Полный текст (943 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
أن يزيد في الدين ويرهن به المرهون، لأنه لو زاده رهنًا جاز فكذلك إذا زاد في دين الرهن (١) ويصح على نفع إجارة في الذمة كخياطة ثوب وبناء دار ونحو ذلك. وعن أحمد في رواية الميموني أن الرهن يلزم بمجرد العقد كالبيع، وقال بعض أصحابنا في غير المكيل
والموزون رواية أخرى أنه يلزم بمجرد العقد كالبيع (٢)، ويصح رهن ما يسرع إليه الفساد بدين حال أو مؤجل، فإن كان مؤجلا وكان الرهن مما يمكن تجفيفه كالعنب فعلى الراهن تجفيفه، وإن كان مما لا يجفف كالبطيخ وفاكهة رطبة بيع وجعل ثمنه رهنا مكانه (٣) وإن شرط أن لا يباع لم يصح كما لو شرط عدم النفقة على الحيوان، وإن لم يتفقا على من يبيعه باعه الحاكم وجعل ثمنه رهنًا إلى الحلول، وكذلك الحكم إن رهنه ثيابًا فخاف تلفها أو حيوانًا فخاف موته ويصح رهن المدبر (٤) فإن مات السيد قبل الوفاء فعتق المدبر (٥) بطل الرهن، وإن عتق بعضه بقى الرهن فيما بقى منه قنا، وإن لم يكن للسيد ما يفضل عن وفاء الدين بيع المدبر في الدين وبطل التدبير (٦) ولا يصح رهن المكيل والموزون والمعدود والمذروع قبل قبضه وحكم القاضي بجواز رهنه واختاره الشيخ ولو رهن
(١) (في دين الرهن) وبه قال مالك وأبو يوسف والمزنى وأبو ثور وابن المنذر، والوجه الثاني في الزاد.
(٢) (كالبيع) وبه قال مالك، لأنه عقد يلزم بالقبض فلزم قبله كالبيع، والثانية في الزاد.
(٣) (رهنا مكانه) صرح به في المغنى والشرح، ونقل أبو طابى فيمن رهن وغاب يأتي السلطان حتى يبيعه، كما أرسل ابن سيرين إلى إياس يأذن له في بيعه، فإذا باعه حفظ ثمنه.
(٤) (رهن المدبر) في ظاهر المذهب بناء على جواز بيعه، ومنع منه أبو حنيفة والشافعي لأنه معلق عتقه بصفة، ولنا أن الدين يمنع عتق المدبر بالتدبير ويقدم عليه.
(٥) (فعتق المدبر) لخروجه كله من الثلث بعد التدبير.
(٦) (وبطل التدبير) وإن كان الدين لا يستغرق بيع منه بقدر الدين وعتق ثلث الباقى منه بالتدبير وباقيه للورثة إرثًا.
стр. 422
الوارث تركة الميت أو باعها وعلى الميت دين ولو من زكاة صح (١)، فإن قضى الحق من غيره فالرهن بحاله وإلا فللغريم
انتزاعه (٢) وكذا حق تجدد تعلقه بالتركة مثل إن وقع إنسان أو بهيمة بعد موته في بئر حفره في غبر ملكه تعديًا، لأن تصرف الوارث صحيح لكن غير نافذ، فإن قضى الحق من غيره نفذ وإلا فسخ البيع والرهن، وإن امتنع الراهن من إقباضه لم يجبر، لكن إن شرطه في عقد بيع وامتنع من إقباضه فللبائع فسخ البيع، وإن أقر الراهن بالتقبيض ثم أنكره وقال أقررت بذلك ولم أكن أقبض شيئا، أو أقر المرتهن بالقبض ثم أنكره فقول المقر له (٣) وإن طلب المنكر يمينه فله ذلك، ولا يمنع من إصلاح الرهن ودفع الفساد عنه، وإن أذن المرتهن للراهن في بيعه بشرط أن يعجل دينه من ثمنه صح البيع ولغا الشرط (٤) ويكون الثمن رهنًا مكانه، وللمرتهن الرجوع في كل تصرف أذن فيه قبل وقوعه: وقال مالك والشافعي في القول الثالث: لا ينفذ عتق الراهن موسرًا أو معسرًا، وهو رواية اختارها الشيخ. وإذا رهن أرضًا أو دارًا أو غيرهما تبعه في الرهن ما يتبع في البيع من شجر وغيره وما لا فلا.
(فصل) ومؤنة الرهن على الراهن (٥) فإن تعذر أخذ ذلك من الراهن بيع منه فيما يجب عليه فعله
(١) (صح) الرهن والبيع لانتقال التركة إليه بموته، وتعلق الدين بها كتعلق أرش الجناية برقبة الجاني لا يمنع صحة التصرف لأنه تصرف صادف ملكه ولم يتعلق به حق فصح، وفيه وجه لا يصح.
(٢) (فللغريم انتزاعه) لبطلان تصرفه لسبق حقهم فيباع ويوفى من ثمنه ما على الميت وإن فضل شئ فللورثة.
(٣) (فقول المقر له) وقول المرتهن في الأولى مؤاخذة للراهن بإقراره وللراهن في الثانية مؤاخذة للمقر لحديث "لا عذر لمن أقر".
(٤) (ولغا الشرط) لأن التأجيل أخذ قسطًا من الثمن فإذا أسقط بعض مدة الأجل في مقابلة الإذن فقد أذن بعوض وهو ما يقابل الباقي من مدة الأجل من الثمن وهذا لا يجوز أخذ العوض عنه فيلغو.
(٥) (على الراهن) لحديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه" رواه الشافعي والدارقطنى وقال إسناده حسن متصل، وبه قال مالك والشافعي وإسحق.
стр. 423
بقدر الحاجة، فإن خيف استغراقه بيع كله، وإن كان الرهن ثمرة واتفقا على بيعها وجعل ثمنها رهنًا بدين مؤجل جاز، وكذلك إن كانت مما تقل قيمته بالتجفيف وقد جرت العادة ببيعه رطبًا فيباع ويجعل ثمنه رهنًا، وإن كانت الثمرة مما لا ينتفع بها قبل كمالها لم يجز قطعها ولم يجبر عليه، وإن قضى بعض دينه أو أبرأ منه وببعضه رهن أو كفيل وقع مما نواه الدافع أو المبرئ (١) والقول قوله النية واللفظ فإن أطلق صرفه إلى أيهما شاء (٢) وله غرس أرض رهن على مؤجل (٣) ويكون الغرس رهنًا معها.
(فصل) ولا ينقل عن يد من شرط كونه بيده مع بقاء حاله إلا باتفاق راهن ومرتهن وللمشروط جعله تحت يده رده عليهما، ولا يملك رده إلى أحدهما ويضمنه مرتهن بغصبه، وإن استحق رهن بيع رجع مشتر على راهن (٤) وإن كان المرتهن قبض الثمن رجع المشترى عليه به (٥) وإن رآه مشتر بعيب لم
(١) (الدافع أو المبريء) لأن التعيين في ذلك له فينصرف إلى ما عينه، فمن عليه مائتان بإحداهما رهن أو كفيل فوفى منهما مائة فإن نوى القاضي المائة التي بها الرهن أو الكفيل وقع عنها وانفك الرهن وبرئ الكفيل، وإن نوى الأخرى وقع عنها والرهن والكفيل بحاله.
(٢) (إلى أيهما شاء) لأن له ذلك ابتداء فكان له ذلك بعده، كما لو كان له مالان حاضر وغائب فأدى زكاة قدر أحدهما كان له صرفه إلى أيهما شاء.
(٣) (رهن على مؤجل) لأن تعطل منفعتها إلى حلول الدين تضييع للمال، بخلاف الحال يجبر على فك الرهن بالوفاء أو بيعه.
(٤) (رجع مشتر على راهن) ولو كان الثمن تلف بيد العدل لأن المباشر نائب عنه، وكذا كل من باع مال غيره ثم بان مستحقًا.
(٥) (رجع المشتري عليه به) لأنه عين ماله صار إليه بغير حق فكان رجوعه عليه وهو قول الشافعي.
стр. 424
يرجع على مرتهن (١) بل على
الراهن (٢) وإن باعه العدل أو المرتهن ولم يعلم مشتر أنه وكيل رجع على بائع (٣)، وإن تلف رهن بيد مشتر ثم بان مستحقًا قبل دفع ثمنه فلربه تضمين من شاء من غاصب وعدل ومشتر (٤) وقرار ضمانه على مشتر لتلفه بيده، وورجع على الراهن بالثمن الذي أخذه إن كان أخذه منه. وإن وطيء مرتهن مرهونة ولا شبهة حد ورق ولده ولزمه المهر، وإن أذن راهن فلا مهر، وكذا لا حد إن جهل تحريمه ومثله يجهله وولده حر ولا فداء عليه (٥)، ولا يلزم من له دين ونحوه بوثيقة دفع الوثيقة، بل يلزمه الإشهاد
بأخذه، قال في الترغيب. لا يجوز للحاكم إلزامه به. وكذا الحكم في تسليم بائع كتاب ابتياعه إلى مشتر، ويأتي آخر الوكالة، ويجوز للمرتهن أن ينتفع بالرهن بإذن راهن مجانًا وبعوض ولو
(١) (لم يرجع على مرتهن) لأنه قبضه بحق. ولا على عدل أعلمه أنه وكيل لأنه أمين فتعين راهن.
(٢) (على الراهن) لأن الرهن ملكه وعهدته عليه.
(٣) (رجع على بائع) يرجع مشتر لأنه غره، ويرجع بائع على راهن إن أقر أو قامت بينة بذلك.
(٤) (غاصب وعدل ومشتر) لأن كل واحد منهم قبض ماله بغير حق.
(٥) (ولا فداء عليه) لأنه حدث من وطء مأذون فيه، بخلاف المغرور، ولا حد للشبهة.
стр. 425
بمحاباة، وله بيع رهن جهل ربه إن أيس من معرفته والصدقة بثمنه بشرط ضمانه (١) وله أخذ حقه من ثمنه (٢) وعنه لا يستوفي حقه من الثمن، ولو باعها الحاكم ووفاه من ثمنها جاز.
(١) (بشرط ضمانه) لربه أو ولاته إذا عرفهم خيرهم بين الأجر أو يغرم لهم، وظاهر كلامه يبيعه ولو بلا إذن، قال في تصحيح الفروع: الصواب استئذان الحاكم في بيعه إن كان أمينًا، ويأتي في باب الغصب لو بقيت في يده غصوب ونحوها.
(٢) (أخذ حقه من ثمنه) قال أبو الحارث عن أحمد في الرهن يكون عنده السنين ييأس من صاحبه: ببيعه ويتصدق بالفضل، فظاهر هذا أنه يستوفي حقه.
стр. 426
باب الضمان (١) والكفالة
الضمان التزام من يصح تبرعه ولو مفلسًا برضاهما (٢) ما وجب أو يجب على غيره مع بقائه عليه (٣) ويصح بلفظ ضمين وكفيل وكل ما يؤدى معنى التزام ما عليه،
فإن قال لشخص أنا أؤدى أو أحضر ما عليه لم يصر ضامنًا، وقال الشيخ: قياس المذهب يصح بكل لفظ فهم منه الضمان عرفا مثل زوجه وأنا أؤدي الصداق أو بعه وأنا أعطيك الثمن (٤) ويثبت الحق في ذمة الضامن مع بقائه في ذمة المضمون عنه (٥) وإن ضمن وهو مريض مرضًا غير مخوف أو مخوفًا ولم يتصل به الموت فكالصحيح ويصح الضمان من أخرس بإشاره مفهومة ولا يثبت بكتابته مفردة عن إشارة يفهم بها المقصود، وكذلك سائر تصرفاته، ويصح أن يضمن الحق عن واحد اثنان فأكثر، سواء ضمن كل واحد جميعه أو جزءًا منه، ولا يعتبر كون الحق معلومًا (٦) ولا واجبًا إذا كان مآله إلى العلم والوجوب (٧) فإذا قال ضمنت مالك على فلان أو ما تداينه
(١) (الضمان) مشتق من الضم قدمه في المغنى والشرح والفائق فيثبت في ذمتهما جميعًا.
(٢) (برضاهما) لأن الحجر عليه في ماله لا في ذمته كالراهن يتصرف في غير الرهن.
(٣) (مع بقائه عليه) وعلة ذلك أن المضمون عنه لا يبرأ بنفس الضمان كما يبرأ بنفس الحوالة قبل القبض.
(٤) (وأنا أعطيك الثمن) أو لا تطالبه وأنا أعطيك ما عليه، لأن الشرع لم يحد ذلك فرجع إلى العرف، وحجة الأول أنه وعد.
(٥) (في ذمة المضمون عنه) لحديث "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه" وفى حديث أبى قتادة "الآن بردت عليه جلدته" حين أخبره بقضاء دينه، وهو ثابت بالإِجماع، وسنده قوله تعالى ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ يعنى كفيل.
(٦) (كون الحق معلومًا) وبهذا قال أبو حنيفة ومالك، وقال الثوري والليث والشافعي وابن المنذر: لا يصح لأنه التزام مال فلم يصح كالثمن. ولنا قوله: ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ وهو غير معلوم لاختلافه.
(٧) (إلى العلم والوجوب) لأنه التزام حق في الذمة من غير معاوضة فصح في المجهول كالإقرار.
стр. 427
به (١) أو ما يقر لك به أو ما تقوم به البينة عليه أو يخرجه الحساب بينكما ونحوه
صح (٢) ومنه ضمان السوق، وهو ما يلزم التاجر من دين وما يقبضه من عين مضمونة، قال الشيخ: تجوز كتابته والشهادة به لمن لم ير جوازه لأنه محل اجتهاد (٣) واختار صحة ضمان الحارس ونحوه وتجار حرب ما يذهب من البلد أو البحر وأن غايته ضمان ما لم يجب، وضمان المجهول كضمان السوق وهو أن يضمن الضامن ما يجب على التجار للناس من الديون وهو جائز عند أكثر العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد وقال أيضًا: الطائفة الواحدة الممتنعة من أهل الحرب التي ينصر بعضها بعضا تجرى مجرى الشخص الواحد في معاهداتهم، وإذا شرطوا على أن تجارهم يدخلون دار الإسلام بشرط أن لا يأخذوا للمسلمين شيئًا وما أخذوه كانوا ضامنين له والمضمون يؤخذ من أموال التجار جاز ذلك ويجب على ولى الأمر إذا أخذوا مالا لتجار المسلمين أن يطالبهم بما
(١) (أو ما تداينه به) صح وهو من أمثلة ما يؤول إلى الوجوب.
