← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 806

ورد الطائف في شرح روضة الطرائف في رسم المصحف

محمد عبد الله إبراهيم البركاتي

Полный текст (496 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والعليُّ: من أسمائِهِ تَعَالَى، ومعناه: «أَنَّ لَهُ سبحانَهُ العلوَّ المطلقَ الدالَّ على جميعِ مراتبِ العلوِّ، ذَاتًا وقَدْرًا وَشَرَفًا، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [الشورى: ٤]» (١). [٣] مُنَزِّلُ الذّكْرِ تِبْيَانًا وَمَوعِظَةً … لِلْمُتَّقِينَ فَيَا طُوبَى لِمَنْ عَقَلَا يُخبِرُ النَّاظِمُ أنَّ اللهَ تعالى أنزل الذكر تبيانًا، كما قال جل شأنه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وأنزله أيضًا موعظةً للمتقين؛ قال : ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨]، وقد سمَّى اللهُ تنزيلَهُ ذِكْرًا؛ فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فيا طوبى لمن عقل وتدبر كلام الله، وهداه عقله إلى ذلك. وقول الناظم: (فَيَا طُوبَى لِمَنْ عَقَلَا) هذا ثناءٌ من النَّاظِمُ على من تدبَّر وعقل كلام الله؛ كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨]. [٤] يَا مَنْ يُجِيبُ دُعَا المُضْطَرِّ حِينَ [دَعَا] (٢) … وَيَكْشِفُ السُّوءَ عَنْ عَبْدٍ لَهُ سَأَلَا والمضطَرُّ في اللغةِ: مفتعلٌ من الضُّرِّ، وأصلُه: مُضْتَرِرٌ، فأُدْغِمَت الراءُ وقُلِبَت التَّاءُ طاءً لأجْلِ الضَّادِ (٣). والضمير في: (لَهُ) يعودُ على اللهِ ؛ أي: أنت يا ألله يا من تجيب دعاء المضطر، وتكشف السُّوءَ والكربَ عن عبدكَ حين يسألك؛ كما قال سبحانه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢].

стр. 142

[٥] أَنْت المَلِيكُ الّذِي تَعْنُو الوُجُوهُ [لَهُ] (١) … مِنْكَ الْأَيَادِي وَأَمَّا مِنْ سِوَاكَ فَلَا قوله: (تَعْنُو) العاني: هو الخاضع المتذلل (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١]، قال الإمام ابن كثيرٍ (ت: ٧٤٤ هـ) في تفسيره: «قال ابن عباسٍ وغير واحد: خَضَعَتْ وَذَلَّتْ» (٣). قال الشاعر: (من الكامل): سُبْحَانَ مَنْ عَنَتِ الوُجُوهُ لِوَجْهِهِ … مَلِكِ المُلُوكِ وَمَالِكِ الغَفْرِ (٤) «الْأَيَادِي» بمعنى: النِّعمة، مفردها: يَدٌ، وتُجمع على أَيَادٍ (٥). أي: أنت يا الله المليك الذي تخضعُ وتذلُّ له وجوه عبادِهِ، فأنت صاحب النِّعَمِ. قول الناظم: «وَأَمَّا مِنْ سِوَاكَ فَلَا»؛ أي: ليس من أحدٍ سِواكَ العطاءُ والفضْلُ، وإنما منك سبحانك، فأنت صاحبُ العطاءِ والفضلِ؛ كما قال سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].

стр. 143

[٦] وَصَلِّ يَا رَبِّ مَا ذَرَّتْ ذُكَاءُ عَلَى [الْـ … ـمُخْتَارِ] (١) مَنْ خَتَمَ [الأَنْبَاءَ] (٢) والرُّسُلَا ذَرَّتْ: ذَرَّتِ الشَّمْسُ ذُرورًا: ظَهَرَتْ أولَ شروقها (٣)، ذُكاءُ: هي الشَّمسُ (٤)؛ قال الشاعر من الطويل: إِذَا الشَّمْسُ ذَرَّتْ فِي البِلَادِ فَإِنَّهَا … أَمَارَةُ تَسْلِيمِي عَلَيْكِ فَسَلِّمِي (٥) عَلَى الْمُخْتَارِ: اسم مفعول من اختارَ، واختاره: انتقاه واصطفاه، والاختيار: الاصطفاء، ومحمد ﷺ خِيَرَةُ اللهِ من خَلْقِه (٦). قوله: (مَنْ خَتَمَ الأَنْبَاءَ وَالرُّسُلَا): النبأ: الخبر، والأَنْبَاءَ: جمع نبيٍّ، وحذف الياء للوزن. (وَصَلِّ يَا رَبِّ مَا ذَرَّتْ ذُكَاءُ): ثنَّى النَّاظِمُ بالصلاة عددَ ما طلعَ حاجبُ الشَّمسِ على النبي ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، وكان ينبغي على النَّاظِمِ أن يُسَلِّم على النبي ﷺ أيضًا؛ كما أمر الله سبحانه بذلك، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].

стр. 144

والتعريف الراجح في الفرق بين النبي والرسول هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (ت: ٧٢٨ هـ) في كتابه "النبوات"؛ حيث قال: «فالنَّبِيُّ هو الذي ينبِئُهُ اللهُ، وهو ينبِئُ بِمَا أنبأَ اللهُ بِهِ، فإن أُرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلِّغَهُ رسالةً من اللهِ إليهِ فهو رسولٌ، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله، ولم يُرسل هو إلى أحدٍ يُبَلِّغُهُ عن اللهِ رسالةً فهو نَبِيٌّ وليس بِرَسُولٍ» (١). [٧] مُحَمَّدِ المُصْطَفَى المَهْدِي وَعِتْرَتِهِ … وَصَحْبِهِ الطَّاهِرِينَ المُوضِحِي السُّبُلَا مُحَمَّدِ: من أشهرِ أسمائهِ ﷺ . المُصْطَفَى: قال ابن فارس (ت: ٣٩٥ هـ): «صَفَوَ: الصَّادُ وَالفَاءُ والحَرْفُ المُعْتَلُّ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى خُلُوصٍ مِنْ كُلِّ شَوْبٍ، وَمُحَمَّدٌ صفوة الله تعالى وخيرته من خلقه، ومصطفاه ﷺ »، واصطفاهُ: اختارهُ (٢). وعن واثلة بن الأسقع ﵁، قال: سمعت رسول الله صلى الله عيه وسلم يقول: ((إن الله اصطفى كنانةَ من ولدِ إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريشٍ بني هاشمٍ، واصطفاني من بني هاشمٍ)) (٣). قوله: (المَهْدِي): اسم مفعول من هَدى يَهْدِي؛ أي: أنَّ اللهَ قد هداهُ إلى طريقِ الحقِّ؛ قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧].

