ثم ذكر أن الطبراني قال: «لا يُروى عن عبد الله بن سَلَام إلا بهذا الإسناد، تفرد به الوليد» (١).
فلم يذكر شيئًا في ترجمته أكثر مما استفاده من رواية هذا الحديث.
وترجم أيضًا لأبي العباس أحمد بن عبد الله بن أحمد القزاز المروزي، ولم يذكر في ترجمته شيئًا إلا أنه أورد له حديثًا واحدًا، فقال: «أخبرنا القاضي أبو العلاء محمد بن علي بن يعقوب، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن عبد الله بن أحمد بن المروزي القزاز قدم علينا بغداد للحج، قال: وجدت في كتاب أبي بشر أحمد بن محمد بن عمرو بن مصعب بن بشر المروزي، قال: حدثنا أحمد بن إسماعيل السكري … » فذكر الحديث ثم قال: «أبو بشر المروزي متروك الحديث» (٢).
٥ - ينقل الخطيب أحيانًا كلام النقاد على الأحاديث، فتارة يوافقهم، وتارة يعارضهم، وتارة يسكت.
وأحيانًا ينقد الأحاديث بنفسه ويبين ما فيها من تفرُّد أو اختلاف أو علل أو ضعف، وستأتي دراسة كثير من انتقاداته على طول الرسالة، والله الموفِّق.
* * *
стр. 107
الباب الأول
نقد الأحاديث بالطعن في رواتها
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: نقد الحديث بالطعن في الراوي بالجهالة.
الفصل الثاني: نقد الحديث بالطعن في عدالة الراوي.
الفصل الثالث: نقد الحديث بالطعن في ضبط الراوي.
стр. 108
الفصل الأول
نقد الحديث بالطعن في الراوي بالجهالة
وفيه مبحثان:
- المبحث الأول: ضابط الجهالة عند الخطيب البغدادي.
- المبحث الثاني: نقد الخطيب البغدادي للأحاديث بجهالة بعض رواتها.
стр. 109
المبحث الأول
ضابط الجهالة عند الخطيب البغدادي
عرَّف الخطيبُ المجهولَ عند أصحاب الحديث بقوله: «هو كل مَن لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومَن لم يُعرف حديثه إلا من جهة راوٍ واحد» (١).
وهذه العبارة تحتمل معنيَيْن:
المعنى الأول: أنه لا بد حتى يُطلَق على الراوي أنه مجهول أن يتحقق فيه أمران؛ الأول: عدم شهرته بطلب العلم، والثاني: ألَّا يروي عنه إلا راوٍ واحد. فلا بد حتى ترتفع الجهالة عن الراوي أن يكون مشهورًا بطلب العلم، وأن يروي عنه أكثر من واحد في نفس الوقت.
المعنى الثاني: أنه لكي يكون الراوي مجهولًا، لا بد أن يكون غير مشهور بطلب العلم، فإذا لم يكن مشهورًا، فلا بد ألَّا يروي عنه إلا راوٍ واحد. أما إذا اشتهر بطلب العلم - ولو لم يروِ عنه إلا واحد - فليس بمجهول.
ولعل المعنى الثاني هو المراد، وبه فسَّر السخاوي عبارة الخطيب فقال: «الشهرة بالعلم والثقة والأمانة كافية في رفع الجهالة، بل نقله الخطيب في «الكفاية» عن أصحاب الحديث؛ فإنه قال: المجهول عند أصحاب الحديث هو من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يُعرف حديثه إلا من جهة راوٍ واحد. يعني: حيث لم يشتهر» اهـ بتصرف يسير.
стр. 110
ثم أيَّد ذلك بما نقله عن ابن عبد البر أنه قال: «الذي أقوله أن من عُرف بالثقة والأمانة والعدالة لا يضره إذا لم يروِ عنه إلا واحد».
وعن أبي مسعود الدمشقي الحافظ أنه قال: «إنه برواية الواحد لا ترتفع عن الراوي اسم الجهالة، إلا أن يكون معروفًا في قبيلته، أو يروي عنه آخر» (١).
* وبعد أن عرَّف الخطيبُ المجهولَ عند أصحاب الحديث، مثَّل بعدد من الرواة لم يروِ عنهم إلا راوٍ واحد، مثل: عمرو ذي مُرٍّ (٢)، وجَبَّار الطائي (٣)، وعبد الله بن أَغَر الهَمْداني (٤)، والهيثم بن حَنَش (٥)، ومالك بن أَغَر (٦)، وسعيد بن ذي حُدَّان (٧)، وقيس بن كُرْكُم (٨)، وخَمْر بن مالك (٩)، وهؤلاء كلهم لم يروِ عنهم غير أبي إسحاق السَّبيعي.
стр. 111
ومثل: سمعان بن مُشَنِّج (١)، والهَزْهاز بن ميزن (٢)، لا يُعرف عنهما راوٍ إلا الشعبي.
ومثل: بكر بن قِرْواش (٣)، وحلام بن جزل (٤)، لم يروِ عنهما إلا أبو الطفيل عامر بن واثلة. إلى آخر ما ذكر (٥).
وقد تعقَّبه ابن الصلاح بأنه قد روى عن الهزهاز الثوريُّ أيضًا (٦).
قلت: وروى عنه أيضًا الجرَّاح بن مَليح، ومحمد بن موسى أبو مالك العِتْري، كما في «التاريخ الكبير» للبخاري، و «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٧).
وتعقَّبه أيضًا العراقي بأن بعض مَن ذكر قد روى عنهم أكثر من واحد، مثل خَمْر بن مالك روى عنه أيضًا عبد الله بن قيس (٨)، وذكره ابن حبان في
стр. 112
«الثقات» (١) إلا أنه قال: «خُمير» مصغرًا، وقد ذكر الخلاف فيه في التصغير والتكبير ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٢).
ومنهم الهيثم بن حَنَش روى عنه أيضًا سلمة بن كُهيل فيما ذكره أبو حاتم الرازي (٣).
ومنهم بكر بن قِرْواش روى عنه أيضًا قتادة، كما ذكره البخاري في «التاريخ الكبير» (٤) وابن حبان في «الثقات» (٥)، وسمَّى ابن أبي حاتم أباه قريشًا (٦). انتهى كلام الحافظ العراقي (٧).
أقول: أما خُمير بن مالك، فقد ذهب البخاري في «التاريخ الكبير»، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» إلى أنهما رجلان أحدهما شامي، روى عنه عبد الله بن عيسى، والآخر روى عنه أبو إسحاق (٨).
