Полный текст (943 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
الضمان، ولو دفع إليه مالًا ووكله أن يشتري به شيئًا فتعدى في الثمن صار ضامنًا، فإذا اشترى به وسلمه زال الضمان وقبضه للمبيع قبض أمانة، وتبطل باقتراضه المال الذي بيده كتلفه، كما إذا دفع إليه دينارًا ووكله في الشراء به فاستقرض الوكيل الدينار، ولو عزل دينارًا عوضه واشترى به فيصير كالشراء له من غير إذن لأن الوكالة بطلت والدينار الذي عزله عوض لا يصير للموكل حتى يقبضه، فإذا اشترى به شيئًا وقف على إجازة الموكل فإن أجازه صح (١)، ويصح توكيل مسلم كافرًا فيما يصح تصرفه فيه (٢) وإن كله في طلاق امرأته فوطئها بطلت ولا ينعزل الوكيل قبل علمه في إحدى الروايتين (٣) والثانية ينعزل بالموت والعزل قبل علمه به (٤) فيضمن إن تصرف لبطلان تصرفه. وقال الشيخ: لا يضمن مطلقًا، وهو الصواب لعدم تفريصه (٥) ويقبل قول الموكل أنه أخرج زكاته قبل دفع الوكيل إلى الساعي، وتؤخذ منه إن كانت بيده، وظاهره أنه لو كان الوكيل دفع الزكاة لنحو فقير لا يقبل قول الموكل بلا بينة (٦) ولا ينعزل المودع قبل علمه (٧) ولو قال شخص لآخر اشتر كذا بيننا فقال نعم، ثم قال لآخر نعم، فقد عزل
نفسه من وكالة الأول ويكون ذلك له وللثاني (٨) وتنفسخ شركة ومضاربة بعزله قبل العلم، ومتى صح العزل صار ما بيده أمانة، وإذا وقعت الوكالة مطلقة ملك التصرف أبدا ما لم تنفسخ، ويحصل فسخها بقوله فسخت الوكالة أو أبطلتها ونحو ذلك أو يعزل الوكيل نفسه (٩) أو يوجد ما يقتضي فسخها حكمًا، وحقوق العقد (١٠)، متعلقة بالموكل لأن
(١) (أجازه صح) الشراء ولزم الثمن، وإلا لزم الوكيل فيؤدي ثمنه.
(٢) (تصرفه فيه) من بيع ونحوه لأن العدالة غير معتبرة فيه كذلك الدين.
(٣) (في إحدى الروايتين) لما في ذلك من الضرر، لأنه يتصرف تصرفات فتقع باطلة، فعلى هذه الرواية متى تصرف قبل العلم صح تصرفه، وهذا قول أبى حنيفة.
(٤) (قبل علمه به) هذا المذهب لأنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضا صاحبه فصح بغير علمه كالطلاق.
(٥) (لعدم تفريطه) وفي باب العفو عن القصاص أن الوكيل لو اقتص ولم يعلم عفو موكله لا ضمان عليهما.
(٦) (بلا بينة) أنه أخرج قبل ذلك حتى ينتزعها من الفقير.
(٧) (قبل علمه) بموت المودع أو عزله على الصحيح من المذهب فيما بيده أمانة ولو نقلها من محل إلى محل آخر.
(٨) (له وللثاني) لأن إجابته للثاني دليل رجوعه عن إجابة الأول.
(٩) (أو يعزل الوكيل نفسه) وروى عن أبي حنيفة أن الوكيل إن عزل نفسه لم ينعزل إلا بحضرة الموكل فلا يصح رد أمره بغير حضرته.
(١٠) (وحقوق العقد) كتسليم التمن وقبض المبيع وضمان الدرك والرد بالعيب ونحوه.
стр. 457
الملك ينتقل إليه ابتداء ولا يدخل في ملك الوكيل، ولا يطالب بالثمن ولا في البيع بتسليم المبيع بل يطالب بهما الموكل، وقال في المغني والشرح إن اشترى وكيل في شراء في الذمة فكضامن (١) وقال الشيخ فيمن وكل في البيع أو الشراء أو الاستئجار. فإن لم يسم موكله في العقد فضامن وإلا فروايتان، وظاهر المذهب تضمينه، ولا يصح إقرار الوكيل على موكله بغير ما وكل فيه، ويرد الموكل بعيب ويضمن العهدة (٢) ونحو ذلك، وإذا وكل اثنين لم يجز لأحدهما الانفراد بالتصرف إلا أن يجعل ذلك إليه، وصوب في الانصاف جوازه في الخصومة، وإن غاب أحدهما لم يكن للآخر التصرف ولا للحاكم ضم أمين ليتصرفا، وفارق ما لو مات أحد الوصيين حيث يضيف الحاكم إلى الوصي أمينا يتصرف، لكون الحاكم له النظر ولهذا لو لم يوص إلى أحد أقام الحاكم أمينًا في النظر لليتيم (٣) ولا يجوز للوكيل في
البيع أن يشتري لنفسه (٤) وعنه يجوز إذا زاد على مبلغه في النداء أو وكل من يبيع وكان أحد المشترين، ويصح بيعه لإخوته وأقاربه لا لولده ووالده ومكاتبه ونحوهم (٥) إلا بإذن الموكل، وكذا حاكم وأمينه ووصى وناظر وقف، وأما إجارة الوقف فقال ابن عبد الهادي في جمع الجوامع: إن كان الوقف على نفس الواقف
(١) (فكضامن) يثبت الثمن في ذمة الموكل أصلًا وفي ذمة الوكيل تبعًا كالضامن، وللبائع مطالبة من شاء منهما.
(٢) (ويضمن العهدة) إن ظهر المبيع أو الثمن مستحقًا أو معيبًا إن علم مشتر بالوكالة وإلا فله طلبه ابتداء للتغرير.
(٣) (في النظر لليتيم) فإن للحاكم النظر في حقه وحق الميت، بخلاف الموكل فإنه رشيد جائز التصرف لا ولاية للحاكم عليه.
(٤) (أن يشتري لنفسه) هذا المذهب وكذلك لو وكل في الشراء لم يشتر من نفسه، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي. وكذلك الوصى لا يجوز أن يشتري من مال اليتيم شيئًا لنفسه. وحكى عن مالك والأوزاعي جواز ذلك فيهما. ووجه الرواية الأولى أن العرف في البيع بيع الرجل من غيره.
(٥) (ومكاتبه ونحوهم) هذا أحد الوجهين وهو المذهب، لأنه متهم في حقهم.
стр. 458
فإجارته لولده صحيحة بلا نزاع، وإن كان على غيره ففيه تردد يحتمل أوجهًا (١).
(فصل) وليس للوكيل العقد مع فقير لا يقدر على الثمن، ولا قاطع طريق. ولو حضر من يزيد على ثمن المثل لم يجز بيعه به (٢) فإن باع بثمن المثل فحضر من يزيد في مدة خيار لم يلزمه فسخ، وإن قال بعه بدرهم فباعه بدينار، أو اشتره بدينار فاشتراه بدرهم صح لأنه مأذون فيه عرفًا (٣) لا إن باعه بثوب يساوي دينارًا، وإن قال اشتر بمائة ولا تشتره بدونها فخالفه لم يجز، وإن وكله في بيع شيء فباع بعضه بدون
الكل لم يصح ما لم يبع الباقي، ولو قال الموكل: اشتر لي شاة بدينار فاشترى شاتين تساوي إحداهما دينارًا أو اشترى شاة تساوى دينارًا بأقل منه صح وكان الزائد للموكل (٤) وإن باع إحدى الشاتين لا كلتيهما بغير إذن صح إن كانت الباقية تساوي دينارًا ولا يملك الوكيل في البيع والشراء شرط الخيار للعاقد معه، وله شرطه لنفسه ولموكله، وليس له شراء معيب فإن فعله عالمًا لزمه ما لم يرض الوكيل، وليس له ولا لموكله رده، وإن اشترى بغير المال فكشراء فضولي فلا يصح على المذهب، فإن حضر الموكل قبل رد الوكيل ورضى بالعيب لم يكن للوكيل رده، وإن قال موكلك أخذ حقه أو أبرأني لم يقبل منه ولم يؤخر الطلب، وليس لوكيل في بيع تقليبه على مشتر إلا بحضرة موكل (٥) وإلا ضمن.
(فصل) وإن وكله في شراء بعين فاشتراه فوجده معيبًا فله الرد قبل إعلام موكله في أحد الوجهين (٦)
(١) (يحتمل أوجهًا) منها الصحة وحكم به جماعة من قضاتنا، والثاني تصح بأجرة المثل فقط. والثالث لا تصح مطلقًا وهو الذي أفتى به بعض إخواننا، والمختار الثاني اهـ كلامه ملخصًا. والذي أفتى به مشايخنا عدم الصحة.
(٢) (بيعه به) لأن عليه الاحتياط وطلب الحظ للموكل، فإن خالف وباع فمقتضى ما في الراد وغيره يصح البيع، وظاهر كلامهم ولا ضمان، ولم أره مصرحًا به قاله في شرح الإقناع.
(٣) (مأذون فيه عرفًا) قال في المبدع: وإن اختلط الدرهم بآخر له عمل بظنه، ويقبل قوله حكمًا ذكره القاضي.
(٤) (وكان الزائد للموكل) لحديث عروة بن الجعد "أن النبي ﷺ بعث معه بدينار ضحية - وقال مرة شاة - فاشترى له اثنين فباع واحدة بدينار وأتاه بالأخرى فدعا له بالبركة، فكان لو اشترى ترابًا لربح".
(٥) (إلا بحضرة موكل) بأن دفعه إليه ليقلبه بحيث يغيب له عن الوكيل كأخذه ليريه أهله، لأن الإِذن في البيع لا يتناوله.
(٦) (في أحد الوجهين) على الصحيح جزم به في الوجيز وصححه في الإِنصاف وتصحيح الفروع، لأن الأمر يقتضى السلامة: والثاني ليس له الرد قال في المبدع وهو الأشهر لأن الموكل قطع نظره بالتعيين فربما رضيه بجميع صفاته.
стр. 459
وإن قال اشتر لي بهذه الدراهم ولم يقل بعينها جاز أن يشتري له في ذمته وبعينها، وإن قال بعين هذا الثمن فاشترى بثمن في ذمته صح البيع ولم يلزم الموكل (١) وإن قال اشتر لي في ذمتك وانقد الثمن فاشترى بعينه صح (٢) وإن أمره
ببيعه في سوق بثمن فباعه به في آخر صح إن لم يكن له فيه غرض، وإن قال بعه لزيد فباعه من غيره لم يصح (٣) وإن وكله في التصرف في زمن مقيد يملك التصرف قبله ولا بعده والوكيل في البيع لا يملك قبض ثمنه إلا بإذن أو قرينة تدل عليه، مثل توكيله في بيع سلعة في سوق غائبة عن الموكل أو موضع يضيع الثمن بترك قبض الوكيل ونحوه (٤) فمتى ترك ضمنه، وكذلك لو أفضى إلى الربا ولم يحضر الموكل، وكذلك الحكم فيما كل على شرائه وإن أمره بقبض دراهم أو دينار لم يصارف بغير إذن، وإن وكله في بيع ماله كله أو ما شاء منه أو المطالبة بحقوقه كلها أو الإِبراء منها أو ما شاء منها صح (٥)، وإن قال اشتر لي ما شئت أو اشتر عبدًا بما شئت لم يصح التوكيل حتى يذكر النوع وقدر الثمن، واقتصر القاضي على ذكر النوع (٦) وإن وكله في مخاصمة غرمائه صح وإن جهلهم، وفي الفنون لا تصح الوكالة ممن علم ظلم موكله
(١) (ولم يلزم الموكل) لأن الثمن إذا تعين انفسخ بتلفه ولم يلزمه ثمن في ذمته وهذا غرض صحيح.
(٢) (صح) ولزم الموكل، لأنه أذنه في عقد يلزمه به الثمن مع بقاء الدراهم وتلفها فكان إذنًا في عقد لا يلزمه الثمن إلا مع بقائه. ومال المصنف والشافعي إلى أنه لا يصح لأنه قد يكون له غرض الشراء بغير عينها لشبهة فيها لا يحب أن تشترى بها ونحوه.
(٣) (لم يصح) البيع للمخالفة، لأنه قد يقصد نفعه، قال في المغنى والشرح: إلا أن يعلم بقرينة أو صريح أنه لا غرض له في عين المشترى.
(٤) (ونحوه) هذا أحد الوجوه جزم به في الوجيز واختاره الموفق وقدمه في المحرر، قال في الإِنصاف: وهو الصواب. والوجه الثاني لا يملك قبض الثمن مطلقًا وهو المذهب اختاره القاضي وغيره، والوجه الثالث يملك مطلقًا.
(٥) (أو ما شاء منها صح) التوكيل لقلة الغرر، قال في المبدع: وظاهر كلامهم في بيع من مالي ما شئت لم يبع ماله كله.
(٦) (النوع) لأنه إذا ذكر نوعًا فقد أذن في أعلى ثمن فيقل الغرر.
стр. 460
في الخصومة ولا شك فيما قال (١) وكذا لو ظن ظلمه أيضًا وله إثبات وكالته مع غيبة موكله فيقيم البينة بلا دعوى، وإن أمره بدفع ثوب إلى قصار
معين فدفعه ونسيه لم يضمنه، وإن وكل مدين مودعًا أو غيره في قضاء دين ولو لم يأمره بإشهاد فقضاه في غيبته ولم يشهد فأنكر الغريم ضمن الوكيل، قال القاضي وغيره: سواء صدقه الموكل في القضاء أو كذبه (٢) إلا أن يقضيه بحضرة الموكل، وإن أشهد فماتوا أو غابوا فلا ضمان عليه.
(فصل) والوكيل أمين، ويقبل قوله بأنه تصرف في كل ما وكل فيه ولو في عقد نكاح، وإن اختلفا في رد عين أو ثمنها إلى موكل فقول وكيل مع يمينه إن كان متبرعًا. وكذا وصى وعامل وقف وناظره إذا كانوا متبرعين لا يجعل فيهن، وإن شرط على الوكيل الضمان لغى الشرط (٣) وإن اتفق البائع والمشتري على ما يبطل البيع وقال الموكل بل البيع. صحيح فقوله (٤) ويجوز التوكيل بجعل معلوم (٥) وبغير جعل (٦) ويستحق الجعل مع الإِطلاق قبل قبض الثمن ما لم يشترط عليه الموكل (٧) ولو قال بع ثوبي بعشرة فما زاد فلك صح (٨) ويصح تصرفه بالإِذن وله أجرة مثله (٩) ولو كان له
على رجل دراهم فأرسل إليه رسولًا
(١) (فيما قال) قاله في الإِنصاف، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ ذكر القاضي فيه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن غيره في إثبات حق أو نفيه وهو غير عالم بحقيقة أمره.
(٢) (أو كذبه) لأنه إنما أذن في قضاء مبرئ ولم يوجد.
(٣) (لغى الشرط) فإذا تلف منه شيء بغير تفريط لم يضمنه، والشرط لاغ لأنه ينافي مقتضى العقد.
(٤) (فقوله) لأنه يدعى الأصل وهو الصحة ولا يقبل إقرارهما عليه.
(٥) (بجعل معلوم) لأنه ﵊ كان يبعث عماله لقبض الصدقات ويجعل لهم على ذلك جعلًا.
(٦) (وبغير جعل) لأن النبي ﷺ وكَّل أنيسًا في إقامة الحد. وعروة في شراء شاة، وعمرو بن أمية الضمري وأبا رافع في قبول النكاح له.