стр. 145

قوله: (العِتْرَة): مَا تَفَرَّعَتْ مِنْهُ الشُّعب، وَنَسْلُ الرَّجُل ورهطه وعشيرته، وعِتْرَةُ الرجُل: عَشيرتُه (١)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (ت: ٧٢٨ هـ): «العِتْرَةَ هُمْ بَنُو هَاشِمٍ كُلُّهُمْ: وَلَدُ الْعَبَّاسِ، وَوَلَدُ عَلِيٍّ، وَوَلَدُ الْحَارِثِ بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَسَائِرُ بَنِي أَبِي طَالِبٍ، وَغَيْرُهُمْ» (٢). قوله: (وَصَحْبِهِ الطَّاهِرِينَ المُوضِحِي السُّبُلَا)؛ أي: صلِّ ياربِّ على محمدٍ المصطفى المَهْدِي إلى طريق الحَقِّ، وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الطَّاهِرِينَ الذين أوضحوا سُبُلَ الحَقِّ والرشَادِ. وقد عرَّف العلماءُ الصَّحابيَّ بأنَّه: كلُّ من لقي النبيَّ ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك (٣). ثم بيَّن النَّاظِمُ الغرض من نظمه هذا في البيت الآتي، فقال: [٨] وَحَيْثُ تَمَّ نِظَامُ العَشْرِ وَافْتَقَرَ [الرْ … رَاوِي] (٤) إِلَى الرَّسْمِ تَفْصِيلًا لِيَكْتَمِلَا ذكر النَّاظِمُ أنه لَمَّا أَتَمَّ كِتَابَهُ في القراءات العشر وهو «نزهة البررَةِ، في مذاهب القراء العشرَةِ» (٥)، واحتاجَ القارئُ والراوي له إلى معرفةِ الرسمِ مفصَّلًا؛ ليكتمل لراغب هذا العلم معرفة القراءات والرسم، شرع في بيان ذلك. ثُمَّ بَيَّنَ مزايا نظمه، فقال:

стр. 146

[٩] أَرْدَفْتُهُ رَوْضَةً غَنَّاءَ مُوضِحَةً … رَقْمَ الإِمَامِ بِنَظْمٍ حِفْظُهُ سَهُلَا أَرْدَفْتُهُ: قال ابن فارس (ت: ٣٩٥ هـ): «الراءُ والدالُ والفاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ مُطَّرِدٌ، يَدُلُّ عَلَى اتِّبَاعِ الشَّيءِ، فَالتَّرَادُفُ: التَّتَابُعُ» (١). والرِّدْفُ: «ما تبعَ شَيْئًا فَهُوَ رِدْفُهُ، وإذا تتابعَ شَيءٌ خلفَ شَيءٍ فهو التَّرَادُفُ» (٢). والرَّقْمُ: الكِتَابَةُ والخَتْمُ، وَرَقَمَ: كَتَبَ، وَرَقَمَ الكتاب: أَعْجَمَهُ وبيَّنَهُ (٣). ذَكَرَ النَّاظِمُ مَزَايَا نَظْمِهِ، وَهِيَ: أولًا: أنَّهُ رَوْضَةٌ غَنَّاءُ، والرَّوْضَةُ لُغَةً: الأرضُ ذاتُ الخُضْرةِ (٤)، وغَنَّاءُ: كثيرةُ العُشب (٥). وثانيًا: أَنَّهُ يُوضِّحُ ويبيِّنُ رسمَ المصحف الإمام، والمقصودُ رسمُ المصاحفِ العثمانيةِ. وثالثًا: أَنَّهُ نَظْمٌ يَسْهُلُ حِفْظُهُ. [١٠] لَفْظٌ وَجِيزٌ وَمَعْنَاهُ [المَدِيدُ] (٦) حَوَى … دُرًّا نَضِيدًا [بِهِ] بَحْرُ البَسِيطِ حَلَا

стр. 147

ومِن مزايا نظمِه: رابعًا: أنه لفظٌ وجيزٌ؛ أي: مختصرٌ. يُقَالُ: أوجزتُ في الأمرِ؛ أي: اختصرت (١). وعرَّفه الناظم بقوله: «والاختصارُ: الإتيانُ بالمعاني في لفظٍ أقل» (٢). المَدِيدُ: الطويل، يُقال: رجلٌ مديدٌ؛ أي: طويل القامة (٣). دُرًّا: جَمْعُ دُرَّةٍ، وَهِيَ اللُّؤْلُؤَةُ العَظِيمَةُ (٤)، نَضِيدًا؛ أَيْ: بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ (٥)، قال تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠]. خامسًا: أَنَّ معاني هذه المنظومة قد حَوَتْ دُرَرًا وهي اللآلِئُ العظيمة بعضها فوق بعض. سادسًا: أَنَّ هذه المنظومة من بحر البسيط (٦). [١١] لَامِيَّةً عَذُبَتْ فِي [عِقْدِهَا] (٧) [نَظَمَتْ] (٨) … رَائِيَّةً وَرَبَتْ مَسَائِلًا مَثُلَا سابعًا: أَنَّهَا لَامِيَّةُ الرَّوِيّ.

стр. 148

ثامنًا: أَنَّ فيها عذوبةً في السَّمْعِ وسُهولةً في الوزنِ وحلاوةً في الإيقاعِ. تاسعًا: أَنَّهَا نَظَمَتْ مَسَائِلَ الرَّائيَّةِ وهي قصيدة الشاطبي المسماة (عقيلة أتراب القصائد)، وَجَمَعَتْهَا فِي حُسْنِ تَنظِيمٍ وَتَرْتِيب. عاشرًا: أَنَّهَا زَادَتْ عَلَيْهَا مَسَائِلَ.

стр. 149

الْمَبَادِئ [١٢] والمَذْهَبُ الحَقُّ [إِعْجَازُ] (١) القُرَانِ أَتَى … بِلَفْظِهِ وَبِمَعْنَاهُ الَّذِي كَمُلَا المذهب هو: «المُعْتَقَدُ الَّذِي يُذْهَبُ إِليه» (٢). قال أبو البقاء الكفوي (ت: ١٠٩٤ هـ): «وَأهلُ المَذْهَبِ: مَنْ يَدِينُ بِهِ» (٣). والإعجازُ لُغَةً: قال ابن فارس (ت: ٣٩٥ هـ): «العين والجيم والزاي، أصلان صحيحان، يدل أحدهما على الضعف، والآخر على مؤخر الشيء» (٤). قال الراغب الأصفهاني (ت: ٥٠٢ هـ): «وَصَارَ في التَّعَارُفِ اسْمًا للقصورِ عن فعلِ الشيءِ، وهو ضدُّ القدرةِ» (٥). واصطلاحًا: قال الناظم: «أمرٌ خارقٌ للعادةِ يَعجزُ البشرُ عن مثلهِ مع دعوى