وعلى ما ذهب إليه هذان الإمامان يَسلم قول الخطيب من الاعتراض الذي وجَّهه إليه العراقي رحمة الله عليهم أجمعين.
إلا أن الخطيب ذكر في «المتفق والمفترق» أن خمير بن مالك اثنان:
стр. 113
أحدهما: يُعَد في الكوفيين، حدَّث عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وروى عنه أبو إسحاق السَّبيعي وغيره، وبعضهم يقول فيه: خمر بن مالك، وخُمير بتصغير خمر.
والآخر: خمير بن مالك أبو مالك الخميري الكلاعي، عداده في المصريين، يروي عن عبد الله بن عمر، روى عنه عبد الكريم بن الحارث، وراشد المعافري، وعبد الله بن عياش القتباني ﵀ (١). والله أعلم.
وأما بكر بن قِرْواش، فالذي يترجح لديَّ أنه لم يروِ عنه إلا أبو الطفيل، كما قال الخطيب.
وأما ما ذكره العراقي من رواية قتادة عنه اعتمادًا على ما ذكره البخاري وابن حبان؛ فإن نص كلام البخاري هو: «بكر بن قرواش، سمع منه أبو الطفيل، قال لي علي -يعني: ابن المديني-: لم أسمع بذكره إلا في هذا، وحديث قتادة، قال علي -يعني: ابن أبي طالب-: ما تقول فيها يا بكر بن قرواش؟ قال أبو عبد الله: وفيه نظر».
وحديث قتادة رواه عبد الرزاق عن عثمان بن مطر وابن عيينة، عن سعيد، عن قتادة: أن مكاتبًا أسره العدو، ثم اشتراه رجل، فسأل بكر بن قِرْواش عنه عليًّا، فقال علي ﵁: «قل فيها يا بكر بن قِرْواش». قال: الله أعلم، فقال علي: «أنا عبد الله وابن عم رسول الله ﷺ ، إن افتكَّه سيده فهو على بقية كتابته، وإن أبى سيده أن يفكه فهو للذي اشتراه» (٢).
стр. 114
فقتادة لم يروِ في هذا الحديث عن بكر بن قرواش، إنما حكى قصة حدثت لبكر مع علي بن أبي طالب، وقتادة لم يدرك هذه القصة، بل وُلد قتادة بعد موت علي بن أبي طالب بعشرين سنة (١)، وليس هناك دليل على أن بكر بن قرواش عاش بعد هذه القصة سنين طويلة حتى حكاها لقتادة، فالراجح أن قتادة سمعها من بعض شيوخه، والله أعلم.
وأما قول ابن حبان في «الثقات»: «بكر بن قِرْواش يروي عن أبي الطفيل، روى عنه قتادة» (٢).
فقد ذكر الحافظ ابن حجر في «لسان الميزان» أن الذي في كتاب ابن حبان خطأ، والصواب أن أبا الطفيل هو الذي يروي عن ابن قِرْواش، وأنه تفرد بالرواية عنه، فقد ذكر ابن المديني أنه لا راوي له سوى أبي الطفيل. وقال ابن عدي: «ما أقل ما له من الروايات» (٣).
* وبعد سياق الخطيب هذه الأمثلة لمَن لم يروِ عنه إلا راوٍ واحد، وضع حدًّا لأقل ما ترتفع به الجهالة عن الراوي فقال: «وأقل ما ترتفع به الجهالة (٤) أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدًا من المشهورين بالعلم» (٥).
وقيَّدهما في «الفقيه والمتفقه» بالعدالة فقال: «من روى عنه رجلان عدلان خرج بذلك عن حد الجهالة على شرط أصحاب الحديث» (٦).
стр. 115
فيشترط الخطيب حتى ترتفع الجهالة عن الراوي أن يروي عنه اثنان فأكثر من العدول المشهورين بالعلم، وهذا هو الصواب، بخلاف من أطلق وذهب إلى عدم اعتبار العدالة والشهرة بالعلم، ومنهم الإمام محمد بن يحيى الذُّهلي حيث قال: «إذا روى عن المحدث رجلان ارتفع عنه اسم الجهالة» (١).
وتبعه الإمام الدارقطني فقال: «وأهل العلم بالحديث لا يحتجُّون بخبر ينفرد بروايته رجل غير معروف، وإنما يثبت العلم عندهم بالخبر إذا كان راويه عدلًا مشهورًا، أو رجلًا قد ارتفع اسم الجهالة عنه، وارتفاع اسم الجهالة عنه أن يروي عنه رجلان فصاعدًا، فإذا كان هذه صفته ارتفع عنه اسم الجهالة، وصار حينئذ معروفًا، فأما من لم يروِ عنه إلا رجل واحد انفرد بخبر وجب التوقُّف عن خبره ذلك حتى يوافقه غيره، والله أعلم» (٢).
وقد ردَّ الإمام ابن رجب الحنبلي على هذا الحد الذي وضعه الذُّهلي وتبعه عليه المتأخرون، فقال: «قال يعقوب بن شيبة: قلت ليحيى بن معين: متى يكون الرجل معروفًا؟ إذا روى عنه كم؟
قال: إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين والشعبي، وهؤلاء أهل العلم،
стр. 116
فهو غير مجهول. قلت: فإذا روى عن الرجل مثل سِماك بن حرب، وأبي إسحاق؟ قال: هؤلاء يروون عن مجهولين. انتهى.
وهذا تفصيل حسن، وهو يخالف إطلاق محمد بن يحيى الذُّهلي الذي تبعه عليه المتأخرون، أنه لا يخرج الرجل من الجهالة إلا برواية رجلين فصاعدًا عنه … ».
ثم ذكر أمثلة كثيرة لعدم اعتداد النقاد بتعدُّد الرواة عن الرجل، واعتدادهم بشهرتهم وحفظهم وثقتهم، وشهرة حديث الراوي بين العلماء، ثم قال: «وظاهر هذا أنه لا عبرة بتعدُّد الرواة، وإنما العبرة بالشهرة، ورواية الحفاظ الثقات» اهـ (١).
وهذا ما قرره الخطيب؛ حيث اشترط في الراوي أن يكون مشهورًا بطلب العلم حتى ترتفع عنه الجهالة، واشترط في الرجلين اللذين يرفعان الجهالة أن يكونا عدلين مشهورين بالعلم.
إلا أن الخطيب لا يرى أن العدالة تثبت بمجرد رواية رجلين عدلين عنه؛ حيث قال بعد ذلك: «إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه» (٢).
ويصير بذلك مجهول حالٍ أو مستورًا (٣) في اصطلاح المتأخرين (٤).
