وأن يكُونَ عِوَضُ العَينِ كُلُّهُ باقِيًا في ذِمَّته، وأنْ تكُونَ كُلُّها في مِلكِه، ....
أحقُّ به. وإنْ ماتَ المشتري، فصاحبُ المتاعِ أسوةُ الغرماءِ". رواه مالكٌ، وأبو داودَ مرسلًا (١).
(و) الثالثُ من الشروطِ: (أنْ يكونَ عِوضُ العينِ كلُّه باقيًا في ذمَّتِه) أي: المفلسِ؛ للخبرِ، ولما في الرجوعِ في قسطِ باقي العِوضِ من التشقيصِ، وإضرارِ المفلسِ والغرماءِ؛ لكونِه لا يُرغبُ فيه كالرغبةِ في الكاملِ.
هذا إن كانتِ السلعةُ عينًا واحدةً في مبيعٍ. وإنْ كانتْ عينينِ، كعبدينِ، وثوبينِ، وبقيَ واحدةٌ، وتلِفَتِ الأخرى، رجعَ فيها بقسطِها من الثمنِ.
(و) الرابعُ من الشروطِ: (أنْ تكونَ) السلعةُ (كلُّها في ملكِه) أي: في ملكِ المفلسِ، فلا رجوعَ لربِّ السلعةِ إنْ تلِف (٢) بعضُها، كقَطعِ بعضِ أطرافِ العبدِ أو الأمةِ، أو ذهبتْ عينُه، أو جُرحَ جرحًا تَنقصُ به قيمتُه، أو وُطِئَتِ البكرُ، أو تلِفَ بعضُ الثوبِ، أو انهدمَ بعضُ الدارِ، ونحوِه، لم يكنْ للبائعِ الرجوعُ في العينِ، ويكونُ أسوةَ الغرماءِ.
وإنْ باعَ المشتري بعضَ المبيعِ، أو وهبَه، أو وقفَه، فكتلفِه، فيُمنعُ الرجوعَ؛ لأنَّ البائعَ ونحوَه لم يدركْ متاعَه، وإنَّما أدركَ بعضَه.
وإنْ صَبَغَ الثوبَ (٣)، أو قَصَره، أو لَتَّ السَّويقَ بزَيتٍ ونحوِه، لم يُمنعْ الرجوعَ، ما لم يَنقصْ ذلك به. فإنْ نقصَ به، سقطَ الرجوعُ؛ لأنَّه نقصَ بفعِله، فأشبَه إتلافَ البعضِ. قطعَ به في "التنقيح" و"المنتهى".
стр. 912
وأن تَكُونَ بحالِهَا، ولم تتغيَّر صِفتُها بما يُزيلُ اسمَهَا، ولم تَزِدْ زِيادَةً مُتَّصِلَةً،
وردَّ (١) هذا التعليلَ في "المغني": بأنَّ هذا النقصَ نقصُ صفةٍ، فلا يمنعُ الرجوعَ، كنسيانِ صنعةٍ، وهُزالِ عبدٍ. وقال المجدُ: هو الأصحُّ. وجزمَ به في "المبدع" (٢).
وإنْ زادتِ القيمةُ بما ذُكرَ من الصَّبغِ ونحوِه، فالزيادةُ في ذلك للمفلسِ، فيكونُ في ذلك شريكًا مع صاحبِه.
(و) الخامسُ من الشروطِ: (أن تكونَ) السلعةُ (بحالِها) أي: بأنْ (لم تتغيَّرْ صفتُها بما يُزيلُ اسمَها) كنَسيجِ غزلٍ، وخَبزِ دَقيقٍ، وعَمِلِ زَيتٍ صابُونًا، وقَطعِ ثَوبٍ قَميصًا، ونَجْرِ خَشَبٍ أبوابًا أو رفوفًا، وعَمَلِ شَريط إبَرًا، وعَمَلِ حَديدٍ مَسَامِيرَ، ونُحاسٍ صُحُونًا.
(ولم تزدِ) السلعةُ (زيادةً متَّصلةً) كسِمَنٍ، وكِبَرٍ، وتعلُّمِ صَنعَةٍ، ككتابةٍ، ونجارةٍ، ونحوِها، وتجدُّدِ حملٍ في بهيمةٍ، فإن زادتْ كذلك، فلا رجوعَ؛ لأن الزيادةَ للمفلسِ؛ لحدوثِها في ملكِه، فلمْ يستحقَّ ربُّ العينِ أخذَها منه، كالحاصلةِ بفعلِه، ولأنَّها لم تصلْ إليه من البائعِ، فلم يستحقَّ أخذَها منه، كغيرِها من أموالِه.
ويفارقُ الردَّ بالعيبِ؛ لأنَّه (٣) من المشتري، فقدْ رضيَ بإسقاطِ حقِّه من الزيادةِ. والخبرُ محمولٌ على مَنْ وجدَ متاعَه على صفةٍ ليس بزائدٍ؛ لتعلُّقِ حقِّ الغرماءِ بالزيادَةِ.
стр. 913
ولم تُخلَطْ بغيرِ مُتميِّزٍ، ولم يتَعلَّق بها حَقٌّ للغَيرِ.
وأمَّا الزيادةُ المنفصلةُ، كإنْ ولدتِ الأمةُ مَثَلًا، فإنْ كانَ قدْ باعَها حاملًا، ثمَّ وجدَها البائع وقتَ الرجوعِ قدْ ولَدَتْ، أخذَها وولَدَها. وإنْ وجدَها حاملًا على حكمِها، أخذَها أيضًا.
فإنْ كانَ قدْ باعَها حائِلًا، فوجدَها وقتَ الرجوعِ حاملًا، فليس له أخذُها؛ لأنَّ تجدُّدَ الحملِ مَنَعَه الرجوعَ؛ إذ هو زيادةٌ متصلةٌ.
فإنْ ولدتْ هذا الحملَ المتجدِّدَ. قال في "الإنصاف" ما معناه: إنَّه زيادةٌ منفصلةٌ (١).
ومقتضاهُ: أنَّه يرجعُ فيهما؛ لأنَّ المنفصلةَ لا تمنعُ، فالتجدُّدُ يمنعُ؛ لأنَّها (٢) وُلِدتْ من ذلك الحملِ المتجدِّدِ، فلا يمنعُ الرجوعَ.
وقدَّمَ في "الفروع" أنَّ المتصلةَ والمنفصلةَ لا تمنعُ الرجوعَ. وصححَّ في "المغني": يأخذُها دونَ الولدِ. والمذهبُ خلافُ ما في "المغني".
(و) السادسُ من الشروط: أنْ تكونَ العينُ (لم تُخلَطْ بغيرِ مُتميِّزٍ) أي: بما لا يتميَّزُ منه، كزيتٍ بزيتٍ، أو قمحٍ بقمحٍ، ونحوه، فلا رجوعَ فيه. وقولُه ﷺ : "مَن أدركَ متاعَه بعينِه" (٣). أي: مَن قدرَ عليه وتمكَّنَ من أخذِه من المفلسِ.
(و) السابعُ من الشروطِ: أنْ تكونَ العينُ (لم يتعلَّقْ بها حقٌّ للغيرِ) كشفعةٍ، أو جنايةٍ، أو رهنٍ، ونحوِه
стр. 914
فمتَى وُجِدَ شيءٌ من ذَلِك، امتنَعَ الرُّجُوعُ.
الثالِثُ: يلزمُ الحَاكِمَ قَسْمُ مالِه الذي من جِنسِ الدَّينِ، وبَيعُ ما ليسَ مِن جِنسِه،
(فمتى وُجِدَ شيءٌ من ذلك) أي: من الشروطِ (امتنعَ الرجوعُ) لأنَّه فسخٌ بسببٍ حادثٍ، فلم يملك الرجوعَ فيه.
وإنْ كان الثمنُ مؤجَّلًا، فتُوقف العينُ للبائعِ إلى الحلولِ، فيختارُ الفسخَ أو التركَ.
فإذا كمُلَتِ الشروطُ المذكورةُ، أخذَ من وجدَ عينَ متاعِه، ولو حكمَ حاكمٌ بأنَّه أسوةُ الغرماءِ. قال الإمامُ أحمدُ: لو أنَّ حاكمًا حكمَ أنَّه أسوةُ الغرماءِ، ثمَّ رُفعَ إلى رجلٍ يرىَ العملَ بالحديثِ، جازَ له نقضُ حكمِه. ذكرَهُ في "المغني" و"الشرح" (١).
ولا يفتقرُ إلى التسليمِ، فلو رجعَ في عبدٍ أبَقَ، صحَّ، وصارَ له، فإنْ قدِرَ عليه أخذَه، وإنْ تلِفَ فمن مالِه. وإنْ تبيَّنَ أنَّه كانَ تالفًا حينَ استرجاعِه، بطلَ رجوعُه.
وإنْ رجعَ في مبيعٍ اشتبَه بغيرِه، قُدِّمَ تعيينُ المفلسِ؛ لإنكارِه دعوى استحقاقِ البائعِ له. قالَهُ المصنِّفَ، والشارحُ، وصاحبُ "الفروع" وغيرُهم (٢).
(الثالثُ) من الأحكامِ المتعلِّقةِ بالحجرِ: أنْ (يلزمَ الحاكمَ) مفعولٌ مقدَّمٌ (قَسْمُ مالِه) فاعلُ "يلزم"، أي: مالِ المفلسِ (الذي من جنسِ الدَّينِ) الذي عليه، (و) يلزمُه (بيعُ ما ليسَ من جنسِه) أي: الدَّينِ، بنقدِ البلدِ، أو غالبِه رَواجًا، أو
стр. 915
ويَقسِمُهُ على الغُرمَاءِ بقَدْرِ دُيُونِهم، ولا يلزمُهُم بيانُ أنْ لا غَريمَ سِواهُم. ثُمَّ إنْ ظَهَرَ رَبُّ دَينٍ حَالٍّ، رجَعَ علَى كُلِّ غَريمٍ بقِسطِه.
الأصلحِ (١)، أَو الذي من جنسِ الدَّينِ
(ويقسمُه) أي: الثمنَ، أو المالَ الذي من جنسِ الدَّينِ (على الغُرَماءِ) بالمحاصَّةِ (بقَدرِ دُيونِهم) لا على الرؤوسِ. وأنْ يكونَ على الفورِ؛ لأنَّ هذا جلُّ المقصودِ من الحجرِ عليه، وتأخيرهُ مطلٌ، وظلمٌ للغرماءِ، ولما حجرَ ﵇ على معاذٍ، باعَ مالَه في دينِه، وقسَمَ ثمنَه بين غرمائِه. ولفعلِ عمرَ، ولاحتياجِه إلى قضاءِ دَينهِ، فجازَ بيعُ مالِه فيه، كالسَّفيهِ، ولا يجوزُ بيعُه بدونِ ثمنِ مثلِه؛ لأنَّه محجورٌ عليه في مالِه، فلا يتصرَّف (٢) له فيه إلا بما فيه حظٌّ، كمالِ السفيهِ.