(٢) (صح) ذلك وهو من أمثلة المجهول أيضًا.
(٣) (لأنه محل اجتهاد) قال: وأما الشهادة على العقود المحرمة على وجه الإِعانة عليها فحرام.
стр. 428
ضمنوه ويحبسهم على ذلك كالحقوق الواجبة اهـ. وله إبطال الضمان قبل وجوبه.
(فصل) ويصح أن يضمن الضامن آخر فيثبت الحق في ذمم ثلاثة أيهم قضاه بزلت ذممهم كلها، فإن أبرأ الغريم الضامن الأول بريء الضامنان وإن أبرأ الثاني برئ وحده، ومتى حصلت براءة الذمة بالإِبراء فلا رجوع فيها. والكفالة كالضمان في هذا المعنى. ويصح ضمان دين الميت ولو غير مفلس ولا تبرأ ذمته قبل القضاء (١) قال الشيخ: أو تغيب مضمون عنه أطلقه في موضع وقيده في موضع بقادر على الوفاء فأمسك الضامن وغرم شيئًا بسبب ذلك وأنفقه في الحبس رجع به على المضمون عنه (٢) ويصح ضمان نفقة الزوجة مستقبلة كانت أو ماضية، ويلزمه ما
يلزم الزوج ولو زاد على نفقة المعسر، وإن قضى الضامن الدين أو أحال به ناويًا الرجوع يرجع (٣) ولو كان الضمان والقضاء أو أحدهما بغير إذن المضمون عنه (٤) وإن ادعى ألفا على حاضر وغائب وأن كلًّا ضامن عن صاحبه فاعترف الحاضر بذلك أو قامت به بينة فله أخذ الألف منه، فإذا قدم الغائب واعترف رجع عليه صاحبه بنصفه، وإن أنكر فقوله مع يمينه، وإن أنكر الحاضر فقامت عليه بينة فاستوفى منه لم يرجع على الغائب بشئ (٥) فإن اعترف الغائب ورجع الحاضر فله
(١) (قبل القضاء) لقوله ﵊ "الآن بردت عليه جلدته" رواه أحمد.
(٢) (على المضمون عنه) قال في الإنصاف: وهو الصواب الذي لا يعدل عنه اهـ، لأنه تسبب في غرمه، لكن قال في شرح المنتهى. إذا ضمنه بإذنه وإلا فلم يتسبب في ظلمه.
(٣) (يرجع) وأجاب في المغني والشرح عن قضية أبي قتادة أنه تبرع بالضمان والقضاء قصدًا لتبرئة ذمته ليصلي ﵊ عليه، مع علمه بأنه لم يترك وفاء وبه قال مالك والشافعي.
(٤) (بغير إذن المضمون عنه) هذه رواية، وبها قال مالك، والثانية لا يرجع، وبها قال أبو حنيفة والشافعي.
(٥) (لم يرجع على الغائب بشيء) لإِقراره أن لا حق عليهما وإنما المدعى ظلمه.
стр. 429
الاستيفاء منه، ويصح ضمان الحال مؤجلًا (١) وإن ضمن المؤجل حالًا صح ولم يلزم قبل أجله.
(فصل) والكفالة صحيحة (٢) وهي التزام رشيد برضاه إحضار من عليه حق مالي إلى ربه. وتنعقد بألفاظ الضمان كلها، وإن ضمن معرفة إنسان (٣) أخذ به وقال الشيخ: معناه أني أعرفك من هو وأين هو، كأنه قال ضمنت لك إحضاره، فإن لم يعرفه ضمن، وإن عرفه فليس عليه أن يحضره (٤) قال الشيخ: إن كان المكفول في حبس الشرع فسلمه إليه فيه برئ الكفيل، ولا يلزمه إحضاره منه إليه عند أحد من الأئمة ويمكنه الحاكم من الإِخراج ليحاكم غريمه ثم يرده. ولو قال: أعط فلانًا ألفًا ففعل لم يرجع على الآمر، ولم يكن ذلك كفالة ولا ضمانًا. ولو خيف من غرق السفينة فقال بعض أهلها ألق متاعك فألقاه فلا ضمان على الآمر. والسجان كالكفيل فيغرم إن هرب المحبوس وعجز عن إحضاره قاله الشيخ (٥). ولو كان لرجل على آخر دين وله بالدين ضامن فأبرأ الأصيل مثل أن قيل ضع عن من عليه الدين بعضه ونحو ذلك فقال إن دينى على الضامن مالى على هذا دين على ظنه أن
الأصل يبرأ لم تحصل البراءة (٦).
(١) (ضمان الحال مؤجلًا) نص عليه الحديث رواه ابن ماجة عن ابن عباس مرفوعًا، فإن قيل الدين الحال لا يتأجل فكيف تأجل على الضامن قلنا: الحق يتأجل في ابتداء ثبوته إذا كان ثبوته بعقد، وهذا ثبوته في حق الضامن ابتداء فإنه لم يكن ثابتًا عليه حالًا.
(٢) (والكفالة صحيحة) لقوله تعالى: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾.
(٣) (إن ضمن معرفة إنسان) بأن جاء إنسان إلى آخر يستدين منه فقال له: أنا لا أعرفك، فضمن له إنسان معرفته.
(٤) (فليس عليه أن يحضره) مفرعًا على ما اختاره، قال وظاهر رواية أبي طالب المذكورة لا يخالف ذلك بل يوافقه.
(٥) (قاله الشيخ) واقتصر عليه في الفروع وقال ابن نصر الله: الأظهر أنه كالوكيل في حفظ الغريم إن هرب بتفريطه لزمه إحضاره وإلا فلا.
(٦) (لم تحصل البراءة) أفتى به الشيخ ابن عبد الوهاب وقال ابن عطوة أفتى شيخنا في رجل له على آخر دين له به ضامن، فسئل أن يضع بعضه فقال ديني إلى آخره، وقال ابن عقيل نعوذ بالله أن نلزم أحدًا بلازم من لوازم قوله وهو يفر من ذلك اللازم لم يسقط به حقه اهـ. وفى المغنى ولا من رضى شيئًا بناء منه على ظن فتبين خلافه.
стр. 430
باب الحوالة (١)
وهي عقد إرفاق (٢) لا خيار له فيه، وليست بيعًا بل تنقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه (٣) وتعتبر الملاءة في المال والقول والبدن وتمكنه من الأداء، ففى المال القدرة على الوفاء، وفي القول أن لا يكون مماطلًا، وفي البدن إمكان
حضوره مجلس الحكم فلا يلزمه أن يحتال على والده ولا على من هو في غير بلده ولا يصح أن يحيل على أبيه (٤) ومتى صحت فرضيًا بخير منه أو بدونه أو تعجيله أو تأجيله أو عوضه
(١) (الحوالة) بفتح الحاء كسرها. واشتقاقها من التحول لأنها تحول الحق من ذمته إلى ذمة أخرى.
(٢) (عقد إرفاق) منفرد بنفسه ليس بمحمول على غيره، لأنها لو كانت بيعًا لما جازت لأنه بيع دين بدين، ولما جاز التفرق قبل القبض.
(٣) (إلى ذمة المحال عليه) لأن فيها شبهًا من المعاوضة من حيث أنها دين بدين وشبهًا بالاستيفاء من حيث براءة المحيل، وبهذا قال أكثر أهل العلم.
(٤) (ولا يصح أن يحيل على أبيه) لأن المحيل لا يملك مطالبة المحال عليه ففرعه كذلك.
стр. 431
جاز (١) وإن رضى واشترط اليسار أو لم يرض فبان معسرا فله الرجوع على المحيل، ولا تصلح الحوالة بالمسلم فيه ولا عليه (٢).
باب الصلح وحكم الجوار (٣)
والصلح التوفيق والسلم (٤) وهو معاقدة يتوصل بها إلى موافقة بين مختلفين، وهو أنواع، ومن أنواعه الصلح في الأموال، وهو المراد هنا، ولا يقع في الغالب إلا عن انحطاط من رتبة إلى ما دونها على سبيل المداراة لبلوغ بعض الغرض، وهو من أكبر العقود فائدة، ولذلك حسن فيه الكذب، ويكون بين المسلمين وأهل الحرب، وبين أهل البغي وأهل العدل، وبين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما أو خافت امرأة إعراض زوجها عنها وبين متخاصمين في غير مال، والصلح بين متخاصمين في الأموال قسمان: أحدهما: صلح على الإِقرار، ولا يصح الصلح ممن لا يملك التبرع وولي يتيم وناظر وقف ونحوهم إلا في حال الإِنكار ليعدم البينة، ويصح عما افى عى على موليه وبه بينة، فإن لم يكن به بينة لم يصح، وإن صالح عن الحق بأكثر منه من جنسه - مثل أن يصالح عن دية الخطأ أو عن قيمة متلف بأكثر من جنسها - لم يصح (٥) وإن صالحه بعوض قيمته أكثر منها صح فيهما، ويصح عن المثلى بأكثر من قيمته، وإن كان بمنفعة كسكنى دار
(١) (جاز) ذلك لأن ذلك يجوز في القرض فهنا أولى، لكن إن جرى على العوضين ربا النسيئة كما لو كان الدين المحال به من الموزونات بعوض فيه موزونًا من غير جنسه، أو كان مكيلًا فعوضه عنه مكيلًا من غير جنسه اشترط فيه التقابض بمجلس التعويض.
(٢) (ولا عليه) لأنها لا تصح إلا فيما يجوز أخذ العوض عنه، ولا يجوز ذلك في السلم لقوله ﵊ "من أسلف في شئ فلا يصرفه إلى غيره".
(٣) (الجوار) وأصله الملازمة، لأن الجار يلزم جاره في السكنى.
(٤) (والسلم) بفتح السين كسرها أي قطع المنازعة، وهو جائز بالإِجماع، لقوله تعالى، وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما".
(٥) (لم يصح) الصلح، لأن الدية والقيمة تثبت في الذمة مقدرة فلم يجز أن يصالح منها بأكثر منها من جنسها إذ الزائد لا مقابل له فيكون حرامًا لأنه من أكل المال بالباطل.
стр. 432
وخدمة عبد أو على أن يعمل له عملًا معلومًا فإجارة تبطل بتلف الدار كسائر الإِجارات، وإن صالحت المرأة بتزويج
نفسها صح، وإن صالح عما في الذمة بشئ في الذمة لم يجز التفرق قبل القبض لأنه بيع دين بدين، ويصح الصلح عن المجهول بمعلوم إذا كان مما لا يمكن معرفته للحاجة نصًّا سواء كان عيًا أو دينًا، أو كان الجهل من الجانبين كصلح الزوجة عن صداقها الذي لا بينة لها به ولا علم لها ولا للورثة بمبلغه، وكذلك الرجلان بينهما معاملة وحساب قد مضى عليه زمن طويل ولا علم لكل منهما بما عليه لصاحبه أو ممن هو عليه لا علم له بقدره ولو علمه صاحب الحق ولا بينة له بنقد أي حال ونسيئة (١) فإن أمكن معرفته ولم تتعذر كتركة موجودة صولح بعض الوارثين عن ميراثه منها لم يصح الصلح (٢) ولا تصح البراءة من عين بحال (٣) ولو صالح من وصى له بخدمة أو سكنى أو حمل أمة بدراهم مسماة جاز ذلك الصلح (٤).
(فصل) القسم الثاني الصلح على الإِنكار، بأن يدعى عليه عينًا في يده أو دينًا في ذمته فينكره أو يسكت
(١) (أي حال ونسيئة) متعلق بيصح لقوله ﵊ لرجلين اختصما في مواريث درست لهما "استهما وتوخيا الحق وليحلل أحدكما صاحبه" رواه أحمد وأبو داود، ولأنه إسقاط حق يصح في المجهول، ولو قبل بعدم جوازه لأفضى إلى ضياع الحق، والبيع قد يصح في المجهول في الجملة كأساس الحائط.
(٢) (لم يصح الصلح) واحتج به أحمد بقول شريح "أيما امرأة صولحت من ثمنها فلم يبين لها ما ترك زوجها فهي الريبة".
(٣) (من عين بحال) سواء كانت معلومة أو مجهولة بيد المبرئ أو المبرأ، لكن ذكر في الصداق إذا كانت العين بيد أحدهما وعفا الذي ليست بيده يصح بلفظ العفو والإِبراء والهبة ونحوها.
(٤) (جاز ذلك الصلح) مع أنه لا يجوز في البيع لعدم العلم به، لأن الصلح أوسع من البيع.
стр. 433
وهو يجهله ثم يصالحه على مال فيصح (١) ولو دفع
المدعى عليه إلى المدعى ما ادعاه أو بعضه مصالحة به لم يثبت فيه حكم البيع ولا الشفعة (٢) وإن صالح عن المنكر أجنبى بإذنه أو بغير إذنه صح سواء كان دينًا أو عينًا، ولو لم يذكر أن المنكر وكله، ويرجع مع الإِذن فقط. وإن صالح المنكر بشيء ثم أقام المدعى بينة أن المنكر أقر قبل الصلح بالملك لم تسمع ولم ينقض الصلح ولو شهدت بأصل الملك.
