كِتابُ الشَّرِكَة
وهِيَ خَمسَةُ أنواعٍ، كلُّها جَائِزَةٌ ممَّن يجُوزُ تصرُّفُه:
أحدُها: شَرِكَةُ الَعِنَانِ.
(كتابُ الشَّرِكةِ)
بفتحَ الشينِ مع كسر الراءِ وسكونِها، وبكسرِ الشين مع سكونِ الراءِ.
وتجوزُ بالإجماعِ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، وقولِه: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤]. الآية. والخلطاءُ: هم الشركاءُ. ولقولِه ﵊: "يقولُ اللهُ تعالى: أنا ثالثُ الشريكيْنِ، ما لم يَخُنْ أحدُهما صاحبَه، فإذا خانَه خرجتُ من بينِهما". رواه أبو داودَ (١) من حديثِ أبي هريرةَ، وإسنادُه ثقاثٌ.
(وهي) أي: شركةُ العقودِ، المقصودةُ هنا (خمسةُ أنواعٍ، كلُّها جائزةٌ) عندَ الإمامِ، تصحُّ (ممَّنْ يجوزُ تصرُّفُه) في المالِ. فلا تنعقدُ مع صغيرٍ، ولا سفيهٍ، وعلى ما في الذمَّةِ:
(أحدُها) أي: أحدُ هذه الخمسةِ أنواعٍ: (شركةُ العِنانِ) بكسرِ العينِ. ولا خلافَ في جوازِها، بل في بعضِ شروطِها، سُمِّيتْ بذلك؛ لاستوائِهما في المالِ والتصرُّفِ، كالفارسَيْنِ يستويانِ في السيرِ، فإنَّ عِنانَي فرسيْهما يكونانِ سواءً، أو لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يملكُ التصرُّفَ في جميعِ المالِ، كما يملِكُه في عِنانِ فَرَسِه.
стр. 947
وهي: أن يشتَرِكَ اثنَانِ فأكثَرُ في مالٍ يتَّجِرَانِ فيه، ويكونَ الرِّبحُ بينَهُما بحَسَبِ ما يتَّفِقَان.
وشروطُها أربَعةٌ:
الأوَّلُ: أن يكونَ رأسُ المَالِ من النَّقدَينِ المَضرُوبَين، الذَّهبِ والفِضَّة، ولو لَمْ يتَّفِقِ الجِنْسُ.
وقال الفرَّاءُ وابنُ قتيبةَ وغيرُهما: مِن عنَّ الشيءُ، إذا عرَضَ؛ لأنَّ كلًّا منهما عنَّ له أنْ يشاركَ صاحبَه.
وقيل: من المعانَّةِ، وهي المعارضةُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما عارضَ صاحبَه بمالِه وفعاله.
(وهي) أي: شركةُ العِنانِ: (أنْ يشتركَ اثنانِ فأكثرُ) من اثنينِ (١) (في مالٍ يتَّجرانِ فيه) أي: في المالِ ببدنيَهِما، (ويكونَ الربحُ بينهما بحسبِ ما يتَّفقانِ) عليه من التجزُّئ؛ كأنْ يتفقانِ لأحدِهما الثلثُ، والباقي للآخرِ، أو يكونُ بينهما مناصفةً، ونحو ذلك.
(وشروطُها أربعةٌ):
(الأوَّل) من شروطِ العِنانِ: (أنْ يكونَ رأسُ المالِ من النقدينِ المضروبينِ) - ولو بسكَّةِ الكفَّارِ - وهما: (الذَّهبُ والفِضَّةُ، ولو لم يتَّفقِ الجنسُ) أي: لا يشترطُ أنْ يكونَ مالُ الشركةُ جنسًا واحدًا، بل يجوزُ إنْ أحضرَ أحدُ الشريكينِ ذهبًا، والآخرُ فِضَّةً. ولا تصحُّ الشركةُ بغيرِ الذهبِ والفضةِ، ولو كانتْ بفلوسٍ نُحَاسٍ نافِقَةٍ. ولا تصحُّ الشركةُ بعروضٍ؛ لأنَّ القيمةَ تزيدُ وتنقصُ، فلا يتحقَّقُ منه الربحُ.
стр. 948
الثَّانِي: أن يكونَ كلٌّ من المَالَين معلُومًا.
الثالِثُ: حُضُورُ المَالَين، ولا يُشتَرطُ خلطُهُما، ولا الإذنُ في التَّصرُّفِ.
الرَّابِعُ: أن يشتَرِطَا لكلِّ واحدٍ منهُما جُزءًا معلُومًا من الرِّبح، سَواءٌ شَرَطَا لِكُلِّ واحِدٍ منهُمَا على قَدرِ مالِه، أو أقَلَّ، أو أكثَرَ.
(الثاني) من الشروطِ: (أنْ يكونَ كلُّ من المالَينِ مَعلُومًا) قدْرًا وصِفَةً، فلا يصحُّ على مجهولَينِ، أو أحدِهما؛ للغررِ.
(الثالثُ) من الشروطِ: (حضورُ المالَين) فلا تصحُّ الشركةُ على مالٍ غائبٍ، ولا على مالٍ في الذمَّةِ؛ لأنَّه لا يمكنُ التصرُّفُ فيه في الحالِ، وهو مقصودُ الشركةِ. لكنْ إذا أحضرَاه وتفرَّقا، ووُجِدَ منهما ما يدلُّ على الشركةِ فيه، انعقدتْ حينئذٍ.
(ولا يُشترطُ) في الشركةِ (خلطُهما) أي: خلطُ المالَينِ، ولا أنْ تكونَ بأيدي الشركاءِ؛ لأنَّها عقدٌ على التصرُّفِ، كالوكالةِ.
(ولا) يُشترطُ (الإذنُ) من أحدِهما للآخرِ (في التصرُّفِ) لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما مَلَكَ التصرُّفَ بالعقدِ.
(الرابعُ) من الشروطِ: (أنْ يشتَرِطا لكلِّ واحدٍ منهما جزءًا) من الربحِ مُشاعًا (معلومًا من الربحِ) كنصفٍ، أو ثلثٍ، أو غيرِهما (سواءٌ شرَطا) الشريكانِ (لكلِّ واحدٍ منهما على قدرِ مالِه) من الربحِ (أو) شرَطا على (أقلَّ) من قدرِ المالِ (أو) على (أكثرَ) من قدرِ المالِ؛ لأنَّ الربحَ يُستحقُّ بالعملِ، وقد يتفاضلانِ فيه؛ لقوَّةِ أحدِهما وحِذْقِه، فجازَ أنْ يجعلَ له حظًّا من ربحِ مالِه، كالمضاربِ.
стр. 949
فمَتَى فُقِدَ شَرطٌ، فَهِيَ فاسِدَة، وحيثُ فَسَدَت فالرِّبحُ على قَدرِ المَالَين، لا علَى ما شَرَطَا، لكِن يَرجِعُ كُلٌّ مِنهُما على صاحِبِه بأُجرَةِ نِصفِ عَملِه.
وكُلُّ عَقدٍ لا ضَمَانَ في صَحيحِه، لا ضَمَانَ في فَاسِدِه، إلَّا بالتَّعدِّي أو التَّفرِيط، كالشَّرِكَة، والمُضَارَبَةِ، والوَكَالَةِ، والوَديعَةِ، والرَّهنِ، والهِبَةِ.
وما يشتريه كلُّ منهما بعدَ عقدِ الشركةِ، فهو بينهما مشترَكٌ، حيثُ لم ينوِهِ لنفسِه.
وأمَّا ما يشتريه أحدُهما لنفسِه، فهو له خاصةً، والقولُ قولُه في ذلك؛ لأنَّه أعلمُ بنيتِه
وإنْ تلِفَ أحدُ المالينِ، أو بعضُه، ولو قبلَ الخلطِ، فالتالفُ من ضمانِهما معًا.
(فمتى فُقِدَ شرطٌ) من هذه الشروطِ الأربعةِ (فهي) أي: شركةُ العِنانِ (فاسدةٌ، وحيثُ فسدتِ) الشركةُ (فـ) يكونُ ما تحصَّلَ من (الربحِ) بين الشريكينِ (على قدرِ المالَينِ) لأنَّ التصرَّفَ صحيحٌ؛ لكونِه بإذنِ مالِكِه، والربحُ نماءُ المالِ (لا) أي: لا يكونُ الربحُ (على ما شرَطا) في تجزئةِ الربح (لكنْ يرجعُ كلٌّ منهما) أي: من الشريكينِ (على صاحبِه بأجرةِ نصفِ عملِه) لأنَّه عملٌ في نصيبِ شريكِه، فيرجعُ به عليه
(وكلُّ عقدٍ لا ضمانَ في صحيحِه، لا ضمانَ في فاسدِه، إلا) إذا كان (بالتعدِّي أو التفريطِ) وذلك في كلِّ أمانةٍ وتبرُّعٍ (كالشركةِ، والمضاربةِ، والوكالةِ، والوديعةِ، والرهنِ، والهبةِ) والصدقةِ، والهديةِ، والوقفِ، فلا يُضمنُ منها ما لا يُضمَنُ في العقدِ الصحيحِ؛ لدخولِهما على ذلك بحكمِ العقدِ.
وكلُّ عقدٍ لازمٍ يجبُ الضمانُ في صحيحِه، يجبُ في فاسدِه، كبيعٍ، وإجارةٍ،
стр. 950
ولكُلٍّ من الشَّريكَينِ أن يَبيعَ، ويَشتَرِيَ، ويأخُذَ، ويُعطِي، ويُطالِبَ، ويُخاصِمَ، ويفعلَ كلَّ ما فيه حَظٌّ للشَّرِكَة.
ونكاحٍ، وقرضٍ، وعاريةٍ (١).
(ولكلٍّ من الشريكينٍ أنْ يبيعَ) من مالِ الشركةِ (ويشتري) به مساومةً، ومرابحةً، ومواضعةً، وتوليةً، وكيفَما رأى المصلحةَ (٢)؛ لأنَّها عادةُ التجارِ، (ويأخذَ) ثمنًا ومُثْمَنًا، (ويعطيَ) ثمنًا ومُثْمَنًا، (ويطالبَ) بالدَّينْ (ويخاصِمَ) فيه؛ لأنَّ مَنْ مَلَكَ قبضَ شيءٍ، مَلَكَ الطلبَ به، والخصومةَ فيه، ويُحيلَ ويحتالَ. (ويفعلُ كلَّ ما فيه حظٌّ) ومصلحةٌ (للشركةِ) كحبسِ غريمٍ، ولو أبىَ الشريكُ الآخرُ حَبْسَه.
