← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 809

منهج الخطيب البغدادي في نقد الحديث

محمد محب الدين أبو زيد

Полный текст (481 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

يقول: «لم نستعن على الكذَّابين بمثل التاريخ، نقول للشيخ: سنة كم وُلِدت؟ فإذا أخبر بمولده عرفنا كذبه من صدقه». قال أبو حسان: «فأخذتُ في التاريخ، فأنا أعمله من ستين سنة» (١). وقال الخطيب في «الكفاية»: «ومما يُستدل به على كذب المحدِّث في روايته عمن لم يُدركه؛ معرفة تاريخ موت المروي عنه ومولد الراوي» (٢). وقد استعمل الخطيب هذه الطريقة في «تاريخ بغداد»، فقد روى في ترجمة محمد بن مزيد بن أبي الأزهر عن الأزهري قال: أخبرنا المعافى بن زكريا الجريري قال: حدثنا محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال: حدثنا علي بن مسلم الطوسي قال: حدثنا سعيد بن عامر، عن قابوس بن أبي ظَبْيان، عن أبيه، عن جده، عن جابر بن عبد الله ﵁ -قال: وحدثنا مرة أخرى، عن أبيه، عن جابر- قال: رأيتُ رسول الله ﷺ وهو يَفْحَجُ بين فخذي الحسين (٣) ويُقَبِّل زُبَيْبَتَه ويقول: «لعنَ اللهُ قاتِلَك». قال جابر: فقلتُ: يا رسول الله ومَن قاتلُه؟ قال: «رجلٌ مِن أُمَّتي يبغض عِتْرتي لا ينالُه شفاعتي، كأني بنفسِه بين أطباق النيرانِ يرسبُ تارةً ويطفو أخرى، وأن جوفه ليقول: غق غق». ثم قال: «هذا الحديث موضوعٌ إسنادًا ومتنًا، ولا أبعد أن يكون ابن أبي الأزهر وضعه ورواه عن قابوس (٤) عن أبيه عن جدِّه عن جابر، ثم

стр. 142

عرف استحالةَ هذه الرواية، فرواه بعدُ ونقص منه «عن جدِّه»، وذلك أن أبا ظَبْيان قد أدرك سلمان الفارسي وسمع منه، وسمع من علي بن أبي طالب أيضًا، واسم أبي ظبيان حصين بن جندب (١)، وجندب أبوه لا يُعرف، أكان مسلمًا أو كافرًا؟ فضلًا عن أن يكون روى شيئًا. ولكن في الحديث الذي ذكرناه عنه فساد آخر لم يقف واضعه عليه فيغيِّره، وهو استحالة رواية سعيد بن عامر (٢) عن قابوس، وذلك أن سعيدًا بصري وقابوس كوفي، ولم يجتمعا قط، بل لم يدرك سعيدٌ قابوسَ! وكان قابوس قديمًا روى عنه سفيان الثوري وكبراء الكوفيين، ومِن آخر من أدركه جرير بن عبد الحميد (٣)، وليس لسعيد بن عامر رواية إلا عن البصريين خاصة (٤)، والله أعلم» اهـ (٥). القاعدة الثانية: قد يُحكم على الحديث بأنه موضوع، مع أن راويَه غيرُ مشهور بالكذب، بل قد يكون موثَّقًا من بعض أهل العلم: وقد أوضح الخطيب هذه القاعدة المهمة في ترجمة محمد بن بيان بن مسلم الثقفي، حيث روى عن أبي القاسم الأزهري أنه قال: حدثنا محمد بن

стр. 143

عبيد الله بن الشِّخِّير (١) قال: حدثنا أبو العباس محمد بن بيان بن مسلم الثقفي -قال ابن الشِّخِّير: وكان ثقة أملى علينا من أصله- قال: حدثنا الحسن بن عرفة قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن أنس ﵁ قال: لما نزلت سورةُ التِّين على رسول الله ﷺ فرح لها فرحًا شديدًا حتى بان لنا شدة فرحه، فسألنا ابن عباس بعد ذلك عن تفسيرها، فقال: «أما قول الله تعالى: ﴿وَالتِّينِ﴾ فبلاد الشام، ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ فبلاد فلسطين، ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ فطور سيناء الذي كلَّم الله عليه موسى، ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ فبلد مكة، و ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم?﴾ محمد ﷺ ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ عُبَّاد اللات والعزى، ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ أبو بكر وعمر، ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون?﴾ عثمان بن عفان، ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ علي بن أبي طالب، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ١ - ٨] أن بعثك فيهم نبيًّا، وجمعكم على التقوى يا محمد». ثم قال الخطيب: «هذا الحديث بهذا الإسناد باطل لا أصل له يصح فيما نعلم، والرجال المذكورون في إسناده كلهم أئمة مشهورون غير محمد بن بيان، ونرى العلة من جهته، وتوثيق ابن الشِّخِّير له ليس بشيء؛ لأن من أورد

стр. 144

مثل هذا الحديث بهذا الإسناد، قد أغنى أهلَ العلم عن أن ينظروا في حاله، ويبحثوا عن أمره، ولعله كان يتظاهر بالصلاح، فأحسن ابن الشِّخِّير به الظنَّ، وأثنى عليه لذلك، وقد قال يحيى بن سعيد القَطَّان: ما رأيتُ الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث (١)» (٢). ورواه الخطيب أيضًا في «تلخيص المتشابه» ثم قال: «هذا الحديث باطل بهذا الإسناد، والرجال المذكورون فيه كلهم ثقات غير محمد بن بيان، ونرى أنه مما صنعت يداه، والله أعلم» (٣). فلم يقبل الخطيب توثيق ابن الشِّخِّير لهذا الراوي، وحكم على خبره بالكذب، واتهمه بوضع الحديث؛ لأنه أتى بهذا المتن الباطل بإسناد رجاله كلهم أئمة ثقات. وهذا يؤكد ما قرره الذهبي ﵀ إذ يقول: «فلكثرة ممارستهم (٤) للألفاظ النبوية، إذا جاءهم لفظ ركيك -أعني مخالفًا للقواعد- أو فيه المجازفة في الترغيب والترهيب، أو الفضائل، وكان بإسناد مظلم، أو إسناد مضيء كالشمس في أثنائه رجل كذاب أو وضَّاع، فيحكمون بأن هذا مختلَق، ما قاله رسول الله ﷺ ، وتتواطأ أقوالهم فيه على شيء واحد» اهـ (٥).