(فصل) ويصح الصلح عن كل ما يجوز أخذ العوض عنه، سواء كان مما يجوز بيعه أو لا. ويصح الصلح عن القصاص بديات (٣) وبدية وبأقل منها حالًا أو مؤجلًا، وعن سكنى دار وعيب المبيع، وإن صالحه على موضع قناة من أرضه يجري فيها الماء وبينا موضعها وطولها جاز (٤) ولا حاجة إلى بيان عمقها، وإن كان إجارة اشترط ذكر العمق كما في الكافي، وقال غيره لا يشترط ذكر العمق (٥)، وإن صالحه على إجراء الماء في ساقية من الأرض مع بقاء ملك صاحبها عليها فهو إجارة للأرض يشترط تقدير المدة
(١) (على مال فيصح) عن المجهول، هذا المذهب إذا كان لا يمكن معرفته للحاجة، وقال الشافعي: لا يصح الصلح على المجهول لأنه فرع البيع. ولنا ما روت أم سلمة قالت "جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله ﷺ في مواريث درست بينهما ليس بينهما بينة، فقال ﷺ اذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق، ثم ليحلل كل واحد صاحبه" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة.
(٢) (ولا الشفعة) لأن المدعى يعتقد أنه أخذ ماله أو بعضه مسترجعًا له ممن هو عنده.
(٣) (بديات) لأن الحسن والحسين وسعيد بن العاص بذلوا للذي وجب له القصاص على هدبة بن خشرم سبع ديات فأبى أن يقبلها، ولأن المال غير متعين فلا يقع العوض في مقابلته.
(٤) (جاز) الصلح بعوض معلوم، لأنه إما بيع وإما إجارة وكلاهما جائز.
(٥) (لا يشترط ذكر العمق) قال في شرح المنتهى: لأنه إذا ملك الأرض أو نفعها كان له إلى التخوم فله أن ينزل فيها ما شاء.
стр. 434
وسائر شروط الإِجارة (١)، ويعلم تقدير الماء بتقدير الساقية. وإن
كانت الأرض بيد رجل بإجارة جاز له أن يصالح رجلًا على إجراء الماء فيها في ساقية محفورة مدة لا تجاوز مدة الإِجارة (٢) وإن لم تكن الساقية محفورة لم يجز أن يصالحه على ذلك، وإن كانت الأرض في يده وقفًا عليه فكالمستأجر (٣) وكذا المستعير، هذا ما جزم به في الإِنصاف وغيره، وفيه نظر لأن المستعير لا يملك المنفعة (٤) وإن صالحه على إجراء ماء سطحه من المطر على سطحه أو في أرضه من سطحه أو في أرضه عن أرضه جاز إذا كان ما يجرى ماؤه معلومًا إما بالمشاهدة وإما بمعرفة المساحة، لأن الماء يختلف بصغر السطح كبره، ويشترط معرفة الموضع الذي يجري منه إلى السطح، ولا يفتقر إلى ذكر المدة كنكاح، لكن قال في القواعد: ليس بإجارة محضة لعدم تقدير المدة (٥) بخلاف الساقية فكانت بيعًا تارة وإجارة أخرى. وإن كانت الأرض أو السطح الذي يجرى عليه الماء مستأجرًا أو عارية لم يجز أن يصالح على إجراء الماء بغير إذن مالكه، ويحرم إجراء ماء في ملك إنسان بلا إذنه ولو مع عدم تضرره أو تضرر أرضه، ولو كان رب الماء مضرورا إلى ذلك في
إحدى الروايتين (٦)، والأخرى يجوز (٧). ولو صالحه على أن يسقى أرضه من نهره أو عينه مدة ولو معينة لم
(١) (وسائر شروط الإجارة) ومقتضى كلامه في الإنصاف كالفروع وغيره لا يعتبر بيان المدة للحاجة، وتبعهم في المنتهى.
(٢) (لا تجاوز مدة الإِجارة) لأنه يملك المنفعة فكان له أن يستوفيها بنفسه وبمن يقوم مقامه.
(٣) (فكالمستأجر) إن كانت محفورة جاز وإلا فلا قاله القاضي وابن عقيل، وقال في المغني: والأولى أن يجوز حفر الساقية، لأن الأرض له وله التصرف فيها كيف شاء ما لم ينقل الملك فيها إلى غيره.
(٤) (لا يملك المنفعة) فكيف يصالح عليه؟ وعلى تسليم الصحة فينبغى أن يكون العوض المصالح عن ذلك لمالك الأرض.
(٥) (لعدم تقدير المدة) بل هو شبيه بالبيع، قال في الفروع قال ابن عطوة: رأيت بخط ابن عقيل حكى عن كسرى أن بعض عماله إلى قوله فكتب كسرى أن خذوا بيتها فإن المصالح الكليات تغتفر فيها المفاسد الجزئيات. في الزاد.
(٦) (في إحدى الروايتين) لأنه تصرف في أرض غيره بغير إذنه فلم يجز كما لو لم تدع إليه ضرورة لأن مثل هذه الحاجة لا تبيح مال غيره بدليل أنه لا يباح له الزرع في أرض غيره ولا الإنتفاع بشيء منافعها المحرمة عليه.
(٧) (والأخرى يجوز) مثل أن يكون له أرض للزرع لها ماء لا طريق له إلا أرض جاره، لما روى أن الضحاك بن خليفة ساق خليجًا من العريض فأراد أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة فأبى، فقال له الضحاك أتمنعني وهو منفعة لك تشربه أولًا وآخرًا ولا يضرك. فأبى محمد، فكلم فيه الضحاك عمر، فدعا عمر محمد بن مسلمة وأمره أن يخلى سبيله، فقال محمد: لا والله. فقال له: لم تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع تشربه أولًا وآخرًا؟ فقال محمد: لا والله. فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك. فأمره عمر أن يمر به ففعل" رواه مالك في موطئه وسعيد في سننه. والأول أقيس، وقول عمر يخالفه قول محمد بن مسلمة أهو موافق للأصول فكأن أولى.
стр. 435
يصح لعدم ملكه الماء، وإن صالحه على سهم منهما جاز وكان بيعًا للقرار، والماء تبع له. ويصح أن يشترى ممرًا في ملك غيره وموضعًا في حائط يفتحه بابًا (١) وبقعة يحفرها بئرًا وعلو بيت يبنى بنانًا موصوفًا (٢) ويصح فعل ذلك صلحًا أبدًا مؤبدًا وإجارة مدة معلومة، ومتى زال فله إعادته سواء زال لسقوطه
أو سقوط ما تحته أو غير ذلك، ويرجع بأجرة مدة زواله (٣) عن البيت، وله الصلح على زواله أو عدم عوده، وإذا مضت مدة الإِجارة بقى وله أجرة المثل (٤).
(فصل) في أحكام الجوار (٥) وإذا حصل غصن شجر في هوائه أو قراره فصالحه عليه بعوض لم يصح (٦) قال في المغني: واللائق بمذهب أحمد صحته (٧) وإن اتفقا على أن الثمرة له أو بينهما جاز ولم يلزم،
(١) (بابًا) قال في المغنى: فإن قيل فلم لا تجيزون فتح الطاق الباب في الحائط بالقياس على وضع الخشب؟ قلنا: لأن الخشب يمسك الحائط وينفعه، بخلاف الطاق والباب فإنه يضعف الحائط لأنه يبقى مفتوحًا في الحائط والذي يفتحه للخشب يسده بها، ولأن الخشب تدعو الحاجة إليه بخلاف غيره.
(٢) (موصوفًا) ليضع عليه خشبًا معلومًا لأنه ملك للبائع فجاز بيعه كالأرض، وليس له أن يبنى على الوقف وإن لم يضره عند الجمهور.
(٣) (مدة زواله) أي بنيانه أو خشبه في أثناء مدة الإِجارة وكان سقوطًا لا يعود قاله في المغنى وجزم به في الإِنصاف وغيره.
(٤) (وله أجره المثل) ولا يطالب بإزالة بنائه وخشبه لأنه العرف فيه لأنه يعلم أنها لا تستأجر كذلك إلا للتأييد.
(٥) (الجوار) قال ﵊ "ما زال جبريل يوصينى في الجار حتى ظننت أنه سيورثه" متفق عليه.
(٦) (لم يصح) رطبًا كان الغصن أو يابسًا، لأن الرطب يزيد ويتغير واليابس ينقص وربما ذهب بالكلية.
(٧) (صحته) واختاره ابن حامد وابن عقيل وجزم به صاحب المنور وقدمه ابن رزين في شرحه لأن الحاجة داعية إلى ذلك لكثرته في الأملاك المتجاورة وفي القطع إتلاف وضرر، والزيادة المتجددة يعفى عنها، والجهالة في المصالح عنه لا تمنع الجوار، قال في المغني: وكذلك قوله دعني أجري في أرضك ماء ولك أن تسقى ما شئت وتشرب منه ونحو ذلك.
стр. 436
وفي المبهج: ثمرة غصن في هواء طريق عام للمسلمين، ومعناه لابن القيم في الأعلام، وإن امتد عن عروق شجره إلى جاره فأثرت ضررًا كتأثيرها في المصانع وطي الآبار وأساس الحيطان ومنعها من نبات شجر أو زرع لصاحب الأرض أو لم يؤثر فالحكم في قطعه والصلح عنه كالحكم في الأغصان (١) قال الشيخ: والساباط الذي يضر بالماز مثل أن يحتاج الراكب أن يحنى
رأسه إذا مر هناك وإن غفل عن نفسه رمى عمامته أو شج رأسه ولا يمكن أن يمر هناك جمل عال إلا كسر قتبه فمثل هذه الساباط لا يجوز إحداثه على طريق المارة باتفاق المسلمين، بل يجب على صاحبه إزالته، فإن لم يفعل كان على ولاة الأمور إلزامه بإزالته حتى يزول الضرر، ولو كان الطريق منخفضًا ثم ارتفع مع طول الزمان وجب إزالته. وقال: ومن كانت له ساحة يلقى فيها التراب والحيوان وتضرر الجيران بذلك فإنه يجب على صاحبها أن يدفع ضرر الجيران إما بعمارتها أو بإعطائها لمن يعمرها أو يمنع أن يلقى فيها ما يضر بالجيران، وقال: لا يجوز لأحد أن يخرج في طريق المسلمين شيئًا من أجزاء البنيان حتى إنه لينهى عن تخصيص الحائط إلا أن يدخل في جدره بقدر غلظ الخص. وقال: إخراج الميازيب إلى الدرب هو السنة، واختاره وقدمه في النظم اهـ (٢). ولا يجوز أن يبنى أحد في الطريق دكانًا ولو كان الطريق واسعًا ولو بإذن إمام (٣) ولا يجوز أن يحفر في الطريق النافذ بئرًا
(١) (في الأغصان) إلا أن العروق لا ثمر لها بخلاف الأغصان فإن اتفقا على أن ما نبت من عروقها لصاحب الأرض أو جزءًا معلومًا منه فكالصلح على الثمر، فإن رجع فعليه أجرة المثل.
(٢) (وقدمه في النظم) وبه قال أبو حنيفة والشافعي ومالك لما روى أن عمر اجتاز على دار العباس وقد نصب ميزابًا إلى الطريق فقلعه، فقال العباس: تقلعه وقد نصبه رسول الله ﷺ بيده؟ فقال: والله لا نصبته إلا على ظهري، وانحنى حتى صعد على ظهره فنصبه، ولأن العادة الجارية والحاجة تدعو إلى ذلك ولا يمكنه رد مائه إلى الدار.
(٣) (بإذن امام) أو نائبه، بخلاف الجناح والساباط والميزاب لأنه لا تضييق فيها لأنها في العلو بخلاف الدكان.
стр. 437
لنفسه سواء جعله لماء المطر أو استخرج منها ماء ينتفع به، وإن أراد حفرها للمسلمين لنفعهم في طريق ضيق أو كانت في ممر الناس بحيث يخاف سقوط الناس فيها أو دابة أو يضيق عليهم ممرهم لم يجز، وإن بنى رصيفًا فيها يمر عليه الناس لنحو مطر جاز مع ظهور مصلحته. وقال الشيخ: وإن كان له باب في درب غير نافذ يستطرق منه استطراقًا خاصًّا من أبواب السر التي يخرج منها النساء أو الرجل المرة بعد المرة هل له أن يستطرق منها استطراقًا عامًا؟ ينبغي أن لا يجوز هنا. اهـ. ويحرم إحداثه ما
يضر بجاره ويمنع منه (١) إذا فعله كحفر كنيف إلى جانب حائط جاره ونصب تنور يتأذى باستدامة دخانه ونحو ذلك (٢) كما يمنع من ابتداء إحيائه ويضمن ما تلف به، بخلاف طبخه وخبزه فيه (٣) وإن كان هذا الذي حصل منه الضرر سابقًا مثل من له في ملكه مدبغة ونحوها فأحيا إنسان إلى جانبه مواتًا أو بناه دارًا يتضرر بذلك لم يلزمه إزالة الضرر لسبقة، وليس له منعه من تعلية داره ولو أفضى إلى سد الفضاء عنه (٤) أو خاف نقص أجرة داره، وإن حفر بئرًا في ملكه فانقطع ماء بئر جاره أمر بسدها ليعود ماء البئر الأولى، فإن لم يعد كلف صاحب البئر الأولى حفر البئر التي سدت لأجله من ماله. ولو ادعى أن بئره فسدت من خلاء جاره أو بالوعته وكانت البئر أقدم منها طرح في الخلاء أو البالوعة نفط فإن لم يظهر طعمه ولا رائحته في البئر علم أن فسادها بغيره، وإن ظهر فيها ذلك كلف صاحب الخلاء أو البالوعة نقل ذلك إن لم يمكن إصلاحه. ولو كان لرجل مصنع فأراد جاره غرس شجرة مما تسرى عروقه فيشق حائط مصنع جاره ويتلفه لم يملك ذلك وكان لجاره منعه وقلعها إن غرسها وله الإستناد إلى جدار جاره أو المشترك وإسناد شيء لا يضره والجلوس في ظله ونظره في ضوء سراجه بلا إذن (٥) قال الشيخ: العين والمنفعة التي لا قيمة لها عادة لا يصح أن يرد عليها عقد بيع ولا إجارة اتفاقًا
(١) (ويمنع منه) لخبر "لا ضرر ولا ضرار" احتج به أحمد.