وليسَ لأحدٍ منهما مكاتبةُ رقيقٍ، ولا تزويجُه، ولا عتقُه - ولو بمالٍ - ولا أنْ يقرضَ، ولا أنْ يحابيَ، ولا يضاربَ، ولا يشاركَ فيه، ولا أنْ يخلطَ المالَ بمالِه، أو مالِ غيرِه، ولا أنْ يأخذَ بمالِ الشركةِ سَفْتَجةً (٣)؛ بأنْ يدفعَ إلى إنسانٍ شيئًا من مالِ الشركةٍ، ويأخذَ منه كتابًا إلى وكيلِه ببلدٍ آخرَ؛ ليستوفيَ منه ذلك المالَ بتلك البلدةِ. ولا يُعطيها - أي: السَّفْتَجةَ - بأنْ يأخذَ من إنسانٍ عَرْضًا، ويُعطيه بثمنِه كتابًا إلى وكيلِه ببلدٍ آخرَ؛ ليستوفي منه ذلك المالَ، إلا بإذنِ شريكِه فيما ذُكِرَ من هذه المسائلِ.
стр. 951
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويملكُ الإيداعَ، والرهنَ، والارتهانَ؛ لحاجةٍ.
ولكلٍّ منهما عزلُ وكيلٍ وكَّلاه، أو وكَّلَه أحدُهما. وليس لشريكٍ أن يوكِّلَ فيما يتولَّى مثلَه بنفسِه.
وله السفرُ بالمالِ مع أمنِ الطريقِ والبلدِ. ومثلُه: وليُّ يتيمٍ.
وإنْ لمْ يعلما بأمنِ الطريقِ والبلدِ، أو لمْ يعلما بفلَسِ مشترٍ، لم يضمنا. وكذا حكمُ ظالمٍ ببلدٍ يأخذُ مالَ مَن يسافرُ إليه.
وليس له أن يشتريَ بغيرِ إذنِ شريكِه بأكثرَ من مالِ الشركةِ. فإنْ فعلَ، فهو عليه، إنْ تَلِفَ أو خسِرَ، وله ربحُه إنْ ربحَ.
وما يشتريه بعضُ الشركاءِ بعدَ عقدِها، فهو للجميعِ، ما لم ينوِ بالشراءِ لنفسِه، فيختصُّ به.
وخسرانُ الشركةِ على قدرِ مالِ الشركةِ.
وإن أبرأَ أحدُهما من الدَّينِ، لزِمَ في حقِّه دونَ شريكِه. وكذا إنْ أقرَّ بمالٍ على الشركةِ غيرِ متعلِّقٍ بها، لزِمَ في حقِّه فقط.
ويجبُ على كلِّ واحدٍ منهما أنْ يفعلَ ما جرتِ العادةُ، من إحرازٍ، ونشرِ ثوبٍ، وطيِّه، ونحوِ ذلك. فإنِ استأجرَ مَن فَعلَهُ بأجرةٍ، غرِمَها من مالِه
وما جرتِ العادةُ أن يستنيبَ الشريكُ فيه، كالاستئجارِ للنداءِ على المتاعِ ونحوِه، فله أنْ يستأجرَ من مالِ الشركةِ مَن يفعلُه. وليسَ له فعلُه ليأخذَ أجرتَه بلا شرطٍ.
وإذا استأجرَ أحدُ الشريكينِ الآخرَ في عملِ شيءٍ لا يلزمُه عادة، أو عمِلَه غلامُه،
стр. 952
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو حملَه على دابَّتِه، جازَ ذلك، وكان له أجرةُ مثلِه. وكذا أجرةُ مكانٍ لمالِ الشركةِ، وبَذْلُ خِفارةٍ وعُشْرٍ على المالِ. قال الإمامُ أحمدُ: ما أنفقَ على المالِ المشتركِ، فعلى المالِ بالحصصِ.
ويحرُمُ على شريكٍ أكلُ شيءٍ من مالِ الشركةِ بلا إذنِ شريكِه.
ومَن قالَ: عزلتُ شريكي، انعزلَ، وصحَّ تصرُّفُ المعزولِ في قدرِ نصيبِه فقطْ، وصحَّ تصرُّفُ العازلِ في جميعِ المالِ؛ لعدمِ رجوعِ المعزولِ عن الإذنِ له بالتصرُّفِ.
* * *
стр. 953
فَصْلٌ
الثَّاني: المُضَارَبةُ.
(فصلٌ)
(الثاني) من الخمسةِ أنواعٍ: (المُضَارَبةُ) بتسميةِ أهلِ العراقِ، مأخوذةٌ من الضَّرْبِ في الأرضِ، وهو السفرُ فيها للتجارةِ. قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]. ويحتملُ أنْ يكونَ من ضربِ كلٍّ منهما بسهمٍ في الربحٍ.
وسمَّاها أهلُ الحجازِ: قِراضًا، فقيلَ: هو مِن القرْضِ، بمعنى القطعِ، يُقالُ: قَرَضَ الفأرُ الثوبَ: إذا قطعَه. فكأنَّ ربَّ المالِ اقتطعَ مِن مالِه قِطعةً وسلَّمَها إلى العاملِ، واقتطعَ له قِطعةً من ربحِها. وقيل: من المساواةِ والموازنةِ، يُقالُ: تقارضَ الشاعرانِ: إذا توازنا.
وهي جائزةٌ بالإجماعِ، حكاة ابنُ المنذرِ. ورُويتْ عن عمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وحكيمِ بنِ حزامٍ (١)، ﵃، ولمْ يُعرفْ لهم مخالفٌ. والحكمةُ تقتضيها؛ لأنَّ بالناسِ حاجةً إليها، فإنَّ النقدينِ لا تُنمَّى إلا بالتجارةِ، وليس كلُّ مَنْ يملكُها يُحسنُ التجارةَ، ولا كلُّ مَن يحسنُها له مالٌ، فشرعتْ لدفعِ الحاجةِ (٢).
стр. 954
وهيَ: أن يدفَعَ مِن مَالِه إلى إنسَانٍ ليتَّجِرَ فيه، ويكُونَ الرِّبحُ بينهُما بحَسَبِ ما يتَّفِقَان.
وشُروطُها ثلاثَةٌ:
أحدُها: أن يكونَ رأسُ المالِ مِنْ النَّقدَين المَضرُوبَين.
(وهي) شرعًا: (أنْ يدفع من مالِه) أي: نقدٍ مضروبٍ خالٍ من العشِّ الكثيرِ (إلى إنسانٍ؛ ليتَّجرَ فيه) أي: في المالِ بجزءٍ مشاعٍ من الربحِ، (ويكونَ الربحُ بينهما بحسبِ (١) ما يتَّفقانِ) عليه من أنْ يكونَ لكل منهما نصفُ الربحِ، أو لأحدِهما ثلثُه، أو ربعُه، أو أكثرُ أو أقلُّ، والباقي للآخرِ، ونحوِ ذلك.
وتصحُّ معلقة؛ كـ: إذا جاءَ رأسُ الشهرِ فضاربْ بهذا على كذا.
وتصحُّ مؤقتةً؛ بأنْ يقولَ ربُّ المالِ: ضاربتُك على هذه الدراهمِ سنةً، فإذا مضتِ السنةُ فلا تبعْ ولا تشتر.
وهي أمانةٌ بدفعِ المالِ، ووكالةٌ بالإذنِ في التصرُّفَ.
(وشروطُها) أي: شروطُ المضاربةِ (ثلاثةٌ):
(أحدُها) أي: أحدُ (٢) الشروطِ: (أنْ يكونَ رأسُ المالِ من النقدينِ) وهما: الذهبُ والفِضَّةُ (المضروبينِ) ولو بسكَّةِ الكفارِ. فلا تصحُّ بغيرِ مضروبٍ، ولا بعروضِ التجارةِ، كما تقدَّمَ (٣).
стр. 955
الثَّانِي: أن يكونَ مُعيَّنًا معلُومًا، ولا يُعتَبرُ قَبضُه بالمَجلِسِ، ولا القَبولُ.
الثَّالِثُ: أن يُشتَرطَ للعَامِلِ جُزءٌ معلومٌ مِن الرِّبح.
فإن فُقِدَ شَرطٌ، فهِي فاسِدَةٌ، ويَكونُ للعَامِل
(الثاني) من شروطِ المضاربةِ: (أنْ يكونَ) المالُ (معيَّنًا) فلا يصحُّ: ضارِبْ بأحدِ هذينِ الكيسينِ، تساوَى ما فِيهِمَا أو اختَلفَ، عَلِما ما فيهما أو جهلاه؛ لأنَّها عقدٌ تمنعُ صحتَه الجهالةُ، فلم تجزْ على غيرِ معيَّنٍ، كالبيعِ
(معلومًا) قدرُه، فلا يصحُّ بمجهولٍ، كصبرةِ دراهمَ أو دنانيرَ؛ إذ لا بدَّ من الرجوعِ إلى رأسِ المالِ عندَ الفسخِ، ليُعلمَ الربحُ، ولا يمكنُ ذلك مع الجهلِ.
(ولا يُعتبرُ) لمضاربةٍ (قبضُه) أي: قبضُ العاملِ المالَ (بالمجلسِ) فتصحُّ، وإنْ كانَ المالُ بيد ربِّه؛ لأنَّ موردَ العقدِ العملُ (١)
(ولا) يُعتبرُ أيضًا (القبولُ) (٢) أي: قولُ: قبلتُ، ونحوُه. فتكفي مباشرتُه للعمل، ويكونُ قبولًا لها، كالوكالةِ (٣).
(الثالثُ) من شروطِ المضاربةِ: (أنْ يشترطَ) المضارِبُ (للعاملِ جزءٌ معلومٌ من الربحِ) كنصفٍ، أو ثلثٍ، أو ربعٍ، أو سدسٍ، أو جزءٍ من أحدَ عشرَ جزءًا من الربحِ
(فإنْ فُقِدَ شرطٌ) من هذه الشروطِ الثلاثةِ (فهي) أي: المضاربةُ (فاسدةٌ) فإذا فسدتْ كانت كالإجارةِ الفاسدةِ، فيكونُ الربحُ كلُّه لربِّ المالِ، (ويكونُ للعاملِ
стр. 956
أجرُ مِثلِه، وما حَصَلَ من خَسارَةٍ، أو رِبحٍ، فللمَالِك.
وليس للعَامِل شِراءُ من يَعتِقُ على ربِّ المَال، فإن فَعَلَ، عَتَقَ، وضَمِنَ ثَمنَه، ولو لم يَعلَم.
أجرُ مثلِه) في نظيرِ عملِه، خَسِرَ المالُ أو ربحَ. وتصرُّفُه في مالِ المضاربةِ الفاسدةِ صحيحٌ؛ لأنَّه مأذونٌ من ربِّه بالتصرُّفِ
(وما حصلَ من خسارةٍ) في مالِ المضاربةِ، فعلى مالكِ المالِ، (أو) ما حصلَ من (ربحٍ، فللمالك) (١) أي: لربِّ المالِ؛ لأنَّه نماءُ مالِه.