стр. 145

القاعدة الثالثة: الراوي إذا لم يكن مشهورًا بالثقة والأمانة، ثم أتى بأحاديث منكرة لا تُعرَف إلا من جهته؛ فإنه هو المتهم بوضعها، لا سيما إذا كان كل مَن عداه في الإسناد ثقة: قال الخطيب في ترجمة دعبل بن علي الشاعر من «تاريخ بغداد»: «وقد رُوي عنه أحاديث مسنَدة عن مالك بن أنس وعن غيره، وكلها باطلة، نراها من وضع ابن أخيه إسماعيل بن علي الدعبلي (١)، فإنها لا تُعرَف إلا من جهته» اهـ (٢). فقد اعتبر الخطيبُ أحاديثَ إسماعيل فوجد متونها منكرة، ووجده قد تفرَّد بها، فحكم عليه بالكذب ووضع الحديث، وعلى أحاديثه بالبطلان. - وروى الخطيب في ترجمة أحمد بن العباس بن حمويه الخلال حديثًا من طريقه عن الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني قال: حدثنا أبو معاوية الضرير قال: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ملعونٌ ملعونٌ مَن سبَّ أباه، ملعونٌ ملعونٌ مَن سبَّ أمَّه، ملعونٌ ملعونٌ مَن عَمِل عَمَلَ قوم لوط، ملعونٌ ملعونٌ مَن أغرى بين بهيمتين، ملعونٌ ملعونٌ من غيَّر تُخومَ الأرض (٣)، ملعونٌ ملعونٌ مَن كمَّه أعمى عن الطريق (٤)» (٥).

стр. 146

ثم قال: «لا يثبت هذا الحديث بهذا الإسناد، والحمل فيه على الخلال (١)؛ فإن كل مَن عداه مِن المذكورين في إسناده ثقة» اهـ (٢). قال سبط ابن العجمي بعد أن نقل معنى كلام الخطيب: «وهذا منه كالتصريح في أنه وضع، والله أعلم» (٣). فقد اتهمه الخطيب بالكذب لتفرده بهذا الحديث المنكر عن أئمة ثقات. وهذه نماذج لأحاديث أعلَّها الخطيب بكذب بعض رواتها: - المثال الأول: روى الخطيب في ترجمة أبي حنيفة من طريق أبي عبد الله محمد بن سعيد البُورَقي المروزي قال: حدثنا سليمان بن جابر بن سليمان بن ياسر بن جابر قال: حدثنا بشر بن يحيى قال: أخبرنا الفضل بن موسى السيناني، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «إنَّ في أُمَّتي رجلًا اسمُه النُّعمانُ، وكنيتُه أبو حنيفة، هو سِراجُ أُمَّتي، هو سِراجُ أُمَّتي، هو سِراجُ أُمَّتي». قال الخطيب: «وهو حديث موضوع، تفرد بروايته البُورَقي، وقد شرحنا فيما تقدم أمره وبينَّا حاله» (٤).

стр. 147

ومحمد بن سعيد البُورَقي ترجم له الخطيب في «تاريخ بغداد» (١)، وذكر كلام أهل العلم فيه. فنقل عن حمزة بن يوسف السهمي أنه قال: «محمد بن سعيد البُورَقي كذَّاب، حدَّث بغير حديث وضعه» (٢). وعن أبي عبد الله الحاكم أنه قال: «هذا البُورَقي قد وضع من المناكير على الثقات ما لا يُحصى، وأفحشها روايته عن بعض مشايخه، عن الفضل بن موسى السيناني، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ كما زعم أنه قال: «سيكونُ في أُمَّتي رجلٌ يقال له: أبو حنيفة، هو سِراجُ أُمَّتي». هكذا حدَّث به في بلاد خراسان، ثم حدَّث به بالعراق بإسناده، وزاد فيه أنه قال: «وسيكونُ في أُمَّتي رجلٌ يقال له: محمد بن إدريس فتنتُه على أُمَّتي أضرُّ من فتنة إبليس»! (٣). ثم قال الخطيب: «ما كان أجرأ هذا الرجل على الكذب! كأنه لم يسمع حديث رسول الله ﷺ : «مَن كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأْ مقعدَه من النار» نعوذ بالله من غلبة الهوى، ونسأله التوفيق لما يحب ويرضى» (٤). وترجم للبُورَقي أيضًا الذهبيُّ في «ميزان الاعتدال» وقال: «كان أحد

стр. 148

الوضَّاعين بعد الثلاثمائة» (١)، ووافقه ابن حجر في «لسان الميزان»، ونقل عن أبي أحمد الحاكم أنه قال فيه: «حديثه ليس بشيء» (٢). فقد حكم الخطيب بالوضع على هذا الحديث؛ لتفرد هذا الراوي به، وهو غير عدل، فهو يكذب على رسول الله ﷺ ، وهذا من أعظم الفسق الذي تُرَدُّ به الأخبار. - المثال الثاني: روى الخطيب في ترجمة الحسين بن داود البلخي ومن طريقه عن الفضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ قال: «أوحى اللهُ إلى الدُّنيا، أنِ اخدمي مَن خدمني، وأَتْعبي مَن خدمك». ثم قال: «تفرد بروايته الحسين عن الفضيل، وهو موضوع، ورجاله كلهم ثقات، سوى الحسين بن داود» (٣). ونصَّ الحاكم أيضًا على تفرُّد الحسين بن داود به فقال: «هذا حديث من

стр. 149

أفراد الخراسانيين، عن المكيين؛ فإن الحسين بن داود بلخي، والفضيل بن عياض عداده في المكيين» (١). وقال الحافظ ابن حجر بعد إيراده كلام الحاكم: «وإنما انفرد به الحسين ولم يروه غيره، وهو معدود في مناكيره» (٢). والحسين بن داود هذا قال فيه الخطيب في «تاريخ بغداد»: «لم يكن الحسين بن داود ثقة؛ فإنه روى نسخة عن يزيد بن هارون، عن حميد، عن أنس، أكثرها موضوع» (٣). ونقل عن الحاكم أنه قال: «حسين بن داود بن معاذ البلخي لم ينكَر تقدُّمه في الأدب والزهد، إلا أنه روى عن إبراهيم بن هدبة عن أنس بن مالك وعن جماعة لا يحتمل سنُّه السماع منهم، مثل ابن المبارك، والنضر بن شميل، والفضيل بن عياض، وأبي بكر بن عياش، وشقيق البلخي، وكثرت المناكير في رواياته، أخبَرونا أنه توفي بنيسابور سنة اثنتين وثمانين ومائتين» (٤). فتفرُّد هذا الرجل الهالك عن مثل فضيل بن عياض على إمامته وشهرته وكثرة ما له من التلاميذ والأصحاب، لدليلٌ واضح على كذبه، وأن فضيلًا لم يحدث به قط، لا سيما وسنُّه لا يحتمل السماع منه، كما قال الحاكم (٥)، فلهذه الأمور حكم الخطيب على حديثه بالوضع، والله أعلم.