(٢) (ونحو ذلك) من كل ما يؤذيه كسقي وإشعال يتعديان إليه، وحداد يتأذى بكثرة دقه.
(٣) (وخبزه فيه) على العادة، فلا يمنع ذلك، لأن الضرر، يزال بالضرر.
(٤) (سد الفضاء عنه) إلى آخره قاله الشيخ. قال في الفروع: احتج أحمد بالخبر "لا ضرر ولا ضرار" فيتوجه منه منعه.
(٥) (بلا إذن) لأن هذا لا مضرة فيه، والتحرز منه يشق.
стр. 438
كمسئلتنا (١) ولو كان له حق ماء يجرى على سطح جاره لم يجز له تعلية سطحه ليمنع الماء ولو كثر ضرره، ومتى وجد خشبه أو بناءه أو مسيل مائه ونحوه في حق غيره أو مجرى سطحه على سطح
غيره ولم يعلم سببه فهو له لأن الظاهر وضعه بحق، فإن اختلفا فقول صاحب الخشب ونحوه مع يمينه، فإن زال فله إعادته وله أخذ عوض عنه، ولو أراد هدم الحائط لغير حاجة لم يملك ذلك، وإن احتاج إلى ذلك للخوف من انهدامه أو لتحويله إلى مكان آخر أو لغرض صحيح ملك ذلك (٢) ولو أذن صاحب الحائط لجاره في البناء على حائطه أو وضع سترة أو خشبة عليه في الموضع الذي لا يستحق وضعه عليه جاز وصار عارية لازمة، وإن أذن له في ذلك بأجرة سواء كانت إجارة أو صلحًا وضعه على التأييد، ومتى زال فله اعادته. ويشترط معرفة البناء والعرض والطول والسمك والآلات من الطين واللبن أو الطين والآجر وما أشبه ذلك. وإذا سقط الحائط الذي عليه البناء أو الخشب في أثناء مدة الإِجارة سقوطًا لا يعود انفسخت الإِجارة فيما بقى من الصدة ورجع من الأجرة بقسط ما بقى من المدة، وإن صالحه مالك الحائط على رفع خشبه أو بنائه بشئ معلوم جاز، وكذلك لو كان له مسيل ماء في أرض غيره أو ميزاب أو غيره فصالح صاحب الأرض مستحق ذلك بعوض ليزيله عنه جاز، وإن كان الخشب أو الحائط قد سقط فصالحه بشيء على أن لا يعيده جاز.
(فصل) ويلزم إعلاء الجارين بناء سترة تمنع مشارفة الأسفل (٣) كما لو كانت السترة قديمة فانهدمت فإنه يجب إعادتها فإن استويا اشتركا، وأيهما أبى أجبر مع الحاجة إلى السترة، وليس لصاحب السطح الأعلى الصعود على سطحه على وجه يشرف على سطح جاره إلا أن يبنى سترة تستره، ولا يلزم الأعلى سد
(١) (كمسئلتنا) أي الاستناد إلى الحائط ونحوه، ومثله في العين نحو حبة بر.
(٢) (ملك ذلك) أي هدمه، لأنه ملكه فله التصرف فيه بما شاء غير مضار لجاره.
(٣) (مشارفة الأسفل) لأن الإشراف على الجار إضرار به لأنه يكشفه ويطلع على حرمه فمنع منه لحديث "لا ضرر ولا ضرار" رواه أحمد وابن ماجة عن ابن عباس مرفوعًا.
стр. 439
طاقته إذا لم ينظر منها ما يحرم نظره من جهة جاره (١) ويجبر الشريك على العمارة مع شريكه في
الأملاك والأوقاف (٢) المشتركة، وإن استهدم جدارهما أو سقفهما وخيف ضرره نقضاه، فإن أبى أحدهما أجبره الحاكم، وأيهما هدمه إذن بغير إذن صاحبه فلا شيء عليه (٣) كما لو انهدم بنفسه، فإن طالب أحدهما صاحبه ببنائه أجبر، وعنه لا يجبر (٤) فإن امتنع أخذ الحاكم من ماله وأنفق عليه. وإن أنفق الشريك بإذنه أو إذن حاكم أو نية رجوع رجع على حصة الشريك وكان بينهما، ولا يجبر على بناء حاجز بين ملكيهما (٥) فإن أراد أحدهما البناء فله ذلك في ملكه خاصة (٦) فإن انهدم سفل وعلوه لغيره انفرد صاحب السفل ببنائه وأجبر عليه، وإن كان طبقة ثالثة فصاحب الوسط مع من فوقه كمن تحته معه، ولو اتفقا على حائط بستان فبنى أحدهما فما تلف من الثمرة بسبب إهمال الآخر ضمنه الذي أهمل قاله الشيخ، وإن تنازع صاحب العلو والسفل في السقف ولا بينة فهو بينهما.
(١) (من جهة جاره) إذ لا ضرر فيها على الجار حينئذ، فإن رأى ذلك منها لزمه يسدها.
(٢) (في الأملاك والأوقاف) المشتركة لحديث "لا ضرر" كنقضه عند خوف سقوطه، وإن كان لا حرمة له في نفسه لكن حرمة الشريك الذي يتضرر بترك البناء توجب ذلك.
(٣) (فلا شيء عليه) لأنه محسن، بل قياس ما سبق يرجع بما يقابل حصته من أجرة الهدم إن نوى الرجوع.
(٤) (وعنه لا يجبر) وهو مذهب أبي حنيفة، قال المصنف وهو أقوى في النظر لأنه ملك لا حرمة له في نفسه فلم يجبر مالكه على الإنفاق عليه كما لو انفرد، والمذهب في الزاد.
(٥) (حاجز بين ملكيهما) لأن انتفاعهما لا يتوقف على ذلك فلا ضرر في تركه بخلاف المشترك والسقف.
(٦) (في ملكه خاصة) لأنه لا يملك التصرف في ملك جاره المختص به ولا في الملك المشترك بغيره ماله فيه رسم وهذا لا رسم له فيه.
стр. 440
باب الحجر (١)
وهو منع الإِنسان من التصرف في ماله. وهو على ضربين: حجر لحق الغير كحجر على مفلس (٢) وهو من لا مال له ولا ما يدفع به حاجته (٣) وشرعًا من لزمه أكثر من ماله (٤) والثاني: حجر لحفظ نفسه (٥) فحجر المفلس منع الحاكم من عليه دين حال يعجز عنه ماله الموجود مدة الحجر من التصرف فيه، وإن أراد سفرًا طويلًا (٦) يحل الدين قبل فراغه، أو بعده وليس به رهن يفى به ولا كفيل ملئ فلغريمه منعه في غير جهاد متعين حتى يوثقه بأحدهما، وإن أراد سفرًا وهو عاجز عن وفاء
دينه فلغريمه منعه حتى يقيم كفيلًا ببدنه قاله الشيخ (٧)، ولا يملك تحليل محرم، وإن كان دينه حالًا وهو قادر على وفائه وطلب منه فسافر قبل وفائه لم يجز له أن يترخص بقصر ولا غيره، فإن كان له سلعة فطلب أن يمهله حتى يبيعها
(١) (الحجر) الأصل في مشروعيته قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ لكن أضيفت إلى الأولياء لأنهم قائمون عليها مدبرون لها، وقوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ الآية، وإذا ثبت الحجر على هذين ثبت على المجنون من باب أولى.
(٢) (كحجر على مفلس) لحق الغرماء، ومريض مخوف الموت على ما زاد على الثلث لحق الورثة وغير ذلك.
(٣) (ما يدفع به حاجته) من العروض فهو المعدم، ومن الخبر المشهور "من تعدون المفلس فيكم؟ قالوا يا رسول الله المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: ليس ذلك المفلس، ولكن المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، ويأتي وقد ظلم هذا" الحديث.
(٤) (من لزمه أكثر من ماله) وسمى مفلسًا وإن كان ذا مال لأن ماله مستحق الصرف في جهة دينه فكأنه معدوم، وقد دل عليه تفسير النبي ﷺ مفلس الآخرة فإنه أخبر أن له حسنات أمثال الجبال لكنها لم تف بما عليه وبقى لا شيء له.
(٥) (حجر لحفظ نفسه) كحجر على صغير ومجنون وسفيه، إذ فائدة الحجر عليهم لا تتعداهم.
(٦) (سفرًا طويلًا) فوق مسافة القصر عند الموفق وابن أخيه وجماعة، قال في الإنصاف: ولعله أولى، ولم يقيده في التنقيح ولعله أظهر.
(٧) (قاله الشيخ) لأنه قد يؤسر في البلد الذي يسافر إليه فلا يتمكن الغريم من طلبه بإحضاره.
стр. 441
ويوفيه من ثمنها أمهل بقدر ذلك، وكذلك إن أمكنه أن يحتال لوفاء دينه فيمهل بقدر ذلك، ولو مطل حتى شكى عليه فما غرمه فعلى المماطل (١) وفي الرعاية لو أحضر مدعى به ولم يثبت للمدعى لزمه مؤنة إحضاره ورده وإلا لزم المنكر (٢). وقال الشيخ: لو تغيب مضمون عنه فغرم الضامن بمه جبه (٣) أو غرم بسبب كذب عليه عند ولى الأمر رجع على المتسبب (٤) وإن ادعى من علمه الدين الإِعسار وأنه لا شيء معه فقال المدعى للحاكم المال معه وسأل تفتيشه وجب على الحاكم إجابته إلى ذلك، وإن صدقه غريمه لم يحبس ووجب إنظاره ولما تجز ملازمته، وإن كذبه وكان دينه عن عوض كالبيع القرض أو عرف له مال سابق والغالب بقاء ذلك حبس (٥) إلا أن يدعى تلفا ونحوه ويصدقه رب الدين، فإن أنكر إعساره حبس، فإن أقام المدعى بينة على إعساره أو حلف مع عدم بينة المدعى خلى سبيله، فإن شهدت البينة بنفاد ماله أو تلفه ولم تشهد بعسرته حلف معها أنه لا مال له في الباطن (٦)، وإن شهدت بإعساره
اعتبر فيها أن تكون ممن تخبر باطن حاله لأنها شهادة على نفى قبلت للحاجة (٧) ويكتفى فيها باثنين، ولا يحلف معها على الصحيح من المذهب لأنه تكذيب للبينة، ويكفى في الحالين أن تشهد بالتلف أو الإِعسار، وتسمع قبل حبسه كبعده (٨) وإن كان دينه عن غير مقابلة مال أخذه كأرش جناية وكالضمان ونحوه ولم يعرف له مال ولم
(١) (فعلى المماطل) إذا كان غريمه على الوجه المعتاد.
(٢) (لزم المنكر) لحديث "على اليد ما أخذت حتى تؤديه".
(٣) (بسببه) رجع بما غرمه أو أنفقه في الحبس، وقيده في آخر بقادر على الوفاء، ولعله إذا ضمن بإذنه.
(٤) (رجع على المتسبب) وقرار الضمان على الآخذ إن كان الأخذ ظلمًا.
(٥) (حبس) لأن الأصل بقاء ماله، وحبسه وسيلة إلى قضاء دينه إلا أن يقيم بينة تخبر باطن حاله.
(٦) (لا مال له في الباطن) على الصحيح من المذهب. لأن اليمين على أمر محتمل غير ما شهدت به البينة.
(٧) (قبلت للحاجة) لأن الإعسار من الأمور الباطنة التي لا يطلع عليها في الغالب إلا المخالط فهذه الشهادة وإن تضمنت النفى فهي تثبت حالة تظهر وتقف عليها بالمشاهدة. ولا يعتبر في البينة إذا شهدت بتلف ماله أو نفاده أن قكون تخبر باطن حاله.
(٨) (كبعده) لكن قال في الاختيارات: ليس له إثبات عند غير من حبسه بلا إذنه، ولا يجب الحبس بمكان معين.
стр. 442
يقر أنه ملئ حلف أنه لا مال له وخلى (١) وإذا حبست الزوجة زوجها لم يسقط من حقوقه عليها شيء، ولو قامت للمفلس بينة بمال معين فأنكر ولم يقر به لأحد أو قال هو لزيد فكذبه زيد قضى منه دينه (٢) وإن صدقه زيد فهو له مع يمينه، ويحرم على المعسر أن ينكر أن لا حق عليه وأن يحلف أنه لا حق له ويتأول، وفي الإِنصاف: ولو قيل بجوازه إذا تحقق ظلم رب الحق له وحبسه ومنعه من القيام على عياله لكان له وجه، كل ما فعله المفلس في ماله قبل الحجر عليه فهو نافذ (٣) وإن استغرق جميع ماله، مع أنه يحرم إن أضر بغريمه.
(فصل) ويتعلق بالحجر على المفلس أربعة أحكام: أحدها تعلق حق الغرماء بماله، فلا ينفذ تصرفه فيه إلا التدبير، وإلا العتق في إحدى الروايتين، والأخرى لا ينفذ
عتقه (٤) وله رد ما اشتراه قبل الحجر بعيب أو خيار غير مقيد بالأحظ، ويكفر هو وسفيه بصوم، فإن كان المفلس صانعا كالقصار والحائك وفي يده متاع فأقر به لأربابه لم يقبل، وتباع العيبن التي في يده وتقسم قيمتها بين الغرماء وتكون قيمتها واجبة على المفلس إذا قدر عليها (٥) وفيه وجه يقبل مع أمن التهمة، وإن توجهت على المفلس يمين فنكل عنها قضى عليه فكان إقراره يلزم في حقه دون الغرماء، وإن ثبت عليه حق ببينة شارك صاحبه الغرماء، وإن جنى جناية موجبة للمال شارك المجني عليه الغرماء (٦)، وإن جنى عبده قدم المجنى عليه بثمنه على
(١) (وخلى) سبيله وهو الصحيح من المذهب، لأن الأصل عدم المال.
(٢) (قضى منه دينه) قال في الفروع: وظاهر هذا أن البينة هنا لا يعتبر لها تقدم دعوى، بل تحتاج إلى دعوى من الغريم.