(وليسَ للعاملِ شراءُ مَن يَعتِقُ على ربِّ المالِ) بغيرِ إذنِه. وظاهرُه: لقرابةٍ، أو تعليقٍ، أو إقرارٍ بحريَّتِه؛ لأنَّ عليه فيه ضررًا. والمقصودُ من المضاربةِ الربحُ، وهو منتفٍ هنا (٢).
(فإنْ فعلَ) أي: اشترى من يَعتِقُ على ربِّ المالِ، صحَّ الشراءُ، و (عتَقَ) على ربِّ المالِ؛ لتعلُّقِ حقوقِ العقدِ به، بدخولِه في مِلْكِه (٣). (و) لكنْ يـ (ضمنُ) العاملُ (ثمنَه) الذي اشتراه به، سواءٌ علمَ بأنَّه يعتقُ على ربِّ المالِ، أو (لم يعلمْ) لأنَّ الإتلافَ الموجبَ للضمانِ لا فرقَ فيه بين العلمِ والجهلِ.
وقال أبو بكرٍ في "التنبيه": إنْ لمْ يعلمْ، لم يضمنْ. وجزمَ به في "عيون المسائل" وقال: لأنَّ الأصولَ فرَّقتْ بين العلمِ وعدمِه في بابِ الضمانِ، كالمعذورِ. واختارَهُ القاضي في "التعليق الكبير". قالَهُ في "التلخيص" وقال: هذا الصحيحُ عندي (٤).
стр. 957
ولا نفقَةَ للعَامِلِ إلَّا بشَرطٍ، فإن شُرِطَت مُطلَقَةً واختلَفَا، فلَه نفقَةُ مثلِه عُرفًا من طَعَامٍ وكِسوَةٍ.
ويملِكُ العَامِلُ حِصَّتَه من الرِّبحِ بظُهُورِهِ قَبْلَ القِسمَةِ كالمَالِكِ،
وإن اشترى العاملُ، ولو بعضَ زوجٍ، أو بعضَ زوجةٍ، لمَنْ له في المالِ مِلكٌ، صحَّ الشراءُ، وانفسخَ النكاحُ؛ لأنَّ النكاحَ لا يُجامِعُ المِلكَ، ويتنصَّفُ المهرُ على ربِّ المالِ بشراءِ زوجتهِ قبلَ الدخولِ، ويرجعَ (١) به على العاملِ، ولا ضمانَ عليه إن اشترى زوجَ ربَّةِ المالِ فيما يفوتُها من مهرٍ ونفقةٍ؛ لأنَّه لا يعودُ للمضاربةِ، وسواءٌ كان (٢) بعينِ المالِ، أو في الذمَّةِ له.
وعلى العاملِ أنْ يفعلَ ما يلزمُه، وأنْ يتجنَّبَ (٣) ما يضرُّ بالشركةِ، كما تقدَّمَ في شركةِ العِنان.
(ولا نفقةَ للعاملِ) لأنَّه دخلَ على العملِ بجزءٍ، فلا يستحقُّ غيرَه (إلا بشرط) (٤)
(فإْن شُرِطتْ) نفقةُ العاملِ (مُطْلقةً، واختلفا) أي: تشاحَّا - العاملُ وربُ المالِ - في النفقةِ (٥) (فلَه) أي: للعاملِ (نفقةُ مثلِه عُرْفًا، من طعامٍ وكِسوةٍ) لأنَّ إطلاقَها يقتضي جميعَ ما هو من ضروراتِه المعتادةِ، كالزوجةِ.
(ويملكُ العاملُ حصَّته من الربحِ بـ) مجرَّدِ (ظهورِه قبلَ القسمةِ، كالمالكِ)
стр. 958
لا الأَخْذَ مِنهُ إلَّا بإذنٍ.
وحيثُ فُسِخَت - والمَالُ عَرضٌ - فرَضِيَ ربُّه بأَخذِه، قَوَّمَه، ودَفَعَ للعَامِل حِصَّتَهُ. وإن لم يَرضَ،
للمالِ، وكما في المساقاةِ والمزارعةِ؛ لأنَّ الشرطَ صحيحٌ، فيثبتُ مقتضاه، وهو أنْ يكونَ له جزءٌ من الربحِ، فإذا وُجِدَ، وجبَ أنْ يملكَه بحكمِ الشرطِ. وأيضًا فهذا الجزءُ مملوكٌ، ولابدَّ له من مالكٍ، وربُّ المالِ لا يملكُه اتفاقًا، فلزِمَ أنْ يكونَ للمضاربِ، ولملكِه الطلبَ بالقسمةِ، ولا يمتنعُ أنْ يملكَه، ويكونُ وقايةً لرأسِ المالِ، كنصيبِ ربِّ المالِ من الربحِ، ولو لمْ يعملْ المضاربُ إلا أنَّه صَرَفَ الذهبَ بورِقٍ، فارتفعَ الصرفُ، استحقَّه. نصَّا
و (لا) يملكُ المضاربُ (الأخذَ منه) أي: الربحِ (إلا بإذنِ) ربِّ المالِ؛ لأنَّ نصيبَه مُشاعٌ، فلا يقاسمُ نفسَه. ولأنَّ مِلكَه له غيرُ مستقرٍّ.
وإنْ شرطا (١) انَّه لا يملكُه إلا بالقسمةِ، لم يصحَّ الشرطُ؛ لمنافاتِه مقتضى العقدِ.
(وحيثُ فُسِخَتِ) المضاربةُ (والمالُ عَرْضٌ) أو دراهمُ، وكان دنانيرَ، أو عكسُه؛ بأنْ كان دنانيرَ، وأصلُه دراهمَ. وتصادقَ ربُّ المالِ مع العاملِ على وجودِ ربحٍ فيه (فرضِيَ ربُّه) أي: ربُّ المالِ (بأخذِه) أي: مالِ المضاربةِ على صفتِه التي هو عليها (قوَّمَه) أي: مالَ المضاربةِ (ودفعَ للعاملِ حِصَّتَه) ممَّا ظهرَ من الربحِ بتقويمِه
(وإن لم يرضَ) ربُّ مالٍ بعدَ فسخِ مضاربةٍ بأخذِ العُرُوضِ، أو والدراهمِ عن
стр. 959
فعلَى العَامِلِ بيعُهُ، وقَبضُ ثَمنه.
والعامِلُ أَمينٌ، يُصَدَّقُ بيمينِه في قَدرِ رأسِ المَالِ،
الدنانيرِ، أو عكسِه (فعلى العاملِ بيعُه، وقبضُ ثمنِه) لأنَّ عليه ردَّ المالِ ناضًّا كما أخذَه، وسواءٌ كان فيه ربحٌ أو لا.
فإنْ نضَّ له قدْرَ رأسِ المالِ، لزِمَه أنْ ينضَّ الباقي. ولو كان صِحاحًا، فنضَّ قُراضةً، أو مكسَّرةً، لزِمَ العاملَ ردُّه إلى الصحاحِ بطلبِ ربِّها، فيبيعُها بصحاحٍ، أو بعرضٍ، تمَّ يشتريها به.
كما يلزمُ العاملَ، بعدَ فسخِ المضاربةِ، تقاضيه - أي: مالِ المضاربةِ - لو كان دَيْنًا ممَّنْ هو عليه، سواءٌ ظهرَ ربحٌ أو لا؛ لاقتضاءِ المضاربةِ ردَّ رأسِ المالِ على صفتِه، والدَّيْنُ لا يجري مجرى الناضِّ، فلزِمَه أنْ ينضَّه كلَّه لا قدْرَ رأسِ المالِ فقط؛ لأنَّه لا يستحقُّ نصيبَه من الربحِ إلا عندَ وصولِه إليهما على وجهٍ يُمكنُ قِسْمَتُه، ولا يحصلُ ذلك إلا بعدَ تقاضيهِ.
وإنْ ماتَ عاملٌ، أو مودَعٌ، أو وصيٌّ، وجُهِلَ بقاءُ المالِ بيدِه، فهو دَيْنٌ في تركتِه.
قال الفهَّامةُ الشيخُ منصورٌ في "شرحه" على "الإقناع" (١): قلتُ: وقياسُه: ناظرُ وقفٍ، وعاملُه، إذا قبضَ للوقفِ شيئًا، وماتَ، وجُهِلَ بقاؤُه.
(والعاملُ أمين) لتصرُّفِه في المالِ بإذنِ ربِّه. ولا يضمنُ ما تَلِفَ بيدِه بلا تعدٍّ ولا تفريطٍ
(يُصدَّقُ بيمينِه) حيثُ لا بينةَ (في قدرِ رأسِ المالِ) لأنَّه منكرٌ لما يُدَّعى عليه زائدًا، والأصلُ عدمُه
стр. 960
وفي الرِّبحِ وعَدَمِه، وفي الهَلاكِ، والخُسرَان، حتَّى ولو أقَرَّ بالرِّبح.
(و) كذا يُصدَّقُ العاملُ في دعواه (في) قدْرِ (الربحِ، و) في (عدمِه، و) في (الهلاكِ) سواءٌ تَلِفَ كلُّه أو بعضُه، لكنْ إن ادَّعى الهلاكَ بأمرٍ ظاهرٍ، كُلِّفَ البينةَ لتشهدَ له به، ثمَّ يحلفُ إنْ تلِفَ به (و) في قدرِ (الخسرانِ) إنْ لم تكنْ بيِّنةٌ؛ لأنَّ ذلك مُقتضى تأمينِه (حتى ولو أقرَّ) عاملٌ (بالرِّبحِ) أي: بأنَّه ربحَ، ثمَّ ادَّعى تلفًا أو خسارةً بعدَ الربحِ، قُبِلَ قولُه؛ لأنَّه أمينٌ.
ويُصدَّقُ فيما يذكرُ أنَّه اشتراه لنفسِه، أو للمضاربةِ.
ويُصدَّقُ بيمينِه في نفي ما يُدَّعى عليه من خيانةٍ أو تفريطٍ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُهما. وإذا شرطَ العاملُ النفقةَ، ثمَّ ادَّعى أنَّه أنفقَ من مالِه بنيةِ الرجوعِ، فلَهُ ذلك، سواءٌ كانَ المالُ بيدِه، أو رجعَ إلى ربِّه، كالوصيِّ إذا ادَّعى النفقةَ على اليتيمِ.
وإذا اشترى العاملُ شيئًا، وقال المالكُ: كنتُ نهيتُكَ عنه، وأنكرَ عاملٌ، فقولُه؛ لأنَّ الأصلَ معه.