(٧) (الموكل) قبض الثمن فلا يستحقه قبله لعدم توفيته العمل.
(٨) (صح) نص عليه، وبهذا قال ابن سيرين وإسحق، وكرهه النخعي وحماد والثوري وأبو حنيفة والشافعي وابن المنذر، لأنه أجر مجهول يحتمل الوجود والعدم، ولنا أنه رأي عن ابن عباس ولم يعرف له في عصره مخالف، ولأنه تصرف لغيره لا يلزمه.
(٩) (وله أجرة مثله) لأنه عمل بعوض لم يسلم له.
стр. 461
ليقبضها فبعث إليه مع الرسول دينارًا فضاع مع الرسول فمن مال الباعث لأنه لم يأمره بمصارفته، ولو كان لرجل عند آخر دنانير وثياب فبعث إليه رسولًا فقال خذ دينارًا وثوبًا فأخذ دينارين وثوبين فضاعت فضمان الدينار والثوب الزائدين على الباعث (١) ويرجع به على الرسول (٢) وفي القواعد يضمن المرسل لتغريره، ويرجع هو على الرسول. ولو باع له وكيله ثوبًا فوهب له المشتري منديلًا في مدة الخيارين فهو لصاحب الثوب (٣) وإن كان عنده حق أو وديعة لإِنسان فادعى آخر أنه وكيل صاحبه في قبضه فدفعها إليه فأنكر صاحب الوديعة الوكالة حلف، فإن وجدها أخذها وله مطالبة من شاء بردها (٤) وإن كانت تالفة أو تعذر ردها فله تضمين من شاء منهما ولا يرجع بها من ضمنه على الآخر (٥) إلا أن يكون الدافع دفعها إلى ألوكيل من غير تصديق فيرجع على الوكيل (٦) وإن ضمن الوكيل لم يرجع على الدافع وإن صدقه (٧)، وتقبل شهادة الوكيل لموكله فيما لم يوكله فيه وعليه، وإن ادعى إنسان أن صاحب الحق أحاله به فصدقه لم يلزمه الدفع إليه، وإن كذبه لم
يستحلف (٨) وإن دفع المدعى عليه الحوالة للمدعى بلا إثباتها ثم أنكرها رب الحق رجع على الغريم وهو على القابض مطلقًا (٩) ومن طلب منه حق وامتنع من دفعه حتى يشهد القابض على نفسه بالقبض وكان الحق عليه بغير بينة لم يلزم القابض الإِشهاد (١٠) وإن كان الحق ثبت
(١) (على الباعث) أي الذي أعطاه الدينارين والثوبين.
(٢) (على الرسول) ذكره في المغني والمستوعب والمبدع لأنه دفع إليه مال غيره بغير إذنه فضمنه لربه.
(٣) (لصاحب الثوب) نص عليه لأنه زيادة في الثمن في مدة الخيارين فلحق به.
(٤) (مطالبة من شاء بردها) لأن الوديع دفعها إلى غير مستحقها ومدعى الوكالة قبض ماله بغير حق.
(٥) (على الآخر) لأن كل واحد منهما يدعى أن ما أخذه المالك ظلم، ما لم يتعد الوكيل فيستقر عليه الضمان.
(٦) (فيرجع على الوكيل) ذكره الشيخ وفاقًا لمالك. لكونه لم يقر بوكالته ولم تثبت بينة، قال: ومجرد التسليم ليس تصديقًا.
(٧) (وإن صدقه) لاعتراف الوكيل ببراءته وإن رب الحق ظلمه فلا يرجع بظلمه على غير من ظلمه.
(٨) (لم يستحلف) لأن الدفع إليه غير مبرئ لاحتمال أن ينكر المحيل الحوالة فلا فائدة لأنه لا يقضى عليه.
(٩) (على القابض مطلقًا) صدقه أو لا، تلف في يده أو لا، لأنه قبضه على أنه مضمون عليه.
(١٠) (لم يلزم القابض الإشهاد) ولم يجز للمطلوب منه التأخر لذلك لأنه لا ضرر عليه في الدفع حتى يطلب زواله.
стр. 462
ببينة وكان من عليه الحق يقبل قوله في الرد كالمودع، والوكيل بغير جعل فكذلك، وإن كان ممن لا يقبل قوله في الرد أو مختلف في قوله كالغاصب والمستعير والمرتهن لم يلزمه تسليم ما قبله إلا
بالإِشهاد (١) ومتى أشهد على نفسه بالقبض لم يلزم تسليم الوثيقة بالحق إلى من عليه الحق (٢) وكذا من باع عقارًا ونحوه وبه وثيقة (٣).
(١) (إلا بالإشهاد) على القابض بالقبض، لحديث "لا ضرر ولا ضرار".
(٢) (إلى من عليه الحق) لأنها ملكه فلا يلزمه دفعها.
(٣) (وبه وثيقة) لا يلزم دفعها للمشتري، قلت: العرف الآن تسليمها، ولو قيل به لم يبعد كما في مواضع.
стр. 463
باب الشركة
وهي جائزة بالإِجماع (١) وهي اجتماع في استحقاق أو تصرف، فالأول شركة في الأملاك (٢) والثاني شركة عقود وهو المراد هنا. وتكره معاملة من في ماله حلال وحرام يجهل (٣) ومشاركة مجوسي ووثني ومن في معناه وكذا مشاركة كتابي لأنه يعمل بالربا
إلا أن يلي المسلم التصرف (٤) وهي خمسة أقسام لا يصح شيء منها إلا من جائز التصرف (٥) أحدها شركة عنان (٦) بأن يشترك اثنان فأكثر بماليهما ليعملا فيه وربحه بينهما أو يعمل أحدهما بشرط أن يكون له من الربح أكثر من ربح ماله (٧) فإن شرط له ربحًا قدر ماله فهو إبضاع لا يصح (٨) وإن شرط له أقل منه لم يصح أيضًا لأخذه جزءًا من ربح مال صاحبه بلا عمل لكن التصرف صحيح (٩) ويغني لفظ الشركة عن إذن صريح في التصرف، ولا يصح جعل رأس المال من
(١) (بالإجماع) لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ والخلطاء هم الشركاء، ولقوله ﵊ "أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما" رواه أبو داود.
(٢) (في الأملاك) كاثنين ملكا عينًا بمنافعها بإرث أو شراء أو هبة أو ملكا الرقبة دون المنفعة أو بالعكس.
(٣) (حلال وحرام يجهل) وكذا إجابة دعوته وأكل هديته وصدقته، وتقوى وتضعف بحسب كثرة الحرام وقلته.
(٤) (إلا أن يلي المسلم التصرف) لما روى الخلال بإسناده عن عطاء قال "نهى رسول الله ﷺ عن مشاركة اليهودي والنصراني إلا أن يكون الشراء والبيع بيد المسلم".
(٥) (إلا من جائز التصرف) لأنها عقد على تصرف في مال فلم تصح من غير جائز التصرف في المال.
(٦) (عنان) بكسر العين، قال الفراء: مشتقة من عن الشئ إذا عرض يقال عنت لي حاجة إذا عرضت.
(٧) (ماله) ليكون الجزء الزائد في نظير عمله في مال شريكه.
(٨) (إبضاع لا يصح) لأنه عمل في مال الغير بغير عوض.
(٩) (التصرف صحيح) لعموم الإِذن، وله ربح ماله والأجرة له لتبرعه بعمله.
стр. 464
العروض (١) وعنه يصح ويجعل رأس المال قيمتها وقت عقد الشركة (٢) وكذلك المضاربة ولا بفلوس ولو نافقة
في أحد الوجهين (٣) وإن دفع إليه ألفًا وقال لك ربح نصفه لم يصح (٤) وإن تلف أحد المالين فهو من ضمانهما (٥).
(فصل) ولكل منهما أن يبيع ويشترى مساومة ومرابحة وتولية ومواضعه ويقبض ويقبض ويطالب بالدين ويخاصم فيه ويحيل ويحتال ويؤجر ويستأجر (٦) ويرد بالعيب للحظ فيما وليه أو وليه صاحبه ولو رضى شريكه ويقر به ويقائل ويقر بالثمن ويفعل كل ما هو من مصلحة تجارتهم (٧) وإن ردت السلعة عليه
(١) (من العروض) في ظاهر المذهب وكرهه يحيى بن أبي كثير وابن سيرين والثوري والشافعي وإسحق وأبو ثور وأصحاب الرأي لأن الشركة بها إما أن تقع على أعيانها أو على قيمتها أو على ثمنها وكل ذلك لا يجوز، أما الأول فلأن العقد يقتضي الرجوع عند المفاضلة برأس المال أو بمثله وهذه لا مثل لها فيرجع إليها، وأما الثاني فلأن القيمة قد تزيد بحيث تستوعب جميع الربح، وقد تنقص بحيث يشارك الآخر في ثمن ملكه الذي ليس بربح مع أن القيمة غير متحققة المقدار فيفضي إلى التنازع، وأما الثالث فلأن ثمنها معدوم حال العقد، ولا يملكانه لأنه إن أراد ثمنها الذي اشتراها به فقد خرج عن ملكه ووصل للبائع، وإن أراد ثمنها الذي يبيعها به فإنها تصير شركة معلقة على شرط وهي بيع الأعيان وهذا لا يجوز.
(٢) (وقت عقد الشركة) واختاره أبو بكر وأبو الخطاب. وبه قال مالك وابن أبي ليلى، قال في الإنصاف: وهو الصواب لأن مقصود الشركة جواز تصرفهما في المالين جميعًا وكون الربح بينهما، وهذا يحصل من العروض من غير غرر كالأثمان.
(٣) (في أحد الوجهين) وبه قال أبو حنيفة والشافعي وابن القاسم صاحب مالك، والثاني يجوز إذا نفقت وبه قال محمد بن الحسن وأبو ثور.
(٤) (لم يصح) وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة وأبو ثور: يجوز كما لو قال لك نصف ربحه، ووجه الأول أنه شرط لأحدهما ربح بعض المال دون بعض فلم يجز.
(٥) (فهو من ضمانهما) ولو قبل الخلط لأن العقد اقتضى أن يكون المالان كالمال الواحد كما أن القسمة تصح بالكلام فكذلك الشركة احتج به أحمد قاله الشيخ كخرص ثمر شجر مشترك.
(٦) (ويؤجر ويستأجر) من مال الشركة لأن المنافع أجريت مجرى الأعيان فصار كالبيع والشراء، وله المطالبة بالأجرة لهما ودفعه عليهما.
(٧) (ويفعل كل ما هو من مصلحة تجارتهم) لأن مبناها على الوكالة والأمانة.
стр. 465
بعيب فله أن يقبلها ويعطى الأرش أو يحط من ثمنه أو يؤخر ثمنه لأجل العيب ولا يأخذ به سفتجة بأن يدفع إلى إنسان شيئًا من مال الشركة ويأخذ منه كتابًا إلى وكيله ببلد آخر ليستوفى منه ذلك المال ولا يعطيها بأن يأخذ من إنسان عرضًا ويعطى بثمنه كتابًا إلى وكيله ببلد آخر ليستوفى منه ذلك إلا بإذن شريكه فيهما (١) وليس له أن يقرض ولا يشارك بمال الشركة ويملك البيع نساء والإِيداع والرهن والارتهان (٢) لحاجة فيهن وليس له أن يوكل فيما يتولى مثله بنفسه، وله السفر مع الأمن، ولو سافر والغالب العطب ضمن، ومثله ولى يتيم، وإن لم يعلما بخوفه أو فلس مشتر لم يضمنا، وليس له أن يستدين على
الشركة بأن يشتري بأكثر من رأس المال أو بثمن ليس معه من جنسه إلا في النقدين لجريان العادة بقبول أحدهما عن الآخر، وهذا المنع المتقدم مع الإِطلاق، أما لو أذن له فيه أو قال اعمل برأيك جاز أن يعمل كل ما يقع في التجارة وخلطه بماله والزراعة وغير ذلك إذا رأى فيه مصلحة (٣) وإن أخر حقه من الدين جاز لا حق شريكه، وإن تقاسما في الذي لم يصح (٤) ونقل حرب جواز ذلك لأن الاختلاف لا يمنع القسمة كاختلاف الأعيان (٥) وإن أبرأ من الدين لزم في حقه دون صاحبه، وكذلك إن أقر بمال على الشركة (٦)
(١) (إلا بإذن شريكه فيهما) لأنه ليس من التجارة المأذون بها.
(٢) (والارتهان) لأن الرهن يراد للإيفاء، والارتهان يراد للاستيفاء، فكذلك ما يراد لهما على الصحيح من المذهب، والوجه الثاني ليس له ذلك.
(٣) (إذا رأى فيه مصلحة) لتناول الإِذن لذلك دون التبرع والحطيطة والقرض.
(٤) (لم يصح) هذا المذهب، لأن الذمم لا تتكافأ ولا تتعادل، والقسمة تقتضى التعديل، فعلى هذا لو تقاسما ثم هلك بعض المال فالباقى بينهما والهالك عليهما، وبه قال ابن سيرين والنخعي.
(٥) (كاختلاف الأعيان) وبه قال الحسن وإسحق والشيخ، فعلى هذا لا يرجع من هلك ماله على من لم يهلك إذا أبرأ كل واحد صاحبه، وهذا إذا كان في ذمتين فأكثر، فأما في ذمة واحدة فلا تصح المقاسمة قولًا واحدًا. وقال الشيخ: يجوز أيضًا، وذكره ابن القيم رواية في أعلام الموقعين، بل قال الشيخ: لو تكافأت الذمم فقياس الحوالة على ملئ وجوبه.
(٦) (إن أقر بمال على الشركة) هذا المذهب سواء كان بعين أو دين.
стр. 466
وقال القاضي: يقبل إقراره على مال الشركة (١) وإذا قبض أحد الشريكين من مال مشترك بينهما بإرث أو إتلاف أو عقد من ثمن مبيع أو قرض أو غيره فلشريكه الأخذ من الغريم، وله الأخذ من القابض حتى ولو أخرجه برهن أو قضاء دين فيأخذه من يده، وإن كان القبض بإذن شريكه أو تلف في يد قابضه فلا محاصة ويتعين الغريم (٢) ولغريم التخصيص مع تعدد سبب الاستحقاق (٣) لكن ليس لأحد إكراهه على تقديمه، وعلى كل واحد أن يتولى ما جرت العادة أن
يتولاه من نشر الثوب وطيه ونحوه، فإن استأجر من فعله غرمها، وما جرت العادة أن يستنيب فيه فله أن يستأجر من مال الشركة من يفعله، وبذل خفارة وعشر على المال. قال أحمد ما أنفق على المال فعلى المال وليس لأحد الشركاء أن ينفق أكثر من نفقة شريكه إلا بإذنه، وإن اتفقا على شيء معلوم من النفقة لكل واحد منهما كان أحوط، ويحرم على شريك في زرع فرك شيء من سنبله يأكله بلا إذن.
(فصل) والشروط في الشركة ضربان: صحيح مثل أن يشترط أن لا يتجر إلا في نوع من المتاع أو بلد بعينه أو لا يبيع إلا بنقد كذا أو لا يسافر في المال أو لا يبيع إلا من فلان (٤) الثاني فاسد كاشتراط ما يعود بجهالة الربح أو ضمان المال أو أن يوليه ما يختار من السلع أو يرتفق بها أو لا يفسخ الشركة مدة بعينها، فما يعود بجهالة الربح يفسد به العقد، وإذا فسد العقد قسم ربح شركة عنان ووجوه على قدر المالين، وما عمل كل واحد منهما في الشركتين فله أجرته (٥) يسقط منها أجرة عمله في ماله ويرجع على الآخر بقدر
(١) (يقبل إقراره على الشركة) لأن للشريك أن يشترى من غير أن يسلم الثمن في المجلس: فلو لم يقبل إقراره بالثمن لضاعت أموال الناس، قال في الإِنصاف: وهو الصواب.
