← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 803

شرح دليل الطالب - عبد الله المقدسي

عبد الله المقدسي

Полный текст (1 686 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

ويُعتَبَرُ رِضا الكَفِيل، لا المَكفُولِ، ولا المَكفُولِ له. ومتَى سَلَّمَ الكَفيلُ المَكفُولَ لرَبِّ الحَقِّ بِمَحَلِّ العَقْدِ، أو سَلَّمَ المَكفُولُ نفسَهُ، طالبٍ فيمَنْ ضَمِنَ (١) لرجلٍ معرفةَ رجلٍ، أُخِذَ به، فإنْ لمْ يقدرْ، ضمِنَ. ولا تصحُّ كفالةُ الوالدِ لولدِه؛ لأنَّه لا تُسمعُ دعواه عليه بغيرِ النفقةِ الواجبةِ بغيرِ النفقةِ الواجبةِ (ويُعتبرُ) لصحةِ الكفالةِ (رضا الكفيلِ) فلا يصحُّ من مُكرَهٍ به -لأنَّه لا يلزمُه الحقُّ ابتداءً إلا برضاه (لا) أي: لا يُعتبرُ رضا (المكفولِ) به، كالضَّمانِ (ولا) رضا (المكفولِ له) (٢) لأنَّه وثيقةٌ به، كالضَّمانِ. وتصحّ الكفالةُ بالأعيانِ، كالغصوبِ والعواري. ولا تصحُّ بالأماناتِ، كالوديعةِ، والشركةِ، والمضاربةِ، إلا إن كفلَهُ بشرطِ التعدِّي فيها، فيصحُّ، كالضَّمانِ. (ومتى سلَّمَ الكفيلُ المكفولَ) به (لربِّ الحقِّ) أي: المكفولِ له، وقد حلَّ الأجلُ، إنْ كانتِ الكفالةُ مؤجَّلةً (بمحلِّ العقدِ) أي: عقدِ الكفالةِ -ما لمْ يكنْ عيَّنَ الكفيلُ تسليمَه بمحلٍ، فيسلِّمُه فيه؛ وفاءً بالشرط- بعدَ حلولِ أجلِ الكفالةِ، أو قبلَه، إن لم يكنْ ضررٌ على المكفولِ له في تسليمِه له (أو) أنَّ المكفولَ عنه متى (سلَّمَ المكفولُ) به (نفسَه) في محلِّ التسليمِ والأجلِ

стр. 877

أو مَاتَ، بَرِئَ الكَفيلُ. (أو ماتَ) أي: المكفولُ به، سواءٌ توانى الكفيلُ في التسليمِ، أو لا. أو تلفتْ العينُ المضمونةُ، التي تَكفَّلَ ببدنِ مَنْ هي (١) عندَه، بفعلِ اللهِ تعالى قبلَ طلبٍ (برِئَ الكفيلُ) في هذه الصورِ. وعُلِمَ ممَّا ذكرَ من تلفِ العينِ: أنَّه لا يبرأْ بعدَ طلبِه بها، ولا بتلفِها بفعلِ آدميٍّ، ولا بغصبِها. ولو قال كفيلٌ: إن عَجَزْتُ عن إحضارِه، أو: متى عجَزْتُ عن إحضارِه، كان علئ القيامُ بما أقرَّ به. فقال ابنُ نصرِ اللهِ: لئم يبرأ بموتِ المكفولِ، ويلزمُه ما عليه. قال: وقد أفتيتُ فيها باللزومِ (٢) ولا يبرأُ كفيلٌ إنْ ماتَ هو، أو ماتَ المكفولُ له. فإنْ أحضرَ الكفيلُ المكفولَ به، وامتنعَ المكفولُ من التسليمِ بلا ضررٍ في تصليمِه، كأنْ (٣) كانَ الدَّيْنُ مؤجَّلًا ونحوَه، وليس ثمَّ يدٌ حائلةٌ ظالمةٌ، فإنْ كانَ، لم يبرأْ الكفيلُ، ولو لم يُشهِدْ على امتناعِه. وقال القاضي: يرفعُه إلى الحاكمْ فيسلِّمُه إليه، فإنْ لم يجدْه، يُشهدْ عليه. وإنْ كانتِ الكفالةُ مؤجَّلةً لم يلزمْه، أي: الكفيلَ، إحضارُه قبلَ أجلِها، كسائرِ الحقوقِ. قال الشيخُ تقيُّ الدينِ: إن كان المكفولُ في حبسِ الشرعِ، فسلَّمه الكفيلُ إليه

стр. 878

وإن تَعذَّرَ على الكِفيلِ إحضَارُ المكفُولِ، ضَمِنَ جَميعَ ما عَليهِ. في الحبس، برِئَ الكفيلُ. ولا يلزفه إحضارُه من الحبسِ إليه عندَ أحدٍ من الأئمةِ، ويُمكِّنُه الحاكمُ مِن الإخراجِ، ليحاكمَ غريمَه، ثمَّ يردُّه إلى الحبسِ. وإنْ كانَ المكفولُ محبوسًا عندَ غيرِ حاكمِ الشرعِ، لم يلزمِ الكفيلَ تسليمُ المكفولِ عنه في هذه الحالةِ؛ لأنَّ الحبسَ يمنعُ ربَّ الدَّينِ استيفاءَ حقِّه، فلا أثرَ لتسليمِه. وإنْ شرطَ كفيلٌ البراءةَ من المالِ إن تعذَّرَ إحضارُه عليه، فلا يضمنُ المالَ الذي على المكفولِ عنه؛ لحديثِ: "المسلمونَ على شروطِهم" (١). (وإنْ تعذَّرَ على الكفيلِ إحضارُ المكفولِ) مع حياتِه؛ بأنْ توارىَ، أو غابَ عن البلدِ غَيْبةً قريبةً أو بعيدةً، ومضَى زمنٌ يُمكِنُ الكفيلَ ردّه إلى البلدِ فيه، أو مضَى زمنٌ عَيَّنَه الكفيلُ لإحضارِ المكفولِ، كما لو قالَ: كفلتُه على أنْ أُحضِرَه لك غدًا، أو نحوَه. فمضَى الغدُ ولم يُحضِرْهُ. أو كانتِ الغيبةُ لا يُعلمُ فيها خبرُه، أو لامتناعِه، أو لأحدٍ منَعَه عنه، كذي سلطانٍ، ونحوِه. و (ضمِنَ) الكفيلُ (جميعَ ما عليه) أي: ما على المكفولِ من الدَّيْنِ. قال المجدُ في "شرحه": ولم يسقطْ عنه المالُ بإحضارِه بعدَ الوقتِ المسمَّى (٢). وقالَ في "الفروع" (٣): وإنْ قدَر (٤) على المكفولِ وقد أدَّى عنه ما يلزِمُه، فظاهرُ

стр. 879

ومن كَفَلَه اثنانِ، فسلَّمَهُ أحدُهُما، لم يَبَرأ الأخَرُ، وإن سَلَّم نفسَهُ، بَرِئَا. كلامِهم: أنَّه في رجوعِه عليه كضامنٍ، وأنَّه لا يُسلِّمه للمكفولِ له، ثئَم يستردُّ ما أدَّاه، بخلافِ مغصوبٍ تعذَّرَ إحضارُه مع بقائِه، لامتناعِ بيعِه. "فرعٌ": السَّجَّانُ كالكفيلِ، فيغرَمُ إنْ هربَ منه المحبوسُ، وعَجزَ عن إحضارِه. قال العلَّامةُ ابنُ نصرِ اللهِ: الأظهرُ: أنَّه كالوكيلِ في حفظِ الغريمِ. وقدْ كنتُ أَفتي بما ذكرَهُ المصنِّفُ -أعني به صاحبَ "الفروع" -ثمَّ ترجحَ عندي أنَّه كالوكيلِ بجُعلٍ. وكذا رسولُ الشرعِ ونحوُه، فإنْ هربَ غريمٌ من رسولِ الشرعِ، وكان بتفريطِ الرسولِ، لزِمَه إحضارُه دونَ ضمانِ ما عليه، وإنْ لم يكنْ منه تفريطٌ، فلا ضمانَ عليه، قياسًا على مَنْ أتلَفَ وثيقةً ضمِنَ فيها إنْ تعذَّرَ (ومَن) أي: ومَن مَدينٌ (كفَلَهُ اثنانِ) معًا، أو لا (فسلَّمَه أحدُهما) أي: أحدُ الكفيلينِ لربِّ الدَّيْنِ (لم يبرأْ) الكفيلُ (الآخرُ) بذلك؛ لأنَّ إحدى الوثيقتينِ انحلَّتْ من غيرِ استيفاءٍ، فلم تنحلَّ الأخرى، كما لو أبرأَ أحدَهما. (وإنْ سلَّمَ) مكفولٌ (نفسَه، برِئَا) أي: الكفيلانِ؛ لأداءِ الأصلِ ما عليهما، فيبرأنِ ببراءته. "تتمَّةٌ": لو كفلَ جُزءًا شائعًا، كثُلُثِ أو رُبعِ مَن عَلَيه الحقُّ، أو كَفَلَ عضوًا منه ظاهِرًا كراسٍ ويدٍ، أو باطِنًا كقَلب وكبدٍ، صحَّتْ الكفالةُ، ويلزمُه إحضارُه؛ لأنَّه لا يمكنُ إحضارُه إلا بإحضارِ الكلِّ. والله أعلم.

стр. 880

بَابُ الحَوالَةِ وشُروطُها خَمسَةٌ: أحدُها: اتِّفاقُ الدَّينَينِ في الجِنسِ، (بابُ الحَوَالَةِ) بفتح الحاءِ وكسرِها، مشتقةٌ مِن التحولِ؛ لأنَّها تُحوِّلُ الحقَّ مِن ذمَّةٍ إلى ذمَّةٍ أخرى. ثابتةٌ بالسُّنةِ؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "مطلُ الغنيِّ ظلمٌ (١)، ومَنْ أُحيلَ على ملئٍ فلتتْبَعْ". متفقٌ عليه (٢). وفي لفظٍ: "ومن أُحيلَ بحقِّه على ملئٍ فليَحتَلْ" (٣). وأجمعوا على جوازِها. وهي عقدُ إرفاقٍ منفردٌ بنفسِه ليسَ محمولًا على غيرِه، ولا خيارَ فيها. وليستْ بيعًا، وجازتْ بلفظِه. وهي: انتقالُ مالٍ من ذمَّةِ المُحيلِ إلى ذمَّةِ المُحالِ عليه، بحيثُ لا رجوعَ للمُحتالِ على المُحيلِ بحالٍ، إذا اجتمعتْ شروطُها. ويصحُّ بلفظِ الحوالةِ، أو بمعناها الخاصِّ، كـ: أتبعتُكَ بدَينِكَ على زيدٍ ونحوِه. (وشروطُها) أبي: شروطِ الحوالةِ (خمسةُ) شروطٍ: (أحدُها: اتفاقُ الدَّينينِ في الجنسِ) كأنْ يحيلَ مَنْ عليه ذهبٌ بذهبٍ، أو