стр. 117
المبحث الثاني
نقد الخطيب البغدادي للأحاديث بجهالة بعض رواتها
خبر المجهول عند الخطيب البغدادي مردود، والجهالة عنده من أسباب القدح في الإسناد.
قال الخطيب: «القدح في الإسناد من وجوه: منها: أن يكون الراوي غير عدل، ومنها: أن يكون مجهولًا، ومنها: أن يكون الحديث مرسلًا» (١).
وقال أيضًا عند كلامه على وصف الخبر الذي يلزم قبوله ويجب العمل به: «إن كان في الإسناد رجل ثبت فسقه، أو جُهِل حاله، فلم يُعرف بالعدالة ولا بالفسق لم يصح الاحتجاج بذلك الحديث» (٢).
ثم روى بإسناده عن الإمام الشافعي أنه قال: «لا يُقبل إلا حديث ثابت، كما لا يُقبل من الشهود إلا مَن عرفنا عدله، فإذا كان الحديث مجهولًا أو مرغوبًا عمَّن حمله، كان كما لم يأت؛ لأنه ليس بثابت» (٣).
وروى بإسناده في «الكفاية» عن محمد بن يحيى الذُّهْلي أنه قال: «ولا يجوز الاحتجاج إلا بالحديث الموصل غير المنقطع، الذي ليس فيه رجل مجهول ولا رجل مجروح» (٤).
وقد أكثر الخطيب في «تاريخه» من نقد الأحاديث بجهالة بعض رواتها، ومن أمثلة ذلك:
стр. 118
- المثال الأول:
روى الخطيب في ترجمة موسى بن عيسى البغدادي من طريق أحمد بن عيسى بن محمد الوَشَّاء، قال: حدثنا موسى بن عيسى البغدادي بالرملة سنة خمسين ومائتين قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا بكى اليتيم وقعت دموعُه في كفِّ الرحمن تعالى، فيقول: مَن أبكى هذا اليتيم الذي واريتُ والديه تحت الثرى؟ من أسكته فله الجنة».
ثم قال: «هذا حديث منكر جدًّا، لم أكتبه إلا بإسناده، ورجاله كلهم معرفون إلا موسى بن عيسى، فإنه مجهول، وحديثه عندنا غير مقبول» (١).
وموسى بن عيسى لم يزد الخطيب في ترجمته له على قوله: «حدَّث بالرملة»، ثم ذكر له هذا الحديث، ولم يذكر له راويًا إلا أحمد بن عيسى الوَشَّاء المذكور في هذا الحديث وهو ضعيف (٢)، ولذلك حكم عليه الخطيب بالجهالة، وحكم على الحديث بأنه منكر جدًّا؛ لتفرد هذا المجهول عن مثل الحافظ المتقن المشهور يزيد بن هارون، على كثرة ما له من التلاميذ والأصحاب؛ فلو حدَّث به يزيد لتسابقوا إلى روايته، ولم ينفرد به هذا المجهول، ولذلك فقد اتهمه
стр. 119
الذهبي في
«تذكرة الحفاظ» بوضع هذا الحديث (١)، وقال في «ميزان الاعتدال»: «موسى بن عيسى البغدادي، عن يزيد بن هارون بخبر كذب: إذا بكى اليتيم … » (٢). وأقره ابن حجر في «لسان الميزان» (٣).
- المثال الثاني:
روى الخطيب في ترجمة محمد بن إسحاق السلمي من طريق سهل بن بحر قال: حدثنا محمد بن إسحاق السلمي ببغداد قال: حدثنا ابن المبارك، عن سفيان الثوري، عن أبي الزناد، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «خيار أمتي علماؤها، وخيار علمائها رحماؤها، ألا وإن الله يغفر للجاهل أربعين ذنبًا قبل أن يغفر للعالم ذنبًا واحدًا، ألا وإن العالم الرحيم يجيء يوم القيامة، وإن نوره قد أضاء، يمشي فيه ما بين المشرق والمغرب، كما يسري الكوكب الدرِّي».
قال الخطيب في صدر الترجمة: «محمد بن إسحاق السلمي أحد الغرباء المجهولين، حدث عن عبد الله بن المبارك حديثًا منكرًا، رواه عنه سهل بن بحر، وذكر أنه سمعه منه ببغداد»، ثم ساق هذا الحديث (٤).
стр. 120
ومحمد بن إسحاق السلمي لم يذكر له الخطيب إلا راويًا واحدًا، وهو سهل بن بحر، ولذلك حكم عليه بأنه مجهول، ووافقه على ذلك الذهبي في «الميزان» حيث قال: «فيه جهالة» (١)، وأقره ابن حجر في «اللسان» (٢).
ولكني وجدتُ له راويًا آخر، فقد روى الشجري في «الأمالي» هذا الحديث أيضًا من طريق الحسن بن إسماعيل، عن محمد بن إسحاق السلمي (٣) به (٤).
والحسن بن إسماعيل هذا لم أجد له ترجمة، فالله أعلم.
وحَكم الخطيب على الحديث بأنه منكر؛ لتفرُّد هذا المجهول عن مثل الإمام الحافظ المشهور عبد الله بن المبارك، فلو كان قد حدَّث به لتسابق الناس إلى روايته، ولم ينفرد به هذا المجهول، وكأن الخطيب اتهمه به لذلك، قال ابن الجوزي: «هذا حديث أنكره الخطيب، وكأنه لم يتهم فيه إلا السلمي» (٥).
وقد حكم الإمام أبو نعيم الأصبهاني على هذا الحديث بالغرابة فقال: «غريب من حديث الثوري وابن المبارك، لم نكتبه إلا من هذا الوجه» (٦).
وقال ابن عساكر: «غريب» (٧).
وحكم عليه الذهبي في «الميزان» بالبطلان (٨)، وأقره الحافظ في «اللسان» (٩).
стр. 121
- المثال الثالث:
روى الخطيب في ترجمة محمد بن فرخ، من طريق عبد الرحيم بن عبد الله بن إسحاق السِّمْناني قال: حدثنا محمد بن فرخ البغدادي أبو جعفر بقزوين قال: حدثنا إسحاق بن بشر القرشي قال: حدثنا أبو حنيفة، عن حماد، عن أنس قال: كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر لا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
ثم قال: «محمد بن فرخ عندنا مجهول، لم تقع إلينا الرواية عنه إلا من هذا الوجه» (١).
ومحمد بن فرخ البغدادي لم يذكر له الخطيب إلا راويًا واحدًا، وهو عبد الرحيم بن عبد الله السِّمْناني، ولذلك حكم عليه الخطيب بالجهالة، وأعلَّ الحديث به.