(ولا يلزمُهم) أي: الغُرَماءَ الحاضِرينَ (بيانُ أنْ لا غريمَ) للمفلِسِ (سِواهُم) بخلافِ الورثةِ، يلزمُهم أنْ يبينوا أنْ لا وارثَ سِواهُم، ببيِّنَةٍ تشهدُ لهم: لا نعلمُ له وارثًا سِواهُم. ذكرَهُ في "الترغيب" و"الفصول" وغيرِهما؛ لئلا يأخذَ أحدُهم ما لا حقَّ له فيه. ثمَّ إنْ ظهرَ غريمٌ لم ينقضْ، ويرجعُ على كلِّ أحدٍ بقدرِ حصتِه (٣)، وإليه أشارَ بقولِه:
(ثمَّ إنْ ظهرَ) بعدَ القسمِ (ربُّ دينٍ حالٍّ) (٤) على المفلسِ (رجعَ) ربُّ المالِ (على كلِّ غريمٍ) ممَّنَ حاصصَ (بقسطِه) أي: بقدرِ حصَّةِ مَنْ ظهرَ ممَّا أخذَه الحاضرُ؛ لأنَّه لو كانَ حاضرًا، قاسمَهم، فإنْ ظهرَ بعدَ ذلك، قاسمَهم، كغريمِ
стр. 916
ويَجِبُ أن يَتْرَكَ له ما يحتاجُه مِنْ مَسكَنٍ وخَادِمٍ، وما يتَّجِرُ به، وآلةَ حِرفَةٍ.
الميِّتِ يظهرُ (١) بعدَ قَسْمِ مالِه
(ويجبُ) على الحاكمِ (أنْ يتركَ لـ) لمفلسِ من مالِـ (ـه ما يحتاجُه من مسكنٍ وخادمٍ) صالحيْنِ لمثلِه، فلا يُباعُ ذلك، كلباسِه، وقوتِه. وقولُه ﵇: "خُذُوا مَا وجَدتم" (٢). قضيةُ عينٍ، يحتملُ أنَّه لم يكنْ فيما وجَدُوه مسكنٌ، ولا خادمٌ. إنْ لمْ يكونا عينَ مالِ الغرماءِ، فيؤخذُ لما تقدَّمَ، ويُشترىَ للمفلسِ بدلُهما، أو يُترَكُ له من مالِه بدلُهما.
فإنْ تعددتِ الدورُ والخدمُ، تُركَ له بقدرِ الحاجةِ، وبيعَ باقيه. وكذا لو كانتِ الدارُ واسعةً عن سكنى مثلِه، بيعَ واشتُري سكنُ مثلِه، ورُدَّ الفضلُ على الغرماءِ.
وكذا ثيابٌ رفيعةٌ ليستْ لبسَ مثلِه، بيعتْ وأُخذَ له لبسُ مثلِه، ورُدَّ الفضلُ على الغرماءِ.
وإنْ كانتِ الثيابُ إذا بيعتْ واشتُري له كسوةُ مثلِه لا يفضلُ عنها شيءٌ من ثمنِ الثيابِ الرفيعةِ، تركتْ بحالِها؛ إذ لا فائدةَ إذنْ في البيعِ والشراءِ
(و) يتركُ الحاكمُ للمفلسِ (ما) أي: شيئًا من مالِه (يتَّجرُ به) (٣) لمؤنتِه ومؤنةِ عيالِه. وفي "الموجز" و"التبصرة": وفرسٌ يحتاجُ ركوبَها (٤)
(و) يتركُ الحاكمُ له (آلةَ حرفةٍ) فلا تُباعُ؛ لدعاءِ الحاجةِ إليها
стр. 917
ويجِبُ لَه ولعِيالِه أدنَى نفقَةِ مِثلِهم مِنْ مأكَلٍ ومشرَبٍ وكِسْوَةٍ.
(ويجبُ) على الحاكمِ أن (١) يجري (له) أي: للمفلسِ (ولعيالِه) كزوجةٍ، وخادمٍ، وقريبٍ تجبُ نفقتُه عليه بالمعروفِ (أدنى نفقةِ مثلِهم، من مأكلٍ ومشرَبٍ وكسوةٍ) من مالِه، إلى أنْ يفرَغَ من قَسمهِ بين غرمائِه، إنْ لمْ يكنْ له كسبٌ يفي بالنفقةِ. فإنْ كانَ كسبُه دونَ النفقةِ، كُمِّلَتْ من مالِه.
ويُجهَّزُ إنْ ماتَ، أو مَنْ تلزمُه مؤنتُه، غيرُ زوجةٍ، من مالِه، التجهيزَ الشرعيَّ، ممَّا كان يلبس (٢) في حياتِه من ملبوسِ مثلِه. والزوجةُ من مالِها في خمسهَ أثوابٍ.
وفي "الرعاية": يُكفَّنُ في ثوبٍ (٣) واحدٍ؛ اقتصارًا على الواجبِ (٤).
"تتمَّةٌ": إنْ تلِفَ شيءٌ من مالِه تحتَ يدِ أمينِ حاكمٍ، أو مودعٍ، من غيرِ تعدٍّ ولا تفريطٍ، فمن ضمانِ مفلسٍ. ويُباعُ بنقدِ البلدِ. ويُصرَفُ الثمنُ مما يحتاجُ إلى صرفه على البيع، إن لم يوجد متبرِّعٌ، بما يحتاجُه المبيعُ، من دلالةٍ ونحوِه. وكذا في مالِ التركةِ؛ لأنَّه مقدَّمٌ على الديونِ.
وإن كان في الغرماءِ من له دَيْنٌ مؤجَّلٌ لم يحلَّ، فلا يُوقفُ له شيءٌ مِن المالِ. فإنْ قُسِمَ قبلَ الحلولِ، فلا رجوعَ له على الغرماءِ. وإنْ كانَ حلَّ قبلَ القسمِ، شاركَهم، وإنْ حلَّ بعدَ قسمةِ البعضِ، شاركَهم فيما بقيَ من المالِ الذي لم يُقسَمْ.
ومَنْ ماتَ وعليه دِينٌ مؤجَّلٌ، لم يحلَّ بموتِه، إذا أوثقَ الورثةُ أو غيرُهم برهنٍ، أو
стр. 918
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كفيلٍ مليءٍ، من أقلِّ الأمرينِ، من قيمةِ التركةَ أو الدَّينِ، كما لا (١) تحلُّ الديونُ التي له بموتِه، فتختصُّ أربابَ الديونِ الحالَّةِ بالمالِ، ويتقاسمونَه، ولا يُتركُ للمؤجَّلِ شيءٌ، ولا يَرجِعُ ربُّه على الغرماءِ بعدَ حلولِه فيما تقاسمونَهُ.
فإنْ تعذَّرَ التوثيقُ؛ لعدمِ وارثٍ أو غيره؛ بأنْ كان وارثًا، لكنْ لمْ يُوَثِّقْ، حلَّ الدَّينُ؛ لغلبةِ الضررِ، فيأخذُه ربُّه كلَّه إنِ اتَّسعتِ التركةُ، أو يحاصصُ به الغرماءَ.
"تنبيهٌ": يقدَّمُ صاحبُ رهنٍ لازمٍ، فيختصُّ بثمنِه إنْ كانَ قدرَ دينِه، وإلا ردَّ ما زادَ على الغرماءِ.
ويُقدَّمُ مَنْ له عينُ مالٍ مشروطٍ، ثمَّ مَنْ له عينٌ مؤجَّرةٌ عندَه، أو عينًا مستأجِرُها من مفلسِ.
وإنْ بقيَ على المفلسِ بقيَّةٌ من دَينٍ، أُجبرَ المحترفُ على التكسُّبِ، وعلى إيجارِ نفسِه فيما يليقُ بمثلِه من الصنائعِ؛ لقضاءِ ما بقيَ عليه، مع بقاءِ الحجرِ عليه إلى الوفاءِ. ويُجْبَرُ على إيجارِ موقوفٍ عليه، وإيجارِ أمِّ ولدٍ إنِ استغنىَ عنها.
ولا يُجبَرُ على قبولِ هبةٍ، وصدقةٍ، ووصيةٍ، لما فيه من المنَّةِ. ولا على تزويجِ أمِّ ولدٍ؛ لوفاءِ دَينٍ من مهرِها، ولو لمْ يكنْ يطؤها؛ لما فيه من تحريمِه عليها بالنكاحِ، وتعلُّقِ حقِّ الزوجِ بها.
ولا ينفكُّ الحجرُ عن المفلسِ إلا بحكمِ حاكمٍ، إن بقيَ عليه شيءٌ، وإلا انفكَّ.
فإذا انفكَّ عنه، فليسَ لأحدٍ مطالبتُه حتى يملكَ مالًا. فإنِ ادَّعوا - الغرماءُ -
стр. 919
الرَّابِعُ: انقِطَاعُ الطَّلبِ عَنه، فمن بَاعَه، أو أَقرضَه شَيئًا - عَالِمًا بحَجرِه - لم يَملِك طَلَبَه حتَّى ينفكَّ حَجْرُه.
عقبَ ذلك بأنَّ له مالًا، لم يُقبلْ إلا ببينةٍ. فإنِ ادَّعوا بعدَ مدَّةٍ (١) وبيَّنوا سببَه، سألَه الحاغ، فإنْ أنكرَ، فقولُه مع يمينِه، وإنْ أقرَّ وقال: هو لفلانٍ. وصدَّقَهُ المقَرُّ لهُ، حلَفَ المقَرُّ لهُ (٢)، وإلا أُعيدَ عليه الحجرُ إنْ طلبَ الغرماءُ.
فإنْ انفكَّ عنه، فلزمتْهُ ديونٌ أخرى، وحُجِرَ عليه، شاركوا - غرماءُ الحجرِ الأوَّلِ - غرماءَ الحجرِ الثاني في مالِه الموجودِ.
(الرابعُ) من الأحكامِ المتعلِّقةِ بالحجرِ: (انقطاعُ الطَّلبِ عنه) أي: عن المفلسِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وهو خبرٌ بمعنى الأمرِ، أي: فأنظروه إلى ميسرتِه. ولحديثِ: "خذوا ما وجدتُم، وليسَ لكمْ إلَّا ذلك" (٣). ورُويَ: "لا سبيلَ لكمْ عليه" (٤).
(فمَنْ باعَهُ) أي: باعَ المفلسَ شيئًا (أو أقرضَه شيئًا - عالمًا بحَجْرِه - لم يملكْ طلبَه) ببدلِ القرضِ، أو ثمنِ المبيعِ؛ لأنَّه الذي أتلفَ مالَه بمعاملةِ مَنْ لا شيءَ معه (حتى ينفكَّ حَجْرُه) لتعلُّقِ حقِّ الغرماءِ حالةَ الحجرِ بعينِ مالِ المفلسِ. لكنْ إذا وجدَ البائعُ أو المقرِضُ أعيانَ مالِهما، فلهما الرجوعُ إنْ جهِلا الحجرَ عليه، وإلا فلا.
* * *
стр. 920
فَصْلٌ
ومَنِ دَفَع مالَه إلى صَغيرٍ، أو مَجنُونٍ، أو سَفيهٍ، فأتلَفَهُ، لم يضمَنْهُ.
ومَنْ أخَذَ مِنْ أحدِهِم مالًا، ضَمِنَه حتَّى يأخذَهُ وليُّه، لا إنْ أخَذَهُ ليحفَظَهُ [وتَلِفَ ولم يُفَرِّط، كمَنْ أخَذَ مغصُوبًا ليحفظَهُ] لِربِّه.