стр. 150

- المثال الثالث: روى الخطيب في ترجمة أبي العباس الحسين بن علي بن محمد الحلبي ومن طريقه عن قاسم بن إبراهيم المَلَطي قال: حدثنا أبو أمية المُخْتَطُّ (١) قال: حدثني مالك بن أنس، عن الزهري، عن أنس بن مالك، عن عمر بن الخطاب قال: حدثني أبو بكر الصديق قال: سمعتُ أبا هريرة يقول: جئتُ إلى النبي ﷺ وبين يديه تمر، فسلَّمتُ عليه فردَّ عليَّ وناولني من التمر ملءَ كفِّه، فعددتُه ثلاثًا وسبعين تمرة، ثم مضيتُ من عنده إلى علي بن أبي طالب وبين يديه تمر فسلَّمتُ عليه، فردَّ عليَّ وضحك إليَّ وناولني من التمر ملءَ كفِّه، فعددتُه فإذا هو ثلاث وسبعون تمرة، فكثُر تعجُّبي من ذلك، فرُحتُ إلى النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله جئتُك وبين يديك تمرٌ فناولتني ملءَ كفِّك فعددتُه ثلاثًا وسبعين تمرة، ثم مضيت إلى علي بن أبي طالب وبين يديه تمرٌ فناولني ملءَ كفِّه فعددتُه ثلاثًا وسبعين تمرة، فعجبت من ذلك! فتبسَّم النبيُّ ﷺ وقال: «يا أبا هريرةَ، أمَا علمتَ أنَّ يدي ويدَ عليِّ بن أبي طالب في العدلِ سواءٌ». ثم قال: «حديث باطل بهذا الإسناد؛ تفرَّد بروايته قاسم المَلَطي، وكان يضع الحديث» (٢).

стр. 151

وقاسم المَلَطي هذا ترجم له الخطيب في «تاريخ بغداد»، وقال: «كان كذَّابًا أفَّاكًا يضع الحديث، روى عنه الغُرَباء عن أبي أُمَيَّة المبارك بن عبد الله، وعن لُوَين، عن مالك عجائب من الأباطيل». وأورد له بعضَ أباطيله، ثم نقل عن عبد الغني بن سعيد الحافظ أنه قال: «ليس في المَلَطيين ثقة» اهـ (١). وقال الدارقطني: «قاسم بن إبراهيم المَلَطي عن مالك يكذب» (٢). - المثال الرابع: روى الخطيب في ترجمة محمد بن يوسف الرَّقِّي ومن طريقه عن سليمان بن أحمد الطبراني قال: حدثنا إسحاق الدَّبَري قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان يوم القيامة جاء أصحابُ الحديث بأيديهم المحابر، فيأمرُ اللهُ تعالى جبريلَ أنْ يأتيَهم فيسألَهم وهو أعلمُ بهم، فيقول: مَن أنتم؟ فيقولون: نحن أصحابُ الحديث. فيقول الله تعالى: ادخلوا الجنةَ على ما كان منكم، طالما كنتم تُصَلُّون على نبيي في دار الدنيا» أو كما قال. ثم قال: «هذا حديثٌ موضوعٌ، والحمل فيه على الرَّقِّي، والله أعلم» (٣).

стр. 152

والرَّقِّي هذا قال الخطيب في ترجمته: «كان غير ثقة» (١). وقد حكم الخطيب على هذا الحديث بالوضع؛ لتفرد هذا الهالك به، عن مثل الإمام الحافظ الطبراني، بإسناد كالشمس كما يقول الحافظ الذهبي (٢). ومما يؤيد كذب هذا الرقي ووضعه لهذا الحديث، أنه ليس في مصنفات الطبراني المشهورة، ولا في كتب عبد الرزاق، ولم يعزه أحد من أهل العلم إلى أيٍّ منهما، فلا أشك أنه ما حدَّث به الطبراني قط، ولا الدَّبَري، ولا عبد الرزاق. أما قول السخاوي في «القول البديع»: «أخرجه الطبراني وابن بشكوال من طريقه، ونُقل عن طاهر بن أحمد النيسابوري (٣) أنه قال: ما أعلم حدَّث به غير الطبراني» (٤). فالظاهر أنه وجد الطبراني في الإسناد، فظن أن الطبراني أخرجه، وكذلك

стр. 153

قول النيسابوري، ولذلك قال الذهبي في ترجمة الرقي من «ميزان الاعتدال»: «وضع على الطبراني حديثًا باطلًا في حشر العلماء بالمحابر» (١). - المثال الخامس: روى الخطيب في ترجمة محمد بن معاذ بن عيسى الهروي من طريق أحمد بن عبد الله الهروي الجُوباري قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن بَهْز بن حَكيم، عن أبيه، عن جده قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ فقلتُ: يا رسولَ الله مَن أَبَرُّ؟ قال: «أُمَّك». قال: قلتُ: ثم مَن؟ قال: «ثم أُمَّك» ثلاث مرات. ثم قال في الرابعة: «ثم أباك». ثم قال: «غريب من حديث شعبة، عن بَهْز بن حَكيم، لا أعلم رواه إلا أحمد بن عبد الله الهَرَوي المعروف بالجُوباري عن وكيع، وكان الجُوباري يضع الحديث» اهـ (٢). والجُوباري كذَّاب مشهور، ممن يُضرب المثل بكذبه (٣). وقد قال فيه النسائي: «كذاب» (٤). وقال الخَليلي: «كذَّاب، يروي عن الأئمة أحاديث موضوعة» (٥). وقول الخطيب: «غريب من حديث شعبة»؛ لأنه لا يُعرف لشعبة رواية عن

стр. 154

بهز، فقد قال أبو داود: «لم يحدِّث شعبة عنه، وقال له: مَن أنت؟ ومَن أبوك؟» (١). وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لم يروِ شعبة عن بهز إلا حديثًا واحدًا، فقد سأل أبو جعفر محمد بن الحسين البغدادي ابن معين: هل روى شعبة عن بَهْز؟ قال: «نعم حديث: «أَتَرِعُون (٢) عن ذِكر الفاجر» (٣) وقد كان شعبة متوقِّفًا عنه، فلما روى هذا الحديث كتبه وأبرأه مما اتَّهمه به» (٤).