وذكره أيضًا في «تلخيص المتشابه»، وقال: «ليس بمعروف عندنا، وإنما جاء حديثه من قبل الخراسانيين» ثم ساق له حديثًا آخر يرويه عنه عبد الرحيم بن عبد الله السِّمْناني أيضًا (٢).
وقال ابن ماكولا في «الإكمال»: «محمد بن فرخ بغدادي لا يُعرف ببغداد»، ولم يذكر له راويًا إلا السِّمْناني (٣).
стр. 122
ولم يذكره الذهبي في «الميزان»، وذكره العراقي في «ذيل ميزان الاعتدال» (١)، وابن حجر في «لسان الميزان» (٢)، ونقلا قول الخطيب وابن ماكولا فيه.
- المثال الرابع:
روى الخطيب في ترجمة ضِرار بن سهل من طريق أبي القاسم عبد الله بن أحمد بن محمد التميمي المعلِّم المعروف بالغَباغبي (٣) قال: حدثني ضِرار بن سهل الضِّراري ببغداد في دار الخَلَنْجيين (٤) في رأس الجسر قال: حدثنا الحسن ابن عرفة قال: حدثنا أبو حفص الأبار عمر بن عبد الرحمن، عن حميد، عن أنس قال: قال لي علي بن أبي طالب: قال لي رسول الله ﷺ : «يا علي إن اللهَ أمرني أن أتَّخِذَ أبا بكر والدًا، وعمرَ مُشيرًا، وعثمانَ سندًا، وأنت يا عليُّ ظهيرًا، أنتم أربعةٌ قد أخذ اللهُ لكم الميثاقَ في أُمِّ الكتاب، لا يُحبُّكم إلا مؤمنٌ تقيٌّ، ولا يبغضكم إلا منافقٌ شقيٌّ، أنتم خلفاءُ نُبُوَّتي، وعَقْد ذِمَّتي، وحُجَّتي على أمتي».
ثم قال الخطيب: «هذا الحديث منكر جدًّا، لا أعلم رواه بهذا الإسناد إلا
ضرار بن سهل، وعنه الغَباغبي، وهما جميعًا مجهولان» (٥).
стр. 123
وضرار بن سهل الضراري لم يذكر له الخطيب راويًا إلا الغَباغبي، فلذلك حكم عليه بأنه مجهول. وترجم له الذهبي في «ميزان الاعتدال» وقال: «عن الحسن بن عرفة بخبر باطل، ولا يُدرى مَن ذا الحيوان» (١). ووافقه الحافظ في «لسان الميزان» (٢).
وقال الذهبي في «تلخيص الموضوعات»: «ضرار بن سهل وهو مجهول، فلعله من وضعه» (٣).
أما عبد الله بن أحمد بن محمد التميمي المعلِّم المعروف بالغَباغبي، فقد حكم عليه الخطيب بالجهالة أيضًا، ووافقه الذهبي في «ميزان الاعتدال» (٤).
ولكن ترجم له ابن عساكر في «تاريخ دمشق»، وساق نسبه إلى فراس بن
حابس أخي الأقرع بن حابس، وذكر له ثلاثة من الرواة وهم: عبد الوهاب الكلابي، وأبو الحسين الرازي، وأبو الحسين محمد بن عبد الله بن محمد
стр. 124
الفوي (١). وذكر أنه كان معلِّمًا بدمشق على باب الجابية، وأنه مات سنة خمس وعشرين وثلاثمائة (٢).
ولهذا فقد تعقَّب ابن حجر الخطيبَ في ترجمة الغباغبي من «لسان الميزان» بقوله: «قلت: فهو معروف، والتصق الوهن بضرار» (٣).
قلت: نعم هو معروف، ولكن بغير الثقة، فقد روى له ابن عساكر حديثًا ثم قال: «هذا حديث منكر، والغباغبي غير ثقة» (٤)، والله أعلم.
وقد حكم الخطيب على هذا الحديث بالنكارة لتفرُّد هذين المجهولين بروايته عن مثل المحدِّث المشهور الحسن بن عرفة، هذا على ما في متنه من النكارة الظاهرة، والله أعلم.
- المثال الخامس:
روى الخطيب في ترجمة محمد بن إسحاق الفقيه المعروف بشاموخ، ومن
طريقه عن أبي النضر الغازي قال: حدثنا الحسن بن كثير قال: حدثنا بكر بن أيمن القيسي قال: حدثنا عامر بن يحيى الصريمي قال: حدثنا أبو الزبير، عن
стр. 125
جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقبلوه، فإنه أمين مأمون».
ثم قال الخطيب: «لم أكتب هذا الحديث إلا من هذا الوجه، ورجال إسناده ما بين محمد بن إسحاق وأبي الزبير كلهم مجهولون» (١).
ومحمد بن إسحاق الفقيه المعروف بشاموخ قال فيه الخطيب: «حديثه كثير المناكير».
والمجهولون الذين بينه وبين أبي الزبير وأعلَّ بهم الخطيب الحديث هم: أبو النضر الغازي، والحسن بن كثير، وبكر بن أيمن القيسي، وعامر بن يحيى الصريمي.
أما أبو النضر الغازي: فقد ترجم له العراقي في «ذيل ميزان الاعتدال»، ووافق الخطيبَ على الحكم بجهالته، ولم يذكر له راويًا إلا شاموخ (٢).
وأما الحسن بن كثير: فقد ترجم له العراقي أيضًا في «ذيل ميزان الاعتدال» ووافق الخطيب على الحكم بجهالته، ولم يذكر له راويًا إلا أبا النضر، وقال:
«وفي «الميزان»: الحسن بن كثير، وهو غير هذا فيما يغلب على الظن» (٣).
стр. 126
ووافقه ابن حجر في «لسان الميزان» (١).
وأما بكر بن أيمن: فقد ترجم له ابن حجر في «لسان الميزان» ولم يذكر له راويًا إلا الحسن بن كثير، ووافق الخطيبَ على الحكم بجهالته (٢).
وأما عامر بن يحيى الصريمي: فترجم له العراقي في «ذيل ميزان الاعتدال» ووافق الخطيبَ على الحكم بجهالته، ولم يذكر له راويًا إلا بكر بن أيمن (٣). ووافقه ابن حجر في «لسان الميزان» (٤).