стр. 150

النبوةِ، وإلَّا فكرامةٌ» (١). بدأ النَّاظِمُ بذكر المذاهب التي تتعلق بإعجاز القرآن، وهي المسالك التي ذكَرَ العلماءُ أنَّها هي التي وقَع بها إعجازُ القرآن الكريمِ للبشرِ. المذهب الأول: وهو أن إعجاز القرآن في لفظه ومعناه. المذهب الثاني: الصَّرْفَةُ. المذهب الثالث: إخبارُهُ عن الغيوب. المذهب الرابع: أسلوبُه. المذهب الخامس: سلامتُه من التناقض والاختلاف. المذهب السادس: أنَّه كلامُ الله. فذكر النَّاظِمُ هنا المذهبَ الأولَ وهو مذهبُ معظمِ أهل السنة والجماعة: أن القرآن الكريم مُعجزٌ في لفظه ومعناه. قال النَّاظِمُ: «فالقولُ الأولُ وهو الحقُّ أَنَّ القرآن مُعجزٌ بفصاحةِ ألفاظِهِ وبلاغةِ معانيهِ» (٢). [١٣] لِلعَجْزِ عِنْدَ التَّحَدِّيْ [وَاخْتِيَارِهِمُ] (٣) … قَتْلًا وَهُمْ فُصَحَا فَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَا اللام للتعليل؛ أي: أنه تحداهم في القرآن الكريم فعجزوا.

стр. 151

و (التَّحَدِّي) هو: المباراةُ والمنازعةُ، ومنهُ تَحَدِّي رسولِ اللهِ ﷺ العربَ بالقرآنِ (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (ت: ٧٢٨ هـ): «والمُتَحَدِّي: هو أن يحدوهم (أي: يدعوهم ويبعثهم) إلى أن يعارضوه. فيقال فيه: حَدَانِي على هذا الأمر (أي: بعثني عليه)، ومنه سُمي حادي العِيس؛ لأنَّه بِحُدَاهُ يبعثها على السَّيرِ» (٢). وقال الناظم: «وأظهر معجزاته ﵊، القرآن؛ لدوام جِدَّتِهِ على مَمَرِّ الزَّمَانِ، والإجماع منعقدٌ على أنَّهُ معجزٌ؛ لأنَّه ﷺ طالب العرب بالإتيان بمثله، بل بسورة منه، أو الدخولِ في دينهِ، أو التَّصَدِّي للمُحَارَبَةِ، فَإِسْلامُ من سَبَقَتْ لَهُ السَّعَادَة، ومفارقتُهُ دينَ آبائه الذي رُبِّيَ عليه، وجُنُوحُ من سبقت له الشقاوة إلى اقتحام نار الحرب وملاقاة قرع الصوارم، وطعن العوالي، وَرَشْقِ النِّبَال، مع ما فيها من هلاك الأنفس وذهاب الأموال وسبي الحريم والأولاد وإهانة الأسْرِ، دليلٌ قاطعٌ وبرهانٌ ساطعٌ على عجزهم عنهُ» (٣). وقال الألوسي (ت: ١٢٧٠ هـ): «وقد تحدَّاهم ﵊ وقرَّعَهم بالعجز عشر سنين، ثم قارعهم بالسيف فلم يُعَارَضُوا بما سِواه، مع أنَفَتهم واستنكافهم أن يُغلَبوا، لا سِيَّما في ميدان البيان، فإنهم كانوا فرسانه المالكين لأزمَّته، الحائزين قَصَبَ السَّبْقِ فيه» (٤). وقد وقع التحدي لهم في خمس آياتٍ من القرآن الكريم في خمسِ سورٍ، وهي مرتبةٌ كالآتي حسب ترتيب المصحف: ١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا

стр. 152

شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣ - ٢٤]. ٢ - قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٧ - ٣٨]. ٣ - قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣]. ٤ - قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. ٥ - قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٣ - ٣٤]. واختلف أهل العلم في أيهما نزل أولًا؟ آية سورة هود أم آية سورة يونس؟ وأكثرهم على تقدُّم نزول سورة هود (١)، وذهب الإمام ابن عطية (ت: ٥٤٦ هـ) في تفسيره إلى تقدُّم نزول سورة يونس (٢). وأما ترتيب هذه الآيات حسب نزولها فهو على هذا النحو: الأولى: آية الإسراء، والثانية: آية يونس، والثالثة: آية هود، والرابعة: آية الطور، والخامسة: آية البقرة. والأربعُ الأولى آياتٌ مكية، والخامسة مدنية (٣).

стр. 153

[١٤] لَا صَرْفَةٌ قَالَهَا النَّظَّامُ أَوْ نَبَأٌ … عَنِ الغُيُوبِ وَلَا أُسْلُوبٌ اعْتَزَلَا المذهب الثاني: الصَّرْفة، وقال بها: النَّظَّام (١)، والرُّمَّانِي (٢)، والشريف المرتضى (٣)، وابن سنان الخفاجي (٤)، والإمام الجويني (٥)، وابن حزمٍ الظاهريِّ (٦)، وأبو الحسن الماوردي (٧)،

стр. 154

واختلفوا في نسبتها إلى الجاحظ (١)، وغيرهم. الصَّرْفَةُ لُغَةً: قال الخليل: «الصَّرْفُ: أن تصرفَ إنسانًا على وجهٍ يُريدهُ إلى مَصْرَفٍ غَيْرِ ذلك» (٢). تعريف الصَّرْفَة في الاصطلاح: اختلفت عبارات أهل العلم في تعريفِ الصَّرْفَةِ اصطلاحًا (٣). ولعل أرجح هذه التعريفات هو: أنَّ العَرَبَ قَادِرُونَ عَلَى الإِتْيَانِ بِمِثْلِ القُرآنِ لَوْ لَمْ يُصْرَفُوا، سَوَاءٌ أَكَانَ بِصَرْفِ الهِمَمِ عَنِ المُعَارَضَةِ، أَمْ بِسَلْبِ العُلُومِ التِي لَا بُدَّ مِنْهَا لِلإِتْيَانِ بِمِثْلِ القُرْآنِ. قال الناظم: «قال النَّظَّام: القرآنُ كسائرِ الكتبِ المُنَزَّلَةِ لا إعجازَ في لفظه ومعناه، وكانت العربُ قادرةً على مماثلته، لكنَّ الله تعالى صرَفَ قدرتَهم، وسلَبَ عِلمَهم عند التحدي، فعجزوا عن معارضته» (٤)، فَجَعَلَ المُعْجِزَ فِعْلَ الصَّرْفِ - نَفْسَهُ - لا القرآن الكريم. المذهب الثالث: إخباره عن الغيوب، وقال به النَّظَّام (٥)، والقاضي عياض (٦)،

стр. 155

والباقلاني (١)، وابن حزمٍ الظاهري (٢)، وأبو الحسن الماوردي (٣)، والإمام القرطبي (٤)، وغيرهم. قال الناظم: «قال بعض العلماء: إعجازُ القرآنِ إخبارُهُ عن علمِ الغيبِ الذي لا يكونُ إلا من جهةِ اللهِ تعالى» (٥). المذهب الرابع: في أسلوبه. وهذا من زيادات النَّاظِمِ على الإمام الشاطبي في العقيلة. وقال بهذا القول القاضي عياض (٦)، وأبو الحسن الماوردي (٧)، والإمام القرطبي (٨)، وغيرهم.