стр. 155

وقد ذهب أبو موسى المديني إلى غرابة هذا الحديث عن شعبة، فقد روى هذا الحديث في «اللطائف» من طريق عوف الأعرابي، عن شعبة، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده به (١). وفي الطريق إليه أبو بكر النقاش محمد بن الحسن بن محمد وهو متهم بالكذب (٢). ثم قال أبو موسى المديني: «هذا حديث مشهور ثابت من حديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حَيْدة القُشيري (٣)، غريب جدًّا من حديث شعبة عن بهز، وغريب أيضًا من حديث عوف عن شعبة، لا أعرفه إلا من هذا الوجه» اهـ باختصار. ويتضح من هذا الكلام، ومن كلام الخطيب السابق أن إنكار هذا الحديث راجع إلى الإسناد، لا المتن، فالمتن مشهور ثابت كما قال أبو موسى المديني (٤). * * *

стр. 156

المطلب الثاني النقد بالطعن في الراوي بسرقة الحديث سرقة الحديث: أن ينفرد محدِّث بحديث، فيجيء السارق ويدَّعي أنه سمعه أيضًا من شيخ ذاك المحدِّث. أو يكون الحديث عُرف براوٍ، فيضيفه لراوٍ غيره ممن شاركه في طبقته. أو أن يركِّب متنًا على إسناد ليس له (١). وسارق الحديث كذَّاب؛ لأنه يدَّعي سماع ما لم يسمعه، وبهذا يظهر الفرق بين السرقة والتدليس؛ فإن المدلِّس لا يصرِّح بالسماع، بل يأتي بصيغة محتملة، بخلاف السارق؛ فإنه يصرِّح بالسماع ويكذب في ذلك (٢). يدل على ذلك ما رواه الخطيب عن حسين بن إدريس أنه قال: سألتُ عثمان بن أبي شيبة عن أبي هشام الرفاعي؟ فقال: لا تخبر هؤلاء أنه يسرق حديث غيره فيرويه. قلت: أعلى وجه التدليس، أو على وجه الكذب؟ فقال: كيف يكون تدليسًا، وهو يقول: حدَّثنا!؟ (٣). وقد تعرَّض الخطيب لهذه القضية المهمة في تاريخه، وأورد كثيرًا من تراجم سُرَّاق الحديث، وبيَّن ما سرقوه.

стр. 157

ومشى الخطيب في نقده للأحاديث المسروقة على منوال واحد في الغالب، فهو يورد الحديث المسروق، ويبيِّن الراوي الذي قام بالسرقة، وممن سرقه، ويذكر ما حدث للرواية المسروقة من تغيير بعد سرقتها، إن وُجد. وهذه أمثلة توضح كيفية نقد الخطيب للأحاديث المسروقة: - المثال الأول: روى الخطيب في ترجمة السَّرِي بن عاصم من طريق أبي الحسن أحمد بن محمد بن يزيد الزعفراني قال: حدثنا السَّرِي بن عاصم قال: حدثنا إسماعيل بن عُليَّة، عن يحيى بن عتيق، عن محمد، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ نهى أنْ يُبال في الماء الرَّاكد. ثم قال: «هذا الحديث إنما يُحفظ من رواية يعقوب الدورقي (١) عن ابن علية، ويقال: إنه تفرد به (٢)، وقد سرقه السَّرِي بن عاصم منه، وكان يسرق الأحاديث الأفراد فيرويها».

стр. 158

ثم أورد عن ابن خِرَاش أنه قال في السَّرِي: «كان يكذب». وعن أبي الفتح الأزدي: «متروك» (١). وقد ترجم له ابن حبان في «المجروحين» وقال: «كان ببغداد يسرق الحديث، ويرفع الموقوفات، لا يحل الاحتجاج به». ثم روى له هذا الحديث من طريق الحسين بن زريق البغدادي عنه، واتهمه بسرقته من يعقوب الدورقي (٢). وترجم له ابن عدي في «الكامل» وقال: «وللسَّرِي غيرحديث سرقه عن الثقات، وحدَّث به عن مشايخهم» (٣). وقد روى الطبرانيُّ هذا الحديثَ عن النعمان بن أحمد، عن السَّرِي بن عاصم به. ثم قال: «لم يروِ هذا الحديث مرفوعًا عن ابن عُلَيَّة إلا السَّرِي بن عاصم ويعقوب الدورقي» (٤). كذا قال ﵀، والسَّرِي إنما سرقه من الدورقي، ثم حدَّث به عن شيخ الدورقي: ابن عُلية، والله أعلم.

стр. 159

وقد تابع عليُّ بن عَبدة السَّرِيَّ على سرقة هذا الحديث؛ فقد رواه الخطيب من طريق أبي موسى هارون بن الحسين النجاد قال: حدثنا السَّرِي بن عاصم الهمداني وعلي بن عَبدة التميمي قالا: حدثنا ابن عُلية به. ثم قال الخطيب: «السَّري وعلي بن عَبدة، كانا يسرقان الأحاديث» (١). وعلي بن عَبدة ترجم له الخطيب ونقل عن الدارقطني أنه قال فيه: «علي بن عَبدة يضع الحديث» (٢). وترجم له ابن حبان في «المجروحين» وقال: «شيخ كان ببغداد يسرق الحديث، ويعمد إلى كل حديث رواه ثقة يرويه عن شيخ ذلك الشيخ، ويروي عن الأثبات ما ليس من حديث الثقات، لا يحل الاحتجاج به» (٣). وترجم له ابن عدي وقال: «يسرق الحديث»، ثم روى هذا الحديث عن عبد الله بن محمد بن ياسين، عن علي بن عَبدة، عن ابن عُلية، عن يحيى بن عتيق به. ثم قال: «وهذا لم يحدِّث به عن ابن عُلية من الثقات غير يعقوب الدورقي، حدثناه جماعة من الثقات منهم أبو عبد الرحمن النسائي عن يعقوب، وكان يعقوب يأخذ على هذا الحديث دينارًا، سرقه منه علي بن عبدة هذا» (٤).

стр. 160

قلت: ولعل أَخْذَ يعقوب الدورقي مالًا على هذا الحديث دليل على تفرده به؛ فقد تسارع طلاب الحديث إلى رواية هذا الحديث عنه غير مبالين بما ينفقونه من مال في سبيل سماعه منه؛ لأنه لا يوجد عند غيره. وقد ذكر الخطيب ستةً من المشايخ سمع كلُّ واحد منهم هذا الحديث من يعقوب الدورقي بثلاثة دنانير (١). - المثال الثاني: روى الخطيب في ترجمة عثمان بن محمد بن الحجاج ومن طريقه عن محمد بن إبراهيم بن زياد الرازي قال: حدثنا عبد الرحمن بن يونس الرقِّي وعبد الكريم بن أبي عُمير قالا: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا الأوزاعي وعيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الإمامُ ضامنٌ، والمؤذِّنُ مؤتَمَنٌ، اللَّهُمَّ ارشد الأئمةَ، واغفر للمؤذِّنين» (٢). ثم قال: «هذا الحديث محفوظ من رواية أبي عبد الله محمد بن موسى النَّهْرِتيري (٣)، وكان النَّهْرِتيري قد عُرِف به وتفرد بروايته عن عبد الكريم بن