والخلاصة: أن هؤلاء الأربعة الذين حكم عليهم الخطيب بالجهالة؛ لم يروِ عن كل واحد منهم إلا واحد، ولم يَرِد ذِكرُهم إلا في هذا الحديث، وكل مَن ترجم لهم اعتمد على هذا الحديث الذي ذكره الخطيب لهم، وعلى حكمه عليهم بالجهالة، والله أعلم (٥).
* * *
стр. 127
الفصل الثاني
نقد الحديث بالطعن في عدالة الراوي
وفيه مبحثان:
- المبحث الأول: مفهوم العدالة وشروطها عند الخطيب البغدادي.
- المبحث الثاني: النقد باختلال العدالة عند الخطيب:
وفيه مطلبان:
- المطلب الأول: النقد بالطعن في الراوي بالكذب ووضع الحديث.
- المطلب الثاني: النقد بالطعن في الراوي بسرقة الحديث.
стр. 128
المبحث الأول
مفهوم العدالة وشروطها عند الخطيب البغدادي
قرَّر الخطيب أن العدالة شرط في صحة الخبر (١)، ونقل إجماع أهل العلم على أنه لا يُقبل إلا خبر العدل، كما أنه لا تُقبل إلا شهادة العدل (٢).
ووصَّى طالب العلم أن يعتمد في الرواية على ثقات شيوخه، ولا يروي عن كذَّاب، ولا متظاهر ببدعة، ولا معروف بالفسق، بل تكون روايته عمن حسُنت طريقته وظهرت عدالته (٣).
وقد عرَّف الخطيب في «الكفاية» العدالةَ نقلًا عن القاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني بقوله: «والعدالة المطلوبة في صفة الشاهد والمخبِر، هي العدالة الراجعة إلى استقامة دينه، وسلامة مذهبه، وسلامته من الفسق وما يجري مجراه، مما اتُّفق على أنه مُبطل للعدالة من أفعال الجوارح والقلوب المنهي عنها».
ثم لخَّص ذلك بقوله: «والواجب أن يقال في جميع صفات العدالة: إنها اتباع أوامر الله تعالى، والانتهاء عن ارتكاب ما نهى عنه مما يُسقِط العدالة».
إلَّا أن هذا لا يعني أن العدل لا توجَد منه معصيةٌ بحال، ولهذا قال بعد
стр. 129
ذلك: «وقد عُلِم مع ذلك أنه لا يكاد يَسْلم المكلَّف من البشر من كل ذنب، ومِن ترك بعض ما أُمِر به، حتى يخرج لله من كل ما وجب له عليه، وأن ذلك يتعذر، فيجب لذلك أن يقال: إن العدل هو من عُرِف بأداء فرائضه ولزوم ما أُمِر به، وتوقِّي ما نُهي عنه، وتجنُّب الفواحش المسقِطة، وتحرِّي الحق والواجب في أفعاله ومعاملته، والتوقِّي في لفظه ما يُثلِم الدينَ والمروءة، فمن كانت هذه حاله فهو الموصوف بأنه عدل في دينه، ومعروف بالصدق في حديثه».
وقال بعد ذلك: «والواجب عندنا أن لا يُرَدَّ الخبرُ ولا الشهادةُ إلا بعصيان قد اتُّفِق على رد الخبر والشهادة به، وما يغلب به ظنُّ الحاكم والعالم أن مقترفه غير عدل ولا مأمون عليه الكذب في الشهادة والخبر، ولو عمل العلماء والحكام على ألَّا يقبلوا خبرًا ولا شهادة إلا من مسلم بريء من كل ذنب قلَّ أو كثُر، لم يمكن قبول شهادة أحد ولا خبره؛ لأن الله تعالى قد أخبر بوقوع الذنوب من كثير من أنبيائه ورسله، ولو لم يُرَدَّ خبرُ صاحب ذلك وشهادته بحال، لوجب أن يُقبل خبرُ الكافر والفاسق وشهادتهما، وذلك خلاف الإجماع، فوجب القول في جماع صفة العدل بما ذكرناه».
وبيَّن أنه ينبغي لكي يوصف الرجل بالعدالة أن يكون مجتنبًا للصغائر كما اجتنب الكبائر فقال: «وليس يكفيه في ذلك اجتناب كبائر الذنوب التي يُسمَّى فاعلها فاسقًا، حتى يكون مع ذلك متوقِّيًا لما يقول كثير من الناس: إنه لا يُعلم أنه كبير. بل يجوز أن يكون صغيرًا، نحو الكذب الذي لا يُقطع على أنه كبير، ونحو التطفيف بحبة، وسرقة باذنجانة، وغش المسلمين بما لا يُقطع عندهم على أنه كبير من الذنوب.
стр. 130
لأجل أن القاذورات -وإن لم يُقطع على أنها كبائر يستحق بها العقاب- فقد
اتُّفق على أن فاعلها غير مقبول الخبر والشهادة، إما لأنها متهمة لصاحبها ومسقِطة له ومانعة من ثقته وأمانته، أو لغير ذلك؛ فإن العادة موضوعة على أن من احتَملت أمانتُه سرقةَ بصلة وتطفيف حبة، احتملت الكذب، وأخذ الرِّشا على الشهادة، ووضع الكذب في الحديث، والاكتساب به.
فيجب أن تكون هذه الذنوب في إسقاطها للخبر والشهادة بمثابة ما اتُّفق على أنه فسق يُستَحَق به العقاب، وجميع ما أضربنا عن ذكره مما لا يقطع قوم على أنه كبير، وقد اتُّفق على وجوب رد خبر فاعله وشهادته، فهذه سبيله في أنه يجب كون الشاهد والمخبر سليمًا منه» (١).
وأجمل القول في التعريف بالعدالة عند بيانه لصفات الخبر الذي يلزم قبوله ويجب العمل به في كتابه «الفقيه والمتفقه» بقوله: «ثبوت العدالة، أن يكون الراوي -بعد بلوغه وصحة عقله- ثقة مأمونًا، جميل الاعتقاد غير مبتدع، مجتنبًا للكبائر، متنزِّها عن كل ما يُسقط المروءة، من المجون والسخف والأفعال الدنيئة» (٢).
وقد عقد الخطيب في «الكفاية» بابًا في الرد على من زعم أن العدالة هي إظهار الإسلام وعدم الفسق الظاهر فقط، وبيَّن أنه لا سبيل إلى معرفة العدل إلا باختبار الأحوال، وتتبُّع الأفعال التي يحصل معها العلم من ناحية غلبة الظن بالعدالة (٣).
стр. 131
وشروط العدالة هي:
١ - الإسلام.
٢ - البلوغ.
٣ - العقل.
٤ - السلامة من أسباب الفسق.
٥ - السلامة من خوارم المروءة.