(٣) (فهو نافذ لأنه مالك جائز التصرف على الصحيح من المذهب، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي، وقيل لا ينفذ تصرفه إذا ضاق ماله عن ديونه اختارها الشيخ وصوبه في الإنصاف.
(٤) (لا ينفذ عتقه) وبه قال مالك وابن أبي ليلى والثوري والشافعي واختاره أبو الخطاب في رءوس المسائل.
(٥) (إذا قدر عليها) بعد فك الحجر عنه مؤاخذة له بإقراره.
(٦) (شارك المجنى عليه الغرماء) بإرش الجناية لأنه حق ثبت على الجاني بغير اختيار من له الحق ولم يرض بتأخيره كما قبل الحجر.
стр. 443
الغرماء (١). الثاني: أن من وجد عنده عينًا باعها إياه (٢) ولو بعد الحجر عليه غير عالم به أو عين قرض أو رأس مال سلم أو غير ذلك حتى عينًا مؤجرة ولم يمض من المدة شيء فهو أحق بها إن شاء ولو بعد خروجها من ملكه وعودها إليه بفسخ أو شراء ونحو ذلك، فلو اشتراها ثم باعها ثم اشتراها فهي لأحد البائعين بقرعة (٣) وإن بذل الغرماء لصاحب السلعة الثمن من أموالهم أو خصوه به من مال المفلس لتركها أو قال
المفلس أنا أبيعها وأعطيك ثمنها لم يلزمه قبوله، وإن دفعوا إلى المفلس الثمن فبذله له لم يكن له الفسخ (٤) ومن استأجر أرضًا للزرع فأفلس قبل مضى شيء من المدة فللمؤجر فسخ الإجارة، وإن كان بعد انقضائها أو بعد مضى بعضها لم يملك الفسخ تنزيلًا للمدة منزلة المبيع ومضى بعضها بمنزلة تلف بعضها (٥) بشرط أن يكون المفلس حيًّا حين أخذه (٦) ولم ينقد من ثمن المبيع شيئًا ولا أبرأه البائع من بعضه (٧) والسلعة بحالها (٨)
(١) (على الغرماء) لتعلق حقه بعينه كما يقدم المجنى عليه على المرتهن.
(٢) (باعها إياه) روى ذلك عن عثمان وعلى وأبى هريرة، وبه قال عروة ومالك والشافعي والأوزاعى والعنبري وإسحق وأبو ثور وابن المنذر، وقال الحسن والنخعى وابن شبرمة وأبو حنيفة: هو أسوة الغرماء، ولنا قوله ﵊ "من أدرك متاعه بعينه عند إنسان أفلس فهو أحق به" متفق عليه.
(٣) (بقرعة) لأنه يصدق على كل منهما أنه أدرك متاعه عند من أفلس.
(٤) (لم يكن له الفسخ) واستقر البيع لزوال العجز عن تسليم الثمن ويلزمه قبوله، وبه قال الشافعي خلافًا لمالك.
(٥) (بمنزلة تلف بعضها) أي بعض العين المبيعة، وهو مسقط الرجوع كما يأتي.
(٦) (حيا حين أخذه) لما رواه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن النبي ﷺ قال "أيما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا فوجد متاعه بعينه فهو أحق به، وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء" رواه مالك وأبو داود مرسلًا، ورواه أبو داود عن أبى هريرة مسندًا لأن الملك انتقل عن المفلس إلى الورثة أشبه ما لو باعه.
(٧) (من بعضه) فإن قبض بعض ثمنها سقط الرجوع، وبهذا قال إسحق، لما روى أبو هريرة مرفوعًا "أيما رجل أفلس فوجد رجل عنده ماله ولم يكن أقبض من ماله شيئًا فهو له" رواه أحمد.
(٨) (والسلعة بحالها) لم يتلف بعضها، وبهذا قال إسحق، وقال مالك والأوزاعي والشافعي والعنبري: له الرجوع في الباقي، ويضرب مع الغرماء بحصة التالف. ولنا قوله ﵊ "من أدرك، متاعه بعينه" وهذا لم يجده بعينه.
стр. 444
لم يزل ملكه عن بعضها بتلف ولا غيره. فإن تلف جزء منها لم يكن للبائع الرجوع، وإن باع بعض المبيع أو وهبه أو وقفه فكلفته، هذا إذا كانت عينًا واحدة في مبيع، وإن كانت عينين كعبدين ونحوهما وبقى واحدة رجع فيها (١)
ولم تتغير صفتها بما يزيل اسمها كنسج غزل وخبز دقيق ولم يتعلق بها حق من شفعة أو جناية أو رهن، لكن إن كان الرهن أكثر من الدين فما فضل منه رد على المال ولم تزد ريادة متصلة كسمن وتعلم صنعة، وعنه أن الزيادة لا تمنع الرجوع (٢) ويشترط أيضًا أن يكون البائع حيًّا إلى حين الرجوع، وقال في المبدع: والأصح أنه يثبت للورثة، وإن كان الثمن مؤجلًا رجع فيها فأخذها عند حلول الأجل فتوقف إليه ويصح الرجوع فيها وفى غيرها (٣) بالقول هلو على التراخى وهو فسخ بلا حكم حاكم فأما الزيادة المنفصلة كالولد والثمرة والكسب والنقص بهزال أو نسيان صنعة أو كتابة فلا يمنع الرجوع، والزيادة للمفلس (٤) وعنه للبائع (٥) وإن غرس الأرض أو بنى فيها فله الرجوع فيها (٦) ودفع قيمة الغراس
(١) (رجع فيها) لأنه وجدها بعينها فيدخل في العموم، فإنه لا يلزم من تلف إحدى العينين تلف شيء من العين الأخرى، ويفرف بين هذه وبين ما إذا ما قبض بعض الثمن.
(٢) (لا تمنع الرجوع) وهذا مذهب مالك والشافعي، ولنا أنه سبب حادث فلم يملك به الرجوع.
(٣) (وفى غيرها) كالقرض ورأس مال السلم ونحوه.
(٤) (والزيادة للمفلس) هذا ظاهر كلام الخرقي، لأنه منع الرجوع بالزيادة المتصلة لكونها للمفلس فالمنفصلة أولى، وهذا قول ابن حامد والقاضي ومذهب الشافعي وهو الصحيح إن شاء الله وجزم به في الوجيز.
(٥) (وعنه للبائع) وهو المذهب ومذهب مالك، ونقل حنبل عن أحمد ولد الجارية ونتاج الدابة وهو للبائع كالمتصل، ولنا أنها زيادة في ملك المشتري فكانت له كما لو رده بعيب، ولأنه فسخ استحق به استرجاع العين فلما يستحق أخذ الزيادة المنفصلة وقول النبي ﷺ "الخراج بالضمان" يدل على أن النماء ولغلة للمشتري لكون الضمان عليه، وقول أحمد يحمل على أنه باعها في حال حملها فيكونان مبيعين.
(٦) (فله الرجوع فيها) لأنه أدرك متاعه بعينه، ومال المشترى دخل على وجه التبع كالصبغ.
стр. 445
والبناء فيملكه أو قلعه وضمان نقصه، إلا أن يختار المفلس والغرماء القلع فيلزمهم إذن تسوية الأرض وأرش نقصها الحاصل به ويضرب به البائع مع الغرماء، وإن امتنعوا من القلع لم يجبروا عليه لأنهما وضعا بحق، وإن أبوا
القلع وأبى دفع القيمة سقط الرجوع (١). الثالث بيع الحاكم ماله وقسم ثمنه (٢) على الفور، ويجب عليه ذلك، وإن كانت ديونهم من جنس الأثمان أخذوها، وإن كان ثانى فيهم من دينه من غير جنس الأثمان وامتنع من أخذ عوضه وطلب جنس حقه اشترى له بحصته من الثمن من جنس دينه ولا يحتاج إلى استئذان المفلس في البيع، لكن يستحب أن يحضره أو كيله (٣) وأن يحضره الغرماء، وإن باعه من غير حضورهم جاز، ويأمرهم الحاكم أن يقيموا مناديًا ينادي على المتاع، ويجب أن يشك له من ماله ما تدعو إليه حاجته من مسكن وخادم (٤) إن لم يكونا عين مال الغرماء، فإن كانا لم يترك له منه شيء ولو كان محتاجًا إلى ذلك: لكن إن كان له مسكن واسع عن سكنى مثله بيع واشترى له مسكن مثله ورد الفاضل على الغرماء، ويترك له أيضًا آلة حرفة، فإن لم يكن صاحب حرفة ترك له ما يتجر به لمؤنته وينفق عليه وعلى من تلزمه نفقته من ماله بالمعروف، وهو أدنى ما ينفق على مثله من مأكل ومشرب كسوة إلى أن يفرغ من قسمه بين غرمائه إن لم يكن له كسب يفي بذلك، ويكفن إن مات في ثلاثة أثواب كما كان يلبس في حياته، وقدم في الرعاية في ثوب واحد، وإن تلف شيء من ماله تحت يد الأمين فمن ضمان المفلس، ويبدأ ببيع أقله بقاء أكثره مؤنة، فيبيع أولًا ما يسرع إليه الفساد كالطعام والرطب ثم الحيوان ثم الأثاث ثم العقار (٥) ويبيع
(١) (سقط الرجوع) لما فيه من الضرر على المشترى والغرماء، ولا يزال بمثله.
(٢) (وقسم ثمنه) بين الغرماء بالمحاصة لأنه ﵊ لما حجر على معاذ باع ماله في دينه وقسم ثمنه بين غرمائه، ولفعل عمر على الفور، لأن تأخيره مطل وفيه ظلم لهم.
(٣) (أو وكيله) وقت البيع لفوائد منها أن يضبط ثمن متاعه، ومنها أنه أعرف بالجيد من متاعه، ومنها أنه تكثر فيه الرغبة، ومنها أنه أطيب لنفسه وأسكن لقلبه.
(٤) (وخادم) وقوله ﵊ "خذوا ما وجدتم" قضية عين يحتمل أنه لم يكن فيما وجدوه مسكن ولا خادم.
(٥) (العقار) لأنه لا يخاف عليه وبقاؤه أشهر له وأكثر لطلابه، والعهدة على المفلس إذا ظهر مستحقًا فقط، قاله في الشرح.
стр. 446
بنقد البلد أو بجنس الدين، ويعطى مناد وحافظ المتاع
والثمن أجرتهم من مال المفلس تقدم على ديون الغرماء إن لم يوجد متبرع، ونظير ما يستدان على تركة الميت لمصلحة التركة فإنه مقدم على الديون الثابتة في ذمة الميت، ويبدأ بالمجني عليه إذا كان الجاني عبد المفلس سواء كانت الجناية قبل الحجر أو بعده فيدفع إليه الأقل من الأرش أو ثمن الجاني ولا شيء له غيره، وإن كان الجاني المفلس فالمجني عليه أسوة الغرماء، ثم بمن له رهن لازم فيخص بثمنه، وإن فضل له فضل ضرب به مع الغرماء، وإن فضل منه فضل رد على المال، ثم بمن له عين مال أو عين مؤجرة (١) أو منفعة عين هو مستأجرها من المفلس فيأخذها (٢) وكذا مؤجر نفسه، وإن بطلت الإِجارة في أثناء المدة (٣) ضرب له بما بقي مع الغرماء ولو باع شيئًا أو باعه كيله وقبض الثمن فتلف وتعذر رده وخرجت السلعة مستحقة ساوى المشتري الغرماء (٤) وذكر القاضي احتمالًا يقدم على الغرماء (٥) وإن أجر دارًا أو بعيرًا بعينه أو شيئًا غيرهما بعينه ثم أفلس لم تنفسخ الإِجارة بالفلس وكان المستأجر أحق بالعين أو استأجرها من الغرماء حتى يستوفى حقه، فإن هلك البعير أو انهدمت الدار قبل انقضاء المدة انفسخت الإِجاره ويضرب مع الغرماء ببقية الأجرة، وإن استأجر جملًا في الذمة ثم أفلس المؤجر فالمستأجر أسغ الغرماء، وإن أجر دارًا ثم أفلس فاتفق المفلس والغرماء على البيع قبل انقضاء مدة الإِجارة فلهم ذلك ويبيعونها مستأجرة، فإن اختلفوا قدم قول من طلب البيع في الحال، فإذا استوفى المستأجر
تسلم المشتري، ولو باع سلعة ولو مكيلًا أو موزنًا وقبض ثمنها أو لا ثم أفلس قبل
(١) (أو عين مؤجرة) استأجرها المفلس منه ولم يمض من مدتها شيء.
(٢) (فيأخذها) لأن حقه متعلق بالعين والمنفعة وهي مملوكة له هذه المدة.
(٣) (في أثناء المدة) بأن ماتت العين التي استأجرها من المفلس وقد عجل له الأجرة.
(٤) (ساوى المشتري الغرماء) لأن حقه لم يتعلق بعين المال فهو بمنزلة أرش جناية المفلس.
(٥) (يقدم على الغرماء) لأنه لم يرض بمجرد الذمة فكان أولى كالمرتهن، ولأنه لو لم يقدم على الغرماء لامتنع الناس من شراء مال المفلس خوفًا من ضياع أموالهم فتقل الرغبات فيه ويقل ثمنه فكان تقديم المشترى بذلك على الغرماء أنفع لهم، وهذا وجه لأصحاب الشافعي، ولنا أن هذا لم يتعلق بعين المال فلم يقدم كالذي جنى عليه المفلس.