ومن بلغَ رشَيدًا، أو بلَغَ مجنُونًا ثمَّ عَقَلَ ورَشَدَ،
(فصلٌ)
في أحكامِ المحجورِ عليه لحظِّ نفسِه
(و) هو الصبيُّ، والمجنونُ، والسَّفيهُ. وإليه أشارَ بقولِه: (مَن دفعَ مالَه) بعقدٍ، أو لا (إلى صغيرٍ) وهو: مَنْ لمْ يبلغْ، من ذكرٍ أو أنثى (أو) إلى (مجنونٍ، أو) إلى (سفيهٍ، فأتلَفَهُ) واحدٌ منهم. عَلِمَ الدافعُ بحجرِه، أو لا (لم يضمنه) لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥].
(ومَن أَخَذَ من أحدِهم) أي: الصبيِّ، والمجنونِ، والسَّفيهِ (مالًا، ضمِنَهُ) ولو بإعطاءٍ من أحدِهم (حتى يأخذَهُ وليُّه) أي: وليُّ المأخوذِ منه (لا إنْ أخذَهُ) الإنسانُ ممَّنْ ذُكِرَ (لـ) أجلِ ما (يحفظُهُ) له (وتَلِفَ) بيَدِه (١) (ولم يُفرِّطْ) فيه، فلا ضمانَ عليه (كمَنْ أخذَ مغصوبًا) من غاصبٍ (ليحفظَه لربِّه) ولم يُفرِّطْ، فلا يضمنُه؛ لأنَّه محسنٌ بالإعانةِ على ردِّ الحقِّ لمستحقِّهِ. فإنْ فرَّطَ، ضمِنَ.
(ومَنْ بلغَ) من ذكرٍ، وأنثى، وخنثى (رشيدًا، أو بلغَ مجنونًا، ثمَّ عَقَلَ ورشَدَ،
стр. 921
انفَكَّ الحَجرُ عنهُ، ودُفِعَ إليه مالُه، لا قَبلَ ذلِكَ بحَالٍ.
وبُلُوغُ الذَّكَر بثلَاثةِ أشياءَ:
إمَّا بالإمنَاءِ، أو بتَمامِ خَمسَ عَشرَةَ سَنةً،
انفكَّ الحَجْرُ عنه) لقولِه تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦]. الآية. ولأنَّ الحَجْرَ عليه إنَّما كانَ لعجزِه عن التصرُّفِ في مالِه؛ حفظًا له، وقد زالَ، فيزولُ الحَجْرُ؛ لزوالِ علَّتِه. بلا حكمِ حاكمٍ؛ لأنَّ الحَجْرَ عليهما لا يحتاجُ إلى حكمٍ، فيزولُ بدونِه. ولقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
(ودُفِعَ إليه مالُهُ)؛ للآيةِ. ويُستحبُّ بإذنِ قاضٍ، وإشهادٍ برشدٍ ودفعٍ؛ ليأمنَ التبعةَ. (لا) يُعطي مالُه (قبلَ ذلك بحالٍ) لأنَّ اللهَ تعالى لما أمرَ بدفعِ أموالِ اليتامى بوجودِ شرطينِ - وهما: البلوغُ، والرُّشدُ - اقتضى أنْ لا يدفعَ إليهم قبلَ وجودِهما. ولو صاروا شيوخًا.
(وبُلوغُ الذَّكَرِ بثلاثةِ أشياءَ):
أحدُها: ما ذكرَه بقولِه: (إمَّا بالإمناءِ) باحتلامٍ، أو غيرِه، لقولِه تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩].
قال ابنُ المنذرِ: أجمعوا على أنَّ الفرائضَ والأحكامَ تجبُ على المحتلمِ العاقلِ.
الثاني: ما ذكرَهُ بقولِه: (أو بتمامٍ) أي: استكمالِ (خمسَ عشرةَ سنةً) لحديثِ ابنِ عمرَ: عُرضْتُ على النبيِّ ﷺ . يومَ أحدٍ، وأنا ابنُ أربعَ عَشْرةَ سنةً، يُجزْني، وعُرِضْت يومَ الخندقِ، وأنا ابنُ خمسَ عَشْرةَ سنةً، فأجازَني. متفقٌ عليه (١). وفي
стр. 922
أو نباتِ شَعْرٍ خَشِنٍ حَولَ قُبُلِه.
وبُلوغُ الأُنثَى بذلِك، وبالحَيضِ.
روايةِ البيهقيِّ (١) بإسنادٍ حسنٍ: فلم يُجزْني ولمْ يَرَني بلغْتُ.
الثالثُ: ما ذكرَه بقولِه: (أو نباتِ (٢) شَعَرٍ خَشِنٍ حولَ قُبُلِهِ) أي: يستحقُّ أخذُه بالموسى، لا زَغَبٍ ضعيفٍ؛ لأنَّه ﵇ لما حكَّمَ سعدَ بنَ معاذٍ في بني قريظةَ، فحكمَ بقتلِ مقاتِلهم، وسبي ذراريهم، وأمرَ أنْ يُكشفَ عن مُؤتَزَرِهم، فمَن أنبتَ فهو من المقاتِلةِ، ومَنْ لم يُنبتْ فهو من الذريةِ، فبلغَ ذلك النبيَّ ﷺ .، فقال: "لقدْ حكمَ بحكمِ اللهِ من فوقِ سبعةِ أرقعةٍ". متفقٌ عليه (٣).
(و) يحصلُ (بلوغُ الأنثى بذلك) الذي يحصلُ به بلوغُ الذَّكَرِ، (و) تزيدُ الأنثى على الذَّكَرِ (بالحيضِ) لحديث: "لا يقبلُ اللهُ صلاةَ حائضِ إلا بخمارٍ". رواه الترمذيُّ (٤) وحسَّنَه.
وحملُها دليلُ إنزالِها. وقدرُ زمنِ حملٍ يُحكمُ فيه ببلوغِها، إذا ولدتْ أقلُّ مدةِ الحملِ، وهي ستَّةُ أشهرٍ، فيُحكمُ ببلوغِها فيها؛ لأنَّه اليقينُ.
وبلوغُ الخنثى المشكلِ بسنٍّ، وهو خمسَ عشرةَ سنةً، أو نباتٍ حولَ قُبُلَيه. فإنْ وُجِدَ حولَ أحدِهما، فلا. قالَهُ القاضي، وابنُ عقيلٍ. أو إمناءٍ من أحدِ فرْجَيْهِ.
стр. 923
والرُّشْدُ: إصلاحُ المَالِ، وصَونُه عَمَّا لا فائِدَةَ فيهِ.
(والرُّشدُ: إصلاحُ المالِ) لا غيرُ، في قولِ أكثرِ العلماءِ. بتنميتِه بالتكسُّبِ بالبيعِ والشراءِ ونحوِه؛ لقولِ ابنِ عباسٍ في قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] أي: صلاحًا في أموالِهم. (وصونُه) أي: المالِ (عـ) ــن صرفِه فيـ (ـما لا فائدةَ فيه) كالقمارِ، والغناءِ، وشراءِ المُحرَّماتِ، كالخمرِ وآلاتِ اللهوِ؛ لأنَّ مَن صرفَ مالَه في ذلك عُدَّ سفيهًا. وليسَ الصدقةُ به، وصرفُه في جهةِ برٍّ، كغزوٍ، وحجٍّ (١). وفي مطعمٍ، ومشربٍ، وملبسٍ، ومنكحٍ لا يليقُ به تبذيرًا؛ لأنَّه لا إسرافَ في الخير.
قال في "الاختيارات": الإسرافُ: ما صرَفَه في المُحرَّماتِ، أو كانَ صرفُه في المباحِ يضرُّ بعيالِه، أو كانَ صرفُه في المباحِ قدرًا زائدًا على المصلحةِ.
قال العلَّامةُ الشيخُ موسى الحجاويُّ صاحبُ "الإقناع" في حاشيتِه: الفرقُ بين الإسرافِ والتبذيرِ: أنَّ الإسرافَ: صرفُ الشيءِ فيما ينبغي (٢) زائدًا على ما ينبغي. والتبذيرُ: صرفُ الشيءِ فيما لا ينبغي (٣).
* * *
стр. 924
فَصْلٌ
وولايَةُ المَملُوكِ لمالِكِه، ولو فَاسِقًا.
ووِلايةُ الصَّغِيرِ، والبالِغِ بسَفَهٍ أو جُنونٍ لأَبيه، فإنْ لم يكُن فَوصِيُّه، ثمَّ الحَاكِمُ،
(فصلٌ)
(وولايةُ المملوكِ لمالِكه) أي: سيِّدِه؛ لأنَّه مالُه (ولو) كانَ سيِّدُه (فاسقًا) أي: غيرَ عدلٍ؛ لأنَّ تصرُّفَ الإنسانِ في مالِه لا يتوقَّفُ على عدالتِه.
(وولايةُ الصغيرِ) الذي دونَ البلوغِ (والبالغِ) الذي (بـ) ــه (سفهٌ، أو جنونٌ، لأبيهِ) لكمالِ شفقتِه، ولو كافرًا على ولدِه الكافرِ. ولا ولايةَ لكافرٍ على ولدِه المسلمِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١].
هذا إذا كانَ الأبُ بالغًا، وأمَّا مَن كانَ دونَ البلوغِ، فلا ولايةَ له.
وصورتُه: ما إذا أُلحقَ الولدُ بابنِ عشرٍ؛ احتياطًا للنسبِ، فيُلحقُ به الولدُ، ولا يثبتُ به بلوغُه
(فإنْ لم يكنْ) أبٌ، (فوصيُّه) أي: وصيُّ الأبِ العدلُ الذي اختارَه، ولو كانَ بجُعْلٍ، وهناكَ متبرِّعٌ؛ لأنَّه نائبُ الأبِ، كوكيلِه في الحياةِ،
(ثمَّ) بعدَ الأبِ ووصيِّه، تكونُ الولايةُ على الصغيرِ، وعلى مَن بلغَ مجنونًا، أو عاقلًا، ثمَّ جُنَّ: (الحاكمُ) لأنَّ الولايةَ انقطعتْ من جهةِ الأبِ، فتكونُ للحاكمِ، كولايةِ النكاحِ؛ لأنَّه وليُّ مَنْ لا وليَّ له.
стр. 925
فإن عُدِمَ الحَاكِمُ فأَمِينٌ يقومُ مقامَهُ.
وشُرِطَ في الوَليِّ: الرُّشدُ، والعَدالَةُ، ولو ظَاهِرًا.
والجَدُّ، والأمُّ، وسائِرُ العَصَباتِ، لا وِلايةَ لهُم، إلَّا بالوَصيَّةِ.
ويحرُمُ على وَليِّ الصَّغير والمَجنُونِ والسَّفيهِ أنْ يتصرَّف فِي مالِهِم إلَّا بمَا فيهِ حَظٌّ ومَصلَحَةٌ.
(فإنْ عُدِمَ الحاكمُ) أي: لم يوجدْ. وكذا إنْ كانَ فاسقًا (فأمينٌ يقومُ مقامَه) أي: الحاكمِ.
وعُلِمَ منه: أنَّه لا ولايةَ للجدِّ، والأمِّ، وباقي العصباتِ. وحاكمٌ عاجزٌ كالعدمِ.