(٢) (ويتعين الغريم) ويأخذ الشريك منه مثل ما قبض شريكه.
(٣) (مع تعدد سبب الاستحقاق) بأن باعه شيئًا وأقرضه آخر شيئًا فله تقديم من شاء منها في الوفاء.
(٤) (لا يبيع إلا من فلان) فهذا كله صحيح سواء كان الرجل مما يكثر المتاع عنده أو يقل، وبهذا قال أبو حنيفة.
(٥) (فله أجرته) لأنه عمل في نصيب شريكه بعقد يبتغى به الفاضل في ثاني الحال فوجب أن يقابل بعوض، فإذا كان عمل أحدهما مثلًا يساوى عشرة دراهم والآخر خمسة تقاصا بدرهمين ونصف وهكذا.
стр. 467
ما بقى له، فإن تساوى مالاهما وعملاهما تقاصا الدينين (١) واقتسما الربح نصفين، وإن فضل أحدهما صاحبه بفضل تقاص دين القليل بمثله، ويرجع على الآخر بالفضل وإن تعدى شريك ضمن والربح لرب المال (٢) والعقد الفاسد في كل أمانة وتبرع ونحوها كصحيح في ضمان وعدمه،
فكل عقد لازم يجب الضمان في صحيحه يجب في فاسده كبيع وإجارة ونكاح ونحوها (٣). والشركة عقد جائز من الطرفين، فإن عزل أحدهما صاحبه انعزل المعزول ولم يكن له أن يتصرف إلا بقدر نصيبه، وللعازل التصرف في الجميع (٤) هذا إذا نض المال، وإن كان عرضا لم ينعزل وله التصرف بالبيع دون المعاوضة بسلعة أخرى ودون التصرف بغير ما ينض به المال، وظاهر كلام أحمد والمذهب أنه ينعزل مطلقا وإن كان عرضًا (٥) وإن مات أحد الشريكين وله وارث رشيد فله أن يقيم على الشركة (٦) وهو إتمام الشركة فلا تعتبر شروطها،
(١) (تقاصا الدينين) لأنه قد ثبت لكل منهما على الآخر مثل ماله عليه.
(٢) (والربح لرب المال) نصًّا، لأنه نماء مال تصرف فيه غير مالكه، كما لو غصبه حنطة وزرعها، قال في الإنصاف: على الصحيح من المذهب.
(٣) (ونحوها) والمراد ضمان الأجرة والمهر في الإجارة الفاسدة والنكاح الفاسد، وأما العين فغير مضمونة فيهما، والحال أن ما وجب الضمان في صحيحه وجب الضمان في فاسده وأما العين فلا، وليس المراد أن كل حال ضمن فيها في العقد الصحيح ضمن فيها في العقد الفاسد فإن البيع الصحيح لا يجب فيه ضمان المنفعة، وإنما تضمن العين بالثمن والمقبوض بالبيع الفاسد يجب ضمان الأجرة فيه على المذهب، والإِجارة الصحيحة تجب فيها الأجرة بتسليم العين المعقود عليها، انتفع المستأجر أو لم ينتفع "وفي الفاسدة روايتان، فتذكر ما يجب في محله. واختار الشيخ فيما إذا وضع يده على العين جميع المدة أن عليه الأجر المسمى، وذكر أنه قياس المذهب أخذًا له من النكاح، والنكاح الصحيح يستقر المهر بالخلوة دون الفاسد.
(٤) (في الجميع) بخلاف ما إذا فسخ أحدهما الشركة فلا يتصرف كل إلا في قدر ماله.
(٥) (وإن كان عرضًا) لأن الشركة وكالة والربح يدخل ضمنًا.
(٦) (أن يقيم على الشركة) ويأذن له الشريك في التصرف، ويأذن هو أيضًا لشريكه فيه.
стр. 468
وقال في المستوعب: إن مات يخرج من الشركة ويتسلم حقه ورثته اهـ. وله المطالبة بالقسمة فإن كان على الميت دين تعلق بتركته فليس للوارث إمضاء الشركة حتى يقضى دينه، فإن قضاه منه بطلت الشركة في قدر ما قضى.
(فصل) الثاني المضاربة (١) وهي دفع مال معلوم قدره إلى من يتجر فيه بجزء معلوم
من ربحه، ويسمى أيضًا قراضًا (٢) ومعاملة، وهي جائزة بالإِجماع (٣) وتنعقد بما يؤدى معنى ذلك، وهي أمانة ووكالة (٤) فإن ربح فشركة، وإن فسدت فإجارة، وإن تعدى فغصب (٥) قال في الهدى: المضارب أمين وأجير ووكيل وشريك (٦) ومن شرط صحتها تقدير نصيب العامل، فإن قال: خذ هذا المال مضاربة - ولم يذكر سهم العامل - فالربح لرب المال وللعامل أجر مثله، وإن قال: خذه فاتجر به والربح كله لي فهو إبضاع لا حق للعامل فيه، وإن قال: والربح كله لك فهو قرض ولا حق لرب المال فيه، فإن زاد ولا ضمان عليك فهو قرض بشرط نفى الضمان فلا ينتفى، ويجوز أن يدفع إلى اثنين مضاربة في عقد واحد، فإن شرط لأحدهما ثلث الربح وللآخر ربعه والباقى له جاز، وإن شرط جزءًا من الربح لأجنبي أو لولد أحدهما أو امرأته أو قريبه وشرطا عليه عملًا مع العامل صح وكانا عاملين، وإن لم يشرطا عليه عملًا لم تصح
المضاربة (٧) وحكم المضاربة حكم الشركة فيما للعامل إن يفعله (٨) أو لا يفعله (٩) وما يلزمه فعله وفي الشروط، لأن ما جاز في إحداهما جاز في الأخرى،
(١) (المضاربة) وهي تسمية أهل العراق، مأخوذة من الضرب في الأرض وهو السفر فيها للتجارة كما في الآية.
(٢) (قراضًا) قيل هو مشتق من القطع يقال: قرض الفأر الثوب إذا قطعه، فكأن صاحب المال اقتطع من ماله قطعة وسلمها إلى العامل واقتطع له مطعة من الربح.
(٣) (بالإجماع) حكاه ابن المنذر عن عمر وعثمان ليعلى وابن مسعود وحكيم بن حزام رضى الله عنهم ولم يعرف لهم مخالف والحكمة تقتضيها.
(٤) (وهي أمانة ووكالة) لأنه متصرف لغيره بإذنه والمال تحت يده على وجه لا يختص بنفعه.
(٥) (وإن تعدى فغصب) يرد المال وربحه ولا شئ له نظير عمله كالغاصب.
(٦) (وشريك) فأمين إذا قبض المال، ووكيل إذا تصرف فيه، وأجير فيما يباشره من العمل بنفسه، وشريك إذا ظهر فيه الربح.
(٧) (لم تصح المضاربة) لأنه شرط فاسد يعود إلى الربح ففسد العقد، كما لو شرطا دراهم معلومة.
(٨) (فيما للعامل أن يفعله) من البيع والشراء أو القبض والأقباض وغيرها.
(٩) (أو لا يفعله) كالقرض وكتابة الرقيق وتزويجه ونحوه.
стр. 469
وكذا المنع، وإن فسدت فالربح لرب المال وللعامل أجرة مثله خسر المال أو ربح وما تصرفه نافذ ولا ضمان عليه فيها، وإن لم يعمل العامل إلا أنه صرف الذهب بالورق فارتفع الصرف استحق العامل حصته من الربح، ويصح تعليقها إذا جاء رأس الشهر فضارب بهذا على كذا، والمنصوص عن أحمد وبع هذا وما حصل من ثمنه فقد ضاربتك به ويصح تأقيتها (١) بأن يقول ضاربتك على هذه الدراهم سنة، فإذا مضت السنة فلا تبع ولا تشتر، ولو قال: ومتى مضى الأجل فهو قرض فمضى وهو ناض صار قرضًا، وإن مضى الأجل فهو قرض فمضى وهو ناض صار قرضا، وإن مضى وهو متاع فإذا باعه صار قرضًا، وإن قال بع هذا العرض وضارب بثمنه أو اقبض ديني وضارب به أو بعين مالي الذي غصبته مني صح وزال ضمان الغصب، وإن قال ضارب بالدين الذي عليك لم تصح (٢) وإن أخرج مالًا ليعمل فيه هو وآخر والربح بينهما صح وكان مضاربة (٣) وقال القاضي: إذا شرط أن يعمل معه رب المال لم تصح (٤) وكذا مساقاة
ومزارعة (٥) ولا يضر عمل المالك بلا شرط. وله أن يشترى المعيب إذا رأى فيه مصلحة بلا خلاف وكيل (٦).
(فصل) وليس للعامل شراء من يعتق على رب المال بغير إذن، فإن فعل صح (٧) وعتق وضمن ثمنه
(١) (ويصح تأقيتها) هذا إحدى الروايتين، وهو الصحيح من المذهب، وبه قال أبو حنيفة. والثانية تفسد جزم به في الوجيز، وبه قال مالك والشافعي، لأنه عقد مطلق. ولنا أنه تصرف بتوقت من نوع من المتاع فجار توقيته بالزمان.
(٢) (لم تصح) هذا المذهب، وبه قال عطاء ومالك والثوري وإسحق وأبو ثور وأصحاب الرأي، وبه قال الشافعي، وعنه تصح نصرها ابن القيم في الإِعلام.
(٣) (وكان مضاربة) هذا المذهب: لأن غير صاحب المال يستحق المشروط بعمله من الريح في مال غيره وهذا حقيقة المضاربة.
(٤) (لم تصح) هذا مذهب مالك والشافعي والأوزاعي وأصحاب الرأي وابن المنذر، واختاره ابن حامد وأبو الخطاب، لأن المضاربة تقتضى تسليم المال إلى المضارب.
(٥) (ومزارعة) إذا عمل المالك مع العامل وسمى للعامل جزءًا معلومًا فيصحان كالمضارب.
(٦) (بخلاف وكيل) لأن القصد في المضاربة الربح، وهو قد يحصل بشراء المعيب، والوكالة الغرض فيها تحصيل ما وكله فيه، وإطلاقها يقتضي السلامة.
(٧) (صح) الشراء، وهو المذهب. وفيه احتمال لأن العامل اشترى ما ليس له أن يشتريه فهو كما لو اشترى شيئًا بأكثر من ثمنه.
стр. 470
علم أو لم يعلم (١) وتنفسخ المضاربة في قدر ثمنه، قال أبو بكر: إن لم يعلم لم يضمن، قال في المغني ويحتمل أن لا يصح البيع إذا كان الثمن عينًا، وإن كان في الذمة وقع الشراء للعاقد (٢) وإن اشترى من يعتق على نفسه وقد ظهر ربح عتق عليه قدر حصته وسرى إلى باقيه إن كان موسرًا، وليس له الشراء من مال المضاربة إن ظهر ربح وإلا كشراء وكيل من موكله (٣) وليس له وطء أمة من مال المضاربة ولو ظهر ربح، فإن فعل فعليه المهر والتعزير ولا حد ولو لم يظهر ربح (٤) وإن علقت منه ولم يظهر في المال ربح فولده رقيق ملك لرب المال، وإن ظهر ربح فالولد حر وتصير أم يد له وعليه قيمتها (٥) كما في الأمة المشتركة إذا أحبلها أحد الشريكين، وليس لرب المال وطء الأمة أيضًا ولو عدم الربح، فإن فعل فلا حد، وإن أحبلها صارت أم ولد له وولده حر، وتخرج من المضاربة. وإن أخذ من رجل مضاربة ثم أخذ من آخر بضاعة أو عمل في مال نفسه واتجر فيه فربحه في مال البضاعة
لصاحبها، وفي مال نفسه له. وإن دفع إليه ألفين في وقتين لم يخلطهما (٦) فإن أذن له قبل تصرفه في الأول أو بعده وقد نض جاز وصار مضاربة واحدة وإلا فلا، ويصح لرب المال أن يشترى من مال المضاربة شيئًا لنفسه في إحدى الروايتين (٧) والثانية لا يصح (٨) وكذا شراء السيد من عبده المأذون، فإن اشترى أحد الشريكين نصيب شريكه صح، وإن اشترى الجميع لم يصح في نصيبه
(١) (علم أو لم يعلم) فعلى المذهب يضمنه العامل مطلقًا علم أو لم يعلم، إذ هي معقودة للربح حقيقة أو مظنة وهما منتفيان هنا.
(٢) (وقع الشراء للعاقد) فإن دفع الثمن من مال المضاربة ضمن، وبهذا قال الشافعي وأكثر الفقهاء.
(٣) (كشراء وكيل من موكله) فيشترى من رب المال أو من نفسه بإذن رب المال.
(٤) (ولو لم يظهر ربح) لأن الربح ينبني على التقويم، والتقويم غير متحقق، لأنه يحتمل أن السلعة تساوي أكثر مما قومت به فيكون ذلك شبهة في درء الحد.
(٥) (وعليه قيمتها إلى آخره) يوم إحبالها، ولا مهر ولا فداء للولد.
(٦) (لم يخلطهما) بغير إذن رب المال لأنه أفرد كل واحد بعقد فكانا عقدين فلا تجبر وضيعة أحدهما بربح الآخر.
(٧) (في إحدى الروايتين) وبه قال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة، لأنه تعلق به حق المضاربة فجاز كما لو اشترى من مكاتبه.
(٨) (والثانية لا يصح) وهي المذهب، لأنه ملكه فلم يصح شراؤه منه كشرائه من وكيله، وبه قال الشافعي.
стр. 471
وصح في نصيب شريكه وليس للمضارب نفقة (١) ولو مع السفر إلا بشرط كوكيل، فإن شرطها له وقدرها فحسن، فإن لم يقدرها واختلفا فله نفقة مثله عرفا من طعام كسوة، وإن كان معه مال يتجر فيه فالنفقة على قدر المالين، وإن لقيه رب المال ببلد أذن له في سفره إليه وقد نض فأخذه فلا نفقة لرجوعه (٢) وله التسرى بإذن رب المال، فإذا اشترى جارية ملكها وصار ثمنها قرضًا، وليس للمضارب ربح حتى يستوفي رأس المال.