- أما الشرط الأول: وهو الإسلام:
فالإسلام شرط في العدالة، فالكافر غير عدل، ولا يُقبل خبره.
قال الخطيب: «ويجب أن يكون وقت الأداء مسلمًا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإ? فَتَبَيَّنُواْ﴾ [الحجرات: ٦]، وإن أعظم الفسق الكفر، فإذا كان خبر المسلم الفاسق مردودًا مع صحة اعتقاده، فخبر الكافر بذلك أولى» (١).
وقد حكى الإجماعَ على عدم قبول رواية الكافر: الزركشيُّ، والسخاويُّ، وغيرهما (٢).
وتقييد الخطيب اشتراط الإسلام بـ «وقت الأداء» يدل على أن الإسلام شرط عند الأداء، وليس شرطًا عند التحمُّل، فيصح تحمُّل الكافر، ولا تصح روايته لِما تحمَّله حال كفره إلا بعد إسلامه، ونص على ذلك الخطيب بقوله:
стр. 132
«قد ثبتت روايات كثيرة لغير واحد من الصحابة كانوا حفظوها قبل إسلامهم وأدوها بعده (١)» (٢).
- والشرط الثاني: البلوغ:
أما في حالة التحمُّل: فالبلوغ ليس شرطًا في صحة التحمُّل عند الخطيب، فيصح التحمُّل بحصول التمييز والإصغاء فحسب (٣).
قال الخطيب: «وقد اختلف أهل العلم أيضًا في التحمُّل قبل البلوغ، فمنهم من صحَّح ذلك، ومنهم من دفع صحته».
ثم عقد بابًا بعنوان: «باب ما جاء في صحة سماع الصغير» ثم قال: «قلَّ من كان يكتب الحديث على ما بلغنا في عصر التابعين وقريبًا منه، إلا من جاوز حد البلوغ، وصار في عداد من يصلح لمجالسة العلماء ومذاكرتهم وسؤالهم.
وقيل: إن أهل الكوفة لم يكن الواحد منهم يسمع الحديث إلا بعد استكماله عشرين سنة، ويشتغل قبل ذلك بحفظ القرآن وبالتعبُّد.
стр. 133
وقال قوم: الحدُّ في السماع خمس عشرة سنة، وقال غيرهم: ثلاث عشرة.
وقال جمهور العلماء: يصح السماع لمن سنُّه دون ذلك، وهذا هو عندنا الصواب» (١).
وأما في حالة الأداء: فالبلوغ شرط في صحة الرواية عند الخطيب، وقد حكى إجماع الأمة على ذلك (٢).
قال الخطيب: «قد ذكرنا حكم السماع، وأنه يصح قبل البلوغ، فأما الأداء بالرواية فلا يكون صحيحًا يلزم العمل به إلا بعد البلوغ» (٣).
- والشرط الثالث: العقل:
وهو شرط في صحة الرواية عند الخطيب، وحكى إجماع الأمة على ذلك.
قال الخطيب: «ويجب أيضًا أن يكون الراوي في وقت أدائه عاقلًا مميِّزًا، والذي يدل على وجوب كونه بالغًا عاقلًا ما أخبرنا القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر، حدثنا محمد بن أحمد اللؤلؤي، حدثنا أبو داود (٤)، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وُهَيب، عن خالد، عن أبي الضحى، عن علي، عن النبي ﷺ قال: «رُفِعَ القلمُ عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظَ، وعن الصبي حتى يحتلِمَ، وعن المجنون حتى يعقلَ» (٥).
стр. 134
ولأن حال الراوي إذا كان طفلًا أو مجنونًا، دون حال الفاسق من المسلمين، وذلك أن الفاسق يخاف ويرجو ويتجنَّب ذنوبًا، ويعتمد قربات، وكثير من الفُسَّاق يعتقدون أن الكذب على رسول الله ﷺ والتعمُّد له ذنب كبير وجُرم غير مغفور، فإذا كان خبر الفاسق الذي هذه حاله غير مقبول، فخبر الطفل والمجنون أولى بذلك، والأمة مع هذا مجتمعة على ما ذكرناه، لا نعرف بينها خلافًا فيه» (١).
- والشرط الرابع: السلامة من أسباب الفسق:
الفسق: هو ارتكاب كبيرة، أو إصرار على صغيرة (٢).
والسلامة من الفسق شرط في صحة الرواية عند الخطيب، بل لا خلاف بين أهل العلم في ذلك.
стр. 135
قال الخطيب: «ولا خلاف أن الفاسق بفعله لا يُقبل قوله في أمور الدين، مع كونه مؤمنًا عندنا» (١).
وقال أيضًا: «اتفق أهل العلم على أن السماع ممن ثبت فسقُه لا يجوز» (٢).
وبيَّن أن الكذب -ولا سيما الكذب على رسول الله ﷺ - هو من أعظم الفسق، فقال: «كل من ثبت كذبه رُدَّ خبره وشهادته؛ لأن الحاجة في الخبر داعية إلى صدق المخبِر، فمن ظهر كذبه فهو أولى بالرد ممن جُعِلت المعاصي أمارةً على فسقه حتى يُرَدَّ لذلك خبره، والكذب على رسول الله ﷺ أعظم من الكذب على غيره، والفسق به أظهر والوزر به أكبر» (٣).
وبيَّن أن الكبائر من أسباب الفسق، أما الصغائر فلا، إلا إذا كثُرت، فقال: «ومن سَلِم من الكذب، وأتى شيئًا من الكبائر، فهو فاسق يجب ردُّ خبره، ومن أتى صغيرة فليس بفاسق، ومن تتابعت منه الصغائر وكثُرت رُدَّ خبره» (٤).
- والشرط الخامس: السلامة من خوارم المروءة:
المروءة من الأمور التي يعسر حدها، وقد عرَّفها أهل العلم بتعريفات كثيرة:
فقيل: المروءة كمال الرجولية (٥).
стр. 136
وقيل: المروءة آداب نفسانية، تحمل مراعاتها الإنسانَ على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات (١).
وقيل: المروءة هي قوة للنفس مبدأ لصدور الأفعال الجميلة عنها المستتبعة للمدح شرعًا وعقلًا وعُرفًا (٢).
وقيل: هي تعاطي المرء ما يُستحسَن، وتجنُّب ما يُستَرذَل (٣).
وقيل: صيانة النفس عن الأدناس، وما يشين عند الناس (٤).
وقيل: سير المرء بسيرة أمثاله في زمانه (٥).