وإذا ادَّعى عاملٌ بعدَ أنْ أقرَّ بربحٍ: أنَّه أقرَّ غلطًا، أو كاذبًا، أو نسيانًا، أنَّه لا يُقبلُ منه.
والقولُ قولُ ربِّ المالِ في عدمِ ردِّه إليه.
ويُقبلُ قولُ المالكِ في صفةِ خروجِ المالِ (١) عن يدِه؛ بأنْ (٢) قال المالكُ: أعطيتُكَ ألفًا قِراضًا على النصفِ من ربحِه، وقال العاملُ: بل قِراضًا ليسَ لك شيءٌ من ربحِه. فالقولُ قولُ ربِّ المالِ؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ مِلكِه عليه. فإذا حلفَ، قسمنا
стр. 961
ويُقبَلُ قَولُ المَالِك في قَدرِ ما شَرَطَ للعَامِلِ.
الربحَ بينهما. وفيه وجهٌ: يتحالفانِ
وإنْ خسرَ المالَ أو تلِفَ، فقالَ ربُّ المالِ: كان قَرضًا (١). وقال العاملُ: كان قِراضًا، أو بضاعةً. فالقولُ قولُ ربِّ المالِ؛ لأنَّ الأصلَ في القابضِ لمالِ غيرِه الضمانُ.
فلو أقامَا بيِّنتينِ، قُدِّمتْ بينةُ عاملٍ؛ لأنَّ معها زيادةَ علمٍ.
قال في "المغني" (٢): وإنْ قالَ ربُّ المالِ: كان بضاعةً. وقال العاملُ: كان قراضًا. احتملَ أنْ يكونَ القولُ قولَ العاملِ؛ لأنَّه (٣) عمِلَه له، فيكونُ القولُ قولُه فيه. ويحتملُ أنْ يتحالفَا، ويكونُ للعامل (٤) أقلُّ الأمرينِ من نصيبِه من الربحِ، أو أجر مثله؛ لأنَّه لا يدَّعي أكثرَ من نصيبِه من الربح، فلا يستحقُّ زيادةً عليه. وإنْ كانَ الأقلُّ أجرَ مثلِه، فلم يثبتْ كونُه قِراضًا، فيكونُ له أجرُ عملِه.
وإنْ قالَ ربُّ المالِ: كانَ بضاعةً. وقال العاملُ: كانَ قِراضًا، حلفَ كلٌّ منهما على إنكَارِ ما ادَّعاه خَصْمُه، وكانَ له أجرُ عملِه، لا غيرُ. انتهى.
(ويُقبلُ قولُ المالكِ) بعدَ ربحٍ مالٍ مضاربةٍ (في قدْرِ ما شَرَطَ للعاملِ) من الربحِ، كما لو قالَ عاملٌ: شرطتَ لي النصفَ. وقال المالكُ: بل الثلثَ. فقولُ مالكٍ. نصًّا؛ لأنَّه منكرٌ للسدسِ الزائدِ، ومنكرٌ اشتراطَه له. فإنْ أقامَا بيِّنتينِ، قُدِّمتْ بيِّنةُ العاملِ.
стр. 962
فَصْلٌ
الثَّالِثُ: شَرِكَةُ الوُجُوه.
وهي: أن يَشترِكَ اثنان لا مالَ لهُما في رِبحِ ما يَشتَرِيانِ من النَّاسِ في ذِمَمِهِمَا، ويكونَ المِلكُ والرِّبحُ كَمَا شَرَطَا،
(فصلٌ)
(الثالثُ) من الخمسةِ أنواعٍ: (شركةُ الوجُوهِ) سمِّيتْ بذلك؛ لأنَّهما يُعامِلانِ فيها بوجههِما. والجاهُ والوجهُ واحدٌ. يُقالُ: فلانٌ وجيهٌ، إذا كان ذا جاهٍ.
وهي جائزةٌ؛ إذ معناها: وكالةُ كلِّ واحدٍ منهما صاحبَه في الشراءِ والبيعِ، والكفالةِ بالثمنِ. وكلُّ ذلك صحيحًا؛ لاشتمالِها على مصلحةٍ من غيرِ مفسدةٍ.
(وهي: أنْ يشتركَ اثنانِ لا مالَ لهما في ربحِ ما يشتريانِ من الناسِ في ذممهما) أي: بوجوهِهما، وثقةِ التجارِ بهما
(ويكونُ المِلكُ) فيما يَشتَريانِه بجاهِهما، بينهما سويَّةً، أو أثلاثًا، كما شرطاه عندَ العقدِ؛ لقولِه ﷺ : "المؤمنونَ على شروطِهم" (١). ولأنَّها مبنيةٌ على الوكالةِ، فتتقيدُ بما وقعَ الإذنُ والقبولُ فيه.
(والرِّبحُ) فيها بينهما (كما شرَطَا) من تساوٍ وتفاضلٍ؛ لأنَّ أحدَهما قدْ يكونُ أوثقَ عندَ التجارِ من الآخرِ. فيجوزُ له أنْ يشترطَ زيادةً في الربحِ في مقابلةِ أوثقيتِه، وزيادةِ إبصارِه بالتجارةِ. ولأنَّها منعقدةُ على عملٍ وغيرِه، فكانَ ربحُها على ما (٢)
стр. 963
والخَسَارةُ عَلَى قَدْرِ المِلك.
الرَّابعُ: شَرِكةُ الأبدَانِ .
وهي: أن يشتَرِكَا فيما يَتَملَّكَانِ بأبدانِهما مِن المُباح، كالاحِتشَاشِ، والاحتِطَابِ والاصطِيادِ، أو يشتَرِكَا فيما يتَقبَّلانِ في ذِمَمِهِما مِنَ العَمَلِ.
شرَطا، كشركةِ العِنانِ.
(والخَسَارةُ) بتلفٍ، أو بيعٍ بنقصانٍ عمَّا اشترى به، فهو (على قدرِ المِلكِ) أي: على قدرِ ملكيهما في المشتَرَى. فعلى مَنْ يملِكُ فيه الثلثين: ثُلُثَا الخسارةِ. وعلى مَن يملكُ فيه الثلثَ: ثلثُ الخسارةِ. ونحو ذلك. سواءٌ كان الرِّبحُ بينهما كذلك، أو لمْ يكنْ؛ لأنَّ الخَسارةَ نقصُ رأسِ المالِ، وهو مختصٌّ بملَّاكِه، فيوزَّعُ بينهما على قدرِ حصصِهما.
وشركةُ الوجوه في التصرُّفِ، من بيعٍ، وشراءٍ، وخصومةٍ، وإقرارٍ، ونحوِ ذلك، كشركةٍ عِنانٍ، فيما يجبُ لهما وعليهما.
(الرابعُ) من الخمسةِ أنواعٍ: (شركةُ الأبدانِ) أي: شركةٌ بالأبدانِ، فحُذِفتِ الباءُ، ثمَّ أضيفتْ؛ لأنَّهم بذلوا أبدانَهم في الأعمالِ لتحصيلِ المكاسبِ.
(وهي) نوعانِ:
أحدُهما: (أنْ يشترِكَا) أي: اثنانِ فأكثرُ (فيما يتملَّكَانِ بأبدانِهما من) العمل (المباحِ، كالاحتِشَاشِ، والاحتطابِ، و الاصطيادِ) وتلصُّصٍ على دارِ حربٍ ونحوِ ذلك من سائرِ المباحاتِ
(أو يشتركا فيما يتقبَّلانِ في ذِمَمِهما من العملِ) كحدادةٍ، وقِصارةٍ، وخياطةٍ.
ولو قالَ أحدُهما: أنا أتقبلُ، وأنتَ تعملُ، والأجرةُ بيننا، صحَّ.
стр. 964
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وما يتقبَّلُه أحدُهما من العملِ يصير في ضمانِهما يُطالَبانِ به، ويلزمُهما عملُه. ولكلٍّ طلبُ أجرةٍ.
وما تلفَ من أجرةٍ بيدِ أحدِهما بلا تفريطٍ، عليهما. وإقرارٌ بما في يدِه، يُقبلُ عليهما، بخلافِ إقرارِه بما في يدِ شريكهِ، أو بدَيْنٍ عليه، فلا يُقبلُ إقرارُه
ولا يُشترطُ لصحَّتِها اتفاقُ صنعةٍ. فلو اشتركَ حدادٌ ونجارٌ، أو خياطٌ وقصارٌ، فيما يتقبَّلانِ في ذِمَمِهما من عملٍ، صحَّ؛ لاشتراكِهما في كسبِ مباحٍ، أشبَه ما لو اتفقتِ الصنائعُ.
ولا يُشترطُ لصحَّةِ الشركةِ معرفةُ الصنعةِ لواحدٍ منهما. فلو اشتركَ شخصانِ لا يعرفانِ الخياطةَ، ويدفعانِ ما تقبَّلاهُ لمَنْ يعملُه - بدونِ أجرةِ ما تقبَّلاهُ به - والباقي لهما، صحَّ. ويلزمُ غيرَ عارفٍ إقامةُ عارفٍ للصنعةِ مُقامَه في العملِ؛ ليعملَ ما لزِمَه للمستأجر.
وإن مرضَ أحدُهما، أو تركَ العملَ لعذرٍ كانَ أو لا، فالكسبُ بينهما على ما شرَطَا.
فإنْ طلبَ الشريكُ ممَّنْ تركَ العملَ لعذرٍ أنْ يُقيمَ مُقامَه مَن يعملُ، ألزمَ به؛ ليفيَ بمقتضى العقدِ، وللآخرِ الفسخُ إنِ امتنعَ، أو لم يمتنعْ.
وإنْ اشترَكَا على أنْ يحملا على دابَّتيْهِما، والأجرةُ بينهما، صحَّ. وإنْ أجرَّهما بأعيانِهما، فلكلٍّ أجرةُ دابَّتِه.
ويصحُّ دفعُ دابَّتِه ونحوِها لمَن يعملُ عليها، وما رزقَه اللهُ بينهما على ما شرَطَا (١).
стр. 965
الخَامِسُ: شَرِكة المُفَاوَضَة .
وهي: أن يُفوِّضَ كُلٌّ إلى صَاحِبِه شِراءً وبَيعًا في الذِّمَّةِ، ومُضَارَبَةً، وتَوكِيلًا، ومُسَافَرةً بالمَالِ، وارتِهَانًا.
(الخامسُ) مِن الخمسِة أنواعٍ: (شركةُ المفاوَضَةِ) وهي مُفاعَلَةٌ، يُقالُ: فاوضَه مفاوضَةً، أي: جازَاه. وتفاوضوا في الأمرِ، أي: فاوض بعضُهم بعضًا.
والمفاوضةُ لغةً: الاشتراكُ في كلِّ شيءٍ، كالتفاوضِ.