стр. 447
تقبيضها فالمشتري أحق بها من الغرماء، وإن كان على المفلس دين سلم فوجد المسلم الثمن بعينه فهو أحق به كما تقدم، وإن لم يجده وحل قبل القسمة ضرب مع الغرماء بقيمة المسلم فيه، وإن لم يكن فيه من جنس حقه عزل له من المال قدر حقه فيشترى به المسلم فيه فيأخذه وليس له أن يأخذ المعزول بعينه، ثم يقسم الباقي بين باقي الغرماء على قدر ديونهم، ولا يلزم بيان أن لا غريم سواهم (١) فإن كان فيهم من له دين مؤجل لم يحل (٢) وعنه أنه يحل (٣) فيشاركهم، وإن حل في أثناء القسمة شاركهم فيما لم يقسم. ومن مات وعليه دين مؤجل لم يحل إن وثق الورثة بعد موت المدين، وعنه أنه يحل إذا مات المدين (٤) فإن تعذر التوثيق لعدم وارث أو غيره حل كله (٥) وحكم من طرأ عليه جنون حكم المفلس والميت في حلول الدين وعدمه، ولا يمنع الدين انتقال التركة إلى الورثة إذا مات المدين (٦) ويتعلق حق الغرماء بها كلها وإن لم يستغرقها الدين، سواء كان لآدمي أو لله، والدين باق في ذمة الميت وفي التركة حتى يوفى، ويصح تصرف الورثة في التركة بشرط الضمان، ومتى
دخل الورثة بين التركة والغرماء سقط مطالبتهم بالديون (٧) فإذا تعذر وفاؤه
(١) (لا غريم سواهم) بخلاف من ثبت أنه وارث خاص لأنه مع كون الأصل عدم غريم لا يحتمل أن يقبض أحدهم فوق حقه.
(٢) (لم يحل) لأنه لا يوجب حلول ماله فلا يوجب حلول ما عليه ولا يوقف له شيء.
(٣) (وعنه أنه يحل) وهو قول مالك، وعن الشافعي كالمذهبين، واحتجوا بأن الإفلاس يتعلق به الدين بالمال فأسقط الأجل. زاد.
(٤) (إذا مات الدين) وبه قال الشعبى والنخعى ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، لأنه لا يجوز إبقاؤه في ذمة الميت لتعذر مطالبته، ولا ذمة الورثة لأنهم لم يلتزموها ولا يجوز تعليقه على الأعيان وتأجيله لأنه ضرر بالميت وصاحب الدين. زاد.
(٥) (حل كله) إن اتسعت التركة له، أو يحاص به الغرماء.
(٦) (إذا مات المدين) لقوله ﵊ "من ترك حقًّا أو مالًا فلورثته".
(٧) (سقط مطالبتهم بالديون) ونصب الحاكم من يوفيهم منها ولم يملكها الغرماء بذلك.
стр. 448
فسخ تصوفهم، فعلى هذا إن تصوفوا بعتق لم يتأت فسخه، وعليهم الأقل من قيمته أو الدين، وإن بقى على المفلس بقية وله صنعة لم يجبر على إيجار نفسه لقضاء ما عليه في إحدى الروايتين (١) والثانية يجبر (٢) وعلى إيجار وقف وأم ولده استغنى عنهما لا إن لزمه حج وكفارة (٣) ولا يجبر على قبول هبة وصدقة ووصية ولو كان المتبرع إبنًا، ولا يملك غير المدين وفاء دينه مع امتناعه ولا يملك الحاكم قبض ذلك لوفائه بلا إذنه لفظي أو عرفي، ولا تجبر امرأة على نكاح نفسها لتوفي من مهرها دينها. ولا على تزوج امرأة بذلت له مالًا ليقبله، ولا على أخذ دية قود وجب له، ولا تسقط الدية بعفوه على غير مال (٤) وإذا فك عنه الحجر فليس لأحد مطالبته ولا ملازمته حتى يملك مالًا، وإن لزمته ديون بعد فك الحجر عنه وحجر عليه ثانيًا شارك غرماء الحجر الأول غرماء الحجر الثاني في ماله، وإن كان للمفلس حق به شاهد فأبى أن يحلف معه لم يجبر ولم يكن لغرمائه أن يحلوا. الرابع: انقطاع المطالبة عنه (٥).
(فصل) الضرب الثاني المحجور عليه لحظه وهو الصبي والمجنون والسفيه، فلا يصح تصرفهم في أموالهم ولا ذممهم قبل الإذن، ومن أعطوه مالًا ضمنه حتى يأخذه وليه، وإن أخذه ليحفظه لم يضمنه كمغصوب أخذه ليحفظه لربه (٦). ويستحب أن لا يدفع لهم مالهم إلا بإذن قاض وبينة بالرشد وبالدفع ليأمن التبعة،
(١) (في إحدى الروايتين) وبه قال مالك والشافعي لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ ولما روى أبو سعيد "أن رجلًا أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال النبي ﷺ : "تصدقوا عليه فلم يبلغ وفاء دينه، فقال النبي ﷺ : خذوا ما وجدتم، فليس لكم إلا ذلك" رواه مسلم.
(٢) (والثانية يجبر) وبه قال عمر بن عبد العزيز وسوار والعنبري وإسحق، لما روى الدارقطني "أن النبي ﷺ باع سرقًا في دينه بخمسة أبعرة" والحر لا يباع فثبت أنه باع منافعه. إذا ثبت هذا لا يجبر إلا من في كسبه فضل عن نفقة من يمونه.
(٣) (لا إن لزمه حج كفارة) ونحوهما من حقوق الله، لأن ماله لا يباع فيه فنفعه أولى فلا يجبر على إيجارهم.
(٤) (على غير مال) ويأتي في القصاص أن له العفو مجانًا لأن المال لم يجب عينًا.
(٥) (انقطاع المطالبة عنه) لقوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ ولقوله ﵊ لغرماء معاذ "ليس لكم إلا ذلك".
(٦) (ليحفظه لربه) فلا يضمن، لأن ذلك إعانة على رد الحق إلى مستحقه وفيه إحسان.
стр. 449
ولا يدفع إليه ماله قبل رشده ولو صار شيخًا. وحتى يختبر بما يليق به ويؤنس رشده (١) فإن كان من أولاد التجار وهم من يبيع ويشترى فبأن يتكرر منه ذلك فلا يغبن غالبًا فاحشًا، وأن يحفظ ما في يده من صرفه فيما لا فائدة فيه، وليس الصدقة به وصرفه في أبواب بر ومطعم ومشروب وملبس ومنكح ما يليق به تبذيرًا إذ لا إسراف في الخير (٢) ويختبر ابن الزراع بما يليق بالزراعة والقيام على العمال، وابن صاحب الصناعة بما يتعلق بحرفته، وابن الرئيس باستيفائه على وكيله فيما وكل فيه فهذا مما يدل على رشده، قال الشيخ: وإن توزع في الرشد فشهد شاهدان قبل لأنه يعلم بالاستفاضة، ومع عدمها له اليمين على وليه أنه لا يعلم رشده، ولو تبرع وهو تحت الحجر فقامت بينة برشده نفذ، والأنثى يفوض إليها ما يفوض إلى ربة البيت من الغزل والاستغزال بأجرة المثل وتوكيلها بشراء الكتان ونحوه وحفظها الأطعمة، فإن وجدت ضابطة لما في يدها مستوفية من وكيلها فهي رشيدة، ولا يختبر إلا المراهق المميز الذي يعرف البيع والشراء والمصلحة والمفسدة، وبيع الاختبار وشراؤه صحيح (٣) وعنه لا يدفع إلى
الجارية مالها بعد رشدها حتى تتزوج أو تلد أو تقيم في بيت الزوج سنة (٤).
(فصل) ولوليهما الإنفاق عليهما من مالهما بغير حاكم كلقيط، ولو أفسد نفقته دفعها إليه يومًا
(١) (ويؤنس رشده) قال ابن المنذر: أكثر علماء الأمصار من أهل الحجاز والشام والعراق ومصر يرون الحجر على كل مضيع لماله صغيرًا كان أو كبيرًا، وروى الجوزجاني قال: كان القاسم بن محمد يلي أمر شيخ من قريش ذي أهل ومال لضعف عقله.
(٢) (لا إسراف في الخير) قال في الاختيارات: الإسراف ما صرفه في المحرمات أو كان صرفه في المباح يضر بعياله أو أسرف في مباح قدرًا زائدًا على المصلحة اهـ، والتبذير صرف الشيء فيما لا ينبغى.
(٣) (وشراؤه صحيح) لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ ولا يأمر بغير صحيح.
(٤) (سنة) المشهور من المذهب أن الجارية كالغلام يدفع إليها مالها إذا بلغت ورشدت وإن لم تتزوج كما تقدم وبه قال عطاء والثوري وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وابن المنذر، وهذه الرواية، روى عن عمر وبه قال شريح والشعبي وإسحق، لما روى عن شريح أنه قال "عهد إلى عمر أن لا أجيز لجارية عطية حتى تحول في بيت زوجها حولًا أو تلد" رواه سعيد، ولنا ما تقدم على أن حديث عمر مختص بمنع العطية.
стр. 450
بيوم (١) ومتى كان خلط قوته أرفق به فهو أولى للآية، ولو أفسد كسوته ستر عورته فقط في بيت ومتى رآه الناس ألبسه فإذا عاد نزع عنه ويقيد المجنون بالحديد لخوف عليه أو إذا خيف منه، ويجب على وليهما إخراج زكاة مالهما وفطرتهما، ولا يصح إقراره عليهما (٢) ويستحب إكرام اليتيم وإدخال السرور عليه ودفع الإِهانة عنه، فجبر قلبه من أعظم مصالحه قاله الشيخ (٣) ولوليهما مكاتبة رقيقهما وعتقه على مال إن كان فيه حظ، وله تزويج عبيد وإماء لمصلحة والسفر بمالهما لتجارة وغيرها في مواضع آمنة حتى في بحر (٤) وله بيعه نساء لملئ وقرضه لمصلحة
فيهما ولو بلا رهن ولا كفيل، قال القاضي: ومعنى الحظ أن يكون للصبي مال في بلد فيريد نقله إلى بلد آخر فيقرضه من رجل في ذلك البلد ليقضيه بدله في بلده يقصد به حفظه من التغير، وحديثه خير من قديمه كالحنطة ونحوها، وإن أراد أن يودع ماله فقرضه ثقة أولى، كل موضع قلنا له قرضه فلا يجوز إلا لأمين، ولا يقترض وصي ولا حاكم منه شيئًا لنفسه (٥) ولوليهما شراء العقار لهما وبناؤه بما جرت عادة أهل بلده، وله شراء الأضحية ليتيم له مال كثير من مال اليتيم (٦) في إحدى
(١) (يومًا بيوم) وعلم أن من يفسدها يجوز أن يعجل له ما جرت به عادة أهل بلده.
(٢) (إقراره عليهما) لأنه إقرار على الغير، بخلاف تصرفاته فيصح إقراره بها كالوكيل.
(٣) (قاله الشيخ) لحديث أبي الدرداء مرفوعًا "أتحب أن يلين قلبك، وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم، وامسح رأسه".
(٤) (أمنة حتى في بحر) وبه قال ابن عمر والنخعى والحسن بن صالح ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: "من ولى يتيمًا له مال فليتجر له ولا يتركه حتى تأكله الصدقة" وروى موقوفًا وهو أصح من المرفوع، ولا نعلم أحدًا كره التجارة فيه إلا الحسن ولعله أراد اجتناب المخاطرة به ورأى خزنه أحفظ له.
(٥) (لنفسه) وظاهره أن الأب له ذلك لعدم التهمة، وبه قال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي والشافعي وزاد: والجد.
(٦) (من مال اليتيم) وهذا قول أبي حنيفة ومالك، وعن أحمد رواية أخرى لا يجوز وهو مذهب الشافعي لأنه إخراج شيء من ماله بغير عوض.
стр. 451
الروايتين وتحرم صدقته بشيء منها (١) ويجوز تركه في المكتب وتعليمه الخط والرماية والأدب وما ينفعه وأداء الأجرة عنه، وتسليمه لصناعة إذا كانت مصلحة، ومداواته، وحمله ليشهد الجماعة بأجرة فيهما بلا إذن حاكم إذا رأى المصلحة في ذلك كله، ولا يبيع عقارهما (٢) إلا لمصلحة ولو لم يحصل زيادة على ثمن مثله. وأنواع المصلحة كثيرة إما لاحتياجه إلى نفقة أو كسوة أو قضاء دين أو لابد منه، وليس له ما تدفع به حاجته أو يخاف عليه الهلاك بغرق أو خراب أو نحوه أو يكون في بيعه غبطة وهي أن يبذل فيه زيادة كثيرة عن ثمن مثله، ولا يتقيد بالثلث، أو يكون في مكان لا ينتفع
به أو نفعه قليل فيبيعه ويشتري له في مكان يكثر نفعه (٣) أو يرى شيئًا يباع في شرائه غبطة لا يمكن شراؤه إلا ببيع عقاره، وقد تكون داره في مكان يتضرر الغلام بالمقام فيه فيبيعها ويشتري له بثمنها دارًا يصلح له المقام بها، وأشباه هذا مما لا ينحصر. وللولى أن يأذن للصغيرة أن تلعب بلعب غير مصورة أي بلا رأس وله شراؤها من مالها نصًّا. وله تجهيزها إذا زوجها بما يليق بها. وإن لم يمكن الولى تخليص حق موليه إلا برفعه إلى وال يظلمه فله رفعه كما لو لم يمكن رد المغصوب إلا بكلفة عظيمة (٤).
(فصل) ومن بلغ سفيهًا أو مجنونًا فالنظر إلى وليه قبله. وإن فك عنه الحجر فعاود السفه أو جن أعيد الحجر عليه. ولا يحجر عليهما ولا ينظر في أموالهما إلا الحاكم (٥) ولا ينفك عنهما إلا بحكمه. وإلشيخ
(١) (صدقته بشئ منها) ولو قيل بجواز الصدقة منها بما جرت العادة به لكان متجهًا اهـ إنصاف، وبه قال أبو حنيفة، خلافًا للشافعي.
(٢) (ولا يبيع عقارهما) من غير حاجة إذا كان نظرًا لهما، وبه قال الثوري والشافعي وإسحق وأصحاب الرأي، وهو مذهب الشافعي.
(٣) (في مكان يكثر نفعه) لما جاء عن النبي ﷺ ومن باع دارًا أو عقارًا ولم يصرف ثمنه في مثله لم يبارك له فيه.
(٤) (بكلفة عظيمة) فإن للمالك تكليف الغاصب ذلك والمؤنة على الغاصب لأنه المتسبب.