стр. 156

وأسلوب القرآن الكريم: «هو طريقته التي انفرد بها في تأليف كلامه واختيار ألفاظه» (١). قال الناظم: «وقيل: إعجازُه كونُه مخترَعَ الأساليب مبايِن السجع، خصوصًا في المقاطع والمبادئ» (٢). [١٥] وَلَا سَلَامَتُهُ [مِنَ] (٣) التَّنَاقُضِ أَوْ … لِكَوْنِهِ مُنْزَلًا مِنْ رَبِّنَا وَسَلَا المذهب الخامس: سَلَامَتُهُ من التناقضِ والاختلاف. وهذا من زياداتِ النَّاظِمُ على الإمامِ الشَّاطِبِيِّ في العقيلةِ. قال الناظم: «وقيل: إِعْجَازُهُ خُلُوُّهُ مِنَ التَّنَاقُضِ» (٤). المذهب السادس: أَنَّهُ كَلَامُ اللهِ. قال الناظم: «قال بعضهم: إعجازُهُ كونُهُ كلامَ اللهِ القدِيمِ» (٥). وقال الإمام الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ): «قيل: إنَّ التحدي وقع بالكلام القديم الذي هو صفة الذات، وإن العرب كُلَّفَتْ فِي ذَلِكَ مَا لَا تُطِيقُ، وَفِيهِ وَقَعَ عَجْزُهَا» (٦). [١٦] إِذْ مَا لَهُمْ قَبْلَهَا قَوْلٌ يُنَاسِبُهُ … وَالغَيْبُ فِي سُوَرٍ وَالِاخْتِرَاعُ فَلَا قول النَّاظِمُ: (إِذْ مَا لَهُمْ قَبْلَهَا) أي: قبل القائلين بالصرفة.

стр. 157

في الشطر الأول من البيت ردٌّ على القائلينَ بِالصَّرْفَةِ؛ أَيْ: لَوْ كَانَ إِعْجَازُ القُرْآنِ بِالصَّرْفَةِ «لَكَانَ لِلْعَرَبِ فِي أَثنَاءِ نثْرِهِمْ وَنَظْمِهِمْ فِي خُطَبِهِمْ وَرَسَائِلِهِمْ كَلَامٌ يُمَاثِلُهُ فِي الفَصَاحَةِ قَدْرَ أَقْصَرِ سُورَةٍ قَبلَ التَّحَدِّي» (١). فلمَّا لم يكن منهم كلامٌ يماثله ويقاربه في الفصاحة، صار معجزًا في ألفاظه ومعانيه. وردَّ القولَ بالصَّرْفَةِ طائفة منهم الخطَّابيُّ (٢)، وعبدُ القاهر الجُرْجَانِيُّ (٣)، والقاضي عبدُ الجبَّار الهمذاني (٤)، وابنُ عطية الأندلسي (٥)، وغيرهم.

стр. 158

قول النَّاظِمُ: (وَالغَيْبُ فِي سُوَرٍ) هذا رَدٌّ عَلَى مذهب القائلين بأنَّ إعجاز القرآن إخباره عن الغيب، وليست كلُّ سورِ القرآنِ الكريمِ فيها إخبارٌ بالغَيْبِيَّاتِ. قال الناظم: «وتقريره: أنَّ الإخبار عن الغيب جاء في بعض سور القرآن، واكتفى منهم بمعارضة سورة غير معينة، فلو كان كذلك، لعارضوه بقدر أقصر سورة لا غيبَ فيها» (١). وقال الإمام الزركشي: «ورُدَّ هذا القولُ بأنَّه يستلزم بأنَّ الآياتِ التي لا خَبَرَ فيها بذلك لا إعجاز فيها، وهو باطلٌ، فقد جعل الله كل سورةٍ معجزةٍ بنفسِهَا» (٢)، لا يقدرُ أحدٌ من البشرِ أن يأتي بمثلها. [١٧] يَلْزَمُ مُعْجِزَةً كَالشِّعْرِ، ثُمَّ لَهُمْ … خَالِي التَّنَاقُضِ مِقْدَارَ الَّذِي سَأَلَا قول النَّاظِمُ: (وَالاخْتِرَاعُ فَلَا يَلْزَمُ مُعْجِزَةً كَالشِّعْرِ). هذا ردٌّ على المذهب الرابع وهو قولهم: إنَّ إعجاز القرآن في أسلوبه. قال الناظم في الردِّ على هذا المذهب: «وبطلُهُ بالشِّعْرِ» (٣). أي: إنَّ قولَ بعضهم: إعجازُ القرآن في أُسْلُوبِهِ، بَاطِلٌ بِالشِّعْرِ. وقال الإمام السيوطي (ت: ٩١١ هـ): «ولا مجرَّدُ أسلوبه، وإلَّا لكان الابتداءُ بأسلوبِ الشِّعْرِ معجزًا» (٤)، ولأصبح كلام الذين عارضوا القرآن - كمسيلمة وغيره - معجزًا. وقول النَّاظِمُ: (ثُمَّ لَهُمْ خَالِي التَّنَاقُضِ مِقْدَارَ الَّذِي سَأَلَا).

стр. 159

هذا ردٌّ على المذهب الخامس وهو قولهم: إنَّ إعجاز القرآن خلُوُّه من التناقض. قال الإمام الناظم في الردِّ على هذا المذهب: «وبُطْلُهُ بأنَّ في كلامهم مقدارَ أقصر سورةٍ خالٍ منه» (١). [١٨] تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ البَعْضُ جَوَّزَهُ … وَرَدَّ ذَلِكَ غَزَّالِيُّنَا وَمَلَا قول النَّاظِمُ: «تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ». عرَّفَهُ الناظم بقوله: «أي: الحكمُ الذي لا يقدرُ المكلَّفُ على فعلِهِ» (٢). هذا ردٌّ على المذهبِ السَّادِسِ وهو قولهم: أنَّ إعجازَ القرآنِ كَونُهُ كَلامَ الله. قال الإمام الجعبري في الردِّ على هذا المذهب: «وتقريره: أنَّ إعجازَه كونُه كلام الله، لزِمَ المحالُ عند من لا يُجِيزُ تكليفَ ما لا يُطاق، وهم أكثر أصحابنا؛ كالغزالي (٣)، لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أي: قدرتَها» (٤). والذي لا يقدرُ عليه المكلَّفُ لا يُتَصَوَّر أن يُتَحَدَّى بِهِ؛ لأنَّ هذا فوق الطاقة البشرية.