وشرْعًا: قسمانِ:
صحيحٌ: (وهي: أنْ يُفوِّضَ كلٌّ إلى صاحبِه شراءً، وبيعًا في الذِّمَّةِ، ومضاربةً، وتوكيلًا، ومسافرةً بالمالِ، وارتهانًا) وضمانَ - وهو تقبُّلُ - ما يرَى مِن الأعمالِ، كخياطةٍ وحدادةٍ. فهي صحيحةٌ، وهي: الجمعُ بين عِنانٍ ومضاربةٍ، ووجوهٍ وأبدانٍ.
القسمُ الثاني: فاسدٌ، وهو: أن يُدخلا في الشركةِ كسبًا نادرًا، كوِجدَانِ لُقطةٍ، أو ركازٍ، أو يُدخِلا فيها ما يحصلُ لهما من ميراثٍ، أو يُدخلا فيها ما يلزمُ أحدَهما من ضمانِ غصبٍ، أو أرشِ جنايةٍ، أو ضمانِ عاريةٍ، ولزومِ مهرٍ بوطءٍ؛ لأنَّه عقدٌ لم يردِ الشرعُ بمثلِه، ولما فيه من كثرةِ الغرَرِ.
ولكلٍّ من الشريكينِ في هذا القسمِ ما يستفيدُه، وله ربحُ مالِه، وله أجرةُ عملِه؛ لفسادِ الشركةِ.
ويختصُّ كلٌّ منهما بضمانِ ما غصبَه، أو جنَاهُ، أو ضمِنَه عن الغيرِ؛ لأنَّ لكلِّ نفسٍ ما كسبتْ (١) وعليها ما اكتسَبَتْ.
стр. 966
ويَصِحُّ دَفعُ دابَّةٍ أو عَبدٍ لمن يَعملُ به بِجُزءٍ مِنْ أُجرَتِه، ومِثلُه خِياطَةُ ثَوبٍ، ونَسجُ غَزلٍ، وحَصَادُ زَرعٍ، ورَضَاعُ قِنٍّ، واستيفاءُ مالٍ بجُزءٍ مُشَاعٍ مِنه، وبيعُ مَتاعٍ بجُزءٍ مِنْ رِبحِه.
ويصحُّ دفعُ دابَّةٍ، أو نَحْلٍ، أو نحوِهِما، لِمَن يقومُ بِهمَا مدَّةً معلُومَةً بجُزءٍ مِنهما، والنَّماءُ مِلكٌ لهما،
(ويصحُّ دفعُ دابَّةٍ أو عبدٍ) أو قِربَةٍ، أو قِدْرٍ، أو آلَةِ حَرثٍ، أو نَورَجٍ (١)، أو مِنجَلٍ (لمَن يعملُ به بجزءٍ من أجرتِه) كنصفٍ، أو ربعٍ، أو خمسٍ، أو ثلثٍ، أو سدسٍ، ونحوِه
(ومثلُه) أي: مثلُ الدابَّةِ أو العبدِ: (خياطةُ ثوبٍ، ونسجُ غزلٍ، وحصادُ زرعٍ، ورضاعُ قنٍّ، واستيفاءُ مالٍ) ممَّن هو في جهتِه، وبنَاءُ دارٍ، أو طاحونٍ، ونَجْرُ بابٍ، وطحنُ نحوِ برٍّ (٢) (بجزءٍ مشاعٍ منه) أي: ممَّا ذُكِرَ
(و) مثلُه أيضًا: (بيعُ متاعٍ بجزءٍ من ربحِه) أي: ربحِ المتاعِ.
(ويصحُّ دفعُ دابَّةٍ، أو نحلٍ، أو نحوِهما) كعبدٍ وأمَةٍ (لمَن يقومُ بهما مدَّةً معلومةً) كسنةٍ ونحوِها (بجزءٍ منهما) كرُبعِهما، أو خمسِهما، (والنماءُ) المتحصِّلُ من ذلك، من نتاجٍ، أو صوفٍ، أو وبُرٍّ، أو لبنٍ، أو عسلٍ، أو شمعٍ ونحوِه (٣) (مِلكٌ لهما) أي: لربِّ ذلك، ولمَن يقومُ بالخدمةِ بقدرِ ملكيهما على ما اتفقا عليه.
стр. 967
لا إن كان بجُزءٍ من النَّماءِ، كالدَّرِّ، والنَّسلِ، والصُّوفِ، والعَسَل، وللعَامِلِ أجرةُ مِثلِه.
و (لا) يصحُّ (إنْ كان) دفعَ دابَّةً، أو نحلًا ونحوَهما لمَن يقومُ بهما (بجزءٍ من النماءِ، كالدَّرِّ، والنسل (١)، والصُّوفِ، والعَسَلِ) والمسكِ، والزَّبَادِ؛ لحصولِ نمائِه بغيرِ عملٍ من العاملِ
(وللعاملِ) حيثُ عملَ على شرطِ أن يكونُ له جزءٌ من النَّماءِ (أجرَةُ (٢) مثلِه) لفسادِ العقدِ.
* * *
стр. 968
بَابُ المُسَاقَاةِ
وهي: دَفعُ شَجَرٍ لِمَن يقومُ بمصَالِحِه بجُزءٍ من ثَمرِهِ.
بشَرطِ: كونِ الشَّجرِ معلُومًا، وأن يكُونَ له ثَمَرٌ يُؤكَلُ،
(بابُ المُساقاةِ)
مفاعلةٌ من السقي؛ لكونِه كان أهمَّ أمرِها؛ لأنَّ النخلَ كانتْ تُسقَى بالحجازِ نضحًا من الآبارِ، فتكثرُ مشقَّتُه، فأُخذتِ المفاعلةُ منه.
(وهي) شرعًا: (دفعُ شجرٍ) مغروسٍ معلومٍ للمالكِ والعاملِ، برؤيةٍ أو وصفٍ (١). فلو ساقَاه على بستانٍ غيرِ معيَّنٍ ولا موصوفٍ، أو على أحدِ هذين الحائطينِ، لم يصحَّ؛ لأنَّها معاوضةٌ يختلفُ الغرضُ فيها باختلافِ الأعيانِ، فلمْ تجزْ على غيرِ معلومٍ، كالبيعِ
(لمَن يقومُ بمصالحِه) أي: مصالحِ الشجرِ من سقيٍ وغيرِه (بجزءٍ من ثمرهِ): الشجرِ الذي وقعَ عليه المُسَاقاةُ
(بشرطٍ: كونِ الشجرِ معلومًا) للمالكِ والعاملِ برؤيةٍ أو وصفٍ
(و) بشرطِ: (أنْ يكونَ) الشجرُ (له ثمرٌ يُؤكَلُ) وإنْ لمْ يكنْ نخلاً، ولا كرْمًا؛ لحديثِ ابنِ عمرَ قالَ: عاملَ النبيُّ ﷺ أهلَ خيبرَ بشطرِ ما يخرجُ منها مِن ثمرٍ، أو زرعٍ. متفقٌ عليه (٢).
وعُلِمَ منه: أنَّه لا يصحُ على قطنٍ، ومَقَاثي، وما لا ساقَ له، وعلى ما لا ثمرَ له
стр. 969
وأن يُشرَطَ للعامِل جُزءٌ مُشاعٌ مَعلُومٌ من ثَمَرِه.
مأكولٌ، كسَرْوٍ، وصَفْصافٍ، ولو كان له زَهْرٌ مقصودٌ، كنَرجِسٍ، وياسمينٍ، ولا إنْ جَعَلَ للعاملِ كلَّ الثمرةِ.
فعلى المذهبِ: لا تصحُّ مساقاتُه؛ لأنَّه ليسَ منصوصًا عليه، ولا في معنى المنصوصِ، ولأنَّ المُسَاقَاةَ إنَّما تكونُ بجزءٍ مِن الثمرةِ، وهذا لا ثمرةَ له.
وقالَ الشارحُ والموفَّقُ: تصحُّ المساقاةَ على ما له ورَقٌ يُقصدُ، كتوتٍ، أو ما له زَهْرٌ، كوردٍ ونحوِه. فأُجريَ الورقُ والزَهْرُ مجرى الثمرِ.
قالَ في "الإقناع": وعلى قياسِه: شجرٌ له خشبٌ يُقصدُ، كحَوَرٍ وصَفصَافٍ (١).
ولا يصحُّ إنْ جَعَلَ للعاملِ جُزءًا مبهمًا، كسهمٍ، ولم يُعيِّنْه. وأمَّا لو عيَّنَه، كما لو قالَ: سهمٌ من مائةٍ ونحوِها، جازَ.
ولا يصحُّ إنْ جَعَلَ له دراهمَ معيَّنةً أو غيرَ معيَّنةٍ، ولا ثمرةَ شجرةٍ بعينِها فأكثرَ. وإنْ كانَ في البستانِ أجناسٌ، وجعلَ له مِن كلِّ جنسٍ جزءًا مُشاعًا معلومًا، كنصفِ البلحِ، وثلثِ العنبِ، وربعِ الرمَّانِ، وهكذا، جازَ. أو ساقاه على بستانٍ واحدٍ ثلاثَ سنينَ، السنةُ الأولى بالنصفِ، والثانيةُ بالثلثِ، والثالثةُ بالربعِ، ونحوِه، جازَ.
وتصحُّ المساقاةُ على البعلِ مِن الشجرِ، كالذي يحتاجُ للسَّقي، وهو الذي يشربُ بعروقِه (٢).
(و) بشرطِ (أنْ يُشرطَ للعاملِ جزءٌ مشاعٌ معلومٌ مِن ثمرِه) أي: مِن ثمرِ الشجرِ
стр. 970
والمُزارَعَةُ: دَفعُ الأرضِ والحَبِّ لِمَن يزرَعُه، ويَقومُ بمصَاْلِحه.
بشَرْطِ: كَونِ البَذرِ مَعلُومًا جِنسُهُ وقَدرُهُ، ولو لم يُؤكَل، وكَونِه مِن رَبِّ الأَرضِ، وأن يُشرَطَ للعَامِل جزءٌ مُشاعٌ مَعلومٌ مِنه.
ويصِحُّ كَونُ الأَرضِ، والبَذرِ، والبَقَرِ مِن واحِدٍ، والعَمَلِ من آخَرَ.
النامي بعملِه المتكررِ كلَّ عامٍ (١)، كالنَّخلِ، والكَرْمِ، والرمَّانِ، والجَوْزِ، واللَّوْزِ، والزيتونِ. فلا تصحُّ على ما يتكرَّرُ حملُه في عامٍ واحدٍ، كالقطنِ والمقاثي ونحوِ ذلك.
(والمزارعةُ): مشتقَّةٌ من الزَّرعِ، وتُسمَّى مخابرةً، من الخَبَارِ - بفتح الخاءِ - وهي: الأرض الَّليِّنةُ، ومُؤاكَرَةً. والعاملُ فيها: خبيرٌ ومؤاكِرٌ.