стр. 881

والصِّفَةِ، والحُلُول، والأَجَلِ. الثَّانِي: عِلمُ قَدرِ كلٍّ مِنَ الدَّينَين. الثَّالِثُ: استِقرَارُ المَالِ المُحالِ عليه، فضةٌ بفضةٍ (١)، أو بالعكسِ، لم يصحَّ؛ للتخالفِ. (و) اتفاقُ الدَّينينِ في (الصفةِ) كصحاحٍ بصحاحٍ، أو مضروبةٍ بمثلِها، فإنِ اختلفَا، لم يصحَّ. (و) اتفاقُ الدَّينينِ في (الحلولِ) بأنْ يكونا حالَّينِ، فلا تصحُّ إنْ كان أحدُهما حالًّا والآخرُ مؤجَّلًا. (و) في (الأجلِ) بأنْ يكونا مؤجَّلينِ أجلًا واحدًا، فلا يصحُّ إنْ كان أجلُ أحدِهما يخالفُ الآخرَ. فلو كانَا حالَّينِ، فشرطَ المحتالُ تأخيرَه، أو بعضَه إلى أجلٍ معلومٍ، لم يصحَّ. (الثاني) من الشروطِ: (عِلْمُ قدرِ كلٍّ من الدَّينينِ) فلا تصحُّ الحوالةُ بعَشَرَةٍ على خمسةٍ. وتصحُّ إذا أحالَ بخمسَةٍ من العشرةِ التي عليه على خمسةٍ له، أو بخمسةٍ عليه على خمسةٍ من عشرةٍ له؛ إذ الممتنعُ إنَّما هو أنْ يحيلَ بعشرةٍ على خمسةٍ، أو عكسُه. ولا يضرُّ اختلافُ سَبَبَي الدَّينَينِ، كما في "الإقناع". قال في "شرحه": بأنْ يكونَ أحدُهما عن قرضٍ، والآخرُ ثمنُ مبيعٍ أو نحوِه (٢). (الثالثُ) من الشروطِ: (استقرارُ المالِ المُحال (٣) عليه) بأنْ يكونَ ثابتًا في

стр. 882

لا المُحَالِ به. الرَّابِعُ: كونُهُ يصِحُّ السَّلمُ فيه. الذمَّةِ، كبدلِ قرضٍ، وثمنِ مبيعٍ بعدَ لزومِ بيعٍ؛ لأنَّ غيرَ المستقرِّ عُرضةٌ للسقوطِ. ومقتضى الحوالةِ: إلزامُ المُحالِ عليه بالدَّينِ مطلقًا. فلا تصحُّ الحوالةُ على المسلَمِ فيه، ولا على رأسِ مالِ سَلَمٍ بعدَ فسخِ السَّلَمِ، أو على صداقٍ قبلَ دخولٍ، أو مالِ كِتابَةٍ، لعَدَمِ استقرَارِهِما. وتصحُّ على صدَاقٍ بعدَ دخولٍ، ونحوِه (لا) أبي: لا يُشترطُ استقرارُ المالِ (المُحالِ به) فيصحُّ إنْ أحالَ مكاتَبٌ سيِّدَه بمالِ كتابةٍ، أو أحالَ زوجُ امرأةٍ بصداقِها -ولو قبلَ دخولٍ- على مالٍ مستقرٍّ. وكذا حوالةٌ بجُعْلٍ قبلَ عملٍ؛ لأنَّ الحوالةَ به بمنزلةِ وفائِه. ويصحُّ الوفاءُ قبلَ الاستقرارِ. ولا تصحُّ الحوالةُ بجزيةٍ، لفواتِ الصَّغارِ عن المُحيلِ، ولا حوالةُ ولدٍ على أبيهِ. (الرابعُ) من الشروطِ: (كونُه) أبي: المُحتالِ عليه (يصحُّ السَّلَمُ فيه) من مثليٍّ، كمكيلٍ وموزونٍ، ومن غيرِ المثليِّ، كمعدودٍ ومذروعٍ ينضبطان بالصِّفةِ. ولا تصحُّ فيما لا يصحُّ السَّلَمُ فيه، كالجوهرِ ونحوِه، وجلودٍ، ورؤوسٍ، وأكارعَ، وبيضٍ، ونحوِها، وأوانٍ مختلفةٍ رؤوسًا وأوساطًا، وفواكِهَ معدودةٍ، أو مغشوشِ أثمانٍ، أو معاجينَ، أو نَدٍّ، أو غاليةٍ، وقِسيٍّ، ونحوِه (١). "فائدةٌ": قال شيخُ الإسلامِ تقيُّ الدينِ ابنُ تيميةَ: الحوالةُ على ما لَهُ في الديوانِ إذنٌ في الاستيفاءِ فقطْ. ومثلُه: الحوالةُ على ما له في الوقفِ. وللمحتالِ إذَن الرجوعُ، ومطالبةُ مُحيلِه. فلو أحالَ الناظرُ بعضَ المستحقِّينَ على جهةٍ، لم تصحَّ.

стр. 883

الخَامِسُ: رضا المُحِيلِ لا المُحتَالِ، إنْ كانَ المُحالُ عليه مَليئًا، وهو مَنْ له القُدرةُ على الوَفاءِ، ولَيس مُمَاطِلا، ويُمكِنُ حُضُورُه لمجلِسِ الحُكمِ. قالَهُ في "الإقناع" (١). (الخامسُ) من الشروطِ: يُعتبرُ (رضا المُحيلِ) لأنَّ الحقَّ عليه (لا) رِضا (المُحتالِ) لأنَّ للمحيلِ وفاءَ ما عليه من الحقِّ بنفسِه، وبمَنْ يقومُ مقامَه، وقدْ أقامَ المحالَ عليه مقامَ نفسِه في التقبيضِ، فلزِمَ المحتالَ القبولُ (إنْ كانَ المحالُ عليه مَليئًا) قادرًا بمالِه، وقولِه، وبدنِه. (و) المليءُ عندَ الزركشيِّ (هو: مَنْ له القدرةُ (٢) على الوفاءِ) أبي: له مالٌ يفي منه (وليس) المحال عليه (مماطلًا) أبي: بل يكونُ باذِلًا للحَقِّ. (و) القدرةُ ببدنِه: (يمكنُ حضورُه إلى مجلسِ الحكمِ) أبي: مجلسِ القضاءِ. فلا يلزمُ ربَّ الدَّيْنِ أنْ يحتالَ على والدِه؛ لأنَّه لا يمكنُه إحضارُهُ إلى مجلسِ الحكمِ. ولا يلزمُ أن يحتالَ على مَن هُو في غَيرِ بَلَدِه، لعَدَمِ قُدرَتِه على إحضَارِه مجلِسَ الحُكمِ. قال العلَّامةُ الشيخُ منصور في "شرحه" على "الإقناع" (٣): قياسُه: الحوالةُ على ذي سلطانٍ لا يمكنُه إحضارُه مجلسَ الحكمِ. قال عمُّ والدي العلَّامةُ الشيخُ مرعي في كتابِه "غاية المنتهى" (٤): ويتجِّه: ولا على ذي شوكةٍ

стр. 884

فمتَى توفَّرَتِ الشّرُوطُ، بَرِئَ المحْيلُ من الدَّينِ بمُجرَّدِ الحَوالَةِ، أفلَسَ المُحَالُ عليهِ بعدَ ذلِكَ أو مَاتَ. ومتَى لمْ تتوفَّرِ الشُّرُوطُ، لم تَصِحَّ الحَوالَةُ، وإنَّما تكُونُ وكالَةً. ولا يصحُّ أنْ يحيلَ ربُّ الدَّيْنِ على أبيهِ؛ لأنَّ المحيلَ لا يملكُ مطالبةَ المحالِ عليه، ففرعُهُ كذلك (فمتى توفَّرَتِ الشروطُ) الخمسةُ (برِئَ المحيلُ من الدَّيْنِ) الذي عليه (بمجرَّدِ الحوالةِ) لأنَّه يجبُ على مَنْ أُحيلَ على مليءٍ أنْ يحتالَ؛ لظاهرِ قولِه ﷺ : "إذا أتبعَ أحدُكم على مليءٍ فليتبعْ" (١). فإنِ امتنعَ المحتالُ، أُجبِرَ على قبولِها. ولو (أفلسَ المحالُ عليه) أو جحدَ الدَّيْنَ (بعدَ ذلك) أبي: بعدَ الحوالةِ المتوفرةِ الشروطِ (أو ماتَ) أبي: ولو ماتَ المحتالُ عليه بعدَ ذلك، فيتبعُ ميراثَه إنْ كان (ومتى لم تتوفَّرِ الشروطُ) الخمسةُ، فاختلَّت (٢)، أو اختلَّ واحدٌ منها (لم تصحَّ الحوالةُ) فلربِّ الدَّيْنِ اتباعُ المديونِ المحيلِ، ومطالبتُه بدينِه (وتكونُ) هذه الحوالةُ (وكالةً) في قبضِ ما عليه إنْ تبعَه وطالبَه. وإنْ ظنَّ المحتالَ عليه مَليئًا، أو جهِلَه، فبانَ مُفلسًا، رجعَ بدَينِه على المحيلِ. ولا يرجعُ إنْ رضيَ بالحوالةِ على مَن ظنَّه مليئًا أو جهلَه ولمْ يشترطِ الملاءةَ؛ لتفريطِه بتركِ اشتراطِها. فإنْ اشترطَها، فبانَ المحالُ عليه مُعْسِرًا، رجعَ على المحيلِ. قال العلَّامةُ الشيخُ منصورٌ في "شرحه" على "المنتهى" (٣): ويُؤخذُ منه: صحَّةُ هذا الشرطِ؛ لما فيه من المصلحةِ.

стр. 885

بابُ الصُّلْحِ (بابُ الصُّلْحِ) اسمُ مصدرٍ، لـ: صالَحُه مصالحةً وصِلاحًا، بكسرٍ الصادِ. قال الجوهريُّ: والاسمُ: الصُّلْحُ. يُذكَّرُ ويُؤنَّثُ. وقد اصطلحا، وتصالحا، واصَّالحا، مشدَّدُ الصادِ. وصلُحَ الشيءُ، بضمِّ اللَّامِ وفتحِها (١). وهو لغةً: قطعُ المنازعةِ. وأحكام الجوارِ -بكسرِ الجيمِ- مصدرٌ بمعنى المجاورةِ. وأصلُه الملازمةُ؛ لأنَّ الجارَ يلزمُ جارَه في السَّكنِ. والصُّلْحُ شرعًا: معاقدةٌ يُتوصَّلُ بها إلى إصلاحٍ، أو موافقةٍ بين متخاصمَينِ. وقال ابنُ رزينٍ في "شرحه": هو الموافقةُ بعدَ المنازعةِ. والصُّلْحُ خمسةُ أنواعٍ: أحدُها: يكونُ بين مسلمِينَ وأهلِ حربٍ. وتقدَّمتْ أقسامُه في الجهادِ. والثاني: بين أهلِ عدلٍ وأهلٍ بَغيٍ. ويأتي في قتالِ أهلِ البغيِ. والثالثُ: بين زوجينِ خِيفَ شِقاقٌ بينهما، أو خافتِ الزوجةُ إعراضَه. ويأتي في عِشْرَةِ النساءِ. والرابعُ: بين متخاصِمَيْنِ في غيرِ مالٍ. والخامسُ: بين متخاصِمَيْنِ في المالِ.