стр. 161

أبي عُمير وحده عن الوليد، ولا أشك أن محمد بن إبراهيم سرقه منه، فرواه عن عبد الكريم، وأضاف إليه عبد الرحمن بن يونس، والله أعلم» (١). ومحمد بن إبراهيم بن زياد الرازي ترجم له الخطيب في «تاريخ بغداد» وذكر أقوال أهل العلم فيه، فمن ذلك: قال أبو أحمد محمد بن محمد الحافظ (٢): «محمد بن إبراهيم بن زياد الطيالسي عُمِّر الكثير، فكان يروي عن المعافى بن سليمان الرَّسْعَني، وأمية بن بسطام العيشي، وإبراهيم بن حمزة الزبيري، فالله أعلم أشرهًا كان ذلك منه أم صدقًا؟». وقال أبو أحمد الحافظ أيضًا: «لو أنه اقتصر على سماعه لكان له فيه مقنع، لكنه حدث عن شيوخ لم يدركهم». وقال الدارقطني: «محمد بن إبراهيم بن زياد متروك». وفي موضع آخر: «ضعيف» (٣). وقال أبو بكر البَرْقاني: «بئس الرجل» (٤). قلت: وكلام أبي أحمد الحافظ يدل على سرقة الرازي للحديث. وحديث النَّهْرِتيري الذي سرقه الرازي، رواه الخطيب في ترجمة النَّهْرِتيري

стр. 162

من «تاريخ بغداد» عن أبي نعيم الحافظ قال: حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني قال: حدثنا محمد بن موسى النَّهْرِتيري البغدادي قال: حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير الدِّهْقان قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: أخبرني أبو عمرو الأوزاعي وعيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الإمامُ ضامنٌ، والمؤذِّنُ مؤتَمَنٌ، اللَّهُمَّ ارشدِ الأئمةَ، واغفِرْ للمؤذِّنين». ثم قال: «أخبرنا أبو بكر البَرْقاني عن أبي الحسن الدارقطني أنه ذكر هذا الحديث فقال: حدَّث به شيخ لأهل بغداد جليل يُعرف بأبي عبد الله النَّهْرِتيري عن عبد الكريم بن أبي عمير بهذا الإسناد، وقد حدَّث به عامة شيوخنا عنه، وهذا حديث معروف بأبي عبد الله النَّهْرِتيري أنه تفرد بروايته بهذا الإسناد من رواية الأوزاعي عن الأعمش، لا أعلم أحدًا تابعه عليه». قال الخطيب: «وقد رواه محمد بن إبراهيم بن زياد الطيالسي الرازي، عن عبد الكريم بن أبي عمير وعبد الرحمن بن يونس كليهما عن الوليد، ونرى أن الطيالسي سرقه من النَّهْرِتيري ولم يقنع أن يرويه عن عبد الكريم حتى أضاف إليه عبد الرحمن بن يونس … » (١). وحديث النَّهْرِتيري رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٢)، و «المعجم الصغير» (٣)، وأبو الشيخ في «ذكر الأقران» (٤).

стр. 163

- المثال الثالث: روى الخطيب في ترجمة أحمد بن الخليل التاجر، من طريق القاسم بن غانم بن حمويه بن الحسين بن معاذ قال: حدثني جدي حمويه بن الحسين بن معاذ قال: حدثني أحمد بن خليل البغدادي قال: حدثني يزيد بن هارون الواسطي، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «ما مِن زرعٍ على الأرضِ ولا ثِمارٍ على أشجارٍ إلَّا عليها مكتوبٌ بسم اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، هذا رزقُ فلان بن فلان، وذلك قولُ اللهِ تعالى في مُحْكَم كتابِه: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّة? فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْب? وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَاب? مُّبِين?﴾ [الأنعام: ٥٩]» (١). ثم روى عن محمد بن نُعيم الضَّبِّي أنه قال: سمعتُ القاسم بن غانم بن حمويه بن الحسين الطويل يحدِّث بهذا الحديث، عن جده حمويه، ثم قال: سمعتُ جدي حمويه بن الحسين القَصَّار يقول: «كان أبو علي أحمد بن خليل البزاز البغدادي يستعين بي في قِصارة (٢) ما يُجهِّزه إلى بغداد، فخصَّني بهذا الحديث، ولم يحدِّث به غيري». قال ابن نُعيم: «هذا حديث تفرَّد به حمويه بن الحسين، عن أحمد بن الخليل، وهو غير مقبول منه؛ فإن أحمد بن الخليل ثقة مأمون».

стр. 164

ثم قال الخطيب: «وقد رواه أبو علي محمد بن علي بن عمر المذكِّر النيسابوري، عن أحمد بن الخليل (١)، وكان هذا المذكِّر كذابًا معروفًا بسرقة الأحاديث، ونراه سرقه من حمويه، والله أعلم» (٢). وحمويه ترجم له الذهبي في «ميزان الاعتدال»، وقال: «لا يوثَق به، وخبره باطل»، ثم ساق له هذا الخبر (٣)، وأقرَّه الحافظ في «لسان الميزان» (٤). وقال المِزِّي في أثناء ترجمة أحمد بن الخليل التاجر من «تهذيب الكمال»: «حمويه أحد الضعفاء» (٥). أما محمد بن علي بن عمر المذكِّر، فقد قال الخليلي: «اتفق أهل نيسابور أنه ضعيف، ولم يدرك الشيوخ الذين روى عنهم، والحاكم أبو عبد الله إذا روى عنه يقول: حدثنا محمد بن علي بن عمر المذكِّر، إن حَلَّت الرواية عنه» (٦). وترجم له الذهبي في «ميزان الاعتدال» ونقل عن الحاكم أنه قال: «سمع من أحمد بن الأزهر، ومحمد بن يزيد، وإسحاق بن عبد الله بن رزين، فلو اقتصر على هؤلاء لصار محدِّث عصره، لكنه حدَّث عن شيوخ أبيه: محمد بن

стр. 165

رافع وأقرانه، وأتى أيضًا عنهم بالمناكير، فالشَّرَه يحملنا على الرواية عن أمثاله (١)» (٢). وكلام الحاكم والخليلي في أنه حدَّث عن شيوخ لم يدركهم يدل على سرقته للحديث، وقد صرح بذلك المِزِّي فقال في أثناء ترجمة أحمد بن الخليل التاجر من «تهذيب الكمال»: «المذكِّر أحد الضعفاء الكذَّابين المعروفين بسرقة الأحاديث» (٣). - المثال الرابع: روى الخطيب في ترجمة شيخه محمد بن الحسين بن إبراهيم الخفاف حديثًا عن عبد الله بن محمد الصائغ قال: حدثنا بشر بن موسى بن صالح قال: حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، عن عبد الرحمن المسعودي، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي ﷺ ، عن جبريل، عن ميكائيل، عن إسرافيل، عن الرفيع، عن اللوح المحفوظ، عن الله تعالى: «أنَّه أظهرَ في اللَّوحِ أنْ يُخبرَ الرفيعَ، وأنْ يُخبرَ الرفيعُ إسرافيلَ، وأنْ يُخبرَ إسرافيلُ ميكائيلَ، وأنْ يُخبرَ ميكائيلُ جبريلَ، وأنْ يُخبرَ جبريلُ محمَّدًا، ﷺ وعليهم، أنه مَن صلَّى عليك في اليوم والليلة مائةَ مرة صلَّيتُ عليه ألفي صلاة، ويقضي له حاجةً أيسرُها أن يعتقَه من النارِ». ثم قال: «هذا الحديث باطل بهذا الإسناد، والرجال المذكورون في إسناده