هي: (دفعُ الأرضِ، و) دفعُ (الحبِّ لمَن يزرعُه، ويقومُ بمصالحِه)
لكن (بشرط (٢): كونُ البذرِ معلومًا جنسُه) كحبٍّ بَحيريٍّ، أو صعيديٍّ، ونحوِهما.
(و) بشرطِ: كونِ البذرِ معلومًا (قدْرُه، ولو لم يُؤكلْ)
(و) بشرطِ: (كونِه) أي: الحبِّ (من ربِّ الأرضِ)
(و) بشرطِ: (أنْ يُشرَطَ للعاملِ جزءٌ مُشاعٌ معلومٌ) كثلثٍ، أو ربعٍ، أو ثمنٍ، ونحوِه (منه) أي: من المزروعِ.
(ويصحُّ كونُ الأرضِ، والبذرِ) أي: الحبِّ (والبقرِ) لأجلِ الحرثِ والسقي ونحوِه (من واحدٍ، والعملِ من آخرَ).
стр. 971
فإن فُقِدَ شَرطٌ، فالمُساقَاةُ والمُزارعَةُ فاسِدةٌ، والثَّمرُ والزَّرعُ لربِّه، وللعَامِل أَجرُ مِثلِه. ولا شَيءَ لَه إن فَسَخَ، أو هَرَبَ قبلَ ظُهُورِ الثَّمرَةِ. وإن فَسَخَ بعدَ ظُهورِهَا، فالثَّمرَةُ بينَهُما على ما شَرَطا، وعلَى العَامِل تَمَامُ العَمَلِ ممَّا فيه نُموٌّ، أو صَلاحٌ للثَّمر.
(فإنْ فُقدَ شرطٌ، فالمساقاةُ والمزارعةُ فاسدةٌ) (١) فإذا فسدتِ المساقاةُ والمزارعةُ، (فالثمرُ) في المساقاةِ (والزرعُ) في المزارعةِ (لربِّه) أي: ربِّ الشجرِ والبذرِ؛ لأنَّه عَينُ مالِه، يَنقلِبُ من حالٍ إلى حالٍ، (وللعاملِ أجرُ مثلِه) أي: أجرةٌ مثلِه، (ولا شيءَ له) أي: للعامل من الثمرِ في المساقاةِ، ومن الزرعِ في المزارعةِ (إنْ فسخَ) العاملُ (أو هربَ قبلَ ظهورِ الثمرةِ) لأنَّه قدْ رضيَ بإسقاطِ حقِّه.
(وإنْ فسخَ) العاملُ (بعدَ ظهورِها) أي: ظهورِ الثمرةِ (فالثمرةُ بينهما على ما شرطا) هـ عندَ العقدِ (وعلى العاملِ تمامُ (٢) العملِ) في المساقاةِ والمزارعةِ (ممَّا فيه نموٌّ أو صلاحٌ (٣) للثمر) ةِ، من السقي، والحرثِ، وآلتِه، وبَقَرِه، وزِبارٍ - بكسر الزاي، وهو: تخفيفُ الكرْمِ وغيرِه من الأغصانِ، وقطعُ ما يحتاجُ إلى قطعِه من الأغصانِ الرديئةِ - وإصلاحِ الحُفَرِ التي يجتَمعُ فيها الماءُ على أصولِ الشجرِ، وإدارةِ الدُّولابِ، والتلقيحِ - وهو: جعلُ طلعِ الفحَّالِ في طلعِ الثمرةِ - والتشميسِ، وإصلاحِ طُرقِ الماءِ، وقطعِ الحشيشِ المضرِّ والشوكِ، وتفريقِ زِبْلٍ وسِباخٍ، ونقلِ ثمرٍ وزرعٍ ونحوِه، وحصادٍ، ولُقَاطِ قِثاءٍ ونحوِه، وتصفيةِ زرعٍ، وتجفيفِ ثمرةٍ وزرعٍ، وقطعِهما.
стр. 972
والجَذاذُ علَيهِمَا بقَدرِ حِصَّتَيهِما، ويتَّبِعَان العُرفَ في الكُلَفِ السُّلطَانِيَّةِ، ما لَم يكُنْ شَرْطٌ، فَيُتَّبَعُ.
وإنْ فسخَ ربُّ المالِ المساقاةَ قبلَ ظهورِ الثمرةِ والزرعِ وبعدَ شروعِ العاملِ في العملِ، فعليه للعاملِ أجرةُ مثلِه.
وعلى ربِّ أصلٍ حفظُ ما يحفظُ، كسدِّ حائطٍ، وإجراء نهرٍ، وحفرِ بئرٍ، وثمنِ دولابٍ، وما يديرُه من بهائمَ، وشراءِ ماءٍ، وشراءِ ما يلقحُ به من طلعٍ، وتحصيلِ زبلٍ وسباخٍ؛ لأنَّ هذا كلَّه ليس من العملِ، فهو على ربِّ المالِ (١).
(والجَذاذُ) أي: قطعُ الثمرِ (عليهما) أي: على ربِّ المالِ والعاملِ (بقدرِ حِصَّتَيْهِما) نصًّا.
(ويتَّبِعان) أي: ربُّ المالِ والعاملُ (العُرْفَ) وهو: ما تعارفَهُ الناسُ بينهم (في الكُلَفِ السُّلطَانيَّةِ) أي: التي يطلبُها السلطانُ (ما لمْ يكنْ شرطٌ) فيعملُ به. فما عُرِفَ أخذُه من ربِّ المالِ، فهو عليه، وما عُرفَ من العاملِ، فعليه، وما طُلبَ من قريةٍ من وظائفَ سلطانيةٍ ونحوِها، فعلى قدرِ الأموالِ، وإن وُضعتْ على الزرعِ، فعلى ربِّه، وعلى العقارِ، فعلى ربِّه ما لم يشترطْه على مستأجرٍ. وإنْ وضعَ مطلقًا، فالعادةُ. قالَهُ الشيخُ تقيُّ الدينِ.
والخراجُ على ربِّ المالِ؛ لأنَّه على رقبةِ الأرضِ، أثمرتِ الشجرُ، أو لم تُثمرْ؛ ولأنَّه أجرةُ الأرضِ، فكان على مَن هي في ملكِه (٢).
(فيُتَّبعُ) الشرطُ، ويعملُ به حسبما اتفقا عليه.
стр. 973
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا يجوزُ لربِّ الأرضِ أنْ يشرِطَ على الفلاحِ شيئًا مأكولًا ولا غيرَه من دجاجٍ، ولا غيرِها التي يسمُّونها: خدمةً، وتُسمَّى الآن: ضيافةً، ولا أخذُه بشرطٍ، ولا غيرِه.
"فائدةٌ": إذا جاءتْ أمطارٌ، أو فاضتْ أنهارٌ أو عيونٌ، فاضتْ عن سقي العاملِ، لم تنقُصْ بذلك نصيبَه.
"فرعٌ": لو أجرَ إنسانٌ أرضَه سنةً لمَن يزرعُها، فزرعَها، فلم ينبتِ الزرعُ تلك السنةَ، ثمَّ نبتَ في السنةِ الأخرى، فهو للمستأجرِ، وعليه الأجرةُ لربِّ الأرضِ مدةَ احتباسِها، فيلزمُه المُسمَّى للسنةِ الأولى، وأجرةُ المثلِ للثانية، وليس لربِّ الأرضِ مطالبتُه بقلعِه قبلَ إدراكِه. قالَه في "الإقناع" (١).
* * *
стр. 974
بابُ الإجَارَةِ
وشُروطُها ثَلاثةٌ:
مَعرِفَةُ المَنفَعةِ، ومَعرِفَةُ الأُجرَةِ،
(بابُ الإجارةِ)
وهي لغةً: المجازاةُ، مشتقَّةٌ من الأجرِ، وهو العِوَضُ، ومنه سُمِّيَ الثوابُ أجرًا. يُقالُ: آجرَه الله على عملِه، أي: جازاه عليه.
وشرعًا: عقدٌ على منفعةٍ مباحةٍ معلومةٍ، من عينٍ معيَّنَةٍ، أو موصوفةٍ في الذِّمَّةِ، مدَّةً معلومةً، أو عملٍ معلومٍ، بعِوضٍ معلومٍ.
وتنعقدُ بلفظِ الإجارةِ، والكِراءِ وما في معناهما، وبلفظِ بيعٍ إن لم يضفْ للعينِ (١).
(وشروطُها) أي: الإجارةِ (ثلاثةٌ):
أحدُها: (معرفةُ المنفعةِ) لأنَّها المعقودُ عليها، فاشتُرِطَ العلمُ بها، كالبيعِ. إما بعُرفٍ (٢)، كسُكنى الدارِ شهرًا؛ لأنَّها لا تُكرَى إلا لذلك. فلا يَعملُ فيها حِدادَةً، ولا قِصارةً، ولا يُسكِنُها دابَّةً، ولا يجعلُها مخزنًا لطَعامٍ. ويَدخُلُ ماءُ بِئرٍ تَبَعًا. وله إسكانُ ضيفٍ.
(و) الثاني: (معرفةُ الأجرةِ) لأنَّه عِوَضٌ في عقدِ معاوضةٍ، فاعتُبِرَ علمُه، كالثمنِ؛ ولخبرِ: "مَنْ استأجرَ أجيرًا فلْيُعْلِمْه أجرَه" (٣).
стр. 975
وكَونُ النَّفعِ مُباحًا، يُستَوفَى دُونَ الأَجزَاء.
فتَصِحُّ إجارةُ كُلِّ ما أمكَنَ الانتفَاعُ به مَعَ بَقاءِ عَينهِ، إذا قُدِّرَتْ منفعتُه بالعَمَل، كرُكوبِ الدَّابة لِمَحَلٍّ مُعيَّنٍ، أو قُدِّرَت بالأَمَدِ وإن طَالَ، حيثُ كانَ يَغلِبُ على الظَّنِّ بقاءُ العَينِ.
(و) الشرطُ الثالثُ: (كونُ النفعِ مباحًا) مطلقًا، كإجارةِ دارٍ يجعلُها مسجدًا، أو شجرٍ لنشرِ ثيابٍ، أو قُعودٍ بِظلِّه.
قولُه: "مطلقًا". أي: مباحًا إباحةً مُطلَقةً لا تختصُّ بحالٍ دونَ حالٍ آخرَ. فخرجَ به: آنيةُ الفضَّةِ في حالِ الضَّرورةِ، وثيابُ الحريرِ، وغيرُ ذلك.
(يُستوفَى) مِن عينٍ مؤجَّرَةٍ (دونَ) استهلاكِ (الأجزاءِ) بخلافِ شمعٍ لشَعْلٍ، وصابونٍ لغَسْلٍ؛ لأنَّ الإجارةَ هي بيعُ المنافعِ، فلا تدخلُ الأجزاءُ فيها (١).