(فصل) وإن تلف بعض رأس المال قبل تصرفه فيه انفسخت المضاربة فيه وكان رأس المال الباقي خاصة (٣) وإن اشترى سلعة في الذمة للمضاربة ثم تلف مال المضاربة قبل نقد ثمنها أو تلف هو والسلعة فالمضاربة بحالها والثمن على رب
المال ولصاحب السلعة مطالبة كل منهما بالثمن ويرجع به العامل، فإن كان المال مائة فخسر عشرة ثم أخذ ربه عشرة لم ينقص رأس المال بالخسران، لأنه قد يربح فيجبر الخسران لكنه ينقص بما يأخذه رب المال (٤) وكذلك إذا ربح المال ثم أخذ رب المال بعضه كان ما أخذه من الربح ورأس المال، فلو كان رأس المال مائة فربح عشرين فأخذها فقد أخذ سدسه فينقص المال سدسه (٥) وإن تقاسما العشرين الربح خاصة ثم خسر عشرين فعلى العامل رد ما أخذه وبقى رأس المال تسعين (٦)، قال أحمد إلا أن يقبض رأس المال صاحبه ثم يرده إليه فيقول اعمل به ثانية فما ربح بعد ذلك لا يجبر به وضيعة الأول، وأما ما لا يدفع إليه فحتى يحتسبا حسابًا كالقبض (٧) وما قبل ذلك فالوضيعة تحسب من الربح،
(١) (وليس للمضارب نفقة) هذا المذهب، وبه قال ابن سيرين وحماد بن سليمان والشافعي، وقال الحسن والنخعي ومالك والأوزاعي وإسحق وأبو ثور وأصحاب الرأي: ينفق من المال بالمعروف إذا شخص به من البلد، لأن سفره لأجله كأجر الجمال، وقال الشيخ: ليس له نفقة إلا بشرط أو عادة وكأنه أقام العادة مقام الشرط وهو قوى في النظر.
(٢) (فلا نفقة لرجوعه) إلى البلد الذي سافر منه، لأن له النفقة ما دام في القراض وقد زال.
(٣) (خاصة) لأنه مال هلك على جهته قبل التصرف أشبه التالف قبل القبض، وقال بعض أصحاب الشافعي: مذهب الشافعي أن التالف من الربح لأن المال يصير قراضًا بالقبض، فلا فرق بين هلاكه قبل التصرف وبعده.
(٤) (ينقص بما يأخذه رب المال) وهو العشرة وقسطها من الخسران وهو درهم وتسع درهم.
(٥) (فينقص المال سدسه) ستة عشر وثلثين وقسطها من الربح ثلاثة وثلث.
(٦) (وبقى رأس المال تسعين) لأن العشرة الباقية مع رب المال من رأس المال.
(٧) (كالقبض) كما قال ابن سيرين، قيل له: كيف يكون حسابًا كالقبض؟ قال: يظهر المال يعنى ينض ويجئ فيحتسبان عليه، وإن شاء صاحبه قبضه. قيل فيحتسبان على المتاع؟ قال: لا يحتسبان إلا على الناض، لأن المتاع قد ينحط سعره ويرتفع" اهـ ما رواه الأثرم عنه رحمه الله تعالى.
стр. 472
ولذلك لو طلب أحدهما قسمة الربح دون رأس المال لم تجب إجابته، وإن اتفقا على قسمه أو بعضه أو على أن يأخذ كل واحد منهما كل يوم قدرًا معلومًا جاز، وإتلاف المالك للمال كقسمه فيغرم حصة العامل من الربح، وإذا ظهر ربح لم يكن له أخذ شيء منه إلا بإذن رب المال، ويملك العامل حصته من الربح بالظهور (١) قبل القسمة كرب المال،
ويستقر الملك فيها بالمقاسمة والمحاسبة التامة. وإن طلب العامل البيع مع بقاء قراضه أو فسخه فأبى رب المال أجبر إن كان فيه ربح (٢)، وإن انفسخ القراض والمال عرض فرضى رب المال أن يأخذ بماله من العرض فله ذلك فيقوم عليه ويدفع حصة العامل (٣)، وإن لم يرض لزم المضارب بيعه ولو لم يكن في المال ربح، وإن كان رأس المال دراهم فصار دنانير أو عكسه فكعرض، وإن انفسخ والمال دين لزم العامل تقاضيه سواء كان فيه ربح أو لم يكن، ولا يلزم الوكيل تقاضى الدين (٤) وإن قارض في المرض فالربح من رأس المال، ولو سمى لعامله أكثر من أجرة المثل (٥) ولا يحتسب به من ثلثه ويقدم به على سائر الغرماء، ولو ساقى أو زارع في مرض موته حسب الزائد من الثلث (٦) وإن مات المضارب فجأة أو غير فجأة ولم يعرف مال المضاربة لعدم تعيين العامل له وجهل بقاؤه فهو دين في تركته (٧)
(١) (بالظهور) في إحدى الروايتين وهو المذهب، وبه قال أبو حنيفة، لأن الشرط صحيح فثبت مقتضاه وهو أن يكون له جزء من الربح، والثانية لا يملك إلا بالقسمة اختاره القاضي في خلافه، وعنه ثالثة يملكها بالمحاسبة والتنضيض والفسخ قبل القسمة والقبض اختاره الشيخ.
(٢) (إن كان فيه ربح) لأن حق العامل في الربح لا يظهر إلا بالبيع، فأجبر الممتنع على توفيته.
(٣) (حصة العامل) لأنه أسقط عن العامل البيع وقد صدقه على الربح فلا يجبر على بيع ماله من غير حظ يكون للعامل في بيعه.
(٤) (تقاضى الدين) لأنه ليس مقتضى عقد الوكالة تقاضى الدين.
(٥) (من أجرة المثل إلى آخره) لأن ذلك لا يأخذه من ماله وإنما يستحقه بعمله من الربح الحادث، ويحدث على ملك المضارب دون المالك، بخلاف ما لو حابى الأجير فإنه يحتسب بما حاباه من ثلثه لأن الأجر يؤخذ من ماله.
(٦) (من الثلث) لأنه من عين المال، بخلاف الربح في المضاربة.
(٧) (دين في تركته) لصحابه أسوة الغرماء لأن الأصل بقاء المال في يد الميت واختلاطه بجملة التركة.
стр. 473
وكذلك الوديعة، ومثله لو مات وصى وجهل بقاء مال موليه، وقياسه ناظر وقف وعامله، وإذا مات أحد
المتقارضين أو جن أو حجر عليه لسفه انفسخ القراض، فإن كان رب المال فأراد الوارث إتمامه والمال عرض لم يجز لأن القراض قد بطل بالموت وكلام أحمد في جوازه محمول على أنه يبيع ويشترى بإذن الورثه كبيعه وشرائه بعد انفساخ القراض ذكره الموفق، وللعامل بيع عروض واقتضاء ديون (١) وإن كان العامل وأراد رب المال ابتداء القراض مع وارثه والمال ناض جاز، وإن كان عرضًا لم يجز القراض ودفع إلى الحاكم فيبيعه إن لم يأذن أحدهما للآخر.
(فصل) والعامل أمين في مال المضاربة، والقول قوله فيما اشتراه لنفسه أو للقراض (٢)، ولو دفع إليه مالًا يتجر به ثم اختلفا فقال رب المال: كان قراضًا فربحه بيننا، وقال العامل: كان قرضًا فربحه لي كله فالقول قول رب المال، فيحلف ويقسم الربح بينهما، وإن أقام كل واحد منهما بينة بدعواه تعارضتا وقسم الربح بينهما (٣) وإن قال العامل ربحت ألفًا ثم خسرتها أو هلكت قبل قوله، وإن قال غلطت أو نسيت أو كذبت لم يقبل (٤) ولو خسر العامل واقترض ما تم به رأس المال ليعرضه على ربه تامًا فعرضه عليه وقال: هذا رأس مالك فأخذه فله ذلك (٥) ولو دفع رجل إلى رجلين مالًا قراضًا على النصف فنض المال وهو ثلاثة آلاف فقال رب المال: رأس
المال ألفان فصدقه أحدهما وقال الآخر: هو ألف فقول المنكر مع يمينه (٦)
(١) (واقتضاء ديون) كفسخ والمالك حي، وليس له الشراء لأن القراض انفسخ.
(٢) (أو للقراض) لأن الاختلاف هنا في نية المشترى، وهو أعلم بما نواه لا يطلع عليه أحد سواه، ومثله وكيل وشريك عنان ووجوه وولى يتيم.
(٣) (وقسم الربح بينهما) نصفين نص عليه في رواية منها واقتصر عليه في المغني لأن الأصل بقاء ملك رب المال عليه، والمذهب تقدم بينة العامل كما قدمه في موضع آخر.
(٤) (لم يقبل) قوله، لأنه رجوع عن إقرار بحق لآدمي.
(٥) (فله ذلك) ولا يقبل رجوع العامل عن إقراره له ولا شهادة المقرض لأنه يجر إلى نفسه نفعًا، ويرجع المقرض على العامل لا غير لأن العامل ملكه بالقرض ثم سلمه رب المال، لكن إن علم رب المال باطن الأمر وأن التلف حصل بما لا يضمنه المضارب لزمه الدفع باطنًا.
(٦) (فقول المنكر مع يمينه) فإذا حلف أنه ألف فالربح ألفان ونصيبه منهما خمسمائة يبقى ألفان وخمسمائة يأخذ رب المال ألفين لأن الآخر يصدقه يبقى خمسمائة ربحًا بين رب المال والعامل الآخر يقتسمانها أثلاثًا لرب المال ثلثاها والعامل ثلثها وذلك مائة وستة وستون وثلثان، ولرب المال ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث، لأن نصيب رب المال من الربح نصفه ونصيب هذا العامل ربعه فيقسم بينهما باقي الربح على ثلاثة، وما أخذه الحالف فيما زاد على قدر نصيبه كالتالف منهما، والتالف يحسب في المضاربة من الربح، وهذا قول الشافعي.
стр. 474
وإذا شرط العامل النفقة ثم ادعى أنه أنفق من ماله وأراد الرجوع فله ذلك ولو بعد رجوع المال إلى مالكه (١) ولو دفع دابته إلى من يعمل بها بجزء من الأجرة أو ثوبًا يخيطه أو غزلًا ينسجه بجزء من ربحه أو بجزء منه بحق عمله جاز نص عليه ويصح حصاد زرعه وطحن قمحه (٢) ورضاع رقيقه واستيفاء مال بجزء مشاع منه ونحوه وبيع متاعه بجزء مشاع من ربحه وغزو على دابته بجزء من السهم، لكن لو دفع إليه الثوب ونحوه بالثلث أو الربع ونحوه وجعل له مع ذلك درهما ودرهمين ونحوه لم يصح (٣) ولو دفع دابته أو نحله لمن يقوم به بجزء من نمائه كدر ونسل وصوف وعسل لم يصح لحصول نمائه بغير عمل منه، وله أجرة مثله وعنه بلى وبجزء منه يجوز مدة معلومة
ونماؤه ملك لهما، وعلى قياسه لو دفع شبكة إلى صياد ليصيد بها ويكون بينهما نصفين قاله الموفق (٤). الثالث شركة الوجوه، فإذا باعا ما اشتريا فما قسم الله من الربح بينهما على ما شرطا عينا جنسه أو قدره أو قيمته أولا. الرابع شركة الأبدان (٥)
(١) (إلى مالكه) وبه قال أبو حنيفة إذا كان المال في يديه، وليس له ذلك بعد رده. ولنا أنه أمين فكان القول قوله في ذلك.
(٢) (وطحن قمحه) ولا يعارضه حديث الدارقطني أنه ﵊ "نهى عن قفيز الطحان" لحمله على قفيز من المطحون فلا يدري الباقي بعده فتكون المنفعة مجهولة، وقد أعطى النبي ﷺ خيبر على الشطر.
(٣) (لم يصح) ذلك، قيل لأحمد: فإن كان النتاج لا يرضى حتى يزاد على الثلث؟ قال: فليجعل له ثلثًا وعشرًا ونصف عشر وما أشبهه.
(٤) (قاله الموفق) وما رزق الله على ما شرطاه، لأنها عين تنمو بالعمل فيها فصح دفعها ببعض نمائها كالأرض.
(٥) (شركة الأبدان) لأنهم بذلوا أبدانهم في الأعمال لتحصيل المكاسب، وبه قال مالك. وقال الشافعي: شركة الأبدان كلها فاسدة لأنها على غير مال كما لو اختلفت الصناعات. ولنا ما روى أبو داود والأثرم. عن عبد الله قال اشتركنا أنا وسعد وعمار يوم بدر فلم أجئ أنا وعمار بشئ فجاء سعد بأسيرين قال أحمد: شرك بينهما النبي ﷺ .
стр. 475
ولو مع اختلاف الصنائع (١) ويلزم غير العارف منهما أن يقيم مقامه، ولو قال أحدهما أنا أتقبل وأنت تعمل صحت الشركة ولكل منهما المطالبة بالأجرة، وللمستأجر دفعها إلى كل منهما ويبرأ منها الدافع، وإن تلفت في يد أحدهما من غير تفريط فهي من ضمانهما (٢) وإن أقر أحدهما بما في يده قبل عليه وعلى شريكه، ولا يقبل إقراره بما في يد شريكه ولا بدين عليه، فإن اشتركا ليحملا على دابتيهما ما يتقبلان حمله في الذمة والأجرة بينهما صح ولهما أن يحملا على أي ظهر كان، وإن اشتركا في أجرة عين الدابتين أو أجرة أنفسهما إجارة خاصة لم يصح (٣) ولكل منهما أجرة دابته ونفسه، فإن أعان أحدهما صاحبه في التحميل كان له أجرة مثله، وإن اشترك إثنان لأحدهما آلة قصارة وللآخر بيت فاتفقا على أن يعملا بآلة هذا في بيت هذا والكسب بينهما صح (٤) فإن فسدت الشركة قسم الحاصل بينهما على قدر أجر عملهما وأجر الدابة (٥) وإن كانت لأحدهما آلة وليس للآخر شيء، أو لأحدهما بيت وليس للآخر شيء، فاتفقا على أن يعملا بالآلة أو في البيت، والأجر بينهما جاز، وإن دفع دابة إلى آخر ليعمل عليها وما رزق الله بينهما على ما شرطاه صح (٦) ولو اشترك ثلاثة لواحد دابة ولآخر راوية وثالث يعمل، أو اشترك أربعة لواحد دابة ولآخر رحى ولثالث دكان ورابع يعمل فقياس نصه (٧) صحتها واختاره الموفق وغيره (٨) قال في التنقيح: وهو أظهر، وصححه في الإنصاف، وقدم في الإقناع أنهما فاسدتان (٩) وللعامل الأجرة وعليه لرفقته أجرة آلتهم،
(١) (مع اختلاف الصنائع) هذا أحد الوجهين، والصحيح من المذهب كاشتراك حداد ونجار وخياط والثاني لا يصح وهو قول مالك.
(٢) (فهي من ضمانهما) يطالبان به، لأن مبنى هذه الشركة على الضمان كأنها تضمنت ضمان كل واحد منهما عن الآخر ما يلزمه.
(٣) (لم يصح) ولهذا تنفسخ بموت المؤجر من بهيمة أو إنسان فلم يتأت ضمانه.
(٤) (صح) لأن الشركة وقعت على عملهما، والعمل يستحق به الربح في الشبهة والمضاربة، والآلة والبيت لا يستحق بهما شيء لأنهما يستعملان في العمل المشترك فصارا كالدابتين اللتين يحملان عليهما ما يتقبلان حمله في ذمتهما.
(٥) (وأجر الدابة) لأن العوض قد أخذ في مقابل تلك المنافع فلزم توزيعه عليهما.
(٦) (صح) من تساو أو تفاضل، وهو يشبه المساقاة والمزارعة والمضاربة.
(٧) (فقياس نصه) أي أحمد في الدابة يدفعها إلى آخر يعمل عليها وما رزق الله بينهما.
(٨) (واختاره الموفق وغيره) كالشارح، وقدمه في الفروع والرعاية، وهو قول الشافعي.
(٩) (فاسدتان) لأنهما ليسا من قبيل الشركة ولا المضاربة، لأنه لا يجوز أن يكون رأس مالهما العروض. وإلا إجارة لأنها تفتقر إلى مدة معلومة وأجر معلوم ففسدتا، واختاره القاضي وأكثر الأصحاب، وهو ظاهر قول الشافعي.