стр. 886

يَصِحُّ ممَّن يصِحُّ تبرُّعُه، مَعَ الإقرَارِ والإنكَارِ. وهو قسمان: صلحٌ على إقرارٍ، وصلحٌ على إنكارٍ. وزادَ في "الإنصافِ" (١): قسمًا ثالثًا، وهو: الصُّلْحُ مع السُّكوتِ عنه. [والصُّلْحُ في الأموالِ على قسمينِ، قسمٌ على إقرارٍ، وقسمٌ على إنكارٍ] (٢) والصلحُ على الإقرارٍ (٣) نوعانِ: نوعٌ (٤) يقعُ على جنسِ الحقِّ، مثلُ أنْ يُقرَّ جائزُ التصرُّفِ له، وإليه أشارَ بقولِه: (يصحُّ (٥) ممَّنْ يصحُّ تبرُّعُه): من جائزٍ التصرُّفِ. وأمَّا مَنْ لم يصحَّ تبرُّعُه، كالمكاتَبِ والقنِّ المأذونِ لهما في التجارةِ، ووليِّ الصغيرِ، والسَّفيهِ، والمجنونِ، وناظرِ الوقفِ، فلا يصحُّ؛ لأنَّه تبرُّعٌ، وهم لا يملكونَه. إلا إنْ أنكرَ مَنْ عليه الحقُّ، ولا بيِّنةَ لِمَنْ يدَّعيهِ من المكاتَبِ والوليِّ ونحوِ ذلك، فيصحُّ الصُّلْحُ؛ لما فيه من الحظِّ والمصلحةِ، لاستيفاءِ (٦) البعضِ عندَ العَجْزِ عن استيفاءِ الكلِّ؛ لأنَّه أَوْلى من التركِ. فيصحُّ (مع الاقرارِ) أبي: مع إقرارِ مَنْ عليه الحقُّ بالحقِّ. (و) يصحُّ مع (الإنكارِ) أبي: مع إنكارِ مَنْ عليه الحقُّ.

стр. 887

فإذَا أقرَّ للمُدَّعِي بِدَينٍ أو عَينٍ، ثمَّ صالَحَهُ على بعضِ الدَّينِ، أو بَعضِ العَينِ المُدَّعَاةِ، فهو هِبةٌ يصِحُّ بلفظِها، لا بلفِظِ الصُّلْحِ. وإن صَالَحَهُ على عَينٍ غيرِ المُدَّعَاةِ، فهو بَيعٌ، يصِحُّ بلَفظِ الصُّلح، وتثبُتُ فيه أحكَامُ البَيعِ. (فإذا أقرَّ) المُدَّعى عليه (للمدَّعي بدَيْنٍ) معلومٍ في ذمَّتِه (أو) أقرَّ بـ (عينٍ) بيدِه (ثمَّ صالَحَهُ) المقرُّ له (على) وضعِ (بعضِ الدَّينِ) المقَرِّ له (أو) على (بعضِ العينِ المُدَّعاةِ) كنصفٍ، أو ثلثٍ، ونحوِ ذلك (فهو) أبي: فيكونُ ذلك (هبةً) لوجودِ الإقرارِ بما ادّعيَ به، فـ (يصحُّ) ذلك؛ لأنَّ الإنسانَ لا يُمنعُ من إسقاطِ بعضِ حقِّه، أو هبتِه، كما لا يُمنعُ من استيفائِه. ويصحُّ (بلفظِها) أبي: بلفظِ الهبةِ. و (لا) يصحُّ (بلفظِ الصُّلْحِ) لأنُّه هضمٌ للحقِّ. ويعتبرُ له شروطُ الهبةِ من كونِه جائزَ التصرُّفِ، والعلمِ بالموهوبِ، ونحوِه. ولا يصحُّ بلفظِ البيعِ؛ لعدمِ الثمنِ. بل بلفظِ الهبةِ والإبراءِ ونحوِهما. وقدْ منعَ الخِرَقيُّ، وابنُ أبي موسى الصُّلْحَ على إقرارٍ، وأباهُ الأكثرون. فعلى الأوَّلِ: إنْ وفَّاه من جنسِ حقِّه، فهو وفاءٌ، ومن غيرِ جنسِه، معاوضةٌ. وإنْ أبرأهُ مِن بعضِه، فهو إبراءٌ، وإنْ وهبَه بعضَ العينِ، فهو هبةٌ، ولا يُسمَّى صُلْحًا (١). (وإنْ صالَحَهُ على عينٍ غيرِ المُدَّعاةِ) بها (فهو بيغ) للعينِ الذي وقعَ الصُّلْحُ عليها فـ (يصحُّ بلفظِ الصُّلْحِ) كسائرِ المعاوضاتِ، بخلافِ ما قبلَه؛ لأنَّ المعاوضةَ عن الشيءِ ببعضِه محظورةٌ. (وتثبتُ فيه) أبي: في هذا الصُّلْحِ (أحكامُ البيعِ) المتقدِّمِ ذكرُه في كتابِ البيع.

стр. 888

فلو صالَحَه عن الدَّينِ بعَينٍ، واتَّفقَا في عِلَّةِ الرِّبا، اشترِطَ قَبضُ العِوَضِ في المَجلِس، وبشَيءٍ في الذِّمَّة، يبطُل بالتَّفرُّقِ قبلَ القَبضِ. وإن صالَحَ عن عَيبٍ في المَبيعِ، (فلو صالَحَه) المدَّعى عليه (عن الدَّيْنِ) الذي في الذمَّةِ، وأقرَّ له به (بعينٍ) من غيرِ جنسْه، (واتفقا) أبي: الدَّيْنُ المدَّعَى به، والعينُ الذي وقعَ الصُّلحُ عليها (في علَّةِ الرِّبا) بأنْ صالَحه بأثمانٍ عن أثمانٍ. فلو أقرَّ له بدينارٍ، فصالَحَه عن ذلك بعشرةِ دراهمَ مثلًا، أو عكَسِ، فهو صرفٌ، صحَّ. لكن (اشتُرطَ) فيه (قبضُ العِوضِ في المجلِسِ) قَبلَ التفرُّقِ منه. ويحرُمُ الصُّلح عن الدَّينِ بجنسِه، إذا كان مثليًّا، كمكيلٍ أو موزونٍ لا صناعةَ فيه مباحةً، يصحُّ السلمُ فيه بأكثرَ مِن الدَّيْنِ، أو أقلَّ منه، على سبيلِ المعاوضةِ؛ لأنَّه ربًا، لا إنْ تركَ له بعضَ الدَّينِ وأخذَ الباقي على سبيلِ الإبراءِ، كما لو أبرأَهُ من الكلِّ. وإنْ كانَ الدَّيْن غيرَ مكيلٍ ولا موزونٍ، وصالَحَه عنه بأكثرَ منه من جنسِه، جازَ؛ لأنَّ الواجبَ في غيرِ المثليِّ قيمته. فالصُّلْحُ في الحقيقةِ عن القيمةِ، وهي إنَّما تكونُ من النقدينِ، فاختلفَ الجنسُ، فلا ربا، (و) لو صالَحه عن دينٍ (بشيءٍ في الذمَّةِ) بأنْ صالَحَه عن دينارٍ في ذمَّتِه بإردبِّ (١) قمحٍ أو نحوِه في الذمَّةِ (يبطُلُ) ذلك (بالتفرُّقِ) مِن المجلسِ (قبلَ القبض) لذلك الشيءِ؛ لأنَّه يصيرُ بيعَ دينٍ بدينٍ. (وإنْ صالَحَ عن عيبٍ في المبيعِ) بشيءٍ من عينٍ كدينارٍ، أو منفعةٍ كسكنى

стр. 889

صَحَّ، فلو زالَ العَيبُ سَريعًا، أو لَم يَكن، رجَعَ بِما دَفَعَه. ويصِحُّ الصُّلحُ عَمَّا تعذَّر عِلمُه مِن دَينٍ، أو عَينٍ. و: أَقِرَّ لي بدَيْنِي، وأُعطِيكَ مِنه كَذَا، فأَقَرَّ، لَزِمَهُ الدَّينُ، ولم يلزَمْهُ أنْ يُعطِيَه. دارِه شهرًا، ونحوه (صحَّ) وليس من الأرشِ في شيءٍ. (فلو) حصلَ الصلحُ على عيبٍ في المبيعِ، فـ (زالَ العيبُ سريعًا) بلا كلفةٍ، ولا تعطيلِ نفعٍ على مشترٍ، كمريضٍ عُوفيَ، ونحوِه، رجعَ بما دفعَه. وكذا لو صالَحَ عن عيبٍ، فظهرَ أنَّه (لم يكن) معيبًا، (رجعَ بما دفعَه) عن المبيعِ (١)؛ لعدمِ استحقاقِه ذلك، كنفاخِ بطنِ امرأةٍ ظنَّه حملًا، ثمَّ ظهرَ الحالُ، أي: تبيَّنَ عدمُ الحملِ. (ويصحُّ الصُّلحُ عمَّا) كان مجهولًا (تعذَّرَ عِلمُه مِن دَيْنٍ) كمَنْ بينهُما معاملةٌ وحسابٌ مضى عليه زمنٌ طويلٌ، (أو) عمَّا تعذَّر علمُه من (عينٍ) كقفيزِ حنطةٍ، وقفيزِ شعيرٍ اختلطا، وطُحِنا بمالٍ معلومٍ، نقدًا أو نسيئةً (و) مَن قال لغريمِه: (أقرَّ لي بديني، وأُعطيكَ منه) أو قال: خذْ منه (كذا) أبي: عشرةً مَثَلًا (فأقرَّ) له (لزِمَه) أبي: المُقِرَّ بما أقرَّ به من (الدَّيْنِ) لأنَّه لا عذرَ لمَنْ اقرَّ (ولم) يصحَّ الصُّلحُ؛ لوجوبِ الإقرارِ عليه بالحقِّ، فلم يحلَّ له أخذُ العِوضِ عليه. فإن أخذ شيئًا، ردَّه. ولا (يلزمُه) أبي: ربَّ الدَّيْنِ (أنْ يُعطيَه) بما أوعدَ بإعطائِه؛ لعدمِ وجوبِه عليه.

стр. 890

فَصْلٌ وإذا أنكَرَ دَعَوى المُدَّعِي، أو سَكَتَ وهُوَ يجهَلُ، ثمَّ صَالَحَه، صَحَّ الصُّلحُ، وكانَ إبراءً في حَقِّه، وبَيعًا في حَقِّ المُدَّعِي. ومَنْ عَلِمَ بكَذِبِ نفسِه، فالصُّلحُ (فصلٌ) (وإذا أنكَرَ) المدَّعَى عليه (دعوى المدَّعِي، أو) أنَّ المدَّعَى عليه (١) (سكتَ وهو يجهلُ) أبي: المدَّعَى به، (ثمَّ صالَحَه) على مالٍ حالِّ، أو نسيئةٍ (صحَّ الصُّلحُ) في قولِ أكثرِ العلماءِ (٢)؛ لعمومِ قولِه ﷺ : "الصلحُ بين المسلمين جائزٌ" (٣). (وكان) الصلحُ (إبراءً في حقِّه) أبي: في حقِّ المدَّعَى عليه؛ لأنَّه بذَلَ العِوضَ لدفعِ الخصومةِ عن نفسِه، لا في مقابلةِ حقٍّ ثبتَ عليه. (وبيعًا في حقِّ المدَّعِي) فيما دفعَ ممَّا وقعَ عليه الصلحُ من المالِ؛ لأنَّه يعتقدُه عِوضًا عن مالِه، فلزِمَه حكمُ اعتقادِه. فإنْ وجدَ المنكرُ بالمُصالَحِ عنه عَيبًا، لم يرجعْ به -أبي (٤): بما دفعَه مِن المالِ- ولا بأرشِه، على المدَّعي. (ومَنْ عَلِمَ (٥) بكذبِ نفسِه) من مدَّعٍ ومدَّعَى عليه، (فالصلحُ) في حقِّ مَنْ

