارِ بَدَنِ مَنْ عَليِه حَقٌّ مالِيٌّ إلى رَبِّهِ.
أطلقا، كان بينهما نصفينِ، فيطالبُ كلُّ واحدٍ منهما بنصفِ الدَّيْنِ. وإنْ عيَّنَ كلُّ واحدٍ منهما حصَّةً، طولبَ بها.
(فصلٌ)
(والكفالةُ): مصدرُ كفَلَ به، كَفْلًا، وكُفُولًا، وكَفَالةً، وكَفَلْتُه، وكَفلتُ عنه: تحمَّلت. وقُرِئَ شاذًا: "وكفِلَها زكريا" بكسرِ الفاءِ.
و (هي) أي: الكفالةُ صحيحةٌ؛ لقولِه تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يُوسُف: ٦٦].
وشرعًا: (أنْ يلتزمَ) الرشيدُ، ولو مفلسًا. فلا تصحُّ من الصَّغيرِ، والسَّفيهِ، والمجنونِ (بإحضارِ بدنِ) إنسانٍ (مَن عليه) وعندَه. يشمل: مَنْ عندَه عينٌ مضمونةٌ (حقٌّ ماليٌّ) احترزَ به عن الكفالِة ببدنِ مَنْ عليه حدٌّ ونحوُه (إلى ربِّه) أي: الحقِّ. والجار متعلِّقٌ بـ"إحضارِ". حاضرًا كان المكفولُ أو غائبًا. سواءٌ كان بإذنِه، أو بغيرِ إذنِه. وسواءٌ عَلِمَ الكفيلُ بقدرِ دَيْنِ المكفولِ، أو جَهِلَهُ، ولو كان المكفولُ به صبيًا أو مجنونًا، ولو بغيرِ إذنِ وليِّهما؛ لأنَّه قد يلزمُ إحضارُهُما إلى مجلسِ الحكمِ للشهادةِ عليهما، ونحوِها.
وتنعقدُ بألفاظِ الضَّمانِ كلِّها، كـ: أنا ضمينٌ ببدنِه، أو: زعيمٌ به.
وإنْ ضمِنَ معرفةَ إنسانٍ، أُخِذَ به، بالبناءِ للمفعولِ. قال أحمدُ في روايةِ أبي
стр. 876
ويُعتَبَرُ رِضا الكَفِيل، لا المَكفُولِ، ولا المَكفُولِ له.
ومتَى سَلَّمَ الكَفيلُ المَكفُولَ لرَبِّ الحَقِّ بِمَحَلِّ العَقْدِ، أو سَلَّمَ المَكفُولُ نفسَهُ،
طالبٍ فيمَنْ ضَمِنَ (١) لرجلٍ معرفةَ رجلٍ، أُخِذَ به، فإنْ لمْ يقدرْ، ضمِنَ.
ولا تصحُّ كفالةُ الوالدِ لولدِه؛ لأنَّه لا تُسمعُ دعواه عليه بغيرِ النفقةِ الواجبةِ بغيرِ النفقةِ الواجبةِ
(ويُعتبرُ) لصحةِ الكفالةِ (رضا الكفيلِ) فلا يصحُّ من مُكرَهٍ به -لأنَّه لا يلزمُه الحقُّ ابتداءً إلا برضاه (لا) أي: لا يُعتبرُ رضا (المكفولِ) به، كالضَّمانِ (ولا) رضا (المكفولِ له) (٢) لأنَّه وثيقةٌ به، كالضَّمانِ.
وتصحّ الكفالةُ بالأعيانِ، كالغصوبِ والعواري. ولا تصحُّ بالأماناتِ، كالوديعةِ، والشركةِ، والمضاربةِ، إلا إن كفلَهُ بشرطِ التعدِّي فيها، فيصحُّ، كالضَّمانِ.
(ومتى سلَّمَ الكفيلُ المكفولَ) به (لربِّ الحقِّ) أي: المكفولِ له، وقد حلَّ الأجلُ، إنْ كانتِ الكفالةُ مؤجَّلةً (بمحلِّ العقدِ) أي: عقدِ الكفالةِ -ما لمْ يكنْ عيَّنَ الكفيلُ تسليمَه بمحلٍ، فيسلِّمُه فيه؛ وفاءً بالشرط- بعدَ حلولِ أجلِ الكفالةِ، أو قبلَه، إن لم يكنْ ضررٌ على المكفولِ له في تسليمِه له
(أو) أنَّ المكفولَ عنه متى (سلَّمَ المكفولُ) به (نفسَه) في محلِّ التسليمِ والأجلِ
стр. 877
أو مَاتَ، بَرِئَ الكَفيلُ.