стр. 476
وإن تقبل الأربعة الطحن في ذممهم صح والأجرة أرباعًا ويرجع كل واحد على رفقته لتفاوت قدر العمل (١)، وإن قال: جر دابتي
وأجرتها بيننا فالأجرة كلها لربها وللآخر أجرة مثله، وتصح شركة الشهود قاله الشيخ قال: وللشاهد أن يقيم مقامه إن كان على عمل في الذمة، وإن كان الجعل على شهادته بعينه ففيه وجهان والأصح جوازه اهـ. وموجب العقد المطلق التساوي في العمل والأجر، ولو عمل واحد أكثر ولم يتبرع طالب بالزيادة، ولا تصح شركة الدلالين قدمه. في الفروع (٢) لأنه لا يمكن توكيل أحدهما على بيع مال الغير، وهذا في الدلالة التي فيها عقد كما دل عليه التعليل، وعنه تصح اختاره الشيخ، قال وتسليم الأموال إليهم مع العلم بالشركة إذن لهم، قال وأما مجرد النداء والعرض وإحضار الزبون فلا خلاف في جواز الإِشتراك فيه، قال: وليس لولى الأمر المنع بمقتضى مذهبه في شركة الأبدان والوجوه والمساقاة والمزارعة ونحوها مما يسوغ فيه الاجتهاد اهـ (٣). الخامس: شركة المفاوضة (٤) وهي قسمان: صحيح وهو تفويض كل واحد إلى صاحبه شراء وبيعًا في الذمة ومضارية وتوكيلًا ومسافرة بالمال وارتهانًا وتقبل ما يرى من الأعمال وهو الجمع بين عنان ووجوه ومضاربة وأبدان، وكذا لو اشتركا فيما يثبت لهما أو عليهما إن لم يدخلا كسبًا نادرًا أو غرامة (٥).
(١) (لتفاوت قدر العمل) فلو كانت أجرة مثل الدابة أربعين والرحى ثلاثين والدكان عشرين وعمل العامل عشرة فإن رب الدابة يرجع على الثلاثة أرباع أجرتها وهي ثلاثون مع ربع أجرتها الذي لا يرجع به على أحد وهو عشرة فيكمل له أربعون، ويرجع رب الرحى على الثلاثة بإثنين وعشرين ونصف مع ما لا يرجع به وهو سبعة ونصف فيكمل له ثلاثون، ويرجع رب الدكان بخمسة عشر مع ما لا يرجع به وهو خمسة فيكمل له عشرون، ويرجع العامل بسبعة ونصف مع ما لا يرجع به وهو درهمان ونصف فيكمل له عشرة ومجموع ذلك مائة درهم وهي القدر الذي استؤجروا به، وإنما لا يرجع بالربع الرابع لأن كل واحد منهم قد لزمه ربع الطحن بمقتضى الإِجارة.
(٢) (قدمه في الفروع) لأن الشركة الشرعية لا تخرج عن الوكالة والضمان، ولا وكالة هنا.
(٣) (الاجتهاد اهـ) لأنه فيه تضييقًا وحرجًا، والاختلاف رحمة.
(٤) (المفاوضة) لغة الاشتراك في كل شيء كالتفاوض.
(٥) (أو غرامة) من ضمان غصب وأرش جناية ومهر وطء أو نحوها، فإن أدخلا ذلك فهي الفاسدة وبه قال الشافعي.
تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله باب المساقات.
стр. 477
باب المساقاة
وهي دفع أرض وشجر له ثمر مأكول لمن يغرسه، أو مغروس لمن يعمل عليه ويقوم بمصلحته بجزء مشاع معلوم من ثمرته. والمزارعة (١) دفع أرض وحب لمن يزرعه ويقوم عليه، أو مزروع لمن يعمل عليه بجزء مشاع معلوم من المتحصل (٢) ويعتبر كون عاقديهما جائزي التصرف، فتجوز المساقاة في كل شجر له ثمر مأكول وإن لم يكن نخلًا ولا كرمًا (٣) وقال الموفق تصح على ماله ورق يقصد (٤) بجزء مشاع معلوم من ثمره أو ورقه ونحوه يجعل للعامل، ولو ساقاه على ما يتكرر حمله من أصول البقول والخضروات كالقطن والمقاثي والباذنجان ونحوه لم تصح، وتصح المزارعة عليه، وتصح بلفظ مساقاة ومعاملة ومفالحة وبكل لفظ يؤدي معناها، وتصح هي ومزارعة بلفظ إجارة (٥) وتصح إجارة أرض بنقد وعروض وبجزء مشاع معلوم مما
يخرج منها (٦) فإن لم يزرعها في إجارة أو مزارعة (٧) نظر إلى معدل
(١) (والمزارعة) مشتق من الزرع، وتسمى مخابرة من الخبار وهي الأرض اللينة، ومؤاكرة.
(٢) (من المتحصل) والأصل في جوازها ما روى ابن عمر قال: "عامل النبي ﷺ أهل خيبر" الحديث، وقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب "عامل النبي ﷺ أهل خيبر بالشطر ثم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم أهلوهم إلى اليوم يعطون الثلث أو الربع" وهذا عمل به الخلفاء الراشدون ولم ينكر فكان كالإِجماع.
(٣) (ولا كرما) هذا قول الخلفاء الراشدين وسعيد بن المسيب والقاسم ومالك والثوري والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد وإسحق وأبي ثور، وقال الشافعي: لا تجوز إلا في النخل والكرم لأن الزكاة تجب في ثمرتهما، وفى سائر الشجر قولان. وقال أبو حنيفة وزفر: لا تجوز بحال. ولنا الحديث والإِجماع ولا يجوز التعديل على ما خالفهما.
(٤) (ما له ورق يقصد) كتوت أو له زهر كورد، قال في الإِنصاف: وهو الصواب.
(٥) (بلفظ إجارة) في أحد الوجهين وهو المذهب، لأنه مؤد للمعنى، اختاره المصنف والشارح، وجزم به في الوجيز.
(٦) (معلوم مما يخرج منها) سواء كان طعامًا كالبر والشعير أو غيره كالقطن والكتان، وهو إجارة حقيقة كما لو أجرها بنقد، وقيل هي مزارعة بلفظ الإِجارة مجازًا.
(٧) (أو مزارعة) سواء قلنا إنها إجارة أو مزارعة.
стр. 478
المغل (١) فيجب القسط المسمى فيه، وتصح إجارتها بطعام معلوم من جنس الخارج منها (٢) ومن غير جنسه (٣) وتصح المساقاة على ثمرة موجودة لم تكمل، وعلى زرع نابت ينمى بالعمل، وإن بقى ما لا تزيد به الثمرة كالجذاذ والحصاد لم يصح، وإن ساقاه على شجر يغرسه ويعمل عليه حتى يثمر بجزء معلوم من الثمرة أو من الشجر أو منهما - وهي المغارسة والمعاصبة - صح وللحاكم بلزومها في محل النزاع فقط (٤) قال الشيخ: ولو كان المغارس ناظر وقف وأنه لا يجوز للناظر بعده بيع نصيب الوقف بلا حاجة اهـ (٥). ويصح كون الغراس من مساق ومناصب، قال الشيخ: وعليه العمل (٦) ولو دفع أرضه لمن يغرسها على أن الأرض والغراس بينهما
فسد (٧) كما لو دفع إليه الشجر المغروس ليكون الأصل والثمر بينهما أو شرط في المزارعة كون الأرض والزرع بينهما. وقال الشيخ فيمن دفع أرضه لمن يغرسها على أن الأرض والغراس بينهما: قياس المذهب صحته، ولو عملا في شجر لهما وهو بينهما نصفان وشرطا التفاضل في ثمره صح (٨)، ومن شرط صحة المساقاة تقدير نصيب العامل بجزء من الثمرة كالثلث والربع (٩) فلو جعل للعامل جزءًا من مائة جزء، أو الجزء لرب الشجر والباقي للعامل جاز ما لم يكن حيلة على بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، ولو جعل
(١) (إلى معدل المغل) من إضافة الصفة إلى موصوفها أي المغل الموازن لما يخرج منها لو زرعت.
(٢) (من جنس الخارج منها) في إحدى الروايتين وهي المذهب، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، مثل إن أجرها ليزرعها برًا بقفيز بر، أو ليزرعها شعيرًا بقفيز شعير، كما لو أجرها بدراهم معلومة، فإن قال مما يخرج منها فسدت.
(٣) (ومن غير جنسه) بأن أجرها بشعير لمن يزرعها برًا.
(٤) (في محل النزاع فقط) وقيل لا يصح اختاره المصنف والشارح.
(٥) (بلا حاجة اهـ) ومراده بالحاجة ما يجوز معه بيع الوقف.
(٦) (وعليه العمل) قال في الإنصاف: وحكمه حكم المزارعة. وقال في المزارعة: اختاره المصنف والشارح.
(٧) (فسد) قال في المغني: ولا نعلم فيه خلافًا، وبه قال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد لأنه شرط اشتراكهما في الأصل ففسد.
(٨) (صح) على الصحيح من المذهب، لأنه من شرط له الثلثان قد يكون أقوى على العمل وأعلم به ممن شرط له الثلث.
(٩) (كالثلث والربع) لمعاملة أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع، ويفهم منه أنه لو ساقاه بالنصف مثلا باردًا من الخسائر أنه يصح، واستظهره بعضهم.
стр. 479
له آصعا معلومة (١) أو دراهم أو جعلها مع الجزء المعلوم فسدت، وكذلك إن شرط له ثمر شجر بعينه (٢) فإن جعل له ثمرة سنة غير السنة التي ساقاه عليها أو ثمرة شجر غير الشجر الذي ساقاه عليه فسد العقد، وإذا كان في البستان شجر من أجناس كتين وزيتون وكرم فشرط للعامل من كل جنس قدرًا (٣) أو كان فيه أنواع من جنس فشرط من كل نوع قدرًا وهما يعرفان قدر كل نوع صح، وإن كان البستان لاثنين فساقيا عاملًا واحدا صح، ولو ساقى واحد اثنين ولو مع عدم التساوي بينهما أو ساقاه على بستانه ثلاث سنين على أن له في السنة الأولى النصف وفي الثانية الثلث وفى الثالثة الربع صح، ولا تصح المساقاة إلا على شجر معلوم بالرؤية أو الصفة التي لا يختلف معها، وتصح على البعل كالسقي (٤).
(فصل) والمساقاة عقد لازم من الطرفين (٥) وكذلك المزارعة تفتقر إلى ضرب مدة تكمل الثمرة فيها، فإن جعلا مدة لا تكمل فيها لم تصح، وللعامل إن عمل وظهرت الثمرة أجرة مثله على الأصح وإن مات تمم الوارث، فإن أبى استؤجر على العمل من تركته (٦) فإن تعذرت فلرب المال الفسخ، فإن فسخ بعد ظهور الثمرة فهي بينهما، وإن باعه لمن يقوم مقامه جاز (٧) وصح شرطه (٨) وللمشتري الملك وعليه العمل، فإن
(١) (آصعا معلومة) كعشرة، لأنه قد لا يخرج من النماء إلا ذلك فيختص به العامل.
(٢) (بعينه) لأنه قد لا يحمل غيره بالكلية فيحصل الضرر والغرر.
(٣) (من كل جنس قدرًا) النصف من ثمر التين وثلث الزيتون وربع الكرم.
(٤) (على البعل كالسقي) وبه قال مالك، لأن الحاجة تدعو إلى المعاملة في ذلك كدعائها إلى المعاملة في غيره فيقاس عليه.
(٥) (لازم من الطرفين) وبه قال أكثر الفقهاء، لأنه عقد معاوضة فكان لازمًا كالإِجارة، واختاره الشيخ ومعاملة الناس على ذلك.
(٦) (من تركته) من يعمل، لأنه عقد لازم أشبه الإِجارة، فإن لم يكن له تركة أو تعذر الاستئجار منها بيع من نصيب العامل ما يحتاج إليه لتكميل العمل واستؤجر من يعمله، ذكره في المغني.
(٧) (جاز) لكن إن كان المبيع ثمرًا لم يصح بيعه إلا بعد بدو الصلاح أو لمالك الأصل على أحد الوجهين.
(٨) (وصح شرطه) أي العمل من البائع على المشتري، فيقوم مقام البائع فيما له وعليه.
стр. 480
لم يعلم المشتري بما لزم البائع من العمل فله الخيار بين الفسخ وأخذ الثمن، وبين الإِمساك وأخذ الأرش، وقدم في الإِقناع وغيره أنهما عقد جائز (١) يبطلان بما تبطل به الوكالة ولا يفتقران إلى ضرب مدة يحصل الكمال فيها ولكل منهما فسخها، فإن فسخت بعد ظهور الثمرة فهي بينهما على ما شرطاه، ويملك العامل حصته بالظهور، ويلزمه تمام العمل. قال المنقح: فيؤخذ منه دوام العمل على العامل في المناصبة ولو فسخت إلى أن تبيد (٢) والواقع كذلك اهـ. وإن فسخ العامل أو هرب
قبل ظهورها فلا شيء له، وإن فسخ المالك فعليه للعامل أجرة عمله (٣) ويصح توقيتها (٤) وإن ساقاة إلى مدة تكمل فيها الثمرة غالبًا فلم تحمل تلك السنة، فلا شيء للعامل، وإن مات العامل أو جن أو حجر عليه لسفه انفسخت كرب المال، وإن قلنا بلزومها لم ينفسخ العقد ويقوم الوارث مقام الميت، فإن مات العامل فأبى وارثه لم يجبر (٥) ويستأجر الحاكم من تركته من يعمل العمل، وإن ظهر الشجر مستحقًا بعد العمل أخذه ربه وثمرته، ولا حق للعامل في ثمرته ولا أجرة له وله على الغاصب أجرة مثله، وإن استحقت بعد اقتسامها وأكلاها فللمالك تضمين من شاء منهما، فإن ضمن الغاصب رجع على العامل بقدر نصيبه (٦) ويرجع العامل على الغاصب بأجرة مثله، وإن ضمن العامل احتمل أن لا يضمنه إلا نصيبه خاصة (٧).
(فصل) ويلزم العامل ما فيه صلاح الثمرة والزرع وزيادتهما من السقي وقطع ما يضر من شوك وغيره وتفريق الزبل والسباخ وحفظ الثمر في الشجر وفي الجرين وكذا الجذاذ إن شرط عليه وصح شرطه (٨)
(١) (عقد جائر) هذا المذهب، لما روى مسلم عن ابن عمر في قصة خيبر "فقال رسول الله ﷺ : نقركم على ذلك ما شئنا" ولو كان لازمًا لم يجز بغير توقيت مدة ولا أن يجعل الخيرة إليه في مدة إقرارهم ولا عقد على جزء من نماء المال، فكان جائزًا كالمضاربة، وفارق الإِجارة لأنها بيع فكانت لازمة كبيع الأعيان.
(٢) (إلى أن تبيد) الشجر التي وقعت عليها المناصبة.
(٣) (أجرة عمله) بخلاف المضاربة لأن الربح يتولد من العمل ولم يحصل بعمله ربح، والثمرة تولد من عين الشجر.
(٤) (ويصح توقيتها) لأنه لا ضرر في تقدير مدتها، ولا يشترط على قول أنها عقد جائز كالوكالة.
(٥) (لم يجبر) لأن الوارث لا يلزمه من الحقوق التي على موروثه إلا ما أمكن دفعه من تركته والعمل لا يدخل فيه.