стр. 891

باطِلٌ في حَقِّه. وما أخَذَ فحَرامٌ. ومن قال: صالِحنِي عنِ المِلكِ الذِي تَدَّعيه، لم يكُنْ مقِرًّا. وإن صالَحَ أجنَبِيٌّ عَنْ فنكِرٍ للدَّعوَى، صَحَّ الصُّلح، أَذِنَ لَه أوْ لا، لكِنْ لا يَرجِعُ عليه بِدُونِ إذنِه. ومن صالَحَ عن دارٍ، أو نَحوِها، فبانَ عَلِمَ بكذبِ نفسِه، (باطلٌ في حقِّه) أمَّا المدَّعِي؛ فلأنَّ الصلحَ مبنيُّ على دعواه الباطلةِ. وأمَّا المدَّعى عليه، فلأنَّه مبنيُّ على جحدِه حقَّ المدَّعِي ليأكُلَ ما يَنقصُه بالباطلِ. (وما أخذَ) مدَّعٍ عالمٌ كذبَ نفسِه، مما صُولِحَ به، أو مدَّعًى عليه ممَّا انتقصَه (١) من الحقِّ بجحدِه، (فـ) هو (حرام) لأنَّه أكلُ مالِ الغيرِ بالباطلِ، يجبُ عليه ردُّه. (ومَنْ قالَ) لآخر: (صالحني عن المِلكِ الذي تدَّعيهِ، لم يكنْ مُقِرًّا به) أبي: بالمِلكِ للمقولِ له، لاحتمالِ إرادةِ صيانةِ نفسِه عن التبذُّلِ، وحضورِ مجلسِ الحكمِ بذلك. (وإن صالحَ أجنبيٌّ عن مُنكِرٍ للدَّعوىَ، صحَّ الصُّلحُ) سواءٌ (أذِنَ) المنكرُ للدَّعوىَ (له) أبي: للأجنبيِّ من الصُّلحِ (أو لـ) مْ يأذنْ له فيه. (لكنْ): استدراكٌ على قولِه: "وإنْ صالحَ أجنبيٌّ" (لا يرجعُ) أجنبيٌّ (عليه) أبي: على المنكرِ بما دفعَه (بدونِ إذنِه) أبي: إذنِ المنكرِ. (ومَنْ صالحَ) آخرَ (عن دارٍ، أو نحوِها) ككتابٍ وحيوانٍ، بعِوَضٍ، (فبانَ

стр. 892

العِوَضُ مُستحَقًّا، رجعَ بالدَّار مع الإقرَارِ، وبالدَّعوى مع الإنكَارِ. ولا يَصِحُّ الصُّلحُ عن خِيارٍ، أو شُفَعةٍ، أو حَدِّ قَذْفٍ، وتَسقُطُ جَميعُهَا، ولا شَارِبًا، أو سَارِقًا ليُطلِقَه، أو شاهِدًا ليكتُمَ شهادَتَه. العِوَضُ مستحقًّا) لغيرِ المُصالحِ، أو بانَ القِنُّ حرًّا، (رجعَ بالدارِ) ونحوِها، المصالَحِ عنها، إنْ بقيتْ، وببدلِها إنْ تلفِتْ، إنْ كانَ الصُّلحُ (مع الإقرارِ) لأنَّه بيعٌ حقيقةً، وقدْ تبيَّنَ فسادُه لفسادِ عِوضِه، فرجعَ فيما كان له (و) رجعَ المدَّعِي (بالدعوىَ) أبي: إلى دعواه قبلَ الصُّلحِ. وفي "الرعاية": أو قيمةِ المستحقِّ المصالَحِ به (مع الإنكارِ) لتبيُّنِ فسادِ الصُّلحِ بخروجِ المصالَحِ به غيرَ مالٍ، أشبَه ما لو صالَحَ بعصيرٍ، فبانَ خمرًا، فيعودُ الأمرُ إلى ما كان عليه قبلَهُ. ووَجَّه ما في "الرعاية": أنَّ المدَّعي رضيَ بالعِوضِ، وانقطعتِ الخصومةُ، ولم يُسلَّم له، فكان له قيمتُه. ورُدَّ: بأنَّ الصلحَ لا أثرَ له؛ لتبينِ فسادِه (١). (ولا يصحُّ الصُّلحُ) بعِوضٍ (عن خيارٍ) في بيعٍ، أو إجارةٍ، (أو) عن (شفعةٍ، أو) عن (حدِّ قذفٍ) لأنَّها لم تُشرَعْ لاستفادةِ مالٍ، بل الخيارُ للنظرِ في الحظِّ، والشفعةُ لإزالةِ الضررِ بالشركةِ. وحدُّ القذفِ للزجرِ عن الوقوعِ في أعراضِ الناسِ. (وتسقُطُ جميعُها) أبي: الخيارُ، والشفعةُ، وحدُّ القذفِ، بالصُّلْحِ؛ لأنَّه رضِيَ بتركِها. (ولا يصحُّ) أنْ يُصالِحَ (شاربًا) لخمرٍ، (أو سارقًا؛ ليُطلِقَه) ولا يرفعَهُ للسلطانِ؛ لأنَّه لا يصحُّ أخذُ العِوضِ في مقابلتِه. (أو) يصالِحَ (شاهدًا، ليكْتُمَ شهادتَه) لتحريمِ

стр. 893

فَصْلٌ ويحرُمُ على الشَّخصِ أن يُجرِيَ ماءً في أرضِ غَيرِه، أو سَطحِه، بلا إِذْنِه، ويصِحُّ الصُّلحُ علَى ذلِك بِعَوضٍ. كتمانِها إنْ صالَحَه على أنْ لا يَشهدَ عليه بحقِّ اللهِ، أو آدميٍّ. وكذا على أنْ لا يَشهدَ عليه بالزُّورِ؛ لأنَّه لا يُقابَلُ بعِوضٍ. (فصلٌ) في أحكامِ الجوارِ (ويحرُمُ على الشَّخصِ أنْ يُجريَ ماءً في أرضِ غيرِه، أو) في (سطحِ) غيرِ (هـ، بلا إذنِه) أي: إذنِ صاحبِ الأرضِ أو السَّطحِ؛ لتضرُّرِه، أو تضرُّرِ (١) أرضِه. وفي روايةِ: إنْ دعتْ ضرورةٌ (٢). وقيلَ: أو حاجةٌ. (ويصحُّ الصُّلحُ على ذلك) أي: إجراءِ الماءِ في سطحِ غيرِه، أو أرضِ غيرِه (بعِوضٍ) لأنَّه إمَّا بيعٌ، أو إجارةٌ. فمعَ بقاءِ مِلكِه إجارةٌ، وإلا فبيعٌ؛ لأنَّ العِوضَ في مقابلةِ المحلِّ. ويُعتبرُ لصحةِ ذلك إذا وقعَ إجارةً: عِلْمُ قدْرِ الماءِ الذي يُجريه؛ لاختلافِ ضررِه بكثرتِه وقلَّتِه. بساقيته. وعِلْمُ قدْرِ ماءِ مطرٍ برؤيةِ ما - أي: محلٍّ - يزولُ عنه من سطحٍ أو أرضٍ، أو بمساحتِه - أي: قدرِ طولِه وعَرْضِه - وتقديرِ ما يجري فيه الماءُ من ذلك المحلِّ.

стр. 894

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولا (١) يُعتبرُ قدْرُ عُمْقِه. وفي "الإقناع": يُعتبرُ إنْ وقعَ إجارةً. ولا عِلْمُ مدَّتِه؛ للحاجةِ ويصحُّ شراءُ ممرٍّ في دارٍ ونحوِها، من مالِكه، وشراءُ موضعٍ بحائطٍ يُفتحُ بابًا، وشراءُ بقعةٍ تُحفرُ بئرًا، وشراءُ عُلْوِ بيتٍ، ولو لم يُبْنَ البيتُ إذا وُصِفَ. يعني: أنَّه يصحُّ شراءُ عُلْوِ بيتٍ غيرِ مبنيٍّ؛ ليبنيَه البائعُ، ثُمَّ يبني المشتري على عُلوِه إذا وُصِفَ البيتُ المطلوبُ شراءُ عُلْوِه؛ بأنْ يذكرَ طولَهُ، وعَرْضَهُ، وسَمْكَهُ، وآلتَه، من طينٍ ولَبِنٍ، أو طينٍ وآجُرٍّ، أو طينٍ ونُورَةٍ، وحجرٍ، ونحوِ ذلك. أو ليضعَ عليه خشبًا مَوصوفًا (٢). قال في "المبدع": وظاهرُه: أنَّه لا يجوزُ أنْ يُحدثَ ذلك على الوقفِ. قال في "الاختيارات": وليسَ لأحدٍ أنْ يبنيَ على الوقفِ ما يضرُّه، اتفاقًا. وكذا إنْ لمْ يضرَّه، عندَ الجمهورِ (٣). فإذا وقعَ الصُّلحُ على ما ذُكِرَ، كان الصُّلْحُ صُلحًا مؤبدًا، ولو كان إجارةً مدةً معلومةً. قال في "المنتهى" (٤): فإذا مَضتْ - أي: مدَّةُ الإجارةِ - بقيَ البناءُ، وله أجرةُ المثلِ.

стр. 895

ومن لَه حَقُّ ماءٍ يَجرِي على سَطحِ جارِه، لَمْ يَجُزْ لجارِهِ تعليَةُ سطحِه؛ ليمنَعَ جَريَ المَاءِ. وحرُمَ على الجَارِ أن يُحدِثَ بمِلكِه ما يَضُرُّ بجَارِه، كحمَّامٍ، وكَنيفٍ، ومتى زالَ البنيانُ أو الخشبُ، فله إعادتُه؛ لأنَّه استحقَّ إبقاءَهُ بعِوضٍ، سواءٌ زالَ لسقوطه (١)، أو لسقوطِ الحائطِ، أو لغيرِ ذلك. ورجعَ بأجرةِ مدَّةِ زوالِه عن البيتِ - في أثناءِ مدَّةِ الإجارةِ - سقوطًا لا يعودُ. قالَهُ في "المغني" (٢). ولربِّ البيتِ الصلحُ على إزالةِ العُلْوِ عن البيتِ، أو الصلحُ على عدمِ عودِه بعدَ أنْ انهدمَ. قال العلَّامةُ الشيخُ منصورٌ في "شرحه" على "المنتهى" (٣): قلتُ: وعلى قياسِه: الحاكورةُ (٤) المشهورةُ في الأوقافِ. فليس لجهةِ الوقفِ إلا أجرةُ المثلِ، كما هو العُرْفُ فيها. "فائدةٌ": له تعليةُ بنائِه، ولو أفضَى إلى سدِّ الفضاءِ عن جارِه. قالَهُ شيخُ الإسلامِ الشيخُ تقيُّ الدينِ (٥). (ومَنْ له حقُّ ماءٍ يجري على سطحِ جارِه، لم يَجزْ لجارِه تعليةُ سطحِه؛ ليمنعَ جريَ الماءِ) على سطحِه؛ لما فيه من إبطالِ حقِّ جارِه. (وحَرُمَ على الجارِ أنْ يُحدِثَ بملكِه ما يَضُرُّ بجارِه، كحمَّامٍ) يتأذَّى جارُه بدُخانِه، أو ينضرُّ حائطُه بمائِه. ومثلُه: مطبخُ سُكَّرٍ (وكنيفٍ) أو بالوَعةٍ يتأذَّى جارُه

стр. 896

ورَحىً، وتنُّورٍ، وله منعُهُ مِن ذَلِكَ. بريحِه، أو يصلُ إلى بئرِه. فإنِ ادَّعى فسادَ بئرٍ بكنيفٍ أو بالوعةٍ، اختُبِرَ بالنِّفْطِ يُلقى فيها، فإنْ ظهرَ طعْمُه أو ريحُه بالماءِ، نُقِلتا، إنْ لم يمكنْ إصلاحُهما ببناءٍ أو غيرِه. هذا إذا كان كانتْ البئرُ أقدمَ منهما. قالَهُ في "حاشية المنتهى" (١). (و) أنْ يُحدثَ (رحًى) يهتزُّ بها حيطانُه، (وتنُّور) يتعدَّى دخانُه إليه. وكذا دكانُ حدادةٍ وقِصارةٍ يتأذَّى بدقِّه بهزِّ الحيطانِ؛ لحديث: "لا ضررَ ولا (٢) ضرارَ" (٣). وهذا إضرارٌ بجارِه. (وله) أي: الجارِ (منعُه من ذلك) الذي يتضرَّرُ منه. بخلافَ طبخٍ وخبزٍ في مِلكِه، فلا يُمنعُ منه؛ لدعاءِ الحاجةِ إليه، وضررُه يسيرٌ، لاسيما بالقرى. وإنْ كان هذا الذي يحصلُ منه الضررُ للجارِ - من حمَّامٍ ورحًى وغيرِهما - سابقًا على مِلكِ الجارِ، مثلُ مَنْ له في مِلكِه مدبغةٌ، أو تنُّورٌ، ونحوُهما، فأحيا إنسانٌ إلى جانبِه مواتًا، أو بنى بجانبِه دارًا ونحوَه، أو اشترى دارًا بجانبِه، بحيثُ إنَّ صاحبَ المِلكِ المحدَثِ يتضرَّر بالمدبغةِ والتنُّورِ ونحوِهما، لم يلزمْ صاحبَها إزالتُه؛ لأنَّه لم يُحدثْ بملكِه، وإنَّما كان موجودًا قبلَهُ.