стр. 160

وقد ردَّ الإمام ابن حزم الظاهري (ت: ٤٥٦ هـ) هذا القولَ وَشَنَّعَ عليه فقال: «وهذا كلامٌ في غايةِ النُّقصَانِ والبطلانِ؛ إِذْ مِنَ المُحَالِ أَنْ يُكَلِّفَ أَحَدًا أَنْ يَجِيءَ بِمَثَلٍ لِمَا لَمْ يَعْرِفْهُ قَطُّ وَلَا سَمِعَهُ» (١). و (ملا): أصلها: الملأ، وقُصِرَ لِلْوَزْنِ: وهي الجماعةُ من النَّاسِ، وقيل: أشرافُ الناسِ ووجوههم (٢). [١٩] وَكُلَّ عَامٍ رَسُولُ اللهِ يَعرِضُهُ … عَلَى الأَمِينِ وَقِيلَ فِي الأَخِيرِ كِلَا الأمين: هو جبريلُ ﵇؛ قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]. وفيه إشارة إلى حديث معارضة النبي ﷺ القرآن على جبريل ﵇ كل عام مرة، ونقل أنَّه عرضه في العام الأخير مرتين. قال الإمام الناظم: «وكان ﷺ كل سنة في رمضان يعرض ما معه من القرآن على الأمين جبريل، ونُقل أنَّه عرضه في العام الأخير مرتين» (٣). وجاء في ذلك في عدة أحاديث منها، عن عائشة ﵂ قالت: أقبلت فاطمة تمشي، كأنَّ مشيتَها مشيُ النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : مرحبا بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه، أو عن شماله، ثم أسرَّ إليها حديثًا، فبكت، فقلت لها: لم تبكين؟ ثم أسرَّ إليها حديثًا فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحًا أقرب من حزن. فسألتها عما قال، فقالت: ما كنت لأُفشيَ سِرَّ رسول الله ﷺ ، حتى قبض النبي ﷺ فسألتها، فقالت: أَسَرَّ إِليَّ: ((أنَّ

стр. 161

جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أُرَاهُ إلا حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحاقًا بي»؛ فبكيت، فقال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة - أو نساء المؤمنين - فضحكت لذلك)) (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((كان يَعْرِضُ على النبي ﷺ القرآن كل عامٍ مرةً، فَعَرَضَ عليه مرتين في العام الذي قُبِضَ فِيهِ .. )) (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ يُعْرَضُ عليه القرآنُ في كل رمضان، فلما كان العام الذي قُبِضَ فيه ﷺ عُرِضَ عليه مرتين … )) (٣). [٢٠] وَحَافِظُوهُ حَيَاتَهُ أُبَيُّ وَسَا … لِمٌ وزَيْدٌ [وَابِي] (٤) زَيْدٍ وَخُلْفُ وِلَا أي أنَّ من حفظ القرآن في عهد النبي ﷺ عددٌ كثيرٌ. وذكَر منهم الناظم: أبيَّ بن كعبٍ (٥)،

стр. 162

وسالمًا مولى أبي حذيفة (١)، وزيدَ بن ثابتٍ (٢)، وأبا زيدٍ (٣). عن عبد الله بن عمرو قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((خُذُوا القُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عبد الله بن مسعودٍ - فبدأَ بِهِ - وَسَالمٍ مولى أبي حذيفة وَمُعَاذِ بن جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بن كَعْبٍ)) (٤). وعن قتادة عن أنس ﵁، ((جمع القرآن على عهد النبي ﷺ أربعة -كُلُّهُم من الأنصار- أبيٌّ، ومعاذُ بن جبلٍ، وأبو زيدٍ، وزيدُ بن ثابتٍ، قلتُ لأنسٍ: من أبو زيدٍ؟ قال: أحد عمومتي)) (٥).

стр. 163

وعن أنس بن مالك ﵁ قال: ((مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ ولم يجمعِ القرآنَ غيرَ أربعة: أبو الدرداءِ، ومعاذ بن جبلٍ، وزيد بن ثابتٍ، وأبو زيدٍ، قال: ونحن ورثناه)) (١). [٢١] فِي عُمَرٍ مَعَ ذِي النُّورَينِ ثُمَّ عَلِيْـ … ـيٍ وَابْنِ عَبَّاسِهِمْ وَكَمَّلَ النُّبَلَا وذكر في هذا البيت أيضًا، عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، ﵃ أجمعين. وقوله: (وَكَمَّلَ النُّبَلَا) يعود إلى آخر مذكورٍ وهو ابن عباسٍ ﵁. [٢٢] وَالحَقُّ تَأْوِيلُ كُلٍّ أَوْ مُشَافَهَةٌ … صَحَّ التَّوَاتُرُ وَالجَمُّ الغَفِيرُ تَلَا (٢) أراد النَّاظم ﵀ أن يُبَيِّنَ في هذا البيت أن حفظ القرآن في حياة النبي ﷺ لم يقتصر على هؤلاء المذكورين من الصحابة الكرام. وإنما حفظه جمعٌ كثيرٌ غيرُهُم، وتلقوه مشافهةً عن النبي ﷺ حتى حصل بهم التواتر. ثم نظم ﵀ قصة جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكرٍ الصديق ﵁ وسببه، فقال: [٢٣] أَرْدَى مُسَيْلِمَةٌ أَهْلَ اليَمَامةِ فِي … عَهْدِ العَتِيقِ وَفِي القُرَّاءِ كَمْ قَتَلَا

стр. 164

[٢٤] فَقَالَ فَارُوقُهُ: اسْتَدْرِكْهُ مُسْتَطَرًا … فَعَيَّنُوا زَيْدًا بن ثَابِتٍ بَدَلَا [٢٥] فَكَتَبَ الكُلَّ فِي صُحْفٍ بِسَبْعَتِهِ … وَبَعْدَهُ ضَمَّهَا الفَارُوقُ وَانْتَقَلَا [٢٦] لِحَفْصَةٍ، ..................................... ...................................................................................... قوله: (أَرْدَى): يُقَالُ: «أَرْدَأَ الرَّجُلُ: فَعَلَ شَيْئًا رَدِيئًا أَوْ أَصَابَهُ» (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦]. أي: تُهْلِكُنِي (٢). قوله: (مُسَيْلِمَةٌ) هو: مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي الوائلي، أبو ثمامة، من المعمَّرين، ولد ونشأ باليمامة، في القرية المسمَّاة اليوم بالجبيلة، بقرب (العيينة)، بوادي حنيفة، في نجد، وتلقب في الجاهلية بالرحمن، وعُرِفَ برحمان اليمامة، وجاء في صِفَتِهِ: أَنَّهُ رُوَيْجِلٌ أُصَيْفِرُ أُخَيْنِسُ، وهو أحد من وفدوا إلى رسول الله ﷺ سنة: (٩ هـ)، من بني حنيفة، وبعد عودة الوفد ارتدَّ مسيلمةُ وادَّعى النُّبُوةَ، وقيل: إن مسيلمة لعنه الله قُتِلَ عن مائةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً (٣). قوله: (الْيَمَامَةِ) وهي الوقعةُ التي كانت مع مسيلمة الكذاب بأرض اليمامة في حديقة الموت بعد وفاة النبي ﷺ ، وارتدَّ كثيرٌ من العربِ منهم بنو حنيفة، فَجَهَّزَ أبو بكرٍ الصديق ﵁ خالد بن الوليد في جمعٍ كثيرٍ من الصحابةِ، وحاربوا مسيلمة وقومه،