(٦) (بقدر نصيبه) لأن التلف وجد في يده فاستقر الضمان عليه.
(٧) (نصيبه خاصة) لأنه ما قبض الثمرة كلها بل كان مراعيًا لها وحافظًا.
(٨) (وصح شرطه) لأنه لا يخل بمصلحة العقد فصح كتأجيل الثمن وشرط الرهن والضمين في البيع.
стр. 481
وإلا فعليهما بقدر حصتيهما، فإن شرط العامل أن أجر الإِجراء الذين يحتاج إلى الاستعانة بهم من الثمرة لم يصح (١) وعلى رب المال ما فيه حفظ الأصل ومثله تحصيل السباخ والزبل، وقال الموفق وغيره والأولى أن البقر التي تدير الدولاب على العامل كبقر الحرث وحكم العامل حكم المضارب
فيما يقبل قوله وما يرد فإن اتهم حلف فإن ثبتت خيانته ولم يمكن حفظه استؤجر من ماله من يعمل العمل يقوم مقامه، ويلزم من بلغت حصته منهما نصابًا زكاته (٢) وإذا ساقى رجلًا أو زارعه فعامل العامل غيره على الأرض أو الشجر بغير إذن ربه لم يجز (٣) وأجاز مالك إذا جاء برجل أمين فإن استأجر أرضًا فله أن يزارع فيها (٤) وكذلك لمن في يده أرض خراجية والخراج عليه دون المزارع، وللموقوف عليه أن يزارع في الوقف ويساقى على الشجر وكذا ناظر الوقف ويتبع في الكلف السلطانية العرف ما لم يكن شرط، وما طلب من قرية من كلف سلطانية ونحوها فعلى قدر الأموال، فإن وضع على الزرع فعلى ربه، وإن وضع على العقار فعلى ربه ما لم يشرط على مستأجر، وإن وضع مطلقًا فالعادة، قال الشيخ: ومن لم يخلص ماله غيره من التلف إلا بما أدى عنه رجع به في أظهر قولي العلماء، ويعتبر معرفة جنس البذر ولو تعدد وقدره، وفي المغني أو تقدير المكان، وإن شرط إن سقى سيحًا أو زرعها شعيرًا فالربع وبكلفة أو حنطة النصف أو لك نصف هذا النوع وربع الآخر ويجهل العامل قدرهما لم يصح (٥) أو لك الخمسان إن لزمتك خسارة وإلا الربع، أو قال ما زرعت من شعير فلي ربعه وما زرعت من حنطة فلي نصفه ولم يبين البذر، أو ساقيتك على
هذا البستان بالنصف على أن أساقيك الآخر بالربع لم يصح، وإن قال: ما زرعت من شيء فلي نصفه صح لما في قصة خيبر، وإن ساقى أحد الشريكين شريكه وجعل له من الثمرة أكثر من نصيبه صح وإن جعل
(١) (لم يصح) الشرط على الصحيح من المذهب قدر الأجرة أو لم يقدرها كما لو شرط لنفسه أجر عمله لأنه عليه.
(٢) (زكاته) لأن العامل يملك حصته بالظهور كرب المال، فإن لم تبلغ نصابًا إلا بجمعها لم تجب إلا على قولنا بتأثير الخلطة في غير الماشية.
(٣) (لم يجز) وبه قال أبو يوسف وأبو ثور، لأنه عامل في المال بجزء من نمائه فلم يجز أن يعامل غيره فيه كالمضارب.
(٤) (أن يزارع فيها) لأن منافعها صارت مستحقة له فملك المزارعة فيها كالمالك، بخلاف أخذها مزارعة على قول أنها عقد جائز.
(٥) (لم يصح) في أحد الوجهين وهو المذهب، والثاني يصح، قال المصنف بناء على قوله في الإِجارة: إن خطته روميًا فلك درهم، وإن خطته فارسيًا فلك نصف درهم، فإنه يصح وهذا مثله.
стр. 482
الثمرة بينهما نصفين أو جعل للعامل الثلث فسدت ويكون الثمر بينهما بحكم الملك ولا يستحق العامل شيئًا لأنه متبرع، وإن شرط للعامل كل الثمرة فسدت أيضًا وله أجرة مثله.
(فصل) في المزارعة، تجوز بجزء معلوم يجعل للعامل من الزرع (١) فإن كان في الأرض شجر فزارعه الأرض وساقاه على الشجر صح، وأما ما يفعل الآن أن يساقيه على النخل وتكون الأرض تبعًا بلا شيء فلا يصح (٢) وإن كان حيلة على بيع الثمرة قبل وجودها أو بدو صلاحها بأن أجر الأرض بأكثر من أجرتها وساقاه على الشجر بجزء من ألف جزء ونحوه حرم ذلك ولم يصح، فإن قطع الشجر المثمر والحالة هذه فإنه ينقص من العوض بقدر ما ذهب من الشجر، سواء قيل بصحة العقد أو فساده، وسواء قطعه المالك أو غيره قاله الشيخ. ولا تصح إجارة أرض وشجرها لحملها (٣) وجوزه ابن عقيل تبعًا للأرض ولو كان الشجر أكثر. واختاره الشيخ وصاحب الفائق. وتصح إجارتها لنشر الثياب عليه ونحوه. ولا يشترط كون البذر من رب الأرض واختاره
الموفق وغيره (٤) وظاهر المذهب اشتراطه وبقر العمل من الآخر، وإن شرط أن يأخذ مثل بذره ويقتسما الباقي ففاسد (٥) وإن شرط لأحدهما قفزانًا معلومة أو
(١) (يجعل للعامل من الزرع) هذا المذهب بلا ريب، وقال عمر وعلي وسعد وابن مسعود ومعاذ والحسن وعمر بن العزيز والقاسم وعروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وابن سيرين وطاوس وعبد الرحمن بن الأسود والزهري وعبد الرحمن بن أبي ليلى وغيرهم، وكرهها عكرمة ومجاهد والنخعي ومالك وأبو حنيفة، وروى عن ابن عباس الأمران، وأجازها الشافعي في الأرض بين النخيل إذا كان بياض النخل أقل، وإن كان أكثر فعلى وجهين، ومنعها في الأرض البيضاء. هذا ملخص الأقوال فيها.
(٢) (فلا يصح) قال في شرح المنتهى: وإن لم يكن في الأرض إلا شجرات يسيرة لم يجز شرط ثمرها لعامل.
(٣) (لحملها) أي حمل الشجر وهو ثمرها وورقها ونحوه، وحكاه أبو عبيد إجماعًا.
(٤) (الموفق وغيره) لقول ابن عمر "دفع رسول الله ﷺ إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من أموالهم ولرسول الله ﷺ شطر ثمرها، وفي لفظ ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها، وظاهره أن البذر من أهل خيبر.
(٥) (ففاسد) لأنه قد لا يخرج من الأرض إلا ذلك القدر فيختص به المالك، وربما لا تخرجه وموضوعها على الاشتراك.
стр. 483
دراهم معلومة أو زرع ناحية معينة أو ما على الجداول (١) فسدت، ومتى فسد العقد فالزرع لصاحب البذر والثمر لصاحب الشجر وعليه الأجرة (٢) وحكم المزارعة، حكم المساقاة فيما ذكرنا، والحصاد والدياس وتصفية الحب من التبن واللقاط على العامل، ويكره الحصاد والجذاذ ليلًا (٣) وإن قال رب الأرض أنا أزرع الأرض ببذري وعواملي وتسقيها بمائك والزرع بيننا لم يصح في إحدى الرواتين (٤) وما سقط من حب وقت حصاد فنبت في العام القابل فلرب الأرض مالكًا كان أو مستأجرًا أو مستعيرًا (٥) وكذا نص فيمن باع قصيلًا فحصده فبقى يسير فصار سنبلًا فلرب الأرض، ويباح التقاط ما
خلفه الحصادون من سنبل وحب وغيرهما (٦) ويحرم منعه قاله في الرعاية، وإذا غصب زرع إنسان وحصده أبيح للفقراء التقاط السنبل المتساقط كما لو حصدها المالك، كما يباح رعى الكلأ من الأرض المغصوبة (٧) وإن خرج الزراع باختياره وترك العمل قبل الزرع أو بعده قبل ظهوره وأراد أن يبيع عمل يديه في الأرض من حرث ونحوه وما أنفق لم يجز (٨) ولا شيء له، وإن أخرجه مالك ذلك فله أجرة عمله وما أنفق في الأرض، ولا يجوز أن يشترط على الفلاح شيئًا مأكولًا ولا غيره ولا أخذه بشرط ولا غيره إلا أن تكون العادة جارية بينهما به. ولو
(١) (الجداول) قال في المغني: بإجماع العلماء إما مفردًا أو مع نصيبه.
(٢) (وعليه الأجرة) للعامل، هذا المذهب، لأنه عمل بعوض لم يسلم إليه.
(٣) (ويكره الحصاد والجذاذ ليلًا) لأنه ربما أصابه أذى من نحو حية.
(٤) (في إحدى الروايتين) وهو الصحيح من المذهب، واختاره القاضي والمصنف والشارح، لأن موضوع المزارعة أن يكون من أحدهما الأرض ومن الآخر العمل، ولأن الماء لا يباع ولا يستأجر، والثانية تصح اختارها أبو بكر وابن عبدوس في تذكرته لأن الماء أحد ما يحتاج إليه في الزرع فجاز أن يكون من أحدهما.
(٥) (أو مستعيرًا) لأن رب الحب أسقط حقه منه بحكم العرف وزال ملكه عنه، لأن العادة ترك ذلك لمن يأخذه.
(٦) (من سنبل وحب وغيرهما) بلا خلاف، لجريان ذلك مجرى نبذه على سبيل الترك له.
(٧) (من الأرض المغصوبة) واستشكل بدخول الأرض المغصوبة، ونقل حنبل لا ينبغي أن يدخل مزرعة أحد إلا بإذنه، وقال: لم ير بأسًا بدخوله يأخذ كلأ وشوكًا لإِباحته ظاهرًا عرفًا وعادة.
(٨) (لم يجز) ذلك خلافًا للقاضي في الأحكام السلطانية، وبعد ظهور الزرع له حصته وعليه تمام العمل.
стр. 484
أجر أرضه سنة لمن يزرعها فلم ينبت الزرع تلك السنة ثم نبت في السنة الأخرى فهو للمستأجر وعليه الأجرة كرب الأرض مدة احتباسه (١) وليس لرب الأرض مطالبته بقلعه قبل إدراكه (٢) ولو دفع رجل أرضه وآخر بذره وثالث يعمل وما رزقه الله بينهم فهو عقد فاسد (٣) والزرع لصاحب البذر وعليه لصاحبيه أجر مثلهما (٤)، وتجوز إجارة الأرض بذهب أو فضة في قول عامة أهل العلم.
باب الإِجارة (٥)
(١) (مدة احتباسه) فيلزمه المسمى للسنة الأولى وأجرة المثل للثانية.
(٢) (قبل إدراكه) لأنه وضعه بحق، وتأخره ليس بتقصيره.
(٣) (فهو عقد فاسد) وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة.
(٤) (أجر مثلهما) لأن نماء ماله وبه قال الشافعي وأبو ثور، وقال أصحابنا يتصدق بالفضل.
(٥) (الإجارة) مشتقة من الأجر وهو العوض، ومنه سمى الثواب أجرًا لأن الله يعوض العبد على طاعته أو الصبر عن معصيته. وهي ثابتة بالإجماع، وسنده قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ الآية. ومن السنة حديث عائشة في خبر الهجرة قالت "واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلًا من بني الديل هاديًا خريتًا" والخريت الماهر في الهداية رواه البخاري، والحاجة داعية إليه إذ كل إنسان لا يقدر على عقار يسكنه ولا على حيوان يركبه ولا صنعة يعملها، وأرباب ذلك لا يبذلونه مجانًا فجوزت طلبًا للرفق.
стр. 485
هي عقد على منفعة مباحة معلومة (١) تؤخذ شيئًا فشيئًا مدة معلومة من عين معلومة أو موصوفة في الذمة (٢) أو عمل معلوم (٣) بعوض معلوم (٤) ويستثنى من مدة معلومة ما فتح عنوة ولم يقسم فيما فعله عمر ﵁. وهي والمساقاة والمزارعة والعرايا والشفعة والكتابة ونحوها من الرخص المستقر حكمها على وفق القياس (٥) ولا
تصح إلا من جائز التصرف، وتنعقد بلفظ آجرت وما في معناها إضافة إلى العين نحو أجرتكها أو أكريتكها، وإلى النفع نحو أجرتك أو أكريتك نفع هذه الدابة، أو بلفظ بيع إضافة إلى النفع نحو بعتك نفعها أو سكنى الدار، قال الشيخ: التحقيق أن المتعاقدين إن عرفا المقصود انعقدت بأي لفظ كان من الألفاظ التي عرف بها المتعاقدان مقصودهما، وهذا عام في جميع العقود، فإن الشارع لم يحد حدًا لألفاظ العقود بل ذكرها مطلقة (٦) ولا تصح إلا بشروط ثلاثة: أحدها معرفة المنفعة إما بالعرف فإن كان لهما عرف أغنى عن تعيين النفع وصفته وينصرف الإِطلاق إليه، فإن كان عرف الدار السكنى واكتراها لها فله السكنى ووضع متاعه فيها ويترك فيها من الطعام ما جرت عادة الساكن به، ويستحق ماء البئر تبعًا للدار في الأصح قاله في المبدع، وله أن يأذن لأصحابه وأضيافه في الدخول والمبيت فيها، وليس له
(١) (معلومة) في قول أكثر أهل العلم، منهم أبو حنيفة ومالك أكثر الشافعية، وذكر بعضهم أن المعقود عليه العين.
(٢) (في الذمة) كأجرتك بعيرًا صفته كذا، ويستقصى صفته للحمل أو ركوب سنة مثلًا.
(٣) (أو عمل معلوم) أي الإجارة ضربان: أحدهما على عين معينة أو موصوفة في الذمة مدة معلومة، الثاني على عمل معلوم ويأتى موضحًا.
(٤) (بعوض معلوم) في الضربين، فعلمت أن المعقود عليه هو المنفعة لا العين خلافًا لأبى إسحق المروزي، لأن المنفعة هي التي تستوفى والأجرة مقابلتها، ولهذا تضمن دون العين. وإنما أضيف العقد إلى العين لأنها محل المنفعة ومنشؤها كما يضاف عقد المسافة إلى البستان والمعقود عليه الثمر والانتفاع تابع للمنفعة المعقود عليها.
(٥) (على وفق القياس) قال في الفروع: لأن من لم يخصص العلة لا يتصور عنه مخالفة قياس صحيح، ومن خصصها فإنما يكون الشئ خلاف القياس إذا كان المعنى المقتضى للحكم موجودًا فيه وتخلف الحكم عنه، وقال في المنتهى: على خلاف القياس إذ الشفعة انتزاع ملك الإنسان منه بغير رضاه، والكتابة يتحد فيها المشترى والمبيع والبقية فيها الغرر، والأصح لا، أي أنها على وفق القياس اهـ.
(٦) (بل ذكرها مطلقة) وكذا قال ابن القيم في أعلام الموقعين، وصححه في التصحيح والنظم.