سألَ الأثرمُ الإمامَ عن رجلٍ ماتَ، وله ورثةٌ صغارٌ، كيفَ يصنعُ؟ فقال: إنْ لمْ يكنَ لهم وصيٌّ، ولهم أم مشفقةٌ، تدفعُ إليها.
(وشُرِطَ في الوليِّ) من أبٍ، أو وصيِّه، أو حاكمٍ، أو أمين:
(الرُّشدُ) كما تقدَّمَ تعريفُه: هو إصلاحُ المالِ، وصونُه عن صرفِه فيما لا فائدةَ فيه.
(و) شُرِطَ فيه أيضًا: (العدالةُ، ولو ظاهرًا) وكذلك يُشترطُ في الوليِّ الكافرِ على ولِده الكافرِ: أنْ يكونَ عدْلًا في دينِه، ولو ظاهرًا.
(والجَدُّ، والأمُّ، وسائرُ العصباتِ، لا وِلايةَ لهم) لأنَّ المالَ محلُّ الخيانةِ (إلا) إذا كانتْ ولايةُ مَنْ ذُكِرَ، أو غيرِهم من الأجانبِ (بالوصيَّةِ) من قبلِ أبٍ، أو من قبلِ حاكمٍ نصَّبَهُ.
(ويحرُمُ على وليِّ الصغيرِ، و) على وليِّ (المجنونِ، و) وليِّ (السَّفيه، أنْ ينصرَّفَ في مالِهم إلا بما فيه حظٌّ ومصلحةٌ) لهم؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ
стр. 926
وتَصرُّفُ الثَّلاثَةِ ببَيعٍ، أو شِرَاءٍ، أو عِتقٍ، أو وَقفٍ، أو إقرارٍ، غَيرُ صَحيحٍ، لكِنَّ السَّفيهَ إنْ أقَرَّ بحَدٍّ، أو نَسَبٍ، أو طَلاقٍ، أو قِصَاصٍ، صَحَّ، وأُخِذَ به في الحَالِ. وإن أقرَّ بمالٍ، أُخِذَ به بعدَ فَكِّ الحَجْرِ.
الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. والسَّفيه والمجنونُ في معناه.
(وتصرُّف الثلاثةِ) أي: الصغيرِ، والسَّفيهِ، والمجنونِ (ببيعٍ، أو شراءٍ، أو عتقٍ، أو وقفٍ، أو إقرارٍ، غيرُ صحيح) قبلَ الإذنِ؛ لأنَّ تصحيحَ تصرُّفِهم يُفضي إلى ضياعِ مالِهم، وفيه ضررٌ عليهم
(لكنَّ السَّفيهَ إنْ أقرَّ بحدٍّ) أي: بما يوجبُه من نحوِ زنًى، أو قذفٍ (أو) أقرَّ بـ (نسبٍ، أو طلاقٍ) أو خُلعٍ (أو قصاصٍ، صحَّ) الإقرارُ (وأُخِذَ به في الحالِ) قال ابن المنذرِ: هو إجماعُ مَن نحفظُ عنه؛ لأنَّه غيرُ متَّهمٍ في نفسِه، والحَجْرُ إنَّما يتعلُّقُ بمالِه، فيقبل على نفسِه
وقولِه: "في الحالِ" يعني: فلا يُنتظَرُ رُشدُهُ، ولا وليُّهُ لو كان غائبًا.
(وإنْ أقرَّ بمالٍ) كثمنٍ، وقرْضٍ، وقيمةِ متلَفٍ، صحُّ إقرارُه، لكنْ لـ (ــا) يُؤ (خذُ به) إلا (بعدَ فكِّ الحَجْرِ) عنه؛ لأنَّه مكلَّفٌ يلزمُه ما أقرَّ به، كالرَّاهنٍ يُقِرُّ بالرهنِ. ولا يقبلُ في الحالِ؛ لئلا يزولَ معنى الحَجْرِ، لكنْ إنْ عَلِمَ الوليُّ صحَّةَ ما أقرَّ به السَّفيهُ، لزِمَه أداؤُه في الحالِ.
* * *
стр. 927
فَصْلٌ
وللوَليِّ مَعَ الحَاجَةِ أنْ يأكُلَ مِن مالِ مُوَلِّيهِ الأقلَّ مِنْ أُجرَةِ مِثلِه وكِفَايَتِه،
(فصلٌ)
(وللوليِّ) غيرِ الحاكمِ وأمينِه؛ لأنَّهما لا يأكلون شيئًا؛ لاستغنائِهما بما لَهُما في بيتِ مالِ المسلمين (مع الحاجةِ أنْ يأكلَ من مالِ مُوَلِّيهِ) لقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]. وعن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه: أنَّ رجلًا أتى النبيَّ ﷺ فقالَ: إنِّي فقيرٌ، وليسَ لي شيءٌ، وليَ يتيمٌ؟ فقال: "كُلْ من مالِ يتيمِكَ، غيرَ مسرفٍ" (١). رواه أبو بكرٍ. فيأكلُ مَنْ يُباحُ له الأكلُ.
فحينئذٍ؛ الذي يجوزُ له ذلك مع الحاجةِ أو الفرضِ، هو وصيُّ الأبِ، ووصيُّ الحاكمِ، وأمينٌ غيرُ الحاكمِ.
فأمَّا الأبُ، فيجوزُ له مع الحاجةِ وعدَمِها، ولا يلزمُه عوضُه. وهلْ للوَليِّ أنْ يَقضيَ دَيْنَه من مالِ مُوَلِّيهِ، أم لا؟ تأملٌ!
بـ (الأقلِّ) من أمرين: (من أجرةِ مثلِه) أ (و) قدرِ (كفايتِه) يعني: أنَّه لو كانتْ أجرةُ مثلِه عشرةَ دراهمَ في كلِّ شهرٍ، ويكفيه ثمانيةٌ، أو كانتْ أجرةُ مثلِه ثمانيةً، ولا يكفيه إلا عشرةٌ، ليس له أنْ يأكلَ في الصُّورتينِ إلا ثمانيةً؛ لأنَّه إنَّما يُباحُ له الأكلُ بالعملِ والحاجةِ جميعًا، فلمْ يجزْ أنْ يأخذَ إلا ما وُجِدَا فيه. وفي "الإيضاح": إذا قرَّرَهُ حاكمٌ.
стр. 928
ومعَ عَدَمِ الحَاجَة يأكُلُ ما فرَضَه له الحاكِمُ.
ولزوجَةٍ، ولكِلِّ متَصرِّفٍ في بيتٍ أن يتصَدَّقَ مِنُه بلا إذنِ صَاحِبه بما لا يَضُرُّ، كرَغِيفٍ ونحوِه، إلَّا أن يمنَعَه، أو يكُونَ
(ومع عدمِ الحاجةِ) إلى الأكلِ، جازَ له أنْ (يأكلَ ما فرضَه له الحاكمُ) ولو كان غنيًّا.
وقد عُلِمَ من ذلك: أنَّ للحاكمِ الفرضَ في مالِ الصغيرِ والمجنونِ والسَّفيهِ، لكنْ ينبغي تقييدُ ذلك بوجودِ المصلحةِ.
ويُقبلُ قولُ الوليِّ في دفعِ المالِ إلى اليتيمِ بعدَ بلوغِه ورُشدِه وعقلِه، إنْ كان الوليُّ متبرِّعًا؛ لأنَّه أمينٌ. وإنْ لم يكنْ مُتبرِّعًا، وكانَ بأجرةٍ، فلا يُقبلُ قولُه في دفعِ المالِ إلا ببيِّنةٍ.
(ولزوجةٍ، ولكلِّ متصرِّفٍ في بيتٍ) كأجيرٍ، وخادمٍ، وقريبٍ (أنْ يتصدَّقَ (١) منه بلا إذنِ صاحبِه) أي: صاحبِ البيتِ (بما لا يضرُّ) صاحبَ البيتِ (كرغيفٍ ونحوِه) كفلسٍ وبيضةٍ؛ لجريانِ العادةِ بالمسامحةِ فيه؛ لحديثِ عائشةَ مرفوعًا: "إذا أنفقتِ المرأةُ من طعامِ زوجِها غيرَ مفُسِدةٍ، كان لها أجرُها مما أنفقتْ، ولزوجِها أجرُ ما كسبَ، وللخازنِ مثلُ ذلك، لا يَنقصُ بعضُهم من أجرِ بعضٍ شيئًا". متفقٌ عليه (٢). ولمْ يذكرْ إذْنًا؛ ولأنَّ العادةَ السَّماحُ وطيبُ النفسِ به، (إلا أنْ يَمنعَه (٣) الزوجُ) زوجتَه، أو ربُّ البيتِ التصرُّفَ فيه من الصدقةِ مطلقًا، (أو يكونَ) الزوجُ، أو
стр. 929
بَخيلًا، فيَحرُمُ.
ربُّ البيتِ (بخيلًا) فيُشَكُّ في رضاهُ (فيحرُمُ) الصدقةُ في شيءٍ من مالِه بغيرِ إذنِه.
ويحرُمُ على الزوجِ الصدقةُ بطعامِ المرأةِ بغيرِ إذنِها؛ لأنَّ العادةَ لمْ تجرِ به.
* * *
стр. 930
بابُ الوَكالَةِ
وهي: استِنَابةُ جَائِزِ التَّصرُّفِ مِثلَه فيمَا تدخُلُه النِّيابَةُ،
(بابُ الوكالةِ)
بفتحُ الواوِ وكسرِها، اسمُ مصدرٍ، بمعنى التوكيلِ.
وهي لغةً: التفويضُ، تقولُ: وكَّلتُ أمري إلى اللهِ. أي: فوَّضتُه إليه، واكتفيتُ به. وتطلقُ أيضًا بمعنى الحفظِ، ومنه: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] أي: الحفيظُ
(وهي) شرعًا: (استنابةُ جائزِ التصرُّفِ) فيما وكَّلَ فيه (مِثلَه) أي: جائزَ التصرُّفِ، وهو الحرُّ، المكَلَّفُ، الرشيدُ، كما مرَّ. والمرادُ: حيثُ اعتُبرَ ذلك، كما يأتي.
ويُمكنُ أنْ يُرادَ بجائزِ التصرُّفِ هنا: مَن يصحُّ منه فِعلُ ما وكِّلَ فيه، فيختلفُ باختلافِ الموكَّلِ فيه. وهو منصوبٌ بـ "استنابةِ" (فيما) متعلِّقٌ بـ "استنابِة" (تدخلُه النيابةُ) من حقوقِ الله، وحقوقِ الآدميين.
وجوازُها بالإجماعِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠] أي: الزكاةِ، حيثُ جوِّزَ العملُ عليها، وهو بحكمِ النيابةِ عن المستحقِّين. ولفعلِه ﵇، ولدعاءِ الحاجةِ إليها، إذ لا يمكنُ كلَّ (١) أحدٍ فعلُ ما يحتاجُ إليه بنفسِه.
وخرجَ: ما لا تدخلُه النيابةُ، كالصَّلاةِ
стр. 931
كَعَقْدٍ، وفَسْخٍ، وطلاقٍ، ورَجعَةٍ، وكِتَابَةٍ، وتَدبيرٍ، وصُلْحٍ، وتَفرِقَةِ صَدَقَةٍ ونذرٍ وكفَّارَةٍ، وفِعلِ حَجٍّ وعُمرَةٍ. لا فيَما لا تدخُلُه النِّيابَةُ، كصلاةٍ، وصَومٍ، وحَلِفٍ، وطَهَارَةٍ من حَدَثٍ.