стр. 166

كلهم معروفون سوى الصائغ، ونرى أنَّ ابن الخفَّاف اختلق اسمه وركَّب الحديث عليه، ونسخة بشر بن موسى عن أبي عبد الرحمن المقرئ معروفة، وليس هذا فيها» (١). فقد حكم الخطيبُ بالبطلان على هذا الحديث، وذهب إلى أن الصائغ لا وجود له، وأنه اسم اختلقه ابن الخفَّاف، وركَّب الحديث عليه، واستدل على هذا بأن هذا الحديث ليس موجودًا في نسخة بشر بن موسى عن المقرئ. وابن الخفَّاف هذا من شيوخ الخطيب الذين اختبرهم وسبر حديثهم، وتبيَّن له أنه كذَّاب وضَّاع، قال الخطيب في ترجمة ابن الخفَّاف هذا: «حدثنا عن جماعة كثيرة لا تُعرَف، ذَكَر أنه كتب عنهم في السفر، وكان غير ثقة، لا أشكُّ أنه كان يركِّب الأحاديث ويضعها على مَن يرويها عنه، ويختلق أسماء وأنسابًا عجيبة لقوم حدَّث عنهم، وعندي عنه من تلك الأباطيل أشياء، وكنتُ عرضتُ بعضَها على هبة الله بن الحسن الطبري (٢) فخرَّق كتابي بها، وجعل يعجب مني كيف أسمع منه!» (٣). ثم بيَّن الخطيبُ المصدرَ الذي سرق منه ابن الخفَّاف هذا الحديث فقال: «وقد رُوي عن المقرئ من طريق مظلم»، فساقه من طريق أبي مسرَّة عزَّاز بن عبد الله بن عزَّاز البصري قال: حدثنا علي بن محمد بن الحسن الجنديسابوري قال: حدثنا القاسم بن دهثم قال: حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ قال: حدثنا

стр. 167

المسعودي، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ مثل ما تقدم أو نحوه. ثم قال: «ومن ههنا أخذه ابن الخفاف، لزقه على الصائغ الذي ذَكر أنه حدَّثه به عن بشر بن موسى عن المقرئ، والله اعلم» (١). فبيَّن الخطيبُ أن ابن الخفَّاف سرقه من عزَّاز، فرواه عن عبد الله بن محمد بن الصائغ عن بشر بن موسى عن المقرئ به، والصائغ لا وجود له، اختلق الخفافُ اسمَه (٢). إلا أنَّ الذهبي ترجم في «ميزان الاعتدال» لعبد الله بن محمد الصائغ، وقال: «أحد الكذَّابين، مذكور في تاريخ الخطيب»، وساق له هذا الحديث ثم قال: «موضوع المتن والإسناد» (٣). والصائغ لا ناقة له ولا جمل في هذا الحديث، بل هو اسم لا وجود له، كما قرر الخطيب، والله أعلم. - المثال الخامس: روى الخطيب في ترجمة أبي سعيد الحسن بن علي بن زكريا العدوي ومن طريقه، عن كامل بن طلحة قال: حدثنا ابن لهيعة قال: حدثنا سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ في السماءِ الدُّنيا ثمانين

стр. 168

ألفَ مَلَكٍ يستغفرون اللهَ لمن أحبَّ أبا بكرٍ وعمرَ، وفي السماءِ الثانيةِ ثمانون ألفَ مَلَكٍ يلعنون مَن أبغضَ أبا بكرٍ وعمرَ» (١). ثم قال: «وهذا الحديث وضعه العدوي على كامل بن طلحة، وإنما يرويه عبد الرزاق بن منصور البندار (٢)، عن أبي عبد الله الزاهد السمرقندي، عن ابن لهيعة، وأبو عبد الله الزاهد مجهول، فألزقه العدوي على كامل، وكامل ثقة، والحديث ليس بمحفوظ عن ابن لهيعة»، ثم ساق حديث عبد الرزاق بن منصور بإسناده (٣). والعدوي هذا كذَّاب، يسرق الحديث، وقد نقل الخطيب في ترجمته له عن ابن عدي أنه قال: «أبو سعيد الحسن بن علي العدوي يضع الحديث، ويسرق الحديث ويلزقه على قوم آخرين، ويحدث عن قوم لا يُعرفون، وهو متَّهم فيهم، إن الله لم يخلقهم، وعامة ما حدَّث به إلا القليل موضوعات، وكنا نتَّهمه، بل نتيقَّنه أنه هو الذي وضعها» اهـ (٤).

стр. 169

وقد عقد ابن عدي في ترجمة العدوي بابًا في ذكر ما سرقه العدوي من الحديث وألزقه على قوم آخرين (١). وذكر الخطيب عن الدارقطني أنه قال فيه: «متروك». وعن أبي محمد الحسن بن علي البصري أنه قال: «الحسن بن علي بن زكريا أبو سعيد العدوي أصله بصري سكن بغداد، كذَّاب على رسول الله ﷺ ، يقول على النبي ما لم يقُل» (٢). فقد سرق العدوي هذا الحديث من عبد الرزاق بن منصور، وأسقط شيخه الزاهد المجهول، وألزقه بكامل بن طلحة، ولم يحدِّث به كامل قط، بل ولا ابن لهيعة. ويبدو أن الخطيب قد استفاد نقد هذا الحديث من ابن عدي حيث قال: «وهذا حديث يرويه عبد الرزاق بن محمد بن منصور، عن أبي عبد الله الزاهد السمرقندي، عن ابن لهيعة، حدثناه عبد الملك بن محمد وغيره عن عبد الرزاق هذا، وألزقه العدوي على كامل، وليس الحديث عند كامل، ولا هو محفوظ عن ابن لهيعة؛ لأن أبا عبد الله الزاهد مجهول» (٣). ثم قال الخطيب: «وقد صنع العدوي لهذا الحديث إسنادًا آخر»، ثم ساقه من طريق عمر بن إبراهيم بن كثير قال: حدثنا أبو سعيد العدوي قال: حدثنا

стр. 170

طالوت بن عباد الجحدري قال: حدثنا الربيع بن مسلم القرشي، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ بنحوه. ثم قال: «وهذا الإسناد صحيح، ورجاله كلهم ثقات، وقد أتى العدوي أمرًا عظيمًا، وارتكب أمرًا قبيحًا، في الجرأة بوضعه أعظم من جرأته في حديث ابن لهيعة» (١). وإنما كانت جرأته في وضع هذا الحديث أعظم؛ لأنه ركَّب إسنادًا صحيحًا على متن موضوع، فقد يخفى حاله على كثير من الناس، ويغترُّ بظاهر الإسناد ويظن أنه صحيح، أما في حديث ابن لهيعة، فابن لهيعة ضعيف، فقلَّما يخفى ضعفُ حديثه على أحد، والله أعلم. يقول الذهبي: «وإن سرق فأتى بإسناد ضعيف لمتن لم يثبت سنده، فهو أخف جُرمًا ممن سرق حديثًا لم يصح متنه، وركَّب له إسنادًا صحيحًا، فإن هذا نوع من الوضع والافتراء» اهـ (٢). هذا، وقد روى هذا الحديث الأخير أبو نعيم الأصبهاني في «فضائل الخلفاء الراشدين» عن محمد بن إسحاق الأهوازي قال: حدثنا محمد بن علي الصيرفي (٣) قال: حدثنا طالوت بن عباد قال: حدثنا الربيع بن مسلم به (٤).