стр. 165

فهزموا جيش مسيلمة، وقتله وَحْشيُّ بن حرب قاتل حمزة، فنصر اللهُ جنده وخذل الكذَّاب وقومه، وكان ذلك في أول خلافة الصديق (سنة: ١٢ هـ) (١). قوله: (العَتِيقِ) هو أبو بكر الصديق ﵁، لُقِّبَ بهذا اللقبِ قيل: لجمالِ وجهِهِ، وقيل: لأنَّ أُمَّهُ كانت لا يعيش لها ولدٌ، فلمَّا ولدتهُ استقبلت به البيت، وقالت: «اللهم إن هذا عتيقك من الموت، فهبه لي»، وقيل غير ذلك (٢). وروى الترمذي والحاكم، عن عائشة ﵂ أنَّ النبي ﷺ قال لأبي بكرٍ: ((أَنْتَ عَتِيقٌ مِنَ النَّارِ)) (٣). وأخرج ابن حبان بسنده، قال: كان اسمُ أبِي بَكْرٍ عبد اللهِ بن عثمانَ، فقال له النبي ﷺ : ((أنت عَتِيقُ اللهِ مِنَ النَّار))، فسُمِّيَ عتيقًا (٤). قول النَّاظِمُ: (وَفِي القُرَّاءِ كَمْ قَتَلَا)، وقُتِلَ من المسلمين يومئذٍ ألف ومئتان (٥). وقوله: (صُحْفٍ) بإسكانِ الحاءِ للتخفيفِ، وهي: «الصَّحِيفَةُ: الَّتِي يُكْتَبُ فِيهَا، وَالْجَمْعُ صَحَائِفُ وصُحُفٌ وصُحْفٌ» (٦).

стр. 166

والصُّحُفُ اصْطِلَاحًا: «الأوراقُ المُجَرَّدَةُ التي جُمِعَ فيها القرآن في عهد أبو بكرٍ ﵁» (١). وقوله: (فَارُوقُهُ) هو الصحابي الجليل عمر بن الخطاب ﵁، وسُمِّي بالفاروقِ؛ لأنَّه فرَّق بين الحقِّ والباطِلِ، وقد سمَّاه بهذا الاسم النبي ﷺ كما جاء في قصة إسلامه (٢). قوله: (اسْتَدْرِكْهُ) أي: أدركه. وقوله: (مُسْتَطَرًا) «الأصلُ في السَّطْرِ: الخَطُّ والكِتَابَةُ … واسْتَطَرَهُ: كَتَبَهُ» (٣)؛ قال تعالى: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٣]. قال البغوي في تفسيره: «يُقَالُ: سَطَّرْتُ وَاسْتَطَرْتُ وَكَتَبْتُ وَاكْتَتَبْتُ» (٤). أشار النَّاظِمُ في هذه الأبيات إلى سبب جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق ﵁، وقد أورد هذه القصة البخاري في "صحيحه" عَنْ زَيْدِ بن ثَابِتٍ ﵁، قَالَ: ((بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ لِمَقْتَلِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فإذا عُمَرُ بن الخطاب عنده، قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي، فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ)) (٥) يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ فِي الْمَوَاطِنِ، فَيَذْهَبَ كثيرٌ من القُرْآن، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ

стр. 167

لعمرَ: كَيْفَ تفعل شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ عُمَرُ: هذا وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذلك، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ، قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، وقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ، فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفَونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ بِأَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أمرني به مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ يراجعني حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ (١) وَاللِّخَافِ (٢) وَصُدُورِ الرِّجَالِ حتى وَجَدتُّ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مع أَبِي خُزَيْمَةَ الأنصاري (٣) لم أجدها مع أَحَدٍ غيره: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] حتى خاتمة براءة، فكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ (٤) ﵁ (٥).

стр. 168

ودلَّ قولُهُ: (فَكَتَبَ الكُلَّ فِي صُحْفٍ بِسَبْعَتِهِ): على أنَّ زيد بن ثابتٍ ﵁ كَتَبَ كُلَّ القرآنَ بجميعِ أوجُهِ قراءاتهِ، ووزَّعَهَا على المصاحفِ، بجميعِ الأوجهِ التي نزل بها القرآنُ، والتي يُقَالُ عنها: (الأحرف السبعة) (١). قال الناظم: «وليس في كلامِ أبي بكرٍ وزيدٍ ﵄ تصريح بذلك، بل هو مفهومُ سياقِ كلامِهِمَا، لأن أبا بكر ﵁ أمره بكتابة القرآن كله. وكل حرف من الحروف السبعة بعضٌ من أبعاضِ القرآنِ، فلو أَخَلَّ ببعضها لم يكن قد كتب القرآن كله، وتتبعه تلك الأشياء ظاهرٌ في طلب الظفر بمتفقه ومختلفه» (٢). ثم ذكر ﵀ قصة جمع القرآن في عهد عثمان ﵁ وسببه: [٢٦] … ثُمَّ شَاعَ الخُلْفُ فِي مَلَإٍ … شَامٍ عِرَاقٍ فَقَالَ ابنُ اليَمَانِ أَلَا [٢٧] عُثْمَانُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ تُصِيبَهُم … فَاسْتَحْضَرُوهَا بِإِجْمَاعٍ كَمَا نُقِلَا [٢٨] وَخَصَّ زَيْدًا وَرَهْطًا مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى … لِسَانِهِمْ فَاكْتُبُوهُ مِثْلَ مَا نَزَلَا

стр. 169

قوله: (فَاسْتَحْضَرُوهَا): أي الصُّحُفَ التي كُتِبَتْ فِي عَهْدِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁. وقوله: (وَخَصَّ) عثمانُ (زَيْدًا) وهو من الأنصارِ، وَ (وَرَهْطًا): الرَّهْطُ: ما بينَ الثلاثةِ إلى العشرة (١). وقوله: (مِنْ قُرَيْشٍ): وهم سعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام؛ لأنَّ سعيدًا أمويٌّ، وعبد الله أسديٌّ، وعبد الرحمن مخزوميٌّ، وكُلُّهَا من بطونِ قريشٍ (٢). وقوله: (عَلَى لِسَانِهِمْ): أي على مصطلح وحرفِ قريش ولغتهم، وقيل: معظمه بلسانهم (٣)، (فَاكْتُبُوهُ) أي: القرآن الكريم. ذكر في هذه الأبيات سبب جمع المصحف في عهد عثمان بن عفان ﵁، وهو أن حذيفة بن اليمان (٤) قدم على عثمان، وكان يُغَازِي أهل الشام (٥) في فتح إرمينية (٦)

стр. 170

وأذربيجان (١) مع أهل العراق (٢)، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أنْ أرسلي إلينا بالصُّحُفِ ننسخُهَا في المصاحِفِ، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير (٣) وسعيد بن العاص (٤) وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام (٥) فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصُّحُفَ في المصاحفِ رَدَّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحْرَق (٦).