стр. 897

ويَحرُمُ التَّصرُّفُ في جِدَار جَارٍ مُشتَركٍ بفَتح رَوزَنَةٍ، أو طَاقٍ، أو ضَرْبِ وتَدٍ ونحوِه، إلَّا بإذنِه. وكَذَا وضْعُ خَشَبٍ، إلَّا أنْ لا يُمكِنَ تسِقيفٌ إلَّا بِه، ويجبَرُ الجَارُ إن أبَى. "تتمَّةٌ": قال شيخُ الإسلامِ، الشيخُ تقيُّ الدينِ ابنُ تيميةَ: ومَن كانتْ له ساحةٌ يلقي فيها الترابَ والحيوانَ الميِّتَ، وتضرَّرَ الجيرانُ بذلك، فإنَّه يجبُ على صاحبِها أنْ يدفعَ ضررَ الجيرانِ؛ إمَّا بعمارتِها، أو بإعطائِها لمَنْ يعمرُها، أو يُمنعَ أنْ يُلقِيَ فيها ما يضرُّ بالجيرانِ (١) (ويحرُمُ) على الجارِ (التصرُّفُ في جدارِ جارٍ) ولو (مُشتَرَكـ) ـًا، بينَ المتصرِّفِ وغيرِه (بفتحِ رَوْزَنَةٍ) وهي: الكَوَّةُ، بفتحِ الكافِ وضمِّها. أي: الخَرْقُ في الحائطِ. (أو) بفتحِ (طاقٍ): ما انعطَفَ من الأبنيةِ، (أو) بـ (ضربِ وتَدٍ) ولو لسترةٍ (ونحوِه) كمسمارٍ، ورَفٍّ، وغيرِه (إلا بإذنِه) أي: بإذنِ مالِكه، أو شريكِه، كالبناءِ عليه. (وكذا) يحرُمُ التصرُّفُ في جدارِ جارِه بـ (وضعِ خشبٍ) عليه (إلا أنْ لا يمكنَ) الـ (تسقيفُ إلا به) فيجوزُ بلا ضررٍ. نصًّا. (ويجبِرُ) الحاكمُ (الجارَ إنْ أبَى) أي: امتنعَ؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "لا يمنعَنَّ جارٌ جارَه أنْ يضعَ خشبَه على جدارِه". ثمَّ يقولُ أبو هريرةَ: مالي أَراكمْ عنها مُعرضِينَ؟ واللهِ لأرمينَّ بها بين أكتافِكُمْ. متفق عليه (٢). ولأنَّه انتفاعٌ بحائطِ جارِه على وجهٍ لا يضرُّ، أشبَه الاستنادَ إليه. ولا فرقَ بين

стр. 898

وله أن يُسنِدَ قِماشَهُ، ويَجلِسَ في ظِلِّ حائِطِ غَيرِه، وينظُرَ في ضَوءِ سِراجِه مِنْ غَيرِ إذنِه. وحَرُمَ أن يتصرَّفَ في طريقٍ نافذٍ بما يَضُرُّ المَارَّ، كإخَرَاجِ دُكَّانٍ، ودَكَّةٍ، وجَنَاحٍ، وسَاباطٍ، ومِيزَابٍ، ويَضمَنُ ما تَلِفَ به. البالغِ، واليتيمِ، والمجنونِ، والعاقلِ. ولم يجزْ لربِّ الحائطِ أخذُ عِوضٍ عنه إذنْ؛ لأنَّه يأخذُ عِوضَ ما يحبُ عليه بذلُه. ذكرَه في "المبدع" (١). (وله) أي: الإنسانِ (أنْ يُسنِدَ قُماشَه، ويجلسَ في ظلِّ حائطِ غيرِه) أي: بغيرِ إذنِه (و) له أن (ينظُرَ في ضَوءِ سِرَاجِه) أي: سِرَاجِ غَيرِه (من غَيرِ إذنِه) لمشقَّةِ التحرُّزِ من ذلك، وعدمِ الضَّررِ. (وحرُمَ) على الإنسانِ (أنْ يتصرَّفَ في طريقٍ نافذٍ بما يضرُّ المارَّ) في الطريقِ، (كإخراجِ دُكَانٍ) بضمِّ الدالِ، (و) إخراجِ (دَكَّةٍ) بفتحِها. قالَهُ في "القاموس". وهي: مِسْطَبَةٌ - بكسرِ الميمِ - للجلوسِ عليها. ولو كان الطريق واسعًا، ولو بإذنِ إمامٍ أو نائبِه؛ لأنَّ ذلك تضييقٌ على كلِّ حالٍ، وضررٌ. (وجَنَاحٍ) وهو: الرَّوْشَنُ على أطرافِ خشبٍ أو حجرٍ مدفونةٍ في الحائطِ (وساباطٍ) وهو: المستوفي للطريقِ على جِدارَيْنِ (وميزابٍ) فيحرُمُ إخراجُها بنافذٍ (ويضمنُ ما تَلِفَ به) أي: بما ذكرَ. ويجوزُ إخراجُ ذلك بإذنِ إمامٍ أو نائبِه؛ لأنَّه نائبُ المسلمين، فإذْنُه كإذنِهم؛ ولحديثِ أحمدَ: أنَّ عمرَ اجتازَ على دارِ العباسِ، وقد نصبَ ميزابًا إلى الطريقِ، فقلَعَه. فقالَ: أتقلعُه وقد نصبَه رسولُ الله ﷺ بيدِه؟! فقال: واللهِ لا تنصِبُه إلا على

стр. 899

ويَحرُمُ التَّصرُّفُ بذلِك في مِلكِ غَيرِه، أو هَوائِه، أو دَربٍ غيرِ نافِذٍ، إلَّا بإذنِ أهلِه. ويُجبَرُ الشَّريكُ على العِمَارة معَ شَريكِهِ في المِلْكِ، والوَقفِ ظهري. فانحنَى حتى صَعِدَ على ظهرِه، فنصبَهُ (١). ولجريانِ العادةِ به. هذا إذا كانَ بلا ضررٍ، بحيثُ يمكنُ عبورُ مَحْمِلٍ من تحتِه، وإلا لمْ يجزْ وضعُه، ولا إذنُه فيه. فإنْ كانَ الطريقُ منخفضًا وقتَ وضعِه، ثمَّ ارتفعَ لطولِ الزمنِ، فحصلَ به ضررٌ، وجبتْ إزالتُه. ذكرَه الشيخُ تقيُّ الدينِ (٢). (ويحرُمُ التصرُّفُ بذلك) أي: بما ذكرَ من إخراجِ دُكانٍ، ودَكَّةٍ، وجَنَاحٍ، وسَاباطٍ، وميزابٍ (في مِلكِ غيرِه، أو هوائِه) أي: الغيرِ، (أو) في (دربٍ غيرِ نافذٍ، إلا بإذنِ أهلِه) أي: الدربِ غيرِ النافذِ، إنْ فُعِلَ فيه؛ لأنَّ الدربَ مِلْكُهم، فلم يجزْ التصرُّفُ فيه إلا بإذنِهم. (ويُجبَرُ الشريكُ على العِمارةِ) في العينِ المشتركةِ (مع شريكِه)، كما يُجبَرُ على نقضِه عندَ خوفِ سقوطِه (في المِلكِ، والوقفِ) فإنْ أبَى شريكٌ البناءَ مع شريكِه، وأجبَرَهُ عليه حاكمٌ، وأصرَّ، أخَذَ حاكمٌ ترافَعَا إليه مِن مالِه النقدَ، وأنفقَ بقدرِ حصَّتِه، أو باعَ الحاكمُ عَرْضَه، إنْ لم يكنْ له نقدٌ، وأنفقَ من ثمنِه مع شريكِه بالمحاصَّةِ. فإنْ تعذَّرَ ذلك على الحاكمِ لنحوِ تغيُّبِ مالِه، اقترضَ عليه؛ ليؤدِّيَ ما عليه.

стр. 900

وإن هَدَمَ الشَّريكُ البِنَاء، وكانَ لِخَوفِ سُقُوطِه، فلا شَيءَ علَيه، وإلا لزِمَتْهُ إعادتُه. وإنْ بنَاهُ شريكٌ بإذنِ شريكِه، أو بنَاهُ بإذنِ حاكمٍ، أو بدونِ إذنِهما؛ ليرجعَ على شريكِه، وبنَاهُ شركةً، رجعَ لرجوعِه على المنفقِ، فقدْ قامَ عنه بواجبِ. وإنْ بنَاهُ شريكٌ لنفسِه بآلتِه، فالمبنيُّ شركةٌ بينهما، كما كانَ؛ لأنَّ البانيَ إنَّما أنفقَ على التأليفِ، وهو أثرٌ لا عينٌ يَمِلكُها، وليسَ له أنْ يمنعَ شريكَهُ من الانتفاع به قبلَ أخذِ نصفِ نفقةِ تأليفِه، كما أنَّه ليسَ له نقضُه. وإنْ بنَاهُ لنفسِه بغيرِ آلةِ المنهدمِ، فالبناءِ له خاصَّةً، وللباني نقضُه؛ لأنَّه مِلكُه. ولا يملكُ نقضَه إنْ دفعَ له شريكُه نصفَ قيمتِه. وليسَ لغيرِ الباني نقضُه، ولا إجبارُ الباني على نقضِه. (وإن هدمَ الشريكُ) ما كان بينهما شركةً من (البناءِ) من غيرِ إذنِ شريكِه، (وكان) البناءُ (لخَوفِ (١) سقوطِه) أي: آيلٌ إلى السقوطِ، (فلا شيءَ عليه) لشريكِه فيما هدَمَه؛ لما فيه من المصلحةِ. قال العلَّامةُ الشيخُ منصورٌ في "شرحه" على "الإقناع" (٢): قياسُ ما سبقَ: يرجعُ بما يقابلُ حصتَه من أجرةِ الهدمِ، إنْ (٣) نوىَ الرجوعَ. (وإلا) وإنْ لمْ يكن البناءُ مخوفَ السقوطِ (لزمَتْهُ إعادتُه) كما كان؛ لتعدِّيه على حصةِ شريكِه، ولا يمكنُ الخروجُ مِن عهدةِ ذلك إلا بإعادةِ جميعِه. وقياسُ