وقد بيَّن الخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» الأشياءَ التي يجب على طالب الحديث أن يتجنبها، والتي تُزيل المروءة، فقال: «يجب على طالب الحديث أن يتجنَّب اللعب والعبث والتبذُّل في المجالس بالسخف، والضحك، والقهقهة، وكثرة التنادر، وإدمان المزاح والإكثار منه، فإنما يُستجاز من المزاح يسيره ونادره وطريفه، الذي لا يخرج عن حد الأدب وطريقة العلم، فأما متصله وفاحشه وسخيفه، وما أوغر منه الصدور وجلب الشر، فإنه مذموم، وكثرة المزاح والضحك يضع من القَدْر، ويزيل المروءة» (٦).
стр. 137
إلا أنه بيَّن أن مجرد إتيان الراوي لمثل هذه الأشياء لا يجعل خبره مردودًا،
وأن العالم الناقد هو الذي يحدِّد هل يُرَدُّ خبره أم لا؟
قال الخطيب في «الكفاية»: «وقد قال كثير من الناس: يجب أن يكون المحدِّث والشاهد مجتنبَين لكثير من المباحات، نحو التبذُّل، والجلوس للتنزُّه في الطرقات، والأكل في الأسواق، وصحبة العامة الأرذال، والبول على قوارع الطرقات، والبول قائمًا، والانبساط إلى الخرق في المداعبة والمزاح، وكل ما قد اتُّفق على أنه ناقص القدر والمروءة، ورأوا أن فعل هذه الأمور يُسقط العدالة، ويوجب رد الشهادة.
والذي عندنا في هذا الباب: رَدُّ خبر فاعلي المباحات إلى العالِم، والعمل في ذلك بما يقوى في نفسه، فإن غلب على ظنه من أفعال مرتكب المباح المسقِط للمروءة أنه مطبوع على فعل ذلك والتساهل به، مع كونه ممن لا يحمل نفسه على الكذب في خبره وشهادته، بل يرى إعظام ذلك وتحريمه والتنزُّه عنه، قُبِل خبره، وإن ضَعُفت هذه الحال في نفس العالم واتهمه عندها، وجب عليه ترك العمل بخبره ورد شهادته» (١).
* * *
стр. 138
المبحث الثاني
النقد باختلال العدالة عند الخطيب
المطلب الأول
النقد بالطعن في الراوي بالكذب ووضع الحديث
من أعظم أسباب الطعن في الحديث كذب الراوي، والكذب على رسول الله ﷺ أعظم من الكذب على غيره، والفسق به أظهر والوزر به أكبر، كما يقول الخطيب (١).
ومن عُرِف بالكذب في حديث واحد، صار الكذب هو الظاهر من حاله، وسقط العمل بجميع أحاديثه، مع جواز كونه صادقًا في بعضها (٢).
وكذب الراوي في الحديث النبوي: هو أن يروي عنه ﷺ ما لم يقله متعمِّدًا لذلك (٣).
وأما التُّهمة بالكذب: فهو ألَّا يُروى ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفًا للقواعد المعلومة (٤)، وكذا من عُرِف بالكذب في كلامه، وإن لم يظهر منه وقوعُ ذلك في الحديث النبوي (٥).
стр. 139
فإذا تحقَّقنا من كذب الخبر، كان خبرًا موضوعًا.
والموضوع لغة: الملصَق، يقال: وضع فلان على فلان كذا، أي: ألصقه به. وهو أيضًا الحطُّ والإسقاط. لكن الأول أليق بهذه الحيثية.
واصطلاحًا: الكذب المختلَق المصنوع (١).
فالخبر الموضوع هو ما كان كذبًا، سواء تعمَّد راويه الكذب أم لم يتعمَّد.
قال السيوطي: «الموضوع قسمان: قسم تعمَّد واضعُه وضْعَه، وهذا شأن الكذَّابين.
وقسم وقع غلطًا لا عن قصد، وهذا شأن المخلِّطين والمضطربين الحديث، كما حكم الحُفَّاظ بالوضع على الحديث الذي أخرجه ابن ماجه في «سننه» (٢)، وهو: «مَن كثُرت صلاتُه بالليل حَسُن وجهُه بالنهار» فإنهم أطبقوا على أنه موضوع، وواضعه لم يتعمَّد وضعه، وقصته في ذلك مشهورة (٣)» (٤).
стр. 140
وقد نقد الخطيب في «تاريخه» كثيرًا من الأخبار الموضوعة والمكذوبة، وبيَّن بطلانها، ومَن الذي قام بوضعها واختلاقها، وقد استخلصتُ منها بعض القواعد المهمة في نقد الأحاديث الموضوعة، سأذكرها مع بعض الأمثلة بإيجاز:
القاعدة الأولى: استعمال التاريخ من أهم الأمور المُعِينة على معرفة كذب الرواة:
وقد قرَّر ذلك في كتابه «الجامع لأخلاق الراوي» وبيَّن أن أصحاب الحديث قيَّدوا مواليد الرواة، وتاريخ موتهم؛ ليختبروا كذب الرواة الذين يدَّعون السماع ممن لم يلقوه.
وروى عن أبي حسَّان الزيادي (١)، أنه قال: سمعتُ [حماد بن زيد] (٢)
стр. 141
يقول: «لم نستعن على الكذَّابين بمثل التاريخ، نقول للشيخ: سنة كم وُلِدت؟
فإذا أخبر بمولده عرفنا كذبه من صدقه».
قال أبو حسان: «فأخذتُ في التاريخ، فأنا أعمله من ستين سنة» (١).
وقال الخطيب في «الكفاية»: «ومما يُستدل به على كذب المحدِّث في روايته عمن لم يُدركه؛ معرفة تاريخ موت المروي عنه ومولد الراوي» (٢).
وقد استعمل الخطيب هذه الطريقة في «تاريخ بغداد»، فقد روى في ترجمة محمد بن مزيد بن أبي الأزهر عن الأزهري قال: أخبرنا المعافى بن زكريا الجريري قال: حدثنا محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال: حدثنا علي بن مسلم الطوسي قال: حدثنا سعيد بن عامر، عن قابوس بن أبي ظَبْيان، عن أبيه، عن جده، عن جابر بن عبد الله ﵁ -قال: وحدثنا مرة أخرى، عن أبيه، عن جابر- قال: رأيتُ رسول الله ﷺ وهو يَفْحَجُ بين فخذي الحسين (٣) ويُقَبِّل زُبَيْبَتَه ويقول: «لعنَ اللهُ قاتِلَك». قال جابر: فقلتُ: يا رسول الله ومَن قاتلُه؟ قال: «رجلٌ مِن أُمَّتي يبغض عِتْرتي لا ينالُه شفاعتي، كأني بنفسِه بين أطباق النيرانِ يرسبُ تارةً ويطفو أخرى، وأن جوفه ليقول: غق غق».