(أو ماتَ) أي: المكفولُ به، سواءٌ توانى الكفيلُ في التسليمِ، أو لا.
أو تلفتْ العينُ المضمونةُ، التي تَكفَّلَ ببدنِ مَنْ هي (١) عندَه، بفعلِ اللهِ تعالى قبلَ طلبٍ (برِئَ الكفيلُ) في هذه الصورِ.
وعُلِمَ ممَّا ذكرَ من تلفِ العينِ: أنَّه لا يبرأْ بعدَ طلبِه بها، ولا بتلفِها بفعلِ آدميٍّ، ولا بغصبِها.
ولو قال كفيلٌ: إن عَجَزْتُ عن إحضارِه، أو: متى عجَزْتُ عن إحضارِه، كان علئ القيامُ بما أقرَّ به. فقال ابنُ نصرِ اللهِ: لئم يبرأ بموتِ المكفولِ، ويلزمُه ما عليه. قال: وقد أفتيتُ فيها باللزومِ (٢)
ولا يبرأُ كفيلٌ إنْ ماتَ هو، أو ماتَ المكفولُ له.
فإنْ أحضرَ الكفيلُ المكفولَ به، وامتنعَ المكفولُ من التسليمِ بلا ضررٍ في تصليمِه، كأنْ (٣) كانَ الدَّيْنُ مؤجَّلًا ونحوَه، وليس ثمَّ يدٌ حائلةٌ ظالمةٌ، فإنْ كانَ، لم يبرأْ الكفيلُ، ولو لم يُشهِدْ على امتناعِه. وقال القاضي: يرفعُه إلى الحاكمْ فيسلِّمُه إليه، فإنْ لم يجدْه، يُشهدْ عليه.
وإنْ كانتِ الكفالةُ مؤجَّلةً لم يلزمْه، أي: الكفيلَ، إحضارُه قبلَ أجلِها، كسائرِ الحقوقِ.
قال الشيخُ تقيُّ الدينِ: إن كان المكفولُ في حبسِ الشرعِ، فسلَّمه الكفيلُ إليه
стр. 878
وإن تَعذَّرَ على الكِفيلِ إحضَارُ المكفُولِ، ضَمِنَ جَميعَ ما عَليهِ.
في الحبس، برِئَ الكفيلُ. ولا يلزفه إحضارُه من الحبسِ إليه عندَ أحدٍ من الأئمةِ، ويُمكِّنُه الحاكمُ مِن الإخراجِ، ليحاكمَ غريمَه، ثمَّ يردُّه إلى الحبسِ.
وإنْ كانَ المكفولُ محبوسًا عندَ غيرِ حاكمِ الشرعِ، لم يلزمِ الكفيلَ تسليمُ المكفولِ عنه في هذه الحالةِ؛ لأنَّ الحبسَ يمنعُ ربَّ الدَّينِ استيفاءَ حقِّه، فلا أثرَ لتسليمِه.
وإنْ شرطَ كفيلٌ البراءةَ من المالِ إن تعذَّرَ إحضارُه عليه، فلا يضمنُ المالَ الذي على المكفولِ عنه؛ لحديثِ: "المسلمونَ على شروطِهم" (١).
(وإنْ تعذَّرَ على الكفيلِ إحضارُ المكفولِ) مع حياتِه؛ بأنْ توارىَ، أو غابَ عن البلدِ غَيْبةً قريبةً أو بعيدةً، ومضَى زمنٌ يُمكِنُ الكفيلَ ردّه إلى البلدِ فيه، أو مضَى زمنٌ عَيَّنَه الكفيلُ لإحضارِ المكفولِ، كما لو قالَ: كفلتُه على أنْ أُحضِرَه لك غدًا، أو نحوَه. فمضَى الغدُ ولم يُحضِرْهُ. أو كانتِ الغيبةُ لا يُعلمُ فيها خبرُه، أو لامتناعِه، أو لأحدٍ منَعَه عنه، كذي سلطانٍ، ونحوِه. و (ضمِنَ) الكفيلُ (جميعَ ما عليه) أي: ما على المكفولِ من الدَّيْنِ.
قال المجدُ في "شرحه": ولم يسقطْ عنه المالُ بإحضارِه بعدَ الوقتِ المسمَّى (٢).