стр. 901

وإن أهمَلَ شَريكٌ بناءَ حائِطِ بُستَانٍ اتَّفقَا عليه، فما تَلِفَ من ثَمرَتِه بسبَبِ إهمالِهِ، ضَمِنَ حِصَّةَ شَريكِهِ. المذهب (١): يلزمُه أرشُ نقصِه بالنقضِ (وإنْ أهملَ) أحدُ الـ (شريكَـ) ــينِ (بناءَ حائطِ بستانٍ اتفقَا) الشريكانِ (عليه) أي: على بنائِه، إلى أنْ تَلِفَ مِنْ ثمرةِ البستانِ، (فما تَلِفَ مِن ثمرتِه) أي: مِن ثمرةِ البستانِ (بسببِ إهمالِه) أي: إهمالِ شريكِه، (ضمِنَ) الشريكُ المهمِلُ ما تَلِفَ مِنْ (حصَّةِ شريكِه) قالَه الشيخُ (٢)؛ لتلفِه بسببِه. "تتمَّةٌ": لو أرادَ أحدٌ من الشريكينِ بناءَ حائطٍ بين ملكيهما، لم يجبرِ الممتنعُ، ويبني الطالبُ في ملكِه إنْ شاءَ. * * *

стр. 902

كِتابُ الحَجْرِ وهُو: منعُ المَالِكِ من التَّصرُّفِ في مالِه. وهو نوعان: الأوَّلُ: لحَقِّ الغَيرِ، كالحَجْرِ على مُفلِسٍ، (كتابُ الحَجْرِ) للفَلَسِ وغيرِه. وهو - بفتحِ الحاءِ وكسرِها - لغةً: التضييقُ والمنعُ. ومنه سُمِّيَ الحرامُ حِجْرًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢] لأنَّه ممنوعُ عنه. وسُمِّيَ العقلُ حِجْرًا؛ لقوله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥] لأنَّه يمنعُ صاحبَه مِن تعاطي ما يَقْبُحُ، وتضرُّ عاقبتُه. (وهو) شرعًا: (منعُ المالكِ مِن التصرُّفِ في مالِه). قولُه: "منعُ مالكٍ … إلخ": "منع": مصدرٌ مضافٌ إلى مفعولِه، وفاعلُه محذوفٌ؛ ليعمَّ الشَّرعَ، والحاكمَ. ولو عبَّرَ بدلَ: "مالكٍ" بـ "إنسانٍ"، "كالإقناع" "والمقنع" وغيرِه، لكانَ أَوْلَى، لِعَدِّهِ القنَّ مِن المحجورِ عليهم فيما يأتي. والمنعُ سواءٌ كانَ مِن قبلِ الشَّرعِ، كالصغيرِ، والمجنونِ، والسَّفيهِ. أو الحاكمِ، كمنعِ المشتري مِن التصرُّفِ في مالِه حتَّى يَقْضيَ الثمنَ الحالَّ. (وهو) أي: الحجرُ (نوعانِ): (الأوَّلُ: لحقِّ الغيرِ) أي: غيرِ المحجورِ عليه، (كالحجرِ على المفلسِ) لحقِّ الغرماءِ. والمفلسُ لغةً: مَن لا مالَ له، ولا مَا يدفعُ به حاجتَه.

стр. 903

وراهِنٍ، ومَرِيضٍ، وقِنٍّ، ومُكاتَبٍ، ومُرتَدٍّ، ومشتَرٍ بعدَ طلَبِ الشَّفيعِ. الثَّانِي: لِحَظِّ نفسِهِ، كعَلَى صَغيرٍ، ومجنُونٍ، وسَفيهٍ. ولا يُطالَبُ المَدِينُ، ولا يُحجَرُ عَليِه بدَينٍ لم يَحِلَّ، والمفلسُ عندَ الفقهاءِ: مَنْ دينُه أكثرُ مِن مالِه. سُمِّيَ مُفلسًا، وإنْ كانَ ذا مالٍ؛ لاستحقاقِ مالِه الصَّرفَ في جهةِ دينِه، فكأنَّه معدومٌ. أو لما يؤولُ إليه مِن عدمِ مالِه بعدَ وفاءِ دينِه. أو لأنَّه يُمنعُ مِن التصرُّفِ في مالِه إلا الشيءَ التافهَ الذي لا يعيشُ إلا به، كالفلوسِ ونحوِها. (و) على (راهنٍ) لحقِّ المرتهنِ في الرَّهنِ بعدَ لزومِه (و) على (مريضٍ) مرضَ موتٍ مخوفًا، فيما زادَ على الثلثِ؛ لحقِّ الورثِة. (و) على (قِنٍّ، و) على (مُكاتَبٍ) لحقِّ سيِّدِه (و) على (مُرتدٍّ) لحقِّ المسلمينَ؛ لأنَّ تركتَه فيءٌ، فمُنعٍ مِن التصرُّفِ في مالِه؛ لِئلا يُفوِّتَه عليهم (و) على (مشترٍ) في شقصٍ مشفوعٍ اشتراه (بعدَ طلبِ الشفيعِ) له، على القولِ بأنَّه لا يملكُه بالطلبِ؛ لحقِّ الشفيعِ. النوعُ (الثاني): الحجرُ على الشخصِ (لحظِّ نفسِه، كـ) الحجرِ (على صغيرٍ، ومجنونٍ، وسفيهٍ) لأنَّ مصلحتَه عائدةٌ إليهم، والحجرُ عليهم عامٌّ في أموالِهم وذممِهم. (ولا يُطالَبُ المدينُ) بدينٍ لم يحلَّ (ولا يُحجرُ عليه بدينٍ لم يحلَّ) لأنَّه لا يلزمُه أداؤُه قبلَ حلولِه. قولُه "بدين": متعلِّقٌ بـ " لا يُحجرُ" من التنازعِ على إعمالِ الثاني، أي: لا يُطالبُ

стр. 904

لكِنْ لو أرادَ سَفرًا طَويلًا، فلِغَريمِه مَنعُه، حتَّى يُوثِّقَهُ برَهنٍ يُحرِزُ، أو كَفيلٍ مَليءٍ. ولا يَحِلُّ دينٌ مؤجَّلٌ بجُنُونٍ، ولا بِمَوتٍ إنْ وثَّقَ ورثتُهُ بِمَا تقدَّم. بدينٍ قبلَ حلولَه، ولا يُحجرُ بدينٍ، أي: على دينٍ، قبلَ حلولٍ (لكن لو أرادَ) المدينُ (سفرًا طويلًا) فوقَ مسافةِ قصرٍ عندَ المُوَفَّقِ، وابنِ أخيهِ، وجماعةٍ. قال في "الإنصاف": ولعلَّه أوْلى، لكن أطلقَ في "التنقيح" السفرَ، فيشملُ الطويلَ والقصيرَ، وتبِعَه صاحبُ "المنتهى" (١). والمصنِّفُ تبِعَ صاحبَ "الإقناع"، ومشى عليه المصنِّفُ في "غاية المنتهى". "فرعٌ": لو أرادَ المدينُ سفرًا، فطالبه الغريمِ، فقال وكيلٌ: هذا يُعطيكَ. وصدَّقه الوكيلُ، ثمَّ ادَّعَى الوكيلُ أنَّ المسافرَ إنَّما وكَّلَه في أنْ يأخذَ مِن زيدٍ، ويُعطي، ولم يعطِه زيدٌ شيئًا، قُبِلَ قولُ الوكيلِ. فإنْ تبيَّنَ بيدِ الوكيلِ مالٌ غيرُ ذلك، أُعطيَ منه (فلغريمِه): خبرٌ مقدَّمٌ، أي: لربِّ الدَّينِ (منعُهُ) مبتدأٌ مؤخرٌ، أي: منعُ ربِّ الدينِ مِن السفرِ (حتى يُوثِّقَه برهنٍ يُحرِزُ) أي: يُوفي منه جميعَ الدَّينِ (أو) يُوثِّقَه بـ (كفيلٍ مليءٍ) أي: قادرٍ على وفاءِ الدَّيْنِ. وإنْ كانَ دينُه حالًّا، وهو قادرٌ على وفائِه، وطلبَ الدَّيْنَ منْه، فسافرَ قبلَ وفائِه، لم يجزْ له أنْ يترخَّصَ بقصرٍ، وفطرٍ، وأكلِ ميتةٍ؛ لأنَّه عاصٍ بسفره (ولا يحلُّ دَيْن مؤجَّل بجنونٍ، ولا بموتٍ، إنْ وثَّقَ ورثُتهُ بما تقدَّمَ) مِن رهنٍ يُحرِزُ، أو كفيلٌ مليءٌ. ويحرُمُ مطالبةُ مَنْ عليه دَيْنٌ مؤجَّلٌ قبلَ حلولِ أجلِه. ولا يُحجرُ عليه.

стр. 905

ويجِبُ على مَدِينٍ قادِرٍ وفاءُ دَينٍ حَالٍّ فَورًا بطلَبِ ربِّه، وإنْ مطَلَه حتَّى شَكَاهُ، وجَبَ على الحَاكِم أمرُهُ بوفَائِه، فإنْ أبَى حَبَسَهُ، ولا يُخرِجُه حتَّى يتبيَّنَ أمرُه. (ويجبُ على مدينٍ قادرٍ وفاءُ دَيْنٍ حالٍّ فورًا بطلبِ ربِّه) له؛ لقولِه ﷺ : "مطلُ الغنيِّ ظلمٌ" (١). وبالطلبِ يتحقَّقُ المطلُ. فعُلِمَ مِنْ هذا: أنَّه لا يلزمُه الدفعُ قبلَ الطلبِ. وجزمَ به في "المستوعب". (وإنْ مطلَه) المدينُ (حتى شكاهُ) ربُّ الدَّيْنِ (وجبَ على الحاكمِ أمرُه بوفائِه، فإنْ أبَى) المدينُ الوفاءَ (حبسَه) الحاكمُ؛ لما رَوى عمروُ بنُ الشَّريدِ، عن أبيِه، عن النبيِّ ﷺ قالَ: "ليُّ الواجدِ ظلمٌ، يُحِلُّ عِرْضَه، وعقوبتَهُ" رواه أحمدُ، وأبو داودَ، وغيرُهما (٢). قال الإمامُ: قال وكيعٌ: عِرْضُه: شكْواهُ. وعقوبتُه: حبسُه. قال في "المغني" (٣): إذا امتنعَ الموسرُ مِن قضاءِ الدَّيْنِ، فلغريمِه ملازمتُه، ومطالبتُه، والإغلاظُ عليه بالقولِ، فيقولُ: يا ظالمُ، يا معتدي، ونحوَه؛ للخبرِ، وحديثِ: "إنَّ لصاحبِ الحقِّ مقالًا" (٤). وظاهرُه: أنَّه يُحبسُ حيثُ توجَّه حبسُه، ولو أجيرًا خاصًّا، أو امرأةً مُزوَّجَةً (٥) (ولا يُخرجُه) مِن الحبسِ (حتَّى يتبيَّنِ أمرُه) أي: حالُه؛ لأنَّ أمرَه بالحبسِ حكمٌ