(كعقدِ) بيعٍ، وهبةٍ، وإجارةٍ، ونكاحٍ؛ لأنَّه ﵇ وكَّلَ في الشراءِ، والنكاحِ (١). وأُلحقَ بهما سائرُ العقودِ. (وفسخِ) لنحوِ بيعٍ، وخُلعٍ (وطلاقٍ) لأنَّ ما جازَ التوكيلُ في عقدِه، جازَ في حلِّه بطريقِ الأَوْلى. (ورجعةٍ) لأَنَّه يُملكُ بالتوكيلِ الأقوى وهو إنشاءُ النكاحِ، فالأضعف وهو تجديدُه بالرجعةِ من بابِ أَوْلى
(وكتابةِ) رقيقٍ (وتدبيرٍ، وصلحٍ) لأنَّه عقدٌ على مالٍ، أشبَه البيعَ (وتفرقةِ صدقةٍ ونذرٍ، وكفَّارةٍ) لأنَّه ﵇ كان يبعثُ عمَّالَه لقبضِ الصدقاتِ وتفريقِها، وحديثُ معاذٍ شاهدٌ بذلك
(وفعلِ حجٍّ، و) فعلِ (عمرةٍ) فيستنيبُ مَن يفعلُهما عنه مطلقًا في النفَلِ، ومع العجزِ في الفرضِ، على ما سبقَ في الحجِّ.
و (لا) تصحُّ وكالةٌ في عبادةٍ بدنيةٍ محضةٍ لا تتعلَّقُ بالمالِ (فيما لا تدخلُه النيابةُ، كصلاةٍ، وصومٍ، وحَلفٍ، وطهارةٍ من حدثٍ) واعتكافٍ، وغُسلِ جمعةٍ، وتجديدِ وضوءِ؛ لتعلُّقِهَا ببدنِ الفاعلِ ممَّنْ تلزمُه.
والحاصلُ: أنَّ الحقوقَ ثلاثةُ أنواعٍ:
نوعٌ تصحُّ الوكالةُ فيه مطلقًا؛ وهو ما تدخلُه النيابةُ من حقوقِ اللهِ تعالى، وحقوقِ الآدميِّ.
стр. 932
وتصِحُّ الوَكالَةُ مُنجَّزةً، ومُعلَّقةً، ومُؤقَّتةً.
وتنعَقِدُ بكلِّ ما دَلَّ عليها من قَول، وفِعلٍ.
ونوعٌ لا تصحُّ الوكالةُ فيه مطلقًا، كالصَّلاةِ، والصومِ، والطهارةِ.
ونوعٌ تصحُّ فيه مع العجزِ دونَ القدرةِ، كحجِّ فرضِ وعمرتِه.
(وتصحُّ الوكالةُ منجَّزةً) أي: في الحالِ
(و) تصحُّ (معلَّقةً) كـ: إذا قدِمَ الحاجُّ فخذْ كذا. و: إذا جاءَ الشتاءُ فاشترِ كذا.
و: إذا طلبَ أهلي شيئًا فادفعْه، أو خذْه لهم. ونحو ذلك.
(و) تصحُّ (مؤقتةً) كـ: أنتَ وكيلي شهرًا، أو سنةً. أو نحوِ ذلك.
(وتنعقدُ) الوكالةُ (بكلِّ ما دلَّ عليها) أي: على الوكالةِ (من قولٍ) كـ: وكَّلتُكَ في كذا (١). وينعقدُ بكلِّ قولٍ يدلُّ على إذنٍ، كـ: بعْ عبدي فلانًا، أو: أعتقْه، ونحوِه، أو: فوَّضتُ إليك أمرَه، أو: جعلتُك نائبًا عنِّي في كذا، أو: أقمتُكَ مقامي؛ لأنَّه لفظٌ دلَّ على الإذنِ، فصحَّ، كلفظِها الصريحِ.
قال في "الفروع": (و) دلَّ كلامُ الفهامةِ القاضي على انعقادِها بكلِّ (فعلٍ) دالٍّ، كبيعٍ. وهو ظاهرُ كلامِ الشيخِ فيمَنْ دفعَ ثوبَه إلى قصَّارٍ، أو خياطٍ، وهو أظهرُ، كالقبولِ (٢).
وظاهرُ كلام "المنتهى" وغيرِه: عدمُ صحةِ الوكالةِ بالفعلِ الدالِّ عليها من الموكِّلِ. قال في "الإنصاف" (٣): وهو صحيحٌ.
стр. 933
وشُرِطَ تَعيينُ الوَكيلِ،
قال ابنُ نصرِ اللهِ: ويتخرَّجُ انعقادُها بالخطِّ والكتابةِ الدَّالةِ على ذلك، ولم يتعرَّضْ له الأصحابُ، ولعلَّه داخلٌ في قولِه: "بفعلٍ دالٍّ"؛ لأنَّ الكتابةَ فعلٌ يدلُّ على المعنى (١).
وهذا القولُ مما ينفعُ الناسَ في هذا الزمن، فإنَّه واقعٌ كثيرًا.
ويصحُّ قبولُ وكالةٍ بكلِّ قولٍ أو فعلٍ دلَّ عليه؛ لأنَّ وكلاءَه ﵇، لم يُنقَلْ عنهم سوى امتثالٍ أوامرِه الشريفةِ، ولأنَّه إذنٌ في التصرُّفِ، فجازَ قبولُه بالفعلِ، كأكلِ الطعامِ. ولو كان القبولُ متراخيًا عن الإذنِ. فلو بلغَه أنَّ زيدًا وكَّلَه في بيعِ عبدِه منذُ سنةٍ، فقَبِلَ، أو باعَه من غيرِ قولٍ، صحَّ؛ لأنَّ قبولَ وكلائَه ﵇ كان بفعلِهم، وكانَ متراخيًا.
وكذا كلُّ عقدٍ جائزٍ، كشركةٍ، ومساقاةٍ، ومزارعةٍ، فهو كالوكالةِ فيما تقدَّمَ.
(وشُرِطَ) لوكالةٍ: (تعيينُ الوكيلِ) والموكَّلِ فيه؛ كأنْ يقولَ: وكَّلتُ فلانًا كذا في كذا.
فلا يصحُّ: وكَّلتُ أحدَ هذينِ. أو: في شراءِ أحدِ هذينِ. وفي "الانتصار": لو وكَّلَ زيدًا، وهو لا يعرفُه، أو لم يعرفْ الوكيلُ موكِّلَه، لم تصحَّ (٢).
قال العلَّامةُ عمُّ والدي في "غاية المنتهى" (٣): وفيه تأمُّلٌ.
ولعلَّ وجهَ التأمُّلِ؛ لأنَّ تعيينَ الوكيلِ يستلزمُ معرفتَه بما يتميَّزُ به عن غيرِه، فإذا قال: وكَّلتُ زيدًا. ولم يصفْه بما يميِّزُه عن باقي المسمينَ به، لم يكنْ معينًا له، فهو
стр. 934
لا عِلمُهُ بها.
وتَصِحُّ في بيعِ مالِه كُلِّه، أو ما شَاءَ مِنهُ، وبالمُطَالَبةِ بحقُوقِه، وبالإبرَاءِ مِنها كُلِّها، أو ما شَاءَ مِنها.
ولا تَصِحُّ إنْ قالَ: وكَّلتُكَ في كُلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ، وتُسمَّى: المُفَوَّضَةَ.
بمنزلةِ: وكَّلتُ أحدَ هذينِ. وهذا واضحٌ. انتهى (١).
و (لا) يُشترطُ لصَّحةِ التصرُّفِ (عِلمُه) أي: الوَكيلِ (بها) أي: الوكالةِ. فلو باعَ عبدَ زَيدٍ، على أنَّه فضوليٌّ، وبانَ أنَّ (٢) زيدًا كانَ وكَّلَه في بيعِه قبلَ البيعِ، صحَّ؛ اعتبارًا بما في نفسِ الأمرِ، لا بما في ظنِّ المكلَّفِ.
(وتصحُّ) الوكالةُ (في بيعِ مالِه كلِّه، أو) في بيعِ (ما شاءَ من) مالِه
(و) تصحُّ الوكالةُ (بالمطالبةِ بحقوقهِ) كلِّها، أو بعضِها. (و) تصحُّ الوكالةُ (بالإبراءِ منها كلَّها، أو ما شاءَ مِنها) (٣) أي: من الحقوقِ.
قال في "الفروع" (٤): وظاهرُ كلامِهم في: بِعْ من (٥) مالي ما شئتَ. له بيعُ كلِّ مالِه
(ولا تصحُّ) الوكالةُ (إنْ قال: وكَّلتُكَ في كلِّ قليلٍ وكثيرٍ. وتُسمَّى) هذه الوكالةُ: (المُفوَّضةَ) ذكرَه الأزجيُّ اتفاقَ الأصحابِ؛ لأنَّه يدخلُ فيه (٦) كلُّ شيءٍ،
стр. 935
وللوَكِيلِ أنْ يوَكِّلَ فيمَا يعجَزُ عنهُ، لا أنْ يعقِدَ مع فَقِيرٍ، أو قَاطِعِ طَريقٍ، أو يبيعَ مؤجَّلًا،
من هبةِ مالِه، وطلاقِ نسائِه، وإعتاقِ رقيقِه، فيعظمَ الغررُ والضررُ؛ ولأنَّ التوكيلَ شرطُه: أنْ يكونَ في تصرُّفٍ معلومٍ.
(وللوكيلِ أن يُوكِّلَ فيما يعجزُ عنه) لكثرتِه، ولو في جميعِه؛ لدلالةِ الحالِ على الإذنِ فيه. وحيثُ اقتضتِ الوكالةُ جوازَ التوكيلِ، جازَ في جميعِه، كما لو أذنَ فيه لفظًا.
وفيما لا يتولَّى مثلَه بنفسِه، كالأعمالِ البدنيةِ في حقِّ أشرافِ الناسِ المُترفِّعينَ عنها عادةً؛ لأنَّ الإذنَ إنَّما ينصرفُ (١) لما جرتْ به العادةُ.
وليسَ لوكيلٍ توكيلٌ فيما يتولَّى مثلَه بنفسِه، إلا بإذنِ موكِّلٍ، أو أنَّه يُفوِّضُ له في الوكالةِ، فيتناولُ أنَّه يوكِّلُ، ولو فيما يتولَّى مثلَه بنفسِه.
وكذا وصيٌّ يوكِّلُ، وحاكمٌ يستنيبُ.
(لا) أي: لا (٢) يصحُّ (أنْ يعقدَ) وكيلٌ في نحوِ بيعٍ وإجارةٍ (مع فقيرٍ، أو قاطعِ طريقٍ) إلا بإذنِ موكِّلٍ؛ لأنَّه تغريرٌ بالمالِ.
قال الفهَّامةُ الشيخُ منصورٌ في "شرحه" على "المنتهى" (٣): قلتُ: وفي معناه: كلُّ مَنْ يَعسُرُ على موكِّلٍ أخذُ العوضِ منه.