(٥) (إلا الحاكم) من جنون أو سفه بعد بلوغه ورشده وبهذا قال مالك والقاسم والأوزاعي والشافعي وإسحق وأبو ثور وأبو عبيد وأبو يوسف ومحمد، هذا واضح بالنسبة لمن سفه، وأما من جن فالجنون قال في المبدع لا يفتقر إلى اجتهاد بغير خلاف.
стр. 452
الكبير إذا اختل عقله حجر عليه بمنزلة المجنون. ومن حجر عليه استحث إظهاره عليه والإشهاد عليه لتجنب معاملته، ولا يصح تزوجه إلا بإذن وليه إن لم يكن محتاجًا إليه، والأصح وإن عضله الولي بالزواج استقل به فلو علم أنه يطلق اشترى له أمة ولا ينفذ عتقه (١) وينفق عليه ويكسى بالمعروف. ولا يصح وقفه وهبته ويصح تدبيره ووصيته (٢)، وله المطالبة
بالقصاص والعفو على مال، وتعتق الأمة المستولدة بموته، وإن أقر بحد أو طلق زوجته أو خلعها بمال صح، ويلزمه حكمه في الحال، ولا تبرأ المرأة بدفعها إليه، ويصح إقراره بما يوجب القصاص، ويصح ظهاره وإيلاؤه ولعانه، وإن أقر بنسب ولد صح ولزمته أحكامه، ويصح منه كل عبادة بدنية كحج وغيره، لا نذر عبادة مالية. وإن أحرم بحج فرض صح والنفقة من ماله، وإن لزمته كفارة يمين أو كفارة غيرها كفر بالصوم، وحكم تصرف وليه حكم تصرف ولي الصغير والمجنون.
(فصل) وإذا كان الولي غنيًا لم يجز له الأكل من مال المولى عليه إذا لم يكن أبًا، فإن فرض الحاكم شيئا جاز له أخذه مجانًا ولو مع غناه، وللحاكم الفرض حيث رأى فيه مصلحة، ويأكل ناظر وقف بمعروف نصًّا إذا لم يشترط الواقف له شيئًا، وظاهره ولو لم يكن محتاجًا قاله في القواعد، وقال الشيخ: له أخذ أجرة عمله مع فقره (٣) والوكيل في الصدقة لا يأكل منها شيئًا لأجل العمل (٤) ولا يأكل لفقره ولو كان محتاجًا لأنه منفذ، وليس لزوج حجر على امرأته الرشيدة في التبرع بشئ من مالها ولو زاد على الثلث (٥) وليس لحاكم حجر على مقتر على نفسه وعياله
(١) (ولا ينفذ عتقه) لأنه تبرع، بخلاف الطلاق فليس بإتلاف ماله.
(٢) (ووصيته) لأن ذلك محض مصلحة لأنه تقرب إلى الله بماله بعد غناه عنه، وكذا إن علق الوقت بالموت.
(٣) (مع فقره) قال في الفائق: وإلحاقه بعامل الزكاة في الأكل مع الغني أولى.
(٤) (لأجل العمل) لأنه يمكنه موافقة الموكل على أجرة بخلاف الوصى أشار إليه القاضي.
(٥) (ولو زاد على الثلث) لقوله ﵊ "يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن" وكن يتصدقن ويقبل منهن ولم يستفصل، هذه إحدى الروايتين وهي المذهب، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وابن المنذر والثانية ليس لها أن تصدق في مالها بزيادة على الثلث بغير عوض إلا بإذن زوجها وهو قول مالك ونصره القاضي وأصحابه لقوله ﵊ "لا يجوز لامرأة عطية في مالها إلا بإذن زوجها إذا ملك عصمتها" رواه أبو داود ولنا الخبر.
стр. 453
لكن ينفق عليه جبرًا بالمعروف من ماله (١).
(فصل) ولولي مميز وسيد عبد الإِذن لهما في التجارة فينفك عنهما الحجر فيما أذن لهما فيه فقط، وفى النوع الذي أمرا به فقط، ويصح إقرارهما بقدر ما أذن لهما
فيه، وليس لأحد منهما أن يوكل فيما يتولى مثله بنفسه، وإن أذن له في جميع أنواع التجارة لم يجز أن يؤجر نفسه ولا يتوكل لغيره ولو لم يقيد عليه، وإن كل فكوكيل (٢) ومتى عزل سيد قنه انعزل وكيله (٣) وإن رآه سيده أو وليه يتجر فلم ينهه لم يصر مأذونًا له، قال الشيخ ولكن يكون تغريرًا فيكون ضامنًا بحيث أنه ليس له أن يطالب المشتري بالضمان (٤) وإذا تصرف غير المأذون ببيع أو شراء بعين المال أو في ذمته أو بقرض لم يصح، ثم إن وجد ما أخذه فلربه أخذه منه ومن سيده إن كان بيده وحيث كان، فإن تلف في يد السيد أو غيره رجع عليه بذلك، وإن شاء كان متعلقًا برقبة العبد وإن أهلكه العبد تعلق برقبته يفديه سيده أو يسلمه (٥) إن لم يعتقه، فإن أعتقه لزم السيد الذي عليه قبل العتق، ويضمنه بمثله إن كان مثليًا وإلا فبقيمته، ويتعلق دين مأذون له في التجارة
(١) (على نفسه وعياله إلخ) يعنى في العقود والتصرف في ماله.
(٢) (وإن وكل فكوكيل) يصح فيما يعجزه وفيما لا يتولى مثله بنفسه فقط.
(٣) (انعزل كيله) لأنه متصرف لغيره بإذنه، وتوكيله فرع إذنه فإذا بطل الإِذن بطل ما هو مبني عليه، بخلاف وكيل صبي ومكاتب وراهن أذنه مرتهن في بيع رهن "فإذا وكلوا وبطل الإذن لم تبطل الوكالة لأن كلًا منهم متصرف في مال نفسه فلم ينعزل كيله بتغير الحال، لكن لا يتصرف في حال المنع كموكله.
(٤) (بالضمان) فإن ترك الواجب عندنا كفعل المحرم، كما نقول فيمن قدر على إنجاء إنسان من مهلكة، بل الضمان أقوى، وقال الشيخ أيضًا إن علم السيد بتصرفه لم يقبل ولو قدر صدقة فتسليطه عدوان منه فيضمن.
(٥) (يفديه سيده أو يسلمه) هذا المذهب، والرواية الثانية يتعلق بذمته ويتبع به بعد العتق وهو مذهب الشافعي.
стр. 454
بذمة سيده بالغًا ما بلغ (١) وإن حجر عليه وفي يده مال ثم أذن له فأقر به صح، ولا يملك عبد بتمليك، ولا يعامل صغير إلا في مثل ما
يعامل مثله، ولا يبطل الإِذن الإِباق، ولا يصح تبرع المأذون له بهبة الدراهم كسوة الثياب ونحوها، ويجوز له هدية مأكول وإعارة دابة (٢) وعمل دعوة وإعارة ثوبه بلا إسراف (٣) ولغير المأذون له الصدقة من قوته بالرغيف ونحوه إذ لم يضر به، وللمرأة الصدقة من بيت زوجها بمثل ذلك (٤) إلا أن يمنعها أو يكون بخيلًا فتشك في رضاه فيحرم فيهما كصدقة الرجل بطعام المرأة فإن كان في بيت الرجل من يقوم مقام امرأته فهو كزوجته، وإن كانت المرأة ممنوعة من التصرف في بيت زوجها كالتي يطعمها بالفرض ولا يمكنها من طعامه فهو كما لو منعها بالقول.
باب الوكالة (٥)
(١) (بالغًا ما بلغ) وهو المذهب، لأنه غر الناس بمعاملته. وعنه يتعلق برقبته وهو ظاهر قول أبى حنيفة، وقال مالك والشافعي: إن كان في يده مال قضيت ديونه منه، وإن لم يكن فيها شئ تعلق بذمته يتبع به بعد العتق.
(٢) (وإعارة دابة) وبه قال أبو حنيفة، خلافًا للشافعي.
(٣) (بلا إسراف) لأنه ﵊ "كان يجيب دعوة المملوك، ولأنه مما جرت به عادة التجار فيما بينهم فيدخل في عموم الإذن، قال المصنف: الإِسراف صرف الشيء فيما ينبغى زائدًا على ما ينبغي.
(٤) (بمثل ذلك) في إحدى الروايتين، لحديث عائشة ترفعه "إذا أنفقت المرأة من طعام زوجها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت ولزوجها أجر ما اكتسب وللخادم مثل ذلك لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئًا" متفق عليه ولم يذكر إذنًا.
(٥) الوكالة بفتح الواو كسرها بمعنى التوكيل، ولغة التفويض، يقال وكلت أمرى إلى الله أي فوضته إليه واكتفيت به. وتطلق ويراد بها الحفظ، ومنه قوله ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ وشرعًا إلى آخره.
стр. 455
وهي إستنابة جائز التصرف مثله فيم تدخله النيابة، ويجوز تعليقها على شرط نحو إذا قدم الحاج فافعل كذا (١) ولا يصح أن يوكل في بيع ما سيملكه ولا طلاق من يتزوجها، ويجوز توكيل حر واجد الطول في قبول نكاح أمة لمن تباح له، وتوكل غنى في قبض زكاة لفقير، وقبول نكاح أخته ونحوها من أبيه لأجنبي، وطلاق امرأة نفسها وغيرها بالوكالة، فيصح فيهما. وتصح وكالة المميز بإذن وليه، ويجوز الاستيفاء في حضرة الموكل وغيبته ولو كان التوكيل بغير رضا الخصم حتى في صلح وإقرار، ولابد من تعيين ما يقر به، ولو أذن له أن يتصدق بمال لم يجز أن يأخذ منه لنفسه إذا كان من أهل الصدقة ولا لأجل العمل، ويحتمل الجواز إن دلت قرينة ويحتمل الجواز مطلقًا، ويجوز أن يدفع منه لوالده وولده وزوجته في أحد الوجهين، فلو وكل امرأته في طلاق نسائه لم تملك طلاق نفسها (٢) وإن وكله في إبراء غرمائه لم يكن له أن يبريء نفسه، وليس لوكيل أن يوكل فيما يتولى مثله إلا بإذن موكل، وكذا حاكم يتولى القضاء في ناحية فيستنيب غيره وحيث جازت الاستنابة فله أن يستنيب من غير مذهبه (٣) وما عجز عنه لكثرته أو ما لا يتولى مثله بنفسه له التوكيل فيه (٤).
(فصل) والوكالة عقد جائز من الطرفين، وتبطل بفسق أحدهما فيما ينافيه فقط كإيجاب في نكاح (٥)، ولا تبطل بالإِغماء والتعدي (٦) ويصير بالتعدي ضامنًا، فلو
وكل في بيع ثوب فلبسه صار ضامنًا، فإذا باعه صح بيعه وبرئ من ضمانه، فإذا قبض الثمن صار أمانة في يده غير مضمون عليه، فإن رده عليه بعيب عاد
(١) (إذا قدم الحاج فافعل كذا) وإذا طلب منك أهلي شيئًا فادفعه إليهم، وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: لا تصح، لكن إن تصرف صح تصرفه لوجود الإِذن.
(٢) (لم تملك طلاق نفسها) لأن ذلك ينصرف باطلاقه إلى التصرف في غيره.
(٣) (من غير مذهبه) ذكره القاضي في الأحكام السلطانية وابن حمدان في الرعاية.
(٤) (له التوكيل فيه) على الصحيح من المذهب، واختار القاضي وابن عقيل أن له التوكيل في القدر المعجوز عنه خاصة.
(٥) (كإيجاب في نكاح) لخروجه عن أهلية التصرف بخلاف الوكيل في قبوله أو بيع أو شراء فلا ينعزل بفسق موكله ولا بفسقه لأنه يجوز منه ذلك لنفسه فجاز لغيره كالعدل.
(٦) (بالإِغماء والتعدي) هذا المذهب، وقيل تبطل به جزم به القاضي في خلافه.
стр. 456
الضمان، ولو دفع إليه مالًا ووكله أن يشتري به شيئًا فتعدى في الثمن صار ضامنًا، فإذا اشترى به وسلمه زال الضمان وقبضه للمبيع قبض أمانة، وتبطل باقتراضه المال الذي بيده كتلفه، كما إذا دفع إليه دينارًا ووكله في الشراء به فاستقرض الوكيل الدينار، ولو عزل دينارًا عوضه واشترى به فيصير كالشراء له من غير إذن لأن الوكالة بطلت والدينار الذي عزله عوض لا يصير للموكل حتى يقبضه، فإذا اشترى به شيئًا وقف على إجازة الموكل فإن أجازه صح (١)، ويصح توكيل مسلم كافرًا فيما يصح تصرفه فيه (٢) وإن كله في طلاق امرأته فوطئها بطلت ولا ينعزل الوكيل قبل علمه في إحدى الروايتين (٣) والثانية ينعزل بالموت والعزل قبل علمه به (٤) فيضمن إن تصرف لبطلان تصرفه. وقال الشيخ: لا يضمن مطلقًا، وهو الصواب لعدم تفريصه (٥) ويقبل قول الموكل أنه أخرج زكاته قبل دفع الوكيل إلى الساعي، وتؤخذ منه إن كانت بيده، وظاهره أنه لو كان الوكيل دفع الزكاة لنحو فقير لا يقبل قول الموكل بلا بينة (٦) ولا ينعزل المودع قبل علمه (٧) ولو قال شخص لآخر اشتر كذا بيننا فقال نعم، ثم قال لآخر نعم، فقد عزل
نفسه من وكالة الأول ويكون ذلك له وللثاني (٨) وتنفسخ شركة ومضاربة بعزله قبل العلم، ومتى صح العزل صار ما بيده أمانة، وإذا وقعت الوكالة مطلقة ملك التصرف أبدا ما لم تنفسخ، ويحصل فسخها بقوله فسخت الوكالة أو أبطلتها ونحو ذلك أو يعزل الوكيل نفسه (٩) أو يوجد ما يقتضي فسخها حكمًا، وحقوق العقد (١٠)، متعلقة بالموكل لأن
(١) (أجازه صح) الشراء ولزم الثمن، وإلا لزم الوكيل فيؤدي ثمنه.