стр. 906

فإن كانَ ذُو عُسَرةٍ، وجبَت تخليَتُه، وحَرُمَتْ مُطَالبتُه والحَجرُ عليه ما دامَ مُعسِرًا. لغيرِه، فلمْ يكنْ له رفعُه بغيرِ رضَا المحكومِ له. أو يتبيَّنَ للحاكمِ عدمُ استحقاقِ المحبوسِ؛ لكونِه مُعسرًا، أو نحوَ ذلك (فإنْ كانَ) تبيَّنَ حالُه بأنَّه (ذو عُسرةٍ، وجبَتْ تخليتُه) أي: إطلاقُه مِنْ الحبسِ، (وحرمتْ مطالبتُه) وملازمتُه (والحجرُ عليه ما دامَ مُعسرًا) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. وفي إنظارِ المعسرِ فضلٌ عظيمٌ؛ لحديثِ بريدةَ مرفوعًا: "مَن أنظرَ مُعسِرًا، فله بكلِّ يومٍ مثلُه صدقةٌ قبلَ أنْ يحلَّ الدَّينُ، فإذا حلَّ الدَّينُ فأنظَرَه، فله بكلِّ يومٍ مِثليه صدقةٌ". رواه أحمدُ (١) بإسنادٍ جيدٍ. "تتمَّةٌ": إذا غرمَ الشاكي للرسولِ شيئًا، أو للقاضي، أو لأعوانِه، فله الرجوعُ به على خصمِه المماطلِ، لا على القاضي وأعوانِه والرسلِ؛ لأنَّ الغرمَ حصلَ بسببِه. وكذلكَ مَن اشتُكِيَ لمَن عادتُه التغريمُ، كالوالي، والكاشفِ، والمحتسبِ، فإنَّه يرجعُ على خصمِه بما غرمَه، لا على الآخذِ. وهذا معنى قولِ صاحبِ "المنتهى": وغرِمَ لكذِبٍ عليه عندَ وليِّ أمرٍ، رجعَ به على كاذبٍ (٢). لكنْ ظاهرُ قولِ صاحبِ "المنتهى": "كاذب": لو كان الشاكي صادقًا في دعواهُ، لا يرجعُ الغارمُ عليه بشيءٍ. لكنْ نقلَ عن صاحبِ "المنتهى" والمقدسي: حيثُ تعدَّىَ وشكَاهُ للشرطىِّ، ولو كانَ صادقًا في دعواهُ، يرجعُ على الشاكي.

стр. 907

وإن سألَ غُرمَاءُ من له مَالٌ لا يَفِي بدينِهِ الحَاكِمَ الحَجْرَ عليه، لَزِمَهُ إجابتُهُم، وسُنَّ إظهارُ حَجْرٍ لفَلَسٍ. (وإنْ سألَ غرماءُ) كلُّهم، أو بعضُهم (مَن له مالٌ لا يَفِي) أي: لا يقومُ المالُ الذي معه (بـ) ــوفاءِ (دَينِه، الحاكمَ الحجرَ عليه، لزِمَه) أي: الحاكمَ (إجابتُهم) للحجرِ عليه. والأصلُ في ذلك: ما روى كعبُ بنُ مالكِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ حَجَرَ على معاذٍ، وباعَ مالَه (١). رواه الخلَّالُ بإسنادِه. وظاهرُ ما تقدَّمَ عليه: أنَّه لابدَّ من سؤالِ مَن له حقٌّ الحاكمَ في الحجرِ عليه، وحُكمِ الحاكمِ به، وهو المذهبُ. وعنه: إنْ ضاقَ مالُه عن ديونِه صارَ محجورًا عليه بغيرِ سؤالْ ولا حاكمٍ، واختارَها الشيخُ تقيُّ الدينِ. وقيلَ: إنْ طلبَ المفلسُ من الحاكمِ (٢) الحجرَ، لزِمتْه إجابتُه. والصحيحُ الذي مشى (٣) عليه في "الإقناع": لا يلزمُ الحاكمَ إجابةُ المعسرِ إلى الحجرِ عليه؛ لأنَّ الحجرَ حقٌّ لغرمائِه (٤). (وسُنَّ إظهارُ حَجْرِ) المدينِ (لفَلَسٍ) وإظهارُ حجرٍ بالمناداةِ عليهما (٥)، وغيرِها ممَّا يشتهرُ به؛ ليُعلمَ حالُهما، فلا يعامَلان (٦) إلا على بصيرةٍ.

стр. 908

فَصْلٌ وفائِدةُ الحَجرِ أحكَامٌ: أحدُها: تَعلُّقُ حَقِّ الغُرمَاءِ بالمَالِ، فلا يَصِحُّ تصرُّفُه فيه بشيءٍ، وسُنَّ الإشهادُ عليه (١)، ليثبتَ عندَ مَن يقومُ مقامَ الحاكمِ لو عُزِلَ أو ماتَ، فيُمضِيه، ولا يحتاجُ إلى ابتداءِ حَجْرٍ ثانٍ. (فصلٌ) (وفائدةُ الحجرِ) على المفلسِ (أحكامٌ) أربعٌ: (أحدُها: تعلُّقُ حقِّ الغرماءِ) مَن سألَ الحجرَ وغيرُه (بالمالِ) الموجودِ، والحادثِ بنحوِ إرثٍ؛ لأنَّه يُباعُ في ديونِهم، فتعلَّقتْ حقوقُهم به، كالرَّهنِ (فلا يصحُّ تصرُّفُه فيه) ببيعٍ وغيرِه (ولو بالعتقِ) أو صدقةٍ (بشيءٍ) يسيرٍ أو كثيرٍ، فلا ينفذُ؛ لأنَّه ممنوعٌ من التبرُّعِ لحقِّ الغرماءِ. فلم ينفذْ - كالمريضِ الذي يستغرقُ دينُه مالَه - إلا بتدبيرٍ ووصيةٍ؛ لأنَّ تأثيرَهما بعدَ زوالِ الحجرِ بالموتِ. وإنَّما يظهرُ أثرُ ذلك إذا ماتَ عن مالٍ، يخرجُ المدبَّرُ أو (٢) الموصى به من ثُلثِه بعدَ وفاءِ دَينِه. والمرادُ: تصرَّفًا مستأنفًا، كبيعٍ، وهبةٍ، ووقفٍ، وعتقٍ، وإصداقٍ، ونحوِه؛ لأنَّه محجورٌ عليه فيه، أشبَه الرَّاهنَ يتصرَّفُ في الرَّهنِ، ولأنَّه مُتَّهمٌ في ذلك. فإنْ كانَ التصرُّفُ غيرَ مستأنفٍ، كالفسخِ لعيبٍ فيما اشتراه قبلَ الحَجْرِ، أو

стр. 909

ولو بالعِتْقِ. وإنْ تصرَّف في ذِمَّتِه بشراءٍ، أو إقرارٍ، صَحَّ، وطُولِبَ بِه بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه. الثَّانِي: أنَّ مَنْ وَجَدَ عينَ ما باعَه أو أقرضَه، فهو أحقُّ بها، الإمضاءِ، أو الفسخِ فيما اشتراه قبلَه بشرطِ الخيارِ، صحَّ؛ لأنَّه إتمامٌ لتصرُّفٍ سابقٍ حجرَه، فلم يُمنعْ منه، كاستردادِ وديعةٍ أودعَها قبلَ حجرِه، ولا يتقيَّدُ بالأحظِّ. وتصرُّفُه في مالِه قبلَ الحجرِ عليه صحيحٌ. نصًّا، ولو استغرقَ دينُه جميعَ مالِه؛ لأنَّه رشيدٌ غيرُ محجورٍ عليه، ولأنَّ سببَ المنعِ الحجرُ، فلا يتقدَّمُ سببَه. ويحرُمُ إنْ أضرَّ بغريمِه. ذكرَهُ الأَدميُّ البغداديُّ (١). واقتصرَ عليه في "الفروع" قال في "الإنصاف": وهو حسنٌ (٢). (وإنْ تصرَّفَ) المحجورُ عليه (٣) (في ذمَّتِه بشراءٍ) أو ضمانٍ (أو إقرارٍ، صحَّ) لأهليتِه للتصرُّفِ، والحجرُ يتعلَّقُ بمالِه، لا بذمَّتِه. (وطولِبَ به بعدَ فكِّ الحجرِ عنه) بما لزِمَ في ذمَّتِه بعدَ الحجرِ عليه، من ثمنِ المبيعِ، أو بالمقرِّ به، أو المضمونِ؛ لأنَّه حقٌّ عليه منعَ تعلُّقَه بمالِه لحقِّ الغرماءِ السابقِ عليه، فإذا استُوفي فقدَ زالَ العارضُ (٤). وعُلِمَ منه: أنَّه لا يشاركُ الغرماءَ. (الثاني) من الأحكامِ المتعلقةِ بالحجرِ: (أنَّ مَنْ وجدَ عينَ ما باعَهُ) للمفلسِ، (أو) عَينَ ما (أقرضه) أو عَينَ ما أعطاه رأسَ مالِ سَلَمٍ، (فهو أحقُّ بها). أو وجدَ شيئًا

стр. 910

بشَرطِ كونِه لا يعلَمُ بالحَجرِ، وأن يَكونَ المُفلِسُ حَيًّا، أجرَه للمفلسِ، ولو كان المُؤجرُ للمفلسِ نفسَه (١)، ولم يمضِ من مُدَّتها، أي: الإجارةِ، زمنٌ له أجرةٌ، فهو أحقُّ به. فإنْ مضىَ من المدَّةِ شيءٌ، فلا فسخ؛ تنزيلًا للمدَّةِ منزلةَ المبيعِ. ومُضِيُّ بعضِها، كتلفِ بعضِه. وكذا لو استؤجرَ لعملٍ معلومٍ، فإنْ لمْ يعملْ منه شيئًا، فله الفسخُ، وإلا فلا. أو أجرَ عبدَه أو دابتَه، فحُجِرَ على المستأجِرِ لفلسٍ، ولم يمضِ من المدَّةِ شيءٌ له أجرةٌ عادةً، فهو، أي: واجدُ عينِ مالِه، أحقُّ بها؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "مَنْ أدركَ متاعَه عندَ إنسانٍ أفلسَ، فهو أحقُّ به". متفقٌ عليه (٢). فالبائعُ ونحوُه بالخيارِ بين الرجوعِ فيها، وبين أنْ يكونَ أُسوةَ الغرماءِ. وسواءٌ كانت السلعةُ مساويةً لثمنِها، أو لا، ولو بعدَ خروجِها من المفلسِ وعودِها إليه بفسخٍ، أو شراءٍ، أو إرثٍ، أو هبةٍ، أو وصيةٍ. فلو أنَّ المفلسَ اشترىَ سلعةً وباعَها واشتراها، فهي لأحدِ البائعين بقرعةٍ. فإنْ تركَ أحدُهما، فللثاني أخذُها بلا قرعةٍ. ويُشترطُ لملكِ الرجوعِ سبعةُ شروطٍ: أحدُها: (كونُه) أي: مَنْ يملكُ الرجوعَ (لا يعلمُ بالحَجْرِ) على المفلسِ. (و) الثاني من الشروطِ: (أن يكونَ المفلسُ حيًّا) إلى أخذِها؛ لحديثِ أبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "أيُّما رجلٍ باعَ متاعَه، فأفلسَ الذي ابتاعَه، ولم يقبضِ الذي باعَه من ثمنِه شيئًا، فوجدَ متاعَه بعينِه، فهو