стр. 171

قال ابن شهابٍ (١): وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت (٢)، أنه سمع زيد بن ثابت قال: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري (٣): ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، فألحقناها في سورتها بالمصحف. قال الناظم: «وإنما أمرهم أن ينسخوا من الصُّحُفِ، ليكونَ مصحف هُ مُسْتَنِدًا إِلَى أَصْلِ أَبِي بَكْرِ ﵁ المُسْتَنِدِ إِلَى أَصْلِ النَّبِي ﷺ ، وَعَيَّنَ زيدًا لاعتمادهما عليه، وضمَّ إليه جماعةً مساعدةً له، ولينضم العدد إلى العدالة، وكانوا من قريش؛ لأن القرآن نزل أول حروفه بلغتهم، لكون النبي ﷺ أُرسلَ إليهم وإلى بقية العرب خصوصًا، وإلى سائر الناس عمومًا» (٤). [٢٩] فَجَرَّدُوهُ بِلَا شَكْلٍ وَلَا نُقَطٍ … وَلَا خِلَافٍ أَوِ السَّبْعَةَ قَدْ حَمَلَا قوله: (فَجَرَّدُوهُ) أي: من غير القرآن الكريم (٥).

стр. 172

ومعنى التجريد: قال ابن فارس (ت: ٣٩٥ هـ): «الجيمُ والرَّاءُ والدَّالُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وهو بدوُّ ظاهرِ الشيءِ حيث لا يَسْتُرُهُ سَاتِرٌ، ثُمَّ يُحْمَلُ عليه غيرهُ مما يشاركُهُ في معناه» (١). وقال الناظم: «وَعَرَّوْهُ مِنْ أَسْمَاءِ السُّورِ وَنِسَبِهَا وَالعَدَدِ والتَّجْزِئَةِ وَالفَوَاصِلِ والشَّكْلِ» (٢). وَالشَّكْلُ لُغَةً: قَالَ الإِمَامُ أَبُو عَمْروٍ الدَّانِيِّ: «والشَّكْلُ: أَصْلُهُ التَّقْيِيدُ والضَّبْطُ، تَقُولُ: شَكَلْتُ الكِتَابَ شَكْلًا؛ أَيْ: قَيَّدتَّهُ وَضَبَطَّهُ» (٣)، و «بالفتح: المِثْلُ، وَشَكَلْتُ الكِتَابَ؛ أَيْ: قَيَّدتَّهُ بِالإِعْرَابِ» (٤). وَاصْطِلَاحًا: «الدَّالُّ عَلَى عَوَارِضِ الحَرْفِ، مِنْ فَتْحٍ، وَضَمٍّ، وَكَسْرٍ، وَسُكُونٍ، وَشَدٍّ، ومَدٍّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ» (٥)، وَهُوَ نَقْطُ الإِعْرَابِ. والنَّقْطُ لغةً: «النَّقْطَةُ: واحدةُ النُّقَطِ، والنِّقَاطُ: جمعُ نُقطةٍ، ونَقَطَ الحرفَ ينقُطُهُ نقطًا: أعجمهُ، والاسمُ: النُّقْطةُ، ونقَّطَ المصاحفَ تنقيطًا، فهو نقَّاطٌ، والنقطةُ: فعْلةٌ واحدةٌ» (٦). وَأَبْدَعَهُ: أَبْدَعَ الشَّيءَ، وابْتَدَعَهُ: اخْتَرَعَهُ (٧). واصطلاحًا: هو «ما يشمَل نقط الإعجام الدال على ذات الحرف» (٨).

стр. 173

والنقط له معنيان: الأول: نقط الإعجام، وهو: «نقط الحروف في ذواتها للتفريق بين المشتبه منها في الرسم». الثاني: نقط الإعراب، وهو: «نقط الحروف للتفريق بين الحركات المختلفة في اللفظ» (١). قال الناظم: «فَتَرَوَّى عثمانُ حتى رأى رأيَهُ، فأحضر الصحف التي كتبها أبو بكر ﵁ من حفصة، وأمر زيدًا وثلاثةً من رجال قريش، وهم عبد الرحمن وابن الزبير وسعيد أن يكتبوها صحيفةً واحدةً على ما هي عليه من غير تغيير على مصطلح كتابة قريش أو على لغتهم؛ إذ أول ما نزل على رسول الله ﷺ نزل بلغة قريش، فنسخ الكتاب الصحف على ما أمرهم به، ولم يزيدوا فيها شكلًا ولا نقطًا، فاحتمل وجوه القراءات» (٢). وأشار النَّاظِمُ في الشَّطْرِ الأَخِيرِ من البيتِ إلى مسألةٍ وهي: هل المصاحفُ العثمانيةُ مشتملةٌ على جميعِ الأحرفِ السبعةِ؟ أم على حرفٍ واحدٍ منها وهو الموافق للعرضة الأخيرة؟ أم أنَّها مشتملةٌ على ما يحتملها رسمها من الأحرف السبعة؟ فذهب إلى الرأي الأول: القاضي أبو بكر الباقلاني (٣)، والداني (٤) على قولٍ له، وطائفة من أهل العلم كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (٥).

стр. 174

وذهب إلى الثاني: ابن جرير الطبري (١)، والطحاوي (٢)، وابن عبد البَرّ (٣)، وهو ظاهر كلام الإمام الشاطبي في العقيلة (٤)، وهو القول الآخر للداني (٥)، وهو قولٌ لابن الجزري (٦). وذهب إلى الثالث: ابن الجزري، والجعبري (٧)، وهو قول جماهير السلف والخلف، وهو الراجح، قال الإمام ابن الجزري (ت: ٨٣٣ هـ): «وهذا القول هو الذي يظهر صوابه؛ لأن الأحاديث الصحيحة والآثار المشهورة المستفيضة تدلُّ عليه وتشهدُ لَهُ» (٨).