(أو) أي: ولا يصحُّ أن (٤) (يبيعَ) وكيلٌ (مؤجَّلًا) إلا بإذنٍ. فإنْ فعلَ، لم يصحَّ؛
стр. 936
أو بمنفَعَةٍ أو عَرْضٍ، أو بغَيرِ نَقدِ البَلَدِ، إلَّا بإذنِ مُوكِّلِه.
لأنَّ الإطلاقَ ينصرفُ إلى الحلولِ
(أو) أي: ولا يصحُّ أنْ يبيعَ الوكيلُ (بمنفعةٍ) كسُكنى دارٍ، وخدمةِ عبدٍ
(أو عرْضٍ) أي: ولا يصحُّ بعرْضٍ، كثوبٍ، وفلوسٍ
(أو بغيرِ نقدِ البلدِ) أي: فلا يصحُّ أنْ يبيعَ الوكيلُ بغيرِ نقدِ البلدِ؛ لأنَّ الأصلَ في البيعِ الحلولُ. وإطلاقُ النقدِ ينصرفُ إلى نقدِ البلدِ، ولهذا لو باعَ وأطلقَ، انصرفَ إلى نقدِ البلدِ.
ولا أنْ يبيعَ بغيرِ غالبِه رَواجًا، إنْ كانَ في البلدِ نقودٌ. فإنْ تساوتِ النقودُ رَواجًا، فبالأصلحِ؛ لأنَّه الذي ينصرفُ إليه الإطلاقُ.
هذا إنْ لمْ يعيِّنْ (١) الموكِّلُ نقدًا، فإنْ عيَّنَه، أو قال: بعْ بكذا حالًّا. تعيَّنَ ما عيَّنَه الموكِّل. وإليه أشارَ بقولِه: (إلا بإذنِ موكِّلِه) أو قرينةٍ، كبيعِ حِزَمِ بَقْلٍ ونحوِها بفلوسٍ.
"تتمَّةٌ": مَنْ وكِّلَ في خصومةٍ، لم يكنْ وكيلًا في القبضِ. وإنْ وكِّلَ في القبضِ، كانَ وكيلًا في الخصومةِ. وإنْ وكِّلَ في قبضِ الحقِّ من إنسانٍ، تعيَّنَ القبضُ منه، ومن وكيلِه. ولا يملكُ قبضَه من مورِّثِه لو ماتَ؛ لأنَّه لم يأمرْه بذلك، ولا يقتضيه (٢) العرفُ.
وفي "الفنون": لا تصحُّ الوكالةُ ممَّنْ علمَ ظلمَ موكِّلِه في الخصومةِ. قاله (٣) في
فَصْلٌ
والوَكَالَةُ، والشَّرِكَةُ، والمُضَارَبَةُ، والمُساقَاةُ، والمُزارَعَة، والوَديعَةُ، والجَعَالَةُ، عقودٌ جائِزةٌ من الطَّرفين، لكلٍّ من المُتعاقِدَينِ فَسخُها.
وتَبطُلُ كلُّها بمَوتِ أحَدِهِمَا، وجُنُونِهِ، وبالحَجْرِ لِسَفَهٍ، حيثُ اعتُبِرَ الرُّشدُ.
وتَبطُلُ الوكَالَةُ بطُرُوِّ فِسقٍ لمُوَكِّلٍ ووكيلٍ فِيمَا يُنافِيِه، كإيجابِ النِّكاح،
(فصلٌ)
(والوَكالةُ، والشركةُ، والمضاربةُ، والمساقاةُ، والمزارعةُ، والوديعةُ، والجعالةُ) والمسابقةُ، والعاريةُ (عقودٌ جائزةٌ من الطرفين) لأنَّ غايتَها إذنٌ، وبذلُ نفعٍ، وكلاهما جائزٌ؛ لأنَّها من جهةِ الموكِّلِ إذنٌ، ومن جهةِ الوكيلِ بذلُ نفعٍ (لكلٍّ من المتعاقدينِ) من موكِّلٍ ووكيلٍ (فسخُها) أي: هذه العقودِ
(وتبطلُ) هذه العقودُ (كلُّها بموتِ أحدِهما) أي: المتعاقدين.
وتبطلُ هذه العقودُ (بجنونِ) أحدهما
(و) تبطلُ أيضًا (بالحجرِ) على أحدِهما، من وكيلٍ أو موكِّلٍ (لسفهٍ، حيثُ اعتُبِرَ الرُّشدُ) كالتصرِّفِ الماليِّ. فإنْ وكَّلَ في نحوِ طلاقٍ ورجعةٍ، لم تبطلْ بسفهٍ. وكذا في الشيءِ اليسيرِ، نحوَ احتطابٍ، واستقاءِ ماءٍ، ونحوِه.
(وتبطلُ الوكالةُ بطُرُوٍّ) أي: حدوُثِ (فسقٍ لمُوَكِّلٍ ووكيلٍ فيما يُنافيهِ) الفسقُ فقطْ (كإيجابِ النكاحِ) لأنَّه يُشترطُ فيه العدالةُ. بخلافِ الوكيلِ في قبولِه، أو في بيعٍ أو شراءٍ، فلا ينعزلُ بفسقِ موكِّلِه، ولا بفسقِه؛ لأنَّه يجوزُ منه ذلك لنفسِه، فجازَ
стр. 939
وبفَلَسِ مُوَكِّلٍ فيمَا حُجِرَ عليه فيه، وبردَّتِه، وبتَدبيرِه أو كِتابتِه قِنًّا وَكَّلَ في عِتقِه، وبوطئِه زَوجةً وكَّلَ فِي طَلاقِها، ويمَا يدُلُّ على الرُّجُوعِ من أحَدِهِما.
وينَعزِلُ الوَكيلُ بموتِ مُوكِّلِه، وبعَزلِه له، ولو لمْ يَعلَم،
لغيرِه، كالعدلِ (١).
(و) تبطلُ وكالةٌ (بفَلَسِ موكِّلٍ فيما حُجِرَ عليه فيه) كأعيانِ مالِه؛ لانقطاعِ تصرُّفِه فيها، بخلافِ ما لو وكَّلَ في شراءِ شيءٍ في ذمَّتِه، أو في ضمانٍ، أو اقتراضٍ.
(و) تبطلُ الوكالةُ (برِدَّتِه) أي: المُوَكِّلِ؛ لمنعِه من التصرُّفِ في مالِه ما دامَ مُرْتدًّا، ولا تبطلُ بردَّةِ وكيلٍ إلا فيما ينافيها.
(و) تبطلُ وكالةٌ (بتدبيرِه) أي: السيِّدِ (أو كتابتِه قِنًّا وكَّلَ في عتقِه) لدلالتِه على رجوعِ الموكِّلِ عن الوكالةِ في العتقِ.
(و) تبطلُ الوكالةُ (بوطئِه) أي: الموكِّلِ (زوجةً وكَّلَ في طلاقِها) لأنَّه دليلُ رغبتِه فيها، واختيارِ إمساكِها. ولذلك كانَ رجعةً في المطلَّقةِ رجعيًّا، بخلافِ القُبلةِ، والمباشرةِ دونَ الفرجِ، ونحوِه، خلافًا "للإقناع" (٢).
(و) تبطلُ وكالةٌ (بما يدلُّ على الرجوعِ من أحدِهما) أي: الموكِّلِ والوكيلِ، من قولٍ أو فعلٍ.
(وينعزلُ الوكيلُ بموتِ موكِّلِه، وبعزلِه له، ولو لم يعلَمْ) أي: الوكيلُ بموتِ موكِّلِه، أو عزلِه؛ لأنَّ الوكالةَ لا يفتقرُ رفعُها من أحدِهما إلى رضا الآخرِ، فلم تفتقرْ إلى علمِه، كالطلاقِ، فيضمنُ ما تصرَّفَ فيه
стр. 940
ويَكُونُ ما بيدِهِ بعدَ العَزلِ أمانَةً.
(ويكونُ ما بيدِه بعدَ العزلِ أمانةً) لا يضمنُه إذا تَلِفَ بغيرِ تعدٍّ منه ولا تفريطٍ، حيثُ لم يتصرَّفْ. وأمَّا ما تلِفَ بتصرُّفِه، فيضمنُه، كما سبقَ.
وكذلك عقودُ الأماناتِ كلِّها، كالوديعةِ، والرهنِ، إذا انتهتْ؛ بأنْ كانت مُغيَّاةً بمدَّةٍ وانقضتْ، أو انفسختْ بموتٍ، أو عزلٍ حيثُ أمكنَ، فإنَّها تكونُ أمانةً. وكذلك الهبةُ للولدِ إذا رجعَ فيها الأبُ، فهي أمانةٌ ما دامتْ بيدِ ولدِه.
"فائدةٌ": الوكيلُ في الضبطِ - مثلُ مَن وكَّلَ رجلًا كتابةَ ما لَهُ، وما عليه، كأهلِ الديوانِ - قولُه أَوْلى بالقبولِ من وكيل التصرُّفِ؛ لأنَّه مؤتمنٌ على نفسِ الإخبارِ بما له وبما عليه.
ونظيرُه: إقرارُ كُتَّابِ الأموالِ، وكُتَّابِ السلطانِ بما على بيتِ المالِ، وسائرِ أهلِ الديوانِ بما على جهاتِهم من الحقوقِ، من ناظرِ الوقفِ، وعاملِ الصدقةِ والخراجِ (١)، ونحوِ ذلك، فإنَّ هؤلاءِ لا يخرجونَ عن وكالةٍ أو ولايةٍ. ذكرَهُ في "الاختيارات". انتهى (٢).
* * *
стр. 941
فَصْلٌ
وإن باعَ الوَكِيلُ بأنقَصَ عن ثَمَنِ المِثْلِ، أو عَنْ ما قدَّره له مُوكِّلُه، أو اشترَى بأَزيدَ، أو بأكثَرَ ممَّا قدَّره له، صَحَّ، وضَمِنَ في البَيعِ كُلَّ النَّقْصِ، وفي الشِّرَاءِ كُلَّ الزائِدِ.
و: بِعْهُ لزيدٍ، فَباعَهُ لغيرِه، لم يَصِحَّ.
(فصلٌ)
(وإنْ باعَ الوكيلُ بأنقصَ عن ثمنِ المثلِ، أو) بأنقصَ (عمَّا قدرَه له موكِّلُه، أو اشترى) الوكيلُ (بأزيدَ) من ثمنِ المثلِ، (أو) اشترى (بأكثرَ ممَّا قدَّرَه له، صحَّ) البيعُ والشراءُ. نصًّا؛ لأنَّ مَنْ صحَّ بيعُه وشراؤُه بثمنٍ، صحَّ بأنقصَ منه، وأزيدَ (وضمِنَ في البيعِ) الذي باعَه الوكيلُ (كلَّ النقصِ) عن ثمنِ المثلِ، أو عمَّا قدَّرَه له (و) ضمِنَ (في الشراءِ) الذي اشتراه (كلَّ الزائدِ) عن ثمنِ المثلِ، أو عمَّا قدر له.
وكذا وصيٌّ، وناظرُ وقفٍ، وبيتِ المال، إذا باع بدون ثمن المثل، أو اشترى بأكثرَ منه. ذكرَهُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ (١). وكذا إنْ أجَّرَ بدونِ أجرةِ المثلِ.