стр. 911

وأن يكُونَ عِوَضُ العَينِ كُلُّهُ باقِيًا في ذِمَّته، وأنْ تكُونَ كُلُّها في مِلكِه، .... أحقُّ به. وإنْ ماتَ المشتري، فصاحبُ المتاعِ أسوةُ الغرماءِ". رواه مالكٌ، وأبو داودَ مرسلًا (١). (و) الثالثُ من الشروطِ: (أنْ يكونَ عِوضُ العينِ كلُّه باقيًا في ذمَّتِه) أي: المفلسِ؛ للخبرِ، ولما في الرجوعِ في قسطِ باقي العِوضِ من التشقيصِ، وإضرارِ المفلسِ والغرماءِ؛ لكونِه لا يُرغبُ فيه كالرغبةِ في الكاملِ. هذا إن كانتِ السلعةُ عينًا واحدةً في مبيعٍ. وإنْ كانتْ عينينِ، كعبدينِ، وثوبينِ، وبقيَ واحدةٌ، وتلِفَتِ الأخرى، رجعَ فيها بقسطِها من الثمنِ. (و) الرابعُ من الشروطِ: (أنْ تكونَ) السلعةُ (كلُّها في ملكِه) أي: في ملكِ المفلسِ، فلا رجوعَ لربِّ السلعةِ إنْ تلِف (٢) بعضُها، كقَطعِ بعضِ أطرافِ العبدِ أو الأمةِ، أو ذهبتْ عينُه، أو جُرحَ جرحًا تَنقصُ به قيمتُه، أو وُطِئَتِ البكرُ، أو تلِفَ بعضُ الثوبِ، أو انهدمَ بعضُ الدارِ، ونحوِه، لم يكنْ للبائعِ الرجوعُ في العينِ، ويكونُ أسوةَ الغرماءِ. وإنْ باعَ المشتري بعضَ المبيعِ، أو وهبَه، أو وقفَه، فكتلفِه، فيُمنعُ الرجوعَ؛ لأنَّ البائعَ ونحوَه لم يدركْ متاعَه، وإنَّما أدركَ بعضَه. وإنْ صَبَغَ الثوبَ (٣)، أو قَصَره، أو لَتَّ السَّويقَ بزَيتٍ ونحوِه، لم يُمنعْ الرجوعَ، ما لم يَنقصْ ذلك به. فإنْ نقصَ به، سقطَ الرجوعُ؛ لأنَّه نقصَ بفعِله، فأشبَه إتلافَ البعضِ. قطعَ به في "التنقيح" و"المنتهى".

стр. 912

وأن تَكُونَ بحالِهَا، ولم تتغيَّر صِفتُها بما يُزيلُ اسمَهَا، ولم تَزِدْ زِيادَةً مُتَّصِلَةً، وردَّ (١) هذا التعليلَ في "المغني": بأنَّ هذا النقصَ نقصُ صفةٍ، فلا يمنعُ الرجوعَ، كنسيانِ صنعةٍ، وهُزالِ عبدٍ. وقال المجدُ: هو الأصحُّ. وجزمَ به في "المبدع" (٢). وإنْ زادتِ القيمةُ بما ذُكرَ من الصَّبغِ ونحوِه، فالزيادةُ في ذلك للمفلسِ، فيكونُ في ذلك شريكًا مع صاحبِه. (و) الخامسُ من الشروطِ: (أن تكونَ) السلعةُ (بحالِها) أي: بأنْ (لم تتغيَّرْ صفتُها بما يُزيلُ اسمَها) كنَسيجِ غزلٍ، وخَبزِ دَقيقٍ، وعَمِلِ زَيتٍ صابُونًا، وقَطعِ ثَوبٍ قَميصًا، ونَجْرِ خَشَبٍ أبوابًا أو رفوفًا، وعَمَلِ شَريط إبَرًا، وعَمَلِ حَديدٍ مَسَامِيرَ، ونُحاسٍ صُحُونًا. (ولم تزدِ) السلعةُ (زيادةً متَّصلةً) كسِمَنٍ، وكِبَرٍ، وتعلُّمِ صَنعَةٍ، ككتابةٍ، ونجارةٍ، ونحوِها، وتجدُّدِ حملٍ في بهيمةٍ، فإن زادتْ كذلك، فلا رجوعَ؛ لأن الزيادةَ للمفلسِ؛ لحدوثِها في ملكِه، فلمْ يستحقَّ ربُّ العينِ أخذَها منه، كالحاصلةِ بفعلِه، ولأنَّها لم تصلْ إليه من البائعِ، فلم يستحقَّ أخذَها منه، كغيرِها من أموالِه. ويفارقُ الردَّ بالعيبِ؛ لأنَّه (٣) من المشتري، فقدْ رضيَ بإسقاطِ حقِّه من الزيادةِ. والخبرُ محمولٌ على مَنْ وجدَ متاعَه على صفةٍ ليس بزائدٍ؛ لتعلُّقِ حقِّ الغرماءِ بالزيادَةِ.

стр. 913

ولم تُخلَطْ بغيرِ مُتميِّزٍ، ولم يتَعلَّق بها حَقٌّ للغَيرِ. وأمَّا الزيادةُ المنفصلةُ، كإنْ ولدتِ الأمةُ مَثَلًا، فإنْ كانَ قدْ باعَها حاملًا، ثمَّ وجدَها البائع وقتَ الرجوعِ قدْ ولَدَتْ، أخذَها وولَدَها. وإنْ وجدَها حاملًا على حكمِها، أخذَها أيضًا. فإنْ كانَ قدْ باعَها حائِلًا، فوجدَها وقتَ الرجوعِ حاملًا، فليس له أخذُها؛ لأنَّ تجدُّدَ الحملِ مَنَعَه الرجوعَ؛ إذ هو زيادةٌ متصلةٌ. فإنْ ولدتْ هذا الحملَ المتجدِّدَ. قال في "الإنصاف" ما معناه: إنَّه زيادةٌ منفصلةٌ (١). ومقتضاهُ: أنَّه يرجعُ فيهما؛ لأنَّ المنفصلةَ لا تمنعُ، فالتجدُّدُ يمنعُ؛ لأنَّها (٢) وُلِدتْ من ذلك الحملِ المتجدِّدِ، فلا يمنعُ الرجوعَ. وقدَّمَ في "الفروع" أنَّ المتصلةَ والمنفصلةَ لا تمنعُ الرجوعَ. وصححَّ في "المغني": يأخذُها دونَ الولدِ. والمذهبُ خلافُ ما في "المغني". (و) السادسُ من الشروط: أنْ تكونَ العينُ (لم تُخلَطْ بغيرِ مُتميِّزٍ) أي: بما لا يتميَّزُ منه، كزيتٍ بزيتٍ، أو قمحٍ بقمحٍ، ونحوه، فلا رجوعَ فيه. وقولُه ﷺ : "مَن أدركَ متاعَه بعينِه" (٣). أي: مَن قدرَ عليه وتمكَّنَ من أخذِه من المفلسِ. (و) السابعُ من الشروطِ: أنْ تكونَ العينُ (لم يتعلَّقْ بها حقٌّ للغيرِ) كشفعةٍ، أو جنايةٍ، أو رهنٍ، ونحوِه

стр. 914

فمتَى وُجِدَ شيءٌ من ذَلِك، امتنَعَ الرُّجُوعُ. الثالِثُ: يلزمُ الحَاكِمَ قَسْمُ مالِه الذي من جِنسِ الدَّينِ، وبَيعُ ما ليسَ مِن جِنسِه، (فمتى وُجِدَ شيءٌ من ذلك) أي: من الشروطِ (امتنعَ الرجوعُ) لأنَّه فسخٌ بسببٍ حادثٍ، فلم يملك الرجوعَ فيه. وإنْ كان الثمنُ مؤجَّلًا، فتُوقف العينُ للبائعِ إلى الحلولِ، فيختارُ الفسخَ أو التركَ. فإذا كمُلَتِ الشروطُ المذكورةُ، أخذَ من وجدَ عينَ متاعِه، ولو حكمَ حاكمٌ بأنَّه أسوةُ الغرماءِ. قال الإمامُ أحمدُ: لو أنَّ حاكمًا حكمَ أنَّه أسوةُ الغرماءِ، ثمَّ رُفعَ إلى رجلٍ يرىَ العملَ بالحديثِ، جازَ له نقضُ حكمِه. ذكرَهُ في "المغني" و"الشرح" (١). ولا يفتقرُ إلى التسليمِ، فلو رجعَ في عبدٍ أبَقَ، صحَّ، وصارَ له، فإنْ قدِرَ عليه أخذَه، وإنْ تلِفَ فمن مالِه. وإنْ تبيَّنَ أنَّه كانَ تالفًا حينَ استرجاعِه، بطلَ رجوعُه. وإنْ رجعَ في مبيعٍ اشتبَه بغيرِه، قُدِّمَ تعيينُ المفلسِ؛ لإنكارِه دعوى استحقاقِ البائعِ له. قالَهُ المصنِّفَ، والشارحُ، وصاحبُ "الفروع" وغيرُهم (٢). (الثالثُ) من الأحكامِ المتعلِّقةِ بالحجرِ: أنْ (يلزمَ الحاكمَ) مفعولٌ مقدَّمٌ (قَسْمُ مالِه) فاعلُ "يلزم"، أي: مالِ المفلسِ (الذي من جنسِ الدَّينِ) الذي عليه، (و) يلزمُه (بيعُ ما ليسَ من جنسِه) أي: الدَّينِ، بنقدِ البلدِ، أو غالبِه رَواجًا، أو

стр. 915

ويَقسِمُهُ على الغُرمَاءِ بقَدْرِ دُيُونِهم، ولا يلزمُهُم بيانُ أنْ لا غَريمَ سِواهُم. ثُمَّ إنْ ظَهَرَ رَبُّ دَينٍ حَالٍّ، رجَعَ علَى كُلِّ غَريمٍ بقِسطِه. الأصلحِ (١)، أَو الذي من جنسِ الدَّينِ (ويقسمُه) أي: الثمنَ، أو المالَ الذي من جنسِ الدَّينِ (على الغُرَماءِ) بالمحاصَّةِ (بقَدرِ دُيونِهم) لا على الرؤوسِ. وأنْ يكونَ على الفورِ؛ لأنَّ هذا جلُّ المقصودِ من الحجرِ عليه، وتأخيرهُ مطلٌ، وظلمٌ للغرماءِ، ولما حجرَ ﵇ على معاذٍ، باعَ مالَه في دينِه، وقسَمَ ثمنَه بين غرمائِه. ولفعلِ عمرَ، ولاحتياجِه إلى قضاءِ دَينهِ، فجازَ بيعُ مالِه فيه، كالسَّفيهِ، ولا يجوزُ بيعُه بدونِ ثمنِ مثلِه؛ لأنَّه محجورٌ عليه في مالِه، فلا يتصرَّف (٢) له فيه إلا بما فيه حظٌّ، كمالِ السفيهِ. (ولا يلزمُهم) أي: الغُرَماءَ الحاضِرينَ (بيانُ أنْ لا غريمَ) للمفلِسِ (سِواهُم) بخلافِ الورثةِ، يلزمُهم أنْ يبينوا أنْ لا وارثَ سِواهُم، ببيِّنَةٍ تشهدُ لهم: لا نعلمُ له وارثًا سِواهُم. ذكرَهُ في "الترغيب" و"الفصول" وغيرِهما؛ لئلا يأخذَ أحدُهم ما لا حقَّ له فيه. ثمَّ إنْ ظهرَ غريمٌ لم ينقضْ، ويرجعُ على كلِّ أحدٍ بقدرِ حصتِه (٣)، وإليه أشارَ بقولِه: (ثمَّ إنْ ظهرَ) بعدَ القسمِ (ربُّ دينٍ حالٍّ) (٤) على المفلسِ (رجعَ) ربُّ المالِ (على كلِّ غريمٍ) ممَّنَ حاصصَ (بقسطِه) أي: بقدرِ حصَّةِ مَنْ ظهرَ ممَّا أخذَه الحاضرُ؛ لأنَّه لو كانَ حاضرًا، قاسمَهم، فإنْ ظهرَ بعدَ ذلك، قاسمَهم، كغريمِ
следующие страницы →