стр. 175

[٣٠] لِقَوْلِهِ: «جَرِّدُوا»، والنَّقْطُ أَبْدَعَهُ … يَحْيَى بن يَعْمَرَ إِعْرَابًا وَقَدْ مَثُلَا أي: لقول عبد الله بن مسعود (١) ﵁: ((جَرِّدُوا القرآن، ولا تخلطوه بشيءٍ)) (٢). قال أبو عبيد القاسم بن سلَّام (ت: ٢٢٤ هـ): «أَرَادَ بقوله: (جرِّدُوا الْقُرْآن) أَنَّه حثَّهم على أَن لا يُتَعَلَّم شَيْءٌ من كُتُبِ اللهِ ﵎ غَيْرُهُ» (٣). وقال الإمام الجعبري: «فَنَسَخَ الكُتَّابُ الصُّحُفَ على مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، ولم يزيدوا فيها شَكْلًا وَلَا نَقْطًا، فاحتملَ وجوهَ القراءاتِ» (٤). وقال الإمام ابن الجزري (ت: ٨٣٣ هـ): «وَجُرِّدَتْ هذه المصاحِفُ جميعُها من النَّقْطِ والشَّكْلِ، ليحتملها ما صح نقله وثبتت تلاوته عن النبي ﷺ » (٥). وذكر الإمام ابن الجزري السبب في ذلك فقال: «لتكون دلالةَ الخطِّ الوَاحِدِ عَلَى كِلَا اللَّفْظَيْنِ المنقُولَيْنِ المسْمُوعَيْنِ المتْلُوَّيْنِ شَبِيهَةً بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ الوَاحِدِ عَلَى كِلَا المَعْنَيَيْنِ المَعْقُولَيْنِ المَفْهُومَيْنِ» (٦).

стр. 176

ويقال: إنَّ أول من نقط المصاحف أبو الأسود الدؤلي (١)، وَيَتَنَازَعُ هَذِهِ الأَوَّلِيَّةَ هو واثنان من أبرز تلاميذه، وهما: نصر بن عاصم الليثي (٢)، ويحيى بن يَعْمَر العدواني (٣). وذكر النَّاظِمُ هنا أنَّ أوَّلَ من نَقَطَ المصاحفَ هو: يحيى بن يَعْمَر العدواني؛ استنادًا إلى ما ذكره أبو داوود (٤)، والداني (٥). وقال الإمام الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ) في ترجمته: «وهو أول من نقط المصاحف بنقط الإعراب» (٦). قال الناظم: «ورُوِّينا أنَّ المبتدئَ بذلك نصر بن عاصم الليثي ويحيى بن يَعْمَر، ويمكن الجمع بأنَّ أبا الأسود ابتدأ، وتَصَدَّيَا لذلك، أو نَقَطَا الدَّالَّ على الذَّاتِ» (٧).

стр. 177

[٣١] كُوفٍ وَبَصْرٍ وَشَامٍ وَالمَدِينِ وَذَا … غَيْرُ الَّذِي خَصَّ ذَا النُّورَيْنِ يَا رَجُلَا [٣٢] وَخُلْفُ مَكَّةَ وَالبَحْرَينِ وَاليَمَنِيْ … وَمُخْطِئٌ مُدَّعٍ لِّاهْمَالَ وَالخَلَلَا أشار النَّاظِمُ ﵀ إلى عدد المصاحف العثمانية المتفق عليها والمختلف فيها. قال الإمام الجعبري: «حَبَسَ عثمان ﵁ مصحف ا بالمدينة للناس، وآخر لنفسه، وسيَّر باقيها إلى أمرائه بالكوفة والبصرة والشام، قيل: وإلى مكة والبحرين واليمن» (١). واختُلف في عدد النُّسَخِ التي كتب فيها عثمان ﵁ المصاحف على أقوال: القول الأول: إنَّها أربعة مصاحف (المدني والشامي والكوفي والبصري)، قال الإمام أبو عمروٍ الداني: «أكثر العلماءِ على أنَّ عثمان ﵁ لما كتب المصحف، جعله على أربع نسخٍ» (٢)، وقال الإمام القرطبي (ت: ٦٧١ هـ): «وهو الأكثر» (٣)، وقال الإمام المارغني: «الذي عليه الأكثر أنها أربعة» (٤). القول الثاني: إنها خمسة مصاحف، الأربعة السابقة، و (المكي)، وهو قول أبي علي الأهوازي (٥)، وابن حجر (٦)،

стр. 178

والسيوطي (١)، والقسطلاني (٢)، وهو قولٌ للإمام مكي بن أبي طالب (٣). وحكاه الإمام السخاوي (٤)، وقال أبو بكر بن عبد الغني اللبيب (٥) (توفي قبل: ٧٣٦ هـ): «والصحيحُ المشهورُ أنها كانت أربعة غير الإمام» (٦). القول الثالث: إنَّها ستة مصاحف، الخمسة السابقة، و (المصحف الإمام)، وصَحَّحَهُ الإمام علي محمد الضَّبَّاع (٧)،

стр. 179

وصوَّبَه ابن عاشر (١). القول الرابع: إنها سبعة مصاحف، (المدينة والشام والكوفة والبصرة ومكة واليمن والبحرين)، وهو قول أبي حاتم السجستاني (٢)، ورَجَّحَ الإمام مكي بن أبي طالب أنها سبع نسخ، ولم يُعَيِّنْهَا (٣). وهو قول ابن كثير (٤)، وأبي شامة المقدسي (٥)، وحكاه السخاوي وقال بعده: «والرواية في ذلك تختلف» (٦).

стр. 180

القول الخامس: إنها ثمانية مصاحف، (المدينة والإمام والشام والكوفة والبصرة ومكة واليمن والبحرين)، وهو قول الإمام الشاطبي في العقيلة (١)، والناظم (٢)، والإمام ابن الجزري (٣). القول السادس: إنها تسعة مصاحف، وهو قول اليعقوبي في تاريخه (٤). قلت: ولعلَّ أولى الأقوال وأرجحها على -حدِّ علمي -أَنَّها سِتَّةُ. والله تعالى أعلم. قال الإمام السخاوي (ت: ٦٤٣ هـ): «فَلَمَّا فَرَغَ عثمانُ ﵁ من أمر المصاحفِ، حَرَقَ ما سِوَاهَا، وردَّ تلك الصحف الأولى إلى حفصةَ ﵂ فكانت عندها، فلمَّا ولي مَرْوانُ المدينة، طَلَبَهَا ليُحْرِقَهَا فلم تجبهُ حفصة ﵂ لذلك، ولم تبعث بها إليه، فلمَّا ماتت، حضر مَرْوان جنازتها، وطلب الصحف من أخيها عبد الله بن عمر ﵄، وعزم عليه في أمرها، فسيَّرها عند انصرافه فحرقها، خشية أن تظهر فيعود الناسُ إلى الاختلاف» (٥). وقوله: (وَمُخْطِئٌ مُدَّعٍ لِّاهْمَالَ وَالخَلَلَا) أخبر النَّاظِمُ ﵀ أنَّه قد أَخْطَأَ من ادَّعى أنَّ في مصحف عثمان ﵁ إِهْمَالًا أَوْ خَلَلًا. قال الناظم: «جميع ما كُتِبَ في المصحف الكريم صحيحٌ متواترٌ في التلاوةِ. وقد أخطأ الملاحدة، وهم غلاة الشيعة، وضَلُّوا ضلالًا بعيدًا في قولهم: إنَّ الذين كتبوا المصاحف أسقطوا من التلاوة أشياء، وَغَيَّرُوا نَظْمَهُ» (٦). قال القاضي أبو بكر الباقلاني (ت: ٤٠٣ هـ): «وجميع القرآن الذي أنزله الله تعالى،
следующие страницы →