ثم قال: «هذا الحديث موضوعٌ إسنادًا ومتنًا، ولا أبعد أن يكون ابن أبي الأزهر وضعه ورواه عن قابوس (٤) عن أبيه عن جدِّه عن جابر، ثم
стр. 142
عرف استحالةَ هذه الرواية، فرواه بعدُ ونقص منه «عن جدِّه»، وذلك أن أبا ظَبْيان قد أدرك سلمان الفارسي وسمع منه، وسمع من علي بن أبي طالب
أيضًا، واسم أبي ظبيان حصين بن جندب (١)، وجندب أبوه لا يُعرف، أكان مسلمًا أو كافرًا؟ فضلًا عن أن يكون روى شيئًا.
ولكن في الحديث الذي ذكرناه عنه فساد آخر لم يقف واضعه عليه فيغيِّره، وهو استحالة رواية سعيد بن عامر (٢) عن قابوس، وذلك أن سعيدًا بصري وقابوس كوفي، ولم يجتمعا قط، بل لم يدرك سعيدٌ قابوسَ! وكان قابوس قديمًا روى عنه سفيان الثوري وكبراء الكوفيين، ومِن آخر من أدركه جرير بن عبد الحميد (٣)، وليس لسعيد بن عامر رواية إلا عن البصريين خاصة (٤)، والله أعلم» اهـ (٥).
القاعدة الثانية: قد يُحكم على الحديث بأنه موضوع، مع أن راويَه غيرُ مشهور بالكذب، بل قد يكون موثَّقًا من بعض أهل العلم:
وقد أوضح الخطيب هذه القاعدة المهمة في ترجمة محمد بن بيان بن مسلم الثقفي، حيث روى عن أبي القاسم الأزهري أنه قال: حدثنا محمد بن
стр. 143
عبيد الله بن الشِّخِّير (١) قال: حدثنا أبو العباس محمد بن بيان بن مسلم
الثقفي -قال ابن الشِّخِّير: وكان ثقة أملى علينا من أصله- قال: حدثنا الحسن بن عرفة قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن أنس ﵁ قال: لما نزلت سورةُ التِّين على رسول الله ﷺ فرح لها فرحًا شديدًا حتى بان لنا شدة فرحه، فسألنا ابن عباس بعد ذلك عن تفسيرها، فقال: «أما قول الله تعالى: ﴿وَالتِّينِ﴾ فبلاد الشام، ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ فبلاد فلسطين، ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ فطور سيناء الذي كلَّم الله عليه موسى، ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ فبلد مكة، و ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم?﴾ محمد ﷺ ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ عُبَّاد اللات والعزى، ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ أبو بكر وعمر، ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون?﴾ عثمان بن عفان، ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ علي بن أبي طالب، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ١ - ٨] أن بعثك فيهم نبيًّا، وجمعكم على التقوى يا محمد».
ثم قال الخطيب: «هذا الحديث بهذا الإسناد باطل لا أصل له يصح فيما نعلم، والرجال المذكورون في إسناده كلهم أئمة مشهورون غير محمد بن بيان، ونرى العلة من جهته، وتوثيق ابن الشِّخِّير له ليس بشيء؛ لأن من أورد
стр. 144
مثل هذا الحديث بهذا الإسناد، قد أغنى أهلَ العلم عن أن ينظروا في حاله، ويبحثوا عن أمره، ولعله كان يتظاهر بالصلاح، فأحسن ابن الشِّخِّير به الظنَّ،
وأثنى عليه لذلك، وقد قال يحيى بن سعيد القَطَّان: ما رأيتُ الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث (١)» (٢).
ورواه الخطيب أيضًا في «تلخيص المتشابه» ثم قال: «هذا الحديث باطل بهذا الإسناد، والرجال المذكورون فيه كلهم ثقات غير محمد بن بيان، ونرى أنه مما صنعت يداه، والله أعلم» (٣).
فلم يقبل الخطيب توثيق ابن الشِّخِّير لهذا الراوي، وحكم على خبره بالكذب، واتهمه بوضع الحديث؛ لأنه أتى بهذا المتن الباطل بإسناد رجاله كلهم أئمة ثقات.
وهذا يؤكد ما قرره الذهبي ﵀ إذ يقول: «فلكثرة ممارستهم (٤) للألفاظ النبوية، إذا جاءهم لفظ ركيك -أعني مخالفًا للقواعد- أو فيه المجازفة في الترغيب والترهيب، أو الفضائل، وكان بإسناد مظلم، أو إسناد مضيء كالشمس في أثنائه رجل كذاب أو وضَّاع، فيحكمون بأن هذا مختلَق، ما قاله رسول الله ﷺ ، وتتواطأ أقوالهم فيه على شيء واحد» اهـ (٥).
стр. 145
القاعدة الثالثة: الراوي إذا لم يكن مشهورًا بالثقة والأمانة، ثم أتى بأحاديث منكرة لا تُعرَف إلا من جهته؛ فإنه هو المتهم بوضعها، لا سيما إذا
كان كل مَن عداه في الإسناد ثقة:
قال الخطيب في ترجمة دعبل بن علي الشاعر من «تاريخ بغداد»: «وقد رُوي عنه أحاديث مسنَدة عن مالك بن أنس وعن غيره، وكلها باطلة، نراها من وضع ابن أخيه إسماعيل بن علي الدعبلي (١)، فإنها لا تُعرَف إلا من جهته» اهـ (٢).
فقد اعتبر الخطيبُ أحاديثَ إسماعيل فوجد متونها منكرة، ووجده قد تفرَّد بها، فحكم عليه بالكذب ووضع الحديث، وعلى أحاديثه بالبطلان.
- وروى الخطيب في ترجمة أحمد بن العباس بن حمويه الخلال حديثًا من طريقه عن الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني قال: حدثنا أبو معاوية الضرير قال: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ملعونٌ ملعونٌ مَن سبَّ أباه، ملعونٌ ملعونٌ مَن سبَّ أمَّه، ملعونٌ ملعونٌ مَن عَمِل عَمَلَ قوم لوط، ملعونٌ ملعونٌ مَن أغرى بين بهيمتين، ملعونٌ ملعونٌ من غيَّر تُخومَ الأرض (٣)، ملعونٌ ملعونٌ مَن كمَّه أعمى عن الطريق (٤)» (٥).