стр. 171

ومحمد بن إسحاق الأهوازي لم أستطع تعيينه، وقد وجدت راويين في نفس الطبقة تقريبًا؛ أحدهما: محمد بن إسحاق بن دار الأهوازي، والآخر: محمد بن إسحاق بن إبراهيم الأهوازي، وكلاهما متروك، ولهما ترجمة في «ميزان الاعتدال» (١)، فيحتمل أن يكون الأهوازي قد سرقه من العدوي وألزقه على الصيرفي، والله أعلم (٢). * * *

стр. 172

الفصل الثالث نقد الحديث بالطعن في ضبط الراوي وفيه مبحثان: - المبحث الأول: مفهوم الضبط وكيفية تحقُّقه في الراوي. - المبحث الثاني: النقد باختلال الضبط عند الخطيب.

стр. 173

المبحث الأول مفهوم الضبط وكيفية تحقُّقه في الراوي الضبط في اللغة: هو الحفظ بالحزم، يقال: ضبط الشيء ضبطًا: حفظه حفظًا بليغًا، ومنه قيل: ضبطتُ البلاد وغيرها إذا قمتُ بأمرها قيامًا ليس فيه نقص. ويقال: ضبط الرجل الشيء يضبطه ضبطًا، إذا أخذه أخذًا شديدًا (١). وفي اصطلاح المحدِّثين: نوعان؛ ضبط صدر، وضبط كتاب. أما ضبط الصدر: فهو أن يُثبِت ما سمعه بحيث يتمكَّن من استحضاره متى شاء. وأما ضبط الكتاب: فهو صيانته لديه عن تطرُّق الخَلَل إليه من حين سمع فيه وصحَّحه إلى أن يؤدِّي منه (٢). فتحقُّق الضبط في الراوي شرط رئيس في قبول حديثه، فلا يكفي أن يكون عدلًا في دينه، حتى يُضاف إلى ذلك حفظه وعلمه بما يحدِّث، وتثبُّته في الأخذ والرواية. قال الخطيب: «وإذا سَلِم الراوي مِن وضع الحديث وادِّعاء السماع ممَّن لم يلقه، وجانب الأفعال التي تُسقَط بها العدالة، غير أنه لم يكن له كتاب بما سمعه فحدَّث من حفظه، لم يصحَّ الاحتجاج بحديثه حتى يشهد له أهلُ

стр. 174

العلم بالأثر والعارفون به أنه ممَّن قد طلب الحديث وعاناه وضبطه وحفظه» (١). وبيَّن ﵀ أنَّ الضبط شرطٌ سواءٌ أكان عند التحمُّل أم عند الأداء، فقال عند ذكره للشروط الواجب توافرها في الراوي حتى تُقبل روايتُه: «يجب أن يكون المتحمِّل وقت تحمُّله عالمًا بما يسمعه، واعيًا ضابطًا له، حتى تصح منه معرفته بعينه عند التذكُّر له، كما عرفه وقت التحمُّل له، فيؤديه كما سمعه بلفظه إن كان ممن يروي الحديث بلفظه، وإن كان ممن يرويه على المعنى فحاجته إلى مراعاة الألفاظ والنظر في معانيها أشد من حاجة الراوي على اللفظ دون المعنى» (٢). - هذا إذا حدَّث من حفظه، أما إذا حدَّث من كتابه، فوجب عليه أن يكون صائنًا لكتابه محافظًا عليه من أيِّ تغيير أو تبديل أو تحريف أو زيادة أو نقصان. قال الخطيب: «ومَن سمع الحديث وكتبه، وأتقن كتابته، ثم حفظ من كتابه، فلا بأس بروايته» (٣). وأوضح ﵀ أن الذين يُرجع إليهم في معرفة ضبط الراوي مِن عدمه هم النُّقَّاد من أصحاب الحديث، فقال ﵀: «ما يُعرف به صفة المحدِّث العدل الذي يلزم قبول خبره على ضربين؛ فضرب منه يشترك في معرفته الخاصة

стр. 175

والعامة، وهو الصحة في بيعه وشرائه، وأمانته، ورد الودائع، وإقامة الفرائض، وتجنب المآثم، فهذا ونحوه يشترك الناس في علمه. والضرب الآخر: هو العلم بما يجب كونه عليه من الضبط والتيقُّظ، والمعرفة بأداء الحديث وشرائطه، والتحرُّز من أن يَدخل عليه ما لم يسمعه، ووجوه التحرُّز في الرواية، ونحو ذلك مما لا يعرفه إلَّا أهل العلم بهذا الشأن، فلا يجوز الرجوع فيه إلى قول العامة، بل التعويل فيه على مذاهب النُّقَّاد للرجال، فمَن عدَّلوه وذكروا أنه يُعتمَد على ما يرويه جاز حديثه، ومَن قالوا فيه خلاف ذلك وجب التوقُّف عنه» (١). وسيأتي في آخر الرسالة بيان كيفية معرفة الخطيب بضبط الراوي (٢). * * *

стр. 176

المبحث الثاني النقد باختلال الضبط عند الخطيب الضبط شرط في قبول خبر الراوي، فإذا لم يتحقَّق هذا الشرط في الراوي كان خبره مردودًا. نقل الخطيب في «الكفاية» عن القاضي أبي بكر محمد بن الطيب هو الباقلاني، أنه قال: «من عُرف بكثرة السهو والغفلة وقلَّة الضبط رُدَّ حديثه، ويُردُّ خبر مَن عُرِف بالتساهل في حديث رسول الله ﷺ » (١). وقد عقد الخطيب عدة أبواب في «الكفاية» قرَّر فيها أهمية التحقق من شرط الضبط في الراوي، ووجوب رَدِّ رواية من اختلَّ عنده هذا الشرط، ومن هذه الأبواب: - باب ترك الاحتجاج بمن كَثُر غلطُه، وكان الوهم غالبًا على روايته. - باب رَدِّ حديث أهل الغفلة. - باب رَدِّ حديث مَن عُرِف بقبول التلقين. - باب ترك الاحتجاج بمن عُرِف بالتساهل في سماع الحديث. - باب ترك الاحتجاج بمن عُرِف بالتساهل في رواية الحديث.