وليس للوكيلِ شراءُ معيبٍ، وللوكيلِ والموكِّلِ ردُّه. فإنْ رضيَ الموكِّلُ به معيبًا، لم يملكِ الوكيلُ ردَّه
(و) إنْ قالَ لوكيلِه: (بعْه لزيدٍ، فباعه) الوكيل (لغيرِه) أي: غيرِ زيدٍ، (لم يصحَّ) البيعُ، لمخالفتِه. سواءٌ قدَّرَ له الثمنَ، أو لم يقدِّرْه؛ لأنَّه قدْ يكونُ غرضُه في
стр. 942
ومَنْ أُمِرَ بدَفعِ شَيءٍ إلى مُعيَّنٍ ليصنَعَهُ، فدَفَعَ ونَسِيَهُ، لم يَضْمَن، وإنْ أطلَقَ المَالِكُ، فدَفَعه إلى مَنْ لا يعرِفُه، ضَمِنَ.
والوَكِيلُ أمينٌ، لا يَضمَنُ ما تَلِفَ بيدِه بلا تَفرِيطٍ، ويُصدَّقُ بيَمينِه في التَّلَفِ، وأنَّه لم يُفرِّط،
تمليكِه لزيدٍ دونَ غيرِه، إلا إنْ عَلِمَ الوكيلُ، ولو بقرينةٍ، أنَّه لا غرضَ له في عينِ زيدٍ. ذكره الموفَّقُ والشارح (١).
(ومَن أُمرَ بدفعِ شيءٍ) كثوبٍ أمرَهُ مالكُه بدفعِه (إلى) نحوِ قصَّارٍ، أو صبَّاغٍ (معيَّنٍ؛ ليصنعَه، فدفعَ) المأمورُ الشيءَ إلى مَنْ أُمرَ بدفعِه له، (ونسيَه) فضاعَ (لم يضمنْ) لأنَّه لم يتعدَّ، ولم يفرِّطْ، بلْ فعلَ ما أُمِرَ به
(وإنْ أطلقَ المالكُ) بأنْ قال مثلًا: ادفعْه إلى مْن يَقصُرُهُ، أو يصبَغُه (فدفعَه إلى مْن لا يعرفُه) أي: يعرفُ عينَه، ولا يعرفُ اسمَه، ولا دكَّانَه (ضَمِنَ) لتفريطِه. وأطلقَ أبو الخطابِ: إذا دفعَه إليه، لم يضمنْ إذا اشتبَه عليه (٢).
(والوكيلُ أمينٌ، لا يضمنُ ما تلِفَ بيدِه) مِن ثمنٍ أو مثمنٍ، أو غيرِهما، إذا كانَ (بلا تفريطٍ) ولا تعدٍّ؛ لأنَّه نائبُ المالكِ في اليدِ والتصرُّفِ، فالهلاكُ في يدِه، كالهلاكِ في يدِ المالكِ، كالمودعِ والوصيِّ ونحوِه، وسواءٌ كان متبرِّعًا، أو بجُعْلٍ، فإنْ فرَّطَ، أو تعدَّى، ضمِنَ (ويُصدَّقُ) وكيلٌ (بيمينِه في) دعوى (التلفِ، و) يُصدَّقُ بيمينِه (أنَّه لمْ يُفرِّطْ) لأنَّه أمينٌ، ولا يُكلَّفُ بينةً؛ لأنَّه ممَّا يتعذَّرُ إقامةُ البينةِ عليه، ولئلا يمتنعَ الناسُ من الدخولِ في الأماناتِ مع الحاجةِ إليها.
стр. 943
وأنَّه أُذِنَ له في البَيعِ مُؤجَّلًا، أو بغيرِ نَقدِ البَلَدِ.
ومثلُ الوكيلِ: كلُّ مَن كانَ بيدِه شيءٌ لغيرِه، كالأبِ، والوصيِّ، وأمينِ الحاكمِ، والشريكِ، والمُضارِبِ، والمُرْتهنِ، والمستأجرِ، والمودَعِ، يُقبلُ قولُهم في التلفِ، وعدمِ التفريطِ والتعدِّي.
وإنْ ادَّعى وكيلٌ، وأجيرٌ مشترَكٌ، كصائغٍ، وصبَّاغٍ، وخياطٍ، في ردِّ العينِ (١).
وظاهرُه: أنَّه يُقبلُ (٢) قولُ أجير خاصٍّ. وأطلق في "الإقناع" أنه لا يقبل قول الأجيرِ في الردِّ، ولا قولُ مستأجرِ نحو دابَّةٍ في ردِّها، ولا مضاربٍ، ومرتهنٍ، وكلِّ مَن قبضَ العينَ لنفعِ نفسِه، كالمستعيرِ.
ودعوى الكلِّ تلفًا بحادثٍ ظاهرٍ، كحريقٍ، ونهبٍ، ونحوِهما، فلا يُقبلُ إلا ببينةٍ تشهدُ بالحادثِ الظاهرِ؛ لعدمِ خفائِه؛ لأنَّه لا تتعذَّرُ البينةُ عليه.
ويُقبلُ قولُه (٣) فيما تَلِفَ بعدَ إقامةِ البينةِ، بيمينِه، في تلفِ العينِ بسببِ الحادثِ الظاهرِ؛ لتعذِّرِ إقامةِ البينةِ على تلفِها به، كما لو تَلِفَتْ بسببٍ خفيٍّ، فيقبلُ قولُه بيمينِه من غيرِ إقامةِ بينةٍ.
(و) يصدَّقُ بيمينِه (أنَّه) أي: الموكِّلَ (أذِنَ له في البيعِ مؤجَّلًا) أي: نَساءً. وأنكرَهُ، فقولُ وكيلٍ (أو) قال وكيلٌ: أذنتَ لي في البيعِ (بغيرِ نقدِ البلدِ) أو بعَرْضٍ. وأنكرَهُ موكِّلٌ، فقولُ وكيلٍ.
"تتمَّةٌ": وإنِ اختلفَ الوكيلُ والموكِّلُ في صفةِ الإذنِ؛ بأن قال: وكَّلتَني في
стр. 944
وإن ادَّعَى الرَّدَّ لوَرَثَةِ المُوَكِّلِ مُطلقًا، أو لَه، وكان بجُعْلٍ، لم يُقبَل.
ومَن عليه حَقٌّ، فادَّعى إنسانٌ أنَّه وكيلُ رَبِّه في قَبضِه، فصدَّقَه، لم يلزَمْهُ
شرائِه بعشرةٍ. فقال الموكِّلُ: بل بخمسةٍ. أو: وكَّلتَني في شراءِ عبدٍ. قال: بلْ أمَةٍ. أو: أنْ أبيعَه من زيدٍ. قال: بل من عمرٍو. أو قال: موكِّلٌ: أمرتُكَ ببيعِه نسيئةً برهنٍ، أو ضامنٍ. وأنكرَ وكيلٌ، ولا بينةَ، فالقولُ قولُ وكيلٍ بيمينِه؛ لأنَّه أمينٌ، كمُضاربٍ اختلفَ مع ربِّ المالِ في مثلِ ذلك، وكخياطٍ إذا قال: آذنتَني في تفصيلِه قَبَاءً. وقال ربُّه: بل قميصًا، ونحوَه.
وإنْ باعَ الوكيلُ السلعةَ، وقال للموكِّل: بذلك أمرتَني. فقال: بل أمرتُك برهنِها. صُدِّقَ ربُّها، فاتتْ أو لم تَفُتْ؛ لأنَّ الاختلافَ هنا في جنسٍ التصرُّفِ.
وإنِ اختلفا في أصلِ الوكالةِ، فقولُ مُنكرٍ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الوكالةِ.
(وإنِ ادَّعَى) وكيلٌ (الرَّدَّ) فيما وكِّلَ فيه (لوَرثةِ الموكِّل مطلقًا) أي: سواءٌ كان بجُعْلٍ أو بلا جُعْلٍ، لم يُقبلْ قولُه بيمينِه؛ لأنَّهم لم يأمنوه.
وكذا لو ادَّعَى الوكيلُ الردَّ إلى غيرِ مَنِ ائتمنَه، ولو بإذنِ الموكِّلِ؛ لأنَّه لا بدَّ من إقامةِ الوكيلِ بيِّنَةً تشهدُ بدفعِه إذا أنكرَه.
وكذا لم يُقبلْ قولُ ورثةِ وكيلٍ في دفع لموكِّلٍ؛ لأنَّه لم يأتمنْهم.
(و) كذا لو ادَّعى وكيلٌ الردَّ (له) أي: للموكِّلِ وهو حيٌّ (وكان) الوكيلُ (بجُعْلٍ، لم يُقبلْ) قولُه بيمينِه، ولا بدَّ من بيِّنةٍ
(ومَن عليه حقٌّ) من دينٍ، أو عينٍ، عاريةٍ، أو وديعةٍ، ونحوِها (فادَّعى إنسان أنَّه وكيلُ ربِّه) أي: صاحبِه (في قبضِه) الدَّيْنَ، أو الوديعةَ (فصدَّقَه) أي: صدَّقَ مْن عليه الحقُّ مدَّعي الوكالةِ، أو الوصيةِ، أو الحوالةِ (لم يلزمْه) أي: مَن عليه الحقُّ في ما
стр. 945
دفعُه إليه. وإن ادَّعى موتَه، وأنَّه وارِثُه، لزِمَه دفعُه، وإنْ كذَّبه، حَلَف أنَّه لا يعلَم أنَّه وارِثُه، ولم يدفَعْهُ.
(دفعَه إليه) أي: إلى مَنْ ادَّعى الوكالةَ
(وإن ادَّعى) شخصٌ (موتَه) أي: ربِّ الحقِّ (وأنَّه و ارثُه، لزِمَه) أي: مَن عليه الحقُّ (دفعُه) أي: الحقِّ لمدَّعي إرثِه، مع تصديقٍ منه على ذلك؛ لأنَّه مقرٌّ له بالحقِّ، وأنَّه يَبرا بهذا الدفعِ، فلزِمَه الدفعُ، كما لو طلبَه مورِّثُه
(وإنْ كذَّبَه) المدينُ أو الوكيلُ، ولم يكن إثباتٌ، (حلفَ) المدينُ أو الوكيلُ على (١) نفي العلمِ: (أنَّه لا يعلمُ أنَّه وارثُه، ولم يـ) ـلزمْه الـ (دفعُ) إليـ (ـه)
ولا يلزمُ ربَّ الحقِّ دفعُ الوَثيقَةِ المكتُوبِ فيها الدَّينُ ونحوُه إلى مَن كان عليه الحقُّ؛ لأنَّها مِلكُه، فلا يلزمُه تسليمُها لغيرِه، بل يلزمُ ربَّ الحقِّ الإشهادُ بأخذِه الحقَّ؛ لأنَّ بيِّنةَ الآخذِ تُسقِطُ البيِّنةَ الأُولى، كما لا يلزمُ البائعَ دفعُ حُجَّةِ ما باعَه لمشترٍ.
* * *
стр. 946
كِتابُ الشَّرِكَة
وهِيَ خَمسَةُ أنواعٍ، كلُّها جَائِزَةٌ ممَّن يجُوزُ تصرُّفُه:
أحدُها: شَرِكَةُ الَعِنَانِ.
(كتابُ الشَّرِكةِ)
بفتحَ الشينِ مع كسر الراءِ وسكونِها، وبكسرِ الشين مع سكونِ الراءِ.