(فتصحُّ إجارةُ كلِّ ما أمكنَ الانتفاعُ به مع بقاء عينِه) كالأرضِ، والدُّورِ، والبهائمِ، والثيابِ، ونحوِها (إذا قُدِّرتْ منفعتُه بالعملِ، كركوبِ الدَّابَّةِ لمحلٍّ معيَّنٍ) أو يحملُ عليها شيئًا معلومًا إلى محلٍّ معينٍ (أو قُدِّرتْ بالأمدِ) كهذِه الدَّارِ شهرًا. (وإنْ طالَ الأمدُ) لأنَّ المعتبرَ كونُ المستأجرِ يمكنُه استيفاءُ المنفعةِ منها غالبًا. قال في "الفروع": وظاهرُه: ولو ظُنَّ عدمُ العاقدِ، ولا فرقَ بين الوقفِ والمِلكِ، بل الوقفُ أَوْلى. قالَهُ في "الرعاية" (٢). (حيثُ كانَ يَغلِبُ على الظَّنِّ بقاءُ العَينِ) وأن لا يُظنَّ عدمُها فيه، بهدمٍ أو بموتٍ أو غيرِه، فإنْ ظُنَّ ذلك كإجارَةِ دارٍ مائتي سنةٍ، أو عَبدٍ مائةَ سنةٍ، لم يصحَّ في المدَّةِ كلِّها.
стр. 976
فَصْلٌ
والإجَارةُ ضَربَان:
الأوَّلُ: على عَينٍ.
فإن كانَت مَوصُوفةً اشتُرِطَ فيها: استِقصَاءُ صِفَاتِ السَّلم، وكَيفيَّةُ السَّيرِ مِنْ هِملاجٍ وغَيرِه، لا الذُّكوَرةِ
(فصلٌ)
(والإجارةُ ضربانِ):
الضربُ (الأوَّلُ): أنْ تقعَ (على) منفعةِ (عينٍ) ثمَّ العينُ إمَّا معيَّنةٌ، أو موصوفةٌ في الذمَّةِ، ولكلٍّ منهما شروطٌ.
وبدأَ بشروطِ الموصوفةِ، لقلَّةِ الكلامِ عليها، فقالَ: (فإنْ كانتْ موصوفةً) أي: في الذمَّةِ (اشتُرِطَ فيها) أي: في الموصوفةِ في الذمَّةِ:
(استقصاءُ صفاتِ السَّلَمِ) لاختلافِ الأغراضِ باختلافِ الصفاتِ. فإنْ لمْ توصفْ بما يضبطُها، أدَّى إلى التنازعِ. فإذا استُقْصِيتْ صفاتُ السَّلَمِ، كان أقطعَ للنزاعِ، وأبعَدَ من الغَرَرِ.
(وكيفيَّةُ السيرِ من هِملاجٍ) بكسرِ الهاءِ، وهي التي تمشي الهَملَجَةَ (١)، وهي: مِشيةٌ معروفةٌ، فارسيٌّ معرَّبٌ. (وغيرِه) لاختلافِ الغرضِ باختلافِه.
و (لا) يُشترطُ ذكرُ (الذكورةِ والأنوثةِ)
стр. 977
والأُنوثَةِ والنَّوعِ.
وإن كانَت مُعيَّنةً، اشتُرِطَ: معرِفتُها، والقُدرةُ على تَسلِيمِها،
(و) لا يُشترطُ ذكرُ (النوعِ) أي: في المركوبِ، كعربيٍّ أو بِرذونٍ في الفرسِ، ولا بَخَتيٍّ أو عِرابٍ من إبلٍ؛ لأنَّ تفاوتَه يسيرٌ.
ويُشترطُ أيضًا ذكرُ توابعِ الراكبِ العُرفيَّةِ، كزادٍ وأثاثٍ (١).
(وإنْ كانت مُعيَّنةً) أي: العينُ المؤجرةُ للعاقدين برؤيةٍ أو صفةٍ (اشتُرِطَ) لها خمسةُ شروطٍ:
الأوَّلُ: (معرفتُها) ممَّا لا يَصحُّ فيه السَّلَمُ. فلو استأجرَ حمَّامًا فلابدَّ من رؤيتِه؛ لأنَّ الغرضَ (٢) يختلفُ بالصِّغرِ والكِبَرِ (٣)، ومعرفةِ مائِه، ومشاهدةِ الإيوانِ (٤)، ومَطرَحِ الرَّمادِ، ومَصرِفِ الماءِ. وكَرِه أحمدُ كِراءَ الحمَّامِ؛ لأنَّه يدخلُه (٥) من تَنكشفُ (٦) عورتُه فيه
(و) الشرطُ الثاني: (القدرةُ على تسليمِها) فلا تصحُّ إجارةُ العبدِ الآبقِ، والجملِ الشاردِ، والطيرِ في الهواءِ، ولا مغصوبٍ ممَّن (٧) لا يَقدِرُ على أخذِه، ولا إجارةُ المشاعِ مُفرَدًا لغيرِ الشريك.
стр. 978
وكَونُ المؤجِّرِ يملِكُ نفعَهَا، وصحَّةُ بيعِها، سِوَى حُرٍّ ووقفٍ وأمِّ ولَدٍ، واشتمالُها على النَّفعِ المقصُودِ مِنها، فلا تَصِحُّ في زَمِنةٍ لحَمْلٍ، وسَبِخَةٍ لزَرعٍ.
الثَّانِي: على مَنفعَةٍ في الذِّمَّةِ.
فيُشتَرطُ: ضَبطُها بما لا يختَلِفُ،
(و) الشرطُ الثالثُ: (كونُ المؤجرِ يملكُ نفعَها) أي: نفعَ العينِ. بملكِ العينِ، أو استئجارِها، أو مأذونًا له بطريقِ الولايةِ، كحاكمٍ يؤجِّرُ مالَ نحوِ سفيهٍ أو غائبٍ، أو وقفٍ لا ناظرَ له، أو من قِبلِ شخصٍ معيَّنٍ، كناظرٍ خاصٍّ، ووكيلٍ في إجارةٍ؛ لأنَّها بيعُ منافعَ، فاشتُرِطَ فيها ذلك، كبيعِ الأعيانِ.
(و) الشرطُ الرابعُ: (صحةُ بيعِها) كعبدٍ، ودارٍ، وثوبٍ، ونحوِها، بخلافِ كلبٍ وخنزيرٍ، ونحوِهما
(سوى حرٍّ) وحرةٍ، (ووقفٍ، وأمِّ ولدٍ) فتصحُّ إجارتُها؛ لأنَّ منافَعها مملوكةٌ، ومنافعُ الحرِّ تُضمَنُ بالغصبِ، أشبهتْ منافعَ القنِّ (١).
(و) الشرطُ الخامسُ: (اشتمالُها) أي: العينِ (على النفعِ المقصودِ منها، فلا تصحُّ في زَمِنَةٍ لحملٍ، و) لا أرضٍ (سبخَةٍ لزرعٍ) لأنَّه لا يمكنُ تسليمُ هذه المنفعةِ من هذه العينِ.
الضربُ (الثاني) من ضربي الإجارةِ: أن تكونَ (على منفعةٍ في الذمَّةِ)
(فيُشرَطُ) لها ثلاثةُ شروطٍ:
الأوَّلُ: (ضبطُها) أي: المنفعةِ (بما) أي: وصفٍ (لا يختلفُ) به العملُ،
стр. 979
كَخِياطَةِ ثَوبٍ بصِفَةِ كَذَا، أو بِناءِ حَائِطٍ بذِكْرِ طُولِه وعَرضِه وسَمْكِه وآلَتِه، وأن لا يُجمَعَ بينَ تقدِيرِ المُدَّةِ والعَمَل، كـ: يَخيطُهُ في يَومٍ. وكَونُ العَمَلِ
(كخياطةِ ثوبٍ بصفةِ كذا) أي: صفةِ الخياطةِ (أو بناءِ حائطٍ بذكرِ (١) طولِه) أي: الحائطِ (و) بذكرِ (عرْضِه وسَمْكِهُ) بفتحِ السينِ، (وآلتِه) لاختلافِ الغرضِ، فيقولُ: مِن حجارةٍ، أو آجُرٍّ، أو لبِنٍ، و: بالطينِ، أو الجصِّ ونحوِه. فلو بناه ثمَّ سقطَ، فله الأجرةُ؛ لأنَّه وفَّىَ بالعملِ، إلا إنْ كان سقوطُه بتفريطِه، نحو أنْ بنَاهُ محلُولًا، فعليه إعادتُه، وغُرْمُ ما تلفَ به.
وإنِ استأجرَهُ لبناءِ أذرُعٍ معلومةٍ، فبنى بعضَها وسقطَ، فعليه إعادتُه وتمامُ الأذرعِ (٢)؛ ليفيَ بالمعقودِ عليه.
وإنِ استأجرَهُ لضربِ لَبِنٍ، ذكرَ عددَه وقالبَهِ وموضِعَ الضربِ. ولا يَكتَفي بمشاهدةِ القالَبِ إنْ لم يكنْ معروفًا، كالسَّلَمِ (٣).
(و) الشرطُ الثاني: (أنْ لا يُجمعَ بين تقديرِ المدَّةِ والعملِ، كـ) قوله: استأجرتُك لـ (تخيطَه) أي: هذا الثوبَ (في يومٍ) لأنَّه قد يفرُعُ منه قبلَ انقضاءِ اليومِ. فإنِ استُعمِلَ في بقيِّتِه، فقدْ زادَ على المعقودِ (٤) عليه، وإنْ لم يعملْ فقدْ تركَه في بعضِ زمنِه، فيكونُ غررًا يُمكنُ التحرُّزُ منه، ولم يوجدْ مثلُه في محلِّ الوفاقِ.