(٢) (تصرفه فيه) من بيع ونحوه لأن العدالة غير معتبرة فيه كذلك الدين.
(٣) (في إحدى الروايتين) لما في ذلك من الضرر، لأنه يتصرف تصرفات فتقع باطلة، فعلى هذه الرواية متى تصرف قبل العلم صح تصرفه، وهذا قول أبى حنيفة.
(٤) (قبل علمه به) هذا المذهب لأنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضا صاحبه فصح بغير علمه كالطلاق.
(٥) (لعدم تفريطه) وفي باب العفو عن القصاص أن الوكيل لو اقتص ولم يعلم عفو موكله لا ضمان عليهما.
(٦) (بلا بينة) أنه أخرج قبل ذلك حتى ينتزعها من الفقير.
(٧) (قبل علمه) بموت المودع أو عزله على الصحيح من المذهب فيما بيده أمانة ولو نقلها من محل إلى محل آخر.
(٨) (له وللثاني) لأن إجابته للثاني دليل رجوعه عن إجابة الأول.
(٩) (أو يعزل الوكيل نفسه) وروى عن أبي حنيفة أن الوكيل إن عزل نفسه لم ينعزل إلا بحضرة الموكل فلا يصح رد أمره بغير حضرته.
(١٠) (وحقوق العقد) كتسليم التمن وقبض المبيع وضمان الدرك والرد بالعيب ونحوه.
стр. 457
الملك ينتقل إليه ابتداء ولا يدخل في ملك الوكيل، ولا يطالب بالثمن ولا في البيع بتسليم المبيع بل يطالب بهما الموكل، وقال في المغني والشرح إن اشترى وكيل في شراء في الذمة فكضامن (١) وقال الشيخ فيمن وكل في البيع أو الشراء أو الاستئجار. فإن لم يسم موكله في العقد فضامن وإلا فروايتان، وظاهر المذهب تضمينه، ولا يصح إقرار الوكيل على موكله بغير ما وكل فيه، ويرد الموكل بعيب ويضمن العهدة (٢) ونحو ذلك، وإذا وكل اثنين لم يجز لأحدهما الانفراد بالتصرف إلا أن يجعل ذلك إليه، وصوب في الانصاف جوازه في الخصومة، وإن غاب أحدهما لم يكن للآخر التصرف ولا للحاكم ضم أمين ليتصرفا، وفارق ما لو مات أحد الوصيين حيث يضيف الحاكم إلى الوصي أمينا يتصرف، لكون الحاكم له النظر ولهذا لو لم يوص إلى أحد أقام الحاكم أمينًا في النظر لليتيم (٣) ولا يجوز للوكيل في
البيع أن يشتري لنفسه (٤) وعنه يجوز إذا زاد على مبلغه في النداء أو وكل من يبيع وكان أحد المشترين، ويصح بيعه لإخوته وأقاربه لا لولده ووالده ومكاتبه ونحوهم (٥) إلا بإذن الموكل، وكذا حاكم وأمينه ووصى وناظر وقف، وأما إجارة الوقف فقال ابن عبد الهادي في جمع الجوامع: إن كان الوقف على نفس الواقف
(١) (فكضامن) يثبت الثمن في ذمة الموكل أصلًا وفي ذمة الوكيل تبعًا كالضامن، وللبائع مطالبة من شاء منهما.
(٢) (ويضمن العهدة) إن ظهر المبيع أو الثمن مستحقًا أو معيبًا إن علم مشتر بالوكالة وإلا فله طلبه ابتداء للتغرير.
(٣) (في النظر لليتيم) فإن للحاكم النظر في حقه وحق الميت، بخلاف الموكل فإنه رشيد جائز التصرف لا ولاية للحاكم عليه.
(٤) (أن يشتري لنفسه) هذا المذهب وكذلك لو وكل في الشراء لم يشتر من نفسه، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي. وكذلك الوصى لا يجوز أن يشتري من مال اليتيم شيئًا لنفسه. وحكى عن مالك والأوزاعي جواز ذلك فيهما. ووجه الرواية الأولى أن العرف في البيع بيع الرجل من غيره.
(٥) (ومكاتبه ونحوهم) هذا أحد الوجهين وهو المذهب، لأنه متهم في حقهم.
стр. 458
فإجارته لولده صحيحة بلا نزاع، وإن كان على غيره ففيه تردد يحتمل أوجهًا (١).
(فصل) وليس للوكيل العقد مع فقير لا يقدر على الثمن، ولا قاطع طريق. ولو حضر من يزيد على ثمن المثل لم يجز بيعه به (٢) فإن باع بثمن المثل فحضر من يزيد في مدة خيار لم يلزمه فسخ، وإن قال بعه بدرهم فباعه بدينار، أو اشتره بدينار فاشتراه بدرهم صح لأنه مأذون فيه عرفًا (٣) لا إن باعه بثوب يساوي دينارًا، وإن قال اشتر بمائة ولا تشتره بدونها فخالفه لم يجز، وإن وكله في بيع شيء فباع بعضه بدون
الكل لم يصح ما لم يبع الباقي، ولو قال الموكل: اشتر لي شاة بدينار فاشترى شاتين تساوي إحداهما دينارًا أو اشترى شاة تساوى دينارًا بأقل منه صح وكان الزائد للموكل (٤) وإن باع إحدى الشاتين لا كلتيهما بغير إذن صح إن كانت الباقية تساوي دينارًا ولا يملك الوكيل في البيع والشراء شرط الخيار للعاقد معه، وله شرطه لنفسه ولموكله، وليس له شراء معيب فإن فعله عالمًا لزمه ما لم يرض الوكيل، وليس له ولا لموكله رده، وإن اشترى بغير المال فكشراء فضولي فلا يصح على المذهب، فإن حضر الموكل قبل رد الوكيل ورضى بالعيب لم يكن للوكيل رده، وإن قال موكلك أخذ حقه أو أبرأني لم يقبل منه ولم يؤخر الطلب، وليس لوكيل في بيع تقليبه على مشتر إلا بحضرة موكل (٥) وإلا ضمن.
(فصل) وإن وكله في شراء بعين فاشتراه فوجده معيبًا فله الرد قبل إعلام موكله في أحد الوجهين (٦)
(١) (يحتمل أوجهًا) منها الصحة وحكم به جماعة من قضاتنا، والثاني تصح بأجرة المثل فقط. والثالث لا تصح مطلقًا وهو الذي أفتى به بعض إخواننا، والمختار الثاني اهـ كلامه ملخصًا. والذي أفتى به مشايخنا عدم الصحة.
(٢) (بيعه به) لأن عليه الاحتياط وطلب الحظ للموكل، فإن خالف وباع فمقتضى ما في الراد وغيره يصح البيع، وظاهر كلامهم ولا ضمان، ولم أره مصرحًا به قاله في شرح الإقناع.
(٣) (مأذون فيه عرفًا) قال في المبدع: وإن اختلط الدرهم بآخر له عمل بظنه، ويقبل قوله حكمًا ذكره القاضي.
(٤) (وكان الزائد للموكل) لحديث عروة بن الجعد "أن النبي ﷺ بعث معه بدينار ضحية - وقال مرة شاة - فاشترى له اثنين فباع واحدة بدينار وأتاه بالأخرى فدعا له بالبركة، فكان لو اشترى ترابًا لربح".
(٥) (إلا بحضرة موكل) بأن دفعه إليه ليقلبه بحيث يغيب له عن الوكيل كأخذه ليريه أهله، لأن الإِذن في البيع لا يتناوله.
(٦) (في أحد الوجهين) على الصحيح جزم به في الوجيز وصححه في الإِنصاف وتصحيح الفروع، لأن الأمر يقتضى السلامة: والثاني ليس له الرد قال في المبدع وهو الأشهر لأن الموكل قطع نظره بالتعيين فربما رضيه بجميع صفاته.
стр. 459
وإن قال اشتر لي بهذه الدراهم ولم يقل بعينها جاز أن يشتري له في ذمته وبعينها، وإن قال بعين هذا الثمن فاشترى بثمن في ذمته صح البيع ولم يلزم الموكل (١) وإن قال اشتر لي في ذمتك وانقد الثمن فاشترى بعينه صح (٢) وإن أمره
ببيعه في سوق بثمن فباعه به في آخر صح إن لم يكن له فيه غرض، وإن قال بعه لزيد فباعه من غيره لم يصح (٣) وإن وكله في التصرف في زمن مقيد يملك التصرف قبله ولا بعده والوكيل في البيع لا يملك قبض ثمنه إلا بإذن أو قرينة تدل عليه، مثل توكيله في بيع سلعة في سوق غائبة عن الموكل أو موضع يضيع الثمن بترك قبض الوكيل ونحوه (٤) فمتى ترك ضمنه، وكذلك لو أفضى إلى الربا ولم يحضر الموكل، وكذلك الحكم فيما كل على شرائه وإن أمره بقبض دراهم أو دينار لم يصارف بغير إذن، وإن وكله في بيع ماله كله أو ما شاء منه أو المطالبة بحقوقه كلها أو الإِبراء منها أو ما شاء منها صح (٥)، وإن قال اشتر لي ما شئت أو اشتر عبدًا بما شئت لم يصح التوكيل حتى يذكر النوع وقدر الثمن، واقتصر القاضي على ذكر النوع (٦) وإن وكله في مخاصمة غرمائه صح وإن جهلهم، وفي الفنون لا تصح الوكالة ممن علم ظلم موكله
(١) (ولم يلزم الموكل) لأن الثمن إذا تعين انفسخ بتلفه ولم يلزمه ثمن في ذمته وهذا غرض صحيح.
(٢) (صح) ولزم الموكل، لأنه أذنه في عقد يلزمه به الثمن مع بقاء الدراهم وتلفها فكان إذنًا في عقد لا يلزمه الثمن إلا مع بقائه. ومال المصنف والشافعي إلى أنه لا يصح لأنه قد يكون له غرض الشراء بغير عينها لشبهة فيها لا يحب أن تشترى بها ونحوه.
(٣) (لم يصح) البيع للمخالفة، لأنه قد يقصد نفعه، قال في المغنى والشرح: إلا أن يعلم بقرينة أو صريح أنه لا غرض له في عين المشترى.
(٤) (ونحوه) هذا أحد الوجوه جزم به في الوجيز واختاره الموفق وقدمه في المحرر، قال في الإِنصاف: وهو الصواب. والوجه الثاني لا يملك قبض الثمن مطلقًا وهو المذهب اختاره القاضي وغيره، والوجه الثالث يملك مطلقًا.
(٥) (أو ما شاء منها صح) التوكيل لقلة الغرر، قال في المبدع: وظاهر كلامهم في بيع من مالي ما شئت لم يبع ماله كله.
(٦) (النوع) لأنه إذا ذكر نوعًا فقد أذن في أعلى ثمن فيقل الغرر.
стр. 460
في الخصومة ولا شك فيما قال (١) وكذا لو ظن ظلمه أيضًا وله إثبات وكالته مع غيبة موكله فيقيم البينة بلا دعوى، وإن أمره بدفع ثوب إلى قصار
معين فدفعه ونسيه لم يضمنه، وإن وكل مدين مودعًا أو غيره في قضاء دين ولو لم يأمره بإشهاد فقضاه في غيبته ولم يشهد فأنكر الغريم ضمن الوكيل، قال القاضي وغيره: سواء صدقه الموكل في القضاء أو كذبه (٢) إلا أن يقضيه بحضرة الموكل، وإن أشهد فماتوا أو غابوا فلا ضمان عليه.
(فصل) والوكيل أمين، ويقبل قوله بأنه تصرف في كل ما وكل فيه ولو في عقد نكاح، وإن اختلفا في رد عين أو ثمنها إلى موكل فقول وكيل مع يمينه إن كان متبرعًا. وكذا وصى وعامل وقف وناظره إذا كانوا متبرعين لا يجعل فيهن، وإن شرط على الوكيل الضمان لغى الشرط (٣) وإن اتفق البائع والمشتري على ما يبطل البيع وقال الموكل بل البيع. صحيح فقوله (٤) ويجوز التوكيل بجعل معلوم (٥) وبغير جعل (٦) ويستحق الجعل مع الإِطلاق قبل قبض الثمن ما لم يشترط عليه الموكل (٧) ولو قال بع ثوبي بعشرة فما زاد فلك صح (٨) ويصح تصرفه بالإِذن وله أجرة مثله (٩) ولو كان له
على رجل دراهم فأرسل إليه رسولًا
(١) (فيما قال) قاله في الإِنصاف، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ ذكر القاضي فيه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن غيره في إثبات حق أو نفيه وهو غير عالم بحقيقة أمره.
(٢) (أو كذبه) لأنه إنما أذن في قضاء مبرئ ولم يوجد.
(٣) (لغى الشرط) فإذا تلف منه شيء بغير تفريط لم يضمنه، والشرط لاغ لأنه ينافي مقتضى العقد.
(٤) (فقوله) لأنه يدعى الأصل وهو الصحة ولا يقبل إقرارهما عليه.
(٥) (بجعل معلوم) لأنه ﵊ كان يبعث عماله لقبض الصدقات ويجعل لهم على ذلك جعلًا.
(٦) (وبغير جعل) لأن النبي ﷺ وكَّل أنيسًا في إقامة الحد. وعروة في شراء شاة، وعمرو بن أمية الضمري وأبا رافع في قبول النكاح له.
(٧) (الموكل) قبض الثمن فلا يستحقه قبله لعدم توفيته العمل.
(٨) (صح) نص عليه، وبهذا قال ابن سيرين وإسحق، وكرهه النخعي وحماد والثوري وأبو حنيفة والشافعي وابن المنذر، لأنه أجر مجهول يحتمل الوجود والعدم، ولنا أنه رأي عن ابن عباس ولم يعرف له في عصره مخالف، ولأنه تصرف لغيره لا يلزمه.
(٩) (وله أجرة مثله) لأنه عمل بعوض لم يسلم له.
следующие страницы →