وتجوزُ بالإجماعِ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، وقولِه: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤]. الآية. والخلطاءُ: هم الشركاءُ. ولقولِه ﵊: "يقولُ اللهُ تعالى: أنا ثالثُ الشريكيْنِ، ما لم يَخُنْ أحدُهما صاحبَه، فإذا خانَه خرجتُ من بينِهما". رواه أبو داودَ (١) من حديثِ أبي هريرةَ، وإسنادُه ثقاثٌ.
(وهي) أي: شركةُ العقودِ، المقصودةُ هنا (خمسةُ أنواعٍ، كلُّها جائزةٌ) عندَ الإمامِ، تصحُّ (ممَّنْ يجوزُ تصرُّفُه) في المالِ. فلا تنعقدُ مع صغيرٍ، ولا سفيهٍ، وعلى ما في الذمَّةِ:
(أحدُها) أي: أحدُ هذه الخمسةِ أنواعٍ: (شركةُ العِنانِ) بكسرِ العينِ. ولا خلافَ في جوازِها، بل في بعضِ شروطِها، سُمِّيتْ بذلك؛ لاستوائِهما في المالِ والتصرُّفِ، كالفارسَيْنِ يستويانِ في السيرِ، فإنَّ عِنانَي فرسيْهما يكونانِ سواءً، أو لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يملكُ التصرُّفَ في جميعِ المالِ، كما يملِكُه في عِنانِ فَرَسِه.
стр. 947
وهي: أن يشتَرِكَ اثنَانِ فأكثَرُ في مالٍ يتَّجِرَانِ فيه، ويكونَ الرِّبحُ بينَهُما بحَسَبِ ما يتَّفِقَان.
وشروطُها أربَعةٌ:
الأوَّلُ: أن يكونَ رأسُ المَالِ من النَّقدَينِ المَضرُوبَين، الذَّهبِ والفِضَّة، ولو لَمْ يتَّفِقِ الجِنْسُ.
وقال الفرَّاءُ وابنُ قتيبةَ وغيرُهما: مِن عنَّ الشيءُ، إذا عرَضَ؛ لأنَّ كلًّا منهما عنَّ له أنْ يشاركَ صاحبَه.
وقيل: من المعانَّةِ، وهي المعارضةُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما عارضَ صاحبَه بمالِه وفعاله.
(وهي) أي: شركةُ العِنانِ: (أنْ يشتركَ اثنانِ فأكثرُ) من اثنينِ (١) (في مالٍ يتَّجرانِ فيه) أي: في المالِ ببدنيَهِما، (ويكونَ الربحُ بينهما بحسبِ ما يتَّفقانِ) عليه من التجزُّئ؛ كأنْ يتفقانِ لأحدِهما الثلثُ، والباقي للآخرِ، أو يكونُ بينهما مناصفةً، ونحو ذلك.
(وشروطُها أربعةٌ):
(الأوَّل) من شروطِ العِنانِ: (أنْ يكونَ رأسُ المالِ من النقدينِ المضروبينِ) - ولو بسكَّةِ الكفَّارِ - وهما: (الذَّهبُ والفِضَّةُ، ولو لم يتَّفقِ الجنسُ) أي: لا يشترطُ أنْ يكونَ مالُ الشركةُ جنسًا واحدًا، بل يجوزُ إنْ أحضرَ أحدُ الشريكينِ ذهبًا، والآخرُ فِضَّةً. ولا تصحُّ الشركةُ بغيرِ الذهبِ والفضةِ، ولو كانتْ بفلوسٍ نُحَاسٍ نافِقَةٍ. ولا تصحُّ الشركةُ بعروضٍ؛ لأنَّ القيمةَ تزيدُ وتنقصُ، فلا يتحقَّقُ منه الربحُ.
стр. 948
الثَّانِي: أن يكونَ كلٌّ من المَالَين معلُومًا.
الثالِثُ: حُضُورُ المَالَين، ولا يُشتَرطُ خلطُهُما، ولا الإذنُ في التَّصرُّفِ.
الرَّابِعُ: أن يشتَرِطَا لكلِّ واحدٍ منهُما جُزءًا معلُومًا من الرِّبح، سَواءٌ شَرَطَا لِكُلِّ واحِدٍ منهُمَا على قَدرِ مالِه، أو أقَلَّ، أو أكثَرَ.
(الثاني) من الشروطِ: (أنْ يكونَ كلُّ من المالَينِ مَعلُومًا) قدْرًا وصِفَةً، فلا يصحُّ على مجهولَينِ، أو أحدِهما؛ للغررِ.
(الثالثُ) من الشروطِ: (حضورُ المالَين) فلا تصحُّ الشركةُ على مالٍ غائبٍ، ولا على مالٍ في الذمَّةِ؛ لأنَّه لا يمكنُ التصرُّفُ فيه في الحالِ، وهو مقصودُ الشركةِ. لكنْ إذا أحضرَاه وتفرَّقا، ووُجِدَ منهما ما يدلُّ على الشركةِ فيه، انعقدتْ حينئذٍ.
(ولا يُشترطُ) في الشركةِ (خلطُهما) أي: خلطُ المالَينِ، ولا أنْ تكونَ بأيدي الشركاءِ؛ لأنَّها عقدٌ على التصرُّفِ، كالوكالةِ.
(ولا) يُشترطُ (الإذنُ) من أحدِهما للآخرِ (في التصرُّفِ) لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما مَلَكَ التصرُّفَ بالعقدِ.
(الرابعُ) من الشروطِ: (أنْ يشتَرِطا لكلِّ واحدٍ منهما جزءًا) من الربحِ مُشاعًا (معلومًا من الربحِ) كنصفٍ، أو ثلثٍ، أو غيرِهما (سواءٌ شرَطا) الشريكانِ (لكلِّ واحدٍ منهما على قدرِ مالِه) من الربحِ (أو) شرَطا على (أقلَّ) من قدرِ المالِ (أو) على (أكثرَ) من قدرِ المالِ؛ لأنَّ الربحَ يُستحقُّ بالعملِ، وقد يتفاضلانِ فيه؛ لقوَّةِ أحدِهما وحِذْقِه، فجازَ أنْ يجعلَ له حظًّا من ربحِ مالِه، كالمضاربِ.
стр. 949
فمَتَى فُقِدَ شَرطٌ، فَهِيَ فاسِدَة، وحيثُ فَسَدَت فالرِّبحُ على قَدرِ المَالَين، لا علَى ما شَرَطَا، لكِن يَرجِعُ كُلٌّ مِنهُما على صاحِبِه بأُجرَةِ نِصفِ عَملِه.
وكُلُّ عَقدٍ لا ضَمَانَ في صَحيحِه، لا ضَمَانَ في فَاسِدِه، إلَّا بالتَّعدِّي أو التَّفرِيط، كالشَّرِكَة، والمُضَارَبَةِ، والوَكَالَةِ، والوَديعَةِ، والرَّهنِ، والهِبَةِ.
وما يشتريه كلُّ منهما بعدَ عقدِ الشركةِ، فهو بينهما مشترَكٌ، حيثُ لم ينوِهِ لنفسِه.
وأمَّا ما يشتريه أحدُهما لنفسِه، فهو له خاصةً، والقولُ قولُه في ذلك؛ لأنَّه أعلمُ بنيتِه
وإنْ تلِفَ أحدُ المالينِ، أو بعضُه، ولو قبلَ الخلطِ، فالتالفُ من ضمانِهما معًا.
(فمتى فُقِدَ شرطٌ) من هذه الشروطِ الأربعةِ (فهي) أي: شركةُ العِنانِ (فاسدةٌ، وحيثُ فسدتِ) الشركةُ (فـ) يكونُ ما تحصَّلَ من (الربحِ) بين الشريكينِ (على قدرِ المالَينِ) لأنَّ التصرَّفَ صحيحٌ؛ لكونِه بإذنِ مالِكِه، والربحُ نماءُ المالِ (لا) أي: لا يكونُ الربحُ (على ما شرَطا) في تجزئةِ الربح (لكنْ يرجعُ كلٌّ منهما) أي: من الشريكينِ (على صاحبِه بأجرةِ نصفِ عملِه) لأنَّه عملٌ في نصيبِ شريكِه، فيرجعُ به عليه
(وكلُّ عقدٍ لا ضمانَ في صحيحِه، لا ضمانَ في فاسدِه، إلا) إذا كان (بالتعدِّي أو التفريطِ) وذلك في كلِّ أمانةٍ وتبرُّعٍ (كالشركةِ، والمضاربةِ، والوكالةِ، والوديعةِ، والرهنِ، والهبةِ) والصدقةِ، والهديةِ، والوقفِ، فلا يُضمنُ منها ما لا يُضمَنُ في العقدِ الصحيحِ؛ لدخولِهما على ذلك بحكمِ العقدِ.
وكلُّ عقدٍ لازمٍ يجبُ الضمانُ في صحيحِه، يجبُ في فاسدِه، كبيعٍ، وإجارةٍ،
стр. 950
ولكُلٍّ من الشَّريكَينِ أن يَبيعَ، ويَشتَرِيَ، ويأخُذَ، ويُعطِي، ويُطالِبَ، ويُخاصِمَ، ويفعلَ كلَّ ما فيه حَظٌّ للشَّرِكَة.
ونكاحٍ، وقرضٍ، وعاريةٍ (١).
(ولكلٍّ من الشريكينٍ أنْ يبيعَ) من مالِ الشركةِ (ويشتري) به مساومةً، ومرابحةً، ومواضعةً، وتوليةً، وكيفَما رأى المصلحةَ (٢)؛ لأنَّها عادةُ التجارِ، (ويأخذَ) ثمنًا ومُثْمَنًا، (ويعطيَ) ثمنًا ومُثْمَنًا، (ويطالبَ) بالدَّينْ (ويخاصِمَ) فيه؛ لأنَّ مَنْ مَلَكَ قبضَ شيءٍ، مَلَكَ الطلبَ به، والخصومةَ فيه، ويُحيلَ ويحتالَ. (ويفعلُ كلَّ ما فيه حظٌّ) ومصلحةٌ (للشركةِ) كحبسِ غريمٍ، ولو أبىَ الشريكُ الآخرُ حَبْسَه.
وليسَ لأحدٍ منهما مكاتبةُ رقيقٍ، ولا تزويجُه، ولا عتقُه - ولو بمالٍ - ولا أنْ يقرضَ، ولا أنْ يحابيَ، ولا يضاربَ، ولا يشاركَ فيه، ولا أنْ يخلطَ المالَ بمالِه، أو مالِ غيرِه، ولا أنْ يأخذَ بمالِ الشركةِ سَفْتَجةً (٣)؛ بأنْ يدفعَ إلى إنسانٍ شيئًا من مالِ الشركةٍ، ويأخذَ منه كتابًا إلى وكيلِه ببلدٍ آخرَ؛ ليستوفيَ منه ذلك المالَ بتلك البلدةِ. ولا يُعطيها - أي: السَّفْتَجةَ - بأنْ يأخذَ من إنسانٍ عَرْضًا، ويُعطيه بثمنِه كتابًا إلى وكيلِه ببلدٍ آخرَ؛ ليستوفي منه ذلك المالَ، إلا بإذنِ شريكِه فيما ذُكِرَ من هذه المسائلِ.