(و) الشرطُ الثالثُ: (كونُ العملِ) المعقودِ عليه
стр. 980
لا يُشتَرطُ أن يكونَ فاعِلُه مُسلِمًا، فَلا تَصِحُّ الإجارَةُ لأذانٍ، وإقامَةٍ، وإمَامَةٍ، وتَعلِيمِ قُرَانٍ وفِقهٍ وحَديثٍ، ونيابَةٍ في حَجٍّ، وقَضَاءٍ. ولا يَقَعُ إلَّا قُربةً لفَاعِلِه، ويحرُم أخذُ الأجرَةِ عَليه،
(لا يُشترطُ أن يكونَ فاعلُه مسلمًا، فلا تصحُّ الإجارةُ لأذانٍ، وإقامةٍ، وإمامةٍ، وتعليمِ قرآنٍ، وفقهٍ، وحديثٍ، ونيابةٍ في حجٍّ، وقضاءٍ. ولا يقعُ إلا قُربةً لفاعلِه. ويحرُمُ أخذُ الأجرةِ عليه) لحديثِ عثمانَ بن أبي (١) العاصِ: إنَّ آخرَ ما عهدَ إليَّ (٢) النبيُّ ﷺ أن اتَّخذْ مؤذِّنًا لا يأخذُ على أذانِه أجرًا (٣). قال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ. وعن عبادةَ بنِ الصامتِ قال: علَّمتُ ناسًا من أهلِ الصُفَّةِ القرآنَ والكتابةَ، فأهدَى إليَّ رجلٌ منهم قوسًا. قال: قلتُ: قوس، وليس بمالٍ. قال: قلتُ: أتقلَّدُها في سبيلِ اللهِ، فذكرتُ ذلك للنبيِّ ﷺ ، وقصصتُ عليه القصَّةَ. قال: "إنْ سرَّكَ أن يقلِّدَكَ اللهُ قوسًا من نارٍ، فاقبلْها" (٤). وعن أُبيِّ بنِ كعبٍ أنَّه علَّم رجلًا سورةً من القرآنِ، فأهدَى له خميصةً، أو ثوبًا، فذكرَ ذلك للنبيِّ ﷺ فقال: "إنَّكَ لو لبستَها، ألبسكَ اللهُ مكانَها ثوبًا من نارٍ" (٥). رواه الأثرمُ في "سننِه". ولأنَّ من شرطِ صحةِ هذه الأفعالِ كونُها قربةً إلى اللهِ، فلم يصحَّ أخذُ الأجرةِ عليها، كما لو استأجرَ إنسانًا يصلِّي خلفَه الجمعةَ، أو التراويحَ.
стр. 981
وتَجوزُ الجَعَالَةُ.
(وتجوزُ الجَعَالةُ) على ذلك؛ لأنَّها أوسعُ من الإجارةِ، ولهذا جازتْ مع جهالةِ العملِ والمدةِ.
أو على رُقيةٍ (١). كما يجوزُ الأخذُ في الكلِّ بلا شرطٍ، وأخذُ رِزقٍ على مُتعدٍّ نفعُه، كقضاءٍ، وإمامةٍ، وتدريسٍ، كالوقفِ على مَن يقومُ بهذه المصالحِ.
قال الشيخُ: ما يُؤخذُ من بيتِ المالِ فليس عِوَضًا وأجرةً، بل رِزقٌ للإعانةِ على الطاعةِ، فمَن عمِلَ منهم للهِ أُثيبَ.
وحَرُمَ أخذُ رزقٍ وجُعلٍ وأجرةٍ على قاصرٍ، كصومٍ، وصلاةٍ خلفَه، وعبادتُه لنفسِه
وصحَّ استئجارٌ لبناءِ نحوِ مسجدٍ وقنطرةٍ، ولذبحِ أضحيةٍ وهدي، وتفرقتِهما، وتفرقةِ صدقةٍ، وحلقِ شعرٍ وتقصيرِه، وختانٍ، وقطعِ شيءٍ من جسدٍ، ولحاجةٍ، ولتعليمِ نحوِ خطٍّ وحسابٍ، وشعرِ مباحٍ، فإنْ نسيَه في المجلسِ، أعادَ تعليمه، وإلا فلا، ولحجمٍ وفصدٍ.
وكُرِه لحُرٍّ أكلُ أجرهِ، ولو أخذَه بلا شرطٍ، تنزيهًا له، ويُطعمُه رقيقًا وبهائمَ. وكذا أجرةُ كَسحِ كنيفٍ، وكسبُ ماشطةٍ وحمَّاميّ. انتهى (٢).
* * *
стр. 982
فَصْلٌ
وللمستَأجِرِ استيفَاءُ النَّفع بنَفسِه، وِبَمن يقومُ مَقَامَه، لكنْ بشَرطِ كونِهِ مِثلَهُ في الضَّررِ، أو دُونَه.
(فصلٌ)
(وللمستأجرِ استيفاءُ النفعِ) المعقودِ عليه (بنَفسِه، وبمَن يقومُ مَقَامَه، لكن بشَرطِ كونِه مثلَهُ في الضَّرِر، أو دُونَه) لا أكثرَ ضررًا منه؛ لأنَّه لا يستحقُّه. أو مخالِفٍ، كمَنْ استأجرَ لبناءٍ، فلا يغرسُ، وعكسُه. وكذا مَن استأجرَ فرسًا ليركبَها بسرجٍ، لم يجزْ عُريًا، وعكسُه.
ومَن أكترىَ أرضًا لزرعِ بُرٍّ، أو نوعٍ منه، فله زرعُ بُرٍّ وشعيرٍ وباقلَّاء؛ لأنَّه دونَه في الضررِ. ولا يجوزُ له زرعُ دُخنٍ وذُرةٍ وقطنٍ؛ لأنَّه أكثرُ ضررًا من البُرِّ. ولا غرسٌ، أو بناءٌ؛ لأنَّ ضررَهما أكثرُ من الزرعِ (١).
وإنِ استأجرَ أرضًا لأحدِهما، لا يملكُ الأخرَ؛ لاختلافِ ضررِهما. فالغرسُ يضرُّ بباطنِ الأرضِ، والبناءُ يضرُّ بظاهرِها.
وإنِ اكترَاها لغرسٍ، له الزرعُ؛ لأنَّه أقلُّ ضررًا.
وإنِ اكترَاها للبناءِ، لم يكنْ له الزرعُ، وإنْ كانَ أخفَّ ضررًا؛ لأنَّه ليسَ من جنسِه. وفيه وجهٌ، وجزمَ به في "الإقناع" (٢)
стр. 983
وعلى المُؤجِّر كلُّ ما جَرَت به العَادَةُ مِن آلةِ المَركُوبِ، والقَوْدِ والسَّوقِ، والشَّيلِ والحَطِّ، وتَرمِيمِ الدَّارِ بإصلاحِ المُنكَسِر وإقامَةِ المَائِل، وتَطييِنِ السَّطحِ، وتَنظيفِه من الثَّلجِ ونحوِه.
وعلى المُستَأجِرِ المَحْمِلُ
(وعلى المؤجرِ) مع إطلاقٍ (كلُّ ما جَرَتْ به العادةُ، من آلةِ المركوبِ) ليتمكَّنَ به من التصرُّفِ. (والقودِ والسَّوقِ) للدابَّةِ (والشَّيلِ والحطِّ) لمحمولٍ؛ لأنَّه العُرْفُ، وبه يتمكَّن المُكتري من الانتفاعِ.
وعلى مؤجرٍ تبريكُ بعيرٍ لامرأةٍ وشيخٍ ومريضٍ؛ لركوبٍ ونزولٍ. وكذا كلُّ مَن ضعُفَ عن الركوبِ والبعيرُ قائمٌ؛ لسِمَنٍ ونحوِه.
فإنْ أرادَ مكترٍ إتمامَ الصَّلاةِ، وطلبَه الجمَّالُ بقَصرِها، لم يلزمْه، بل تكونُ خفيفةً في تمامٍ.
(و) على مؤجرٍ ما يتمكَّنُ به مستأجرٌ من نفعٍ، كـ (ترميمِ الدارِ) المؤجرةِ (بإصلاحِ المنكسر (١)، وإقامةِ المائلِ) من حائطٍ، وسقفٍ، وبلاطٍ (وتطيينِ السَّطحِ، وتنظيفِه من الثلجِ ونحوِه) كإصلاحِ بركةِ دارٍ، وأحواضِ حمَّامٍ، ومجاري مياهِ، وسلاليمِ الأسطحةِ؛ لأنَّ بذلك وشبهِه يتمكَّنُ مستأجرٌ من النفعِ المعقودِ عليه (٢).
(و) يجبُ (على المستأجرِ) بمعنى أنَّه لا يلزمُ المؤجرَ، بل إنْ أرادهُ مكترٍ، فمن مالِه (المَحْمِلُ) قال في "القاموس": كمجلسٍ: شِقَّتانِ على البعيرِ، يُحملُ فيهما
стр. 984
والمِظلَّةُ، وتَفرِيغُ البالُوعَةِ والكَنيفِ، وكَنسُ الدَّارِ مِنَ الزِّبْلِ ونَحوِه، إنْ حَصَلَ بفعلِه.
العديلانِ (والمِظلَّةُ) بالكسرِ والفتحِ: الكبيرُ من الأخبيةِ. قالَهُ في "القاموس" (١).
(و) على مكتري دارٍ أو حمامٍ ونحوِه، (تفريغُ البالوعةِ والكنيفِ، وكنسُ الدارِ من الزِّبْلِ ونحوِه) كرمادٍ (إنْ حصلَ بفعلِه) أي: المستأجرِ، كما لو ألقَى فيها جِيفةً، أو ترابًا ونحوَه.
* * *
стр. 985
فَصْلٌ
والإجَارةُ عَقدٌ لازِمٌ ، لا تَنفَسِخُ بمَوتِ المُتعاقِدَينِ، ولا بتَلَفِ المَحمُولِ، ولا بوَقفِ العَينِ المُؤجَّرةِ، ولا بانتقَالِ المِلكِ فيها بنحوِ هِبَةٍ وبيعٍ. ولمُشتَرٍ لم يَعلَمْ: الفَسْخُ، أو الإمضَاءُ والأُجرَةُ له.
(فصلٌ)
(والإجارةُ عقدٌ لازمٌ) من الطرفينِ، ليسَ لأحدِهما فسخُها بلا موجبٍ؛ لأنَّها عقدُ معاوضةٍ، كالبيعِ
(لا تنفسخُ بموتِ المتعاقدينِ) أو أحدِهما، مع سلامةِ المعقودِ عليه؛ للزومِها (ولا) تنفسخُ (بتلفِ المحمولِ) كما لو استأجرَ دابَّةً ليحملَ عليها هذا القنطارَ القطنَ، فتلف، لم تنفسخْ. وله أنْ يحملَها من أي قطنٍ كانَ (١)
(ولا) تنفسخُ (بوقفِ العينِ المؤجرةِ)
(ولا) تنفسخُ (بانتقالِ المِلكِ فيها (٢) بنحوِ هبةٍ وبيعٍ) أو إرثٍ، أو وصيةٍ، أو نكاحٍ، أو خُلْعٍ، أو طلاقٍ، أو صلحٍ، أو جُعالةٍ. (ولمشترٍ لم يعلمْ) بذلك: (الفسخُ، أو الإمضاءُ) للبيعِ مجانًا. أي: بلا أرشٍ.
وفي "الرعاية": الفسخُ، أو الأرشُ. قال أحمدُ: هو عيبٌ (٣). (والأجرةُ) من حينِ الشراءِ (له) نصًّا.