стр. 177

- باب ترك الاحتجاج بمن لم يكن من أهل الضبط والدراية، وإن عُرِف بالصلاح والعبادة (١). وهذه بعض الأمثلة التي تُبيِّن نقد الخطيب للأحاديث بالطعن في ضبط بعض رواتها: - المثال الأول: أورد الخطيب في ترجمة أبي سعد عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن سَوْرة أن القاضي أبا القاسم التَّنُوخي ذكر له أن أبا سعد بن سَوْرة حدَّثه من حفظه قال: حدثنا أبو عمرو إسماعيل بن نجيد قال: حدثنا أبو عبد الله البوشنجي محمد بن إبراهيم قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، عن سليمان التيمي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن كَذَبَ عليَّ متعمِّدًا، فليتبوَّأْ مقعدَه من النارِ» (٢). ثم قال الخطيب: «وقد وهم أبو سعد في رواية هذا الحديث هكذا؛ وذلك أن البوشنجي ليس عنده عن الأنصاري شيء ولا أدركه، وهذا الحديث عند ابن نجيد، عن أبي مسلم الكجي، عن الأنصاري، وإنما دخل الغلط فيه على أبي سعد لأنه رواه من حفظه، والله أعلم» (٣).

стр. 178

وأبو سعد بن سَوْرة لم يذكر الخطيب في ترجمته جرحًا ولا تعديلًا، ولكن ترجم له السُّبكي في «طبقات الشافعية»، وذكر عن عبد الغافر أنه قال فيه: «أحد العلماء الثقات الأثبات» (١). وهذا الحديث قد ذهب الخطيب إلى أن أبا سعد -مع ثقته- قد وهم فيه؛ لأنه حدَّث به من حفظه كما قال التَّنُوخي، فرواه عن ابن نجيد عن أبي عبد الله البوشنجي عن الأنصاري، والبوشنجي لم يروِ عن الأنصاري شيئًا ولا أدركه، فقد توفي الأنصاري سنة (٢١٥ هـ) (٢)، ووُلد البوشنجي سنة (٢٠٤ هـ) (٣). والصواب فيه أنه عن ابن نجيد، عن أبي مسلم الكجي، عن الأنصاري، فأخطأ أبو سعد فقال: «عن أبي عبد الله البوشنجي» بدل: «عن أبي مسلم الكجي». والحديث مشهور عن أبي مسلم الكجي عن الأنصاري؛ رواه الطبراني (٤)، وأبو نعيم (٥)، وابن عساكر (٦)، وهو في «حديث محمد بن عبد الله الأنصاري» (٧) من رواية أبي مسلم الكجي عن الأنصاري، والله أعلم.

стр. 179

- المثال الثاني: قال الخطيب في ترجمة هارون بن أحمد القطان: حدثني الحسن بن علي بن محمد بن المُذْهِب الواعظ من أصل كتابه العتيق قال: حدثني أبو القاسم هارون بن أحمد العلاف المعروف بالقطان إملاء من حفظه في سنة أربع وسبعين وثلاثمائة قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسماعيل الأَدَمي المقرئ سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة قال: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك، عن عائشة قالت: كانت ليلتي من رسول الله ﷺ ، فلمَّا ضمَّني وإيَّاه الفِراشُ قلتُ: يا رسول الله، ألستُ أكرمَ أزواجِكَ عليك؟ قال: «بلى يا عائشة». قلتُ: فحدِّثني عن أبي بفضيلة، قال: «حدَّثني جبريلُ أنَّ اللهَ تعالى لمَّا خلقَ الأرواحَ، اختار رُوحَ أبي بكر الصِّدِّيق من بين الأرواح، وجعلَ تُرابها من الجنة، وماءَها من الحَيَوان، وجعل له قصرًا في الجنة من دُرَّةٍ بيضاءَ، مَقاصيرها (١) فيها من الذهب والفضة البيضاء، وأنَّ اللهَ تعالى آلى على نفسه ألَّا يَسْلُبَه حسنةً، ولا يسألَه عن سيئة، وإنِّي ضَمِنتُ على الله كما ضمن اللهُ على نفسه ألَّا يكون لي ضجيعًا في حُفرتي، ولا أنيسًا في وحدتي، ولا خليفةً على أُمَّتي من بعدي إلا أبوكِ يا عائشة، بايعَ على ذلك جبريلُ، وميكائيلُ، وعُقِدَت خلافتُه برايةٍ بيضاءَ، وعُقِدَ لواؤه تحت العرش، قال الله للملائكة: رَضِيتُم ما رضيتُ لعبدي؟ فكفى بأبيكِ فخرًا أنْ بايعَ له جبريلُ وميكائيلُ وملائكةُ السماء، وطائفةٌ من الشياطين يسكنون البحرَ، فمن لم يقبل هذا فليس مني ولستُ

стр. 180

منه». قالت عائشة: فقبَّلتُ أنفَه وما بين عينيه، فقال: «حَسْبُكِ يا عائشةُ، فمَن لستِ بأُمِّه فواللهِ ما أنا بنبيِّه، فمن أراد أنْ يتبرَّأ من الله ومني فليتبرَّأ منكِ يا عائشةُ». ثم قال الخطيب: «لا يثبت هذا الحديث، ورجال إسناده كلهم ثقات، ولعله شُبِّه لهذا الشيخ القطان، أو أُدخِل عليه، مع أني قد رأيتُه من حديث محمد بن بابشاذ البصري، عن سلمة بن شبيب، عن عبد الرزاق، وابن بابشاذ راوي مناكير عن الثقات، وقد كان في أصل ابن المُذْهِب أحاديث صالحة عن هارون القطان عن البغوي، وكلها مستقيمة» (١). فهذا الحديث في متنه نكارة شديدة، غيرُ بعيد عن الوضع، ورواته كلهم ثقات، ولذلك فقد التمس له الخطيب علةً يطعن بها فيه، فوجد أنه من رواية هارون القطان وهو ثقة؛ حيث روى عنه ابن المُذْهِب عن البغوي أحاديث مستقيمة كما يقول الخطيب، إلا أنه لم يكن ضابطًا للحديث كما ينبغي. فقد سأل الخطيبُ ابن المُذْهِب عنه، فقال: «لم يكن ممن يُظَنُّ به الكذب، ولا تلحقه التُّهمة؛ لأنه لم يكن ممن يتصدَّى للحديث ولا يُحسنه، وكان من أهل القرآن والخير» (٢). ولذلك ذهب الخطيب إلى أنه ربما يكون بعض الكذَّابين قد أدخل هذا الحديث عليه، فاشتبه عليه، وظن أنه من حديثه فحدَّث به.
следующие страницы →