стр. 486
أن يعمل فيها حدادة أو قصارة ولا مخزنًا للطعام ولا أن يسكنها دابة (١) ولا يدع فيها رمادًا ولا ترابًا ولا زبالة ونحوها، وله إسكان ضيف وزائر. وإما بالوصف كحمل زبرة حديد وزنها كذا إلى موضع كذا، ولو كان المحمول كتابًا فوجد المحمول إليه غائبًا فله الأجرة لذهابه ورده (٢) قال أحمد: يجوز أن يستأجر الأمة والحرة للخدمة، ولكن يصرف وجهه عن النظر للحرة (٣) ولا يخلو معها في بيت ولا ينظر إليها متجردة
ولا إلى شعرها المتصل، وتصح على بناء حائط ويقدر بالزمن، وإن قدر بالعمل فلابد من معرفة موضعه لأنه يختلف بقرب الماء وسهولة التراب. ولا بد من ذكر طول الحائط وعرضه وسمكه، ولو استؤجر لحفر بئر فوصل إلى صخر أو ما يمنع الحفر خير، ويأتي. وإن استأجر ليبنى له بناء معلومًا كحائط موصوف أو في زمن معلوم فبناه ثم سقط البناء فقد وفى ما عليه واستحق الأجرة إن لم يكن سقوطه من جهة العامل (٤) وإن استأجره لبناء أذرع معلومة فبنى بعضها ثم سقط فعليه إعادة ما سقط وتمام ما وقعت عليه الإِجارة من الأذرع (٥) ويصح الاستئجار لتطيين الأرض والسطوح والحيطان وتجصيصها ويقدر بالزمن، ولا يصح على عمل معين (٦) لأن الطين يختلف في الرقة والغلظ والأرض منها العالي والنازل وكذا الحيطان والسطح، فلذلك لم يصح إلا على مدة، وتصح إجارة أرض معينة لزرع كذا أو غرس أو بناء معلوم أو لزرع ما شاء أو لغرس ما شاء كأجرتك لتزرع ما شئت (٧) أو أجره الأرض وأطلق وهي تصلح للزرع وغيره فتصح (٨) ويجوز الاستئجار لضرب اللبن على مدة أو عمل، فإن قدر بالعمل احتاج إلى تعيين عدده وذكر قالبه وموضوع الضرب، فإن كان هناك قالب معروف لا يختلف جاز، وإن قدر بالطول
(١) (ولا أن يسكنها دابة) قلت إن لم يكن قرينة كالدار الواسعة التي فيها اصطبل معد للدواب عملًا بالعرف.
(٢) (ورده) لأنه ليس سوى رده إلا تضييعه، وقد علم أنه لا يرضى تضييعه فتعين رده.
(٣) (للحرة) فلا يباح النظر لشئ منها، بخلاف الأمة فينظر منها إلا الأعضاء الستة أو إلى ما عدا عورة الصلاة.
(٤) (من جهة العامل) بأن فرط أو بناه محلولًا ونحو ذلك فعليه إعادته وغرامة ما تلف منه لتفريطه.
(٥) (من الأذرع) مطلقًا لأنه لم يوف بالعمل، وعليه غرام ما تلف إن فرط.
(٦) (على عمل معين) بأن يقول: استأجرتك لتطيين هذا الحائط أو تجصيصه.
(٧) (لتزرع ما شئت) هذا أحد الوجهين وهو الصحيح من المذهب، وجزم به في التلخيص. والثاني لا يصح جزم به في الشرح.
(٨) (فتصح) للعلم بالمعقود عليه، هذا أحد الوجهين وهو الصحيح من المذهب، والثاني لا يصح.
стр. 487
والعرض والسمك جاز، ولا يلزم إقامة اللبن
ليجف ما لم يكن شرط أو عرف، وإن استؤجر لحفر قبر لزمه رد ترابه عليه لأنه العرف، وإن استؤجر للركوب ذكر المركوب وما يركب به من سرج وغيره، ولا بد من معرفة راكب برؤية أو صفة، ويشترط معرفة توابعه العرفية كزاد وأثاث من الأغطية والأوطية والمعاليق، وله حمل ما نقص من معلومه ولو بأكل معتاد، وإن كان لحمل لم يحتج إلى ذكر ما تقدم إن لم يتضرر المحمول بكثرة الحركة أو يفوت غرض المستأجر، وإلا شرط كحامل زجاج وخزف أي فخار وفاكهة، ويشترط معرفة المتاع المحمول برؤية أو صفة وذكر جنسه من حديد أو قطن أو غيره، وقدره بالكيل أو بالوزن فلا يكفي ذكر وزنه فقط، ويشترط معرفة أرضٍ. الثاني معرفة الأجرة (١) فما في الذمة كثمن في حكمه فما صح أن يكون ثمنًا في الذمة صح أن يكون أجرة والمعينة كمبيع، ولو جعل الأجرة صبرة دراهم أو غيرها صحت كبيع (٢) ويصح استئجار أجير وظئر بطعامهما كسؤلهما وهما عند التنازع كزوجة (٣). وعنه لا يصح في الأجير، ويصح في الظئر اختارها القاضي (٤)، وعنه ثالثة لا يجوز في الظئر ولا في
غيرها (٥) ويسن إعطاء ظئر حرة عند الفطام عبدًا أو أمة إذا كان المسترضع موسرًا (٦) قال
(١) (معرفة الأجرة) لأنه عوض عقد معاوضة فوجب علمه كالثمن، وقد روى عن النبي ﷺ "من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره".
(٢) (صحت كبيع) لأن المنفعة ههنا أجريت مجرى الأعيان لأنها متعلقة بعين حاضرة. والوجه الثاني لا يجوز.
(٣) (كزوجة) قال في الشرح: لأن الكسوة عرف، وهي كسوة الزوجات، والإطعام في الكفارات، وفي الملبوس أقل ملبوس.
(٤) (اختارها القاضي) وهو مذهب أبي حنيفة لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
(٥) (ولا في غيرها) وبه قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور وابن المنذر، لأن ذلك يختلف كثيرًا. ولنا ما روى ابن ماجة عن عقبة بن النذر قال "كنا عند رسول الله ﷺ فقرأ حتى بلغ قصة موسى ﵇ قال إن موسى أجر نفسه ثماني سنين أو عشرًا على عفة فرجه وطعام بطنه"، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه وعن أبي هريرة قال "كنت أجيرًا لابنة غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي، أحطب لهم إذا نزلوا وأحدو بهم إذا ركبوا" رواه الأثرم وابن ماجة.
(٦) (إذا كان المسترضع موسرًا) روى أبو داود عن هشام بن عروه عن أبيه حجاج السلمي قال "قلت يا رسول الله ما يذهب عني مذمة الرضاع؟ قال: الغرة والعبد أو الأمة" قال الترمذي حسن صحيح.
стр. 488
الشيخ: لعل هذا في المتبرعة بالرضاع، وإن استؤجرت للرضاع وأطلق العقد لم يلزمها الحضانة، ويجب على المرضعة أن تأكل وتشرب ما يدر لبنها ويصلح به، وللمكري مطالبتها بذلك، وإن قالت أرضعته فأنكره المسترضح فالقول قولها، ويشترط رؤية المرتضع ولا يكفى وصفه ومدة الرضاع ومكانه هل هو عند المرضعة أو عند وليه، ولا بأس أن ترضع المسلمة طفلًا للكتابي بأجرة لا لمجوسي، ولا يصح استئجار دابة بعلفها أو بأجر معين وعلفها (١) إلا أن يشترطه موصوفًا، وعنه يصح مطلقًا اختاره الشيخ وجمع (٢) وإن استغنى الأجير عن طعام المستأجر أو عجز عن الأكل لمرض أو غيره لم تسقط نفقته وله المطالبة بها، وإن احتاج إلى دواء لمرض لم يلزم المستأجر، لكن يلزمه بقدر طعام الصحيح يدفعه له، وإن قبض الأجير طعامه فأحب أن يستفضل بعضه لنفسه وكان المستأجر دفع إليه أكثر من الواجب له ليأكل منه قدر حاجته ويفضل الباقي أو كان في تركه لأكله ضرر على المستأجر
منع منه (٣) وإن دفع إليه قدر الواجب فقط أو أكثر منه وملكه إياه ولم يكن في استفضاله لبعضه ضرر بالمستأجر جاز، وإن قدم إليه طعامًا فنهب أو تلف قبل أكله وقد خصه بذلك وسلمه إليه ليس على مائدة فمن مال الأجير (٤) والقابلة التي تحضر الولادة يجوز لها أخذ الأجرة على ذلك وأن تأخذ بلا شرط. ولا بأس أن يحصد الزرع ويصرم النخل بجزء مشاع منه كسدس ونحوه، قال أحمد: هو أحب إليّ من المقاطعة يعني مع جوازها، ويجوز نفض الزيتون ونحوه ببعضه مشاعًا، ويجوز للرجل أن يؤجر أمته للإِرضاع، وليس لها إجارة نفسها،
(١) (وعلفها) لأنه مجهول ولا عرف له يرجع إليه، قال في الشرح: ولا نعلم أحدًا قال بجوازه.
(٢) (اختاره الشيخ وجمع) جزم به في التعليق وقدمه في الفائق وقال: نص عليه في رواية الكحال، وقال في القاعدة: أصح الروايتين الجواز.
(٣) (منع منه) لأن على المستأجر ضررًا بتفويت ماله من منفعة كالجمال إذا امتنع من علف الجمال.
(٤) (فمن مال الأجير) لأنه تسليم عوض على وجه التمليك أشبه البيع.
стр. 489
فإن كان لها ولد لم يجز إجارتها لذلك إلا أن يكون فيها فضل عن ربه (١) وإن أجرها للإِرضاع ثم زوجها صح النكاح ولا تنفسخ الإِجارة.
(فصل) وإن دفع ثوبه إلى قصار أو خياط ونحوهما ليعمله ولو لم تكن له عادة بأخذ أجرة ولم يعقدا عقد إجارة أو استعمل حمالًا أو شاهدًا إن جاز له أخذ أجرة (٢) صح وله أجرة مثله (٣) كتعريضه بها نحو خذه وأنا أعلم أنك متعيش أو أرضيك، وكذا حلق رأسه وغسل ثوبه وبيعه له وشربه منه ماء أو قهوة ونحوها من المباحات (٤) وقال في التلخيص: ما يأخذه الحمامي أجرة المكان والسطل والمئزر ويدخل الماء تبعًا اهـ. وهذا بخلاف مسئلة الشرب فإن الماء مبيع، ويجوز إجارة دار بسكنى دار
وتزويج امرأة (٥) وتصح إجارة حلى بأجرة من غير جنسه وكذا من جنسه (٦) مع الكراهة، وإن قال: إن خطت هذا الثوب اليوم فلك درهم وإن خطته غدًا فلك نصف درهم لم يصح في إحدى الروايتين (٧) وإن قال: إن خطته روميًا فلك
(١) (فيها فضل عن ربه) لأن الحق في اللبن للولد وليس للسيد إلا الفاضل منه.
(٢) (أخذ أجرة) قال الفارضى: فإن قيل يحرم الأخذ على الشهادة فالجواب أن الذي يحرم إنما هو نحو ما إذا تحمل الشهادة وأبى أن يؤديها إلا بجعل أو سئل في أن يشهد فأبى أن يشهد إلا بجعل، أما لو دعا زيدًا مثلًا فذهب معه وشهد وتكلف زيد لدابة مثلًا ومضى زمن لمثله أجرة لا سيما مع بعد المكان فله أجرة مثله.
(٣) (وله أجرة مثله) لأن العرف الجاري يقوم مقام القول.
(٤) (ونحوها من المباحات) وما يأخذه البائع ثمن الماء أو القهوة ونحوها أجرة الآنية والساقى والمكان قياسًا على المسئلة التي بعدها.
(٥) (وتزويج امرأة) لقصة شعيب ﵇، قال المجد: وإذا دفعت عبدك إلى خياط أو قصار ونحوهما ليعلمه ذلك العمل بعمل سنة جاز في مذهب مالك وعندنا.
(٦) (وكذا من جنسه) وبه قال الثوري والشافعي وإسحق وأبو ثور وأصحاب الرأي، فأشبهت ما تجوز إجارته، لأن الزينة من المقاصد الأصلية فإن الله امتن عليها بقوله ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ وأباح الله للنساء من التحلى واللباس ما حرم على الرجال لحاجتهن إلى الزينة للأزواج، وأسقط الزكاة عن حليهن معونة لهن على اقتنائه.
(٧) (في إحدى الروايتين) وهو المذهب وبه قال مالك والثوري وإسحق والشافعي، لأنه عقد واحد اختلف فيه الغرض بالتقديم والتأخير. والثانية يصح وبه قال الحارث العكلى ومحمد، لأنه سمى لكل عمل عوضًا معلومًا كدلو بتمره.
стр. 490
درهم وإن خطته فارسيًا فلك نصف درهم فعلى وجهين. وإن أكراه دابة وقال إن رددتها اليوم فكراؤها خمسة وإن رددتها غدًا فكراؤها عشرة فقال أحمد: لا بأس به (١) وقال القاضي: يصح في اليوم دون الثاني، وإن أكراه عشرة أيام ما زاد فلكل يوم كذا صح (٢) ولا يصح أن يكترى مدة مجهولة كمدة غزاته (٣) وإن سمى لكل يوم شيئًا معلومًا جاز، وإن أكراه كل شهر بدرهم أو كل دلو بتمرة صح (٤) كلما دخل شهر
لزمهما حكم الإِجارة ان لم يفسخا (٥) ولكل منهما الفسخ عقب تقضي كل شهر على الفور (٦) في أول الشهر. وإن قال أجرتك هذا الشهر بكذا فما زاد فبحسابه صح في الشهر الأول، وإن قال أجرتك داري عشرين شهرًا كل شهر بدرهم صح العقد، وإن قال استأجرتك لحمل هذه الصبرة إلى مصر بعشرة أو لتحملها كل قفيز بدرهم وما زاد فبحساب ذلك صح (٧) وكذلك كل لفظ يدل على إرادة حمل جميعها، وإن قال لتحمل منها قفيزًا بدرهم وما زاد فبحساب ذلك يريد بذلك مهما حملته من باقيها لم يصح (٨) ويحتمل
(١) (لا بأس به) هذه الرواية تدل على صحة الإِجارة. وحديث علي والأنصاري يدل على صحته. فإن عليًا آجر نفسه ليهودي يستقى له كل دلو بتمرة وكذلك الأنصارى.
(٢) (صح) وهذه الروايات تدل على أنه متى قدر لكل عمل أجرًا معلومًا صح. وقال القاضي: يصح في العشرة وحدها.
(٣) (كمدة غزاته) هذا قول أكثر أهل العلم منهم الأوزاعي والشافعي وأبو حنيفة. وقال مالك: قد عرف وجه ذلك وأرجو أن يكون خفيفًا. ولنا أن المدة مجهولة والعمل مجهول فلم يجز. وقال الشافعي في قوله جاز: لا يجوز.
(٤) (كل دلو بتمرة صح) هذا المذهب وبه قال أبو ثور وأصحاب الرأى. وحكى عن مالك نحوه. لأن عليًا "استسقى من يهودي كل دلو بتمرة وجاء به إلى النبي ﷺ فأكل منه" رواه ابن ماجة.
(٥) (إن لم يفسخا) لأن دخوله بمنزلة إيقاع العقد على عينه إبتداء، لأن شروعه في كل شهر مع ما تقدم في العقد من الاتفاق على الرضى.
(٦) (على الفور) عند المصنف والشيخ عند تقضى كل شهر قبل دخول الثاني، والصحيح أنه لا يكون إلا بعد فراغه.