وقالَ في "الفروع" (٣): وإنْ قدَر (٤) على المكفولِ وقد أدَّى عنه ما يلزِمُه، فظاهرُ
стр. 879
ومن كَفَلَه اثنانِ، فسلَّمَهُ أحدُهُما، لم يَبَرأ الأخَرُ، وإن سَلَّم نفسَهُ، بَرِئَا.
كلامِهم: أنَّه في رجوعِه عليه كضامنٍ، وأنَّه لا يُسلِّمه للمكفولِ له، ثئَم يستردُّ ما أدَّاه، بخلافِ مغصوبٍ تعذَّرَ إحضارُه مع بقائِه، لامتناعِ بيعِه.
"فرعٌ": السَّجَّانُ كالكفيلِ، فيغرَمُ إنْ هربَ منه المحبوسُ، وعَجزَ عن إحضارِه. قال العلَّامةُ ابنُ نصرِ اللهِ: الأظهرُ: أنَّه كالوكيلِ في حفظِ الغريمِ. وقدْ كنتُ أَفتي بما ذكرَهُ المصنِّفُ -أعني به صاحبَ "الفروع" -ثمَّ ترجحَ عندي أنَّه كالوكيلِ بجُعلٍ. وكذا رسولُ الشرعِ ونحوُه، فإنْ هربَ غريمٌ من رسولِ الشرعِ، وكان بتفريطِ الرسولِ، لزِمَه إحضارُه دونَ ضمانِ ما عليه، وإنْ لم يكنْ منه تفريطٌ، فلا ضمانَ عليه، قياسًا على مَنْ أتلَفَ وثيقةً ضمِنَ فيها إنْ تعذَّرَ
(ومَن) أي: ومَن مَدينٌ (كفَلَهُ اثنانِ) معًا، أو لا (فسلَّمَه أحدُهما) أي: أحدُ الكفيلينِ لربِّ الدَّيْنِ (لم يبرأْ) الكفيلُ (الآخرُ) بذلك؛ لأنَّ إحدى الوثيقتينِ انحلَّتْ من غيرِ استيفاءٍ، فلم تنحلَّ الأخرى، كما لو أبرأَ أحدَهما. (وإنْ سلَّمَ) مكفولٌ (نفسَه، برِئَا) أي: الكفيلانِ؛ لأداءِ الأصلِ ما عليهما، فيبرأنِ ببراءته.
"تتمَّةٌ": لو كفلَ جُزءًا شائعًا، كثُلُثِ أو رُبعِ مَن عَلَيه الحقُّ، أو كَفَلَ عضوًا منه ظاهِرًا كراسٍ ويدٍ، أو باطِنًا كقَلب وكبدٍ، صحَّتْ الكفالةُ، ويلزمُه إحضارُه؛ لأنَّه لا يمكنُ إحضارُه إلا بإحضارِ الكلِّ. والله أعلم.
стр. 880
بَابُ الحَوالَةِ
وشُروطُها خَمسَةٌ:
أحدُها: اتِّفاقُ الدَّينَينِ في الجِنسِ،
(بابُ الحَوَالَةِ)
بفتح الحاءِ وكسرِها، مشتقةٌ مِن التحولِ؛ لأنَّها تُحوِّلُ الحقَّ مِن ذمَّةٍ إلى ذمَّةٍ أخرى.
ثابتةٌ بالسُّنةِ؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "مطلُ الغنيِّ ظلمٌ (١)، ومَنْ أُحيلَ على ملئٍ فلتتْبَعْ". متفقٌ عليه (٢). وفي لفظٍ: "ومن أُحيلَ بحقِّه على ملئٍ فليَحتَلْ" (٣). وأجمعوا على جوازِها.
وهي عقدُ إرفاقٍ منفردٌ بنفسِه ليسَ محمولًا على غيرِه، ولا خيارَ فيها. وليستْ بيعًا، وجازتْ بلفظِه.
وهي: انتقالُ مالٍ من ذمَّةِ المُحيلِ إلى ذمَّةِ المُحالِ عليه، بحيثُ لا رجوعَ للمُحتالِ على المُحيلِ بحالٍ، إذا اجتمعتْ شروطُها.
ويصحُّ بلفظِ الحوالةِ، أو بمعناها الخاصِّ، كـ: أتبعتُكَ بدَينِكَ على زيدٍ ونحوِه.
(وشروطُها) أبي: شروطِ الحوالةِ (خمسةُ) شروطٍ:
(أحدُها: اتفاقُ الدَّينينِ في الجنسِ) كأنْ يحيلَ مَنْ عليه ذهبٌ بذهبٍ، أو