(٧) (صح) لأن القفيز معلوم وأجره معلوم، وجهالة عدد قفزانها تزول باكتيالها، وبه قال الشافعي.
(٨) (لم يصح) وهو مذهب الشافعي، لأن المعقود عليه بعضها وهو مجهول.
стр. 491
أن تصح لأنه في معنى كل دلو بتمرة، وإن قال لتحمل لي هذه الصبرة كل قفيز بدرهم وتنقل لي صبرة أخرى في البيت بحساب ذلك وكانا يعلمان الصبرة التي في البيت بالمشاهدة أو وصفاها صح، وإن جهلها أحدهما صح في الأولى وبطل في الثانية.
(فصل) الثالث أن تكون المنفعة مباحة لغير ضرورة، ولا تصح إجارة ما يجمل به دكانه من نقد وشمع ونحوهما ولا طعام ليتجمل به على مائدته ثم يرده لأن منفعة ذلك غير مقصودة ولا ثوب لتغطية نعش ويصح الاستئجار لإِلقاء الميتة ولإراقة الخمر (١) ويصح لكسح كنيف (٢) ويكره أكل أجرته كحر لأجرة حجامة، ولو
استأجره على سلخ بهيمة بجلدها (٣) أو على إلقاء ميتة بجلدها لم يصح وله أجرة مثله، ويصح إلقاؤها بالشعر الذي على جلدها إن كان محكومًا بطهارته، وقيل يصح الاستئجار على سلخ البهيمة بجلدها صححه في التخليص والإِنصاف، ولا يصح طحن قمح بنخالته وتجوز، إجارة المسلم للذمي إذا كانت الإِجارة في الذمة وكذا العمل غير خدمة، وأما إجارته للخدمة فلا تجوز (٤) ولا تجوز إعارة الرقيق المسلم له، ولا بأس أن يحفر للذمي قبرًا بالأجرة. ولا تجوز الإِجارة لرعى بهائمه بجزء من نمائها، ويجوز بسهم منها، ويصح استئجار بيت في دار ولو أهمل استطراقه (٥).
(١) (ولإراقة الخمر) لأن ذلك مما تدعو الحاجة إليه ولا تندفع بدون إباحة الأجرة له ولا مباشرة فيه للنجاسة غالبًا.
(٢) (لكسح كنيف) وقد روى سعيد بن منصور أن رجلًا حج وأتى ابن عباس فقال له: إني رجل أكنس فما ترى في مكسبي؟ قال: أي شيء تكنس؟ قال العذرة، قال ومنه حججت ومنه تزوجت؟ قال نعم. قال أنت خبيث وحجك خبيث أو نحو هذا، ولأن الحاجة داعية إليها ولا يندفع ذلك إلا بإباحة الإجارة فوجب إباحتها كالحجامة.
(٣) (سلخ بهيمة بجلدها) ظاهره أن ذلك قبل الذبح لأنه يجوز بيعه منفردًا بعد الذبح لا قبله.
(٤) (إجارته للخدمة فلا تجوز) لأنه عقد يتضمن حبس المسلم عند الكافر وإذلاله وإستخدامه مدة الإِجارة.
(٥) (ولو أهمل استطراقه) إذ لا يمكن الانتفاع به إلا باستطراق فاستغنى عن ذكره للتعارف.
стр. 492
(فصل) والإِجارة على ضربين أحدهما إجارة عين (١) فما حرم بيعه فإجارته مثله إلا
الحر والحرة (٢) وإلا الوقف وأم الولد، وتصح إجارة كل عين يمكن استيفاء المنفعة المباحة منها مع بقائها، ولا تصح إجارة ما لا يمكن استيفاؤه منها كأرض سبخة لا تنبت الزرع (٣) أو لا ماء لها ولا ما لا ينتفع به مع بقاء عينه كالمطعوم والمشروب ونحوه، ويصح استئجار دار يجعلها مسجدًا أو حائطًا ليضع عليه أطراف خشبه (٤) إذا كان الخشب معلومًا والمدة معلومة، واستئجار مهد وصقر وباز للصيد وحيوان للحراسة، ويصح استئجار كتاب للقراءة والنظر فيه (٥) إلا المصحف فلا يصح تعظيمًا له، ويجوز نسخه بأجرة، ويصح استئجار نقد للتحلى والوزن لا غير (٦) وما احتيج إليه كالأنف، وكذا مكيل أو موزون أو فلوس ليعاير عليها فإن أطلق لم يصح (٧) ويجوز استئجار الشجر ليجفف عليها الثياب أو يبسطها تحتها ليستظل بظلها، ويصح استئجار ولده (٨) ووالده لخدمته، ويكره في والديه، ويصح استئجار امرأته لرضاع ولده منها أو من غيرها وحضانته بائنًا كانت أو في حباله (٩) وقال
القاضي: لا يجوز: وعند الشيخ لا أجرة
(١) (إجارة عين) ولها صورتان: إحداهما أن تكون إلى مدة معلومة. الثانية أن تكون لعمل معلوم والعين تارة تكون معينة كاستأجرت منك هذا العبد يخدمنى سنة أو ليخيط لي هذا الثوب بكذا، وتارة تكون موصوفة في الذمة كحمار صفته كذا ليركبه إلى موضع كذا بكذا.
(٢) (إلا الحر والحرة) فتصح إجارتهما لأن منافعهما مضمونة بالغصب فجازت إجارتهما كمنافع القن.
(٣) (الزرع) لأن الإجارة عقد على المنفعة ولا يمكن تسليم هذه المنفعة في هذه العين.
(٤) (أطراف خشبه) وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يجوز، لنا أن هذه منفعة مقصودة مقدور على تسليمها فجازت الإجارة عليها.
(٥) (والنظر فيه) وهذا مذهب الشافعي، لأن فيه نفعًا مباحًا يحتاج إليه.
(٦) (لا غير) وبه قال أبو حنيفة، ولأصحاب الشافعي وجهان ثانيهما المنع، ولنا أنها عين أمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها.
(٧) (لم يصح) في أحد الوجهين وهو المذهب، وبه قال أبو حنيفة، فعليه يكون قرضًا، ويصح في الآخر اختاره أبو الخطاب والمصنف وهو الصواب قاله في الانصاف.
(٨) (استئجار ولده) لخدمته، قال في الإنصاف: وفى النفس منه شيء، بل الذي ينبغى أنها لا تصح، وتجب عليه خدمته بالمعروف.
(٩) (في حباله) وبه قال الخرقى وهو الصحيح من المذهب، لأن منافعها من الرضاع والحضانة غير مستحقة للزوج.
стр. 493
لها مطلقًا (١).
(فصل) ولا تصح إجارة العين إلا بشروط خمسة: (أحدها) أن يقع على نفع العين دون أجزائها فلا تصح إجارة الطعام للأكل ولا الشمع ليشعله (٢)، وأجازه الشيخ قال ليس هذا بإجارة، ولكنه إذن في الإِتلاف وهو سائغ، وقال الشيخ: يجوز إجارة حيوان لأخذ لبنه (٣) والمذهب لا يصح ذلك في حيوان إلا في الظئر. قال ابن عقيل يجوز استئجار البئر ليستقى منه أيامًا معلومة أو دلاء معلومة، لأن هواء البئر وعمقها فيه نوع انتفاع بمرور الدلو فيه، فأما الماء فيؤخذ على الإِباحة اهـ. ويدل أيضًا تبعًا حبر ناسخ وخيوط خياط وصبغ صباغ. وسئل أحمد عن إجارة بيت الرحى الذي يديره الماء فقال: الإِجارة على البيت والأحجار والحديد والخشب، فأما الماء فإنه يزيد وينقص ويذهب فلا يقع عليه إجارة. ولا يجوز استئجار الفحل للضراب (٤) فإن احتاج إلى ذلك ولم يجد من يطرق له جاز له أن يبذل الكراء (٥) كشراء الأسير ورشوة الظالم ليدفع ظلمه، ويحرم على المطرق أخذه، وإن أطرق إنسان فحله بغير
إجارة
(١) (لا أجرة لها مطلقًا) وتأول القاضي كلام الخرقى على أنها في حبال زوج آخر وهو قول أصحاب الرأى، وحكى عن الشافعي، لأنه استحق حبسها والاستمتاع بها بعوض فلا يجوز أن يلزمه آخر لذلك، وقال الشيرازي إن استأجر من هي تحته لرضاع لم يجز لأنه استحق نفعها. ولنا ما تقدم.
(٢) (ولا الشمع ليشعله) هذا المذهب لأنه لا ينتفع به إلا بإتلاف عينه.
(٣) (حيوان لأخذ لبنه) فإن قام عليها المستأجر وعلفها فكاستئجار الشجر، وإن علفها ربها ويأخذ المشترى لبنًا مقدرًا فبيع محض.
(٤) (استئجار الفحل للضراب) لنهيه ﵊ عن عسب الفحل متفق عليه، والعسب إعطاء الكراء على الضراب على أحد التفاسير، ولأن المقصود هو الماء وهو محرم لا قيمة له فلم يجز أخذ العوض عنه كالميت.
(٥) (أن يبذل الكراء) لأنه بذل لتحصيل منفعة مباحة تدعو الحاجة إليها مجانًا.
стр. 494
ولا شرط فأهديت له هدية أو أكرم بكرامة لذلك فلا بأس (١). (الثاني): معرفة العين برؤية أو صفة (٢) يحصل بها معرفته كمبيع. فإن لم تحصل بها أو كانت لا تتأتى فيها كالدار والعقار فتشترط مشاهدته وتحديده ومشاهدة قدر الحمام (٣). (الثالث): القدرة على التسليم، وتصح إجارة مشاع مفرد لغير شريكه اختاره جمع (٤) والمذهب لا تصح إلا أن يأذن له شريكه (٥) قاله في الفائق، وهو مقتضى تعليلهم بكونه لا يقدر على تسليمه، وإن كانت لواحد فأجر نصفه صح لأنه يمكنه تسليمه، وإن أجر إثنان دارهمًا من رجل واحد ثم أقاله أحدهما صح وبقى العقد في نصفه الآخر (٦). (الرابع): اشتمالها على المنفعة، فلا تصح إجارة كافر لعمل في الحرم (٧) ولا على تعليم الكافر القرآن، ولا على تعليم السحر والفحش والخنا أو على تعليم التوراة والإِنجيل ولا حمام لحمل كتب لتعذيبه (الخامس): كون المنفعة
مملوكة للمؤجر أو مأذونًا له فيها (٨) وتصح إجارة من مستأجر لمن يقوم مقامه أو دونه ما لم يكن المؤجر حرًا كبيرًا أو صغيرًا فإنه ليس لمستأجر أن يؤجره
(١) (فلا بأس) لأنه فعل معروفًا فجازت مجازاته عليه، كما لو أهدى هدية فجوزى عليها قاله في المغنى، وقال الشيخ: فلو أنزاه على فرسه فنقص ضمن النقص، قاله في المبدع.
(٢) (أو صفة) في أحد الوجهين، لأن الغرض يختلف. والثاني تصح بدونه، وللمستأجر خيار الرؤية.
(٣) (ومشاهدة قدر الحمام) ومعرفة مائة ومطرح الرماد وموضع الزبل، وكره أحمد بناء الحمام والعقد صحيح.
(٤) (اختاره جمع) منهم أبو حفص العكبرى وأبو الخطاب وصاحب الفائق، وبه قال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد، لأنه معلوم.
(٥) (يأذن له شريكه) وبه قال أبو حنيفة وزفر، لأنه لا يقدر على تسليمه فلم تصح إجارته كالغصب.
(٦) (في نصفه الآخر) ذكره القاضي، ثم قال: ولا يمتنع أن نقول العقد في الكل.
(٧) (في الحرم) لأن المنع الشرعى كالحسى، ولا لمن به نجاسة تتعدى على كنس المسجد.
(٨) (أو مأذونًا له فيها) لأنه تصرف فيما لا يملكه ولا إذن فيه مالكه فلم يجز كبيعه، ويحتمل أن يجوز ويقف على إجازة المالك بناء على بيع العين بغير إذن مالكها.
стр. 495
لأنه لا تثبت يد غيره عليه وإنما هو يسلم نفسه أو يسلمه وليه، ويصح لغير مؤجرها بمثل الأجرة وبزيادة (١) ولو لم يقبض المؤجر (٢) ما لم يكن حيلة، وعنه لا تجوز الزيادة، وعنه إن جدد فيها عمارة جازت الزيادة وإلا فلا (٣) وليس للمؤجر مطالبة المؤجر الثاني بالأجرة (٤) وإذا تقبل عملًا في الذمة بأجرة كخياطة أو غيرها فلا بأس أن يقبله غيره بأقل منها سواء أعان فيها بشيء أو لم يعن، ولمستعير إجارتها إن أذن له معير فيها
مدة بعينها والأجرة لربها ولا يضمن مستأجر، وتصح إجارة الوقف، فإن مات المؤجر (٥) فانتقل إلى من بعده لم تنفسخ الإِجارة في أحد الوجهين إذا كان المؤجر هو الموقوف عليه بأصل الاستحقاق (٦)؛ والثاني تنفسخ الإِجارة فيما بقى من المدة لأنه أجر ملكه وملك غيره فصح في ملكه دون ملك غيره (٧) وكذا حكم مقطع (٨) أجر إقطاعه ثم أقطعه غيره (٩) والنظر للموقوف عليه إذا لم يشترط
(١) (بمثل الأجرة وبزيادة) هذا المذهب، وروى عن الزهري وعطاء والحسن وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر.
(٢) (ولو لم يقبض المؤجر) سواء أجره لمؤجره أو غيره. بخلاف بيع المكيل ونحوه قبل قبضه. والوجه الثاني لا يجوز، وهو المشهور من قولي الشافعي قبل القبض.
(٣) (وإلا فلا) فإن فعل تصدق بالزيادة. وبه قال الثوري وأبو حنيفة. لأنه يربح فيما لم يضمن. ويخالف ما إذا عمل فيها فإن الربح في مقابلة العمل. ولنا أنه عقد يجوز في رأس المال فجاز بزيادة.
(٤) (بالأجرة) لأن غريم الغريم ليس بغريم. قلت: إن غاب المستأجر الأول فللمؤجر رفع الأمر إلى الحاكم فيأخذ من المستأجر الثاني ويوفيه أجرته. أو من مال المستأجر الأول إن كان لأن له القضاء على الغائب.
(٥) (فإن مات المؤجر) لأنه أجر ملكه في زمن ولايته فلم تبطل كما لو أجر ملكه الطلق. فعلى هذا يأخذ المنتقل حصته من أجرة قبضها مؤجر من تركته أو منه إن كان حيًّا.
(٦) (بأصل الاستحقاق) وهو من يستحق النظر لكونه موقوفًا عليه ولم يشرط الواقف ناظرًا بناء على أن الموقوف عليه يكون له النظر إذا لم يشرط الواقف ناظرًا وهو المذهب.
(٧) (دون ملك غيره) واختاره ابن عقيل والشيخ، قال ابن رجب: وهو الصحيح، لأن الطبقة الثانية تستحق العين بمنافعها تلقيًا عن الواقف بانقراض الطقة الأولى. وقال في الفائق: وتتخرج الصحة بعد الموت موقوفة لازمة وهو المختار.
(٨) (وكذا حكم مقطع) إقطاع إرفاق واستغلال.
(٩) (ثم أقطعه غيره) بالبناء للمجهول، فعلى هذا يأخذ المنتقل إليه حصته من أجرة قبضها مؤجر من تركته أو منه.
следующие страницы →